رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رب كلمة قالت لصاحبها: دعني

قديما قالت العرب: البلاء موكل بالمنطق. ومرادهم من ذلك: أن الكلام الذي لا خطام له مورد المهالك، وأن العاقل عليه إحكام لسانه وضبط ما يتفوه به، أي: ليقل خيرا أو ليصمت. لكن البعض مولع بالاستشراف السلبي أو بالحديث غير الموزون، وغاب عنه قول عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستشرفوا البلية، فإنها مولعة بمن تشرف لها». وقول الشاعر العربي صالح بن عبد القدوس: لا تنطقنْ بمقالةٍ في مجلسٍ... تخشى عواقبَها وكن ذا مَصْدقِ واحفظْ لسانكَ أن تقولَ فتبتلى... إِن البلاءَ موكلٌ بالمنطقِ إن العاقل لا يستدعي البلاء أبدا، بل يتفاءل ويفترض الخير ويحسن الظن ويعمل وفق الأسباب المشروعة له، ويأخذ من التاريخ زاد الحذر ممن أطلق لسانه فابتلى. هذا عبد الله بن مسعود يحكى قائلا: إِنَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا، فَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وَإِنْ قَتْلَ قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، وَاللَّهِ لأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتْلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، قَالَ: « اللَّهُمَّ افْتَحْ «، وَجَعَلَ يَدْعُو، فَنَزَلَتْ أَيَّةُ اللِّعَانِ؛ فَابْتُلِيَ بِهِ الرَّجُلُ بَيْنَ النَّاسِ، فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَلاعَنَا « فانظر كيف قاده النطق والاستشراف السلبي إلى الوقوع مما خشيه! وآخر يرفض دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالعافية، وينطق بما لا ينبغي فماذا حدث ؟ في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، وكان النبي إذا دخل على مريض قال:»لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ « ؛ فَقَالَ الرجل: قُلْتَ طَهُورٌ ! كَلَّا، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ - أَوْ تَثُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: فَنَعَمْ إِذًا. الأول ابتلي بما ذكر وكان يسعه الصمت، والثاني لم يقبل دعاء رسول الله فقال بلسانه ما وجده أمامه، وهكذا تقع الدواهي. ومن تأمل التاريخ جيدا وجدا كثيرا من المواقف تدلل على أن البلاء موكل بالمنطق، من ذلك ما قاله المؤمل الشاعر في امرأة من الحيرة كان قد تعلق بها: شفَّ المُؤمِّلَ يومَ الحيرةِ النَّظرُ... ليتَ المؤمِّلَ لم يُخلقْ لهُ بصرُ وكذلك مجنون ليلى حين قال: فلو كنتُ أعمى أخبطُ الأرضَ بالعصا... أصمَّ فنادتْني أجبتُ المنادِيا فعمي المؤمل وكذا مجنون ليلى، وكلاهما وقع عليه ما تفوه به، والعاقل من اتعظ بغيره.

2151

| 12 مايو 2024

اللهم صيبًا نافعًا

من آيات الله تعالى العظيمة إنزاله المطر بقدرته بين برق ورعد ليحي به موات الأرض، ويرد به شوارد الأنفس قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(الروم: 24) وأيا كان سب البرق هل هو من انطلاق شرارة كهربائية بين سحابتين محملتين بالكهرباء، أو بين سحابة وجسم أرضي كقمة جبل مثلاً مما ينشأ عنها تفريغ في الهواء يتمثل في الرعد الذي يعقب البرق، فإن القرآن الكريم لا يتوقف عند تلك الظواهر أو العلل، وإنما يتخذ من الظاهرة أداة ليصل القلب بالرب. ولذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يوجه الأمة إلى طريقة التعامل مع تلك الظواهر فقد روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سُرِّي عنه فعَرَّفته عائشةُ ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(ما أدري لعله كما قال قوم عاد {فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم}. هكذا أراد النبي أن يذكر أمته بنبي الله هود وإنذاره قومه بالأحقاف، ليذكرهم ويذكر المشركين في مكة بمصير الغابرين من زملائهم وأمثالهم، وقد كانوا على مقربة منهم. أنذر نبي الله هود قومه الذين عاشوا النعيم والسؤدد دون أن يشكروا المنهم، أنذرهم بالعذاب الأليم لكنهم ظلوا في طغاينهم يعمهون، استخفوا بهود وقالوا له ( أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) تبجح ظاهر، واستكبار واضح، وغرور بنعم لا يملكونها بل هي محض فضل الله عليهم، فلما استحقوا العذاب أرسل الله عليهم الحر الشديد، وحبس عنهم المطر، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف. ثم ساق الله إليهم سحابة، ففرحوا بها فرحاً شديداً، وخرجوا يستقبلونها في الأودية، وهم يحسبون فيها الماء (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) غرورهم بعد كل ما ابتلوا به لا يزال قائما، فظنوا العذاب بقية النعم التي هي حقهم من دون الناس، فكان الجواب ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ* تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ). لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى ناشئًا من أفق من آفاق السماء ترك عمله وإن كان في صلاته، ثم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه)، فإن كشفه الله (حمد الله) وإن مطرت قال: (اللهم صيبًا نافعًا).

627

| 21 أبريل 2024

واعبد ربك حتى يأتيك ليقين

لم يجعل الله لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، فما دام فيه نفس يتردد وعقل يفكر وقلب ينبض فهو عبد مسؤول عن صلاح نفسه وإصلاح محيطه أملا في نهضة شاملة لأمّته، هذا حال المؤمن المسؤول، أما (من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) فقد أوضح القرآن مآله (خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين). وما أجمل التعبير القرآني حين يصوره في عبادته (على حرف) عبادة هشة وعابد غير متمكن في العقيدة، ولا متثبت في الطاعة، يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى. ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب. هذان نموذجان أمام المسلم، وهو وحده من يقرر أي الطريقين يسلك حتى يسلم أو يهلك، وأمام عينه وهو يختار الطريق تحذير القرآن من الانتكاسة بعد الاستفاقة ومن الهدم بعد البناء (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم» [النحل:92]. وهو مثل ضربه الله لمن ينقض العهد وقد قيل في شأنه أنه مثل مضروب لامرأة حمقاء ملتاثة، ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها ثم تنقضه وتتركه مرة أخرى قطعاً منكوثة ومحلولة ! وكل جزئية من جزئيات التشبيه تشي بالتحقير والترزيل والتعجيب. وتشوه الأمر في النفوس وتقبحه في القلوب وهو المقصود. وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مثله كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة الملتاثة العقل، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه! واليوم وبعد انتهاء رمضان يقف كل مسلم أمام نفسه ليقول لها ما قاله الإمام الشبلي حين سئل: أيهما أفضل رجب أم شعبان؟ فقال: « كن ربانياً ولا تكن شعبانياً». ونحن نقول: كن ربانيا ولا تكن رمضانيا. رمضان كان وسيلة خير لإرضاء الله، وقد مضى، وبقي لك الاستمرار على الطاعة، مقتديا بنهج النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان عمله ديمة، كما قالت عائشة رضي الله عنها وقد سئلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص يوماً من القيام؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع). وهذا لا يكون إلا بمحاسبة دقيقة للنفس والتعامل معها تعامل الحذر منها، الذي لا يأمن غوائلها، هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عمر: « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإنه أيسر وأهون لحسابكم، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتجهزوا للعرض الأكبر «يومئذ ٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية».

2166

| 14 أبريل 2024

تفريج الكربة

من القضايا التي أصلها الإسلام وجعلها أحد أهم البنيان الاجتماعي هو قضاء حوائج الناس والإحسان إليهم وتفريج كربهم، وهذا الفضل لا يُحسِنه كُلُّ أحدٍ، ولا يوفق إليه كل الناس، ورسولنا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كان من ضمن شمائله الكريمة: قضاء حوائج الناس، فقد قالت خديجة رضي الله عنها له يوم أن جاء فزعاً من الغار: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق». ومن تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه ما ترك سائلا إلا أعانه ولا فقيرا إلا أعطاه ولا صاحب حاجة إلى سعى في قضاء حاجته، وما توفيته غُرماء جابر وقضاءه دين بلال رضي الله عنهما، إلا غيض من فيض. إن الإحساس بآلام الناس والقيام بخدمتهم وقضاء حوائجهم من تمام رحمته صلى الله عليه وسلم، وكمال جُودِه وسَعيِه، وحسن أخلاقه وجميل صفاته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وليس عنه هذا بغريب فقد قال الله تعالى عنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. فكانت حياته كلها تجسيدا لتلك الرحمة، عن جابر بن عبد الله - رضِي الله عنه - قال: (ما سُئِل رسول الله - صلّى الله عليه وسلَّم - شيئًا قطُّ فقال: لا). وقد قعد النبي صلى الله عليه قواعد ثابتة في فضل تفريج الكرب في أحاديث كثيرة منها ما جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (من نفَّس (أزال) عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه). ومن فضل تفريج الكربات أنها من أعظم أسباب إجابة الدعوات. عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن تُستجاب دعوته وأن تُكشف كُربته فليفرج عن معسر». وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: (سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً، أو تقضي له ديناً، أو تطعمه خبزاً). إن من سعى في تفريج كربات الآخرين يسعى – في واقع الأمر وحقيقته – لتفريج كربة نفسه، قال تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنْفُسِكُمْ). وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنفسهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ). فالجزاء من جنس العمل، واعمل ما شئت كما تدين تدان، فعائد العمل يعود على صاحبه أول ما يعود، اعمل ما شئت فإنك مجزيّ به.

681

| 07 أبريل 2024

فضل كفالة اليتيم

التكافل الاجتماعي في الإسلام باب أصيل من أركان هذا الدين، ومكانة الضعيف فقيراً أو مسكيناً أو مريضاً أو مشرداً لها موقعها من الشريعة حتى تقدم أحياناً على بعض النوافل، ومن بين هؤلاء جاء في الشريعة التأكيد على حق اليتيم وهو: مَن مات أبوه وهو دون البلوغ. والمستعرض للقرآن يدرك جلياً تأكيد الإسلام على حق اليتيم قال الله عز وجل: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى). وبين القرآن أن الطبيعة البشرية لا تكرم ولا تهتم بهذه الفئة فقال: {كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}. وكأن القرآن يشير إلى أن هذا هو المعهود في البشر ولا ينبغي أن يكون بين جماعة المؤمنين. لذا جاء عظم حق اليتيم في الشريعة حتى إن تغافل حقوقه يعد تكذيباً بيوم الدين (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} وهي التفاتة عجيبة، لأن من يصدق بالدين لا يفعل هذا الفعل الشنيع. إن الإسلام قد رغّب في كفالة الأيتام ووعد عليها خيراً كثيراً رحمة بهذا اليتيم وبالمجتمع الذي ينشأ فيه، فكان الأجر العظيم أن بشر الكافل بمرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في جنة عرضها السماوات والأرض فقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا « وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً». وقد قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، فلا منزلة أفضل من ذلك. وهذا دليل واضح على أهمية كفالة اليتيم ومكانته الرفيعة في الإسلام. وكيف لا وكفالة اليتيم من أعظم أبواب الخير،ـ بل هي أحد مفاتيح الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ». ولا شك أن أي كفالة لليتيم مهما كانت مدتها يترتب عليها الأجر العظيم للكافل إذا أخلص النية لله سبحانه. كما أن من عناية الإسلام باليتيم أن جعل المسح على رأسهِ والحُنو عليه مذهبا لقسوة القلب؛ فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-:» أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ». وفي المقابل عليه أن يحذر من التفريط في حقه فإن ذلك من الذنوب العظام الموجبة لدخول النار: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}. هذا في التعرض لمال اليتيم فكيف بمن يتعرض له بالأذى من ضرْبٍ وشتم ونَحوه أشدُّ حرمة، فهذا والله جرمه خطير، فالإسلام حرم إذلال اليتيم أو التَّسلُّط عليْه، أو التَّعرُّض له بشيء يسوؤه بغير حق: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}.

912

| 06 أبريل 2024

لعلكم تتقون

ختمت آية الصيام ببيان العلة والغاية منه فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وهي والله السعادة لمن تسربل بها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) التقوى خير زاد المسلم في الحياة،أمر الله بالتزود منها فقال: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). هي زاد الصالحين وغنيمة المؤمنين، والأمان الذي لا خوف معه، والسعادة التي لا ندامة معها، وحقيقة التقوى تتمثل في فعل المأمورات واجتناب المنهيات. قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى. قالوا: يا أبا علي: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. إن المنح الربانية لمن رزق التقوى عظيمة، ومن ذلك وعد الله لهم بتفريج كرباتهم وإخراجهم من كل ضيق وكربة وكفايتهم أرزاقهم، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) وسبب نزول هذه الآية أن عوف بن مالك الأشجعي حين أسر المشركون ابنا له، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكا إليه الفاقة، وقال: إن العدو أسر ابني وجزعت الأم، فما تأمرني ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اتق الله واصبر، وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله "، فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فقالت: نعم ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت هذه الآية. كما أن من فضائل التقوى أن يرزق العبد فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، ويرزقه مع ذلك تكفير السيئات وغفران الذنوب، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ). ولو أن العباد حققوا تقوى الله حقا لفتحت عليهم البركات وأبواب الخيرات: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). ومن فضائل تقوى الله الحفظ من كيد الكفار، قال تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً). وقال تعالى: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ). هو وليهم وهم أولياؤه ; لأنهم يوالونه بالطاعة والإيمان، وهو يواليهم بالرحمة والجزاء، وذلك في قوله - تعالى -:(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وإذا كانت هذه البشارات في الدنيا فإنهم في الآخرة نعيم وكرامة ووعد بالنجاة من عذاب الله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً). وقال تعالى (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). ومن كرامته على الله أنه يحشرهم يوم القيامة مكرمين آمنين: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً). كما وعد الله عز وجل المتقين بجنات النعيم، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ).

675

| 04 أبريل 2024

فضل إفطار الصائمين

قال الله تعالى مخاطبا جموع المسلمين {وتعاونوا على البر والتقوى} والبر والتقوى كلمتان جامعتان لكل خير، هما سلوى كل مسلم حفي بالأجر المنتظر، وتلك نعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين حيث شرع لهم التعاون على البر والتقوى، وجعل لهم الأجر والثواب حتى تستقيم الحياة وتعمر القلوب ويحيا المجتمع حياة راشدة. وإن من البر والتقوى خاصة في مثل هذه الأيام: الحرص على: تفطير الصائم، لأن الصائم مأمور بأن يُفطر، وأن يُعجّل الفطر، فإذا قام المسلم بتفطير الصائم، سواء أكان ذلك صيام نافلة أو فريضة، فسيكون له من الأجر مثله، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئا. وقد دلت الأحاديث الكثيرة على فضل من فطر صائما منها: ما روي عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا). وعند ابن خزيمة والنسائي بلفظ: (من جهّز غازيا أو جهّز حاجا أو خلفه في أهله أو فطّر صائما، كان له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء). قال الإمام الطيبي في شرحه على لفظ ابن خزيمة والنسائي: «نظم الصائم في سلك الغازي لانخراطهما في معنى المجاهدة مع أعداء الله، وقدم الجهاد الأكبر»، فالصائم يُجاهد نفسه في ترك الطعام والشراب والشهوات، امتثالا لأمر الله تعالى وإذعانا له. وقال الإمام الطبري - كما نقل عنه ابن بطال -: «وفيه - أي في هذا الحديث - من الفقه أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بر فللمعين عليه أجرٌ مثل العامل»، فيا سعادة من أعان الناس على أفعال البر والخير. إن باب تفطير الصائم له مجالات متعددة من إطعام الفقير ما يأكل أو دفع مال له يشتري به طعاماً، على أن ذلك غير خاص بالفقير. وإن الجود في شهر رمضان له طعم آخر ومذاق آخر وشأن عظيم، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، وذلك لشرف وقته ومضاعفة أجره، وإعانة الصائمين والعابدين على طاعتهم فيستوجب المعين لهم مثل أجورهم. والجود هو سعة العطاء وكثرته، ويدخل فيه الصدقة وجميع أبواب البر والإحسان.. فلنكن عونا للغير ولنحصن نعم الله علينا بالشكر.

855

| 04 أبريل 2024

الصدق أعظم زينة

إن أعظم زينة يتزين بها المرء في حياته بعد الإيمان: زينة الصدق، فالصدق أساس الإيمان كما إن الكذب أساس النفاق، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما يحارب الآخر. والصدق بمعناه الضيق مطابقة منطوق اللسان للحقيقة، وبمعناه الأعم مطابقة الظاهر للباطن، فالصادق مع الله ومع الناس ظاهره كباطنه، ولذلك ذُكر المنافق في الصورة المقابلة للصادق، قال تعالى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِين..َ). والصدق التزام بالعهد، كقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ). والصدق نفسه بجميع معانيه يحتاج إلى إخلاص لله عز وجل، وعمل بميثاق الله في عنق كل مسلم، قال تعالى: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) فإذا كان أهل الصدق سيُسألون، فيكف يكون السؤال والحساب لأهل الكذب والنفاق ؟ والصدق من الأخلاق الأساسية التي يتفرع عنها غيرها، يقول الحارث المحاسبي: « واعلم - رحمك الله - أن الصدق والإخلاص: أصل كل حال، فمن الصدق يتشعب الصبر، والقناعة، والزهد، والرضا، والأنس، وعن الإخلاص يتشعب اليقين، والخوف، والمحبة، والإجلال والحياء، والتعظيم، فالصدق في ثلاثة أشياء لا تتم إلا به: صدق القلب بالإيمان تحقيقـًا، وصدق النية في الأعمال، وصدق اللفظ في الكلام «. وكل خلق جميل يمكن اكتسابه بالاعتياد عليه، والحرص على التزامه، وتحري العمل به، حتى يصل صاحبه إلى المراتب العالية، يرتقي من واحدة إلى الأعلى منها بحسن خلقه. ومن فضائل الصدق على المسلم أنه يُكتب عند الله صدّيقاً، ولذلك يقول - صلى الله عليه وسلم -: (وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يُكتب عند الله صدِّيقا)، وكذلك شأن الكاذب في السقوط إلى أن يختم له بالكذب: (وما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب، حتى يُكتب عند الله كذَّابا). ومن آثار الصدق وفضله ثبات القدم، وقوة القلب، ووضوح البيان، مما يوحي إلى السامع بالاطمئنان، ومن علامات الكذب الذبذبة، واللجلجة، والارتباك، والتناقض، مما يوقع السامع بالشك وعدم الارتياح، ولذلك: ((… فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة)) . ويوم القيامة يقال للناس: ( هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُم). وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن جزاء الذين يذعنون للحق، وسماهم سبحانه الصادقين وأن الذي ينفعهم هو صدقهم، والصدق شعبة مما طلبه الحق، ولكنه سبحانه جعله شعار المؤمنين، سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أيكون المؤمن جبانا؟ فأجاب عليه السلام: يكون المؤمن جبانا. وسئل: أيكون بخيلا؟ فأجاب عليه السلام: يكون بخيلا، وسئل: أيكون كذابا؟ فقال: لا يكون المؤمن كذابا». فالكذب والإيمان نقيضان لا يجتمعان، والإيمان يلازمه الصدق، وقد قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). إن المسلم يجب عليه أن يصدق القول بين الناس، فلا يروج عليهم كذبا، ولا ينشر بينهم شائعة، بل يصدقهم القول، ويتحرّى الصواب فيما يخبرهم به، ويتثبت فيما ينقله إليهم ولا يكن كحاطب ليل؛ فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». ومن اعتاد الصدق حظي بالثناء الجميل من سائر الناس وثقتهم، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً}.

1485

| 03 أبريل 2024

الصدق منجاة

روى ابن الجوزي في مناقب أحمد أنه قيل له: «كيف تخلصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال: لو وُضِع الصدق على جرح لبرأ». وعاقبة الصدق هي الخير - وإن توقع الصادق عكس ذلك - قال تعالى: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ) وفي قصة توبة كعب بن مالك خير مثال وشاهد ونورد هنا طرفا من حديثه الطويل، يقول كعب رضي الله عنه ( لمْ أَتخلَّفْ عَنْ رسولِ الله ﷺ، في غَزْوَةٍ غَزَاها قط إِلاَّ في غزْوَةِ تَبُوكَ..... وكانَ مِنْ خَبَري حِينَ تخلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ، في غَزْوَةِ تبُوك أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَة، واللَّهِ ما جَمعْتُ قبْلها رَاحِلتيْنِ قطُّ حتَّى جَمَعْتُهُما في تِلْكَ الْغَزوَةِ. ثم إن النبي تجهز ونوى كعب الذهاب معه لكنه التسويف! حجبه عن الذهاب حتى أيقن أنه لن يدركهم، وهنا أصابه الهم والحزن، يقول كعب ( فَلَّما بَلَغني أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ توَجَّهَ قَافلا منْ تَبُوكَ حَضَرَني بَثِّي، فطفقتُ أَتذكَّرُ الكذِبَ وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخطه غَداً وَأَسْتَعينُ عَلَى ذلكَ بِكُلِّ ذِي رَأْي مِنْ أَهْلي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قدْ أَظِلَّ قَادِمَاً زاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لم أَنج مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً ذَلك جَاءَهُ الْمُخلَّفُونَ يعْتذرُون إِليْه وَيَحْلفُون لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وثمَانين رَجُلا فَقَبِلَ منْهُمْ عَلانيَتهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتغفَر لهُمْ وَوَكلَ سَرَائرَهُمْ إِلى الله تعَالى. حتَّى جئْتُ، فلمَّا سَلَمْتُ تبسَّم تبَسُّم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ: تَعَالَ فجئتُ أَمْشي حَتى جَلَسْتُ بيْن يَدَيْهِ، فقالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَك، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي واللَّه لَوْ جلسْتُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَني سَأَخْرُج منْ سَخَطه بعُذْرٍ، لقدْ أُعْطيتُ جَدَلا، وَلَكنَّني وَاللَّه لقدْ عَلمْتُ لَئن حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذبٍ ترْضى به عنِّي لَيُوشكَنَّ اللَّهُ يُسْخطك عليَّ، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَديث صدْقٍ تجدُ علَيَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فِيه عُقْبَى الله واللَّه ما كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسر مِنِّي حِينَ تَخلفْتُ عَنك.قالَ: فقالَ رسولُ الله ﷺ: أَمَّا هذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فيكَ. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يكلم أحد كعبا ومن معه، فظل على هذا الحال خمسين ليلة وهو في ضيق شديد وبلاء عظيم يقول كعب: ( فَبينَا أَنَا جَالسٌ عَلَى الْحال الَّتي ذكَر اللَّهُ تعالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِى وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرضُ بمَا رَحُبَتْ، سَمعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ يَقُولُ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فخرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ فَآذَنَ رسولُ الله ﷺ النَّاس بِتوْبَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا حِين صَلَّى صَلاة الْفجْرِ.... فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: وَهوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ ولَدَتْكَ أُمُّكَ» فقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول اللَّهِ أَم مِنْ عِنْد الله؟ قَالَ: لاَ بَلْ مِنْ عِنْد الله، وكانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ حتَّى كَأنَّ وجْهَهُ قِطْعَةُ قَمر...قالَ كعْبٌ: واللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدانِي اللَّهُ لِلإِسْلام أَعْظمَ في نَفسِي مِنْ صِدْقي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَن لاَّ أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فأهلكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا) هذا طريق الصدق وتلك خاتمته.

927

| 02 أبريل 2024

فضل صلة الرحم

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ آية تهز المشاعر هزا، وتزلزل الأرض من تحت قدم كل قاطع لرحمه، وتوجب على الجميع شدة الحذر وتوخي السلامة. الرحم هم الأقرباء في طرفي الرجل والمرأة من ناحية الأب والأم وصلتهم في الإحسان إليهم قولا وفعلا، ويدخل في ذلك زيارتهم، وتفقد أحوالهم، والسؤال عنهم، ومساعدة المحتاج منهم، والسعي في مصالحهم. فالمؤمن الحق يصل ولا يقطع، ولا يخفى على مسلم أن من فضائل صلة الرحم أنها من الإيمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وهي من وسائل زيادة الرزق والعمر معا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه». وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء، فليتق الله وليصل رحمه». ومن أعظم فضائل صلة الرحم أنها سبب لصلة الله تعالى وإكرامه.عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». ولا شك أن الصلة الحقيقة هي صلة من آذاك. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها «. وعلى المسلم أن يحتسب الأجر في وصل من قطعه، وأن يقابل هجره بالصلة، وإساءته بالإحسان، وأن يعلم أن الله عز وجل مُعينه، وناصره. ومن فضل صلة الرحم أنها من أسباب دخول الجنة. قال صلى الله عليه وسلم: « يأيها الناس أفشوا السلام أطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» ثم إن قاطع الرحم ملعون قال الله تعالى: ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ).

1122

| 01 أبريل 2024

تحب العفو

كانت ‏إجابة النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها حين سألته: (أرأيت لو أدركت تلك الليلة -تعنى القدر- ماذا أقول؟ أجابها (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). ظن العبد بربه لا يخيب متى ما كان صادقا فيه، والجميع ينبغي أن يقف أمام تلك الآية وقفة راج محب (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).هذه آية تستوقفك لتهزك من داخلك هزا، تستنطق إيمانك مقرونة بأفعالك، ترشدك إلى البحث عن الجواب قبل أن تتجاوز الآية إلى ما بعدها! والآن السؤال: ما ظنك بربك وأنت في أول العشر الأواخر من رمضان؟! إن من أجلّ العبادات القلبية مكانة عند الله: حسن الظن فيه خاصة في هذه الأيام الفاضلة، لذا لا نعجب أن تواردت الآثار عن السلف مبينة وشارحة ومحرضة على حسن الظن به. - سعيد بن جبير يقول في دعائه» اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك». - عبد الله بن مسعود يقول «والذي لا إله غيره ما أُعطي عبد مؤمن شيئاً خير من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه؛ ذلك بأن الخير في يده». - وسفيان الثوري رحمه الله يقول: «ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي؛ فربي خير لي من والدي». - وعمار بن يوسف يقول: رأيت حسن بن صالح في منامي فقلت: قد كنت متمنياً للقائك؛ فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر! فلم أرَ مثل حسن الظن بالله عز وجل شيئاً. وقد تسأل عن العلة في ذلك؟ يجيبك الوحيان بأن حسن الظن يخرق الله به نواميس الكون متى ما كان العبد صادقا مضطرا منكسرا! دونك قصة أصحاب الكهف، وقد خرجوا فارين بدينهم من الموت ليجدوا أنفسهم أمام موت آخر؛ كهف مظلم شديد الظلمة ومصير فيه مجهول! هكذا يقول المنطق فماذا قالوا هم (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا) هكذا دفعهم حسن ظنهم بالله، بأن ينشر الله رحمته في الكهف ليستحيل ظلامه نورا، وخوفه أمنا. وقد كان؛ أوقف اللهم لهم نواميس الكون. فالكهف الوعر صار رحمةً ونورًا وسكينة، والشمس صارت تبتعد عن كهفهم وقت الشروق والغروب لئلا تؤذيهم بحرِّها، وضرب على آذانهم لئلا يستمعوا إلى شيء يوقظهم من نومتهم، وحفظ لهم أبدانهم كل هذه المدة دون قرحٍ أو أذى! وجعل الكلب يجلس في مقدمة الكهف ليُرهب مَن يقترب منهم، حدث كل هذا لثلاثة قرون، جوابا على حسن ظنهم بالله تعالى! - نبينا في الهجرة قال لصاحبه وقد اقتربت قريش من الغار ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؛ فكان الجواب المباشر (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى).

549

| 31 مارس 2024

فما ظنكم برب العالمين

آية تستوقفك لتهزك من داخلك هزا، تستنطق إيمانك مقرونة بأفعالك، ترشدك إلى البحث عن الجواب قبل أن تتجاوز الآية إلى ما بعدها! والآن السؤال: ما ظنك بربك وقد انتصف شهرك؟ إن من أجلّ العبادات القلبية مكانة عند الله: حسن الظن فيه خاصة في هذه الأيام الفاضلة، لذا لا نعجب أن تواردت الآثار عن السلف مبينة وشارحة ومحرضة على حسن الظن به - سعيد بن جبير يقول في دعائه «اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك». - عبد الله بن مسعود يقول «والذي لا إله غيره ما أُعطي عبد مؤمن شيئاً خير من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه؛ ذلك بأن الخير في يده». - وسفيان الثوري رحمه الله يقول: «ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي؛ فربي خير لي من والدي». - وعمار بن يوسف يقول: رأيت حسن بن صالح في منامي فقلت: قد كنت متمنياً للقائك؛ فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر! فلم أرَ مثل حسن الظن بالله عز وجل شيئاً. وقد تسأل عن العلة في ذلك؟ يجيبك الوحيان بأن حسن الظن يخرق الله به نواميس الكون متى ما كان العبد صادقا مضطرا منكسرا! دونك قصة أصحاب الكهف، وقد خرجوا فارين بدينهم من الموت ليجدوا أنفسهم أمام موت آخر؛ كهف مظلم شديد الظلمة ومصير فيه مجهول! هكذا يقول المنطق فماذا قالوا هم (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا) هكذا دفعهم حسن ظنهم بالله، بأن ينشرالله رحمته في الكهف ليستحيل ظلامه نورا، وخوفه أمنا. وقد كان؛ أوقف الله لهم نواميس الكون. فالكهف الوعر صار رحمةً ونورًا وسكينة، والشمس صارت تبتعد عن كهفهم وقت الشروق والغروب لئلا تؤذيهم بحرِّها، وضرب على آذانهم لئلا يستمعوا إلى شيء يوقظهم من نومتهم، وحفظ لهم أبدانهم كل هذه المدة دون قرحٍ أو أذى! وجعل الكلب يجلس في مقدمة الكهف ليُرهب مَن يقترب منهم، حدث كل هذا لثلاثة قرون، جوابا على حسن ظنهم بالله تعالى! - نبينا في الهجرة قال لصاحبه وقد اقتربت قريش من الغار ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؛ فكان الجواب المباشر (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى). - هاجر كانت وحدها في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء، قالت لإبراهيم (اذهب فلن يضيعنا الله!) فما كان جزاؤها؟ بئرًا مباركة يشرب منها الناس إلى يوم القيامة كرامةً لها. الله عند حسن ظن عبده به كما قال - صلى الله عليه وسلم - فأحسن في الله الظن وأقرن ذلك بالعمل، ولا تبك على ما فات، فما بقي أعظم مما مضى. إن كان شطرٌ قد ذهب يا قوم فالباقي (ذهبْ) بل إنَّه أغلى ففيه أعزُّ ما ربي وهبْ القدرُ والعشر الأخيــرة والجوائز والرُّتبْ وقوافل العُتَقاء في مسك الختام المحتسَبْ يا رب هبنا منك أفضل ما يُنال ويُكتسبْ العتق والرضوان والتــقوى وتفريج الكُرب

1758

| 27 مارس 2024

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

2358

| 23 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

783

| 24 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

639

| 26 مايو 2026

alsharq
قطر والرياضة العراقية.. صفحات من الوفاء

وقفت قطر مع العراق مواقف الأخوة العربية الصادقة...

621

| 26 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

615

| 23 مايو 2026

alsharq
لا أحد سيبدأ عنك

كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة...

606

| 25 مايو 2026

alsharq
أين يختبئ المثقف المتواضع؟

لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف...

588

| 26 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

582

| 22 مايو 2026

alsharq
معرض الكتاب.. الاستثنائي

كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح...

582

| 23 مايو 2026

alsharq
وللّه على الناس حج البيت

الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب،...

555

| 24 مايو 2026

alsharq
حين تتحول الثقافة إلى ألفة وطنية

مع إسدال الستار على فعاليات معرض الدوحة الدولي...

555

| 24 مايو 2026

alsharq
دبلوماسية المُيسّر.. كيف رسخت قطر دورها في تسهيل الوساطات الدولية؟

في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة...

528

| 26 مايو 2026

أخبار محلية