رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الكلام كله منطوق، غير أن البشاشة واللين مع التودد للإخوان يعتبر كلاما تظهر معانيه بل ومبانيه في تلك الابتسامة أو الكلمة الصامتة التي ترتسم على وجه المرء وإن كان بعيدا عن محيط الرؤيا، فليست حواجز تستطيع أن تحجز هذه المشاعر إذا أراد صاحبها إيصالها، فإذا ارتسمت جسدت كل معاني الإخاء والمودة. وهذا من حق المسلم على أخيه إذا قابله، أن يقابله: بوجه طلق، وثغر باسم. أن يهش ويبش في وجهه كلما لاقاه أو رآه. هذا أدب فطري وفوق ذلك مأجور عليه المرء، فعن أبي ذر — رضي الله عنه — قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:" لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق " وصاحب المعروف مأجور على ما يفعل كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جابر — رضي الله عنه —:" كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلق أخاك بوجه طلق...". ويؤكد النبي على هذا المعنى قائلاً: " إفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فى إناء أخيك صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وتَبَسُّمُك فى وجه أخيك صَدَقَةٌ". وهذا بدوره يستولد اللين والرفق والتودد وحسن العشرة والرفق بين الناس، والله يحبه ويعطي عليه ما لا يعطي على غيره، كما روي عنه صلى الله عليه انه قال: " إن الله يحب الرفق في الأمر كله ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لايعطي على ما سواه ". وأولى بالجماعة المسلمة والأمة الموحدة أن يكون هذا ديدن التعامل بينهم، فهو أحرى وأولى أن يرفق بعضهم ببعض، وأن يلين بعضهم لبعض. روى ابن مسعود — رضي الله عنه — قال: قال صلى الله عليه وسلم:" حُرم على النار كل هينٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناس". والله تعالى قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيما أوصاه به من الرفق بالرعية: "ولو كنت فظاً غليظ لانفضوا من حولك". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير كله، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير كله. إنه أمر — وإن كان في ظاهره بسيط — إلا أن تأثيره في النفس جد عميق، ابتسامة صغيرة ضعها على وجهك وأنت تخاطب غيرك، ستجد تغيرا في الحديث له أثره في نفسك، فلن تستطيع أن تسع الناس بمالك فليسعهم منك وجه طلق وخلق حسن وبشر وبشاشة.
1124
| 01 فبراير 2012
لا يخلو عصر من لصوص وقطاع طرق، يريدون سلب خيراتنا ونهب ممتلكاتنا، والسطو على ما نكنزه طيلة عمرنا، هذه المهنة الخسيسة باقية وستظل وان تغيرت مسمياتها وتبدلت ألقابها. وان أعظم السرقات فى عصرنا على الاطلاق: سرقة العقول والقلوب، هؤلاء الذين يريدون السطو المسلح على ثوابت ديننا وعقيدتنا وتقاليدنا التى تربينا عليها، لقد استطاعوا أن يحتلوا الاعلام والتعليم، وبدأوا منذ سنين فى تغريب العقلية العربية المسلمة، وما زالوا الى اليوم رغم الثورات العربية المباركة، ما زالوا الى يومنا يكيلون الاتهامات تلو الاتهامات ويرهبون الناس لا أقول بالتلميح بل وبالتصريح. منذ أيام قليلة خرج أحدهم على شاشة قناة الجزيرة ليعلن وبكل جرأة: أن القرآن مصدر روحى للمسلمين لا يجوز أن يكون مصدرا من مصادر التشريع! عوضا عن أن يقول كما يقر كل مسلم أنه مصدر التشريع، يرفض — سعادته — أن يكون أحد مصادر التشريع، وزاد الطين بلة حين يرى الأستاذ أن القرآن كتاب روحى مهمته أن يعالج الروح من مشاكلها النفسية! ولا دخل له البتة بأمور الحياة وتسييرها! ولا أريد أن أجيب على هذا الكلام الفج، فلو قرأ القرآن أو فهمه ما قال ذلك ولا تفوه به. ولكنى وقفت أمام بعض المتحمسين الصادقين فيما نحسب الذى ردوا على الرجل ردا أهانوه وبعضهم قال: ينبغى عليه أن يتوب فقد كفر! وبعضهم اتهمه بكل قبيح، ونال منه نيلا شديدا، وفريق آخر رأى أن مثل هذا الكلام لا يحتاج الى نقاش ولا الى حوار. وهنا لابد من وقفة، هل بمثل هذا الخطاب يستقيم الأمر، وهل حديثنا الى بعضنا وأغلاق حوار معهم هو الأولى؟ اننا بهذ المنهج نرتكب خطأ بل خطيئة، فلا عداوته نافعة ولا تركه وعدم فتح حوار معه صالحا. بل الحل هو مد الجسور والذهاب الى أرضيتهم الفكرية والتحاور معهم وتبين الحقائق، الى متى سنظل ندافع عن حصوننا من داخل بيتنا؟، متى تنقلب المعادلة فنسمعهم بالحوار المحكم الخالى من التعصب والتشنج فى أماكنهم وتواجدهم ما يريده الاسلام، نزيل بذلك الشبه عنهم ونبين لهم خطأ ما يعتقدون. ان سرقة هؤلاء أولى من عداوتهم، وان استيعابهم أولى من اقصائهم، وان احترام عقولهم وان أنتجت الخطأ المحض أولى من ازدرائهم أو الابتعاد عن محاورتهم، لقد كتب الكاتب الاسلامى الأستاذ خالد محمد خالد كتابا نال فيه من الاسلام أسماه: من هنا نبدأ، وهنا انبرى بعض الاسلاميين للدفاع عن دينهم ولكن بمهاجمة واضحة للأستاذ فما ازداد الا ثباتا وتأييدا لمنهجه، ولكن العلامة الغزالى رحمه الله لم ينح هذا المنحى، بل مدح خالدا وقال: أرجو له خيرا، وكتب كتابا يرد عليه، أسماه: من هنا نعلم. وكانت المفارقة أن ينقلب الأستاذ على أفكاره القديمة الرجعية، وكتب كتابا يرد فيه على نفسه أسماه: الحكومة الاسلامية نقض فيه الأوهام التى كتبها بنفسه، وكان من بركات هذا المنهج أن صار الأستاذ أحد أشهر الكتاب الاسلاميين. لابد من سرقة عقولهم وسرقة قلوبهم، ولن يكون ذلك بالبعد ولا بالسب جاء فى (سير أعلام النبلاء) للذهبى فى ترجمة مالك بن دينار: وَقِيْلَ: دَخَلَ عَلَيْهِ لِصٌّ، فَمَا وَجَدَ مَا يَأْخُذُ، فَنَادَاهُ مَالِكٌ: لَمْ تَجِدْ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا،فهل تَرغَبُ فِى شَيْءٍ مِنَ الآخِرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَوَضَّأْ، وَصَلِّ ركْعَتَيْنِ. فَفَعَلَ، ثُمَّ جَلَسَ، وَخَرَجَ اِلَى المَسْجِدِ، فَسُئِلَ: مَنْ ذَا؟ قَالَ: جَاءَ لِيَسرِقَ، فَسَرَقْنَاهُ. فلنشمر أيها الأحباب عن سواعد الجد باللين وعن لسان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة لنسرق من يحاول سرقتنا.
719
| 19 يناير 2012
حادث أليم ذهب فيه طالب في الجامعة مخلفا جرحا غائرا في قلب أبويه، حضرنا العزاء وأحببت أن أخلو قليلا بوالد الشاب أواسيه وأصبره بما يستوجب المقام وما يليه الدين وقد كان، خلونا بالرجل الذي حاول جاهدا أن يبدو متماسكا في غالب الحديث، وبعفوية تحدث عن حبه لهذا الولد وفي غفلة من مثابرته سقطت دمعته التي ما كان يتمني أن يراها الحاضرون (كأنها عورة ينبغي أن تستر)، الشاهد أن الوالد حين وقعت دمعته ذهب إليه أخوه ليخبره أن هذا لا يصلح وما ينبغي أن يراك الناس تبكي! فقلت متعجبا منه: يا أخي إن ما فعله أخوك هي فطرة الله التي فطر الله الناس عليها، وغير ذلك هذا الذي ينبغي أن يتعجب منه، العجب ليس في بكائه على فراق فلذة كبده، العجب منك أنت الذي تحاول أن تحارب فطرتك، باسم العيب أو الرجولة أو الفحولة أو أي الأسماء زعمت، وليس هذا من ديننا في شيء، إن البكاء لا ينافي الرجولة البتة، وإذا كنا نتفق على أن القدوة المثلى والأسوة المتبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعني أحدثك عنه، لقد اشتكى يوما سعد بن عبادة من مرض ألم به، فأتى إليه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله — فظن أنه مات — فقال صلى الله عليه وسلم (قد قضى) أي أجله. قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا.. فقال: ألا تسمعون: إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم — وأشار إلى لسانه —. وانس بن مالك رضي الله عنه يروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال له قبيصة بن المخارق، فقال له النبي: يا خالاه أتيتني بعدما كبرت سنك، ورق عظمك واقترب أجلك. فقال: يا نبي الله أتيتك بعدما كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وافتقرت فهنت على الناس قال فبكى النبي لقوله افتقرت فهنت على الناس". إنها الرحمة أخي التي أودعها الله قلب عباده، بل أحدثك أكثر من ذلك، لقد كان العرب يفتخرون بما تدعيه أنت عيبا ينبغي أن يستر ويرون أن حسن العاطفة من المكارم التي ينبغي أن تنشر فهذا الطرطوسي يقول: لو كان يدري الابن أية غصة يتجرع الأبوان عند فراقه أمٌ تهييج بوجده حيرانة وأب يسح الدمع من آماقه يتجرعان لبينة غصص الردى ويبوح ما كتماه من أشواقه لرثى لأم سلّ من أحشائها وبكى لشيخ هام في آفاقه ولبدل الخلق الأبي بعطفه وجزاهما بالعطف من أخلاقه. إنها الرحمة والرأفة التي وضعها الله في قلوبنا فلا تحارب فطرتك يا أخانا.
782
| 12 يناير 2012
المواساة خلق إسلامي رصين غائب عند بعض المسلمين، لكنه حاضر وبقوة في التصور الإسلامي، فالمواساة كما يقول علماء العربية: أن ينزل المرء غيره منزلة نفسه في النفع له والدفع عنه، والإيثار أن يقدم غيره على نفسه فيهما، وهو النهاية في الإخوة. وهذا الكلام النظري وجد تطبيقاً عملياً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته.. ثم تضاءلت - المواساة - في العصور المتأخرة بيد أنها لم تختف. لقد شرعت المواساة في ديننا ولها صور متعددة: فهناك المواساة بالمال، وهناك بالبدن، وهناك بالجاه، وهناك بالكلمة الطيبة. وهي وإن كانت لازمة من الغني إلى الفقير أو الصحيح إلى المريض أو القوي إلى الضعيف فإنها أحيانا تكون من المفضول إلى الفاضل، ومن ذلك ما فعله سيدنا أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم حين واساه بماله فقال النبي عنه: {آمن بي إذ كذبتموني، قلت لكم: أنا رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وبماله}. والقرآن الكريم أظهر جوانب من المواساة للفقراء والمساكين فقد قال الله في شأن الضعفاء لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54]. يواسى الفقراء كما واسى المهاجرون الأنصار؛ وطبق الأنصار هذا المبدأ مع إخوانهم المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم وأهليهم لله ورسوله قال تعالى فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الحشر:9] وبلغ الأمر من التطبيق مبلغاً يدل على صفاء قلما تعرفه البشرية، وذلك في موقف سعد بن الربيع حين قال لعبد الرحمن بن عوف: يا عبد الرحمن! انظر إلى أي زوجتي هاتين أعجبتك حتى أنزل لك عنها فتتزوجها! وقال: يا عبد الرحمن! إني رجل كثير المال فهلم أقسم مالي بيني وبينك نصفين! وإن كان موقف سعد رضي الله عنه بلغ المرتبة العليا في المواساة والوفاء فإن موقف عبد الرحمن بن عوف لا يقل نبلا عنه حين قال له بارك الله لك في مالك وأهلك وزوجك دلني على السوق. ومدح النبي صلى الله عليه وسلم قبيلة أبي موسى الأشعري لمواساتهم مع بعض فقال (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو - أي قل زادهم - أو قل طعام عيالهم، جمع كل منهم ما عنده من طعام، ثم طرحوه، ثم اقتسموه بينهم بالسوية فأنا منهم وهم مني). وهذه الخصيصة والميزة لا تقتصر على قبيلة دون قبيلة بل اللفظ هنا عام يدل على الفعل لا الفاعل، ولعلنا نسلط الضوء في المقال القادم إن شاء الله على ذلك.
2002
| 05 يناير 2012
الوقوع في الخطأ سمة طبيعية من سمات الشخصية الإنسانية بوصفها البشري، إنها تخطئ وتصيب، وهذا شأن طبيعي، لكن غير الطبيعي — وهو ملاحظ بصفة ليست بالضئيلة — عدم الاعتذار عن الخطأ بل بعضهم يعتقد أن اللجاج والخصومة على الخطأ الذي وقع فيه أفضل من أن ينزل على رأي أخيه ومن ثم يعتذر إليه. ولقد انتقل هذا الخلق السييء من المحيط العام إلى المحيط العائلي؛ فقلما تجد زوجا يعتذر إلى زوجه عن خطأ أخطأه أو وقع فيه والعكس كذلك. مع أننا نؤمن بأن تفادي الوقوع في الخطأ أولى من الاعتذار. إن البعض يعتقد أن الاعتراف بالذنب أمر صعب ومستبعد؛ لأسباب يتوهم أنها تربوية، فهو يعتقد أن الاعتذار أمام الزوجة أو الأبناء يفقده درجة القوامة التي منحها الله له،وهذا خطأ. إن السبب الرئيس في هذه الحالة يعود إلى تقاليد نمطية متوارثة؛ لم تتنور بما شاع من علم ودين، أو بما بدأ ينتشر من وعي في مجتمعنا. فما زال المخطئ يخطئ، ثم يخطئ، ولا يزال — أباً كان أو أماً أو أخاً كبيراً — متحفظاً بتلك الصفات (الاجتماعية) التي تعطي (المخطئ) حصانة اجتماعية ضد النقد. هذا في الدور الاجتماعي، ناهيك عن الأدوار الأخرى في الحياة والتي تعطى انطباعا مرا عن ذهنية الحياة الاجتماعية في الشرق. وسبب آخر لهذه الظاهرة هو عدم تربية الناشئة في الصغر عليه، والتربية هنا لا تقف عند حد القول النظري بل ينبغي أن يرى الناشئة هذا السلوك أمامهم، يرى الناشئة أن المخطئ أبا أو أما أو أخا أو مدرسا أو طبيبا الكل في ميدانه إذا أخطأ اعتذر ؛ ساعتها تجد هذا السلوك يحيا من جديد. وسبب ثالث لعله أيضا من الأسباب التي أدت إلى اضمحلال وتضاؤل هذا الخلق، هو عدم التماس الأعذار من البعض، فتجد الأخ ربما يرهق نفسه وكأنه يحمل على ظهره جبلا ثقيلا ليرضي أخاه، مما يدفع البعض إلى تحمل مشقات المراوغة في الحديث عن الاعتذار الذي سيكلفه من الوقت والجهد الشيء الكثير قيل لي: قد أَسَاءَ فيكَ فلانٌ... وسكوتُ الفتى على الضيم عارُ قلتُ: قد جاءني فأَحْسَنَ عُذرا... دِيَةُ الذَّنبِ عندنا الاعتذار ولله در محمد بن زنجي البغدادي — إِذا اعتذرَ الصديقُ إِليكَ يوماً... من التقصيرِ عذرَ أخٍ مقرِّ — فصُنْهُ عن جفائكَ واعفُ عنه... فإِن الصفحَ تشمةُ كل حرِّ ومن قبله قال الشافعي — اقبلْ معاذيرَ من يأتيكَ معتذراً... إِن برَّ عندكَ فيما قال أو فجرا — لقد أعطاكَ من يرضيكَ طاهرُهُ... وقد أجلكَ من يعصيكَ مستترا
1647
| 28 ديسمبر 2011
أحد أهم أساب ضعف البنيان الأسري في مجتمعنا الإسلامي: ضعف تناقل الإرث الاجتماعي — الذي يعني رصيد الخبرة الحياتية المنضبط بالكتاب والسنة من الآباء إلى الأبناء —، وخطورة هذا الأمر واضحة غير محجوبة خاصة مع الأسر الوليدة التي تبحث لها عن عش آمن أو مستقر ثابت! في التاريخ العربي امرأة تدعى أسماء بنت خارجة الفزارية أهدت ابنتها ليلة زفافها وصية غالية بل أهدتها حياة هادئة وكانت تتغني بذلك وكانت تردد دائما (لو أطاعتني النساء ما طلقت امرأة) ذلك أنها امرأة خبرت الحياة الزوجية وفهمت طبيعة الرجال لا عن طريق خوض تجربة مبتورة من نصائح وتوجيهات، بل عن طريق إرث هائل ورثته عن أمها وجدتها وأهدته لابنتها لتهديه بالتبعية إلى صغيرتها، وبهذا تنتظم الحياة الهادئة التي تبحث عنها كل امرأة، فلنستمع إلى تلك الوصية ثم نعلق عليها قليلا، تقول أسماء لابنتها: "يا بنية: إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تألفيـه وقرين لم تعرفيه، فكوني له أرضاً يكن لك سماء، وكوني له مهاداً يكن لك عماداً، وكوني له أمة يصر لك عبداً، الصحبةُ بالقناعة، والمعاشرةُ بحسن السمع والطاعة، تعهدي لموقع عينيه فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلاّ أطيب ريح، تفقدي لوقت طعامه والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة، واتقي الفرح إن كان حزيناً والكدر عنده إن كان فرحاً، ولا تفشي له سراً ولا تعصي له أمراً، فإنك إن أفشيت له سراً لم تأمني غدره وإن عصيت له أمراً أوغرت صدره.." هذه الكلمات الضاربة في عمق الحياة الزوجية تنبئ عن خطة متكاملة تخطها أسماء لابنتها حتى تفوز بمعركة استقرار الحياة الزوجية، خطة لا تحتاج إلى كبير تنظير بقدر ما تحتاج إلى التطبيق، المرأة بفطرتها الممزوجة بالحكمة الواضحة أبرزت عن بعد نظر عجيب، ولئن أعجبتك دقة الصياغة فإنه ليطير عجبي من تلك الخبرة الهائلة لتلك المرأة بطبيعة النفس البشرية التي هي نتاج لخبرات أمهات شتى سبقنها، لقد سبرت أغوار النفس البشرية لتخرج لنا دررا لو أحسن تطبيقها من الرجال والنساء على حد سواء ما تعست امرأة ولا شقي رجل. فمع مطالبتها لابنتها أن تكون أرضا لزوجها ألمحت لها أن الغاية من ذلك أن يكون هو لها سماءً. فالبيت لا يسير أبدا بتنازل طرف واحد في غيبة الطرف الآخر، بل هي عملية متكاملة بين شريكي الحياة، لا يستأسد فيها طرف على طرف، بل تنازل فيها كل زوج لزوجه، ويتفهم كل منهما طبيعة الآخر ويعتذر له ما أمكن، ويتجنب ما أمكنه إغضاب زوجه أو المساس بما يعكر صفاء حياتها، فإن حدث عن غير قصد أو عن ضعف بادر إلى زوجه فأصلح ما أفسد واعتذر عما أخطأ، وحاور وناقش وتفهم، ولم يخلد إلى النوم إلا وقد تراضيا واصطلحا، وهذا المنهج لا ينقص من رجولة الرجل ولا من كبرياء المرأة بل إنه من دلائل رضا الله على المرأة فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْوَلُودُ الْوَدُودُ الَّتِي إِذَا غَضِبَتْ أَوْ غَضِبَ قَالَتْ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَكْتَحِلُ بِغِمْضٍ حتى ترضى". ما يهمنا الآن وما يحتاج أن نخلص منه وأن نركز عليه أن الأبناء في الماضي كانوا يتعلمون من آبائهم إدارة الحياة القادمة عن طريق جلسات تعليمية تربوية نفسية، وهذا يفتقده الأبناء في عصورنا حتى صار بعضنا يقذف بأبنائه في لجة البحر الهائج دون تعليمه كيفية السباحة!!
1041
| 21 ديسمبر 2011
يطلق الوطن في معاجم اللغة على "المكان الذي وطنه الإنسان واستقر فيه"، قرر ذلك كل من: الخليل الفراهيدي في كتاب العين، والجوهري في الصحاح وابن منظور في لسان العرب والزبيدي في تاج العروس وغيرهم، واتفقوا على أن منزل الإقامة والمكان والمحل هو وطنه الذي يسكنه أو يسكن هو فيه. ومن عظيم أن أطلق العرب جمع هذا الاسم (الوطن وجمعه مواطن) على أقدس الأمور عندهم وهي ساحة الوغى والمعارك الحربية، فمشاهد الحرب عندهم أطلقوا عليها مواطن،. وفي التنزيل: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ}.. ومنه الحديث "أصدق الناس من صدق في المواطن" وقد قال طرفة قديما: على موطن يخشى الفتى عنده الردى * * * متى تعترك فيه الفوارس هذا الموطن الذي يعيش المرء فيه جعل الله حبه فطرة جبل هو عليها، وإذا قرأت التاريخ تجد أن الحنين إلى الأوطان ربما لم يخل من أحد، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما صح عنه أنه وقف يُخاطب مكة المكرمة مودّعاً لها وهي وطنه الذي أُخرج منه.. روى الترمذي من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: "ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ". ولا أدل على عمق هذه الغريزة من أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم أن يرزق حب المدينة كما أحب مكة بل أكثر، أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. و(أو) هنا كما يقول علماء العربية بمعنى (بل) كما في قوله تعالى: "وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ" سورة الصافات: 147. فالوطن يمثل التاريخ عراقة الماضي وأصالة الحاضر وغده المشرق، والقرآن الكريم أثبت مبدأ هذه المحبة من خلال معادلة بين الوطن والحياة في قوله تعالى:"ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً" فجعل الخروج من الوطن كقتل الإنسان وفقدانه أعز ما يملكه وهو حياته. وليس هذا الحنين ساعة الرخاء بل وفي ساعات الشدة يحن المرء إلى بلده، حتى وإن جارت عليه كما قال الشاعر: بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلى وإن ضنوا علي كرام وأثر أن الأصمعي أيضاً قال: ثلاثة أصناف في ثلاثة أصناف من الحيوان: الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بها بعيداً، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدباً، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعاً. وفي الأثر ما يوضح لنا مراعاة الإسلام لهذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فقد أخرج الأزرقي في "أخبار مكة" عن ابن شهاب قال: قدم أصيل الغفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فدخل على عائشة رضي الله عنها فقالت له: يا أصيل!كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يلبث أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (يا أصيل! كيف عهدت مكة؟) قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق اذخرها، وأسلت ثمامها، وأمشّ سلمها، فقال: "حسبك يا أصيلا تحزنا" وأخرجه باختصار أبو الفتح الأزدي في كتابه "المخزون في علم الحديث"، وابن ماكولا في "الإكمال". وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويهاً يا أصيل!دع القلوب تقر قرارها). ومما أنشده رفيق بن جابر وهو من شعراء الأندلس في تنبيه الغير من الكلام في أوطان من ينزل عندهم، وأنهم لا يقبلون في أوطانهم قدحاً: لا تعاد الناس في أوطانهم قلَّما يُرعى غريب الوطن وكان بلال ينشد ويقول: ألاَ لَيْتَ شَعْرِي هَلْ أبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وجَلِيلٌ وهَلْ أرِدَنْ يَوْما مِياهَ مَجَنَّةٍ وهَلْ يَبْدُونْ لِي شَامَةٌ وطَفِيلُ اللهم احفظ هذا البلد ومن فيه على ما هم فيه من خير وسداد في الرأي ورفعة في المقام، واصرف عنا شر كل ذي شر وكيد كل ذي مكر وحسد كل حاسد.
434
| 14 ديسمبر 2011
مع بداية عام هجري جديد لا خيار لنا في وداعه ولا فراقه، ينبغي أن نقف عدة وقفات محاسبة أمام النفس، نعتبر فيها بما مضى من أخطاء وبمن مضى من أخلاء، واضعين في الأذهان أن من لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره، فهذه أول وقفة ينبغي أن نقفها جميعا. وقد قال قس بن ساعدة في خطبة بليغة يعظ فيها قومه، فكان من جملة ما قال: في الغابرين الأولين من القرون لنا بصائر.. لما رأيت موارد للناس ليس لها مصادر، أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم.. إنها رحلة الحياة التي لها مبتدى ومنتهى، والتي يتذكر المرء فيها عاماً مضى من عمره متنزعا بذلك من شجرة عمره أفرعاً وأوراقا إلى أن يأتي يوم تبتر فيه الشجرة ويجد المرء نفسه أمام الله مسؤولاً ومحاسباً. يقول الله عزَّ وجلَّ: "يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْـرَةً لِأُولِي الْأَبْصَـارِ" وقد كان سلف هذه الأمة يدركون جيداً تلك الحقيقة ويعدون لمثل هذا اليوم عدته، قيل لـمحمد بن واسع، عليه رحمة الله: كيف أصبحتَ؟ قال: كيف أصبح من دنا إلى قبره مرحلة. إنها تجعل كل وقت يمر عليه إنما هو سائقه إلى قبره وقائده، وقد قال الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله: يا ابن آدم! إنما أنت أيام مَجموعة، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضُك. وقال أيضاً: "يابن آدم! إنما أنت بين مطيتين تضعانك، تضعك مطية الليل إلى النهار، ويضعك النهار إلى الليل، حتى يُسلماك إلى قبرك". فمن أشد منك خطراً يا ابن آدم؟! وقد مر الفضيل بن عياض عليه رحمة الله، على رجل كبير طاعن في السن، غارق في معصيته، فقال له: يا هذا! كم مضى من عمرك؟ قال: ستون سنة، فقال الفضيل: رجل يسير إلى ربه منذ ستين سنة، يوشك والله أن يصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: كذبت! لو علمتَ أنك عبد لله لعلمتَ أنك إليه راجع، ولو علمتَ أنك إليه راجع لعلمتَ أنك موقوف بين يديه، ولو علمتَ أنك موقوف لعلمتَ أنك مسؤول، ولو علمتَ أنك مسؤول لأعددتَ للسؤال جواباً، فقال له: يا فضيل! ما الحيلة؟ قال: الحيلة يسيرة، أن تحسن فيما بقي، فإن مَن أحسنَ فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أُخذ بما مضى وبما بقي. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: وإن امرأ قد سار خمسين حجة *** إلى منهل، من وِرده لقريبُ الوقفة الثانية: النَعيم الحقيقي لا يكون إلا في الجنة، فهل أعددنا العدة، يقول أحد الشعراء واعظا أحد الأثرياء: أما قصورك في الدنيـا فواسعةٌ : فليت قبرك بعد الموت يتسعُ. إن نعيم الدنيا مهما كثر لا يساوى ساعة من ساعات يوم القيامة وفي الحديث: "والذي نفس محمد بيده لرؤية ملك الموت أشد على أحدكم من ضربة بالسيف ستين مرة". وقال أحد الشعراء في ذلك: لو عُمِّر الإنسان طيلة دهـره : ألفاً من الأعوام مالك أمره متنعماً فيها بكل مراده : مترفهاً مترفعاً في قدره ما كان ذلك كله بمكافئٍ : لمبيت أول ليلة في قبره إنها دعوة لأن نغتنم ما بقي من أعمارنا لنعمر آخرتنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال الصالحة سبعاً: هل تنتظرون إلا فَقراً مُنسياً، أو غنىً مُطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو موتاً مُجْهزاً، أو هرماً مُفْنِداً، أو الدجال فشر غائب يُنتَظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر". نسأل الله أن يختم لنا بصالح الأعمال. آمين.
12992
| 29 نوفمبر 2011
مر بنا في المقالات السابقة ما قد لا يعلمه بعض الآباء من تصرفات أولادهم فيحكمون على ما ظاهره الكذب وهو ليس كذلك، وذكرنا أن المعرفة بتلك الأنواع بل وبطبيعة الولد كاملا أمر واجب على الآباء ينبغي أن يتعلموه ثم يجب كذلك أن يتعاملوا مع الظواهر السلبية بلطف وليونة، وأن يتعامل مع الأخطاء في حجمها الحقيقي فلا تضخم أكثر مما ينبغي حتى لا يكون ضررها أكثر من نفعها. وذكرنا أن علماء النفس والسلوك قسموا الكذب عند الأطفال إلى عدة أقسام منها: الكذب الخيالي، الكذب الالتباسي، الكذب التعويضي، كذب الاستحواذ، كذب المحاكاة (التقليد)، الكذب لجذب الانتباه، كذب الكراهية والانتقام، كذب الخوف من العقاب (الكذب الدفاعي)، الكذب لمقاومة السلطة، الكذب الاجتماعي، الكذب المرضي. وذكرنا أن أغلب هذه الأنواع لا يعد كذبا بالمعنى الاصطلاحي لمعنى الكذب، ولا ينبغي أن يوصف مرتكبه بأنه كذاب أشر! أو ينعت بفلان الكذاب! أو ما إلى ذلك من الصفات التي تلصق بالفاعل حتى تكون أحيانا علما عليه، وهي في الغالب الأعم تضر أكثر مما تنفع، وقد مر بنا الحديث عن الكذب الخيالي والكذب الالتباسي واليوم نتحدث عن الكذب الاستحواذي وهو نوع من أنواع ردة الفعل العنيفة التي تجعل الطفل يستحوذ على ما ليس له مدعيا أنها ملكه، وهذه النوع كثيرا ما نراه عند الأطفال الذين يعاملون من قبل أوليائهم بقسوة أو يعانون دوما من انعدام الثقة بينهم وبين آبائهم، أو حرمانهم من أشياء كثيرة يرغبون في امتلاكها. فيكون الطفل تحت تأثيرين: تأثير حب الامتلاك وتأثير الخوف من والديه ساعتها يضطر إلى الكذب لا على أنه كذب في ذاته ولكنها حيلة استعمل فيها ذكاءه أو هكذا يظن للوصول إلى هدفه دون أن يعاقب ولنضرب على ذلك مثالا: أراد طفل من والديه دراجة، فرفض الأبوان هذا الأمر خوفا عليه، أو ربما لأنه لا يحسن قيادتها، أو لأي سبب يعلمه الأبوان ويجهله الطفل، وخشي الولد أن يكرر طلبه حتى لا يعاقب فهو يخشى قسوة تحكم البيت، حينئذ تستحوذ عليه فكرة امتلاك الدراجة التي أضحت ممنوعة فكثرت الرغبة فيها وصارت هدفا عند الطفل لابد من تحقيقه، وبأية وسيلة لأنه يعتقد بأن ما فعله الوالدان به ما هو إلا لون من ألوان التسلط والقهر، فيلجأ هنا إلى الحيلة والتي تفسر على أنها لون من ألوان الكذب لكن الطفل لا يقصده وإنما لجأ إليها لامتلاك ما يراه حقا شرعيا له، فيأتي إلى أبويه مثلا ليقول لهما: كل الأولاد في الصف أتوا بدراجاتهم إلى المدرسة إلا أنا جلست في مكان بعيد أبكي ورآني الأولاد وأخذوا يسخرون مني وينسج قصة هي خيالية لكنه عاشها في مخيلته حين استحوذت عليه تلك الفكرة، أو ربما يأتي إليك ليخبرك بأن له صديقا مريضا وأن مدير المدرسة طلب أن يأتي كل طالب بهدية له فقد يأتي إليك قائلا إن مدير المدرسة طلب من الأولاد شراء قميص بمواصفات معينة (التي يريدها) أو يأتي ليخبرك بأن له صديقا مريضا ويحتاج إلى علاج وأنه وزملاءه قرروا مساعدته ببعض الأموال، أو أن مدرسه أخبرهم بأن يأتوا ببعض الأموال لتجميل المدرسة. الهدف بالطبع شراء ما منع منه وامتلاكه ولو بعض الوقت لأنه يدرك أنه لن يستطيع أن يمتلكها دائما. وإذا كان السبب في فعل الطفل كما أشرنا سابقا القسوة أو فقد الثقة لأن الطفل حين يفقد الثقة في البيئة المحيطة به ويشعر بالحرمان يميل كذلك إلى هذا النوع من الكذب لامتلاك أكبر قدر من الأشياء التي يرغب فيها. وهذا النوع من الأنواع المؤهلة لأن تكون كذبا مرضيا يصعب التخلص منه إذا استمر الأمر وتفاقمت المشكلة من غير علاج الكذب خطير إذا استمر دون علاج. وعلاج هذا النوع من الكذب يكون في الاقتراب من الطفل وتأمينه وعدم إرهابه وإشعاره بأن الثقة بينه وبين والديه كاملة غير منقوصة، وأن الامان لن يجدهما إلا في حضن أبويه مع تفهم حاجياته حتى لا يضطر إلى الاحتيال للحصول عليه، ولا يعني ذلك اعطاء الولد كل ما أراد وكل ما طلب الجيد والردئ المهم وغير المهم فهذا كذلك خطأ، بل جلب ما يفيده، وترك ما لا يفيده بعد تبين المراد من ذلك له، والحكمة هنا في تفهم الآباء لحاجيات الطفل وما يصلحه. نسأل الله أن يهدي أبناءنا لما فيه مصلحتهم وأن يبارك فيهم وأن ييسر لهم أمورهم.
1659
| 22 نوفمبر 2011
كثيرا ما تسأل الأخوات عن المحرم وهل وجوده شرط أم لا؟ والمسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فأبو حنيفة، وأحمد المحرم عندهما شرط في حج المرأة وهو منقول عن الحسن، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وطاوس، والشعبي، وإسحاق، والثوري، وابن المنذر. وأدلتهم في ذلك ما يلي: — ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق فحج مع امرأتك" متفق عليه. — وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم" متفق عليه. — وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم" رواه الدارقطني. — وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لامرأة أن تحج إلا مع زوج أو ذي محرم" رواه الطبراني في معجمه. وذهب الإمامان مالك والشافعي إلى أن المحرم ليس شرطاً في حجها بحال، وهذا القول مروي عن عائشة، وابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، وابن سيرين، والأوزاعي، وهو ظاهر قول الزهري وقتادة والحكم بن عتيبة، وداود الظاهري، وأصحابه. ذكر عند عائشة رضي الله عنها: المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم؟ فقالت ليس كل النساء تجد محرماً. وعن نافع مولى ابن عمر: كان يسافر مع عبد الله بن عمر موليات له ليس معهن محرم. وسئل عطاء عن امرأة ليس معها ذو محرم، ولا زوج معها، ولكن معها ولائد وموليات يلين إنزالها وحفظها ورفعها؟ قال: نعم فلتحج. وقال مالك: تخرج مع جماعة من النساء. وقال حماد: لا بأس للمرأة أن تسافر بغير محرم مع الصالحين. وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول. وقال الشافعي: تخرج مع حرة مسلمة ثقة. قال ابن حزم: المرأة التي لا محرم لها فإنها تحج، ولا شيء عليها، فإن كان لها زوج، ففرضٌ عليه أن يحج معها، فإن لم يفعل فهو عاص لله تعالى فتحج دونه ولا شيء عليها. واستدلوا على ذلك بما يلي: — حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وفيه قوله صلي الله عليه وسلم: "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله...". — أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن بعد أن أذن لهن عمر في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وكان عثمان ينادي ألا يدنو أحد منهن، ولا يظهر إليهن، وهن في الهوادج على الإبل، ثم حججن بعد ذلك مع عثمان في خلافته. — أن وجود من تأمنه يقوم مقام المحرم. — أنه سفر واجب، لا يشترط له المحرم، كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار، وكالسفر لحضور مجالس الحاكم، لئلا يضيع حقها، وكالحكم عليها بالتغريب (وهو النفي عن البلد الذي وقعت فيه جناية الزنا). — أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الرجل الذي خرجت امرأته حاجة أن ينطلق فيحج معها ولم يأمر بردها ولا عاب سفرها إلى الحج دون ذي محرم. وعليه نقول إن الأصل والأفضل أن تحج المرأة مع ذي محرم من أهلها فإن لم تجد محرما لكنها وجدت رفقة آمنة من النساء فلا بأس بذلك والله أعلم.
3573
| 02 نوفمبر 2011
الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، جعله الله مكفرا للسيئات ماحيا للذنوب والآثام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" رجع معافى مبرءا من كل عيب، هذه الميزة وهذا الفصل خصيصة من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن يرزقنا حج بيته المبارك. ومعلوم أن الحج فريضة فرضها الله على الرجال والنساء على السواء بيد أن اختلافات يسيرة تختلف فيها المرأة عن الرجل نظرا للطبيعة الخاصة التي تتميز بها النساء، راعى الإسلام ذلك فخص لهن من الأحكام ما يتناسب معهن، لكن بعض هذه الأحكام كانت وما زلت عند البعض مثار جدل وأخذ ورد، من ذلك ما ورد من سؤال ورد إلى من بعض الأخوات احداهن تقول انها تريد الحج وتحكى عن نفسها أنها صاحبة خير (مال) ورزقها الله مع المال العافية في البدن، وهي مطلقة وليس عندها محرم يذهب معها وتتساءل المرأة: هل الحج علي كما يقول البعض محرم، وماذا أفعل إذا كنت وحيدة ليس عندي ولد ولا زوج، وتقول في آخر رسالتها وإذا كان لابد من وجود محرم فهل يجوز أن أحج مع أختى وزوجها، على اعتبار أنه مُحَرّم علي؟ وللإجابة عن هذا التساؤل نقول: بداية من هو المحرم؟ المحرم هو: من حرم عليه نكاح المرأة على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها.. وذلك مثل: الأب، والابن والأخ، وابن الأخ ونحوهم. فليس من المحرم زوج الأخت، أو زوج عمتها، أو زوج خالتها، لأنه إحداهن لو ماتت أو طلقها زوجها حل لها إن كانت بغير زوج، ولا مانع يمنعها، فتحريم التزوج بهن ليس على التأبيد فلا يطلق عليه محرم. هذا معنى على التأبيد، أيضا وضع العلماء ضابطا آخر وهو قولهم: بسبب مباح ومعنى ذلك أن السبب لو كان محرما لا يعد الرجل محرما، ومثال ذلك لو زنى رجل بامرأة — عياذا بالله — فإن أمها محرمة عليه على التأبيد، ولكنها محرمة بسبب غير مباح وهو الزنى فلا يعتبر محرما لها ولا يعتبر محرما لهذه الأم. بناء على ما سبق فإن محارم المرأة هم: أولاً: الزوج. ثانيا: من تحرم عليه على التأبيد بنسب، وهم سبعة: الأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ، وابن الأخت، والخال. ثالثا: ما كان بسبب الرضاع، وهم سبعة كالنسب فكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". رابعا: ما كان بسبب المصاهرة وهم أربعة: أبو زوجها، وابن زوجها، وزوج بنتها، وزوج أمها، والثلاثة الأول يحرمون عليها بمجرد العقد، أما زوج أمها فلا يكون محرما إلا إذا دخل بأمها. بعد أن علمنا من هو المحرم بقى أن نسأل هل وجوده شرط في الحج بالنسبة للمرأة، وماذا تفعل المرأة إن لم تجد محرما، لعلنا نناقش هذه الجزئية في المقال القادم إن شاء الله، الله ارزقنا حج بيتك الكريم واغفر لنا أجمعين.
564
| 27 أكتوبر 2011
ذكرنا في المقالات السابقة أن الأطفال لهم طبيعتهم الخاصة وليس كل ما يصدر عنهم من أمور هو على محملها الطبيعي عند الكبار وإن كان كذلك عند الأطفال، وقد عمل جهل بعض الآباء بتقسيمات علماء النفس والسلوك لأنواع الكذب عند الأطفال على إضعاف الجانب التربوي والخلقي لهم ودفع بعضهم(الأطفال) في الغالب الأعم إلى الخطأ أو عدم التفريق بين الصواب والخطأ لأنه ينطلق من قناعات مغايرة للأبوين في نظره، وقد يصل الحال إلى فقدان الثقة بين الآباء والأبناء حتى مع حرصهم على تقويم سلوكهم، لذا كان لا بد من التنبيه على ضرورة معرفة الآباء بأنواع الكذب حتى يتسنى لهم وضع خطط سديدة لتقويم أولادهم. ذكرنا أن الكذب ينقسم كما أخبر علماء السلوك إلى أحد عشر قسما ذكرنا منهم الكذب الخيالي واليوم نقف عند الكذب الالتباسي. وهو عبارة عن خليط فكري عند الأطفال يجمع بين الخيال والحقيقة ولا يستطيع الطفل بل حتى لا يدرك التفريق بينهما لضعف قدراته العقلية من ناحية، أو لقوة الخيال وارتباطه بشيء واقعي من ناحية أخرى، فقد يسمع قصة خرافية فيتصورها ثم يعيش أحداثها ثم يحكيها على أنها حقيقة، ويعدل في أشخاصها وأحداثها حذفا وإضافة وفق نموه العقلي، وقد ينزعج الآباء كثيرا حين يسمعون أن الشخصيات التي يحكيها إنما هي أسماء إخوانه أو أبناء عمومته أو حتى والديه، وعنا تنمو ثائرة الوالدين ويعتقدان أنه يكذب وليس كذلك بل الأمر أنه شاهد الأمر وتخيله وربما أعجبته شخصية أحد من رآهم وتخيل إخوانه هم الأعداء وأخذ يحاربهم وربما انتصر عليهم أو انتصروا عليه ولم يفرق ساعتها والتبس عليه الأمر فأخذ يحكي الخيال على أنه حقيقة فإذا ضرب أخته فإنما لأنها ضربته وسرقت ألعابه واستولت على أشياء عنده، وهذا يعطيه المبرر لضربها، وقد يرى رؤيا فيرويها على أنها حقيقة، فأحد الأطفال رأى في المنام أن الخادمة تضربه وتكسر لعبته فأصر على أن الأمر وقع منها وربما يقسم الأيمان المغلظة وحين يدرك أبواه أنه غير صادق يقومان بتجاهل الأمر وهذا أمر سلبي لأنه ساعتها يظن أن أبواه لم ينصراه في قضيته وأنهما وقفا بجانب الخادمة ولم يقفا بجواره، وكذلك إذا فهم الأب فليس له أن يعنف الخادمة على أمر لم تفعله لأنه بذلك يشرع له الأمر، وإنما الحل الصحيح أن يبحث الوالد معه بهدوء أساس الموضوع فمثلا إذا قال كسرت لعبتي الجديدة واختطفتها فيقال له: من أتى لك بها ويظل معه بهدوء ليدرك الطفل أن اللعبة أصلا ليست معه، ثم يخبره الأب بأنه ليس كاذبا وإنما هذا حلم أو تخيل ويعرفه الأمر بروية وهدوء. وهناك طريقة جيدة جدا في علاج هذه الظاهرة، وهو أن تسير مع الطفل في تخيله وتمدح له حسن صنيعه وأنك وأمه سعيدان بنمو حاسة التخيل فيه. ومع هذا فنحن نعلم وهو سيعلم معنا أنها نوع من اللعب، وأن ما يقوله ليس صدقا وليس كذبا وإنما هو نوع من التسلية والمداعبة. وقد يكون هذا التخيل بذرة لموهبة قصصية أو أدبية يتعهدها الآباء والأمهات بالرعاية. وأسوق هنا قصة لأحد أدباء فرنسا يحكى عن نفسه أنه تأخر عن موعد البيت وخشي العقاب فاختلق قصة مفادها أنه عند رجوعه من البيت حدثت عاصفة قوية وأنه صعد على أعلى مكان في المدرسة ليحاول إيقافها، وكاد أن يموت من جراء بطولته هذه، وهذا ما أخره عن البيت. صفق له الأبوان تصفيقا حارا ومنحاه جائزة على سعة مخيلته، وأمراه أن يكمل القصة بجميع أبعادها، فكانت قصته الشهيرة التي سماها (الهروب). وصار فيما بعد أديبا كبيرا. نكمل إن شاء الله بقية الأنواع في المقالات القادمة أسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يهيئ لنا سبل الخير والرشاد.
3816
| 20 أكتوبر 2011
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1710
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1428
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
834
| 13 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
708
| 15 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
681
| 14 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...
663
| 16 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
639
| 15 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
621
| 12 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
573
| 15 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
570
| 12 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
558
| 14 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
528
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية