رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تنشأ معاناة الإنسان في بعض الصداقات من انتهائها الصريح، بقدر ما تنشأ من بقائها في حالة معلقة بين القرب والغياب، حيث يتحول الاضطراب العاطفي إلى حالة استنزاف ممتدة، بسبب حضور متقطع، وود غير مستقر، وسلوك يفتقر إلى الوضوح والثبات، مما يجعل النفس أسيرة لحالة انتظار طويلة تستنزف طاقتها الشعورية والفكرية، ومع مرور الزمن لا يبقى تعلق الإنسان متجها إلى حقيقة الشخص بقدر ما يتعلق بصورة ذهنية قديمة كوّنها عنه في مراحل الصفاء الأولى، فينشأ نوع من الانفصال بين الواقع والتصور، إذ تستمر النفس في الدفاع عن الصورة القديمة رغم التحولات الواقعية الواضحة، وهنا تظهر آلية التبرير النفسي بوصفها محاولة داخلية لتخفيف صدمة الاعتراف بالحقيقة، فيُفسَّر الجفاء بالانشغال، والفتور بالتعب، والتغير بالظروف، لا لعجز الإنسان عن إدراك الواقع، بل لصعوبة تقبل سقوط الصورة المثالية التي بناها في أعماقه، ولهذا لم ينظر الإسلام إلى الصحبة باعتبارها قيمة مطلقة، وإنما ربط مشروعيتها وآثارها بما تحدثه في الدين والنفس والسلوك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله»، وهو توجيه يكشف البعد التربوي العميق للعلاقات الإنسانية، إذ إن أثر الصحبة لا يظهر دائما في الصدمات المباشرة، بل قد يتسلل تدريجيا عبر الاستنزاف النفسي البطيء، حتى تتحول العلاقة إلى مصدر قلق دائم واضطراب داخلي يفقد الإنسان سكينته واتزانه، ومن هنا فإن النضج النفسي والتربوي لا يتمثل في الإبقاء على جميع العلاقات مهما بلغت درجة أذاها، بل في امتلاك القدرة على التمييز بين الصحبة التي تعين الإنسان على الطمأنينة والنمو، وتلك التي تستنزف روحه وتضعف استقراره النفسي والإيماني، ولذلك فإن الابتعاد عن العلاقات المؤذية لا يعد دائما صورة من صور القطيعة السلبية، بل قد يكون حفاظا مشروعا على سلامة النفس، ولهذا يكتسب الحديث النبوي: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» بعدا أعمق، إذ لا يقتصر معنى الأذى على ما يؤذي الجسد أو الطريق الحسي، بل يمتد إلى كل ما يعطل سلام الإنسان النفسي ومسيره الإيماني
237
| 10 مايو 2026
إن من أعظم ما تُبتلى به القلوب أن تُزيَّن لها الخيانة باسم المصلحة، وأن تُلبس لباس الحكمة وهي في حقيقتها نقض للعهد، فيمضي الإنسان وهو يظن أنه يحسن صنعا، حتى يأتي يوم تُكشف فيه الحقائق، وتُجرّد الأفعال من أعذارها، وتُعرض كما هي، بلا تزويق ولا تأويل، هنالك لا ينفع تبرير، ولا يستر تأويل، بل يقوم كل امرئ بما كسب، ويُدعى باسمه، ويُعرَف بفعله، فإما لواء شرف يرفعه، وإما راية خزي تفضحه، ومن هنا كان هذا الحديث هزة للوجدان قبل أن يكون خطابا للعقل، لأنه لا يصف فعلا فحسب، بل يكشف مصيرا. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْغَادِرُ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» تأمل كيف لا يكتفي الحديث بذكر العقوبة، بل يرسم صورتها، صورة تُرى لا تُتخيل، تُعاش لا تُحكى، لواء يُرفع، واسم يُعلن، وفعل يُنسب، وكأن الغدر الذي كان يتخفّى في زوايا المصالح، ويُدفن تحت طبقات التبرير، قد جُرِّد من كل شيء، ثم أُقيم في ساحة مكشوفة، لا جدران فيها تستر، ولا أعذار فيها تُقبل، ولا وجوه فيها تُدار، بل حقيقة عارية تُعرض، وعدل ظاهر يُقام. إن الإنسان في الدنيا قد ينجح في إدارة صورته، قد يخفي ما شاء، ويظهر ما شاء، ويُقنع الناس بما شاء، وقد يلبس الخيانة لباس الحكمة، ويغلفها باسم الضرورة، ويجعلها في أعين من حوله موقفا ذكيا أو تصرفا حكيما، لكنه في الحقيقة إنما يفرّ من مواجهة نفسه قبل أن يفرّ من مواجهة الناس، لأنه يعلم في أعماقه أن ما فعله ليس اضطرارا بل اختيار، وليس ضعفا عارضا بل ميل مستقر. ولهذا جاء الجزاء من جنس الفعل، لأن الذي خان في الظل، لا بد أن يُكشف في العلن، والذي استتر بليل المصالح، لا بد أن يُفضح في نهار العدالة، والذي نسب إلى غيره ما لا يستحق، يُنسب إليه فعله على رؤوس الأشهاد، لا يُذكر بوصف عام، بل باسمه الصريح، وكأن هذا الإعلان ليس مجرد عقوبة، بل ردّ للحق إلى نصابه، وتسمية للأشياء بأسمائها بعد أن كانت تُحرّف وتُخفى. وليس في هذا المشهد مجرد فضيحة، بل انكشاف لمعنى أعمق، وهو أن الغدر ليس فعلا منفصلا عن صاحبه، بل هو أثر من آثار خلل في الداخل، في أصل العلاقة بين العبد وربه، وفي معنى الأمانة التي حُمِّلها، وفي ميزان القيم الذي يزن به أفعاله، ولذلك لم تكن العقوبة مجرد ألم يُذاق، بل كشف يُرى، لأن ما فسد في الداخل لا يُصلح إلا بأن يُظهر على حقيقته. وقد يتساءل المرء، لماذا هذا الإشهار، ولماذا لا يُعامل الغدر كغيره من الذنوب التي يُرجى سترها، والجواب أن الغدر اعتداء على ثقة، وهدم لمعنى الأمان، وإفساد لروابط تقوم عليها حياة الناس، فهو ليس ذنبا بين العبد وربه فحسب، بل جناية تمتد آثارها إلى غيره، ولذلك كان من العدل أن يُعلن، كما أُخفي، وأن يُظهر، كما استتر، ليُعلم أن الثقة ليست شيئا يُتلاعب به، وأن العهد ليس كلمة تُقال ثم تُنسى. ومن هنا نفهم أن الخطر في الغدر لا يكمن في نتيجته الظاهرة فقط، بل في أثره العميق في النفس، لأنه يدرّب القلب على الخيانة، ويعوّده على التلوّن، ويُضعف فيه معنى المراقبة، حتى يصبح الإنسان قادرا على أن يخون وهو لا يشعر بثقل الخيانة، وهنا تكون المصيبة، لأن فقدان الإحساس بالذنب أشد من الذنب نفسه. وقد يربح الغادر موقفا، أو ينجو من مأزق، أو يحصل على منفعة عاجلة، لكنه في كل ذلك يخسر شيئا أعظم، يخسر صفاء قلبه، ويخسر ثقة الناس به، ويخسر قبل ذلك وبعده نظر الله إليه بعين الرضا، وما قيمة مكسب يجر وراءه هذا الخسران كله. إن هذا الحديث لا يريد منك أن تترك الغدر خوفا من الفضيحة فقط، بل يريد أن يرفعك إلى مقام أعلى، مقام التعفف عنه ولو لم يُفضح، مقام الوفاء ولو لم يُمدح، مقام الصدق ولو لم يُشكر، لأن حقيقة الإيمان ليست في أن تترك الشر حين يُكشف، بل أن تتركه حين تقدر عليه، ولا يراك فيه أحد. وهنا يتبين أن النجاة لا تُصنع في لحظة الامتحان الكبرى، بل تُبنى في تفاصيل الحياة الصغيرة، في كلمة تُحفظ، وعهد يُصان، وأمانة تُؤدى، ووعد لا يُخلف، لأن هذه الأمور التي يراها الناس يسيرة، هي التي تُكوّن في مجموعها شخصية الوفاء، أو شخصية الخيانة. فاجعل لنفسك عهدا لا تخونه، ولو لم يطّلع عليك أحد، وكن صادقا مع الله قبل أن تكون صادقا مع الناس، فإن من صلح سره صلحت علانيته، ومن حفظ قلبه في الخفاء، حفظه الله في العلن، ومن تعفف عن الخيانة في مواضع القدرة، رفعه الله يوم تنكشف السرائر. وفي الختام ليست الفضيحة هناك إلا صورة لما كان هنا، وليست النجاة هناك إلا ثمرة لما زُرع هنا، فاختر لنفسك لواء يُرفع لك لا عليك، وذكرا يُقال فيك لا عليك، ووجها تلقى به ربك وهو عنك راضٍ.
243
| 02 مايو 2026
العقل في أصل خلقته ميزان، به يُعرف الحق من الباطل، وبه يُهتدى إلى سواء السبيل، وهو في طبيعته جندي للهداية، لا خصم لها، غير أنه إذا أُسلم لسلطان الهوى، تبدلت وظيفته، وانقلبت طبيعته، فصار يخدم ما كان ينبغي أن يحاكمه، ويزين ما كان ينبغي أن يرده، وهنا لا يبقى عقلا هاديا، بل يصير عقلا مبررا، لا يبحث عن الحقيقة ليخضع لها، بل عن المخرج ليتحصن به. وهذا العقل لا يولد فجأة، بل يتشكل في الخفاء، حين تتكرر لحظة صغيرة، يتغاضى فيها الإنسان عن صوت الحق في داخله، فيعتاد أن يقدّم راحته على صدقه، وسلامته الظاهرة على سلامته الباطنة، حتى يألف هذا الانحراف، ويغدو عنده عادة فكرية لا يشعر بها. حين يخون العقل وظيفته العقل السليم يقف عند الفعل وقفة محاسبة، يسأل قبل الإقدام لا بعده، يزن قبل أن يحكم، ويحتكم إلى معيار ثابت لا يتبدل بتبدل الرغبات، أما العقل التبريري فلا يبدأ بالسؤال، بل يبدأ بالنتيجة، يحسم الأمر في داخله وفق ما تميل إليه نفسه، ثم يستدعي الأدلة لاحقا، لا ليتأكد، بل ليُقنع، فيصير التفكير عنده أداة دفاع لا أداة بحث. وهنا يتحول العقل من قائد إلى تابع، ومن نور يكشف الطريق إلى ستار يُخفيه، فلا يعود يفرق بين الحق الذي ينبغي اتباعه، والباطل الذي ينبغي اجتنابه، بل يلبس أحدهما لباس الآخر حتى تختلط المعالم. التزيين أخطر من الوقوع الذنب في أصله ضعف، لكنه لا يزال يحمل في داخله بذرة الرجوع، لأنه يكسر صاحبه ويوقظ ضميره، أما إذا تلبس بالتبرير، صار مرضا مزمنا، لأن صاحبه لم يعد يرى فيه عيبا، بل يراه خيارا له مسوغاته، وهنا يتحول الخطأ من زلة إلى منهج. ولهذا كان التزيين أخطر من الوقوع، لأنه لا يكتفي بإسقاط الإنسان في الخطأ، بل يعيد تشكيل وعيه حتى لا يراه خطأ أصلا، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فالمصيبة ليست في الفعل وحده، بل في الصورة التي تُرسم له في القلب، حتى يبدو مقبولا، بل مبررا، بل مستحقا. من الذنب إلى القناعة العقل التبريري لا يقف عند حدود الدفاع، بل يتدرج في الهدم، يبدأ بتخفيف وقع الخطأ، ثم بتأويله، ثم بإعادة تعريفه، حتى يتحول من انحراف إلى رأي، ومن زلة إلى موقف، ومن فعل يُستحيا منه إلى فكرة يُدافع عنها. وهنا تقع الكارثة الصامتة، حين لا يعود الإنسان يخطئ وهو يشعر بالذنب، بل يخطئ وهو مطمئن، بل ربما وهو يظن أنه على صواب، فيصاب القلب بعمى لا تراه العين، ولا يكشفه التحليل، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، فيبقى الإدراك العقلي حاضرا، لكن الميزان الداخلي قد اختل، فلا يعود يميز بين ما ينبغي أن يُفعل وما ينبغي أن يُترك. معركة الداخل ليست المعركة الحقيقية في ساحات الخارج، بل في تلك اللحظة الخفية التي يقف فيها الإنسان بين نداءين، نداء الحق يدعوه إلى الرجوع، ونداء التبرير يزين له الاستمرار، وبينهما تتحدد وجهته، لا بما يفعله فقط، بل بما يرضى أن يسميه حقا في نفسه. والخطر كل الخطر أن يخسر الإنسان هذه المعركة وهو لا يشعر، فيظن أنه ثابت، وهو في الحقيقة ينحدر، ويظن أنه يفكر، وهو في الحقيقة يُعاد تشكيله من الداخل. طريق النجاة النجاة ليست في العصمة من الزلل، فإن هذا فوق طاقة البشر، وإنما في حفظ الصدق عند الزلل، أن يرى الإنسان خطأه كما هو، بلا تزيين ولا تهوين، وأن يملك شجاعة الاعتراف، لا مهارة التبرير، وأن يعود إلى ميزانه الأول كلما اختل. فإن التوبة لا تبدأ من ترك الذنب فقط، بل من كسر الصورة التي زُين بها، ومن إعادة الأشياء إلى أسمائها الحقيقية، فالكلمة التي تُحرّف لتُجمّل الخطأ، أخطر من الخطأ نفسه. إن العقل إذا لم يكن خادما للحق، صار خادما للهوى، وإذا لم يكن نورا يهدي، صار ظلمة تضل، فليحذر المرء أن يكون عقله حجة له في الظاهر، وهو عليه في الباطن، يبرر له حتى يسقط، ويزين له حتى يضل. وفي الختام نسأل الله أن يرد عقولنا إلى فطرتها، وأن يرزقنا بصيرة لا تنخدع، وقلوبا لا تُخدر، وأن يعصمنا من أنفسنا إذا مالت، ومن عقولنا إذا بررت، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله الموفق.
249
| 28 أبريل 2026
حين يُثار الحديث عن «التطوّر» بوصفه مصطلحًا فكريًّا وحضاريًّا، فلا يجوز أن يُتناول بوصفه لفظًا بريئًا، ولا أن يُحمَّل دلالات لغويةً ساذجة، ولا أن يُستمدّ معناه من معاجم اللغة وحدها؛ لأنّ المصطلحات – بخلاف الألفاظ المجرّدة – كياناتٌ حيّة، تتشكّل في قلب الصراع الفكري، وتتحرّك في مجرى التاريخ، وتكتسب معناها من السياق الحضاري الذي وُلدت فيه واستُعملت داخله. فمصطلح «التطوّر» لم ينشأ في البيئة العربية القديمة بصيغته الاصطلاحية المعاصرة، وإن كانت مادته اللغوية (الطور، والتحوّل، والانتقال من حال إلى حال) معروفة؛ لكنه بوصفه مفهومًا شاملًا للحياة والتاريخ والإنسان لم يتبلور إلا في السياق الفكري الحديث، حيث تحوّل من توصيف جزئيّ للحركة والتغيّر، إلى رؤية كونية كليّة، يُراد لها أن تفسّر الوجود والإنسان والحضارة تفسيرًا شاملًا. ومن هنا، فإنّ التطوّر ليس مجرّد نموٍّ آليٍّ، ولا تغيّرٍ تراكميٍّ أعمى، ولا حركةٍ ميكانيكية تُدفَع من الخارج، بل هو – في حقيقته – سلسلة تحوّلات داخلية وخارجية متداخلة، تصيب الكائنات والأشياء والوسائل الحضارية، فتنتقل بها من مرحلةٍ إلى مرحلة، في دوراتٍ قد تصعد وقد تنحدر، وقد تبلغ الذروة ثم تنقلب، وقد تنتهي إلى الفناء أو تُفضي إلى ولادةٍ جديدة. غير أنّ الإشكال الجوهري في مصطلح التطوّر لا يكمن في إنكار الظاهرة ذاتها؛ فالتطوّر واقعٌ مشهود في الكون والحياة والإنسان، وإنما يكمن في تحويله إلى شعارٍ أيديولوجيٍّ زئبقيّ، يُفصل عن القيم، ويُنزَع من غايته الإنسانية، ويُقدَّم باعتباره حركةً حتميةً إلى الأمام، مهما كان اتجاه هذا «الأمام»، ومهما كانت كلفته الأخلاقية والإنسانية. لقد أُفرغ التطوّر – في كثير من الأدبيات الحديثة – من أي معيارٍ أخلاقي، وصار يُقاس بالسرعة، وبالتراكم، وبالقدرة على السيطرة، وبالتفوّق التقني، لا بعمق الإنسان ولا بسموّ القيم. وهنا تحوّل من أداةٍ للفهم إلى أسطورةٍ مهيمنة، تُبرّر الثورة على الماضي، وتُقدّس القطيعة، وتسوّغ تحطيم الثوابت باسم التقدّم. وفي مواجهة هذا الانحراف، يقدّم التفسير الإسلامي تصوّرًا مختلفًا جذريًّا للتطوّر؛ تصوّرًا يربط الحركة بالغاية، والتغيّر بالمسؤولية، والنموّ بالميزان القيمي. فالتطوّر – في هذا الميزان – لا يكون تطوّرًا حقيقيًّا إلا إذا كان تقدّمًا نحو الأفضل، لا مجرّد انتقالٍ إلى المختلف، ولا اندفاعًا أعمى نحو الجديد. ومن هنا يُرفض التصوّر الذي يجعل التطوّر قانونًا زمنيًّا عامًا يحكم الإنسان والحجر والحيوان على السواء؛ فالإنسان ليس كائنًا طبيعيًّا محضًا، بل كائنٌ مكلَّف، واعٍ، مسؤول، والتاريخ الإنساني ليس تتابعًا بيولوجيًّا، بل مسارًا أخلاقيًّا ومعنويًّا. ولذلك فإنّ الحديث عن «تطوّر الإنسان» لا يصحّ إذا أُريد به تغيّر جوهره، وإنما الصحيح هو الحديث عن تطوّر الحضارة في الإنسان وبالإنسان. كما يرفض وهمَ التطوّر التلقائي، سواء أكان داخليًّا أم خارجيًّا؛ فلا أمةً تتطوّر بذاتها دون شروط، ولا حضارة تُستورد جاهزة دون أن تتحوّل إلى قشرةٍ زائفة! فالتطوّر الحضاري الحقيقي يحتاج إلى تمهيد داخلي: في العقيدة، وفي الرؤية، وفي القيم، وفي الوعي بالتاريخ والذات، قبل أن يتحقّق في الأدوات والوسائل. ومن هنا يتبيّن أنّ العقيدة، والتاريخ، والرؤية المستقبلية ليست عناصر منفصلة، بل هي البنية العميقة التي تقوم عليها عملية التطوّر. فحين تنفصل العقيدة عن الحركة، يصبح التطوّر قفزًا في الفراغ. وحين يفصم التاريخ، تتحوّل النهضة إلى مسخ مشوَّه. وحين تغيب الرؤية، يصير التقدّم تيهًا بلا بوصلة. ومن ثمّ، فإنّ التطوّر – في المنظور الإسلامي – فعلٌ إنسانيٌّ أخلاقي قبل أن يكون ظاهرةً تقنية. وهو ليس حتميةً عمياء، ولا مسارًا مضمونًا، بل أمانةٌ مشروطة، تخضع لقوانين السنن، وتُحاسَب بميزان القيم. وقد يخضع له المسلم وغير المسلم على السواء؛ فمن خالف المنهج، وانفصل عن القيم، وقطع الصلة بالهداية، أصابه قانون السقوط، مهما كان اسمه أو تاريخه. إنّ مجرّد حدوث «نموّ» أو «تغيّر» في جانب من الجوانب لا يكفي للحكم بوقوع التطوّر؛ إذ قد يتحقّق تحسّنٌ نسبيٌّ في جزئيةٍ ما، بينما تتدهور جوانب أخرى أكثر خطورة وأعمق أثرًا. ولذلك لا بدّ من مقياس شامل، يوازن بين خطّ التطوّر وخطّ التخلّف، ويمنع إصدار أحكامٍ نهائية متسرّعة حول «الحصيلة الأخيرة» بالنسبة للإنسان.
246
| 29 مارس 2026
في هذه الأزمات نحمد الله على ما أنعم به علينا من نعمة الأمن والأمان، فهي نعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها، ولا يدرك معناها إلا من عاش ساعة خوف أو اضطراب. ما بين الرسائل التحذيرية التي تصلنا، والرسائل التبشيرية التي تطمئننا، جهود عظيمة لا نراها، وسواعد مخلصة لا نعرفها، وأعين ساهرة تبقى يقظة ليبقى الناس آمنين. نحن في بيوتنا آمنون، وفي طرقنا مطمئنون، نغلق أبواب بيوتنا فننام، وهناك من أبقى عينه يقظة لئلا يقترب الخطر. نسلم لليل سكونه، وهناك من سهر ليحرس هذا السكون. جنود اختاروا أن يكونوا بين الخطر والناس، لئلا يبلغ الخوف البيوت، ولئلا يطرق القلق أبواب المدن، جعلوا أرواحهم دون أمن البلاد، يسبقون الخطر قبل أن يبلغ الناس، ويتقدمون الصفوف قبل أن يصل القلق إلى البيوت، فإن نام الناس كانوا الأعين الساهرة، وإن اطمأنت القلوب كانوا السور الذي يحرس هذا الاطمئنان. أبلغوهم أن النبي صلى الله عليه وسلم خلد مقامهم فقال »عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ... وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فطوبى لتلك الأعين التي سهرت لتحرس، وطوبى لتلك القلوب التي تحرس الناس وهي تعلم أن الله يراها، ويحصي سهرها، ويكتب أجرها. ألا لا تنسوهم الساعة من الدعاء، فإن الدعاء جند من جنود الله، وهو أقل ما يقدمه الآمن لمن يسهر لأمنه، اللهم احفظ جنودنا الذين وقفوا دون البلاد، واحرسهم بعينك التي لا تنام، واكتب لهم أجر المرابطين الصادقين، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وأيدهم بنصرك الذي لا يغلب. اللهم كما جعلتهم سببا لأمن الناس فاجعل لهم من أمنك نصيبا، ومن عنايتك حفظا، ومن رحمتك ظلا اللهم وأعدهم إلى أهليهم سالمين غانمين، واجعل ما يقدمونه للبلاد في ميزان حسناتهم، وأدم على بلادنا نعمة الأمن والأمان، واجعلها محفوظة بحفظك، مصونة بلطفك، إنك نعم المولى ونعم النصير.
237
| 15 مارس 2026
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ليست كل ضجة حدثا، ولا كل خبر حقيقة، وأشد ما يرهق المجتمعات ليس ما يقع في الأرض وحده، بل ما يتسع في النفوس حين تتلقى بلا ميزان. الآية تؤسس لمنهج يحرس المنابع قبل المصبات، تقف عند لحظة التلقي، حين تدخل الكلمة إلى السمع، وتستقر الصورة في البصر، ويتشكل الحكم في الفؤاد، هناك يبدأ البناء أو يبدأ التصدع. الخطر ليس في الجهل، فالجهل يزول بالعلم؛ بل الخطر في اتباع ما لا نعلم، أن ننقل قبل أن نتبين، وأن نفسر قبل أن نتحقق، وأن نضخم قبل أن نزن، فيتحول السمع إلى ناقل قلق، والبصر إلى عدسة تهويل، والفؤاد إلى وعاء يرتجف مع كل شائعة، وما أكثر ما سبقت الإشاعة الواقعة، وما أكثر ما صنعت الكلمة في القلوب ما لم تصنعه الأحداث في الميادين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فالتبين عبادة، وخلق من أخلاق المؤمن حين تشتد الفتن، فلا يكون جزءا من موجة تضخيم، بل جزءا من سكينة تعيد الأشياء إلى أحجامها. وفي قلب هذا الاضطراب يبقى أصل لا يتغير، أن أقدار الله ماضية، وأن الذي يحفظ في البر هو الذي يحفظ في السماء والبحر، يحفظ خطى السائرين في الفلوات، كما يحفظ مسير السفن في اللجج، فلا يسبق خوفنا قدره، ولا تتجاوز ظنوننا حكمته. فليكن وعيك حصنا، ولسانك أمينا، وقلبك ميزانا، فإن أول الزلل خطوة غير متثبتة، وأول النجاة وقفة صدق قبل أن تصدق أو تنقل أو تحكم. اللهم يا من بيده ملكوت البر والبحر، ويا من تمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك، احفظ بلادنا بحفظك الذي لا يرام، واكلأها بعينك التي لا تنام، واكتب لها من لطفك ما يسبق الخطر، ومن عنايتك ما يدفع البلاء، ومن رحمتك ما يطفئ نار الفتن. اللهم اصرف عنها السوء ما ظهر منه وما بطن، واكفها شر الضربات والاضطراب، وشر الإشاعات إذا سرت في الناس. اللهم احفظ حدودها وأمنها، واحفظ أهلها في بيوتهم وأعمالهم وطرقاتهم، واجعل عليها سكينة من عندك تثبت القلوب وتطمئن النفوس. اللهم ثبتنا على الحق عند الفتن، وألهمنا التبين عند الأخبار، واحفظ أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا أن تزيغ أو تنخدع، واجعلنا من أهل الثقة بك، وحسن التوكل عليك، إنك خير الحافظين وأنت نعم المولى ونعم النصير.
258
| 06 مارس 2026
برُّ الوالدين ليس خُلُقًا تقليديًا ارتبط بزمنٍ مضى، بل عبادة ممتدّة تتجدّد صورها بتجدّد الحياة. فالمعاني الكبرى لا تشيخ، لكنها تتخذ أشكالًا مختلفة مع تغيّر الأزمنة. ولذلك جاء الأمر الإلهي جامعًا مانعًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فجاء الإحسان إليهما مقرونًا بأعظم أصل في الدين، وكأن الرسالة أن صلاح علاقة الإنسان بربه لا ينفصل عن صلاح علاقته بوالديه. وليس البر مواقف استثنائية تُذكر في القصص، بل هو تفاصيل يومية صغيرة تتكرّر في صمت. كلمة لينة تُقال عند اختلاف، إنصات صبور لحديث متكرر، وقت يُقتطع من انشغال طويل، اهتمام صادق يسبق الطلب. هذه التفاصيل التي قد يراها الإنسان عادية هي في ميزان البر عظيمة، لأنها تعبّر عن احترام عميق لا عن أداء واجب مؤقت. وفي زمن تتسارع فيه الحياة، أصبح من أسهل أشكال التقصير أن ينشغل الأبناء بحياتهم ويظنّوا أن الحب مفهوم ضمنًا، وأن البر لا يحتاج إلى تعبير دائم. لكن القلوب، مهما كبرت، تحتاج إلى طمأنينة تُقال وتُفعل. وكم من والدين لا يريدان مالًا ولا هدايا، بل يريدان شعورًا بأن مكانتهما لم تتراجع في زحام الحياة. وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلة هذا الباب حين قال: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الوَالِدَيْنِ». فليس الأمر مجرّد خُلُق اجتماعي، بل طريق مباشر إلى رضا الله أو سخطه. ومن أدرك هذا المعنى تغيّرت نظرته إلى كل موقف صغير، لأن الكلمة العابرة قد تكون طاعة، والتأفّف الخفي قد يكون تقصيرًا كبيرًا. وبرُّ الوالدين في صورته المعاصرة يتّسع ليشمل أشياء لم تكن موجودة من قبل: التواصل الدائم ولو عبر الوسائل الحديثة، إشراكهما في تفاصيل الحياة، مراعاة مشاعرهما أمام الآخرين، والاختلاف معهما بأدبٍ يليق بمكانتهما. فالاختلاف لا يُلغى، لكن الأسلوب هو الذي يصنع الفرق بين البر والعقوق. ومن أعظم صور البر الصبر على طباعهما في الكِبَر. فكما صبرَا في الصِّغَر، يحتاجان في الكِبَر إلى صبرٍ مضاعف، ورحمةٍ أوسع، ورفقٍ أكثر. قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فنهى عن أدنى كلمة تضجّر، وكأن البر يبدأ من أدق التفاصيل قبل أعظمها. والمؤلم أن بعض الناس لا يدرك قيمة البر إلا حين يفقد الفرصة. تمر الأيام سريعًا، ثم يجد الإنسان نفسه يتمنّى كلمة لم يقلها، أو وقتًا لم يمنحه، أو موقفًا كان يستطيع أن يكون فيه أحنّ وألطف، وحينها يصبح الندم بلا قدرة على التعويض. نسأل الله أن يرزقنا برَّ والدينا أحياءً وأمواتًا، وأن يلين قلوبنا لهما، وأن يعيننا على الإحسان إليهما قولًا وفعلًا، وأن يجعل رضاهما سببًا في رضاه، وأن لا يجعلنا ممن يندمون حين لا ينفع الندم.
165
| 01 مارس 2026
الأمانة ليست خُلُقًا عابرًا يذكر في الكتب، بل ميزان دقيق تُوزن به قيمة الإنسان عند الله قبل الناس. قد تتغير الأزمنة وتختلف الظروف، لكن الأمانة تبقى ثابتة لا تتبدّل؛ لأنها مرتبطة بجوهر الإيمان، لا بمتطلبات الواقع. ولهذا جاء الأمر الإلهي واضحًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. أمرٌ عام يشمل المال والكلمة والعمل والمسؤولية والثقة وكل ما يُؤتمن عليه الإنسان. وفي زمن المصالح تصبح الأمانة أكثر صعوبة، لأن المغريات أكثر، والفرص متاحة، والرقابة البشرية قد تغيب. قد يبرّر الإنسان لنفسه التقصير بحجج كثيرة: الجميع يفعل ذلك، الظروف تفرض هذا، لا أحد سيلاحظ. لكن الحقيقة التي لا تتغيّر أن الرقابة الأولى ليست رقابة الناس، بل رقابة الله، وأن الأمانة تُختبر حين تغيب العيون لا حين تحضر. الأمانة في العمل ليست إنجاز المهمة فقط، بل إتقانها. ليست الحضور الجسدي، بل الحضور الضميري. هي أن تعمل كما لو كان عملك يُعرض على الله كل يوم، لأنك تعلم أنه كذلك. والأمانة في الكلمة أن تصدق حين تتكلم، وأن تحفظ السر حين يأتمنك أحد، وأن لا تنقل كلامًا يفسد القلوب. كم من علاقات انهارت بسبب كلمة لم تكن أمينة، وكم من ثقة ضاعت بسبب موقف استُهين به. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ». ربطٌ مباشر بين الأمانة والإيمان، لأن الأمانة ليست مهارة اجتماعية، بل خُلُق إيماني عميق. فإذا ضعفت الأمانة ضعفت الثقة، وإذا ضعفت الثقة تآكلت العلاقات، وإذا تآكلت العلاقات اختل المجتمع كله. والأمانة تبدأ من التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبيرة. تبدأ من الالتزام بالوقت، والصدق في الوعد، والعدل في الحكم، والإخلاص في العمل. هذه التفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تبني سمعة الإنسان وكرامته ببطء وثبات. والإنسان قد يخسر كثيرًا إذا ضاعت أمانته، لأنه قد يعوّض المال ولا يعوّض الثقة. وفي زمن المصالح تصبح الأمانة عبادة مضاعفة، لأن من يحافظ عليها يختار الطريق الأصعب. قد يخسر فرصة سريعة، أو مكسبًا قريبًا، لكنه يربح راحة الضمير وبركة الطريق. وما ضاع شيء عند الله، وما رُفع شيء بالباطل إلا سقط يومًا بثقله. والأمانة لا تحمي المجتمع فقط، بل تحمي صاحبها. فهي تمنحه احترام الناس، وثقة القلوب، وطمأنينة النفس. الإنسان الأمين يعيش مرتاحًا لأنه لا يحمل همّ كشف الأسرار ولا خوف افتضاح التقصير. نسأل الله أن يرزقنا أمانة في القول والعمل، وأن يجعلنا ممن يحفظون الحقوق ويؤدّون الواجبات، وأن يطهّر قلوبنا من الخيانة ولو في أصغر الأمور، وأن يجعل الأمانة خُلُقًا ثابتًا في حياتنا.
228
| 27 فبراير 2026
الغضب ليس خطأً في ذاته، فهو شعور بشري وُضع في النفس لحكمة، لكنه يتحوّل إلى خطر حين يتجاوز حدّه ويقود صاحبه بدل أن يقوده صاحبه. لحظة الغضب هي اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة، ويظهر فيها المعدن الحقيقي للإنسان؛ لأن الأخلاق الهادئة سهلة، أما الأخلاق في لحظات الانفعال فهي الامتحان الصادق. وقد وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوهر القضية بكلمة موجزة حين قال: «لَا تَغْضَبْ». لم يكن المقصود إلغاء الشعور، بل إلغاء الاستسلام له. فالإنسان قد يغضب، لكنه لا يحق له أن يترك الغضب يقوده إلى كلمة جارحة أو قرار متسرع أو موقف يندم عليه طويلًا. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». فالقوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين، بل في الانتصار على النفس. الغضب لحظة قصيرة، لكن آثارها قد تمتد سنوات. كلمة تُقال في انفعال قد تهدم علاقة بُنيت في أعوام، وقرار يُتخذ في لحظة توتر قد يغيّر مسار حياة كاملة. كم من خصومة بدأت بجملة، وكم من قطيعة بدأت بنظرة غاضبة، وكم من ندم بدأ بلحظة لم يُضبط فيها اللسان. إن أكثر ما يندم عليه الناس ليس ما فعلوه بعد تفكير، بل ما قالوه في لحظة غضب. والغضب يختبر عمق الإيمان قبل أن يختبر قوة الشخصية. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. فربط كظم الغيظ بالعفو، وكأن الرسالة أن الغضب ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأن الذي يملك نفسه عند الغضب يملك أن يعفو، ومن يملك العفو يملك قلبه وحياته. والغضب لا يضر الآخرين فقط، بل يرهق صاحبه قبلهم. يسرق راحته، ويشوّش فكره، ويجعله يعيش في توتر دائم. الإنسان الغاضب يعيش مرهقًا حتى لو لم يتكلم، لأن الغضب نار داخلية قبل أن يكون سلوكًا خارجيًا. لذلك كان ضبط الغضب رحمة للنفس قبل أن يكون إحسانًا للناس. والعجيب أن أكثر ما يُطفئ الغضب هو التمهّل: لحظة صمت، خطوة ابتعاد، تغيير مكان، أو وضوء، كل ذلك كفيل بأن يبدّل رد الفعل. فالغضب يشبه موجة عالية، إن صبرت لحظات انكسرت وحدها. وما نندم عليه غالبًا هو الاستجابة الفورية لا الصمت المؤقت. نسأل الله أن يرزقنا حلمًا يسبق غضبنا، وحكمة تضبط كلماتنا، وقلوبًا تعرف كيف تعفو حين تستطيع، وأن يجعلنا ممن يملكون أنفسهم في لحظات الانفعال، ويخرجون من المواقف سالمين من الندم.
336
| 25 فبراير 2026
الكلمة في ميزان الإسلام ليست صوتًا يذوب في الهواء، بل أثر يثبت في الأرض والسماء معًا. إنها موقف أخلاقي كامل، وعبادة خفية، ومرآة صادقة لما يسكن القلب. ولهذا جاء التوجيه الإلهي واضحًا جامعًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ وكأن هذا الأمر يرسم منهجًا للحياة كلّها، لا لحظة عابرة من الكلام. فالإنسان قد يُعرَف بعلمه أو ماله أو مكانته، لكن أثره الحقيقي يُعرَف بكلماته؛ لأن الكلمة تكشف الداخل، وتفضح ما يختبئ خلف المظاهر. إن الكلمة الطيبة عبادة يومية لا تحتاج مالًا ولا جهدًا، لكنها تحتاج قلبًا حيًّا يعرف وزن الحروف قبل أن يطلقها. كلمة تشجيع تُبعث في قلب متعب فتُعيد إليه ثقته، ومواساة تُقال في لحظة ألم فتخفف عبئًا ثقيلًا، ونصيحة تُقدَّم برفق فتفتح بابًا مغلقًا. هذه الكلمات تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في ميزان الله عظيمة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة». صدقة لا تُرى بالعين، لكنها تُكتب في صحائف الأعمال، وتبقى آثارها في القلوب سنوات طويلة. لكن الوجه الآخر للكلمة أشد خطرًا. فكما أن الكلمة الطيبة عبادة، فإن الكلمة السيئة قد تكون معصية جارحة تتجاوز لحظة النطق لتعيش في ذاكرة القلوب زمنًا طويلًا. كم من كلمة قاسية هدمت علاقة، وكم من عبارة جارحة أطفأت محبة، وكم من جملة قيلت في غضب تركت أثرًا لا يُمحى. الجراح التي تصنعها الأفعال قد تُنسى، أما الجراح التي تصنعها الكلمات فغالبًا ما تبقى حيّة في الذاكرة، يتردد صداها كلما مرّ الزمن. والكلمة السيئة لا تفسد الدنيا فقط، بل تلاحق صاحبها إلى الآخرة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ». كلمة واحدة لم تُوزن، لم تُراجع، لم يُفكَّر في أثرها، قد تكون سببًا في خسارة عظيمة. إن اللسان أخفُّ الجوارح حركة، لكنه أثقلها أثرًا في الميزان. وفي رمضان يتعلم اللسان الصمت كما يتعلم القلب الصبر. فالصائم لا يُطلب منه أن يترك الطعام والشراب فقط، بل أن يترك الأذى واللغو وسوء القول. كأن الصيام تدريب عملي على أن يعيش الإنسان مراقبًا كلماته كما يراقب عباداته، وأن يدرك أن الصمت أحيانًا عبادة، وأن الكلمة إن لم تكن خيرًا فتركها خير. نسأل الله أن يطهّر ألسنتنا من الأذى، وأن يجعل كلماتنا رحمةً للناس، وأن يرزقنا قول الخير والصمت عمّا سواه، وأن يجعل ما نقوله نورًا لنا يوم نلقاه، ولا يجعله حجة علينا.
588
| 24 فبراير 2026
من أعظم ما يعين العبد على الانتفاع برمضان، والارتقاء فيه إيمانا وسلوكا، محاسبة النفس، ولكن المحاسبة التي تصلح ولا تحطم، وتقوّم ولا تقسّي، وتبعث الأمل ولا تولد اليأس. فليست محاسبة النفس جلدا للذات، ولا قسوة على القلب، ولا احتقارا للنفس، وإنما هي وقفة صدق ورحمة، يراجع فيها العبد طريقه ليحسن المسير. وقد كان السلف الصالح يرون محاسبة النفس أصلا عظيما من أصول الاستقامة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا. فالمحاسبة عندهم لم تكن باب قنوط، بل طريق نجاة. ورمضان هو الزمن الأنسب لهذه المحاسبة؛ لأن النفس فيه أرق، والشهوات أضعف، والقلوب أقرب. فمن لم يراجع نفسه في رمضان، فمتى يراجعها؟ ومن لم يقف مع تقصيره في هذا الموسم، ففي أي وقت يفعل؟ لكن الخلل يقع حين تتحول المحاسبة إلى قسوة؛ فيغالي الإنسان في لوم نفسه، ويضخم ذنوبه، ويغفل عن رحمة الله، فيقوده ذلك إلى الإحباط، وربما إلى ترك العمل. وهذا مسلك خطير، لم يكن من هدي السلف، ولا من منهج النبوة. وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: المؤمن قوّام على نفسه، يحاسبها لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا. ولم يكن يقصد بذلك جلد النفس، بل تهذيبها وتقويمها. ومحاسبة النفس دون قسوة تعني أن يسأل العبد نفسه أسئلة صادقة: هل صلاتي في رمضان أقرب إلى الخشوع؟ هل قلت ذنوبي أم ما زلت أصر عليها؟ هل تغير لساني؟ هل لان قلبي؟ هل زادت رحمتي بالناس؟ فإن وجد خيرا حمد الله وسأله الثبات، وإن وجد تقصيرا استغفر وتاب وسأل العون، دون أن يحتقر نفسه أو ييأس من الإصلاح. وكان بعض السلف يقول: لا تكرهوا أنفسكم على العبادة كرها، فتملوا، ولكن خذوها بالرفق؛ فإن هذا الدين متين. فالرفق بالنفس جزء من الحكمة، والقسوة عليها قد تؤدي إلى الانقطاع. ورمضان يعلمنا هذا التوازن؛ صيام مع رحمة، وقيام مع سكينة، ومحاسبة مع أمل. فمن حاسب نفسه برفق، دلّه ذلك على مواضع الخلل، وساعده على الإصلاح. أما من قسا على نفسه، فقد يغلق عليها باب الرجاء. وفي ختام هذا الحديث، نتذكر أن محاسبة النفس عبادة قلبية، لا تثمر إلا إذا اقترنت بالرحمة، وحسن الظن بالله، واليقين بأن الله يريد بنا الخير، لا العنت. فحاسب نفسك لتصلحها، لا لتكسرها، وعاتبها لتقودها إلى الله، لا لتبعدها عنه.
366
| 23 فبراير 2026
إن من أخطر ما يهدد روح العبادة، خاصة في شهر رمضان، أن تتحول الطاعة من عبادة واعية إلى عادة مكررة، تؤدى بالجسد، ويغيب عنها القلب. فيصوم الإنسان لأنه اعتاد الصيام، ويقوم لأن الناس يقومون، ويقرأ القرآن لأن العادة جرت بذلك، لا لأن القلب متعلق بالله، ولا لأن الروح تطلب القرب منه. والفرق بين العبادة والعادة فرق عظيم؛ فالعبادة عمل ينبع من القلب، تحركه النية، ويقوده التعظيم، وتثمره الخشية. أما العادة فهي فعل مكرر، قد يخلو من المعنى، ويؤدى بلا حضور، وربما بلا أثر. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الخطر حين قال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) فليس كل من صام فاز، ولا كل من قام ربح، وإنما الفوز لمن صام بقلبه قبل جسده، وقام بروحه قبل بدنه. وكان السلف الصالح شديدي الخوف من أن تدخل العبادة عليهم من باب العادة. قال بعضهم: ما أخاف على نفسي من الذنب، ولكن أخاف أن يؤدى العمل بلا قلب. وكانوا يرون أن العمل إذا طال بلا حضور قلب صار ثقيلا، وفقد أثره، وإن كثر. رمضان بطبيعته قد يجر الإنسان إلى العادة دون أن يشعر؛ فالصيام يتكرر كل يوم، والقيام كل ليلة، والبرنامج واحد، والنفس تميل إلى الألفة، فإذا لم يجدد القصد، ولم يستحضر المعنى، تحولت العبادة إلى حركات رتيبة، لا تغير القلب، ولا تزكي النفس. ولهذا كان بعض السلف يقول: تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة؛ فإن لم تجده في هذه المواطن، فاسأل الله قلبا، فإنه لا قلب لك. فالعبادة الحقيقية تترك أثرا: خشوعا، وانكسارا، ومحبة لله، ونفورا من المعصية. أما العادة فلا تغير صاحبها، وقد يمضي عليها السنين وهو كما هو. ومن أعظم ما يميز العبادة عن العادة المراقبة؛ أن تستشعر أنك واقف بين يدي الله، وأنه مطلع على قلبك قبل عملك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾. وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصيام، ولكن العبادة التفكر في أمر الله، والعمل بطاعته. فليست القضية في الكم، وإنما في الصدق والحياة القلبية. وفي رمضان، يحتاج المسلم أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، ويسأل: هل صيامي عبادة أم عادة؟ هل صلاتي وقوف بين يدي الله أم مجرد قيام؟ هل قراءتي للقرآن مناجاة أم عد صفحات؟ وإذا وجد من نفسه فتورا أو غفلة، فليعلم أن الخلل ليس في العبادة، ولكن في القلب، وأن العلاج ليس بترك العمل، بل بتجديد النية، واستحضار المعنى، والدعاء بالقبول.
294
| 22 فبراير 2026
مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
5037
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
4938
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1668
| 13 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
1116
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1038
| 11 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1005
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
720
| 13 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
714
| 14 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
681
| 12 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
651
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
603
| 11 مايو 2026
في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...
558
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية