رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإيمان اعتقاد يسكن الضمير الإنساني ، ويستوطن القلوب الصادقة ليتخذ منها محلا وموطنا، لكنه - يأبى متى ما كان صاحبه مكتملا إيمانه صادقا في دعوته - أن يرى الشر قائما ولا ينكره ، أو يرى المعروف مهدرا ولا يأمر به، ويبقى الجميع قبل الامتحان متفاوتي الاعتقاد ، لكن بعد الابتلاء وحين تمتحن الأجساد بالسياط أو الأموال بالسلب أو العقول باللامعقول ، حين يمتحن الإنسان ليقول عن الحق باطلا وعن الخبيث طيبا ساعتها يعرف المؤمن القوي من المؤمن الضعيف، كما يعرف المؤمن بالله حقا من المؤمن بالأموال والبنين والشهوات والجاه . إن الإيمان -كما قال أهل العلم - ليست كلمة تقال باللسان ولا بيانا يشار إليه بالبنان، كما أنه ليس شعارا يتبع أو ضياء يبرق ساعة ليختفي أعواما! لا .... إنه حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى تحمل . فلا يكفي الناس أن يقولوا : آمنا ؛ وهم لا يؤيدون هذه الدعوى ببرهان جلي يدللون بها على دعواهم، إن الإيمان طريقه ليس مفروشا بالورود بل بالأشواك حتى يتبين الخبيث من الطيب وحتى يخرج منه أتباعه صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب المؤمنة كما قال تعالى ،{ولقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}. لذا استحق أهل الإيمان الحق : رحمة الله عز وجل ، فهي ثمرة من ثمار الاعتصام متى صح الإيمان، ومتى عرفت النفس حقيقة الله وعرفت حقيقة عبودية الكل له . فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده . {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} فهو وحده صاحب السلطان والقدرة والخلق إليه مفتقر .إن الإيمان الذي به يستمطر رحمة الله هو الإيمان الذي به تنتظم حياة الإنسان انتظاما لحياة المجتمع، فالمؤمن الحق يؤمن بحقيقة أكيدة أنه عبد مذلل لسيده وفقط ، هو عبد لا لحجر ولا شجر ولا بشر ولا بقر فلا يهاب البشر مهما اختلفت درجاتهم لأنه ليس عبدا لأي منهم ، بذا يجعله الإسلام سيد نفسه كلمته حره ورأيه مصون ، وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام الإيمان - كما جاء به الإسلام - هذا النظام الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . إنه الإيمان الذي تتجلى فيه حقيقة القدرة الإلهية فتجعل من صاحبها ملكا وإن لم يعرف الملكية ولا أبوابها ، إنه يميت في صاحبه الضعف الإنساني والخور الفطري ليجعل منه واحدا لا يرهب في ذات الله أحدا ولا يعظم مع أعداء دينه بشر. وقصة واحدة من تراثنا الزاخر تبرز لنا حقيقة هذا الإيمان المتجلى في هذه الصفوة المؤمنة الصابرة في " الصحيحين " عن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت، فإذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما. فغمزني أحدهما، فقال: يا عم ! أتعرف أبا جهل ؟ قلت: نعم. وما حاجتك ؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس. فقلت: ألا تريان ؟ هذا صاحبكما. يقول معاذ بن عمرو: جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني. فلما أمكنني، حملت عليه، فضربته، فقطعت قدمه بنصف ساقه. وضربني ابنه عكرمة بن أبي جهل على عاتقي، فطرح يدي وبقيت معلقة بجلدة بجنبي، وأجهضني عنها القتال، فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي. فلما آذتني، وضعت قدمي عليها وانتزعتها. لا شيء غير الإيمان هو الذي يصنع هؤلاء الرجال الذي يسطرون الحق بمداد من دمائهم، والذين يثبتون عند الشدائد .
1021
| 04 يونيو 2014
"من لم يستطع وزن كلماته فليحتمل من خصمه لكماته"للكملة خطورتها ووزنها في عند عقلاء القوم والحكماء، وقد قالوا إن الحكيم يزن قوله بميزان أدق من ميزان الذهب لإدراكهم قدر الكلمة وخطورتها، يقول بعض المعاصرين: إن الكلمات الجميلة تؤدي إلى معان ونتائج طيبة تحتاج إلى التأمل، وتؤدي أيضاً إلى مزيد من تأكيد أهمية وخطورة الكلمة. أما الكلمات السائبة فإنها تؤدي إلى نتائج خائبة. وهذه معادلة صحيحة، فالكلمات السائبة وهي التي لا اهتمام بها ولا ضبط لها تؤدي في غالب الأمر إلى نتائج فاسدة. ومخرج كلمة الخير والشر واحد والمفتاح بيدك، فتأمل ماذا تقول. ويكفي لتبيان خطورة المقام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً) هذا من أثر كلمة واحدة يقولها لم يقصد بالتأكيد آثارها تلك، ولذلك لا عجب أن جعل الله مسار الكلمة الطيبة مرتبطا بالإيمان كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فالصمت عن الحديث عند غلبة الظن من آثارها يعد مطلبا شرعيا وواجبا دينيا، كما أن النطق بالكلمة إحقاقا للحق يعد كذلك مقصدا دينيا. يقول بعض الحكماء : الصمت يجمع للرجل فضيلتين: السلامة في دينه، والفهم عند صاحبه. وغالبا نجد المتحدث كثيرا لا يستطيع أن يفهم إلا قليلاً، وكما يقال: الجوارح تتوزع عليها المهام، فإذا اشتغل اللسان كثيراً يكون ذلك على حساب العقل والفطنة، وإذا امتلأ البطن بالطعام صار الحال كما قيل: إذا امتلأت البطنة ذهبت الفطنة. وهكذا عندما تركز البصر في أمر ما فإنك تجد أن سمعك لم يعد مدركاً، وعندما يجول خاطرك في قضية ما فإنك قد لا تسمع أو قد لا تبصر من مر بك؛ لأن الحواس إذا تركزت في جانب ربما يقل إدراك واستيعاب الحواس الأخرى لها.ولخطورة الكلمة وآثارها المدمرة يقول عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: (والله الذي لا إله إلا هو ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان) وعند التأمل في قوله رضي الله عنه تستشعر المعنى المراد، فالسان حقيقة في سجن ساجنه أضراس شداد وبعد الأضراس باب لين، فإذا تحكم العقل فيه وفق الأصول الشرعية قاده إلى الخير والحق.لقد كان السلف يتواصون بضبط اللسان والتحكم فيه يقول ابن وهب يقول: إن في حكمة آل داود مكتوباً: (حق على العاقل أن يكون عارفاً لزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه). ويقول الحسن البصري رحمه الله أنه قال: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه. ويقول منح بن عبيدة: ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله. وعن بعض أهل الحكمة أنه قال: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. لأنك إذا قلت الكلمة فمن الصعب عليك أن تردها؛ لأنه قد يمنعك من ذلك كبر، وقد يمنعك من ذلك أن من سمعها منك قد شرقوا وغربوا وتفرقوا، فلا تستطيع أن تنسخ تلك القولة عند كل أحد، وأما إذا لم تقلها فإنها ما زالت تحت سيطرتك تفكر فيها وتتأمل في مراميها ثم تخرجها عن بصيرة وعلم. ولذلك قال الآخر: إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني.وقد قال أبو النواس في ذلك كلاما جميلا وفيه:خَلِّ جَنْبَيْكَ لِرَامٍ وَامْضِ عَنْهُ بِسَلَامٍمُتْ بِدَاءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ دَاءِ الْكَلَامِرُبَّمَا اسْتُفْتِحَ بِالْقَوْلِ مَغَالِيقُ الْحِمَامِرُبَّ قَوْلٍ سَاقَ آجَالَ قِيَامٍ وَفِئَامِإِنَّمَا السَّالِمُ مَنْ أَلْجَمَ فَاهُ بِلِجَامٍ.وفي كثير من الأمثال ما يدل على عمق وأثر هذه الكلمة، كما في بعض الأمثال: (رب كلمة قالت لصاحبها دعني). أي: اتركني ولا تنطق بي؛ فإنك لا تدري ما أجر عليك من البلاء والوباء إذ لم تراع الله عز وجل في نطقي، أو لم تنتبه إلى ما يترتب على نطقي أو إشاعتي من خطر وزلل. وكما قال قائل: إن الحرب أولها كلام.يقول قائل: العاقل العالم لسانه وراء عقله، والجاهل عقله وراء لسانه، تراه لا يفكر إلا بعد أن ينطق بالكلمة وقد مضى القول وانتهى الأمر.وللخروج من آفة الكلمات التي تتبعها عادة لكمة لا يتوقعها القائل ولا يحسب لها حسابها ؛ غلق الفم وتحكيم العقل ويقدم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حلا عمليا بقوله: من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه.
1701
| 07 مايو 2014
الظلام كاسمه: غياب رؤية وضياع منهج، وهو قسمان: حسي ومعنوي، فالظلام الحسي هو انسحاب الضوء أو انسحاب العكاس الصادر من العين لمشاهدة المرئي، والظلام المعنوي هو العجز المطلق لوجود مخرج من ألم أضر به أو الضيق أحاط به، والناس أمام المصائب ثلاثة:أحدهم رجل يُشخص الواقع المؤلم بضبابية قاتمة ويعيش فيه بشفافية بالغة فينتج عن ذلك حقد وحسد وغل وسب وشتم ولعن، ويظل هكذا واقفا مكانه لا يتقدم للامام خطوة فلا هو يقدم الحل المرجو ولا هو يساعد على حل ولا هو يسكت تاركا الساحة لغيره ليجد حلا لها، بل دائما شعارهم "وهل نصلح نحن ما أفسده الدهر" وللأسف طبيعة الأمة العربية في مجملها ذاك الصنف من الناس.وأما الشخص الثاني فرجل فضائي الفكر يحلق في عالم من الأوهام والخيالات دون الانتباه إلى محيطه ولا إلى ما أصابه بنظرة واقعية.. فشظف العيش الذي يعيشه سينتهي بقصر وذهب ولؤلؤ دون أن يكد أو يتعب، والدراسة المتعثر فيها ستفضي إلى أن يكون أول الدارسين دون جهد منه، كأن شعاره في الحياة "كل كبيرة أو صغيره: خلها على الله" وكأنه ينتظر أن ينزل الله من عليائه جل ربنا وعز من أجل أن يصلح له ما يستطيع هو أن يصلحه!وبعضهم نظم في هذا شعرا فقال قائلهم:لا تدبر لك أمرا إن أولي التدبير هلكىحقق الأمر تجدنا إنا أولى بك منك منك ولو حقق الأمر حقا لعلم أنه بهذا يعارض صريح القرآن وصحيح السنة.وأما الشخص الثالث: فرجل يحيط بالواقع المؤلم بما فيه ويبحث في جنبات المصائب عن الحلول فإن لم يكن، فالبحث عن الخروج بأقل الخسائر، فهو دائم التفكير فيما ألم به مقدما البديل لما أصابه أو مشاركا في الحل بجزء ولو قليلا.وإن المستعرض للمنهج الإسلامي يجد أن الصنف الثالث الذي يحمل الإيجابية مع النظرة الواقعية وتقديم ما يستطيعه بما في يده هو عين مراد الشارع الحكيم. وسأضع بين يدي القاريء الكريم موقفين من سورة واحدة هي سورة النمل المكية التي لا تتجاوز آياتها ثلاثا وتسعين آية لتجلي لنا هذا المعنى الواضح..الموقف الأول: موقف نملة سليمان يقول الله تعالى (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)سمي الواد بوادي النمل أشارة إلى أنهم سكانه الذين يقطنون فيه، وفي هذا الوادي جاءهم نبي الله سليمان ومعه جنده، فنظرت نملة، هكذا حكى القرآن بالتنكير لا بالتعريف لنفهم أنها ليست من القيادات العليا وليست من أهل الحل والعقد بل هي نملة عادية جند من الجنود لكنها عاشت على الايجابية، فحذرت بني قومها وقدمت لهم هذا الإنذار الذي ربما يهلكها معهم إذا لم يحسنوا الاختباء، فابتعدت عن الأنانية وحب الذات ونظرت إلي مصلحة الأمة مقدمة ذلك على مصلحة الفرد.ثم هنا نقطة أخرى وهي حكمتها في العرض وطرحها للأمر من دون تهويل ولا تهوين، بل واعتذار مقدّم لسليمان وجنده فهي القائلة: يا: وهنا نادت، أيها: نبهت، النمل، وهنا عينت، أدخلوا: أمرت، مساكنكم، خصت، لا يحطمنكم: حذرت، سليمان: خصصت، وجنوده: عممت، وهم لا يشعرون: اعتذرت. فهل رأيت روعة في الأداء أكثر من ذلك.والموقف الثاني لهدهد سليمان الذي تخلف عن الحضور فسأل عنه متوعدا.. يحكى القرآن الواقعة قائلا (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) ومع هذا الوعيد الشديد لم يعبأ الهدهد لا بالوعيد ولا بالتهديد لأنه رأى واقعة خطيرة قد حدثت ينبغي له أن يتصدر لها وأن يعالجها، فاستيقن الخبر وأتى في صلابة وقوة ليقول لسليمان عليه السلام: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ) إنه يقين من أتى خالصا لله لا لغرض من أغراض الدنيا متحملا مسؤوليته التي يري أن الله محاسبه عليها، فماذا رأى؟ (إني وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).يا ليتنا نأخذ من نملة سليمان التي كانت سبب نجاة بني جلدتها ومن هدهده الذي كان سببا في خروج مملكة سبأ من الضلالة إلى الهدى؛ ما نواجه به أزمات الحياة وما أكثرها، لنتقدم ولو خطوة ولنوقد في الظلام ولو شمعة، خير لنا من الاختباء خلف لعن الظلام ونحن أكثر الناس تضررا به.
3731
| 30 أبريل 2014
يعيش المرء في حياته بين صراع يديره جماعة من المحترفين قصدهم إلحاق الضرر بالمرء ببعده عن طاعة الله عز وجل، وقد استفرغ الشيطان جهده واستخدم كافة الحيل الموصلة إلى ذلك ، وقد أحسن من قال: إني بليت بأربع يرمينني ... بالنبل قد نصبوا علي شراكا إبليس والدنيا و نفسي و الهوى ... من أين أرجو بينهن فكاكا) يا رب ساعدني بعفو إنني ... أصبحت لا أرجو لهن سواكا فالحديث عن الصراع قائم والنفس مهيأة بطبيعتها للإنصات لتلك الإغواءات المتتالية ، التي لو تركت مسلطة على المرء أهلكته، ومن رحمة الله جل وعز أنه ترك باب الرحمة والمغفرة مفتوحا، لكل نادم على ما فعل وكل مستغفر على ما اقترف ، يقول الله تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53) .إنه يخبرهم جل شأنه بسعة كرمه، وجوده وحلمه ، ليحثهم على الإنابة قبل أن تأتي عليهم تلك الساعة التي لا يقبل فيها عذر معتذر ولا أوبة منيب !!وخطاب الله فيه من التلطف والإيحاء ما يبعث على سرعة العودة إذ خاطبهم بقوله { يَا عِبَادِيَ} فأنا ربكم وأنتم عبيدي، حتى لو بلغت الأمور بكم حدها الأقصى فأنا الرب الغفور، ليس لكم إله غيري ولا رب لكم سواي { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } باتباع ما دعتهم إليه النفس الأمارة بالسوء وقرناء السوء فانغمسوا في الذنوب، الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب. { لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } مع كل ما فعلتم أنا ربكم، لا تيأسوا !! بل ارجعوا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فيدفعكم هذا إلى مزيد عصيان وكثرة طغيان، بل اعلموا أني أغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. { إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته. ولقائل أن يقول معترضا أو منبها : كل الذنوب تغفر إلا : الشرك والقتل ، وربما يستدل على ذلك بدليلين : أما الشرك فقول الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا }النساء : 48. وأما القتل فقول الله عز وجل : {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}النساء : 93. ويقولون: أما الآية الأولى فصريحة الدلالة في أن الشرك لا يغفر وأما الثانية فإن الله رتب عليها عقوبات خمس جاءت جميعها بصيغ الحسم: جهنم ، والخلود فيها ، وغضب الله عليه، ولعنة الله التي أصابته، والعذاب العظيم المعد له . هذا هو كلامهم ولسائل أن يسأل إذا كان ما مر من صحيحا –وليس كذلك- فهب رجلا وقع في جريمة القتل وأراد أن يتوب فأغلقنا الباب وسددنا الأمل ، ماذا عساه صاحبنا أن يفعل!! ببساطة سيتحول من قاتل محلي إلى آخر محترف، لن تردعه عقوبة طالما الرجاء في الله قد أغلقه البعض ، على أن ما قالوه مخالف للقرآن الكريم ، إذ يقول الله عز وجل في سورة الفرقان "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } فالآية الأولى جمعت الشرك والقتل وجعلت عاقبة ذلك العذاب المهين المضاعف مع الخلود فيها ، لكنها ذكرت التوبة عقبها وأن صاحبها إن صدقت توبته مغفور له بل ومن عطاء الله عز وجل أن سيئاته تنقلب إلي حسنات وهذا من كريم عفوه وفضله ومنه على عباده.والجمع بين الآيتين ذكره غير واحد من أهل العلم ، فالشرك الذي لا يغفر والقتل الذي يغتفر ويوجب لصاحبه الخلود في النار هو ذاك الشرك الذي مات صاحبه وهو معتقدا به غير مبال بما صح من الأخبار والآثار التي تجعل صاحبها مشركا بالله ، وكذا القتل الذي لم يتحلل صاحبه منه ولم يتب ومات مكابرا معاندا يستحل دماء الناس بلا رادع يردعه من دين أو إيمان كلاهما مات على ما اعتقد من الآثام هذا هو المعني والله المستعان.
2135
| 23 أبريل 2014
هذه رسالة مفتوحة إلي كل أبنائنا، أحدثكم الان بلسان كل أب يخفي في صدره من مشاعر ما سأظهر بعضها في تلك المقالة، الدافع لذلك حديث سمعته وآلمني تكراره من بعض الأبناء حين يتناسون فضل الآباء عليهم، وحنينهم وودهم وحبهم لأمر عارض أو تقصير لا يعرفون هو أبعاده.بني: أنت زينة الحياة الدنيا لي، هكذا قرر القرآن وقضى، هي إذن فطرة وضعت في صدر كل والد تجاه ولده (ذكرا كان أو أنثي) لا يريدان من وراء ذلك أجرا ولا ثمنا، بل غاية مرادهما من الله صلاح حال أولادهما، يتعبان لأجل رعايتهم، ويسهران لأجل راحتهم، ويتألمان إذا ما أصابهم عارض، ويتمنيان أن لو كان العارض فيهما وابنهما سالم، فإذا شب وكبر وأراد السفر؛ ضحكا في وجهه وقلبهما متألم، واجتهدا في طلبه وأرواحهما تنازع أجسادهما، وما أن يخرج الحبيب من البيت حتى يخلو كل منهما بنفسه والحزن يعتصر فؤاده والدمع لا يكاد يجف من عينه، ولسان حالهم ما قاله الطرسوسي قديما:لو كان يدري الابن أية غصة يتجرع الأبوان عند فراقهأمٌ تهييج بوجده حيرانة وأب يسح الدمع من آماقهيتجرعان لبينة غصص الردى ويبوح ما كتماه من أشواقهلرثى لأم سلّ من أحشائها وبكى لشيخ هام في آفاقهولبدل الخلق الأبي بعطفه وجزاهما بالعطف من أخلاقه.يسافر الولد ويغترب وتشغله الأيام والليالي عن والديه، وهما لا يملان التفكير فيهم والدعاء لهم، وإذا أردت بني أن تتعرف على الشوق الدفين في صدر والدك فاستمع إليه على لسان الشاعر العربي السوري عمر بهاء الدين الأميري لما ودع أولاده الثمانية ودخل بيته فلم يجدهم فبكى وقال:أين الضجيج العذب والشغب أين التدارس شابه اللعبأين الطفولة في توقدها أين الدمى في الأرض والكتبأين التشاكس دونما غرض أين التشاكي ماله سببأين التباكي والتضاحك في وقت معا والحزن والطربأين التسابق في مجاورتي شغفا إذا أكلوا وإن شربوايتزاحمون على مجالستي والقرب مني حيثما انقلبوايتوجهون بسوْق فطرتهم نحوى إذا رهبوا وإن رغبوافنشيدهم "بابا" إذا فرحوا ووعيدهم "بابا" إذا غضبواوهتافهم "بابا" إذا ابتعدوا ونحيبهم "بابا" إذا اقتربوابالأمس كانوا ملء منزلنا واليومَ، ويح اليومَ، قد ذهبواوكأنما الصمت الذي هبطت أثقاله في الدار إذ غربواإغفاءة المحموم هدأتها فيها يشيع الهم والتعبذهبوا، أجل ذهبوا، ومسكنهم في القلب، ما شطوا وما قربواإني أراهم أينما التفتَتْ نفسي وقد سكنوا وقد وثبواوأحس في خلدي تلاعبهم في الدار ليس ينالهم نصبُوبريق أعينهم إذا ظفروا ودموع حرقتهم إذا غلبوافي كل ركن منهم أثر وبكل زواية لهم صخبفي الباب قد كسروا مزالجه وعليه قد رسموا وقد كتبوافي الشطر من تفاحة قضموا في فضلة الماء التي سكبواإني أراهم حيثما اتجهت عيني كأسراب القطا سَرَبوادمعي الذي كتمته جلدا لما تباكوا عند ما ركبواحتى إذا ساروا وقد نزعوا من أضلعي قلبا بهم يجبألفيْيتُني كالطفل عاطفةً فإذا به كالغيث ينسكبقد يعجب العُذّال من رجل يبكي وإن لم أبكي فالعجبهيهات ما كل البكا خور إني وبي عزم الرجل أب.هذا غيض من فيض مما يخبئه صدر والدك لك، مما يخفيه خلف كلماته القوية وعباراته الحادة التي ما أراد منها إلا أن تكون رجلا يتحمل الشدائد ويواجه الصعاب.ودعني أسر لك أمرا أرجو أن تعييه تماما، بني لن تجد أحدا يحرص عليك ويتمني نجاتك مثل والديك، وإذا قدر الله وفاة الولد لن تجد من يذكره بالدعاء مثلهما، هل أتاك حديث عمر بن ذر الهمداني لما مات ولده ذر، وكان موته فجاءة، أتاه أهل بيته يبكونه فقال: ما لكم؟ إنا والله ما ظلمنا ولا قهرنا، ولا ذهب لنا بحق، ولا أخطئ بنا، ولا أريد غيرنا، وما لنا على الله معتب. فلما وضعه في قبره قال: رحمك الله يا بني، والله لقد كنت بي بارا، ولقد كنت عليك حدباً، وما بي إليك من وحشة، ولا لي إلى أحدٍ بعد الله فاقة، ولا ذهبت لنا بعز، ولا أبقيت علينا من ذل. ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. يا ذر ماذا قيل لك وماذا قلت؟ ثم قال: اللهم إنك وعدتني الثواب بالصبر على ذر، اللهم فعلى ذر صلواتك ورحمتك، اللهم إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر صلة مني له، فلا تعرفه قبيحاً وتجاوز عنه فإنك أرحم الراحمين. اللهم وإني قد وهبت لذر إساءته إلي فهب له إساءته إليك، فإنك أجود مني وأكرم.وبعد ما سمعت وقرأت أسألك يا ولدي، هل تعلم أني أحبك؟
2921
| 16 أبريل 2014
المعصية مكتوبة على بني آدم، لكن الناس أمامه على قسمين: الأول يستر نفسه ويسأل الله أن يعافيه، وهذا يرجى له المغفرة والأوبة، والثاني مجاهر بمعصيته، لا يتورع أن يفعلها أمام الناس أو يحكي عنها أمام العامة والخاصة، متغافلا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه). المعافاة من العافية والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنها تلحق أهل الستر، أما أهل المجاهرة فإنهم مستثنون من ذلك، وقد قال بعض العلماء: إن المقصود بالحديث كل أمتي يُترَكون في الغيبة إلا المجاهرين، والعفو بمعنى الترك، والمجاهر: هو الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث به. يقول الإمام النووي رحمه الله: من جاهر بفسقه، أو بدعته، جاز ذكره بما جاهر به. والهدف من وراء ذلك تحذير الناس منه ومن شره، والأمر الآخر ردع له وزجر لعله يرتدع، إن الإسلام يريد الحفاظ بهذا التشريع على الفرد والمجتمع، وقد قال صلى الله عليه وسلم محذرا موضحا للناس الطريق الأقوم في الابتعاد عن المعاصي والطريق الواضح فيمن وقع في معصية فقال: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله) رواه الحاكم، وهو حديث صحيح. يقول الإمام النووي رحمه الله: يكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها. زيادة في الكتمان إلا أن يكون سائلا عن حكم أو ملتمسا طريق نجاة.والهدف من تشديد العقوبة على المجاهرين: لأن في الجهر بالمعصية استخفاف بمن عُصِي وهو الله عز وجل، واستخفاف بحق رسوله صلى الله عليه وسلم، واستخفاف بصالحي المؤمنين، وإظهار العناد لأهل الطاعة ولمبدأ الطاعة، والمعاصي تذل أهلها، وهذا يذل نفسه ويفضحها في الدنيا قبل الآخرة.ثم إن في الجهر بالمعصية إظهار إعانة على إظهار الفاحشة بين الناس، لأن بعض من في قلبه مرض أو يريد إقامة معصية لا يقدم عليها في ظل مجتمع محافظ، فإذا وجد من يفعل ذلك جهارا نهارا من غير خوف ولا خجل تجرأ على فعله فانتشرت بذلك الفاحشة، وقد قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وهذا الذم والوعيد فيمن يحب إشاعة الفواحش، فكيف بمن يمارسها. إن أقل الآثار المترتبة على إشاعة الفاحشة والجهر بها : ظهور الفساد برا وبحرا، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسير الآية: "بأن النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي، قال أبو العالية: "من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة"، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: ((لَحَدٌّ يقام في الأرض أحبّ إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً)).نسأل الله أن يهدي شباب المسلمين وأن يقينا شر السوء وقول السوء وأهل السوء إنه جواد كريم والله الموفق.
21454
| 19 مارس 2014
تمر على الناس أوقات يحزن فيها وأخرى يفرح ، ويشتد الأمر على أهل الصلاح حين يتهموا بما هم منه براء، ويصاب صاحبه بالحزن والضجر ، وقد علمنا القرآن أن الثبات على الحق والصبر على الطريق واجب لا ينبغي الحيدة عنه أو الهروب ، ويستعان على طول المسير بالتسرية مع اليقين أن الحق في النهاية منتصر وأن الظلم في خاتمته سينكسر ، ومن أوضح الآيات التي تبين لنا هذا اللون من التسرية قول الله تعال لنبيه : ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسَببِنَا ولأَجْلِنا . ولقد كُنْتَ عظيمَ الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليكَ هذا الأمر؛ وكانوا يسمونك محمداً الأمين ، فإنْ أصابَكَ ما يصيبك فَلأَجْلِ حديثنا، وهذا غيرُ ضائعٍ لك عندنا ، وحالُكَ فينا كما قيل :أشاعوا لنا في الحيِّ أشنع قصةٍ ... وكانوا لنا سِلْما فصاروا لنا حَربافاصبر فإنَّ مَنْ سَلَكَ سبيلَنا وصبر على ما أصابه ، فأبدا لا تخسر فينا صفقتُه ، ولا تخفى علينا حالتُه. وهذه الواقعة التي وصلت إلى آذان المصطفى تبرز لنا حقيقة موقف القوم الحق من رسول الله ودينه. كان بطلا القصة : الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام. فهيا بنا أيها الأحبة نسترق السمع ننظر ماذا يقول الأخنس وبما يجيب أبو جهل . يقول الأخنس : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس هنا من يسمع كلامك غيري؟يجيب أبو جهل: والله إن محمدا لصادق! وما كذب محمد قط ! ولكن إذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟!وقيل : أن رجلا من قريش يقال له : الحارث بن عامر ، قال : والله يا محمد ما كذبتنا قط فنتَّهِمَك اليوم ، ولكنا إن نتَّبعْك نُتَخَطَّفْ من أرضنا . وقال مقاتل : كان الحارث بن عامر يكذِّب النبي في العلانية، فاذا خلا مع أهل بيته ، قال : ما محمد من أهل الكذب .وقيل: إن المشركين كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا فيما بينهم : إنه لَنبي. وقيل: إن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ، ولكن نُكذب الذي جئت به وقال أبو يزيد المدني : لقي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل فصافحه أبو جهل ، فقيل له : أتصافح هذا الصابئ؟ فقال : والله إني لأعلم أنه نبي ، ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف؟ ويروي أبو ميسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا: يا محمد إنا والله ما نكذبك، وإنك عندنا لصادق، ولكن نكذب ما جئت به.والحوادث لا تتعارض فقد كانت قريش عن بكرة أبيها تعلم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه الجحود والعناد كما قال تعالى : وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَهذا كان شأن هؤلاء المعاندين المكذبين ، فما شأن المسلمين المؤمنين المصدقين بالله ربا وبالرسول نبيا وبالقرآن دستورا ومنهاجا ؟ للأسف إننا اليوم –إلا من رحم- نقع في لون من هذا الكلام ، فنؤمن بالحكم ولا نطبقه، وندرك الحكمة ولا نهتدي إلي العمل بها، ومع أن الفارق بيننا وبين القوم كبير فنحن آمنا وهم كفروا، إلا أننا أيضا ظلمنا أنفسنا بعدم الاتباع وظلمنا غيرنا بسوء الاقتداء ، وظلمنا ديننا بعدم إظهاره كما هو شعلة إيمانية متحركة .إن الإسلام يحتاج منا إلى تصديقه وأعني تصديق الأفعال للأقوال، فكم هو جميل أن نتحرك بالإسلام، أن ننقل محراب المسجد إلى محراب الكون، أن تكون حياتنا وأعمالنا ووظيفتنا وطعامنا وشرابنا كله بالإسلام وللإسلام .
627
| 27 فبراير 2014
الناس قسمان: قسم يعيش دهره وينسى أثره، وقسم يعيش عمرا طال أو قصر؛ لكنه وإن مات فإن أعماله تبقي ذكره، ويظل ترداد اسمه بين العلماء منتشرا، كلا الرجلين سواء من الناحية الخِلقية: رأس وجسد ويد ومظاهر حسية، وربما يشتركان في الذكاء، لكن أحدهما حدد هدفه وبذل في سبيل ذلك الجهد اللازم، والآخر تواكل وضيع وقته فلما مات اندثر اسمه حتى ربما ينساه أهله بعد عقود ليست قليلة. اليوم معنا شعبة بن الحجاج بن الورد (85 هـ-160 هـ) هو إذن من الرعيل الأول، لكنه شمس الدنيا وعافية البدن، وما من مشتغل بالحديث إلا وهو يذكر له مواقف خلدت في التاريخ ذكره، ونحتت في ذاكرة المحدثين والعلماء اسمه. ولسائل أن يسأل عن السر وراء ذلك، ونحن هنا نوقفك أمام حديث واحد حققه هذا العالم من بين آلاف الحديث لتدرك الفارق بين أهل الجد وأهل الهزر. ذكر ابن حبان رحمه الله في مقدمة كتابه المجروحين، عن نصر بن حماد قال: كنا بدار شعبة نتذاكر السنة، فقلت: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبدالله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فتحت له أبواب الجنة الثمانية)، قال: فخرج شعبة فلطمني ودخل الدار، وكان معه عبدالله بن إدريس، قال: فخرج - أي: بعد ذلك - فوجدني قاعداً أبكي، فقال: هو بعد يبكي، فقال له: عبدالله بن إدريس إنك لطمت الرجل، فقال: إنه مجنون إنه لا يدري ما يحدث، إني سألت أبا إسحاق عن هذا الحديث، سمعته من عبدالله بن عطاء فغضب ولم يجب، غضب؛ لأن أبا إسحاق السبيعي كان يدلس (أي يسقط الراوي شيخه الضعيف أو الصغير فيعلو بسنده وهذا لون من التدليس فـأبو إسحاق السبيعي كان شعبة لا يأخذ من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع) لذلك سأله: سمعت هذا الحديث من عبدالله بن عطاء، فغضب. وأَبى أن يجيب، فقال مصعب بن كدام وكان جالساً مع أبي إسحاق السبيعي: يا شعبة! إن عبدالله بن عطاء حيٌ بمكة. قال شعبة: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث (شعبة وقتها كان في البصرة). قال: فذهبت، فدخلت على عبدالله بن عطاء فإذا رجلٌ شاب، قلت له: حديث الوضوء حديث عقبة بن عامر قال: نعم. قلتُ له: سمعته من عقبة بن عامر، قال: لا. إنما حدثنيه سعد بن إبراهيم -وهو مدني- قال شعبة: فذهبت إلى مالك فسألته: حج سعد بن إبراهيم هذا العام؟ قال: ما حج العام! قال: فقضيت نسكي وانحدرت إلى المدينة، فدخلت على سعد بن إبراهيم، فقلت له: حديث الوضوء حديث عقبة بن عامر، قال: نعم. فقلت سمعته منه؟ قال: لا. إنما حدثنيه: زياد بن مخراق -وهو بصري- قال: من عندكم خرج، حدثني زياد بن مخراق قال شعبة: حديث مرة بصري، ومرة مدني، ومرة مكي، دمر عليه لا أصل له.قال: فانحدرت إلى زياد بن مخراق وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت: حديث الوضوء عن عقبة بن عامر، قال: نعم، فقلت: سمعته من عقبة بن عامر؟ فقال لي: إنه ليس من حاجتك! أي: أنه ضعيف، فقال له شعبة فما بد؟ قال: فلا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل، فتغسل ثيابك، ثم تأتيني، قال: فاغتسلت وغسلت ثيابي وجئته، قلت: حديث الوضوء، قال: نعم. قلت: سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا. حدثنيه شهر بن حوشب، فقلت: شهر عن من؟ فقلت: عن أبي ريحانة عن عقبة به، فقال شعبة: حديث صعد ثم نزل دمر عليه لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إلى من أهلي ومالي. فانظر كم قضى شعبة في تحقيق هذا الحديث من الجهد والبذل، وكم ضيَّع شبابنا أوقاتهم فيما يضر ولا ينفع، وفي الختام الحديث صحيح ولكن من جهة أخرى، وفق الله الجميع لمرضاته.
10119
| 05 فبراير 2014
أصدق ما يكون المرء حديثا؛ حين يشتكى لطبيبه مرضا ألم به، يحكى له بدقة متناهية وإذا نسي أمرا فتذكره قاله على عجل؛ لأنه يدرك أن أي خطأ أو تزوير عاقبته الوخيمة عليه.وإذا كان هذا في علم الأبدان فإن علم السلوك أحوج إلى هذا الصدق، فليس أحد معصوم من الخطأ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (كل بني آدم خطاء) ومن ادعى الحكمة الدائمة والصواب المطلق فقد ادعى المحال أو الجنون كما قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: من يبرئ نفسه من الخطأ فهو مجنون. وما دام الخطأ لصيق الصلة بالمرء فليس العيب فيه أو في الإخبار عنه، وإنما العيب في المكابرة عليه، وهذه المكابرة أحد مظاهر الكبر وعاقبته وخيمة، فقد روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) وفي رواية الترمذي: (ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس) وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: يا رسول الله! إني ليعجبني أن يكون ثوبي غسيلاً، ورأسي دهيناً، وشراك نعلي جديداً — وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه — أفمن الكبر ذاك يا رسول الله؟ قال: لا. ذاك الجمال، إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر من سفه الحق، وازدرى الناس).فالمرء إذا ساند الباطل لأنه فعله وقاوم الحق لأنه مع غريمه فهو المتكبر، أما العاقل فهو الذي يخبر بدائه ويعترف بخطئه ويرجع إلى الصواب.والناظر في حياة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يدرك ان هذا الخلق كان ديدنهم، والتاريخ يذكر أن أبا بكر لما حلف ألا ينفق على مسطح ولا يعطيه شيئاً؛ لأنه ظلم ابنته عائشة، وتبين له أنه خالف الصواب رجع إلى الحق وذلك حين نزل قول الله عز وجل: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22] ولا يأتل: أي: لا يمتنع، وكان مسطح قريباً للصديق وقال: والله لا أنفق على مسطح شيئاً بعد الذي قال لـعائشة، فلما نزلت الآية قال أبو بكر رضي الله عنه: [بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي] فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: [والله لا أنزعها منه أبداً] وكفر عن يمينه، هكذا فعل.إن مما ابتلينا به أننا ندفع الحق في كثير من الأحيان ولا نقبله، ونجادل بالباطل؛ إما حذرا من الاتهام، أو تصديقا للذات ولو على حساب الحق، والمؤمن الحق كما قال الفضيل رحمه الله هو الذي يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله.يقول ابن القيم رحمه الله: إن من أعظم التواضع أن يتواضع العبد لصولة الحق، فيتلقى سلطان الحق بالخضوع له والذل والانقياد، والدخول تحت رقه؛ بحيث يكون الحق متصرفاً فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد التعرف على الصواب والاعتراف بالخطأ، ويسهل عليه الانقياد للحق.ولقد كان عمر رضي الله عنه حريصا على تأسيس هذا الخلق خاصة بين الأمراء ففي كتابه لـأبي موسى الأشعري قال:[ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، ولا يبطل الحق شيء، وإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل]. ولذلك أقر موسى عليه السلام بخطئه لما ذكره به عدوه فرعون لعنه الله، قال فرعون لموسى: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء:18 — 19] أي: عندما قتلت ذلك القبطي، قال موسى عليه السلام: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:20] فاعترف أنه فعلها على ضلالة، ليس كفراناً بنعمة فرعون، ولكن فعلها على ضلال: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:20] يعني: قبل أن يوحى إلي وأرسل وأنبأ، فعلتها إذاًَ وأنا من الجاهلين، ولما قال الخضر لموسى عندما تسرع موسى، ولم يفِ بعهده للخضر في الصبر على ما يجري قال الخضر: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً [الكهف:72 — 73] فجمع بين الإقرار والاعتذار، وهذا من خلق موسى عليه السلام. جميل أن يكون الحق هو الغاية والمراد، وجميل أن يكون المعيار هو القرآن العظيم وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجميل أن يعتقد المرء أن قوله قد يكون صحيحا وقد يكون غير ذلك.
2933
| 29 يناير 2014
كان لسان حال السلف ومقالهم: كيفية معالجة النية وضبطها بطريق صحيح، وقد كان للسلف مع النية أحوال ينبغي ان نجعلها نبراسا ونحن نسير إلى الله عز وجل.إن النية تطلق ويراد بها: القصد والإرادة الباطنة الدافعة لارتكاب الفعل والقيام به، وشأن النية خطير ذلك أنها إذا صدقت رفعت صاحبها، وإذا فسدت ضاع صاحبها وأصبح عمله هباء منثورا ووبالا عليه، ويكفى أن نقرأ هذا الحديث حتى يتبين الأمر، فقد صح عن النبي صلى الله عليه قال: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ))لأجل ذلك كان السلف الصالح يحملون همّ الإخلاص قبل أي يعمل ينون القيام به، هذا أبو هريرة رضي الله عنه كان إذا حدث بحديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار يغشى عليه خوفا ووجلا أن يكون واحدا منهم.وكان سفيان بن عيينة رحمه الله يقول: (ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيّتي أنها تتقلب عليَّ)..وكان بعضهم إذا قيل له حدثنا، قال: لا.. حتى تأتي النية. وقال بعضهم: وددتُ أن عبادتي بيني وبين الله، لا تراها عين.فانتبه لنيتك، وتفقد سريرتك واعلم {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11].حينها أبشر بالتوفيق إذا وطنت نفسك على الإخلاص: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ}ومن أمارات هذا الإخلاص ودلائله وعلاماته المشهورة أن تجد نفسك زاهداً في الدنيا، كثير الطمع في الآخرة، فلا تبحث عن سمعة، ولا تبحث عن رياء، ولا تلتمس رضوان أحد غير الله جل جلاله.تصبر وتكافح وتجاهد في طلب الإخلاص، لا تنثني لك عزيمة، ولا تنكسر لك شوكة، ولا تصرف وجهك عن الوجهة التي علمت فيها رضوان الله العظيم حتى تبلغ غايتك التي تريدها وتنشدها.يروى أن معاوية رضي الله عنه لما بلغه حديث أول من تسعر بهم جهنم المجاهد والعالم وقارئ القرآن الذين أقاموه للناس لا لله،بكى حتى أغمي عليه، فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله؛ قال الله عز وجل: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ}.ولما كان الإخلاص بهذه المنزلة التي تقدم وصفها،جاء الشرع المطهر في الحث عليه والترغيب فيه وبيان فضله في آيات كثيرة وأحاديث عديدة، من ذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ}، وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}، وقوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّه} الآية.. وقوله: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَه} (الأنعام: الآية 162 — 163)، وقوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا} (الكهف: من الآية110)، وقوله: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي} (الزمر:14).ومن الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله لأصحابه في غزوة تبوك: "إن بالمدينة رجالا ما سرتم سيرا، ولا قطعتم واديا إلاّ كانوا معكم حبسهم المرض" وفي رواية: "إلاّ شاركوكم في الأجر" متفق عليه ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" رواه مسلم.
6705
| 22 يناير 2014
لا يعرف الحق بالرجال، كما لا يستدل عليه بكثرة الأتباع، ولا بتكاثر الأموال، ولكن كما قال أهل الفضل: اِعرف الحق تعرف أهله. وصدق الغزالي حين قال: "فاعلم أن من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال، فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكاً طريق الحق، وإن قنعت بالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل بين الناس، فلا تغفل الصحابة وعلو منصبهم" والحق عزيز، والإيمان به يحتاج إلى تكاليف لا يطيقها كل الناس، ولله در الإمام أحمد ـ رحمه الله — الذي يتشدق به اليوم من هم أبعد الناس عنه سلوكا وتطبيقا! — حين كانت فتنة خلق القرآن لم يحنِ رقبته لظالم، ولا باع إخوانه بثمن بخس دراهم معدودات، ولا وقف مع أهل الفساد والزيغ ممن ظل طيلة عمره يحذر الناس منهم ومن فسادهم، بل ثبت أحمد على الحق حتى انتصر، والمفارقة أن الإمام رحمه الله كان يخشى بحكم الفطرة: العذاب بالسوط، لكنه لم يجعل من ذلك تكئة لأن يخالف منهجه وتدينه، ولم يتحايل ليدعي زورا أن الرضوخ للفاسدين والظالمين كأكل الميتة جائز عن الحاجة! حتى ولو كان ثمن الرضوخ: دماء تراق، وأموالا تنهب، وأعراضا تنتهك، ودينا يغيب! يقول رحمه الله: "لست أُبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلاً بالسيف إنما أخاف فتنة السَّوط". لقد ثبت رحمه الله على الحق وتحمل تبعاته، والعجيب أن الله ثبته بِـ "لِصٍ"! "كنت كثيراً أسمع والدي أحمد بن حنبل يقول: رحم الله أبا الهيثم، فقلت: من أبو الهيثم؟ قال: أبو الهيثم الحداد، لما مُدت يدي إلى العقاب، وأُخرجت للسياط، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيار، اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضُربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين".وحين أمر المعتصم بحمل الإمام إليه، وكان قد سجنوه في رمضان، دخل عليه إسحاق بن إبراهيم فقال: "يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضرباً بعد ضرب، وأن يُلقيَك في موضع لا ترى فيه الشمس". وسيق الإمام بالقيد الذي أثقل كاهله، وكاد غير مرة أن يخرّ على وجهه لثقله، وأدخلوه في حجرة، وأقفلوا الباب عليه، والمعتصم يقول له: "يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، إني لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني، ما تقول؟" فيجيبهم: "أعطوني شيئاً من كتاب الله عز وجل أو سنة رسوله". ويخيفوه بمن عذب قبله ليرتدع أو يجد ذريعة لأخف الضررين! قال له المعتصم: "ما كنت تعرف صالحاً الرشيدي؟"قال أحمد: "سمعت باسمه. قال: كان مؤذني وكان في ذلك الموضع جالساً — وأشار إلى ناحية من الدار — فسألته عن القرآن فخالفني، فأمرت به فوُطئ وسُحب". وبعد ثلاثة أيام من المناظرة ظهر فيها ثبات الإمام جاءوا بالسياط، يقول الإمام أحمد: "لما جيء بالسياط، نظر إليهم المعتصم فقال: ائتوني بغيرها، فأتي بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إليّ الرجل فيضربني سوطين، فيقول له المعتصم: شُدَّ.. قطع الله يدك، ثم يتنحى ثم يتقدم الآخر فيضربني سوطين، وهو في ذلك يقول لهم: شُدَّوا.. قطع الله أيديكم، فلما ضُربت تسعة عشر سوطاً قام إليّ — يعني المعتصم — فقال: يا أحمد علام تقتل نفسك؟؟ إني عليك والله شفيق. فقال الإمام: "فجعل عُجيف ينخسني بقائم السيف، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟" وجعل بعضهم يقول: "ويلك، الخليفة على رأسك قائم"، وجعل عبدالرحمن يقول: "ويحك يا أحمد، من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟"، قال: وجعل المعتصم يقول: "ويحك يا أحمد، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج، حتى أُطلق عنك بيدي". قال: "فقلتُ يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به. قال: فرجع وجلس، فقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى وهو في خلال ذلك يقول: "شُدَّ قطع الله يدك". قال أحمد: "فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أُطلقت عني"، فقال لي رجل ممن حضر: "إننا كَببْناك على وجهك وطرحنا على جنبك بارية ودسناك". فُعل ذلك بالإمام أحمد لكنه لم يركن إلى الظالمين، ولا إلى نصوص يؤولها ويسقطها في غير موضعها خوفا من سيف المعِز أو طمعاً في ذهبه!هذا أحمد بن حنبل لمن أراد الاقتداء به أو التمسح بتاريخه، إن التاريخ كالسيف لا يرحم أحدا، والمستور اليوم مفضوح غدا، والمظلوم اليوم منتصر غدا!أَمْرَانِ كَمْ قَضَّا مَضَاجِعَ عَالِمٍ ***** الحَقُّ مُرٌّ والسُّكُوتُ مَرَارُفَلَئِنْ سَكَتَّ فَأَنْتَ تَخْذُلُ حَافِظاً***** وَلَئِنْ كَتَبْتَ فَضَجَّةٌ سَتُثَارُعَتَبٌ عَلَى قَلَمِ الحَقِيْقَةِ أَخْرَسٌ****** فَمَتَى وَقَدْ هُدِمَتْ رُؤَاكَ تَغَارُ؟وَمَتَى سَتَكْتُبُ أَنْتَ أَوَّلُ صَارِخٍ****** يُرْجَى إِذَا قَتَلَ الهَوَاءَ غُبَارُفَكَتَبْتُ مَوْجُوعَ الفُؤَادِ، مَرَارَةٌ ******أَلاَّ يُرَى غَيْرَ السُّكُوتِ خَيَارُ
10069
| 08 يناير 2014
ذكر القرآن طبائع الناس وبين أن من الناس من يرى الحق ويقيمه، ومنهم من يراه ويحاربه، ومنهم من يراه ويعرفه بذاته ولكنه يؤثر سلامته على سلامة دينه وعقيدته، يقول الله تعالى:(وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)..إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ولابد أن ينهض إليها أهلها، يتحملون تبعاتها، ويصحون من أجلها، وينفقون الغالي والنفيس على إقامتها خالصة واضحة كما يريدها الله جل شأنه.لكن أقواما من الناس لا يقدرون على حمل تكاليف الدعوة ولا النهوض بتبعاتها فيختلقون لذلك بعض المعاذير محاولين بذلك تجميل حالهم والاعتذار لها، وهذه بعض معاذير القوم ومن تبعهم ممن يرى الحق حقا ولا يتبعه، قالها من قديم فريق من المشركين ممن غلبه الحياء أن يكابر ويجاهر بالتكذيب، وغلبه إلف ما هو عليه من حال الكفر على الاعتراف بالحق، فاعتذروا بهذه المعذرة.روي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وناساً من قريش جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحارث «إنا لنعلم أن قولك حق ولكنا نخاف إن اتبعنا الهدى معك ونؤمن بك أن يتخطفنا العرب من أرضنا ولا طاقة لنا بهم وإنما نحن أكلة رأس» أي أن جمعنا يشبعه الرأس الواحد من الإبل وهذه الكلمة كناية عن القلة.فهؤلاء اعترفوا في ظاهر الأمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الهدى لكنهم في الأثر ليسوا أفضل حالا ممن كفر وعاند.والتخطف: مبالغة في الخطف، وهو انتزاع الشيء بسرعة، والمراد: يأسرنا الأعداء معهم إلى ديارهم، فرد الله عليهم بأن قريشاً مع قلتهم عدّاً وعدة أتاح الله لهم بلداً هو حرم آمن يكونون فيه آمنين من العدو على كثرة قبائل العرب واشتغالهم بالغارة على جيرتهم، وجبى إليهم ثمرات كثيرة قروناً طويلة، فلو اعتبروا لعلموا أن لهم منعة ربانية وأن الذي أمنهم في القرون الخالية يؤمنهم إن استجابوا لله ورسوله.إن أشد الناس غفلة الذي ينتكس عن أداء حقوق الله عز وجل بمثل هذه الدعاوى السمجة، التي إن دلت فإنما تدل على ضعف واضح في عقيدة المرء ودينه.أما من قام بحقِّ الله — سبحانه — واستفرغ أوقاته في عبادة الله ولم يخش في الله لومة لائم، مُكِّنَ له في الأرض؛ والحقُّ — سبحانه — متولٍ أيامَه وأعماله يُحَقِّقُ ظنَّه، ولا يُضَيِّعُ حقّه.إن من يرتكن إلى غير ربه يسلمه الله إليه، وإذا أسلمه الله إلى غيره هلك.
821
| 01 يناير 2014
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات...
8739
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات،...
3156
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين...
2841
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من...
1527
| 25 أكتوبر 2026
لم يكن الخبر عادياً بالنسبة لي، بل كان...
1521
| 29 أكتوبر 2026
قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف...
1380
| 27 أكتوبر 2026
كل مشروع جديد في قطر يحتاج إلى أيدٍ...
1368
| 29 أكتوبر 2026
* كثيرًا ما تسألني بعض السيدات: هل يمكنني...
1179
| 29 أكتوبر 2026
تبدو الحملة العسكرية (الحوثية) والحصار المفروض على مدينة...
1038
| 26 أكتوبر 2026
أبارك للأخ حمد راشد المهندي على اختياره عضوًا...
870
| 25 أكتوبر 2026
تواصل دولة قطر ترسيخ حضورها في ميدان التعليم...
780
| 30 أكتوبر 2026
قد تحقق مؤسسة جميع مؤشرات الأداء التي وضعتها...
711
| 01 نوفمبر 2026
مساحة إعلانية