رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الممحاة حين تكتبنا

قال لصاحبه: «الممحاة صنعت لمن يخطئون». فأجابه: «بل صنعت لمن يملكون الشجاعة لتصحيح أخطائهم». وكأن الممحاة، وهي تزيل أثرا من الورق، تعيد كتابة شيء في صاحب القلم: علاقته بنقصه، وقدرته على احتمال الحقيقة حين تخالف صورته عن نفسه. فأثقل ما في الاعتراف أن يقف الإنسان بين حق ظهر له، وصورة ألف أن يراها لنفسه؛ فيحسب أن سقوط رأيه يسقطه معه، وأن الرجوع يبدد مكانته. عندئذ يستقبل الدليل كأنه إهانة، ويعامل الناصح كأنه خصم، وينفق في حماية زلته ما كان يكفي لإصلاحها. وكلما طال دفاعه ازدادت كلفة الرجوع؛ لأنه سيعترف بالخطأ، وبما ارتكبه دفاعا عنه. وقد يبلغ من خداع النفس أن يتخذ قدرته على تبرير فعله دليلا على سلامته؛ فيطالب بالتثبت كلما دانه الدليل، ويرضى بأوهى الشواهد حين تزكيه. وهكذا يستعير الهوى لغة الإنصاف، ويصبح العقل حارسا لما كان ينبغي أن يكشفه. ويضع القرآن الإنسان أمام الشاهد الذي يحاول إسكاته: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة ۝ ولو ألقى معاذيره﴾ [القيامة: ١٤–١٥]؛ فقد يغير رواية الناس عنه، ويبقى عالما بما حذفه منها. ويبدأ الصلح مع النفس حين يتسع نظر الإنسان إليها ليرى ضعفها وخيرها معا؛ فلا تختصرها زلة في عينيه، ولا يمنعه خيرها من الاعتراف بما أخطأت فيه. يتقبل ذاته وهي تتعلم وتتعثر، ويمنحها من الرفق ما يعينها على احتمال المحاسبة؛ فقبول النفس لا ينبغي أن يكون جائزة مؤجلة إلى يوم تخلو فيه من العيوب. وحين يأمن المرء على قيمته من أن تهدمها زلة، يصبح أقدر على مواجهتها، وأقل حاجة إلى الاحتماء بالأعذار. ومن تمام هذا الصلح أن يستشير أهل الرأي والحكمة؛ يعرض عليهم ما التبس عليه، ويأذن لنصحهم أن يراجع ما استقر في نفسه. فالقرب الشديد من تجاربنا قد يحجب عنا بعض وجوهها، والكلمة الصادقة من حكيم قد تفتح طريقا أعيتنا رؤيته. ومن هذا القبول يستمد صبره على التغيير؛ فيمضي في إصلاح نفسه متدرجا، ولا يشترط على البداية كمال النهاية. وكلما تعثر راجع طريقه واستأنف سعيه، مستعينا بالله، رفيقا بنفسه، جادا في إصلاحها. ويحتاج هذا الطريق إلى بصيرة ترتب مواضع الإصلاح؛ فثمة حق ينبغي رده، وكلمة تحتاج إلى تصحيح، وعادة يحتاج تغييرها إلى صبر طويل. وحين يعرف المرء ما يبدأ به، وما يعينه على الثبات، ويصبر على زمن التعلم والتدريب، تصبح المراجعة عملا يراه في حياته، ويستعيد به ثقته في قدرته على التغير. فالتقدم الصغير الذي يتكرر يربي في النفس صدقا لا تصنعه الوعود الكبيرة التي يعقبها الفتور. وهكذا تستقر بينه وبين نفسه صحبة صادقة: يصحبها بالنصح حين تخطئ، وبالصبر حين تتغير، وبالرجاء حين تتعثر؛ وتبقى الممحاة إلى جوار القلم، شاهدة على أن في العمر متسعا للاستدراك، وأن ما بقي يستحق المحاولة.

234

| 30 أكتوبر 2026

حين يحرس الوعي الزيف!

قد يعرف الإنسان عيبه، ثم يجعل معرفته وسيلة لحمايته من التغيير. يشرح أسباب غضبه، ويحلل دوافع أنانيته، ويتحدث ببلاغة عن ضعف البشر؛ لكنه حين يطالب باعتذار أو رد حق، تتحول هذه المعرفة إلى أعذار. وهنا يصبح الوعي حارسا للزيف: يرى صاحبه الخطأ، ثم يستخدم قدرته على الفهم ليقنع نفسه بأن بقاءه معذور. فالوعي الصادق يبدأ حين نميز بين فهم الخطأ وتسويغه. معرفة الأسباب تساعدنا على الإصلاح، لكنها لا تمحو المسؤولية؛ فمن نشأ في بيئة قاسية قد يفهم سبب قسوته، غير أن هذا الفهم لا يبيح له ظلم أهله. وحسن النية قد يفسر كيف أخطأنا، لكنه لا يجعل الأذى الذي ألحقناه بالناس إحسانا. أما الوعي الزائف فيمنح الإنسان لغة ناضجة تخدم سلوكا لم ينضج. يسمي تعاليه اعتزازا بالنفس، وهروبه حفاظا على السلام، وإصراره ثباتا على المبدأ. وقد تكون هذه المعاني صحيحة في مواضعها، لكن الخداع يبدأ حين نستدعيها لحماية ما نحب، ونرفض السؤال عما إذا كانت تنطبق على أفعالنا حقا. وتنكشف هذه الحيلة عندما يأتينا الحق على لسان من نكره، أو يقتضي منا خسارة نخشاها. عندئذ ننشغل بغلظة الناصح، ونفتش في ماضيه، ونذكر حسن مقاصدنا؛ حتى يغيب السؤال الأول: هل أصاب فيما قال؟ وهكذا نجعل خطأ غيرنا ستارا يحجب خطأنا، مع أن إساءته في النصيحة لا تبرئنا مما نصح بشأنه. قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤– ١٥]. فالإنسان قد يدرك حقيقة موقفه، ولكنه يهرب من الثمن الذي يفرضه الاعتراف: اعتذار يكسر اعتداده، أو حق ينقص ماله، أو توبة تحرمه لذة ألفها. وحين يعز عليه تغيير الفعل، يغير اسمه، ثم يطمئن إلى الاسم الجديد. بل قد تتحول محاسبة النفس نفسها إلى باب للخداع؛ فيكثر المرء من إعلان تقصيره، ويجد في ألم الندم شعورا بالطهارة، ثم يعود إلى ما كان عليه. والندم بداية كريمة، لكنه يفقد أثره حين يصبح بديلا عن ترك الذنب وإصلاح ما أفسده. فليست قسوة حديثنا عن أنفسنا دليلا كافيا على صدق مراجعتها. ويمكن اختبار ذلك بسؤال عملي: ماذا تغير بعد كل هذا الفهم؟ هل اعتذرنا لمن آذيناه، وعدلنا الحكم الذي جار، وأوقفنا التصرف الذي نعرف ضرره؟ فإن بقيت المعرفة تزيد قدرتنا على الشرح وحده، فلعلنا نجمّل القيد بدلا من أن نفكه، ونستريح إلى تفسير العجز حتى ننسى قدرتنا على مقاومته. ومعيار الصدق أن تقودنا المعرفة إلى فعل نخالف به هوانا: ننصف خصما، ونقبل تنبيها، ونعيد حقا، ونصلح ظلما. ثم نسأل أنفسنا: أي حقيقة أعرفها، وأستهلك ذكائي في تأجيل مقتضاها؟ فقد يكون أشد ما يحجبنا عن الإصلاح عذرا نحسن صياغته، حتى نكاد نصدق أن دفاعنا عن أنفسنا دفاع عن الحق.

216

| 23 أكتوبر 2026

بين سلطان الإرادة وسكينة الرضا

للإنسان سلطان على اختياره، لا سيادة على أقداره؛ يملك أن يعزم ويسعى ويحسن التدبير، لكنه لا يملك أن يلزم الحياة بالصورة التي رسمها لنفسه. فبين ما نريد وما يقع مسافة تتداخل فيها إرادات الآخرين، وحدود الأسباب، وحكمة الله التي لا يحيط بها علمنا. ولهذا كانت مسؤوليتنا متعلقة بما نستطيعه، لا بكل ما نتمناه؛ إذ لا يستقيم عدل التكليف إلا مع حدود القدرة. ومنشأ كثير من العناء أن تتحول الرغبة في النفس إلى استحقاق متوهم؛ فيرى الإنسان أن صدق نيته يوجب تحقق أمنيته، وأن طول سعيه يمنحه حق الوصول. فإذا تأخرت الثمرة، لم يشعر بأنه فقد مطلوبا فحسب، بل كأن الحياة نقضت عهدا معه. وهنا يتضاعف الألم: ألم الفقد، وألم الاعتراض على وقوعه؛ ويحمل القلب عبء الحادثة وعبء مطالبته الوجود بأن يكون على غير ما كان. والعبودية تحرر الإنسان من هذا الوهم؛ فتضعه بين مسؤولية الاختيار وحدود الاقتدار. قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فالعزم قيام بحق القدرة، والتوكل معرفة بمن وهبها، وبأن الأسباب لا تستقل بإيجاد نتائجها. يعمل المؤمن لأن السعي مأمور به، ويرجو لأن رحمة الله واسعة، ويسلم لأن علمه بالخير أضيق من أن يجعل رغبته ميزانا لحكمة ربه. ولهذا لا يكون الرضا إلغاء للإرادة، ولا يكون التسليم تبريرا للتقصير. فما بقي قابلا للإصلاح فهو ميدان للعمل، وما انقضى وتعذر تغييره فهو ميدان للاعتبار. وقد يجتمع في الواقعة الواحدة رضا بما قدره الله، وسعي إلى رفع ضررها؛ فالمريض يرضى ويطلب العلاج، والمظلوم يصبر ويطالب بحقه. إنما يستقيم القلب حين يميز بين الاعتراض على الله، والاعتراض على ظلم الإنسان. والماضي مغلق من جهة استعادته، مفتوح من جهة ثماره فينا؛ نستطيع أن نستخرج منه معرفة، وأن نصحح به اختيارا، وأن نتوب من خطأ، لكننا لا نستطيع أن نسترد الزمن بمحاكمة النفس إلى ما لا نهاية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ». فهذا توجيه للإرادة نحو الممكن النافع؛ أما الاسترسال في تخيل ماض بديل، فقد يستهلك القدرة التي يحتاج إليها الحاضر. ولا تشترط سكينة الرضا أن يختفي الحزن؛ فقد يتألم القلب وهو مسلم، وتدمع العين وصاحبها حسن الظن بالله. وإنما النضج أن يبقى الألم في حدود البشرية، فلا يتحول إلى اتهام للحكمة، ولا إلى حكم نهائي على قيمة النفس ومستقبلها. والطمأنينة ثمرة انتقال الإنسان من طلب ضمان المآل إلى إحسان ما بين يديه. فقد لا يبلغ غايته، لكنه يبلغ صدق العبودية في طريقه؛ وقد يخسر ما أراد، ويحتفظ بقلبه من أن يصير أسيرا لما فقد. وتلك حريته: أن يبذل إرادته في موضع التكليف، ويستودع ما وراء قدرته عند الله؛ فلا يفسد سعيه بالاستسلام، ولا يفسد روحه بالخصومة مع القدر.

255

| 16 أكتوبر 2026

الخاطر ضيف

تعبر القلب في كل لحظة صور وذكريات ومخاوف لم يستدعها الإنسان، وتلك طبيعة النفس التي لا يملك المرء جميع ما يرد عليها، لكنه يملك موقفه مما ورد. وبين حضور الخاطر والاستجابة له مسافة دقيقة تتجلى فيها حريته ومسؤوليته؛ ففيها يختار أن يفحص الفكرة أو يصدقها، وأن يتركها تعبر أو يمنحها مقامًا وسلطانًا. فالخاطر ضيف لا صاحب دار، وعابر لا مقيم، ودعوى تعرض على القلب وليست حكمًا ملزمًا. والقلب العاقل قاض يفحص ما يرد عليه، فلا يصدق كل دعوى ولا يحارب كل خاطر، بل يزنه بميزان الحق والواقع. فمن الخواطر نذير صادق يدعو إلى مراجعة النفس، ومنها وهم يلبس ثوب اليقين، وخوف يتكلم بلسان الحكمة، ووسواس يقتحم المعنى المستقر فيورث القلق، من غير أن يكون اعتقادًا اختاره الإنسان أو حقيقة قام عليها الدليل. وتبدأ المشكلة حين يمنح المرء خاطره سلطة لا يستحقها؛ فيكرر النظر فيه، ويجمع له الشواهد، ويفسر الحوادث على ضوئه، حتى يتحول الاحتمال إلى يقين، والتوقع إلى واقع نفسي يعيشه قبل أن يقع. وعندئذ لا يعود الخاطر مرآة تكشف العالم، بل يصير زجاجًا ملونًا يغير صورة كل ما يقع خلفه. ولهذا فإن قولهم: «تخلص من أفكارك السلبية» تكليف بما لا يستطاع؛ فالخواطر لا تستأذن قبل حضورها، لكنها تستمد بقاءها من الانشغال بها. والصواب ألا يطاردها المرء فيطيل صراعه معها، ولا يستسلم لها فتقوده، وإنما ينظر فيها: فما وافق الحق انتفع به، وما خالفه تركه يمر كما جاء، من غير خوف من عودته ولا بحث مستمر عن معناه. والتفاؤل المطلق والتشاؤم المطلق سواء في مجاوزة العدل؛ فكلاهما حكم على المستقبل بلا بينة. غير أن الخاطر إذا طال مقامه غيّر العين التي تنظر، لا المنظور وحده؛ فمن أدمن توقع الأسوأ لم ير إلا ما فقد، وغاب عنه التمتع بما بقي، وصار كمن ينظر من ثقب إبرة فيحسب الثقب أفقًا، ثم يظن أن ضيق رؤيته ضيق في الحياة نفسها. ومن أنفع ما يعيد للبصر اتزانه الشكر؛ لأنه يرد النفس من مطاردة المفقود إلى شهود الموجود، ومن أسر الاحتمال إلى نعمة الحاضر، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. والشكر لا ينكر الألم، ولا يمنع السعي إلى تغيير الواقع، وإنما يمنع الألم من أن يستولي على المشهد كله، ويحفظ للنعمة حقها في زمن المحنة. وقد يكون الخاطر تذكيرًا بذنب أو تنبيهًا إلى تقصير، فسبيله التوبة والإصلاح، لا احتقار النفس واليأس منها؛ قال النبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». وهنا يتميز اللوم الهادم من الندم البناء: فالأول ينظر إلى النفس ليحطمها، والثاني ينظر إلى الحق ليرجع إليه؛ الأول يسجن الإنسان في ماضيه، والثاني يفتح له باب البداية. وغاية الأمر أن يتعلم الإنسان حسن استضافة خواطره: فلا يغلق دونها الأبواب، ولا يسلمها مفاتيح البيت. وإنما يستقر القلب بالصلح مع الله، والصدق مع النفس، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود؛ لأن من علق سكينته برضا الناس أو المال أو المنصب أو المكانة جعلها عارية تسترد. فراقب خواطرك دون أن تخافها، وامتحنها دون أن تستغرق فيها، وأحسن الظن بربك، وابدأ من جديد؛ فالخاطر ضيف، وإنما يهلك الإنسان حين يجعله سيد الدار.

141

| 09 أكتوبر 2026

ما لا تملكه يملكك

للأشياء طريقان إلى استلاب القلب: أن تملكها فتتعلق بها حتى تخشى زوالها، أو تغيب عنك فتظل مشغولا بطلبها وانتظارها. وقد يكون الغائب أشد حضورا من الحاضر؛ لأن اليد تنشغل بما تراه، أما القلب فيظل يفتش عما لا يراه، ويعيد السؤال نفسه كأن تكراره يقرّب الجواب. وأشد ما يستبد بالإنسان ما لم يحدث بعد، حين يحبس نفسه في احتمالاته؛ فالغد الذي لا تملكه واقعا قد يملكك خوفا، ويستنزف حاضرك وأنت تطارد مستقبلا لم يصل. وقد يجلس المرء في بيته آمنا، لكن قلبه يطوف بين أخبار يخشاها، وقرارات ينتظرها، وخسارات يتخيلها، حتى يعيش من الآلام ما لم يفرضه عليه الواقع. فإذا أثقل التفكير صدرك، فلا تسارع إلى اتهام إيمانك؛ فليس كل اضطراب ضعفا في اليقين. قد تكون تحاول أن تسبق الزمن، وتنتزع من الغيب جوابا قبل أوانه؛ فتحمل في يومك هما لم يأت يومه، وتتجرع في خيالك ألما لم يقع. والإنسان لا يملك أن يمنع كل ما يخافه بكثرة التفكير، لكنه قد يضيّع على نفسه سكينة الحاضر، ويضعف عن العمل الذي بين يديه. القلق إقامة في الممكن؛ يوزع عمرك الواحد على مصائر كثيرة، ويجعلك تتألم في كل واحد منها، ثم تعود لتجد أن شيئا لم يقع، وأن حاضرك وحده هو الذي مضى. وكلما حاولت إخضاع المجهول بكثرة التفكير، ازددت خضوعا له؛ لأن انشغالك به لا يمنحك قدرة على تغييره، وقد يحجب عنك ما تستطيع فعله الآن. إن المستقبل موضع تدبير الله، والحاضر موضع تكليف الإنسان. فخذ من يومك حقه: أد واجبك، واستشر من تثق بعقله، واعمل بما تقدر عليه، ثم لا تحمل نفسك مسؤولية ما لم يقع. وإذا ظهرت لك غدا أسباب جديدة، فتعامل معها في وقتها؛ فلكل يوم شأنه، ولكل نازلة ما يناسبها. وليس التوكل أن ينكشف لك الطريق كله، بل أن تمضي فيما بان لك منه، مطمئنا إلى أن خفاء بقيته عنك لا يعني خروجه عن علم الله وحكمته. فالعبد مأمور بالسعي، وليس مكلفا بامتلاك النتائج؛ يبذل السبب، ويحسن الظن بربه، ويعلم أن تدبير الله أوسع من نظره المحدود. ولهذا يرد الذكر القلب من فوضى الاحتمال إلى سكينة العبودية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فالذكر لا يعدك بغد يوافق مرادك، لكنه يصلك برب الغد؛ ولا يكشف لك ما سيقع، لكنه يوقظ فيك اليقين بأن شيئا لا يقع خارج علم الله، وأن رحمته أقرب من مخاوفك. خذ بالأسباب، ثم أخرج قلبك من التعلق بالنتائج. فما كتب لك سيأتيك في وقته، وما صرف عنك فلن تستحضره الحيلة. وحين تسلم إلى الله ما لا تملكه، يفقد المجهول سلطانه عليك؛ لأن النجاة ليست في معرفة الغد، بل في الثقة بربه. فامض مطمئن القلب، ودع الغد لرب الغد؛ فما لا تملكه لن يملكك، ما دمت قد سلمته لمن يملك أمرك وأمره.

285

| 02 أكتوبر 2026

أَعْيَاكَ مَنْ لَمْ يُشَاكِلْك

في «رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ» يقول ابن حبان: «وَالَّذِي يَزْدَادُ بِهِ الْعَاقِلُ مِنْ نَمَاءِ عَقْلِهِ: التَّقَرُّبُ مِنْ أَشْكَالِهِ، وَالتَّبَاعُدُ مِنْ أَضْدَادِهِ». فليست المشاكلة أن تجد نسخة منك تردد أقوالك، وتوافقك في كل رأي؛ فمثل هذا التشابه قد يريح العقل، لكنه لا ينميه. وإنما المشاكلة أن تتقارب الأصول وإن اختلفت الفروع، وأن تتآلف القيم وإن تنوعت الطباع، وأن يجتمع قلبان على الصدق والوفاء وحسن الظن، ولو اختلفت طرائق النظر والتعبير. فالمشاكل لك ليس من يرى بعينك، بل من يحفظ لك حقك حين يرى ما لا تراه. ومن أجمل ثمار المشاكلة أن يأمن الإنسان أن يظهر أمام صاحبه على حقيقته، فلا يزن كلماته خوفا من التأويل، ولا يخفي ضعفه خشية الاحتقار، ولا يتكلف هيئة ترضي صاحبه وتخالف فطرته. فبعض الناس يمنحك بمجرد حضوره مساحة تتسع فيها روحك، وبعضهم يضيق عليك حتى وأنت صامت؛ لأن الألفة ليست كثرة اللقاء، وإنما سقوط الكلفة، وطمأنينة القلب إلى القلب. ولذلك لا يكون القرب دليلا على الألفة؛ فقد تجالس إنسانا كل يوم وبينكما مسافة عمر، وتلقى آخر بعد غياب طويل فتسقط المسافات من أول كلمة. فالقرب الحقيقي ليس اقتراب الأجساد، بل انتفاء الوحشة بين الأرواح؛ ورب مجلس جمع الأبدان وفرق القلوب، ورب غياب طال وظل الود فيه حاضرا لا يشيخ. وأشد العلاقات إنهاكا ما يظل الإنسان فيها مطالبا بشرح نفسه: يفسر صمته، ويدافع عن صفائه، ويبرر مبادئه، ويثبت في كل موقف أنه لم يقصد شرا. فإذا طال الشرح، فربما لم يكن الخلل في العبارة، بل في القلب الذي يستقبلها؛ فالوفاء لا تقرؤه نفس لا تعرف إلا المصالح، والصدق يربك من بنى علاقاته على الأقنعة، والنقاء يبدو سذاجة في عين من اعتاد المكر. إن الصاحب الحق لا يمنحنا متعة المجلس فحسب، بل يشارك خفية في تشكيل نفوسنا؛ فنأخذ منه ميزانه في الحكم، وطريقته في رؤية الحياة، ولغته في الرضا والغضب، ثم نصير مع الأيام شيئا منه دون أن نشعر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». فالصحبة ليست وقتا يمضي، بل أثر يبقى، وقد ترفع الإنسان إلى ما لم يكن يبلغه وحده، أو تستنزله درجة بعد درجة حتى يألف ما كان يستنكره. ولا يعني هذا أن نهجر كل مخالف؛ فهناك من يخالفك فيثري عقلك، ومن يضادك فيستنزف روحك؛ من يناقشك ليبلغ معك الحق، ومن يجادلك ليغلبك؛ من يختلف مع فكرتك ويبقى حافظا لكرامتك، ومن يجعل كل اختلاف ذريعة للطعن في نيتك. والفرق بينهما أن الأول يخرجك من الحوار أوسع فهما، أما الثاني فيتركك أكثر تعبا وأقل سلاما. والعاقل لا يسيء إلى من لم يشاكله، ولا يجعل اختلاف الطباع مبررا للظلم أو القطيعة؛ لكنه يعرف موضع كل إنسان منه، فيحفظ له حقه، ويعامله بالعدل، ولا يمنحه من قلبه منزلة لا يصلح لها. فليست المسافة دائما جفاء، بل قد تكون حكمة تحفظ للنفوس سلامها وللعلاقات احترامها. وإذا أعياك من لم يشاكلك، فلا تستنفد عمرك في تحويله إلى صورتك، ولا تسمح له أن يحولك إلى صورته؛ فالقلوب لا تؤلف بالقهر، والطباع لا تصلح بكثرة العتاب. أعطه حقه من العدل، وخذ حقك من المسافة، وابحث عمن يفهم جوهرك قبل أن يفسر عبارتك؛ فالعمر أقصر من أن ينفق كله في شرح النفس لمن أصر ألا يفهمها.

327

| 25 سبتمبر 2026

النار لا تطفئ النار

حين يفيض الغضب، يضيق الوعي حتى لا يرى الإنسان من الحقيقة إلا جرحه، ولا يسمع من الكلام إلا ما يؤجج ألمه؛ فتختزل الحادثة كلها في لحظة موجعة، ويغدو الرد محاولة عاجلة لاسترداد الكرامة. فإذا قابلناه بغضب مثله، لم يعد الخلاف بين حق وباطل، ولا بين مخطئ ومصيب، بل صار صراعا بين جرحين، يحاول كل منهما أن يتعافى بإيلام الآخر؛ فلا ينتصر أحد، وإنما تتسع دائرة الاحتراق، ويولد من الخطأ الأول أخطاء لا تنتهي. ولهذا لم يجعل الإسلام القوة في القدرة على البطش، ولا في سرعة الرد وإسكات الخصم، بل في القدرة على ضبط النفس حين تثور دوافعها: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". فالقوة الحقيقية ألا تمنح غضب غيرك سلطة تشكيلك؛ لأن من يستفزك حتى تصير نسخة منه قد انتصر عليك، ولو غلبته في الكلام؛ إذ أخرجك من أخلاقك، وأدخلك في فوضاه، وجعلك تحمل في داخلك شيئا من قبح ما أنكرت عليه. وليس الهدوء ضعفا، بل هو المسافة التي يضعها العقل بين الألم والقرار، حتى لا تتكلم اللحظة باسم العمر كله. وهو لا يمحو الخطأ، ولكنه يمنع تكاثره، ولا يلغي الكرامة، بل يحرسها من رد يثأر لها لحظة، ثم يثقلها ندما طويلا. فكلمات الغضب قد تنتهي في ثوان، لكن جراحها قد تبقى أعواما، ورب علاقة هدمتها جملة لم يكن صاحبها يقصد معناها بقدر ما كان يريد أن يفرغ بها ألمه. وقد يكون الهدوء عتابا صريحا يكشف موضع الخطأ، أو حدا حاسما يمنع تكراره، أو انسحابا كريما حين يصبح الحوار بابا لمزيد من الأذى. فالصمت ليس فضيلة دائما، كما أن الرد ليس قوة دائما؛ إنما الفضيلة أن تقول ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، وعلى الوجه الذي ينبغي، لا ما تمليه مرارة الغضب ولا ما يرضي شهوة الانتصار العابر. ومن هنا جاء الأمر الإلهي: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ فالآية لا تدعو إلى الاستسلام للإساءة، ولا إلى التنازل عن الحق، بل إلى مقاومتها من مقام أخلاقي أعلى؛ فتحفظ حقك دون أن تفقد نفسك، وترد الظلم دون أن تسمح له أن يزرع ظلمه في أخلاقك. وليس كل انتصار أن تسقط خصمك؛ فقد يكون الانتصار الأكبر أن يبقى الشر محصورا في صاحبه، وألا يجد فيك أرضا جديدة يمتد إليها. لهذا لا تطفئ النار بالنار؛ لأنك حين تستعير من الإساءة لغتها لا تهزمها، بل تمنحها حياة أخرى فيك، وحين تجيب القسوة بقسوة قد تعاقب المسيء، لكنك تعاقب قلبك معه. أما الحلم فلا يبرئ المعتدي، وإنما ينقذ المعتدى عليه من أن يصبح أسيرا للحظة لم يخترها. وأعمق الانتصارات ألا تحرق من آذاك، بل أن تمنعه من إحراق اتزانك، وتغيير أخلاقك، وتحويلك إلى صورة منه؛ وأن تخرج من المواجهة محتفظا بحقك، وبنقاء قلبك، وبقدرتك على النظر إلى نفسك دون خجل. ففي كل خصومة امتحانان: امتحان الحق الذي تدافع عنه، وامتحان الإنسان الذي ستصير إليه وأنت تدافع عنه. فالحق لا يحتاج إلى أن نتشبه بالباطل كي نثبت أنه حق أبدا.

336

| 18 سبتمبر 2026

الصمت في حضرة الجهل جواب

لكل كلام مقام يليق به، ولكل حجة عقل تصلح أن تخاطبه؛ إلا الجهل، فإن الرد عليه قد يخرجه من سفه مهمل إلى رأي يناقش، ويرفعه من هامش لا يلتفت إليه إلى مقام لم يكن ليبلغه لولا عناية العقلاء به. عندئذ يكون الصمت عدلا؛ لأنه يأبى أن يضع الحكمة والعبث في منزلة واحدة، أو يمنح الضجيج من الهيبة ما لا تمنحه إياه حقيقته. فالجاهل لا يحاور الفكرة كما هي، بل يحاور الصورة التي صنعها عنها، ولا يدخل معك ليكتشف الحقيقة، وإنما ليثبت نفسه ولو على أنقاضها. إن غلبته الحجة، انتقل من المسألة إلى صاحبها، ومن البرهان إلى التجريح، ومن طلب الصواب إلى طلب الغلبة؛ لأن الحقيقة عنده ليست غاية يهتدي إليها، بل ساحة ينتصر فيها. وأنت حين تجيبه لا تمنحه حجة فحسب، بل تمنحه اعترافا ضمنيا بأن قوله يستحق أن يقف بإزاء قولك، وأن العبث جدير بأن يجلس إلى مائدة العقل. ومن هنا قد يصبح الرد ظلما؛ لأنه يسوي بين عقل يبحث وسفه يخاصم، وبين من يريد أن يعرف ومن لا يريد إلا أن يغلب. وليس الصمت هنا عجزا عن الجواب، بل قدرة على تقدير قيمة الجواب وموضعه؛ فالعاجز يصمت لأنه لا يملك ما يقول، أما الحكيم فيصمت لأنه يملك ما هو أثمن من أن يبدده في خصومة عقيمة. وبين الصمتين بون بعيد: أحدهما فراغ، والآخر امتلاء؛ أحدهما هزيمة، والآخر سيادة على النفس والموقف. إن بعض الباطل لا يعيش بقوته، بل بما يستدرجه من مقاومة؛ يتغذى من الرد، ويكتسب وزنه من انشغال العقلاء به، حتى يظن الناس أن كثرة الحديث عنه دليل على وجاهته. فإذا صمت الحكيم قطع عنه المادة التي تمنحه الوجود؛ فليست كل فكرة تهزم بحجة، بل منها ما يهزم بحرمانها من شرف المناقشة، وتركها تموت في الفراغ الذي ولدت فيه. ولعل هذا من هدي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فالسلام هنا ليس كلمة عابرة، بل مقام أخلاقي رفيع: أن تعبر الجهل من غير أن يسكنك، وأن تخرج من الخصومة من غير أن تحمل شيئا من قبحها، وأن تحفظ لعقلك علوه، ولروحك صفاءها، وللسانك براءته من السفه. إن أعظم هزائم الجاهل ألا يجد في عقلك موطنا، ولا في غضبك حياة، ولا في وقتك امتدادا له؛ فالحكمة ليست أن تجد لكل قول ردا، وإنما أن تعرف أي الأقوال يرفعه جوابك، وأيها يرده صمتك إلى العدم الذي جاء منه.

327

| 11 سبتمبر 2026

بين الغدر والخيانة

سألني: ما الفرق بين الغدر والخيانة؟ فقلت: الخيانة نقض للأمانة، والغدر نقض للعهد بعد توكيد الأمان؛ ولذلك كانت الخيانة أوسع معنى، وكان الغدر أغلظ جرما وأقبح أثرا. فالخيانة أن يضيع الإنسان ما استؤمن عليه من سر أو مال أو عرض أو مودة أو مسؤولية، وأن يجعل الأمانة التي حملها جسرا إلى منفعة نفسه، ولو كان في ذلك هلاك حق غيره. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالخائن لا يفسد الشيء الذي خان فيه وحده، بل يفسد المعنى الأخلاقي الذي كان يحفظ العلاقات ويقيم العمران؛ لأن الحياة لا تستقيم بالقوانين وحدها، وإنما تستقيم بضمائر تؤدي الحقوق حين تغيب العيون. أما الغادر فلا يكتفي بأن يخون أمانة، بل يمنحك عهدا تطمئن إليه، ويهيئ لك شعورا زائفا بالأمان، ثم يجعل من اطمئنانك طريقا إلى إيذائك. فهو لا يهزمك بقوته، بل يهزمك بثقتك فيه، ولا يدخل عليك من باب العداوة، بل من الباب الذي فتحته له المودة. ولذلك كان الغدر خيانة مركبة؛ لأنه يجمع الكذب والخيانة والخداع واستغلال الثقة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ». وكأن العقوبة جاءت من جنس الجريمة؛ فقد ستر الغادر فعلته في الدنيا تحت راية العهد، فيفضحه الله يوم القيامة بلواء الغدر. والخيانة تفسد أمانة بعينها، أما الغدر فيفسد معنى الأمان في قلب من وقع عليه؛ إذ لا يؤلمه ما فقد وحده، بل يؤلمه أن اليد التي صافحته هي التي طعنته، وأن الصوت الذي وعده بالأمان كان يخفي وراءه نية الأذى. ولهذا يبقى جرح الغدر بعد زوال الخسارة؛ لأنه لا يسلب الإنسان حقا فحسب، بل يزعزع ثقته بالناس، وقد يجعله يدفع الأبرياء ثمن ذنب لم يرتكبوه. وقد تصدر الخيانة عن ضعف عابر أمام شهوة أو مال أو خوف، وهذا لا يعذرها، ولكنه يفسرها. أما الغدر ففيه غالبا تدبير وانتظار واختيار للحظة التي يكون فيها الطرف الآخر أشد اطمئنانا وأقل استعدادا للدفاع عن نفسه؛ ولذلك كان أدل على لؤم الطبع وقسوة الضمير. فالعدو يؤذيك من موضع تحذره، أما الغادر فيؤذيك من الموضع الذي ظننته حصنا. فالخيانة سقوط في أداء الأمانة، أما الغدر فسقوط في معنى الإنسان نفسه؛ إذ يتخذ صاحبه من العهد ستارا، ومن الثقة فخا، ومن المودة سلاحا. وكل غادر خائن، وليس كل خائن غادرا؛ لأن الغدر ليس مجرد نقض للحق، بل اغتيال للأمان بعد صناعته، وطعنة لا تأتي من جهة العداوة، وإنما من المكان الذي ظنه القلب مأمنا.

561

| 01 سبتمبر 2026

أواسيك في الحفاء

جاء في «مكارم الأخلاق» لابن أبي الدنيا أن محمد بن المنكدر قال: «كنت أمشي مع الخليل، فانقطع نعلي، فمشيت حافيا، فخلع نعله ومشى، فقلت له: ما تصنع يرحمك الله؟ فقال: أواسيك في الحفاء»! لم يخلع نعله ليزيل عن صاحبه خشونة الطريق، فقد بقيت الحجارة حجارة، وظل الحفاء حفاء؛ وإنما خلعه ليزيل وحشة الألم، ويهدم تلك المسافة الخفية التي تنشأ بين المبتلى ومن ينظر إليه من شاطئ العافية. فالمصيبة لا توجع بما تسلبه منا فحسب، بل بما تكشفه من تفاوت بين أقدامنا العارية وأقدام الآخرين الآمنة، وبين قلب يغالب ألمه وقلوب تمضي من حوله كأن شيئا لم يكن. المواساة في حقيقتها ليست معرفة الوجع، بل الاقتراب منه؛ لأن العقل قد يفهم ما يعانيه الإنسان، ولكن القلب لا يبلغه حتى يتنازل عن شيء من راحته. ولهذا لم يقل الخليل لصاحبه: اصبر، ولم يحدثه عن قصر الطريق ولا عن نعمة القدمين، بل خلع نعله؛ وكأن بعض المعاني أرفع من أن تحملها الكلمات، فلا يصدقها إلا فعل يدفع صاحبه ثمنه. لم يصبح الطريق بعد ذلك ألين، ولكن الحفاء حين اقتسماه فقد بعض قسوته؛ لأن الألم لا يشتد بمقداره وحده، بل بانفراد صاحبه بحمله. وربما عجزنا عن إخراج إنسان من محنته، ولكننا نستطيع أن ندخل إليه فيها، فنحمل معه وحشتها، حتى لا يبقى الألم وطنا مغلقا لا يسكنه سواه. وهنا تبلغ المواساة معناها الأخلاقي العميق: أن يرفض الإنسان امتياز العافية حين يصير حاجزا بينه وبين أخيه. فليس المقصود أن نتكلف كل ألم أصاب غيرنا، وإنما ألا نجعل سلامتنا سببا للغفلة عن جراحهم، وألا تكون النعمة التي تستر أقدامنا غطاء يحجب قلوبنا عن الذين أدمتهم الطريق. تلك هي المودة في أعلى مراتبها: ألا ترى جرح أخيك من موضع النجاة فحسب، بل تنزل إليه بقدر استطاعتك؛ تخفف عنه بالخدمة، أو بالصمت الرحيم، أو بالحضور الصادق، أو بالتنازل عن شيء من وقتك وراحتك. فليس الوفاء أن تمنحه نعلا دائما، فقد تعجز عن ذلك، وإنما أن تشعره بأن حفاءه لم يسقطه من القلوب، وأن الطريق، وإن بقي خشنا، لم يعد موحشا؛ لأن قدما أخرى اختارت أن تتألم إلى جواره.

360

| 23 أغسطس 2026

بين بحر وبطن وغار

ثلاثة مشاهد بلغ فيها العجز الإنساني منتهاه: موسى وقومه بين بحر لا يعبرونه وجيش لا يرحمهم، ويونس في بطن الحوت تطويه ظلمات الليل والبحر والجوف، وثلاثة رجال في غار أغلقت الصخرة بابه، فانقطعوا عن الحياة وهم لا يزالون فيها. اختلفت صور الحصار، وكانت النجاة من جهة واحدة: الله. عند البحر نظر بنو إسرائيل إلى الماء أمامهم، وإلى الموت يقترب من خلفهم، فقالوا بمنطق ما يرونه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. أما موسى عليه السلام فلم يكن يعرف طريقا خفيا، لكنه كان يعرف ربا لا يعجزه أن يخلق الطريق، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فانشق البحر، وصار موضع الهلاك طريقا للنجاة. لم تتغير العصا، وإنما تغير المشهد حين نزل أمر الله؛ فإذا النهاية التي خافوها بداية، وإذا الماء الذي ظنوه حاجزا يحملهم إلى الضفة الأخرى. وفي بطن الحوت انقطعت عن يونس عليه السلام أسباب الأرض جميعا؛ فلا عين تراه، ولا صوت يسمعه، ولا يد تمتد إليه. أحاطت الظلمات بجسده، لكن قلبه وجد النور حين عرف طريقه إلى الله، فنادى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. جمع في ندائه توحيدا يقطع التعلق بغير الله واعترافا يرد العبد من تبرير نفسه إلى صدق العبودية. فخرج الدعاء من أعمق مواضع العجز، وعاد إليه بالنجاة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾. لم يحتج يونس إلى باب في بطن الحوت؛ فقد كان باب السماء مفتوحا. وفي الغار عجزت أيدي الرجال الثلاثة عن تحريك الصخرة، فعادوا إلى أعمال خبؤوها لله: بر صادق، وعفة غالبت الشهوة، وأمانة حفظت حق الغائب. وكلما قدم أحدهم صدقه بين يدي دعائه تحركت الصخرة، حتى خرجوا يمشون. دخلوا الغار بما في أجسادهم من قوة، وخرجوا بما في أرواحهم من إخلاص. وما علموا يوم عملوا تلك الطاعات أن الله يدخرها لهم مفاتيح لفرج لا تفتحه القوة. بين البحر وبطن الحوت والغار تتجلى حكمة البلاء: قد تغلق الجهات كلها وتبقى جهة الله وحدها، وقد تتعطل الأسباب لتستيقظ العبودية، وقد يتأخر الفرج حتى يسقط وهم القوة، فلا يرى القلب في النجاة إلا فضل الله. ولهذا قال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. فالفرار إليه ليس انتقالا بالأقدام، بل تحولا في وجهة القلب: من السبب إلى مسببه، ومن الذنب إلى التوبة، ومن الخوف إلى التوكل، ومن ضيق الصدر إلى السجود، ومن التعلق بالخلق إلى الافتقار للخالق. وكل ما تخافه تفر منه، إلا الله؛ فإنك تفر منه إليه: من غضبه إلى رضاه، ومن عقوبته إلى عفوه، ومن معصيته إلى طاعته، ومن وحشة البعد إلى أنس القرب. فرب بحر لا ينشق حتى تقول بقلبك: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ورب ظلمة لا تنجلي حتى تعترف: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ورب صخرة لا تتحرك حتى تتقدم بين يديك طاعة خبأتها لله. وفي البحر درس اليقين، وفي بطن الحوت سر الافتقار، وفي الغار برهان الإخلاص؛ تختلف المحن، ولكن النجاة لا تخطئ وجهتها أبدا.

207

| 15 أغسطس 2026

جعل الله أيامكم مطاياكم إلى آمالكم

قال أبو إسحاق الصابي: «مارست الكتابة ستين سنة، فلم يحضرني في الدعاء أحسن، ولا أوجز، ولا أجمع من قولي: جعل الله أيامك مطاياك إلى آمالك». ليس هذا دعاء بطول العمر، وإنما هو دعاء بأن يتحول العمر إلى رسالة، والزمن إلى قوة دافعة، والأيام إلى طريق يصل بين ما أنت عليه وما ينبغي أن تكونه. فالناس جميعا تعبر بهم الأيام، ولكن قليلا منهم من يعبر بها؛ لأنها لا تصنع مجدا بمجرد مرورها، وإنما تصنعه بما يودعه الإنسان فيها من عزم وعمل. قد يعيش رجلان يوما واحدا، فتغرب شمسه وقد اقترب أحدهما من غايته، وابتعد الآخر عنها؛ الأول جعل يومه لبنة في بناء غده، والآخر جعل غده قبرا يدفن فيه واجبات يومه. مر عليهما الزمن نفسه، ولكن أحدهما امتطاه، والآخر امتطاه الزمن؛ أحدهما قاد ساعاته إلى أمله، والآخر ساقته ساعاته إلى أجله. فالزمن لا يسير بالإنسان إلى الوجهة التي يتمناها، بل إلى الوجهة التي يعمل لها. وليس الفرق بين المجتهد والخامل في عدد الساعات التي منحت لهما، وإنما في مقدار الحياة التي أودعها كل منهما في ساعاته؛ فقد يتسع يوم قصير لعمل عظيم، ويضيق عمر طويل عن أثر صغير. والعمر لا يطول بكثرة أيامه، وإنما بكثرة ما يبقى منها بعد انقضائها. ولذلك جعل الصابي الأيام مطايا؛ لأن المطية وسيلة لا غاية، ولا تبلغ بصاحبها إن ظل ممسكا بزمامها واقفا، مفتونا بصورة الطريق، مكتفيا بوصف الوصول. فالأماني التي لا يوقظها العزم ليست آمالا، بل مخدرات جميلة تسكن ألم العجز، وتوهم صاحبها أنه يسير وهو لم يغادر مكانه. وهنا يفترق الخامل والمجتهد: فالخامل يعد الأيام، والمجتهد يجعل الأيام تعد إنجازاته. ذاك ينتظر أن يتغير الزمان، وهذا يغير نفسه حتى يغير الله له ما حوله. ذاك يعيش على هامش عمره، يرجئ بدايته إلى غد لا يأتي، وهذا يعلم أن الغد لا يولد إلا من رحم اليوم. ذاك يستهلك عمره فيما يفنى، وهذا يستثمره فيما يبقى. غير أن المجتهد لا يقيس سيره بكثرة الحركة وحدها؛ فقد يسرع الإنسان في الطريق الخطأ، فيزداد بكل خطوة بعدا عن غايته. وإنما يبدأ بلوغ الأمل من وضوح الوجهة، ثم صدق العزم، ثم تقسيم الغاية الكبرى إلى أعمال يومية صغيرة، ثم صبر لا تهزمه العثرات. فالنجاح ليس قفزة واحدة، بل وفاء طويل لأعمال قليلة تتكرر حتى تصنع ما كان يبدو مستحيلا. وفي ميزان الإيمان، لا تكون الآمال نبيلة إلا إذا اتصلت بمرضاة الله؛ فقد يبلغ الإنسان ما أراد ثم يكتشف أنه أضاع نفسه في الطريق إليه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. فالقضية ليست أن تمضي الأيام، بل أن تقدم في كل يوم شيئا لغد الدنيا وغد الآخرة. ومن هنا كان العمر رحلة معنى قبل أن يكون رحلة زمن، وكانت الأيام فرص بلوغ لا وحدات حساب. فلا يسأل العاقل: كم عشت؟ بل: ماذا صنعت بما عشت؟ ولا: كم بقي من عمري؟ بل: كم بقي في عمري مما يستحق أن يعيش؟ فطوبى لمن كانت أيامه مطايا إلى علم ينفع، وعمل يرفع، وخلق يبقى، وإيمان يلقى به ربه؛ فإذا انتهت رحلته، لم تكن أيامه قد انقضت منه، بل كان هو قد انقضى بها إلى غايته.

294

| 13 أغسطس 2026

الجزيرة التي لا تغرق
الجزيرة التي لا تغرق

حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله...

12900

| 03 نوفمبر 2026

شكراً قطر على 22 عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان
شكراً قطر على 22 عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان

سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات،...

3852

| 30 أكتوبر 2026

الكلاسيكو المنتظر
الكلاسيكو المنتظر

سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين...

3153

| 30 أكتوبر 2026

تحيا العدالة
تحيا العدالة

لم يكن الخبر عادياً بالنسبة لي، بل كان...

1578

| 29 أكتوبر 2026

حتى لا نغرق أكثر!
حتى لا نغرق أكثر!

كل مشروع جديد في قطر يحتاج إلى أيدٍ...

1437

| 29 أكتوبر 2026

قطر... حين يصبح الوطن أمنية
قطر... حين يصبح الوطن أمنية

* كثيرًا ما تسألني بعض السيدات: هل يمكنني...

1230

| 29 أكتوبر 2026

حين تكافئ المؤسسة السلوك الخطأ دون أن تدري
حين تكافئ المؤسسة السلوك الخطأ دون أن تدري

قد تحقق مؤسسة جميع مؤشرات الأداء التي وضعتها...

1158

| 01 نوفمبر 2026

المخاطرة تصنع رواد الأعمال.. والتهور يقضي عليهم
المخاطرة تصنع رواد الأعمال.. والتهور يقضي عليهم

ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو...

1143

| 03 نوفمبر 2026

جامعات قطر تتألق في التصنيفات العالمية
جامعات قطر تتألق في التصنيفات العالمية

تواصل دولة قطر ترسيخ حضورها في ميدان التعليم...

867

| 30 أكتوبر 2026

ضريبة القيمة المضافة.. الاستحقاق المُؤجّل
ضريبة القيمة المضافة.. الاستحقاق المُؤجّل

كتبتُ قبل حوالي عشر سنوات مقالاً حول القيمة...

651

| 02 نوفمبر 2026

546

| 04 نوفمبر 2026

التوحيد والإصلاح المغربية.. حين تبدأ الديمقراطية من الداخل
التوحيد والإصلاح المغربية.. حين تبدأ الديمقراطية من الداخل

ليست الديمقراطية امتحانا تخوضه الحركات السياسية عندما تصل...

432

| 03 نوفمبر 2026

أخبار محلية