رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما أسخف، لا بل ما أخبث الذين يدعون إلى مرحلة انتقالية في سوريا بوجود بشار الأسد وأركان نظامه الفاشيين الهمجيين! واضح تماماً إما أنهم يعرفون البئر وغطاءه، ويريدون إعادة توريط ما تبقى من الشعب السوري مع هذه الطغمة الفاشية كي تفعل به الأفاعيل من جديد، أو أنهم لا يعرفون فعلاً طبيعة وعقلية هذا النظام المافيوزي القذر الذي لا يعرف سوى لغة الحقد والدم والانتقام والتعذيب والسطو. هذا النظام لا علاقة له أبداً بمنطق الدولة ولا عقليتها، فهو يمتلك عقلية قطاع الطرق واللصوص والزعران، ولا يعرف سوى القتل والإجرام والاستهتار بكل القيم والأعراف البشرية. وقد قال ضابط الأمن السوري الشهير علي يونس للمعارضين السوريين حتى قبل اندلاع الثورة السورية بشهور:" إياكم أن تقلدوا تونس ومصر، فنحن هنا في سوريا لا نسمح لكم حتى بالكلام، فما بالك أن تخرجوا ضدنا في مظاهرات إلى الشوارع. تأكدوا أننا سنستخدم الرصاص الحي ضد كل من تسول له نفسه التظاهر ضدنا". وهذا ما حصل فعلاً، فقد كان يسقط مئات المتظاهرين في كل مظاهرة. وكانت المخابرات تلقي باللائمة على "العصابات المسلحة"، مع العلم أن مسيرات التأييد التي كان ينظمها النظام كانت تمر بسلام دون وقوع أي إصابات.وعندما وجد النظام أنه لا يستطيع أن يضع حداً للحراك الشعبي بالرصاص فقط، فقد عمد إلى إنزال الجيش إلى الشوارع بعد أسابيع قليلة. وعندما فشل الجيش في وقف الحراك، راح يستخدم سلاح الطيران ضد شعبه. وهي المرة الأولى في التاريخ الحديث التي يستخدم فيها نظام الطائرات المقاتلة لقصف الأحياء الشعبية لمجرد وجود بعض المتظاهرين داخلها.كل من يدخل في مرحلة انتقالية بوجود رأس النظام وأركانه ومخابراته، فإنه كمن يدخل غابة مليئة بالوحوش الكاسرة دون سلاح. هذا النظام يعمل بوصية رئيس الوزراء الإسرائيلي الشهير إسحق شامير التي تقول:"ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة"، وهذا يعني عملياً أن المرحلة الانتقالية المزعومة ستكون مرحلة تصفية حسابات مع كل من فتح فمه ضد نظام العصابات في دمشق، فما بالك مع الذين حملوا السلاح ضد النظام. لا أمن ولا أمان لهذه العصابة التي لا تستطيع أن تتحمل كلمة أو برنامجاً تلفزيونياً، فما بالك أن تقبل بوجود شركاء حقيقيين لها في السلطة في المرحلة الانتقالية وما بعدها. هذه عصابة إقصائية لا تعرف سوى أسلوب الاجتثاث والاستئصال بحق كل من يعارضها بالكلمات، فما بالك باللكمات.كل السوريين الذين عارضوا بشار الأسد بالرأي فقط إما أصبحوا تحت التراب، أو دمرت العصابات الحاكمة بيوتهم وممتلكاتهم، أو هاجروا خارج البلد أو سطت المخابرات الفاشية على ممتلكاتهم، وسرقت حتى أسلاك الكهرباء من منازلهم كما حصل معي شخصياً. لم يستطع نظام العهر في دمشق أن يتحمل صحفياً يقدم برنامجاً تلفزيونياً، فأوعز لزعرانه فوراً بالسطو على كل ما يملك في سوريا، وقام بتحويل بيته إلى ثكنة عسكرية، ورفع عليها صورة الحذاء الحاكم في دمشق، أي صورة بشار الأسد. من أسهل ما يكون على مخابرات الطاغية (الولد) أن تحتل وتحرر منازل أصحاب الرأي، لكنها تركت الجولان السوري محتلاً منذ أربعين عاماً، ولم تطلق على إسرائيل رصاصة واحدة.لاحظوا أن كل المعارضين السوريين المسالمين جداً من أمثال معاذ الخطيب ورياض نعسان آغا ومحمد حبش كلهم محكومون بالإعدام في سوريا، مع العلم أنهم ضد سفك أي نقطة دم من أي طرف كان. كيف لهؤلاء وغيرهم أن يدخلوا في مرحلة انتقالية مزعومة مع هذا النظام الانتقامي الحقير؟ ومن عادة هذه العصابة ألا تكتفي فقط بالزج بمعارضيها في السجون لعشرات السنين، بل تقوم بعد خروجهم من السجون بتدبير حوادث معينة للتخلص منهم جسدياً. وقد شاهدنا كيف قامت أجهزة أمن بشار الأسد بقتل عشرات المعارضين الخارجين من السجون عن طريق حوادث سير. وقد عرفت شخصياً عدداً من المعارضين الذين أمضوا أكثر من ثلاثين عاماً وراء القضبان، وعندما خرجوا قضوا في حوادث سيارات مدبرة بعد أشهر قليلة من خروجهم.لا مجال للمصالحة في سوريا بوجود بشار الأسد وأركان عصابته. فلو اطلعتم عن كثب على عقلية بشار والمحيطين به من ضباط الجيش والمخابرات لوجدتم أنهم من طينة لا تمت لطينة البشر بصلة. هؤلاء لا يسامحون من قال كلمة ضدهم، بدليل أنهم حكموا علي أنا شخصياً بالإعدام بسبب تقديم برنامج تلفزيوني يطالهم بالنقد بين الحين والآخر، كما سطوا على كل ممتلكاتي في سوريا بسبب كلمات قلتها بحق النظام. فكيف تتوقع من هؤلاء الحاقدين الأوغاد أن يصالحوا ويتصالحوا مع ملايين السوريين الذين تصدوا لهم قولاً وفعلاً؟ليس لدينا دولة في سوريا كي تفكر بعقلية الدولة العليا، بل لدينا عصابة تفكر بعقلية العصابة. ومغفل من يعتقد أن هذا النظام تعلم الدرس من الكارثة السورية. لا أبداً، بل تعلم كيف يضاعف وحشيته ظناً منه أنه سيزرب السوريين هذه المرة لقرون قادمة. قادة العصابات، كما نعلم، ينتقمون فقط، ولا يصالحون. حذار من الدخول في مرحلة انتقالية مع بشار الأسد وزمرته، لأن هذا الطاغية المسعور يريدها مرحلة انتقامية لا انتقالية.
775
| 04 أكتوبر 2015
من السذاجة الاعتقاد أن روسيا ستواجه في سوريا المصير نفسه الذي واجهته في أفغانستان في القرن الماضي. فالظروف تغيرت، والتحالفات تبدلت، والحرب الباردة انتهت، ناهيك عن أن روسيا نفسها لم تعد ذاك الاتحاد السوفيتي. وبالتالي فإن كل من يراهن على غرق الروس في المستنقع السوري، كما غرقوا من قبل في المستنقع الأفغاني، فإنهم كمن يقارن البطيخ بالبطاطا. لا يكفي أن تتشابه بعض الأحرف في الكلمتين كي تكونا متشابهتين، وهكذا الأمر بالنسبة للتدخل الروسي في أفغانستان سابقاً وسوريا حالياً.صحيح أن السوفيات غزوا أفغانستان للحفاظ على نظام حكم موال لهم، وهم الآن يتدفقون على سوريا لحماية نظام مشابه تماماً، لكن يكفي أن نعلم أن موقع سوريا الجيوسياسي يختلف تماماً عن موقع أفغانستان كي نستنتج فوراً أن نتائج التدخل الروسي لن تكون مشابهة أبداً لنتائج التدخل السوفيتي في أفغانستان. لكن قبل أن نلج في الجانب الجيوسياسي، يجب أن نعلم أن الذي أغرق الاتحاد السوفيتي في الرمال الأفغانية هو التحالف الغربي بقيادة أمريكا بالدرجة الأولى. أما من كانوا يسموّن بالمجاهدين الذين تدفقوا على أفغانستان من كل أنحاء العالم فلم يكونوا سوى أدوات لتنفيذ مهمة أمريكية أولاً وأخيراً، وتلك الأدوات تخلص منها الأمريكان وحلفاؤهم بعد أن أنجزت المهمة، وتحول "المجاهدون" بين ليلة وضحاها إلى إرهابيين. وقد شاهدنا كيف وضعتهم أمريكا على قوائم الإرهاب، ولاحقتهم في أقاصي الدنيا، وكيف شحنتهم إلى معسكر جوانتانامو، وقبل ذلك طبعاً قامت واشنطن وحلفاؤها العرب بضرب المجاهدين بعضهم ببعض بعد أن طردوا السوفيات، حتى راحوا ينهشون لحوم بعضهم البعض، فذهبت ريحهم وتشتتوا وتمزقوا.هل يمكن أن تعيد أمريكا استخدام "المجاهدين" بنفس الطريقة التي استخدمتهم بها في أفغانستان في سوريا؟ بالطبع لا. وبذلك، يجب ألا يحلم أحد بتمريغ أنوف الروس بالتراب في سوريا كما مرّغ "المجاهدون" أنوفهم في أفغانستان، لأن أمريكا لم تعد في حرب باردة وساخنة مع الروس، كما كان الوضع أيام أفغانستان. فقد كان الأمريكان يفعلون المستحيل لإسقاط الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، ولم يتركوا فخاً إلا ونصبوه للسوفيات كي يقعوا فيه. وتذكر الوثائق أن مستشار الأمن القومي الأمريكي وقتها بريجنسكي قد اتصل بالرئيس الأمريكي جيمي كارتر بعد دخول الدبابات السوفيتية إلى كابول ليقول له حرفياً: "مبروك، الآن بدأت فيتنام الاتحاد السوفيتي". وقد حشد الأمريكان وحلفاؤهم الأوروبيون والعرب كل ما استطاعوا من قوة لتحطيم القوة السوفيتية في أفغانستان. وكلنا شاهد كبار الدعاة الإسلاميين وهم يجوبون الولايات الأمريكية في ذلك الوقت لجمع التبرعات لطرد السوفيات من أفغانستان. لكن الدعاة أنفسهم أصبحوا فيما بعد إرهابيين كباراً في أعين الأمريكان بعد أن دعموهم من قبل بالغالي والنفيس لإخراج السوفيات من أفغانستان. وقد وصل الدعم الأمريكي والعربي للمجاهدين إلى حوالي أربعين مليار دولار في ذلك الوقت، وهو مبلغ فلكي بمقاييس اليوم.ومن ينسى صواريخ "ستنجر" الأمريكية بأيدي المجاهدين، وكيف شلّت الطيران السوفيتي في ذلك الوقت. لقد أغدق الأمريكان على المجاهدين كل أنواع السلاح لمواجهة السوفيات، وكان الإعلام الغربي والدولي والعربي آنذاك يسمي المجاهدين "مقاتلون من أجل الحرية"، بينما هم الآن في نظر أمريكا قبل روسيا مجرد دواعش إرهابيين. وبينما استخدم الأمريكان المجاهدين وقتها ضد السوفيات، يتحالف الآن الأمريكان والروس ضد "المجاهدين" (بين قوسين) في سوريا وعموم المنطقة. قد يرى البعض أن الأمريكيين يريدون للروس أن يتورطوا في الوحل السوري من دون أن يتصدى لهم الأمريكان بنفس الطريقة الأفغانية، لكن النتائج لن تكون كالنتائج الأفغانية الناجعة دون دعم أمريكي واضح. فمن دون الدعم الأمريكي والعربي السخي للمقاتلين في سوريا، فلن يبلوا بلاء حسناً ضد الروس. وعلينا أن نتذكر أن أمريكا منعت سلاح الطيران عن الجيش الحر في سوريا، فما بالك أن تعطيه الآن لداعش ومثيلاتها كي تتصدى به للطيران الروسي الذي بدأ يجوب أجواء سوريا. مستحيل، لا، بل إن البعض يرى أن الأمريكيين سيكونون ممتنين للروس لو دخلوا بقواتهم البرية ضد داعش في سوريا والمنطقة، لأن أمريكا ليست مستعدة للزج بجندي واحد على الأرض بعد أن ذاقت الويلات في العراق وأفغانستان من قبل.ولا ننسى العامل الإسرائيلي في سوريا، فالروس يتدخلون في سوريا بمباركة إسرائيلية أيضاً، وقد شاهدنا كيف طار نتنياهو فوراً إلى موسكو للتنسيق مع الروس في سوريا. جدير بالذكر هنا أن أمن إسرائيل أولوية روسية قبل أن يكون أولوية أمريكية، وبالتالي، فإن روسيا في سوريا صمام أمان لإسرائيل. بعبارة أخرى فإن الروس والأمريكان يتسابقان على حماية أمن إسرائيل جارة سوريا.وفي أحسن الأحوال بالنسبة للحالمين بتمريغ أنف الروس في سوريا، يمكن أن يستغل الأمريكان التدخل الروسي كأداة جديدة لتنفيذ مشروع "الفوضى الخلاقة" (الهلاكة) الأمريكي الذي يقوده الرئيس السوري بشار الأسد في المنطقة حليف الروس، خاصة أن المشروع يجري على قدم وساق، بينما يفرك الأمريكيون أيديهم فرحاً من بعيد.
28992
| 27 سبتمبر 2015
كان حافظ الأسد طاغية بامتياز، لكنه كان أيضاً قارئاً ماهراً لخارطة التوازنات والتحالفات في الشرق الأوسط خاصة والعالم عامة. وقد عرف كيف يلعب على أكثر من حبل ببراعة فائقة خدمة لمصلحة نظامه. فرغم خلافاته الكثيرة مع الأنظمة العربية، إلا أنه لم يقطع معها شعرة معاوية، وظل يحصل منها على معونات اقتصادية ومالية كبيرة، محافظاً في الوقت نفسه على تحالف وثيق ومدروس مع إيران خصم الكثير من الدول العربية. ولم نر تذمراً عربياً قوياً من علاقة حافظ الأسد الوثيقة مع إيران، وقد نجح إلى حد كبير في أن يكون بيضة القبان بين العرب والإيرانيين، مستفيداً من الطرفين. لقد أدار الأسد الأب مع إيران تحالفاً متوازناً يخدم الإيرانيين، لكنه في الوقت نفسه يخدم نظامه بالدرجة الأولى، ولم يسمح للإيرانيين أبداً في أن يتجاوزوا حدودهم، وقد ساعده في ذلك أن أوضاع المنطقة كانت أفضل مما هي عليه الآن بكثير، فاستطاع أن يمسك العصا من المنتصف مع الإيرانيين، لهذا لم تكن القيادة الإيرانية سعيدة تماماً بالطريقة الندية التي كان يتعامل بها معها حافظ الأسد، وكانت تحلم دائماً بأن تصبح سوريا ولاية إيرانية كاملة في يوم من الأيام. ويذكر السفير السوري السابق صقر الملحم في كتاب مليء بالأسرار والمعلومات أن حافظ الأسد لم يترك الحبل على الغارب للإيرانيين أبداً كي يسيطروا على سوريا، بل وقف سداً منيعاً في وجوههم.ويقول الملحم قبل أن يصبح سفيراً لاحقاً في أمريكا اللاتينية حرفياً: "خلال الفترة ما بين عامي 1997 -2002 خدمت في إيران، تعلمت خلالها اللغة الفارسية، وأقمت علاقات مع عدد لا بأس به من المواطنين الإيرانيين من مختلف التيارات الإيرانية، كان الإيرانيون يهابون حافظ الأسد، رغم تظاهرهم بأنهم أصدقاؤه. وفي إحدى زياراته لإيران، وبكوني كنت مسؤولاً عن كثير من الملفات، رافقتُ السفير السوري في طهران لمقابلة الرئيس في مكان إقامته في طهران. سأل الرئيسُ حافظ الأسد السفير: "هل لديك اقتراحات لتطوير عمل السفارة؟"، فرد السفير قائلاً: "لديَّ اقتراح صغير فقط، أن يتم السماح للإيرانيين بدخول سوريا بدون تأشيرات دخول كما يُسمح للإخوة العرب، إذا استحسنتم ذلك سيدي؟"، حتى الآن لم أستطع نسيان منظر عيون الرئيس حافظ الأسد وهي المرة اليتيمة التي قابلته فيها عن قرب، فقد شعرت أن الأرض ستزلزل تحت أقدامنا لانزعاجه الشديد من طلب السفير، وأخذ يتلفتُ يميناً ويساراً خوفاً من وجود أجهزة تنصت، رغم أنه تم فحص مكان الإقامة عشرات المرات من قبل لجنة خاصة قبل وصوله، وأشار بأصبعه للسفير، أي انتهت المقابلة".ويمضي السفير الملحم قائلاً: "مضت الأيام وتوفي الرئيس حافظ الأسد، وفي مراسم تقبُّل العزاء بوفاته التي أقامتها السفارة في طهران، كان عدد الوفود والمعزّين الإيرانيين بالألوف، ولكني لم أنسَ أيضاً ما همس به أحد القادة الإيرانيين الكبار لأعضاء الوفد الذي كان يرافقه في تقديم العزاء. وكان يعتقد أنّ لا أحد من أعضاء السفارة يعرف اللغة الفارسية، حيث قال بما معناه: "لقد أزاح اللهُ الجبل من أمامنا (قاصداً حافظ الأسد) وقريباً ستنهض زينب من غفوتها في دمشق، وسترسو سفننا في البحر المتوسط، والبقية سأنشرها لاحقاً".صحيح أن حافظ الأسد رفع شعاراً قومياً عربياً كاذباً، بينما تحالف إستراتيجياً مع الفرس ألد أعداء العرب والعروبة. وصحيح أنه ساند إيران في حربها الفاشية ضد العراق الشقيق، وصحيح أنه ولغ بدم السوريين والعرب، لكنه لم يسمح لإيران أن تبتلع سوريا، وتهيمن عليها، كما هو حاصل الآن، حيث "نهضت زينب من غفوتها في دمشق"، كما توّعد المسؤول الإيراني الكبير. وقد تحولت سوريا في عهد الوريث بشار إلى الولاية الإيرانية الخامسة والثلاثين كما أعلن أحد كبار الملالي في طهران قبل مدة. وقد أصبحت دمشق مربط خيل الإيرانيين على الملأ، وصار المسجد الأموي وسوق الحميدية الدمشقي مكان اللطم المفضل للإيرانيين في سوريا، وانتشر التشيّع الإيراني في كل مدينة وقرية سورية، وقد اشتكى أحد كبار المسؤولين السوريين قبل سنوات من أن أزمة نقص الأسمنت في الأسواق السورية كانت عائدة إلى أن معظم إنتاجها يذهب لبناء الحسينيات الإيرانية في عموم سوريا، ولا ننسى أن دمشق العاصمة ربما تصبح بعد مدة كبغداد مدينة شيعية بعد تهجير أهلها أو تشييعهم. وبينما رفض حافظ الأسد السماح للإيرانيين بدخول سوريا دون تأشيرة، أصبح الإيرانيون الآن حاكمين بأمرهم في سوريا يدخلون ويخرجون دون أن يعلم بهم حتى أجهزة الأمن السورية التي صار كبار ضباطها مجرد موظفين لدى الحرس الثوري، لا بل إن الجيش السوري نفسه أصبح تحت إمرة قاسم سليماني وشركائه. وأصبح الإيرانيون هم من يفاوض الجماعات المقاتلة بدل النظام السوري كما في حمص والزبداني والفوعا. لقد أراد حافظ الأسد أن تكون العلاقة مع إيران علاقة تحالف ندية، حتى لو لصالح نظامه الديكتاتوري فقط، بينما، في عهد بشار، صارت سوريا مجرد تابع ذليل ومجرد ممر للإيرانيين إلى البحر المتوسط، تماماً كما حلم بذلك المسؤول الإيراني الكبير أثناء تقديم العزاء بوفاة حافظ الأسد في السفارة السورية في طهران.
2703
| 20 سبتمبر 2015
هل لاحظتم أن كل الأنظمة "القومجية" التي رفعت شعار الوحدة العربية لم تستطع في النهاية أن تحافظ على وحدة بلدانها، فما بالك أن تجمع شمل العرب أجمعين تحت راية واحدة؟ مفارقة عجيبة جداً. ولعل أشهر من رفع شعار الوحدة هم البعثيون بفسطاطيهما السوري والعراقي. وانضم إليهما طبعاً الفسطاطان القذافي "الجماهيري" واليمني القومي- قبلي. ولو نظرنا إلى حال سوريا والعراق وليبيا واليمن لوجدنا أنها الأكثر عرضة للتمزق والتفتت والتفكك على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية. لا شك أن بعض "القومجيين" "بتوع الصمود والتصدي والمماتعة والمقاولة ومقارعة الإمبريالية والصهيونية" سيظهرون لنا فجأة ليتهموا المؤامرات الكونية التي تريد تمزيق المنطقة على أسس فئوية ومناطقية وطائفية وعرقية. وبالطبع لن نختلف أبداً مع "القومجيين" الذين يتهمون المتآمرين بتقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ. لا بل يمكن أن نزايد عليهم في اتهام إسرائيل وأمريكا في شرذمة العالم العربي وتحويله إلى دويلات. ووثيقة "كيفونيم" الإسرائيلية أكبر شاهد على المحاولات الإسرائيلية لتمزيق المنطقة. لكن لو نظرنا إلى حال الدول القومجية لوجدنا أن أكثر من عبث بتركيبتها الطائفية والمذهبية والقبلية هي الأنظمة "القومجية الوحدوية" المزعومة التي كانت ترفع شعارات وحدوية، بينما على أرض الواقع كانت تمارس أحقر أنواع السياسات الاستعمارية الطائفية على مبدأ "فرق تسد" كي تعيش على تناقضات شعوبها. فكلما تعمقت الشروخ الطائفية والقبلية والمذهبية والعرقية في البلدان "القومجية" ضمن طواغيتها فترة أطول في السلطة. ولو نظرنا إلى حال اليمن وسوريا والعراق وليبيا لاتضح لنا الأمر بجلاء.لا يمكن لأي نظام فئوي أن يبني دولة وطنية، فما بالك أن يدعو إلى الوحدة بين الدول. في سوريا مثلاً رفع النظام شعاراً قومياً عريضاً، بينما كان في الواقع يحكم على أساس طائفي لا تخطئه عين. ولو سألت أي سوري بسيط لأعطاك مئات الأمثلة على أن النظام السوري له علاقة بالوطنية كما أنا لي علاقة بكوكب المشترى، فما بالك أن يكون قومياً. عندما يقوم النظام بتفضيل طائفة أو جماعة على أخرى، ويسلمها كل المقاليد العسكرية والأمنية في البلاد، فهذا يعني ضمنياً أنه يقوم بالتحضير لتفتيت البلد على أساس طائفي لاحقاً. فمهما طال الزمن لابد لبقية الطوائف ومكونات المجتمع أن تتململ، وربما تنتفض ضد الأقلية الحاكمة أو المسيطرة. وهذا ليس اكتشافاً جديداً، بل أمر بديهي جداً، فعندما تضيق الطوائف ذرعاً بتصرفات أي فئة مهيمنة، فلابد أن يحدث التصادم، وربما الحرب الأهلية. وهذا بالنتيجة سيؤدي إلى تفتيت البلاد على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية. وهذا ما يحدث الآن في سوريا بالضبط، حتى النظام يعترف بأنه يواجه حرباً أهلية طائفية. ولو كان النظام السوري وغيره من الأنظمة القومجية قد بنى دولة لكل مواطنيها أساسها المواطنة، لما انتفض قسم من الشعب على القسم المهيمن، لأن المواطنة تضمن للجميع حقوقهم، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والفئوية الضيقة.لاحظوا أن أكثر نظامين تشدقا بالوحدة العربية كانا النظامين السوري والعراقي، مع ذلك فقد وصل الأمر بالنظام البعثي السوري إلى السماح للسوريين بزيارة كل دول العالم ما عدا العراق. وكل السوريين يتذكرون عبارة "مسموح السفر لحامل هذا الجواز إلى كل دول العالم باستثناء العراق". لقد وصلت العداوة بين النظامين البعثيين السوري والعراقي إلى حد القطيعة الكاملة. فإذا كان الفسطاطان البعثيان لا يستطيعان الوحدة، فكيف كانا يريدان توحيد العرب من المحيط إلى الخليج؟ وكما نلاحظ الآن، فإن سوريا والعراق يواجهان خطر التقسيم والتشرذم أكثر من أي بلد آخر. وكذلك اليمن وليبيا بتوع "القومية". بعبارة أخرى، فإن رافعي شعار الوحدة العربية، لم يفشلوا فقط في تحقيق شيء من شعارهم الفضفاض، بل فشلوا أيضاً في تحصين بلادهم ضد التقسيم والتفتيت. وبينما استطاعت بقية الدول العربية أن تحافظ على نسيجها الوطني، ها هي سوريا تتشرذم، والأنكى من ذلك أن النظام "القومجي" لم يعد يُخفي ألاعيبه الطائفية القذرة، فقد أوعز لإيران بأن تتلاعب بتركيبة سوريا الديمغرافية على أساس مذهبي. فكلنا سمعنا عن المفاوضات التي تجريها إيران مع جيش الفتح في الزبداني كي ينتقل سكان الزبداني السنة إلى إدلب السنية، وأن ينتقل سكان الفوعا وكفريا الشيعة من إدلب إلى الزبداني لتجميع الشيعة حول دمشق. يا هيك القومية العربية يا بلاش. وفي دمشق وريفها يتم تهجير بعض سكان بالمنطقة بحجة بناء ناطحات سحاب إيرانية، بينما الهدف الحقيقي تغيير التركيبة السكانية للعاصمة، كما فعلوا من قبل مع العاصمة العراقية بغداد وحزامها. والسؤال الأكثر كوميدية وفضحاً للمتشدقين بالقومية: كيف يرفع النظام السوري البعثي شعار الوحدة والقومية العربية، بينما يتحالف إستراتيجياً مع ألد أعداء العرب، وهم الفرس؟وفي ليبيا نجد أن النظام الساقط لم يكتف بالدعوة إلى الوحدة العربية، بل أراد أن يوحد إفريقيا أيضاً، مع العلم أنه كان في الواقع يعيش على تناقضات وتناحر القبائل الليبية، فكان يحرّض قبيلة أو منطقة ضد أخرى كي تبقى البلاد تحت سيطرته على مبدأ: فرق تسد. وقد لاحظنا كيف تشظت ليبيا بعد سقوط النظام، لأنه لم يصنع دولة وطنية، بل دولة قائمة على صراعات عشائرية وقبلية.وآخر مثال على الأنظمة القومجية التي تاجرت بشعار الوحدة، بينما كانت تدق الأسافين بين شعوبها، نظام المخلوع علي عبد الله صالح في اليمن، الذي أدت سياساته اللاقومية واللاوطنية إلى شرذمة اليمن وربما تمزيقه إلى مقاطعات ودويلات، لا سمح الله.أخيراً.. أليس من حقنا أن نسأل: هل هناك فرق بين الأنظمة القومجية العربية والاستعمار؟ نعم. لقد كان الاستعمار أرحم من القومجيين، فعلى الأقل قسمنا إلى دول بينما الأنظمة القومجية رفعت شعار الوحدة العربية، بينما كانت على الأرض تقسم المقسّم وتجزئ المجزأ إلى دويلات طائفية وقبلية ومذهبية وكانتونات عرقية كما يفعل النظام الطائفي في دمشق، وستكون الخطة باء في سوريا شاهداً على ذلك.. انتظروها.
1374
| 13 سبتمبر 2015
بما أننا مقبلون على ثورات أكثر عمقاً وانتشاراً وربما عنفاً، لابد من التعلم من التجربة الأولى التي فشلت في نواح كثيرة، والسبب أنها أغفلت الجانب الأهم من الثورات، ألا وهو الجانب الاقتصادي، ولا عيب في هذه الحالة أن نطالب الثوار العرب القادمين أن يتعلموا من الانقلابات العسكرية العربية القديمة التي قامت تحت يافطات ثورية، لابد أن يتعلموا أن أول ما فعله الجنرالات الذين وصلوا إلى السلطة في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها كانت السيطرة قبل كل شيء على موارد البلاد وثرواتها واقتصادها. فالاقتصاد هو عصب الحياة والسياسة في كل العالم. ومن يعتقد أن الثورة مجرد انقلاب على نظام قديم وإسقاطه دون وضع اليد فوراً على الحياة الاقتصادية فهو مغفل. عندما وصل حزب البعث إلى السلطة في سوريا رفع فوراً شعارات اشتراكية واقتصادية لا تخطئها عين، لأنه يعرف تمام المعرفة أن الأمور لن تستتب له إلا إذا وضع يده على مقاليد السلطة الاقتصادية بعد العسكرية. وصدقوني لا قيمة للسلطة العسكرية إذا لم تهيمن فوراً على الجانب الاقتصادي في البلاد. وإذا لم تفعل ذلك، فإن حيتان الاقتصاد في أي بلد يمكن أن يُسقطوا أي نظام مهما كان متوحشاً عسكرياً وأمنياً. لهذا السبب وجدنا البعثيين في سوريا ينادون فوراً بتأميم الأراضي والمصانع والمرافق الاقتصادية الكبرى. وقد غلفوا شعاراتهم السلطوية المفضوحة بغلاف اشتراكي كي يبرروا الهيمنة على القطاع الاقتصادي وتجريد أصحاب الثروات في البلاد من قوتهم. صحيح أن آخر ما كان يهم النظام السوري تحقيق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في سوريا، إلا أنه نجح في اللعب على وتر التوزيع العادل للثروات. وكلنا يتذكر الأغنية الشهيرة التي كانت شعاراً لبرنامج الفلاحين في الإذاعة السورية:"الأرض للي يفلح ويعمل بها، إللي حرثها بقوة زنودو". طبعاً لقد كان الهدف من هذه الشعارات تقريب الشعب من النظام وإشعاره بأن النظام جاء لينصف الناس اقتصادياً، وليحررهم من قبضة المتحكمين برقابهم اقتصادياً من إقطاعيين وأصحاب رؤوس أموال وعائلات متنفذة، وقد تطور الحكم في سوريا فيما بعد ليصبح تحالفاً بين أصحاب المال والعسكر والأمن. وشاهدنا الأمر نفسه في مصر بعد ثورة يوليو، حيث سمعنا كثيراً عن عمليات التأميم التي لحقت بالاقتصاد المصري في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ومازالت بعض العائلات المصرية الإقطاعية والبرجوازية الشهيرة تشتم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حتى هذه اللحظة، لأنه وضع يده على ممتلكاتها، ووضعها تحت تصرف النظام الجديد. هل كان نظام البعث وعبد الناصر أن يحكما في سوريا ومصر لفترة طويلة لولا وضع الاقتصاد تحت جناح الأنظمة الجديدة؟ بالطبع لا. لقد كان الاقتصاد السلاح الأقوى في يد الانقلابيين أينما حلوا. وإذا كان الانقلابيون قد حللوا لأنفسهم السيطرة على الاقتصاد لثبيت حكمهم، فلا بأس أبداً أن يفعل الثوار الشيء نفسه في أي ثورات قادمة، خاصة أن النظام الحاكم الحقيقي في البلدان العربية وغيرها ليس فقط الجيش والأمن، بل حلفاؤهم أصحاب المال والثروات والممسكون بزمام الحياة الاقتصادية في البلاد. هل شاهدتم ماذا حصل في مصر وتونس؟ انتخب الشعب نظامين جديدين. لكن الطبقة الاقتصادية في كلا البلدين شعرت بأنها مهددة، فبدأت منذ اليوم الأول للثورات تعمل على إحباطها وإفشالها وإعادة الأمور إلى المربع الأول. لاحظنا خلال المرحلة الانتقالية وخلال فترة الرئيس محمد مرسي كيف أن حيتان الاقتصاد حوّلوا البلد إلى جهنم اقتصادي، فانهار الاقتصاد، وتدهورت الحياة المعيشية، وراح الناس يتحسرون على النظام السابق بعد أن وجدوا أن حياتهم الاقتصادية أصبحت بائسة جداً دون أن يعلموا أن الانهيار الاقتصادي ليس نتيجة الانتقال إلى حكم جديد، بل لأن أرباب الاقتصاد المتحالفين مع الدولة العميقة هم من وضع العصي في عجلات النظام الجديد كي يفشله، ويجعل الناس تنقلب عليه، إنهم كانوا ساذجين جداً في ثورات الربيع العربي الأخيرة، حيث ظنوا أنهم قد نجحوا نجاحاً باهراً في تأليب الشعب على القيادة الجديدة، لا بل إن كثيرين باركوا الانقلاب على العسكري على النظام. وقد حدث الأمر نفسه في تونس، حيث لعب هوامير الاقتصاد المتحالفون مع نظام ابن علي دوراً هاماً في إحباط الحكومة الجديدة وإخراجها من السلطة تحت تأثير الفشل الاقتصادي. لم تستطع حكومة النهضة، كمثيلتها في مصر، في تحقيق أي تقدم حقيقي على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، لأن مقاليد الاقتصاد كانت كلها في أيدي الحرس القديم المتحالف من النظامين الساقطين. وكان هؤلاء يعملون على إفشال الثورة منذ البداية اقتصادياً من خلال تحويل حياة الناس إلى جحيم وجعلهم يكفرون بالثورة وبالأنظمة الجديدة. صحيح أن النظامين الجديدين في مصر وتونس اقترفا الكثير من الأخطاء، وفشلا في إدارة الكثير من الملفات، لكن يجب ألا ننسى أن حيتان الاقتصاد لعبوا دوراً مهماً في تثوير الناس وجعلهم ينقلبون على الأنظمة الجديدة. ونجحوا. فلا تنسوا أن نابليون قال ذات يوماً: "إن الجيوش تزحف على بطونها". يعني أن معيشة الناس هي التي تحركها. وبالتالي، فإن أي نظام يستطيع أن يحرك الناس من خلال التحكم بلقمة عيشها ومعيشتها. هل كانت الثورات في بلاد الربيع العربي يمكن أن تتعثر بهذا الشكل، وبأن يعود الفلول إلى السلطة في أكثر من مكان لو أن الثوار انتبهوا إلى الجانب الاقتصادي؟ بالطبع لا. طبعاً لا ندعو أبداً إلى تأميم الاقتصاد كما فعل البعثيون والناصريون، فهذا مستحيل في عالم الاقتصاد الحديث المربوط بالاقتصاد العالمي. لكن لابد لأي ثورة أن تحكم سيطرتها على الوضع الاقتصادي بالطريقة التي تراها مناسبة كي لا تقع فريسة لضباع المال والأعمال. ليتعلم الثوار القادمون من تجربة أسلافهم، وليعلموا أن لا قيمة لإسقاط أي رئيس أو حتى السيطرة على الجيش والأمن قبل السيطرة على مقاليد الاقتصاد والثروة.
5477
| 06 سبتمبر 2015
لابد أن تقلب على ظهرك من الضحك عندما تسمع النظام السوري وحلفاءه، من روس وإيرانيين وعراقيين ولبنانيين وحتى عرب وأمريكيين، وهم يصرون على أن أي حل أو اتفاق سلام في سوريا يجب أن ينص على الحفاظ على مؤسستي المخابرات والجيش. طبعاً لسنا متفاجئين من إصرار جماعة النظام على حماية تلك المؤسستين تحديداً دون غيرهما في سوريا. والسبب يعرفه كل السوريين، وهو أنه لولا الجيش والأمن لما استطاع النظام أن يدوس على رقاب السوريين لعقود وعقود، ويكتم أنفاسهم، ولولاهما لما استطاع أن يسحق الثورة، ويشرد غالبية الشعب السوري، ويدمر بيوته فوق رؤوسه. لا عجب أبداً في أن يصر النظام في مفاوضاته مع العالم على حماية الجيش والأمن، لأنه لولاهما لما استطاع أن يصمد شهراً واحداً بعد أن هب السوريون في وجهه قبل حوالي خمس سنوات. لقد كانت أجهزة الأمن تحديداً تتمتع بحصانة تحسدها عليها كل أجهزة الأمن في العالم، فكما هو منصوص عليه في الدستور السوري منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، فإن رجل الأمن السوري له كامل الحرية والصلاحية بأن يفعل ما يشاء بالسوريين، قمعاً واغتصاباً وابتزازاً وقتلاً، دون أن يستطيع المواطن السوري أن يصرخ في وجهه، فما بالك أن يقاضيه، لا سمح الله. لقد حمى الدستور السوري أجهزة الأمن من الملاحقة القانونية حماية مطلقة، وإذا ما تجرأ سوري على الشكوى على رجل أمن قضائياً، فعليه أن يحصل على إذن خاص مباشرة من رئيس الجمهورية تحديداً. لاحظوا كم هي سهلة عملية الحصول على موافقة من الرئيس لرفع دعوى على رجل أمن، طبعاً بالمشمش. لقد وضع نظام الأسد أجهزة المخابرات فوق الجميع، لا، بل إن رجل الأمن باستطاعته أيضاً أن يدوس حتى الشرطي في الشارع، لأن السلطة الأولى والأخيرة في البلاد في أيدي الأجهزة حصراً. وكل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في قبضة الأجهزة تحديداً، فهي التي تعين موظفي الدولة، من كناس المدرسة إلى رئيس الوزراء. لا، بل إن البعض يسخر أصلاً من وجود مؤسسات في سوريا، فلا قيمة لأي مؤسسة في البلاد إلا لأجهزة الأمن ومن بعدها الجيش. والمؤسستان الوحيدتان اللتان يمكن أن نسميهما "مؤسستين" فعلاً هما الجيش والأمن، أما باقي المؤسسات، فهي عبارة عن توابع، ودكاكين رخيصة لا علاقة لها بالمؤسساتية، لا من بعيد ولا من قريب، وهي أشبه بحارة "كل مين إيدو إلو". أضف إلى ذلك أن القسم الأكبر من الميزانية السورية يذهب منذ عقود للأمن والدفاع. والمقصود هنا ليس طبعاً أمن الشعب والبلاد، بل أمن النظام، وليس طبعاً الدفاع عن الوطن، بل حماية النظام من غضب الشعب. الكل يعلم أن الجيش السوري الذي دفع عليه السوريون المليارات من قوت أولادهم ظناً منهم أنه سيحميهم من الأعداء الخارجيين، خاصة إسرائيل، لم يطلق على الإسرائيليين منذ أربعين عاماً رصاصة يتيمة. وكلنا يشاهد كيف تعتدي الطائرات الإسرائيلية على المواقع السورية بين الحين والآخر دون أن يتجرأ الجيش على إطلاق صاروخ واحد عليها، بينما يوفر كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً لمواجهة السوريين. مع ذلك يريدون من الشعب السوري أن يحتفظ بالجيش الذي قتل منه أكثر من مليون شخص، ودمر ثلاثة أرباع البلاد، وارتكب ألوف المجازر الفاشية. لقد اعتقد السوريون بعد الثورة أن يخفف النظام من حمايته لأجهزة الأمن، وأن يخضعها للمحاسبة نزولاً عند رغبة السوريين الذين ثاروا تحديداً على ممارسات الأجهزة الأمنية التي كانت تتدخل حتى في إقامة حفلات الأعراس وبيع المازوت على ظهر البغال. فذات يوم حاول شخص في قريتنا أن يبيع المازوت على ظهر بغل، فقالوا له بأنه يحتاج إلى موافقة أمنية. وقد اضطر الرجل للانتظار أكثر من ستة أشهر حتى جاءت الموافقة على استخدام البغل في بيع المازوت في شوارع القرية. لاحظوا المفارقة الكبرى أن النظام وكل من يشد على يده في الحفاظ على الأجهزة الأمنية والجيش في أي اتفاق سلام في سوريا، لاحظوا أنهم يريدون حماية من تسبب أصلاً في اندلاع الثورة السورية، ألا وهي أجهزة المخابرات، وأيضاً حماية من يسمون، زوراً وبهتاناً، "حماة الديار"، إنها نكتة كبرى فعلاً. أجهزة الأمن ظلت تنكل بالسوريين لعقود وعقود حتى جعلتهم يثورون على النظام، وعندما ثار السوريون، أنزل بشار الأسد "جيشه" إلى الشوارع بعد شهر فقط لقمع المتظاهرين وسحقهم. وعندما رفض الشعب الرجوع إلى البيوت، بدأ باستخدام كل الأسلحة ضد الثوار. وقد وصل الأمر بقيادة الجيش السوري إلى استخدام السلاح الكيماوي لتركيع الشعب الثائر، ناهيك عن البراميل المتفجرة وصواريخ سكود والطائرات. لقد كان الجيش السوري على مدى أربع سنوات وأكثر قليلاً وسيلة النظام الأوحش لمواجهة السوريين وإعادتهم إلى بيت الطاعة. وبدلاً من أن يطالب العالم، خاصة أمريكا، بمحاسبة ذلك الجيش الذي نافس النازيين في جرائمه، ها هي أمريكا وروسيا وإيران تناصران النظام في ضرورة الحفاظ على المؤسستين الأمنية والعسكرية، مع أنهما سبب الثورة وتبعاتها الكارثية. طبعاً هذا لا يعني أبداً أننا لا نريد أن يكون لسوريا جيش وأمن قويان. على العكس تماماً، فإن قوة أي بلد من قوة جيشه وأمنه، على أن يكون جيشاً وطنياً، لا سلطوياً أو طائفياً. إن كل من يدعو للإبقاء على الجيش والأمن السوريين بشكليهما الحاليين اللذين دمرا سوريا، وشردا شعبها، إنما يريد الإمعان في تخريب سوريا والاستمرار في ذبح شعبها، لا إنقاذها، كما يدعي الروس والإيرانيون وكل من تحالف مع بشار الأسد من عرب وجرب. أليس من المستحيل لملايين السوريين الذين دمر الجيش مدنهم وقراهم، وذبحهم، وشرد أهلهم أن يتصالحوا معه ومع أجهزة الأمن؟ هل سأل الذين يريدون الحفاظ على جيش الأسد أنفسهم هذا السؤال البسيط؟ نعم لجيش سوري وأجهزة أمن سورية جديدة، لكن بشرط أن يكون الجيش والأمن في خدمة الوطن والشعب، وليسا أداتي قتل وإجرام في يد النظام لإذلال الشعب وسحقه كما كان الحال في سوريا على مدى عقود.
8202
| 30 أغسطس 2015
قلما تستمع لبرنامج أو تتصفح موقعاً إعلامياً لما يسمى حلف "الممانعة والمقاومة" إلا ويكرر أن ما يحدث في سوريا ليست ثورة، بل مجرد لعبة أمريكية لتمرير مشروع الفوضى الخلاقة لإعادة رسم خرائط سايكس بيكو وغيرها من مشاريع التفتيت والتقسيم. لا شك أننا كنا سنصدق هذه الأطروحة لو كان الخطاب الإعلامي والسياسي "الممانع" متماسكاً منذ بداية اندلاع الثورات العربية. فمثلاً عندما اندلعت الثورة المصرية ضد حسني مبارك، سارع التلفزيون السوري فوراً إلى نقل مشاهد تنحي مبارك عن السلطة على الهواء مباشرة. وقد كان العنوان الذي اختاره وقتها لمشاهد سقوط مبارك: "سقط نظام كامب ديفيد". وبدوره فعل الشيء نفسه الإعلام الإيراني واللبناني "المقاوم" بين قوسين طبعاً، فراح يهلل بحرارة عز نظيرها للثورة المصرية. وقد فعل الإعلام "الممانع" الأمر ذاته من قبل مع الثورة التونسية، على اعتبار أن نظام زين العابدين بن علي "عميل". باختصار شديد، لم تكن هناك مشكلة لإيران وأذنابها مع الثورات العربية عندما اندلعت ضد أنظمة لا تواليها. لكن ما إن اندلعت الثورة السورية حتى راح الإعلام المقاومجي يصفها فوراً بأنها "مؤامرة كونية" على النظام "الممانع والمقاوم" في دمشق، مع العلم أن الكثير من السوريين ما كانوا ليثوروا لو كان لديهم نظام كنظام الرئيس المصري حسني مبارك. لقد كان النظام المصري ديمقراطياً عظيماً مقارنة بالنظام السوري الذي كانت مخابراته تتدخل حتى في شأن الفلافل وإقامة الأعراس. لقد كان كل من يريد أن يفتح مطعماً أو حتى كشكاً صغيراً لبيع الفلافل في سوريا بحاجة للحصول على موافقات أمنية من عشرات الفروع وعلى رأسها المخابرات الجوية. تصور أنك كنت في سوريا بحاجة لموافقة الأمن الجوي لقلي الفلافل. ما علاقة الفلافل بربكم بأمن الطائرات والصواريخ؟ والأنكى من ذلك أنه حتى بيوت الدعارة في ساحة المرجة في دمشق كانت بإشراف المخابرات الجوية. فعلاً عجيب. أما الأمن السياسي فكان مسؤولاً عن الأعراس والحفلات، فلا يمكن لأي شخص يريد أن يتزوج في سوريا أن يقيم حفلة أو يستدعي مطرباً لإحياء الحفلة إلا إذا حصل مسبقاً على إذن من الأمن السياسي في المنطقة. بعبارة أخرى، فإن وضع الحريات في سوريا مقارنة بنظام حسني مبارك في مصر كان كارثياً بكل المقاييس. وبالتالي كان أولى بالسوريين أن يثوروا على نظامهم قبل أن يثور المصريون الذين كانوا قادرين على شتم الرئيس ليل نهار في الشوارع دون أن يتعرض لهم أحد بسوء، بينما كان شتم الرئيس في سوريا يودي بصاحبه خلف الشمس. فلماذا اعتبر حلف "الممانعة" الثورة المصرية مباركة، بينما الثورة السورية مؤامرة وجزء من مشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي؟. هل يعلم حلف "الممانعة" أن الذي حوّل الثورة السورية إلى مؤامرة حقيقية على سوريا والمنطقة هي الطريقة التي تعامل بها النظام وحلفاؤه مع الثورة؟ هم الذين جعلوها جزءاً من مشروع "الفوضى الهلاكة" الأمريكي بوحشيتهم وهمجيتهم وسوء تصرفهم. لاحظوا الفرق بين سوريا من جهة ومصر وتونس من جهة أخرى، فاستجابة النظام لمطالب الثائرين في مصر وتونس جنّبت البلدين كارثة كان يمكن أن تحرق الحجر والبشر لو أن مبارك وبن علي قررا مواجهة المتظاهرين بالحديد والنار. لكن تنحيهما التكتيكي، على الأقل، عمل على تجنيب الشعبين في تونس ومصر تبعات الثورة السورية. صحيح أن الثورتين في مصر وتونس لم تحققا مطالب الثائرين، لكن على الأقل لم يتشرد نصف الشعبين، ولم يمت منها الملايين بسبب همجية ومكابرة النظامين. على علاتهما يبدو نظام مبارك وزين العابدين بن علي، مقارنة بالنظام السوري، حملين وديعين، لأنهما لم يتسببا بواحد بالمليار مما تسبب به نظام بشار الأسد للسوريين من مصائب وكوارث لم يسبق لها مثيل في القرن الحادي والعشرين، كوارث استغلها المتربصون لمشاريعهم الخاصة. لن أختلف مع مفكرجية ومحللجية لبنان والنظام السوري وإيران بأن الثورة السورية تحولت إلى مشروع فوضى يناسب المشاريع الإسرائيلية والأمريكية التي تستهدف المنطقة. لكن هل كان المشروع الأمريكي ليتحقق بضرب استقرار المنطقة وشرذمتها وتقسيمها لو أن النظام السوري وأتباعه تعاملوا مع السوريين كما تعامل زين العابدين بن علي وحسني مبارك مع التونسيين والمصريين؟ هل سأل بتوع "الممانعة" أنفسهم هذا السؤال قبل أن يصفوا الثورة السورية بأنها مؤامرة كونية وجزء من مشروع الفوضى الخلاقة؟ هل يذكرون ما قاله بشار الأسد لصحيفة "التايمز" البريطانية بعد ستة أشهر على اندلاع الثورة بأن سوريا، حسب وصفه، "تقع على فالق زلزالي خطير، ولو حركناه لاشتعلت المنطقة بأكملها". هذا ما قاله بشار حرفياً. من الذي زعزع استقرار المنطقة إذاً ووضعها على كف عفريت، بحيث أصبحت ناضجة لتنفيذ المخططات الأمريكية الشريرية؟ أليس النظام السوري وحلفاؤه؟ هل كان ليحصل ما حصل في سوريا لو حصل ما حصل في مصر وتونس؟ هل كانت سوريا لتشتعل وتصبح بؤرة للتطرف والإرهاب والفوضى التي تهز كل الدول المجاورة لو أن بشار الأسد على الأقل تعامل مع السوريين كما تعامل حسني مبارك وزين العابدين بن علي مع المصريين والتونسيين؟ لم يعد هناك أدنى شك بأن بشار الأسد، كما قلنا في المقال السابق، أصبح كالشجرة التي تحجب الغابة، وبأنه أصبح مجرد غطاء لمشاريع دولية خطيرة في سوريا والمنطقة بسبب سياسته الغشيمة التي وفرت للطامعين أسباب التدخل في سوريا وتحقيق مشاريع الفوضى. هل كان لتلك المشاريع أن تبدأ وتنضج لولا فعلته الأولية المتمثلة بإشعال الحرب في سوريا وتحويلها إلى بؤرة للتطرف والإرهاب والفوضى؟ ألا يخدم ما فعله بشار الأسد المشاريع الإمبريالية والصهيونية في المنطقة؟ ألا يمكن القول إن حلف الممانعة والمقاومة الذي كان أول من حذر من خطورة مشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي أصبح عملياً قائداً ومنفذاً لمشروع الفوضى انطلاقاً من سوريا؟ لا ننكر أبداً أن مئات الجهات والأطراف العربية والإقليمية والدولية أغرقت سوريا بالجماعات المقاتلة والمسلحة، وأسهمت في تخريبها، لكن السؤال الأهم: هل كان لسوريا أن تصل إلى ما وصلت إليه من خراب ودمار وتشرد وبؤرة لتحقيق المشاريع الأمريكية الهدامة لو أن النظام وحلفاءه تصرفوا مع الوضع منذ بداية الثورة بحكمة وروية على الطريقة المصرية أو التونسية؟ أم أنهم أرادوا إيصال الأمور إلى هنا؟. وكي لا يكون الكلام عمومياً، ألا تعمل إيران وحليفها بشار الأسد الآن بشكل مفضوح على إعادة رسم الخارطة السورية على أساس مذهبي وطائفي وعرقي؟ ألم يتفاوضوا مع الثوار في الزبداني على نقل سكان الزبداني (السنة) إلى منطقة الفوعة في إدلب، على أن يحل محلهم سكان الفوعة الشيعة في الزبداني؟ أليست عملية تطهير مذهبي معلنة؟ ماذا كانت تريد أمريكا من مشروع الفوضى الخلاقة بحسب حلف الممانعة والمقاومة؟ أليس إعادة رسم خارطة المنطقة وتفتيتها؟ ما الذي يفعله حلف الممانعة الآن في الزبداني؟ أليس تطبيقاً حرفياً لمشروع الفوضى الهلاكة؟.
3448
| 23 أغسطس 2015
صحيح أن الرئيس السوري يبدو وكأنه محور القضية السورية، وصحيح أن وسائل الإعلام تصوره على أنه العقبة الكأداء التي تقف في وجه أي حل في سوريا، وصحيح أن الخلاف الأكبر بين المعارضين والمؤيدين يدور حول تنحي الأسد أو بقائه. وصحيح أن الروس والإيرانيين يربطون بقاء الأسد بأي حل يريدونه في سوريا، وصحيح أن خصوم الأسد في الخارج يريدون رأسه. لكن مع كل ذلك، لا يشكل بشار الأسد إلا جزءاً صغيراً جداً من المسألة السورية التي باتت ذات أبعاد دولية وإقليمية وعربية متشعبة. الصراع على سوريا باختصار أكبر من الرئيس السوري بكثير، ولا يعدو بشار الأسد كونه سوى ستار دخاني رقيق لإخفاء معالم الصراع الحقيقية. عندما ترى الروسي والإيراني والعربي والتركي والأمريكي والإسرائيلي يتصارعون عبر أدواتهم وعملائهم على الأرض السورية، لابد أن تسأل: ما علاقة ذلك ببشار الأسد؟ هل يتقاتلون ويتنافسون من أجله؟ بالطبع لا، فالرئيس السوري ليس أكثر من رأس جبل الجليد في المحرقة السورية. ومن المعروف أن رأس جبل الجليد لا يشكل سوى عشرة بالمائة، إن لم نقل أقل من الجبل المختبئ تحت الماء. وكذلك الأمر بالنسبة لوضع الرئيس السوري. ولا بد للباحث بعمق في خفايا الوضع السوري أن يضحك كثيراً عندما يسمع البعض وهم يطالبون برحيل بشار الأسد، ويقدمونه على أنه العلاج الشافي للكارثة السورية، وكأن رحيله سيحل كل الصراعات الدائرة على الأرض السورية، وسيعيد سوريا إلى ما كانت عليه، أو ينقلها إلى الدولة الديمقراطية الوطنية المنشودة، أو سيحقق فوراً أهداف الثورة. ليتهم علموا أن المشكلة السورية لم تعد أبداً تتركز في تنحي الرئيس السوري أو استمراره في السلطة، وأن كل من يركز على تنحي بشار الأسد، ويقدمه على أنه أساس الحل، دون أن يغوص في خفايا الصراع السوري، إنما يشارك، بقصد أو بغير قصد، في تسخيف القضية السورية، وربما إخفاء النوايا الحقيقية للفيلة التي تتعارك على العشب السوري. فقد يتنحى غداً، لكن لا قيمة لتنحيه إلا إذا كان نتيجة توافق حقيقي بين القوى المتصارعة على سوريا، أو تقاسم للنفوذ. أما أن يتنحى بشار الأسد بينما الصراع دائر بين القوى المختلفة، فهذا لا يقدم ولا يؤخر شيئاً. هل سيتصالح الإيرانيون والروس والصينيون ومجموعة بريكس والأتراك والأمريكان والعرب والإسرائيليون والأوربيون فوراً إذا تنحى الرئيس السوري؟ بالطبع لا. فهو لم يعد محور الصراع أبداً كي يساهم في إيصال السفينة السورية إلى بر الأمان، بل، كما أسلفنا، فقد غدا هو وجيشه مجرد ميليشيا من الميليشيات المختلفة المتقاتلة على الأرض السورية. ومما يؤكد أن شخصية الرئيس السوري فقدت قيمتها في الصراع السوري أن الإيرانيين يعترفون علناً بأنهم حكام سوريا الحقيقيون. وقد سمعنا المسؤولين الإيرانيين وهم يقولون إنه لولاهم لما بقي النظام شهراً واحداً. وهذا يؤكد أن القضية باتت أكبر وأعقد بكثير من رأس النظام. ولابد للعارف ببواطن الأمور أن يضحك كثيراً عندما يسمع الإعلام السوري وهو يتشدق بالصمود في وجه المؤامرة، وهو يصور النظام على أنه أفشل كل المخططات والمؤامرات. لا شك أن النظام يعلم جيداً أنه ليس أكثر من بيدق من البيادق المتصارعة على الأرض السورية، لكنه يقدم نفسه على أنه غيّر العالم بصموده. النظام يعلم علم اليقين أن الصراع في سوريا ليس من أجله أبداً، وأنه مجرد تفصيل بسيط جداً في المسألة السورية. كما يعلم أيضاً أن أهمية الصراع لا تنبع من صمود النظام أبداً، بل من أهمية سوريا وموقعها الإستراتيجي وثرواتها، ناهيك عن أهميتها الكبرى كممر لخطوط الغاز والطاقة بين الشرق والغرب. فالذي حمى النظام حتى الآن ليس جيشه ولا صموده المزعوم أبداً، بل الأطماع الروسية والإيرانية في صراعها مع القوى الأخرى التي تريد قطعة أو حصة من الكعكعة الإستراتيجية السورية. ولا تتفاجأوا قريباً إذا رأيتم الإيرانيين يتصارعون مع الروس على سوريا بعد الاتفاق النووي. صدقوني، حتى همجية النظام السوري واستخدامه الفاشي للقوة لم يكن ليحدث لولا أنه يأتي ضمن الصراع الأكبر بين المتصارعين على سوريا. بعبارة أخرى، فإن الجيش السوري تحول إلى قوة مرتزقة يخوض حرباً بالوكالة ضد جماعات أخرى تعمل أيضاً لصالح أطراف أخرى تنافس الداعمين لبشار الأسد. ولابد أن تضحك أكثر عندما تقرأ لبعض السخفاء اللبنانيين وهم يتفاخرون بأن بشار الأسد صمد وغيّر العالم، وأنه لن يتنحى. لماذا لا يقولون لنا الحقيقة؟ هل هو الذي غيّر العالم، أم أن موقع سوريا الإستراتيجي وأهميتها الإقليمية والعربية والدولية هي التي جعلت الصراع بين العالم يصل إلى ما وصل إليه، وأن يخلط الأوراق ويغير التحالفات؟ صدقوني، حتى لو كان رئيس سوريا اسمه زعيطو المحنفش كان سيحصل نفس السيناريو في سوريا بسبب القيمة الإستراتيجية للبلاد. الحقيقة أن الصراع بين المتصارعين على سوريا لم يُحسم بعد، وأن بقاء الأسد حتى الآن هو مجرد نتيجة لذلك الصراع على سوريا الإستراتيجية لا أكثر ولا أقل، وليس نصراً يمكن التفاخر به من قبل الممانعجيين وأبواقهم، ولا من قبل الإعلام السوري الذي يرفع إشارة النصر، بينما وضع النظام في الواقع كوضع الجندي الذي فقد عينه وأذنه ورجليه ويديه، وتشوه وجهه تماماً، لكنه ما زال يكابر. لو استطاع بشار الأسد أن يحسم الوضع لصالحه في نهاية الصراع سنبصم له بالعشرة أنه محور المسألة السورية وفارسها كما يدعي مؤيدوه، لكن، كما يعلم الجميع، فإن محصلة أي اتفاق نهائي في سوريا ستكون بمثابة تقاسم للنفوذ بين القوى المتصارعة على سوريا. وسيكون فريق بشار الأسد تابعاً ذليلاً لحلف معين تماماً كما سيكون معارضوه. هل تسمعون الإعلام السوري وهو يتحدث عن فلاديمير بوتين كما لو كان زعيم القومية العربية؟ هل تشاهدون النظام وهو يتحدث بصفته مجرد حجر شطرنج أو حتى مرتزق بيد داعميه، كإيران أو مجموعة البريكس؟ فكما أن النظام يتهم معارضيه بأنهم بيادق بأيدي الإمبريالية الأمريكية، فهو غدا أيضاً باعترافه المفضوح مجرد بيدق بيد الإمبريالية الروسية والصينية والإيرانية، إلا إذا كانت روسيا والصين وإيران جماعات خيرية، وتريد إنقاذ سوريا وشعبها ونحن لا نعرف ذلك. بعبارة أخرى، فإن التركيز المفرط على شخصية بشار الأسد في الصراع السوري مجرد ضحك على الذقون وحرف للأنظار عن الصراع الحقيقي. بشار الأسد ليس أكثر من الشجرة التي تحجب الغابة. والغابة في حالتنا السورية هي الصراعات الدولية والإقليمية والعربية على سوريا.
3380
| 16 أغسطس 2015
لم يجانب الرئيس التونسي السابق الدكتور منصف المرزوقي الصواب عندما قال مؤخراً إن أحلام الربيع العربي قد ذهبت أدراج الرياح. لا شك أن الثورات المضادة التي قادتها الدول العميقة بالتحالف مع أسيادها في الخارج نجحت إلى حد كبير في شيطنة الثورات وتحويلها إلى وبال على الشعوب، وخاصة في بلدان مثل سوريا واليمن وليبيا، حيث تحول الوضع إلى جحيم لا يطاق. ففي سوريا استطاع النظام بالتواطؤ مع الروس والإيرانيين وحلفائه الإقليميين والعرب وربما الأمريكان والإسرائيليين أيضاً، استطاع حرف الثورة عن مسارها وتحويلها إلى كارثة داخلية وإقليمية وحتى دولية. لقد نجح النظام بمباركة أمريكية وروسية وإيرانية في تحويل سوريا إلى جهنم حمراء، وجعل السوريين يتحسرون على أيام الطغيان الخوالي. وقد شاهدنا بشار الأسد في أكثر من خطاب وهو يتفاخر بالحديث عن الانتقام من الثورة وإجهاضها. بدوره لم يتحمل طاغية اليمن علي عبد الله صالح طعم الخروج المذل من السلطة تحت ضغط الشارع اليمني الذي خرج بالملايين على مدى شهور، مطالباً بإسقاط النظام. فما كان من المخلوع إلا أن تحالف مع الميليشيات الحوثية المدعومة إيرانياً للانقلاب على العهد الجديد، لا بل راح يستخدم كل قدراته العسكرية والمالية لحرق اليمن. فكما أن جماعة بشار الأسد رفعت شعار: "الأسد أو نحرق البلد"، رفع مرتزقة علي عبد الله صالح شعار: "أحرقوا كل شيء جميل في اليمن انتقاماً من الثوار". وكانت النتيجة أن اليمنيين بدورهم راحوا يتحسرون على الأيام السوداء التي عاشوها تحت نير الطاغية، لأن الأيام الحالية أصبحت أكثر سواداً وبؤساً. وحدث ولا حرج عن ليبيا، فما إن نجح الشعب في القضاء على نظام القذافي وبدأ ببناء دولة جديدة على أنقاض النظام الساقط، حتى راح أعداء الداخل والخارج يتآمرون على ثورته، فعملوا على إغراق البلاد والعباد بالتناحر والاقتتال الداخلي انتقاماً من الثوار. وحتى في تونس لا يختلف الوضع إلا في حجم الخسائر. صحيح أن تونس لم تعان ما تعانيه سوريا وليبيا واليمن، إلا أنها في الواقع عادت إلى المربع الأول بشهادة رئيسها السابق. فقد عاد فلول العهد البائد من النافذة بعد أن طردهم الشعب التونسي من الباب. لا بل إن أبواق زين العابدين بن علي عادوا ليعيثوا فساداً وطغياناً وإرهاباً على شاشات التلفزة التونسية، وكأنهم بذلك ينتقمون من الثورة كما يفعل نظراؤهم في اليمن وسوريا وليبيا. لا عجب أن نظام القايد السبسي كان أول من أعاد علاقاته الدبلوماسية مع طاغية الشام، متجاهلاً كل ما يفعله النظام السوري بحق سوريا والسوريين. وفي مصر بات المصريون يتحسرون على أيام مبارك الجميلة بعد أن انتقلوا من عهد الديكتاتورية إلى عهد الفاشية كما يجادل بعض المعارضين المصريين، فما أحلى أيام مبارك يصيح معارض مصري، حيث كان المصريون يتمتعون بقدر كبير من الحرية، بينما باتوا الآن غير قادرين على الهمس فيما بينهم خوفاً من سياط قوانين الإرهاب وغيرها. لقد انتقم العهد الجديد من الثورة المصرية بطريقة لا تخطئها عين كما يرى معارضو النظام. لا شك أن أعداء الثورات في سوريا ومصر وتونس وليبيا واليمن، وخاصة في الداخل، يفركون أيديهم فرحاً وهم يسمعون هذا الكلام، على اعتبار أنهم انتقموا انتقاماً شديداً من الثوار، وأعادوا عقارب الساعة ليس إلى الوراء فقط، بل إلى وراء الوراء. نعم نجحوا مرحلياً، لكن هل لديهم مشروع غير مشروع الانتقام الرخيص الذي لا يسمن أو يغني من جوع؟ بالطبع لا. هل أصبح الوضع في سوريا أفضل لبشار الأسد وزبانيته مثلاً؟ هل يعتقد أنه يستطيع أن يعود ليحكم سوريا التي كانت؟ هل بقي هناك بلد أصلاً؟ صحيح أن مثل هذه الأنظمة لا تعير أي اهتمام لا للأوطان ولا للشعوب، لكن ألم تطلق النار على قدميها في الوقت الذي كانت تطلق فيه النار على شعوبها؟ ألم يزرع بشار الأسد وعلي عبد الله صالح وفلول القذافي بذور عشرات الثورات القادمة؟ هل يستطيعون إصلاح ما اقترفت أياديهم من قتل وتدمير وتخريب وتهجير؟ بالطبع لا. وحتى في مصر وتونس اللتين لم تتعرضا للخراب والدمار: ما هو مشروع الحكام الجدد؟ هل لديهم إستراتيجيات حقيقية بديلة تجعل الناس تنصرف عن الثورات والاحتجاجات؟ هل لديكم ما هو أفضل فعلاً، أم أن الوضع هناك على كف عفريت، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وهو قابل للانفجار عاجلاً أو آجلاً؟ هل قوانين الإرهاب هي الحل لتركيع الشعوب؟ هل يكفي أن تنجح في الانتقام من خصومك السياسيين كي ترفع إشارة النصر في بلاد تعاني، معاناة شديدة، في كل المجالات، وخاصة بعد الثورات؟ البعض يعتقد أن أهوال الثورات وتبعاتها ستعيد الشعوب إلى زريبة الطاعة، وأن الشعب الجزائري بلع جراحه في تسعينيات القرن الماضي، وعاد إلى سلطة الجنرالات بعد أن حولوا ثورته إلى وبال عليه. وهناك من يرى أن بقية الشعوب ستحذو حذوه، وستلعن الساعة التي ثارت فيها، وأنها ستقبل بالقليل القليل على أن تعاني ما عانته جراء الثورات. نقول لأصحاب هذا الرأي الساذج: إذا كنتم تعتقدون أن الجزائر هدأت، ولن تكرر تجربة التسعينيات، فأنتم تفهمون التاريخ كما أفهم أنا الانشطار النووي الحنكلوطي. من المستحيل أن تضمد جرحاً وهو مليء بالصديد والدماء النازفة، لابد أن تنظف الجرح أولاً، وإلا انفجر الجرح ثانية بأسرع مما تتصورون. أيها المنتقمون من ثورات الشعوب، لا تفرحوا كثيراً، الانتقام ليس حلاً أبداً، بل هو مقدمة لخراب العمران وثورات قادمة تبدو التي انقلبتم عليها بالمقارنة معها مجرد لعب عيال. وإذا كان لكم في الماضي مائة ثأر مع الشعوب، أصبح لديكم الآن مليون ثأر. القادم أعظم وأخطر بكثير مما تتصورون!.
1347
| 09 أغسطس 2015
لا أدري لماذا تثور ثائرة البعض عندما يسمع تصريحات تقول إن المطلوب في سوريا تغيير النظام وليس إسقاط الدولة. ما العيب في هذا الطرح؟ ألم يثر السوريون أصلاً ضد النظام الفاشي تحديداً؟ فلماذا لا يكون الهدف الأول والأخير هو تغيير النظام مع الحفاظ بقوة على بنية الدولة السورية حتى لو كانت مرتبطة أو من صنع النظام؟ الأنظمة تذهب، بينما تبقى الدولة ومؤسساتها، وهي ليست ملكاً للنظام، بل للشعب، لأنه دفع من جيبه الخاص على بنائها. لا شك أبداً أن الأنظمة الفاشية الديكتاتورية تصنع الدولة على مقاسها، بحيث ينهار كل شيء بعد سقوط الطواغيت، لكن، لماذا نجاري رغبة الديكتاتور الذي يريد أن يهدم المعبد عليه وعلى الجميع عندما يشعر بخطر السقوط؟ صحيح أن النظام السوري وأمثاله توعد منذ بداية الثورة بأنه هو من بنا سوريا، وأنه إذا سقط سيحرق الدولة التي بناها كونها من صنعه، كما يزعم. لا شك أن معظم الطواغيت عبر التاريخ كان لديهم هذه النزعة الانتقامية الحقيرة التي تعمل بالمبدأ الشهير: "عليَّ وعلى أعدائي"، لكن أليس حرياً بالشعوب أن تقف لهم بالمرصاد؟ أليس من الواجب أن تعمل الشعوب على إسقاط الطغاة، لكن في الوقت نفسه، تحول دون تدمير الدولة؟ أليس أكبر خازوق يمكن أن تقدمه الشعوب الثائرة للطواغيت الساقطين والمتساقطين أن تمنع سقوط الدولة من بعدهم؟ الطاغية يريد الانتقام بحرق الدولة، فلماذا تسهّلون له المهمة؟ لماذا لا تسقطونه، وتتركون هياكل الدولة قائمة لبناء الدولة الجديدة؟ ألم يقل الثائر السوفياتي الشهير فلاديمير لينين ذات يوم إنه مستعد بعد الثورة أن يبني الدولة الجديدة بحجارة الدولة القديمة؟ لا أعتقد أن الثوار العرب أكثر ثورية من لينين قائد الثورة البلشفية الشهير. وبالتالي عليهم ألا يكونوا ملكيين أكثر من الملك. لماذا لا ينظر السوريون إلى الدول التي سقطت فيها الدولة؟ هل شاهدوا ماذا حل بالصومال والعراق وليبيا وأفغانستان عندما انتهت الدولة، ولم يعد هناك أي نوع من النظام يحكم البلاد؟ عندما فككت أمريكا الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية انتهى العراق كدولة، وتحول إلى ساحة للعصابات الطائفية والمذهبية، أو بالأحرى أصبح يعمل بالمثل السوري المعروف: "كل مين إيدو إلو". فبدل الجيش العراقي ظهرت الميليشيات الطائفية والمذهبية والعرقية، وراحت تذبح العراقيين على الهوية، مما جعل البعض يتحسر على أيام الطغيان الخوالي. وقد سمعنا بعض العراقيين يقول: "كان لدينا صدام حسين واحد، وعُدي واحد، وقـُصي واحد، فأصبح لنا الآن بعد سقوط الدولة آلاف الصدّامات والعُديّات والقـُصيّات. لقد ضاعت الدولة تماماً، وأصبح العراق مفككاً. طبعاً أرجو ألا يفهم أحد هنا أنني أدعو إلى بقاء الطواغيت لأنهم يحافظون على تماسك الدولة. لا وألف لا. فلا ننسى أنه لولا طغيان بشار الأسد وأمثاله لما أصبحت الدولة السورية وغيرها قاب قوسين أو أدنى من السقوط. الطغيان هو الذي يؤدي إلى سقوط الدول أولاً وأخيراً وليس أي شيء آخر، لكن السؤال مرة ثانية: لماذا نحقق للطغاة أغراضهم الحقيرة بإسقاط الدول عندما ينفقون؟ انظروا إلى وضع الصومال الآن بعد حوالي ربع قرن من سقوط الدولة؟ انتهى البلد، ولا يمكن أن تقوم له قائمة أبداً كبلد موحد. والأنكى من ذلك أن الصوماليين استمرأوا غياب الدولة، وأصبحوا معتادين على نمط جديد من الحياة لا يمت للدولة بصلة. ولو حاولت أن تعيد لهم الدولة الآن لربما رفضوها. انظروا أيضاً إلى أفغانستان وليبيا، لم يعد هناك بلد اسمه أفغانستان إلا على الخارطة بسبب غياب الدولة الواحدة المسيطرة على كامل البلاد. وفي ليبيا نجح القذافي في إيصال البلاد إلى مرحلة اللادولة عندما ربط كل المؤسسات العسكرية والأمنية بشخصه، فانهارت بسقوطه، ولم يستطع الليبيون، أو لنقل، لم يعملوا على ترميمها كي يبنوا دولتهم الجديدة على هياكلها. فلينظر السوريون الآن إلى النماذج الفاشلة أمامهم، ويسارعوا إلى لملمة أشلاء ما تبقى من الدولة. وهذا لا يعني أبداً أن يعيدوا تأهيل النظام الذي أوصل الشعب والبلد والدولة إلى مرحلة الانهيار. لا أبداً، فالنظام لا يمكن أن يعود أبداً، وهو أكثر المستمتعين بحالة الفوضى وانهيار الدولة الآن. وهو أكثر المستفيدين منها، وهو ضد أي محاولة لإعادة الحياة للبلاد، لأن أي حركة إصلاحية تعني سقوطه كاملاً. ولا ننسى أن النظام أصبح الآن يتصرف كميليشيا كبقية الميليشيات التي تتحكم بالأرض السورية. وهو سعيد بذلك، فهو يعتقد أنه من الأفضل له أن يبقى كميليشيا على أن يزول تماماً. من السهل جداً أن تحكم بلداً بدون رئيس، على أن تحكم بلداً بلا مؤسسات وهيكل حكومة ودولة. وكل من يعمل على تقويض الدولة ومؤسساتها في سوريا وغيرها، فإنما يحقق أهداف الطغاة الذين ربطوا مصائر الدول بمصائرهم.
662
| 02 أغسطس 2015
كتبت قبل أكثر من سنتين عندما كانت المفاوضات الغربية الإيرانية حول مشروع إيران النووي بعيدة تماماً عن الأضواء، كتبت أن الشرق الأوسط الجديد سيكون بنكهة إيرانية رغم كل الصراع المزعوم بين إيران والغرب. ففي السياسة يجب ألا تصغي لما يقوله السياسيون، بل لما تراه واقعاً على الأرض. فالكلام السياسي شيء والواقع شيء آخر تماماً. ليس صحيحاً أبداً ما يشاع بأن الغرب يناصر المسلمين السنة في الشرق الأوسط، وأن روسيا والصين وبقية مجموعة بريكس تناصر المسلمين الشيعة ممثلين بإيران وحلفائها. على العكس تماماً، فهناك ما يشبه الإجماع بين القوى الكبرى في الشرق والغرب على تقوية إيران ودعمها على حساب القوى الأخرى في المنطقة، رغم أن بلداً سنياً مهماً كتركيا هو عضو في حلف الناتو. ولا نقول هذا الكلام جزافاَ. فلو نظرنا إلى التمدد الإيراني في الشرق الأوسط على حساب تركيا والعرب لوجدنا أنه يتوسع بشكل لا تخطئه عين. خذ مثلاَ النفوذ الإيراني في العراق وقارنه مع النفوذ التركي والعربي، لرأيت أن إيران سحبت البساط من تحت الكثيرين في هذا الجزء الحيوي جداَ من المنطقة، خاصة أن العراق يقع في مكان استراتيجي يحاذي تركيا وبلداناً عربية. وحتى في أفغانستان التي تحالف الأمريكان والعرب السنة لتحريرها من السوفيات، أصبح لإيران فيها نفوذ يفوق نفوذ الكثيرين المعنيين بالأمر. ولا ننسى المقولة التاريخية لنائب الرئيس الإيراني وقتها علي أبطحي عندما جاهر بالتحالف مع أمريكا لتعزيز النفوذ الإيراني قائلاً: "لولا إيران لما استطاعت أمريكا غزو العراق وأفغانستان". ومن الواضح أنه كان لتلك المقولة الثمينة ما بعدها على صعيد إطلاق اليد الإيرانية في المنطقة. ولا ننسى طبعاً كيف أن النفوذ الإيراني في لبنان يتفوق كثيراً على النفوذ العربي والإسلامي الآخر من خلال الذراع العسكرية المتمثلة بحزب الله. وحدث ولا حرج كيف أن لها تأثيراً لا يستهان به في البحرين. ولو نظرنا إلى النفوذ الإيراني في سوريا لوجدنا أنه بات يتفوق على النفوذ التركي والعربي، وبمباركة غربية واضحة. دعكم من السخافات والتنديدات الغربية بالتدخل الإيراني في سوريا. فهناك ضوء أخضر واضح لتفويز الجانب الإيراني في سوريا على حساب الآخرين، بدليل أن الغرب والشرق أوعز لإيران بالتدخل لصالح النظام في سوريا بدعم من العراق وحزب الله لترجيح كفة القوات السورية عندما بدأت تشتد عليها هجمة قوات المعارضة. ماذا نفهم عندما نجد أن النظام السوري يحصل على السلاح من كل حدب وصوب، بينما تمنع أمريكا والغرب عموماً الأسلحة عن المعارضين؟ ألا يعني ذلك عملياً تفويز إيران وحلفها في سوريا على حساب الجهات الداعمة للمعارضة، خاصة تركيا والعرب؟ إن من ساعد إيران على الاستحواذ على العراق لا يمكن أن يسمح بأن تخسر إيران في سوريا. بعبارة أخرى، فإن تمكين إيران في العراق كان مجرد البداية لجعلها تتمدد أكثر فأكثر. قد يقول البعض إن سوريا كانت مجالاً استراتيجياً لإيران من قبل. وهذا صحيح، لكن لماذا تغاضى الشرق والغرب عن التدخل الإيراني العسكري الواضح لصالح النظام في سوريا لو لم يكونا يدعمان فكرة تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة بدل إضعافه؟ ولو انتصرت إيران في سوريا، فهذا سيغير وجه الشرق الأوسط ليصبح بنكهة إيرانية لا تخطئها عين وبترتيب وبمباركة أمريكية روسية إسرائيلية. ولعل أكبر دليل على أن حصة الأسد ستكون من نصيب إيران في الشرق الأوسط الجديد أن هناك الآن كتلة شيعية متحدة ومتحالفة توازي، إن لم نقل، تفوق حجم وقوة الأكثرية القديمة في سوريا والعراق ولبنان. ويذكر الباحث اللبناني المخضرم إلياس الزغبي في هذا السياق أن حجم الكتلة الشيعية في المنطقة أصبح يزيد الآن على مائة مليون نسمة موزعين على إيران والعراق وسوريا ولبنان. وبذلك يكون الهلال الشيعي الذي تحدث عنه العاهل الأردني قبل سنوات أمراً واقعاً من الناحية السكانية والعقدية. بعبارة أخرى أصبح للشيعة ثقل يوازن الثقل السني تقريباً، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأخير ليس متحداً ومتحالفاً كالتحالف الشيعي. لا نقول هذا الكلام تحريضاً على أحد.لا أبداً. بل نكشف كيف أن شرقاً أوسط جديداً يتشكل أمام أعيننا تلعب فيه إيران دور القيادة، بينما تجري المياه تحت أقدام الكثيرين من العرب وغير العرب دون أن يدروا. لا شك أن من حق الغرب وعلى رأسه أمريكا أن تصوغ المنطقة على هواها بالتنسيق مع من تشاء، لكن من حق العرب وتركيا أيضاً أن يسألوا أمريكا: هل أنت حليفتنا فعلاً؟ السؤال سألته قبل أعوام؟ لكن هاهم المعنيون بالأمر من العرب بدأوا يسألونه الآن على رؤوس الأشهاد، لكن بعد أن تم الاتفاق بين إيران والغرب عليهم.
4018
| 26 يوليو 2015
من أكثر الأكاذيب السياسية انتشاراً على مدى عقود كذبة العرب والعروبة. صحيح أن القومجيين صدعوا رؤوسنا بمفهوم العرب والعروبة منذ منتصف القرن الماضي، إلا أن مفهوم العروبة كان مجرد مطية سياسية حقيرة لتحقيق أهداف سلطوية قذرة لا أكثر ولا أقل. فالأنظمة التي رفعت شعار العروبة كانت تحكم بلدانها طائفياً وقبلياً، كما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن. فالنظام السوري مثلاً له علاقة بالقومية العربية كما لي علاقة بكوكب عطارد، فهو نظام لم يرتق يوماً إلى مرتبة الوطنية الضيقة، فما بالك أن يكون قومياً. لقد حكم النظام السوري بشعار عروبي قومي، بينما كان في الواقع مجرد نظام ما قبل الدولة، لا بل إنه لم يكن حتى نظاماً طائفياً كما يتهمه البعض، فقد كان مجرد عصابة تجمع بين الطائفية والنفعية والبلطجية، بينما كان مثيلاه في اليمن وليبيا نظامين يحكمان بتوازنات قبلية قروسطية لا تمت لمفهوم الدولة بصلة. وينطبق الأمر على النظام العراقي بدرجات معينة. باختصار شديد، فإن العروبة كانت مجرد مصطلح سياسي هلامي فضفاض لا وجود له عملياً إلا في أشعار سليمان العيسى وأمثاله.ومن المفارقات الفاقعة جداً أن النظام السوري الذي يتغنى بالعروبة ليل نهار ربط مصيره، وعقد معاهدات دفاع مشترك مع إيران الفارسية عدوة العرب التاريخية قومياً. وربما كان النظام السوري واقعياً في تحالفه مع إيران بعد أن وجد أن لا مشروع عربياً في الأفق يمكن الركون إليه أو التحالف معه، فتحالف مع إيران التي كانت، على عكس العرب، تعمل من أجل مشروع واضح المعالم بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معه. بعبارة أخرى، فإن أكثر من تاجر بمفهوم العرب والعروبة هم القومجيون العرب الذين نقلوا البندقية الإيديولوجية من الكتف البعثي والناصري إلى الكتف الفارسي بخفة عجيبة. وفي هذه الأيام نرى الكثير ممن يسمون أنفسهم قوميين يعملون تحت الراية الإيرانية على رؤوس الأشهاد. والمضحك أكثر أن الذين كانوا يترددون على قصور صدام حسين، ويدافعون عنه ليل نهار، ويقبضون منه الملايين، صاروا الآن مدافعين عن المشروع الإيراني وملالي طهران الذين أشرفوا عبر أذنابهم في العراق على إعدام صدام حسين شنقاً في عيد الأضحى المبارك. وقد وصف الشاعر العراقي مظفر النواب العرب والعروبة وصفاً دقيقاً في قصيدته الشهيرة الموسومة "القدس عروس عروبتكم".وكما فشل النهج البعثي والقومي في الارتقاء إلى أدنى درجات العروبة، لم تنجح التكتلات الشمال إفريقية المتمثلة بما يسمى باتحاد المغرب العربي، فالمغرب أقرب لإسرائيل مثلاً مما هو للجزائر الجارة. والنظام الجزائري العسكرتاري الديكتاتوري أقرب إلى فاشية النظام السوري مما هو للجار المغربي، مع الاعتراف طبعاً بأن النظام المغربي يبقى أفضل ألف مرة من أنظمة البعث والجملكيات السورية والليبية والجزائرية. صحيح أن اتحاد دول مجلس التعاون الخليجي حافظ على اجتماعات منتظمة منذ نشأته، إلا أنه لم يرتق بدوره إلى طموحات الوحدة المنشودة.باختصار لم يكن العرب يوماً منذ الاستقلال على قلب رجل واحد، فقد فشلوا في أن يكونوا عرباً بالمفهوم السياسي حتى على المستوى الجهوي الضيق كالبعثي والمغاربي والخليجي. لا شك أن مشاعر العروبة كانت، ومازالت قوية على المستوى الشعبي، إلا أنه لا قيمة لتلك المشاعر في بورصة السياسية، فالعرب سياسياً عربان وملل ونحل متناحرة لا يجمعهم أي مشروع أو هدف أو قضية. وبالتالي، فمن الخطأ الفادح الحديث عن "العرب" ومقارنتهم بالأمم والدول الأخرى في المنطقة كإيران وتركيا وإسرائيل. فكيف نقارن أنظمة تسمي نفسها زوراً وبهتاناً عربية بالأمة الإيرانية الواحدة ذات الرسالة المحددة، أو بالأمة التركية. إذاً لا مكان للعرب على أرض الواقع من الناحية السياسية، وبالتالي من الأفضل أن نتحدث عن سياسات محلية بدل الحديث عن سياسة عربية.على العكس من ذلك، نجد أن إيران رفعت شعارات معينة وعملت على تنفيذها بحذافيرها. وبينما كان من يسمون بالعرب يتناحرون فيما بينهم، ويتآمرون على بعضهم البعض ليل نهار، كانت إيران تجمع تحت جناحيها كل الحركات والأحزاب والفعاليات ذات التوجهات العقدية المشتركة، فكل الأحزاب العراقية المؤثرة مثلاً تقريباً ترعرعت في إيران. وقد نجحت إيران في صنع أذرع مذهبية لها في العراق وسوريا واليمن ولبنان. وبينما استثمرت إيران بحلفائها الشيعة في البلدان العربية المذكورة، كانت الدول العربية (بين قوسين) تلاحق، وتشيطن، وتضع على قوائم الإرهاب أي حركة أو حزب إسلامي حتى لو كان معتدلاً. لاحظوا أيضاً كيف تحولت أذرع إيران في بعض الدول العربية إلى قوة ضاربة في العراق واليمن ولبنان، بينما أصبحت القوى التابعة لبعض الدول العربية في تلك البلدان مثاراً للسخرية والتهكم.ولا ننسى أبداً أن العرب تحالفوا بشكل غير مباشر مع إيران ضد بعضهم البعض، ليس فقط كما فعل النظام السوري، بل أيضاً عندما تآمر بعض العرب مع أمريكا في غزو العراق، فسقط صدام حسين، مما فسح المجال واسعاً أمام التغول الإيراني في العراق.وليت التآمر العربي على العرب توقف في العراق، فما أن اندلعت الثورات الشعبية العربية، حتى التف عليها بعض العرب خوفاً من أن تصل إليهم شرارتها، فدعموا فلول الأنظمة الساقطة الفاسدة العفنة ضد الأنظمة الجديدة بدل الاستثمار في أنظمة جديدة ربما تصلح ما أفسدته الأنظمة الساقطة، وتصنع قوة عربية جديدة قادرة على مواجهة القوى الإقليمية الأخرى كإيران وغيرها. وفي الوقت الذي عمل فيه بعض من يسمون بالعرب على تقويض الربيع العربي وإعادته إلى المربع لأول، كانت إيران تدعم حلفاءها بالغالي والنفيس بغض النظر عن وحشيتهم. ما الفرق بين الميليشيات الشيعية التي تقاتل في سوريا والعراق ولبنان وبين داعش وأخواتها؟ لا فرق أبداً. لكن بينما تقف إيران إلى جانب جماعاتها، نجد أن العرب المزعومين لم يتحملوا حركة سياسية معتدلة جداً كالإخوان المسلمين، فتآمروا عليها في مصر واليمن رغم وصولها إلى السلطة بأصوات الشعب.باختصار: انظروا إلى ما حققته إيران بسياساتها الذكية، وما حققه من يسمون بالعرب في سياساتهم الغبية. هاهي إيران وقد خرجت من عزلتها الدولية لتصبح حليف الغرب الأول في المنطقة، بينما راح من يسمون أنفسهم بالعرب يتباكون على الخذلان الأمريكي. لا تلوموا إلا أنفسكم يا من تسمون أنفسكم عرباً، واحصدوا ما زرعت أياديكم!.
22989
| 19 يوليو 2015
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...
2580
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...
1200
| 20 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...
1113
| 18 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
1104
| 14 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
1068
| 15 أكتوبر 2026
كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...
933
| 18 أكتوبر 2026
لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً...
762
| 20 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
606
| 13 أكتوبر 2026
هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...
531
| 18 أكتوبر 2026
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...
486
| 15 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
477
| 15 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية