رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هدوء الوعي في زمن الضجيج

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ‏ليست كل ضجة حدثا، ولا كل خبر حقيقة، وأشد ما يرهق المجتمعات ليس ما يقع في الأرض وحده، بل ما يتسع في النفوس حين تتلقى بلا ميزان. ‏الآية تؤسس لمنهج يحرس المنابع قبل المصبات، تقف عند لحظة التلقي، حين تدخل الكلمة إلى السمع، وتستقر الصورة في البصر، ويتشكل الحكم في الفؤاد، هناك يبدأ البناء أو يبدأ التصدع. ‏الخطر ليس في الجهل، فالجهل يزول بالعلم؛ بل الخطر في اتباع ما لا نعلم، أن ننقل قبل أن نتبين، وأن نفسر قبل أن نتحقق، وأن نضخم قبل أن نزن، فيتحول السمع إلى ناقل قلق، والبصر إلى عدسة تهويل، والفؤاد إلى وعاء يرتجف مع كل شائعة، وما أكثر ما سبقت الإشاعة الواقعة، وما أكثر ما صنعت الكلمة في القلوب ما لم تصنعه الأحداث في الميادين. ‏قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فالتبين عبادة، وخلق من أخلاق المؤمن حين تشتد الفتن، فلا يكون جزءا من موجة تضخيم، بل جزءا من سكينة تعيد الأشياء إلى أحجامها. ‏وفي قلب هذا الاضطراب يبقى أصل لا يتغير، أن أقدار الله ماضية، وأن الذي يحفظ في البر هو الذي يحفظ في السماء والبحر، يحفظ خطى السائرين في الفلوات، كما يحفظ مسير السفن في اللجج، فلا يسبق خوفنا قدره، ولا تتجاوز ظنوننا حكمته. ‏فليكن وعيك حصنا، ولسانك أمينا، وقلبك ميزانا، فإن أول الزلل خطوة غير متثبتة، وأول النجاة وقفة صدق قبل أن تصدق أو تنقل أو تحكم. ‏اللهم يا من بيده ملكوت البر والبحر، ويا من تمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك، احفظ بلادنا بحفظك الذي لا يرام، واكلأها بعينك التي لا تنام، واكتب لها من لطفك ما يسبق الخطر، ومن عنايتك ما يدفع البلاء، ومن رحمتك ما يطفئ نار الفتن. ‏اللهم اصرف عنها السوء ما ظهر منه وما بطن، واكفها شر الضربات والاضطراب، وشر الإشاعات إذا سرت في الناس. ‏اللهم احفظ حدودها وأمنها، واحفظ أهلها في بيوتهم وأعمالهم وطرقاتهم، واجعل عليها سكينة من عندك تثبت القلوب وتطمئن النفوس. ‏اللهم ثبتنا على الحق عند الفتن، وألهمنا التبين عند الأخبار، واحفظ أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا أن تزيغ أو تنخدع، واجعلنا من أهل الثقة بك، وحسن التوكل عليك، إنك خير الحافظين وأنت نعم المولى ونعم النصير.

150

| 06 مارس 2026

بر الوالدين

برُّ الوالدين ليس خُلُقًا تقليديًا ارتبط بزمنٍ مضى، بل عبادة ممتدّة تتجدّد صورها بتجدّد الحياة. فالمعاني الكبرى لا تشيخ، لكنها تتخذ أشكالًا مختلفة مع تغيّر الأزمنة. ولذلك جاء الأمر الإلهي جامعًا مانعًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فجاء الإحسان إليهما مقرونًا بأعظم أصل في الدين، وكأن الرسالة أن صلاح علاقة الإنسان بربه لا ينفصل عن صلاح علاقته بوالديه. وليس البر مواقف استثنائية تُذكر في القصص، بل هو تفاصيل يومية صغيرة تتكرّر في صمت. كلمة لينة تُقال عند اختلاف، إنصات صبور لحديث متكرر، وقت يُقتطع من انشغال طويل، اهتمام صادق يسبق الطلب. هذه التفاصيل التي قد يراها الإنسان عادية هي في ميزان البر عظيمة، لأنها تعبّر عن احترام عميق لا عن أداء واجب مؤقت. وفي زمن تتسارع فيه الحياة، أصبح من أسهل أشكال التقصير أن ينشغل الأبناء بحياتهم ويظنّوا أن الحب مفهوم ضمنًا، وأن البر لا يحتاج إلى تعبير دائم. لكن القلوب، مهما كبرت، تحتاج إلى طمأنينة تُقال وتُفعل. وكم من والدين لا يريدان مالًا ولا هدايا، بل يريدان شعورًا بأن مكانتهما لم تتراجع في زحام الحياة. وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلة هذا الباب حين قال: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الوَالِدَيْنِ». فليس الأمر مجرّد خُلُق اجتماعي، بل طريق مباشر إلى رضا الله أو سخطه. ومن أدرك هذا المعنى تغيّرت نظرته إلى كل موقف صغير، لأن الكلمة العابرة قد تكون طاعة، والتأفّف الخفي قد يكون تقصيرًا كبيرًا. وبرُّ الوالدين في صورته المعاصرة يتّسع ليشمل أشياء لم تكن موجودة من قبل: التواصل الدائم ولو عبر الوسائل الحديثة، إشراكهما في تفاصيل الحياة، مراعاة مشاعرهما أمام الآخرين، والاختلاف معهما بأدبٍ يليق بمكانتهما. فالاختلاف لا يُلغى، لكن الأسلوب هو الذي يصنع الفرق بين البر والعقوق. ومن أعظم صور البر الصبر على طباعهما في الكِبَر. فكما صبرَا في الصِّغَر، يحتاجان في الكِبَر إلى صبرٍ مضاعف، ورحمةٍ أوسع، ورفقٍ أكثر. قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فنهى عن أدنى كلمة تضجّر، وكأن البر يبدأ من أدق التفاصيل قبل أعظمها. والمؤلم أن بعض الناس لا يدرك قيمة البر إلا حين يفقد الفرصة. تمر الأيام سريعًا، ثم يجد الإنسان نفسه يتمنّى كلمة لم يقلها، أو وقتًا لم يمنحه، أو موقفًا كان يستطيع أن يكون فيه أحنّ وألطف، وحينها يصبح الندم بلا قدرة على التعويض. نسأل الله أن يرزقنا برَّ والدينا أحياءً وأمواتًا، وأن يلين قلوبنا لهما، وأن يعيننا على الإحسان إليهما قولًا وفعلًا، وأن يجعل رضاهما سببًا في رضاه، وأن لا يجعلنا ممن يندمون حين لا ينفع الندم.

120

| 01 مارس 2026

الأمانة في زمن المصالح

الأمانة ليست خُلُقًا عابرًا يذكر في الكتب، بل ميزان دقيق تُوزن به قيمة الإنسان عند الله قبل الناس. قد تتغير الأزمنة وتختلف الظروف، لكن الأمانة تبقى ثابتة لا تتبدّل؛ لأنها مرتبطة بجوهر الإيمان، لا بمتطلبات الواقع. ولهذا جاء الأمر الإلهي واضحًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. أمرٌ عام يشمل المال والكلمة والعمل والمسؤولية والثقة وكل ما يُؤتمن عليه الإنسان. وفي زمن المصالح تصبح الأمانة أكثر صعوبة، لأن المغريات أكثر، والفرص متاحة، والرقابة البشرية قد تغيب. قد يبرّر الإنسان لنفسه التقصير بحجج كثيرة: الجميع يفعل ذلك، الظروف تفرض هذا، لا أحد سيلاحظ. لكن الحقيقة التي لا تتغيّر أن الرقابة الأولى ليست رقابة الناس، بل رقابة الله، وأن الأمانة تُختبر حين تغيب العيون لا حين تحضر. الأمانة في العمل ليست إنجاز المهمة فقط، بل إتقانها. ليست الحضور الجسدي، بل الحضور الضميري. هي أن تعمل كما لو كان عملك يُعرض على الله كل يوم، لأنك تعلم أنه كذلك. والأمانة في الكلمة أن تصدق حين تتكلم، وأن تحفظ السر حين يأتمنك أحد، وأن لا تنقل كلامًا يفسد القلوب. كم من علاقات انهارت بسبب كلمة لم تكن أمينة، وكم من ثقة ضاعت بسبب موقف استُهين به. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ». ربطٌ مباشر بين الأمانة والإيمان، لأن الأمانة ليست مهارة اجتماعية، بل خُلُق إيماني عميق. فإذا ضعفت الأمانة ضعفت الثقة، وإذا ضعفت الثقة تآكلت العلاقات، وإذا تآكلت العلاقات اختل المجتمع كله. والأمانة تبدأ من التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبيرة. تبدأ من الالتزام بالوقت، والصدق في الوعد، والعدل في الحكم، والإخلاص في العمل. هذه التفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تبني سمعة الإنسان وكرامته ببطء وثبات. والإنسان قد يخسر كثيرًا إذا ضاعت أمانته، لأنه قد يعوّض المال ولا يعوّض الثقة. وفي زمن المصالح تصبح الأمانة عبادة مضاعفة، لأن من يحافظ عليها يختار الطريق الأصعب. قد يخسر فرصة سريعة، أو مكسبًا قريبًا، لكنه يربح راحة الضمير وبركة الطريق. وما ضاع شيء عند الله، وما رُفع شيء بالباطل إلا سقط يومًا بثقله. والأمانة لا تحمي المجتمع فقط، بل تحمي صاحبها. فهي تمنحه احترام الناس، وثقة القلوب، وطمأنينة النفس. الإنسان الأمين يعيش مرتاحًا لأنه لا يحمل همّ كشف الأسرار ولا خوف افتضاح التقصير. نسأل الله أن يرزقنا أمانة في القول والعمل، وأن يجعلنا ممن يحفظون الحقوق ويؤدّون الواجبات، وأن يطهّر قلوبنا من الخيانة ولو في أصغر الأمور، وأن يجعل الأمانة خُلُقًا ثابتًا في حياتنا.

144

| 27 فبراير 2026

الغضب اختبار الأخلاق

الغضب ليس خطأً في ذاته، فهو شعور بشري وُضع في النفس لحكمة، لكنه يتحوّل إلى خطر حين يتجاوز حدّه ويقود صاحبه بدل أن يقوده صاحبه. لحظة الغضب هي اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة، ويظهر فيها المعدن الحقيقي للإنسان؛ لأن الأخلاق الهادئة سهلة، أما الأخلاق في لحظات الانفعال فهي الامتحان الصادق. وقد وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوهر القضية بكلمة موجزة حين قال: «لَا تَغْضَبْ». لم يكن المقصود إلغاء الشعور، بل إلغاء الاستسلام له. فالإنسان قد يغضب، لكنه لا يحق له أن يترك الغضب يقوده إلى كلمة جارحة أو قرار متسرع أو موقف يندم عليه طويلًا. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». فالقوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين، بل في الانتصار على النفس. الغضب لحظة قصيرة، لكن آثارها قد تمتد سنوات. كلمة تُقال في انفعال قد تهدم علاقة بُنيت في أعوام، وقرار يُتخذ في لحظة توتر قد يغيّر مسار حياة كاملة. كم من خصومة بدأت بجملة، وكم من قطيعة بدأت بنظرة غاضبة، وكم من ندم بدأ بلحظة لم يُضبط فيها اللسان. إن أكثر ما يندم عليه الناس ليس ما فعلوه بعد تفكير، بل ما قالوه في لحظة غضب. والغضب يختبر عمق الإيمان قبل أن يختبر قوة الشخصية. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. فربط كظم الغيظ بالعفو، وكأن الرسالة أن الغضب ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأن الذي يملك نفسه عند الغضب يملك أن يعفو، ومن يملك العفو يملك قلبه وحياته. والغضب لا يضر الآخرين فقط، بل يرهق صاحبه قبلهم. يسرق راحته، ويشوّش فكره، ويجعله يعيش في توتر دائم. الإنسان الغاضب يعيش مرهقًا حتى لو لم يتكلم، لأن الغضب نار داخلية قبل أن يكون سلوكًا خارجيًا. لذلك كان ضبط الغضب رحمة للنفس قبل أن يكون إحسانًا للناس. والعجيب أن أكثر ما يُطفئ الغضب هو التمهّل: لحظة صمت، خطوة ابتعاد، تغيير مكان، أو وضوء، كل ذلك كفيل بأن يبدّل رد الفعل. فالغضب يشبه موجة عالية، إن صبرت لحظات انكسرت وحدها. وما نندم عليه غالبًا هو الاستجابة الفورية لا الصمت المؤقت. نسأل الله أن يرزقنا حلمًا يسبق غضبنا، وحكمة تضبط كلماتنا، وقلوبًا تعرف كيف تعفو حين تستطيع، وأن يجعلنا ممن يملكون أنفسهم في لحظات الانفعال، ويخرجون من المواقف سالمين من الندم.

240

| 25 فبراير 2026

الكلمة الطيبة عبادة

الكلمة في ميزان الإسلام ليست صوتًا يذوب في الهواء، بل أثر يثبت في الأرض والسماء معًا. إنها موقف أخلاقي كامل، وعبادة خفية، ومرآة صادقة لما يسكن القلب. ولهذا جاء التوجيه الإلهي واضحًا جامعًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ وكأن هذا الأمر يرسم منهجًا للحياة كلّها، لا لحظة عابرة من الكلام. فالإنسان قد يُعرَف بعلمه أو ماله أو مكانته، لكن أثره الحقيقي يُعرَف بكلماته؛ لأن الكلمة تكشف الداخل، وتفضح ما يختبئ خلف المظاهر. إن الكلمة الطيبة عبادة يومية لا تحتاج مالًا ولا جهدًا، لكنها تحتاج قلبًا حيًّا يعرف وزن الحروف قبل أن يطلقها. كلمة تشجيع تُبعث في قلب متعب فتُعيد إليه ثقته، ومواساة تُقال في لحظة ألم فتخفف عبئًا ثقيلًا، ونصيحة تُقدَّم برفق فتفتح بابًا مغلقًا. هذه الكلمات تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في ميزان الله عظيمة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة». صدقة لا تُرى بالعين، لكنها تُكتب في صحائف الأعمال، وتبقى آثارها في القلوب سنوات طويلة. لكن الوجه الآخر للكلمة أشد خطرًا. فكما أن الكلمة الطيبة عبادة، فإن الكلمة السيئة قد تكون معصية جارحة تتجاوز لحظة النطق لتعيش في ذاكرة القلوب زمنًا طويلًا. كم من كلمة قاسية هدمت علاقة، وكم من عبارة جارحة أطفأت محبة، وكم من جملة قيلت في غضب تركت أثرًا لا يُمحى. الجراح التي تصنعها الأفعال قد تُنسى، أما الجراح التي تصنعها الكلمات فغالبًا ما تبقى حيّة في الذاكرة، يتردد صداها كلما مرّ الزمن. والكلمة السيئة لا تفسد الدنيا فقط، بل تلاحق صاحبها إلى الآخرة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ». كلمة واحدة لم تُوزن، لم تُراجع، لم يُفكَّر في أثرها، قد تكون سببًا في خسارة عظيمة. إن اللسان أخفُّ الجوارح حركة، لكنه أثقلها أثرًا في الميزان. وفي رمضان يتعلم اللسان الصمت كما يتعلم القلب الصبر. فالصائم لا يُطلب منه أن يترك الطعام والشراب فقط، بل أن يترك الأذى واللغو وسوء القول. كأن الصيام تدريب عملي على أن يعيش الإنسان مراقبًا كلماته كما يراقب عباداته، وأن يدرك أن الصمت أحيانًا عبادة، وأن الكلمة إن لم تكن خيرًا فتركها خير. نسأل الله أن يطهّر ألسنتنا من الأذى، وأن يجعل كلماتنا رحمةً للناس، وأن يرزقنا قول الخير والصمت عمّا سواه، وأن يجعل ما نقوله نورًا لنا يوم نلقاه، ولا يجعله حجة علينا.

519

| 24 فبراير 2026

محاسبة النفس دون قسوة

من أعظم ما يعين العبد على الانتفاع برمضان، والارتقاء فيه إيمانا وسلوكا، محاسبة النفس، ولكن المحاسبة التي تصلح ولا تحطم، وتقوّم ولا تقسّي، وتبعث الأمل ولا تولد اليأس. فليست محاسبة النفس جلدا للذات، ولا قسوة على القلب، ولا احتقارا للنفس، وإنما هي وقفة صدق ورحمة، يراجع فيها العبد طريقه ليحسن المسير. وقد كان السلف الصالح يرون محاسبة النفس أصلا عظيما من أصول الاستقامة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا. فالمحاسبة عندهم لم تكن باب قنوط، بل طريق نجاة. ورمضان هو الزمن الأنسب لهذه المحاسبة؛ لأن النفس فيه أرق، والشهوات أضعف، والقلوب أقرب. فمن لم يراجع نفسه في رمضان، فمتى يراجعها؟ ومن لم يقف مع تقصيره في هذا الموسم، ففي أي وقت يفعل؟ لكن الخلل يقع حين تتحول المحاسبة إلى قسوة؛ فيغالي الإنسان في لوم نفسه، ويضخم ذنوبه، ويغفل عن رحمة الله، فيقوده ذلك إلى الإحباط، وربما إلى ترك العمل. وهذا مسلك خطير، لم يكن من هدي السلف، ولا من منهج النبوة. وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: المؤمن قوّام على نفسه، يحاسبها لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا. ولم يكن يقصد بذلك جلد النفس، بل تهذيبها وتقويمها. ومحاسبة النفس دون قسوة تعني أن يسأل العبد نفسه أسئلة صادقة: هل صلاتي في رمضان أقرب إلى الخشوع؟ هل قلت ذنوبي أم ما زلت أصر عليها؟ هل تغير لساني؟ هل لان قلبي؟ هل زادت رحمتي بالناس؟ فإن وجد خيرا حمد الله وسأله الثبات، وإن وجد تقصيرا استغفر وتاب وسأل العون، دون أن يحتقر نفسه أو ييأس من الإصلاح. وكان بعض السلف يقول: لا تكرهوا أنفسكم على العبادة كرها، فتملوا، ولكن خذوها بالرفق؛ فإن هذا الدين متين. فالرفق بالنفس جزء من الحكمة، والقسوة عليها قد تؤدي إلى الانقطاع. ورمضان يعلمنا هذا التوازن؛ صيام مع رحمة، وقيام مع سكينة، ومحاسبة مع أمل. فمن حاسب نفسه برفق، دلّه ذلك على مواضع الخلل، وساعده على الإصلاح. أما من قسا على نفسه، فقد يغلق عليها باب الرجاء. وفي ختام هذا الحديث، نتذكر أن محاسبة النفس عبادة قلبية، لا تثمر إلا إذا اقترنت بالرحمة، وحسن الظن بالله، واليقين بأن الله يريد بنا الخير، لا العنت. فحاسب نفسك لتصلحها، لا لتكسرها، وعاتبها لتقودها إلى الله، لا لتبعدها عنه.

267

| 23 فبراير 2026

بين العبادة والعادة

إن من أخطر ما يهدد روح العبادة، خاصة في شهر رمضان، أن تتحول الطاعة من عبادة واعية إلى عادة مكررة، تؤدى بالجسد، ويغيب عنها القلب. فيصوم الإنسان لأنه اعتاد الصيام، ويقوم لأن الناس يقومون، ويقرأ القرآن لأن العادة جرت بذلك، لا لأن القلب متعلق بالله، ولا لأن الروح تطلب القرب منه. والفرق بين العبادة والعادة فرق عظيم؛ فالعبادة عمل ينبع من القلب، تحركه النية، ويقوده التعظيم، وتثمره الخشية. أما العادة فهي فعل مكرر، قد يخلو من المعنى، ويؤدى بلا حضور، وربما بلا أثر. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الخطر حين قال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) فليس كل من صام فاز، ولا كل من قام ربح، وإنما الفوز لمن صام بقلبه قبل جسده، وقام بروحه قبل بدنه. وكان السلف الصالح شديدي الخوف من أن تدخل العبادة عليهم من باب العادة. قال بعضهم: ما أخاف على نفسي من الذنب، ولكن أخاف أن يؤدى العمل بلا قلب. وكانوا يرون أن العمل إذا طال بلا حضور قلب صار ثقيلا، وفقد أثره، وإن كثر. رمضان بطبيعته قد يجر الإنسان إلى العادة دون أن يشعر؛ فالصيام يتكرر كل يوم، والقيام كل ليلة، والبرنامج واحد، والنفس تميل إلى الألفة، فإذا لم يجدد القصد، ولم يستحضر المعنى، تحولت العبادة إلى حركات رتيبة، لا تغير القلب، ولا تزكي النفس. ولهذا كان بعض السلف يقول: تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة؛ فإن لم تجده في هذه المواطن، فاسأل الله قلبا، فإنه لا قلب لك. فالعبادة الحقيقية تترك أثرا: خشوعا، وانكسارا، ومحبة لله، ونفورا من المعصية. أما العادة فلا تغير صاحبها، وقد يمضي عليها السنين وهو كما هو. ومن أعظم ما يميز العبادة عن العادة المراقبة؛ أن تستشعر أنك واقف بين يدي الله، وأنه مطلع على قلبك قبل عملك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾. وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصيام، ولكن العبادة التفكر في أمر الله، والعمل بطاعته. فليست القضية في الكم، وإنما في الصدق والحياة القلبية. وفي رمضان، يحتاج المسلم أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، ويسأل: هل صيامي عبادة أم عادة؟ هل صلاتي وقوف بين يدي الله أم مجرد قيام؟ هل قراءتي للقرآن مناجاة أم عد صفحات؟ وإذا وجد من نفسه فتورا أو غفلة، فليعلم أن الخلل ليس في العبادة، ولكن في القلب، وأن العلاج ليس بترك العمل، بل بتجديد النية، واستحضار المعنى، والدعاء بالقبول.

237

| 22 فبراير 2026

القلب محل النظر

إن من أعظم الحقائق التي ينبغي أن تغرس في النفوس، خاصة في شهر رمضان، أن القلب هو محل نظر الله من العبد، وأن صلاح الأعمال أو فسادها إنما ينبع من صلاح هذا القلب أو فساده. فليس الميزان عند الله كثرة الحركات، ولا وفرة الظواهر، وإنما الميزان ما استقر في القلب من صدق وإخلاص وخشية. وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم حين قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) فالقلب هو موضع النظر، وهو مبدأ السلوك، وهو قائد الجوارح، إن صلح صلحت، وإن فسد فسدت. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، ورمضان في حقيقته موسم لإصلاح القلوب قبل الجوارح، وميدان لتزكية الباطن قبل تزيين الظاهر. فكم من صائم أمسك عن الطعام والشراب، وقلبه مشغول بالحقد، أو متعلق بالدنيا، أو غافل عن الله!، وكم من قائم وقف بين يدي الله، ولسانه يقرأ، وقلبه ساه لاه!. وكان السلف الصالح يفهمون هذا المعنى فهما عميقا، فكان اهتمامهم بقلوبهم أعظم من اهتمامهم بجوارحهم. قال بعضهم: القلب ملك، والجوارح جنود، فإذا صلح الملك صلحت الجنود. وقال آخر: ما نظر إلى شيء من العبد أفضل من قلبه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. وهذه المحاسبة إنما تكون في القلوب أولا؛ لأن القلب هو موضع النيات، ومنبع الخواطر، ومصدر الإرادات. ورمضان فرصة عظيمة لتفقد القلب هل فيه تعظيم لله؟ هل فيه صدق في التوبة؟ هل فيه حب للطاعة، وكراهية للمعصية؟ هل فيه سلامة للمسلمين، ونقاء من الغل والحسد؟ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فالقلب السليم هو الغاية، وهو رأس المال الحقيقي، وهو الذي ينجي العبد يوم لا ينفعه صيامه ولا قيامه إن خلا من الإخلاص والخشية. وكان بعض السلف يقول: إصلاح القلب أشد من إصلاح العمل؛ لأن العمل يرى، وأما القلب فلا يراه إلا الله. ولهذا كان الخوف على فساد القلوب عندهم أعظم من الخوف على ترك النوافل.

141

| 21 فبراير 2026

النية سر القبول

إن من أعظم القضايا التي ينبغي أن تفتح بها القلوب في رمضان، وأن تراجع فيها النفوس بصدق، قضية النية؛ تلك الحقيقة الخفية التي لا يراها الناس، ولكنها عند الله هي الميزان، وهي الفارق بين العمل المقبول والعمل المردود، وبين القليل المبارك والكثير الضائع. رمضان موسم كثرة الأعمال، وتنوع الطاعات، من صيام وقيام وقرآن وصدقة، ولكن الخطر كل الخطر أن تنشغل الجوارح بالطاعة، ويغفل القلب عن النية. وقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم في حديث هو ميزان الأعمال كلها، فقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قال الإمام الشافعي رحمه الله: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه، لما له من عظيم الأثر في تصحيح الأعمال. وقال الإمام أحمد رحمه الله: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث، وذكر منها هذا الحديث، كما نقله ابن رجب في جامع العلوم والحكم. والنية في رمضان أعظم شأنا؛ لأن العمل فيه مضاعف الأجر، شديد الوقع، فمن صحت نيته تضاعف له الخير، ومن فسدت نيته خسر موسما كاملا. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، ذكره ابن أبي الدنيا في الإخلاص. والسلف الصالح كانوا أشد خوفا على نياتهم من خوفهم على أعمالهم. قال سفيان الثوري رحمه الله: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي؛ إنها تتقلب علي. وكان يوسف بن الحسين رحمه الله يقول: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر. رمضان مدرسة النية؛ لأنه عبادة خفية في أصلها، لا يطلع عليها البشر، فالصائم قد يكون وحده، لا يراه أحد، ومع ذلك يمتنع عن الطعام والشراب، لا لشيء إلا لأنه يعلم أن الله يراه. ولهذا جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) قال ابن رجب رحمه الله: وإنما اختص الصيام بذلك؛ لأنه سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه غيره. فمن صلح باطنه في الصيام، صلح ظاهره في سائر الأعمال. ومن هنا، فإن أعظم ما ينبغي أن يجدد مع دخول رمضان هو النية: نية الصيام إيمانا واحتسابا، ونية القيام طلبا للقبول لا للثناء، ونية قراءة القرآن طلبا للهداية لا للختمات، ونية الصدقة طلبا لرضا الله لا لمدح الناس.

117

| 20 فبراير 2026

رمضان موسم الاصطفاء والربح

رمضان شهر اختصه الله بفضائل عظيمة، فجعل فيه الصيام ركنا من أركان الإسلام، وأنزل فيه القرآن، ورفع فيه الدرجات، وكفر فيه السيئات. قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ ومع ذلك، فإن الخطر العظيم أن يتعامل المسلم مع رمضان كما يتعامل مع أي شهر آخر؛ يمر عليه مرور العادة، لا مرور العبادة، فينقضي الشهر وقد تغيرت المظاهر ولم تتغير القلوب. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة تضييع هذا الموسم، فقال: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له) إنه توبيخ شديد، ودعاء بالخسارة على من أدرك رمضان ولم يخرج منه مغفورا له، لأن الفرصة كانت متاحة، والأبواب كانت مفتوحة، لكن القلوب كانت غافلة. رمضان فرصة لا تتكرر؛ لأن الأعمار محدودة، والأيام معدودة، ولا أحد يملك ضمانا أن يدرك رمضان القادم. كم من أناس صاموا معنا العام الماضي، وهم اليوم تحت التراب! وكم من خطط ونيات قطعت بالموت قبل أن ترى النور! ولهذا كان السلف الصالح يعظمون هذا الشهر تعظيما بالغا، وكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم. ذكره ابن رجب في لطائف المعارف. والفرصة في رمضان ليست في كثرة الأعمال فقط، بل في تجديد العلاقة مع الله، في تصحيح النية، في كسر الاعتياد، في إحياء القلب بعد موته. فرب عمل صغير عظمته النية، ورب صيام لم يجاوز الحلق لأن القلب لم يحضر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه) فالإيمان والاحتساب هما روح الصيام، وهما اللذان يحولان الشهر من عادة سنوية إلى محطة تغيير حقيقية. ومن هنا، فإن أول واجب على المسلم في رمضان أن يسأل نفسه: هل أريد رمضان كما اعتدته، أم كما أراده الله؟ هل أريده شهر طقوس، أم شهر توبة ومراجعة؟ هل أريده شهر انشغال بالطعام، أم شهر غذاء للأرواح؟

213

| 18 فبراير 2026

رمضان بين الغفلة واليقظة

ليس بينك وبين رمضان إلا خطوات قليلة، ولكن بين قلبٍ غافلٍ وقلبٍ مستيقظ مسافة عمرٍ كامل. إنّه موعدٌ يتكرر في الزمن، لكنه لا يتكرر في الأعمار؛ لأن الذي يستقبله هذا العام قد لا يشهده في عامٍ آخر. هكذا يجيء رمضان كل مرة ليضع الإنسان أمام الحقيقة الكبرى: إن الفرص لا تدوم، وإن الأبواب التي تُفتح اليوم قد تُغلق غدًا دون استئذان. بعد أيامٍ يسوق الله إلى القلوب ضيفًا عظيمًا طال انتظاره، ضيفًا طالما وعدت النفس نفسها أن تستقبله بصدقٍ وعزم، ثم مضت الأعوام وما زال الوعد مؤجلًا، والعهد مؤخرًا، والتوبة مؤجلة إلى موسم آخر. وها هو الموسم قد عاد، وقد مُدَّ لك في الأجل مرة أخرى، وكأن السماء تناديك: لقد فُتح الباب من جديد، فهل تدخل أم تبقى في دائرة التسويف حتى يُغلق الباب فجأة دون استئذان؟ إن بلوغ رمضان ليس عادة تتكرر، بل نعمة كبرى لا يعرف قدرها إلا من عرف معنى الفقد. كم من وجوه كانت معنا في رمضان الماضي ثم صارت اليوم تحت التراب، انقطع عملها، وانتهت فرصتها، وصار رمضان بالنسبة إليها أمنية لا تُنال. وهنا يقف القلب أمام سؤال لا مهرب منه: ماذا ستفعل بهذه الفرصة التي لم تُمنح لغيرك؟ لقد أعلن النبي هذا المعنى إعلانًا يهز القلوب حين قال: «مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ». إنها صيحة توقظ الغافلين: إن المسألة ليست موسمًا عابرًا، بل محطة فاصلة بين مغفرة أو حرمان. إن استقبال رمضان في حقيقته عودة إلى الصفاء الأول؛ عودة إلى زمن الطهر قبل أن تكدّره الذنوب، وإلى نقاء القلب قبل أن تثقله الغفلة. إنه شهر تتفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتُسلسل الشياطين، وكأن الكون كله يُهيّأ لرحلة صعود روحي، فمن لم يصعد في هذا الموسم فمتى يصعد؟ في داخل الإنسان شهوات تضغط، وغضب يتربص، ونوازع تشده إلى الأرض، فجاء الصيام ليعيد ترتيب الداخل، ويعيد الإنسان إلى مقام العبودية الخالصة. فالصوم ليس حرمانًا بل تحرير، وليس امتناعًا بل ارتقاء، وليس كفًا للجسد بل انطلاق للروح. يا أهل الصيام والقيام، إن هذا الوافد العظيم لا يُكرم بالكلام، بل بالمجاهدة والعمل. استقبلوه بالتوبة الصادقة، وجددوا العهد مع الله، فإن أعمارنا أقصر من آمالنا، وأقرب مما نظن إلى نهايتها. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ إن الصيام مدرسة العبودية الكاملة؛ يأكل العبد حين يؤمر، ويمسك حين يؤمر، لا تحكمه شهوة ولا عادة، بل تحكمه كلمة الله وحدها. وهنا يتعلم القلب أن الطاعة ليست مزاجًا، بل استسلامًا كاملًا لله. ومن فضائل الصيام العظيمة: 1 - مغفرة الذنوب قال ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». 2 - الفرحتان العظيمتان قال ﷺ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ». 3 - الصيام عبادة لا مثل لها قال ﷺ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ». 4 - باب خاص في الجنة للصائمين قال ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ». 5 - تزكية النفس وتطهير العمل فرض النبي زكاة الفطر «طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ». إنها رحلة تبدأ بالتوبة، وتزدهر بالصبر، وتثمر بالمغفرة. رحلة تعيد تشكيل القلب ليولد من جديد قبل أن يولد يوم القيامة. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، والحمد لله رب العالمين

195

| 15 فبراير 2026

قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا فحسب، بل كان قبل ذلك مشروعًا تربويًا وأخلاقيًا متكاملًا. فقد صنع الإنسان قبل الدولة، وربّي الضمير قبل المؤسّسة، فانبثق مجتمع يرى القيم معيارا لحركته في التاريخ. ومن هنا كان الثبات على المبدأ مفتاحًا لفهم قوّة التجربة الإسلامية في نشأتها الأولى، كما يفسّر هذا مظاهر الضعف التي منيت به حين تراجع حضور القيم في مراحل لاحقة. لقد أسّست السيرة النبوية قاعدة راسخة مفادها أن المبادئ لا تخضع لميزان الربح والخسارة. ففي غزوة بدر، ومع شدّة الحاجة إلى النصرة، رفض النبي صلى الله عليه وسلم الاستعانة بمشرك، وقال: «ارْجِعْ؛ فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ». كما تجلّى الوفاء بالعهد حين قيّد حذيفة وأبوه بعهدٍ ألّا يقاتلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْصَرِفَا؛ نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ». إنّ هذه المواقف تؤكّد أن القيادة النبوية أرادت ترسيخ قاعدة أخلاقية مفادها أن الغاية لا تبرّر الوسيلة إذا ناقضت القيم. نشأ الصحابة على هذه التربية حتى أصبحت القيم جزءًا من تكوينهم النفسي والروحي. فبلال بن رباح تحمّل التعذيب تحت لهيب الصحراء مردّدًا: «أَحَدٌ أَحَدٌ». وثبت سعد بن أبي وقاص على إيمانه رغم تهديد أمّه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. وضرب صهيب الرومي مثالًا فريدًا حين قدّم ثروته كلّها مقابل حرّية الهجرة، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «رَبِحَ صُهَيْبٌ». كما أعلن أبو ذر إسلامه في قلب مكّة غير هيّابٍ للأذى، ثم لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ماشيًا مثالًا للإصرار والوفاء. وتبلغ هذه الروح ذروتها في موقف الحسن بن علي حين تنازل عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين، مقدّمًا وحدة الأمّة على طموح السلطة. لم ينقطع حضور هذه القيم بانتهاء عصر الصحابة؛ فقد ظلّ العلماء يمثّلون الضمير الأخلاقي للأمّة، فثبتوا على ما يرونه حقًّا ولو خالف السلطان. كما تحوّل الأدب العربي إلى مساحةٍ تجسّد العلاقة بين الكلمة والموقف، وقد انتهت حياة المتنبي قتيلًا حين أبى الفرار بعد تذكيره بقوله: فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ كما ثبت الأشتر النخعي في المعركة مستحضرًا قول ابن الإطنابة: أبتْ لي عفّتي وأبى بلائي وإقدامي على البطلِ المشيحِ وقولي كلّما جشأتْ وجاشتْ مكانَكِ تُحمَدي أو تستريحي ويقابل هذه النماذج المشرقة ظهور شخصيات باعت القيم طلبا للجاه والمال، فنافقت الخلفاء أو بالغت في مدحهم بما لا يجوز ولا يصح مثل قول ابن هانئ الأندلسي: ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ فاحكم فأنت الواحدُ القهّارُ وقد وصف القرآن عاقبة هذا المسار بقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾. إن التجربة التاريخية تكشف أنّ قوّة الحضارة الإسلامية ارتبطت بسلامة مجرى القيم في المجتمع. فعندما كانت المبادئ حيّةً فاعلة، قادت الأمّة العالم، وحين تحوّلت القيم إلى شعاراتٍ مجرّدة بدأ الضعف والتراجع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.

543

| 08 فبراير 2026

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8637

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4344

| 09 مارس 2026

alsharq
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران

-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...

1458

| 07 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1299

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1245

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1029

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

954

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

843

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

708

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

642

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

639

| 13 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

627

| 08 مارس 2026

أخبار محلية