رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وتلك الأیام نداولها بین الناس

آية تُلخّص الحياة بأسرها، وتُطمئن القلوب المرتجفة، وتُلين العقول المتصلبة، فليست كلمات عابرة، بل مرآة عاكسة لحقائق الوجود، وميزان يزن العاقل بها حركة التاريخ، لتنفض عنه غبار الغفلة، وتوقظ فيه أهلية المحاسبة. فما الحياة إلا حُلم ممتدّ، ما يكاد ينقضي منه مشهد حتى يعقبه آخر، والمرء في هذه الحياة رهين عمله، يقرأ في غده ما خطت أعماله في أمسه! بين عسرٍ ويُسرٍ، وليلٍ ونهار، تتداول الأيامُ أحوالَ الناس كما يتداول البحر موجه، فيُقبِل حيناً ويُدبِر حيناً، ومن يألف حياة البحار يدرك أن الأمواج التي ترفع اليوم قد تغمر صاحبها غدا، فدوام الحال مُحال، وتلك سنّة الله في كونه المنتظم والمحكم؛لا سرور دائم، ولا حزن مُقيم، وكل هذا بموازين عادلة وإن بدت للغافل ظالمة! وخير مثال على ذلك ما يصيب الظالم من سطوة السلطان تلك التي تحجب عنه البصيرة، فإذا ذاق نعيم المقام وأنس بالحال، ونسي عاقبة المآل؛ استطال بغيا على العباد وظن أن حصونه مانعته من الله؛ فإذا بأيامه تنقلب كأنها صفحةٌ طوتها الريح، فيصير ذليلا بعد عزة، شريدا بعد منعة، ضعيفا بعد قوة، تحاصره المظالم أنى توجه وتوقظه أنات الثكالى أنى تقلب، وينتظره مصير محتوم بميزان عادل. وتريك الأيام في ذات الوقت: سجين الأمس مكين اليوم، هذا الذي عاش مستكينًا تحت رحى الظلم والقهر؛ تبدل حاله، وأتاه -بقدر الله- زمن جديد يرفعه حتى يصير من أهل القوة والهيبة! وهكذا، تمضي عجلة الحياة، تُبدّل المواقع، وتخلط الأوراق، وكأنها تُعلّمنا ألا نغتر بالنعمة، ولا نيأس من النقمة، فكلٌّ يمضي بأمر الله وحكمته فلا تجزع من دوران الأيام، ولا تغتر بثبات الحال، واحذر الاستدراج، وارقب كيف تعمل يد الله في مصائر الطغاة، والتاريخ خير شاهد فرعون ادعى الألوهية واستطال على الرعية، وقال: ما علمت لكم من إله غيري، فماذا كان؟! (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) قارون اغتر بماله، وانتفش بكنوزه، وقال: أوتيته على علم عندي، فماذا كان؟ (فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله) عاد وثمود: رموز التكبر والجحود والتجبر، ماذا أغنت عنهم من الله؟! حين قال الله عنهم (.. فأهلكوا بريح صرصر عاتية). وهذه الأمثلة ليست قاصرة على الزمن الذي نزلت فيه، بل ممتدة برسائلها إلى كل عصر إنّ للظلم جولةً، وللعدل دولة، وما من ظالمٍ يرفع يده على ضعيف، أو يطغى بجوره على بريء، إلا وقد كتب القدر خاتمته، وما تلك الأيام التي تبسط له الطريق وتُزيّنه إلا استدراج من الله له، ثم تنقلب الموازين لتكون تلك الأيام ذاتها هي التي تُسقطه على وجهه يومًا ما، فلا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.

645

| 29 ديسمبر 2024

وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله

في سورة الحشر يحدثنا القرآن عن فصيل من البشر تجبر الطاغوت في نفوسهم واستعظم، وغرهم حلم الله عليهم، حتى ظنوا أن عروشهم لن تنكسر، حصونهم لن تنهدم ؛ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب! ما كان أحد يتوقع انهيارهم بهذه السرعة، ولا هم أنفسهم! إذ غرهم سلطانهم حتى نسوا قوة الله وتغافلوا عن قدرته (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) أتاهم ابتداء من داخل أنفسهم! لا من داخل حصونهم! أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب، فسلموا البلاد تسليما، واستسلموا للقدر الذي لا يقاومه معاند مهما تجبر أو تكبر. ما أقرب المسافات التاريخية وما أغفل الناس عن حقائق واقعة، ومصائر متحققة لكل من سلك ذات الطريق متغابيا عن نهايته. الكون يحكمه الله لا غيره، والقدرة بيده هو سبحانه لا بيد عبد من عباده وإن انتفش أو ظن نفسه شيئا، لكنه الهوى والغفلة الذي يولد الظلم في النفس ويغريها عن مصيرها المحتوم. إن اللهُ تعالى حَرَّمَ الظلم على نفسه فقال في الحديث القدسي (يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا) وأكد على هذا في طول القرآن وعرضه فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [ق: 29]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 40]، وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ وهؤلاء لا يتورعون عن الظلم ولا يدركون عواقبه، إذ كيف لمؤمن يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من ضَرَبَ بسوط ظلمًا، اقتُصَّ منه يوم القيامة) ثم يعتدي على الغير! صدق القائل: أَمــــــــــــــــــــا وَاللَـــــــــــــــــــــــــــــــهُ إِنَّ الظُّلــــــــــــمَ شُـــــــــــــــؤمٌ وَلا زالَ المُســــــــــــــــيءُ هُـــــــــــــــــــــــــوَ الظَلــــــــــــــــــــــــــومُ إِلى الديّــــــــــــــــــــــانِ يَــــــــــــــــــومُ الدينِ نَمضي وَعِنــــــــــــــــــدَ اللَــــــــــــــــهِ تَجتَمِعُ الخُصــــــــــــــــــــــــومُ سَتَعلَمُ في الحِســــــــــابِ إِذا التَقَينـــــــــــــــــــــــــــا غَـــــــــــــــــــــــــــــــداً عِنــــــــــــــــدَ المَليكِ مَنِ الغَشـــــــــــــــــومُ سَتَنقَطِـــــــــــــــــعُ اللِـــــــــــــــــذاذَةُ عَــــــــن أُنــــــــــــــــــــاسٍ مِــــــــــــــــــــــن الدُنيـــــــــــــــــا وَتَنقَطِع الهُمــــــــــــــــــــــــومُ لِأَمـــــــــــــــــــــــــــــرٍ ما تَصَرَّفَـــــــــــــــــــــتِ اللَيـــــــــــــــــــــــالي لِأَمـــــــــــــــــــــرٍ مـــــــــــــــــا تَحَرَّكَـــــــــــــــــــــتِ النُجــــــــــــــــــــــومُ سَــــــــــــــــــــــــــلِ الأَيّـــــــــــــــــامَ عَن أُمَـــــــــــــمٍ تَقَضَّــــــــــــــــت سَتُخبِــــــــــــــــــــــــرُكَ المَعـــــــــــــــــــــــالِمُ وَالرُّســــــــــــــــــــــــومُ تَـــــــــــــــــــرومُ الخُــــــــــــــــــــلدَ في دارِ المَنايــــــــــــــــــــــا فَكَــــــــــــــــــــم قَــــــــــــــــــــد رامَ مِثلَكَ ما تَــــــــــــــــــــــــــــــــــرومُ تَنـــــــــــــــــــــــامُ وَلَم تَنَــــــــــــــــم عَنـــــــــــكَ المَنايـــــــــــــــــــــا تَنبَّــــــــــــــــــــــــــــه لِلمَنِّيَــــــــــــــــــــــــــــــةِ يا نُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــؤومُ لَهَـــــــــــــــــــــــوتَ عَنِ الفَنــــــــــــــــــــــاءِ وَأَنتَ تَفنـــــــــــى فَمـــــــــــــــــــــــا شَيءٌ مِــــــــــــــنَ الدُنيــــــــــــــــا يَـــــــــــــــــــدومُ

1701

| 15 ديسمبر 2024

اللسان السائب

العرب تقول: صَارَ وَلَداً سَائِبا أي تَائِهاً، ضَالاًّ، وحديثنا اليوم عن سوائب الكلمات التي تخرج من فم من لا يدرك الخطر ولا يعرف الخلل، ولم يفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( إن الرجل ليتكلم الكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا تقذفه في النار سبعين خريفا ) ولاقوله صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يصمت) وليست الآفة في اللسان وفقط، بل في المريدين والمتحمسين، فلكل لسان آذان تستمع له، وقلوب تتشوق إليه، وأسواق فيها تباع أعراض المسلمين بثمن بخس دراهم معدودة لا توصف إلا بالنخاسة الفكرية أو النجاسة السلوكية! العرب في جاهليتها كانت تعاقب من هذا حاله بشدِّ لسانه تأديبا، أو شرائه بالمعروف تهذيبا، تلمح هذا في هجاء الحُطيئة للزبرقان بن بدر، والتي أفضت إلى سجن عمر له ثم أخرجه بعد أن توسل إليه ونهاه عن ذلك فقال: إذاً تموت عيالي جوعاً! فاشترى عمر -رضي الله عنه- منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم. ولنا أن نتساءل اليوم -بعد أن أصبحت أعراض المسلمين لا بل أعراض بعض الصادقين في الأمة والمدافعين عنها مقدساتها: مائدة يستدعي لها أنصاف الرجال وأشباه المسلمين- أين من يشتري أعراضَ العلماء والدعاة والمسلمين اليوم من أقوام قد تخلفوا في كهوف القَعَدَة، وصرفوا وجوههم عن آلام الأمة وعيوب الذات إلى تتبع عورات الناس ولسان حالهم: هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب! أين من يشتري أعراض الناس بأربع لا تتخلف: النجاة من النار: قال صلى الله عليه وسلم (من رد عن عرض أخيه بالغيب رد الله عن وجهه النار يوم القيامة، والأمن من مكر الله فقد قال صلى الله عليه وسلم: « يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، ألا لا تؤذوا المؤمنين ولا تعيبوهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته فضحه في بيته « وثالثتهم النجاة من عذاب الله فقد قال الله: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» والرابعة: ستر الله عز وجل فقد قال صلى الله عليه وسلم: « من ستر مسلما ستره الله في الدنيا و الآخرة»هذا إذا كان الكلام بحق فكيف بفاسد القول وباطله! إن اللسان السائب خطره كبير لذا كثيرا ما كان يحذر السلف منه: ابن وهب بقول: في حكمة آل داود مكتوباً: (حق على العاقل أن يكون عارفاً لزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شانه). والبصري الحسن يقول: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه. ومنح بن عبيدة يقول: ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله. وآخر يقول: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وختاما: خَلِّ جَنْبَيْكَ لِرَامٍ وَامْضِ عَنْهُ بِسَلَامٍ مُتْ بِدَاءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ دَاءِ الْكَلَامِ رُبَّمَا اسْتُفْتِحَ بِالْقَوْلِ مَغَالِيقُ الْحِمَامِ رُبَّ قَوْلٍ سَاقَ آجَالَ قِيَامٍ وَفِئَامِ إِنَّمَا السَّالِمُ مَنْ أَلْجَمَ فَاهُ بِلِجَامٍ

624

| 17 نوفمبر 2024

الهاتك المبير

خرج النبي صلى الله عليه وسلما يوما على أصحابه فقال لهم (فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ) والمبير هو الذي يسرف في إهلاك الناس.. وأشد الجرائم وأبشعها تلك التي تأتي ممن يفترض أنهم المأمن والعضد! وأخس الجرائم وأحقرها وأكثرها دناءة حين تكون من مسلم يطعن بلسانه أعراض المسلمات العفيفات الطاهرات! هؤلاء ملعونون في كتاب الله تعالى، كما قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ). هنا -كما يقول صاحب الظلال- (يجسم التعبير جريمة هؤلاء وهو يصورها رمياً للمحصنات المؤمنات وهن غافلات غارّات، غير آخذات حذرهن من الرمية. وهن بريئات الطوايا مطمئنات لا يحذرن شيئاً، لأنهن لم يأتين شيئاً يحذرنه! فهي جريمة تتمثل فيها البشاعة كما تتمثل فيها الخسة. ومن ثم يعاجل مقترفيها باللعنة. لعنة الله لهم، وطردهم من رحمته في الدنيا والآخرة. ثم يرسم ذلك المشهد الأخاذ: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم}. فإذا بعضهم يتهم بعضاً بالحق، إذ كانوا يتهمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالإفك! وهي مقابلة في المشهد مؤثرة). إن الاستطالة في أعراض المسلمات رأس مال سقط المتاع وسفلة القوم، متحدثا كان أم مستمعا غير منكر. الجميع أمام الله مسؤول عن نقل مثل هذا الإفك أو قوله أو تمريره، وقد قال صلى الله عليه وسلم (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع). وصح أنه قال: (يا مَعْشَرَ مَن أسلم بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه لا تُؤْذُوا المسلمينَ، ولا تُعَيِّرُوهم، ولا تَتَّبِعُوا عَوْراتِهِم، فإنه مَن تَتَبعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، يَتَتَبَّعِ اللهُ عَوْرَتَه ومَن يَتَتَبَّعِ اللهُ عَوْرَتَه يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه). وهذا وعيد من الله لمن تتبع عورة وأظهرها، سيفضحه الله في الدنيا قبل أن يعذبه في الآخرة. وعذابه من جنس عمله، يقول عليه الصلاة والسلام: (من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنَه الله رَدْغَة الخَبال حتى يخرج مما قال). ورَدْغَة الخَبال: عصارة أهل النار. وما ذلك إلا لأن أعراض المسلمين مصونة، أعلن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في يوم المشهد المهيب يوم حج المسلمين الأكبر، حين قال: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه)، وقال في خطبة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد). وحين عُرج به صلى الله عليه وسلم مر على قوم لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال: (يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم).

741

| 03 نوفمبر 2024

«وكان حقا علينا نصر المؤمنين»

في سورة الروم يقول ربنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} فالله أوجب على نفسه إهلاك الظالمين ونصرة المؤمنين متى استحق كل فريق ذلك. تلك سنة الله الجارية: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. إن وعد الله واقع وكلمة الله قائمة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. يقول صاحب الظلال: هذه هي الحقيقة في كل دعوة لله يخلص فيها الجند ويتجرد لها الدعاة أنها غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق وقامت في طريقها العراقيل، ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار وقوى الدعاية والافتراء، وقوى الحرب والمقاومة، وإن هي إلا معارك تختلف نتائجها ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله لرسله والذي لا يخلف، ولو قامت قوی الأرض كلها في طريقه؛ الوعد بالنصر والغلبة والتمكين، هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية، سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دورتها المنتظمة، وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان، وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء، ولكنها مرهونة بتقدير الله يحققها حين يشاء. والمؤمن يتعامل مع وعد الله على أنه الحقيقة الواقعة فإذا كان الواقع الصغير في جيل محدود أو في رقعة محدودة يخالف تلك الحقيقة فهذا الواقع هو الباطل الزائل الذي يوجد فترة في الأرض لحكمة خاصة لعل منها استجاشة الإيمان وإهاجته لتحقيق وعد الله في وقته المرسوم، وحيث ينظر الإنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التي شنها أعداء الإيمان على أهل الإيمان في صورها المتنوعة من بطش ومن ضغط ومن كيد بكل صنوف الكيد في عهود متطاولة بلغ في بعضها من عنف الحملة على المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذبوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنواع النكاية، ثم بقي الإيمان في قلوب المؤمنين يحميهم من الانهيار ويحمي شعوبهم كلها من ضیاع شخصيتها وذوبانها في الأمم الهاجمة عليها ومن خضوعها للطغيان الغاشم إلا ريثما تنقض عليه وتحطمه، حين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع في المدى المتطاول يجد مصداق قول الله تعالى، يجده في هذا الواقع دون الحاجة إلى الانتظار الطويل ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. إن إهلاك الله للظالمين سنة ثابتة لا تتغير، التغيير في التأقيت والوسائل، و‏من ذلك أن يُسلط الله على الظالم ظالما ‏يبتليهم الله ببعض ويكفي الناس شرهم أو بعضه، فسبحانه القادر على أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم أو يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض.

699

| 27 أكتوبر 2024

مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ

واهم من يظن أن قضية الحق مرتبطة بشخص وإن بلغ بين الأتباع منزلة الرأس من البدن. أحمق من يتوهم أن القضايا الكبرى تموت بموت معتنقيها! وأن الحق يمكن أن يمحى بارتقاء بعض متبعيه! الحق يصنع أبطاله ويجمع رواده، ويقودهم نحو المعالي أحياء كانوا أو أمواتا، وقوده في مسيرته تلك: دماء تراق تمهيدا لنصر آت. وفي التاريخ عبرة وعظة لمن أراد أن يستشرف الغد المرتقب، من ذلك ما كان في غزوة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك «بصرى الشام» رسولا منه فقتله، فكان لابد من الرد، فجهز النبي جيشا قوامه (ثلاثة آلاف مقاتل) وجهز الروم وأعوانهم من الخارج والداخل جيشا قوامه مائتي ألف مقاتل! اصطف المسلمون في مؤتة في أشرس موقعة في تاريخ الإسلام حيث أمواج بشرية من الرومان ونصارى العرب تنساب إلى أرض مؤتة، ورجال كالجبال من المسلمين يقفون ثابتين في وجه أقوى قوة في العالم آنذاك. أمّر النبي صلى الله عليه وسلم على الجيش زيد بن حارثة، وأخبر إن قتل أن يكون جعفر مكانه، فإن قتل أن يكون عبد الله بن رواحة، ثلاثة قادة لجيش عظيم الهمة قليل العدد أمام جحافل الباطل كلهم. حمل الراية زيد بن حارثة رضي الله عنه فكان أول شهيد في المعركة، لأن القادة في الإسلام لا يختبئون خلف أبواقهم بل هم في الميدان يقاتلون دفاعا عن قضيتهم. قتل زيد مقبلا غير مدبر فهل انهار الجيش بموته؟! تقدم جعفر بن أبي طالب فحمل الراية، وقاتل قتالاً لم يُرَ مثله، وأكثر رضي الله عنه الطعن في الرومان حتى تكالبوا عليه. كان ساعتها يحمل الراية بيمينه فقطعوا يمينه، فحملها بشماله فقطعوا شماله، فحملها رضي الله عنه بعضضيه قبل أن يسقط شهيدًا، فهل انهار جيش الإسلام وضاعت قضيته بموته؟! تقدم عبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه، فحمل الراية، وقاتل قتالاً عظيمًا مجيدًا حتى قُتل في صدره رضي الله عنه، وكان من شعره يومئذٍ: يَا نَفْسُ إِنْ لَمْ تُقْتَلِي تَمُوتِـي *** هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صُلِيتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَـدْ أُعْطِيـتِ *** إِنْ تَفْعَلِـي فِعْلَهُمَا هُدِيـتِ سقط القادة الثلاثة الذين عينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل انتهت القضية؟! وهل سينزوي الحق بانزواء القادة؟! انبرى لحمل الراية مسلم جديد لعله أحدث الجيش إسلاما فقد أسلم قبل ثلاثة أشهر فقط! قاتل خالد بن الوليد كما لم يقاتل من قبلُ، حتى قال - كما في صحيح البخاري-: «لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية». وضع خالد خطة عبقرية تدرس إلى يوم الناس هذا وانتصر المسلمون بخروجهم سالمين وعادوا إليها بعد سنوات بقيادة خالد نفسه ليفتحها وتم له ذلك. الحق منتصر وموت كل القادة لا يغير من تلك الحقيقة، فهنيئاً لمن قضى نحبه وهنيئاً لمن ينتظر.

1875

| 20 أكتوبر 2024

وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله

التحصُّن بالقوة من دون الله ضعف، والتحصن بالمال من دون الله فقر، والتحصن بالعِزْوة من دون الله عُزلة، والذين يفضِّلون الضلالَ على الحلال، والكفر على الإيمان، والخير على الشر، والعمى على الهدى - يحيطهم غضبُ الله وانتقامه ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. لا تنفع قوة من دون الله، ولا تبقى حياة ناعمة أو طاعمة مطمئنَّة بغير الله، لكن القوة أحيانا ما تعمى صاحبها فيظن أنه على كل شيء قدير، ونسي أخذ العبرة من التاريخ أجداده من اليهود. في سورة الحشر، وقعت حادثة بني النضير وهو -حي من أحياء اليهود ـ في السنة الرابعة من الهجرة. وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم - إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة. فاستقبله اليهود بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم، بينما كانوا يدبرون أمراً لاغتياله ومن معه. قال بعضهم لبعض: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. فمن رجل منكم يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟. فانتدب لذلك عمرو بن جَحاش بن كعب. فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فأُخبر رسول الله بغدرهم، فقام كأنما ليقضي أمراً. فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتهيؤ لحرب بني النضير لظهور الخيانة منهم، ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم، وفق قاعدة محكمة سجلها القرآن فقال: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}. تواصل بنو النضير مع مناصريهم من اليهود والمنافقين فأجابوهم: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم. وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. بلغ الحصار ستاً وعشرين ليلة، وقد يئس بعض المسلمين في خروج بني النضير لقوّتهم ومنعتهم قال الله: (ما ظننتم أن يخرجوا). وبنو النضير غرتهم قوتهم الداخلية وتحالفاتهم الخارجية (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله). غرتهم هذه المنعة حتى نسوا قوة الله التي لا تردها الحصون! فكان الجواب لهم ولكل متكبر ومتغطرس (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب). قد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم، لا من خارج حصونهم، من قلوبهم لا من قصورهم، لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها. وهكذا حين يشاء الله أمرا يأتي به من حيث لا يحتسب أهل البغي، فاللهم يوما كهذا اليوم.

1848

| 13 أكتوبر 2024

ومنافقون لا يحصون أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر! ثم ماذا؟

اللهُ مَولانَا وَلا مَولى لَكُم، من كان الله مولاه وناصره؛ فحسبه ذلك فيه الكفاية والغناء؛ وكل ما قد يصيبه إنما هو ابتلاء وراءه الخير، لا تخليا من الله عن ولايته له، ولا تخلفا لوعد الله بنصر من يتولاهم من عباده (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ). في يوم (أحد) أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال: أفي القوم أحد محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُجِيبُوهُ)، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُجِيبُوهُ)، فقال: أفي القوم عمر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُجِيبُوهُ). فالتفت أبو سفيان إلى أصحابه فقال: أَمَّا هَؤُلاءِ فَقَد قُتِلُوا، لَو كَانُوا أَحيَاءً لأَجَابُوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك. فقال أبو سفيان: اعل هبل! اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَجِيبُوهُ)، فَقَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللهُ أَعلَى وَأَجَلُّ»، فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: أَلا لَنَا العُزَّى وَلا عُزَّى لَكُم. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَجِيبُوهُ « قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللهُ مَولانَا وَلا مَولى لَكُم». إن علو أهل البغي اليوم لا يعد انتصارا لهم ولا خذلانا للحق، بل هو لون من ألوان الابتلاء من الله لعباده تمحيصاً لهم: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ثم العاقبة لهم بعد التمحيص ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فالابتلاء مقصود قبل أي نصر مرتقب، ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾. في تاريخ الإسلام الممتد كفار حاربوه كأبي جهل، وأبي لهب، وزنادقة خلعوا عباءة الإسلام على عقائد باطلة كالحلاج، وابن الراوندي، وابن الفارض، ‏ومنافقين- لا يحصون- أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفار! ‏ثم ماذا؟ ‏هلكوا جميعا وبقي الإسلام شامخا. فليفعل الصهاينة اليوم ما شاءوا فعله من سفك وقتل وتشريد، فالعاقبة لنا والله مولانا ولا مولى لهم. الله أقوى من هدير سلاحهم أنعم برب العالمين وكيلا وسيعلم الباغي مغبة مكره ولسوف يعلم من أضل سبيلا فليحرقوا كل النخيل بساحنا سنطلّ من فوق النخيل نخيلا فليهدموا كل المآذن فوقنا نحن المآذن فاسمع التهليلا إن يبتروا الأطراف تسعى قبلنا قدماً لجنات النعيم وصولا نحن الذين إذا ولدنا بكرة كنّا على ظهر الخيول أصيلا نحن الشهادة والشهيد وشاهد ولأسدنا قد فصلت تفصيلا فالعيش تحت الاحتلال جهنم زقومها غسلينها المرذولا يا من صبرتم للحصار طويلاً في عزة تعلو المجرة طولا تحت القذائف والحريق جهنم لم تقطعوا التكبير والتهليلا لقنتم الدنيا الدروس صريحة لا تقبل التزييف والتدجيلا إن الأعز محمد وجنوده والله أكبر ناصراً ووكيلا ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا.

813

| 06 أكتوبر 2024

فمن نكث فإنما ينكث على نفسه

النفس حين تنصرف عنها هداية الوحي؛ تبور وتتصحر تماما كالأرض حين يحجب عنها عطاء السماء، فترى الضلال هدى، والهدى ضلالا، وتسير إلى الوراء تظن أنها للأمام متقدمة، وتقيس بالحواس ما لا ينبغي أن يقاس إلا بالنصوص، ويأتيها من الأعوان ما يزيدها فسادا {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ*وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}. هذه قصة واقعية لواحد أكرمه الله ورزقه من الخير أضعاف ما كان يهوى أو يتمنى، مع أن صلته بالله مبتورة، وجسور الهوى قائمة موصولة! لم يقابل نعم الله عليه بالشكر؛ بل قابلها بمزيد من الغرور والكبر، وكأنه يتمثل بقول الأول: أوتيته على علم! وحدث أن خسر في صفقة تجارية نصف ماله أو يزيد! فكان شخصا آخر غير الذي يعرفه الناس، فلا هذه الصورة صورته، ولا تلك الهيئة هيئته! ولا الصوت صوته، تغير جذريا أنكر من يعرفه! غارت عيناه، وثقل لسانه، وشحب وجهه، وذبل بدنه، حتى كأن الموت يجري بين عينيه! إن سبب شقاء بعضنا بالحياة: جهلنا بها، فنحن لا نعرفها كما ينبغي بل نعرفها كما نحب أن تكون لنا: ناعمة الملمس، باسمة الثغر، جميلة جذابة مغرية، نعرف جانبها المشرق البراق ولا نتعرف على جانبها المظلم القاتم ولعل هذا سر التشبث بها. لو عرفنا الحياة كما عرفها الأنبياء والحكماء لهان علينا كل ما فيها من نعيم وبؤس، وسعادة وشقاء، وفرح وترح، فلا نأمن لها إذا أقبلت، ولا نجزع إذ هي أدبرت، وهذا سر المعرفة الحقة بها، ولله در المتنبي حين قال: عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا … فلما دهتني لم تزدني بها علما يا لها من حياة لا يهزم خيرُها شرها، ولا يفي سرورُها حزنها، ولا يذهب عطاؤها شقاءها! وإلا فما التفسير لمن ارتحل عنه نصف ماله مخلفا له مثله! ومعه فوق ذلك العافية التي بها قوام حياته! لقد أنساه ما حلّ به من مصاب جميل ما أنعم الله عليه من عطاء، وأفقده ما رحل عنه التلذذ بما بقي لديه! حتى لكأنا نقرأ من حاله قول أبي العلاء: إن حزنا في ساعة الموت أضعا … ف سرور في ساعة الميلاد كان يكفي صاحبنا آية توقظه وتردعه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير} وحديثا لصالح الأعمال يدفعه: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب- مرض- ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» لكنه للأسف غابت عنه هداية الله فلم يتخذ من مصابه رادعا ولا واعظا! فاللهم أيقظ قلوبنا من غفلة حلت بنا، وأكرمنا بالرضا، واصرف عنا ما يغضبك عنا.

594

| 24 سبتمبر 2024

«وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم»

إن النفس الإنسانية متى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، ومن أخس الصفات التي لا يستقيم معها حياة ولا يقام بها ولاء صفة الخيانة. والمتتبع لصدر الإسلام وعلاقاته مع خصومة يدرك أن الإسلام يعاهد ليصون عهده، فإذا خاف الخيانة وأدرك الغدر، لم يخن ولم يغدر، ولم يغش أو يخدع، بل ينبذ العهد علانية، ويسقط الحلف جهرة، ولا يترك خائنا في موقعه عملا بقوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ). وقد عرف اليهود بالغدر والخيانة وهذه صفة أضحت لازمة لهم، والتعامل مع الخائنين بالود والسلم عواقبه مدمرة، وآثاره مرعبة على الأمة كلها، بل لابد من حزم وحسم يحافظ بها المسلمون على الهوية والأمة والحياة. وخير مثال على ذلك ما كان من بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة، بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب. حين ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم - إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد، فاستقبله اليهود بالبشر وأضمروا اغتياله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه! قالوا لبعضهم: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل منكم يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جَحاش بن كعب. فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يبيت اليهود من غدر. فقام كأنما ليقضي أمراً. فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. ثم لما كان التبييت للغدر برسول الله في محلة بني النضير لم يبق مفر من نبذ عهدهم إليهم، فتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصر محلة بني النضير، وأمهلهم ثلاثة أيام - وقيل عشرة - ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. ولكن المنافقين في العالم الموازي ومن ساندهم - وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق - أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة، وقالوا لهم أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم. وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولما بلغ الحصار ستاً وعشرين ليلة، يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم ويكف عن دمائهم، كما سبق جلاء بني قينقاع على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. فأجابهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانتهت بذلك فتنتهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1740

| 15 سبتمبر 2024

أفرغت يا أبا الوليد

ذهب عتبة بن ربيعة - وهو سيد من سادات قريش الكبار- إلى منتدى قريش قائلا: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ - وذلك حين أسلم حمزة - رضي الله عنه – فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا بن أخي. إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم. فاسمعمني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « قل يا أبا الوليد أسمع «. قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا; وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك; وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا; وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.. أو كما قال.. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه قال: « أفرغت يا أبا الوليد؟ « قال: نعم. قال: « فاستمع مني «. ثم قرأ أول سورة فصلت. وهنا نريد أن نقف وقفة قصيرة أمام صورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدب النفس الكبيرة وطمأنينة القلب المؤمن. وهو يستمع من عتبة إلى هذه الخواطر التائهة التي يعرضها عليه، ولا يثنيه عن الاستماع إليه هوان ما يقول ولا سذاجة معانيها، بل يتلقى الكلام وهو حليم الفؤاد، كريم النفس، لا يعجل على عتبة حتى استكمل حديثه ثم في هدوء قال له: « أفرغت يا أبا الوليد؟ كناه بأحب الأسماء إليه على اختلاف المنهجين جدا، وانتظره حتى أفرغ ما عنده مع قبح الحديث، ثم استنطقه بالتلميح حين قال: أفرغت؟ حتى يطمئن إلى أنه قد أنهى كل ما في جعبته وحين قال عتبة: نعم. قال له - صلى الله عليه وسلم - « فاستمع مني « ولا يفاجئه بالقول حتى يقول: أفعل. وعندئذ يتلو - صلى الله عليه وسلم - في ثقة وفي طمأنينة وفي امتلاء روح قول ربه. كم نحتاج في مجالسنا وأحاديثنا بل ومنتدياتنا العلمية وحواراتنا الفكرية إلى مثل هذا الأدب النبوي، الذي سيقضى عند صفاء النفس وإرادة الحق على الخلاف أو على الأقل على العصبية عند الاختلاف.

993

| 08 سبتمبر 2024

حوانيت الأعراض

ما الفرق بين سارق يمد يده إلى مال الغير ليسلبه إياه عنوةً، أو يشهر سلاحه في وجهه قاصدا حياته، وبين من يطال بلسانه أعراض الآخرين وحرماتهم! بالطبع كلا الأمرين شر لكن أشدهما على كل حر النهش في الأعراض والحديث عنها بسوء، صدق المتحدث في ذلك أم كذب. ذلك أن المال في حقيقة أمره حجابٌ يتخذه المرء بين شرفه وبين ألسنة الطّاعنين فيه. أو حاجز يمنع المتطفلين والخائضين من الدّنو من عرضه، أو الحاق الضّرر به. فهو إذاً وسيلة لحفظ الشرف وصيانة النفس. لكن وللأسف نرى البعض قد أحال مجلسه أو بيته أو مكان إقامته إلى حانوت يباع فيه الأعراض في سوق أشد وقاحة من أسواق النخاسة! وهذا بابُ فتنةٍ ومحنةٍ على المجتمع، يحمِل المفاسِدَ العُظمى، ويتضمَّن الآثامَ الكبرى التي تُفسِد وتمزق المجتمع، وتجُرُّ من الويلات ما لا يُحصَى، ومن الشرور ما لا يُستقصَى. لذا جاء النهي الصريح عن مجرد الحديث فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ كَرٍهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ). وجعل مجرد الحديث بكل ما سمع كذب، فقال: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) وجعل مجرد التنقيب أو تتبع الأخبار السيئة والتفتيش والتتبع خللا في دين المرء فقال صلى الله عليه وسلم: (يا مَعْشَرَ مَن أسلم بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه لا تُؤْذُوا المسلمينَ، ولا تُعَيِّرُوهم، ولا تَتَّبِعُوا عَوْراتِهِم، فإنه مَن تَتَبعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، يَتَتَبَّعِ اللهُ عَوْرَتَه ومَن يَتَتَبَّعِ اللهُ عَوْرَتَه يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه). العاقل لا يشغل نفسه بما يخدِش دينه ويُعرِّضَه لغضب ربه، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنَه الله رَدْغَة الخَبال حتى يخرج مما قال). ورَدْغَة الخَبال: عصارة أهل النار. إن حرمة الأعراض عظيمةٌ في الإسلام كحرمة الدماء والأموال، ومن البهتان العظيم الولوج فيها ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾.

1950

| 01 سبتمبر 2024

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

2247

| 23 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

783

| 24 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

639

| 26 مايو 2026

alsharq
قطر والرياضة العراقية.. صفحات من الوفاء

وقفت قطر مع العراق مواقف الأخوة العربية الصادقة...

621

| 26 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

615

| 23 مايو 2026

alsharq
لا أحد سيبدأ عنك

كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة...

606

| 25 مايو 2026

alsharq
أين يختبئ المثقف المتواضع؟

لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف...

588

| 26 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

582

| 22 مايو 2026

alsharq
معرض الكتاب.. الاستثنائي

كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح...

582

| 23 مايو 2026

alsharq
وللّه على الناس حج البيت

الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب،...

555

| 24 مايو 2026

alsharq
حين تتحول الثقافة إلى ألفة وطنية

مع إسدال الستار على فعاليات معرض الدوحة الدولي...

555

| 24 مايو 2026

alsharq
دبلوماسية المُيسّر.. كيف رسخت قطر دورها في تسهيل الوساطات الدولية؟

في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة...

528

| 26 مايو 2026

أخبار محلية