رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل تعلم عزيزي القارئ أن كل "القومجيين" الذين كانوا يترددون على قصور الرئيس الراحل صدام حسين بوصفه قائدًا عربيًا قوميًا، أصبحوا الآن في حضن الإيرانيين الذين أعدموا "القائد القومي" صدام حسين في يوم عيد الأضحى المبارك؟ يبدو ذلك نكتة صارخة، فعلًا، لكنها الحقيقة، دلوني على "قومجي" أو"ناصرجي" أو"يسارجي" عربي واحد من الذين كانوا يدافعون عن نظام صدام حسين، ويقبضون منه، لا يقبض، ولا ينضوي الآن تحت عباءة الفرس المعروفين تاريخيًا بعدائهم الشديد للعرب والعروبة. ربما نجد بضعة قوميين عرب حقيقيين يُعدون على الأصابع حافظوا على مواقفهم القومية الحقيقية، ورفضوا أن يكونوا مجرد سماسرة ومرتزقة للمشروع الإيراني، لكن السواد الأعظم ممن يسمون بـ"القومجيين والناصرجيين واليسارجيين" العرب أصبحوا على عينك يا تاجر حلفاء معلنين لإيران التي حاربت "حبيبهم" السابق صدام حسين لثماني سنوات طوال، لأن صدام كان، بالنسبة للفرس، رمزًا قوميًا عربيًا حقيقيًا خطيرًا، على عكس نظيره البعثي السوري الذي تحالفت معه إيران استراتيجيًا. ولم تكتف إيران بمحاربة المشروع القومي العربي الذي كان يقوده صدام حسين، بل نسقت مع الأمريكيين لاحقًا لغزو العراق حسبما جاء في كتاب أمريكي جديد. ويكشف سفير أمريكا السابق في العراق خليل زاده في الكتاب أن كبار المسؤولين الأمريكيين أجروا - قبيل الغزو الذي أطاح بحكم صدام حسين- محادثات سرية مع إيران تناولت مستقبل العراق، ونجحوا في انتزاع تعهد من الجيش الإيراني بعدم إطلاق النار على الطائرات الحربية الأمريكية التي قد تضل مسارها، وتدخل المجال الجوي الإيراني. واستمرت تلك المحادثات - التي لم يُكشف النقاب عنها من قبل، وعُقدت في جنيف مع محمد جواد ظريف مندوب إيران لدى الأمم المتحدة آنذاك، وزير خارجيتها حاليا- حتى بعد استيلاء القوات الأمريكية على بغداد في أبريل 2003.وقال زلماي خليل زاده، في كتاب بعنوان "المبعوث" سينشر الشهر الجاري: "كنا نريد التزاما من إيران بأنها لن تطلق نيران مدافعها صوب الطائرات الأمريكية التي تحلق من غير قصد فوق الأراضي الإيرانية". وأضاف أن "ظريف الإيراني وافق على ذلك، وكنا نأمل من إيران أن تحث الشيعة العراقيين على عدم مواجهة الأمريكيين، وهذا ما فعلته"، مشيرًا إلى أن زعماء الشيعة العراقيين البارزين ممن كانوا يناصبون صدام حسين العداء، كانوا أدوات في أيدي إيران، ولا ننسى ما قاله نائب الرئيس الإيراني الأسبق علي أبطحي حينها: "لولا إيران لم تمكنت أمريكا من الوصول إلى بغداد".ماذا يقول السماسرة القومجيون بعد أن يطلعوا على مكنونات الكتاب الأمريكي الجديد وما يحتويه من أسرار تقشعر لها الأبدان حول التآمر الإيراني الأمريكي على حبيبهم السابق صدام حسين ونظامه القومي؟ يا الله كم أصبحت كلمات "قومي" و"عروبي" بذيئة وساقطة وقذرة عندما ننظر إلى من كانوا يتشدقون بها على مدى عقود. وكما يقول المثل:"الثلم الأعوج من الثور الكبير"، فالنظام القومجي الشهير، نظام آل الأسد ضحك على السوريين والعرب بشعارات العروبة والقومية لعقود، ثم اكتشفنا الآن أن مهمته الأساسية حماية إسرائيل العدو الأول للعرب، ولا شك أن نظام البعث السوري كان قد سبق جميع القومجيين والناصرجيين والعربجيين الحالين إلى أحضان إيران، فقد رفع حافظ الأسد شعارات العروبة والقومية والوحدة العربية، بينما كان يناصر إيران جهارًا في حربها ضد الشقيق العراقي. وعندما جمعت أمريكا ثلاثين دولة ضد العراق كان حافظ الأسد أول المرحبين. لا بل أرسل قوات سورية ضخمة لقتال القوات العراقية، مع العلم أنه لولا القوات العراقية في حرب أكتوبر عام 1973 لسقطت دمشق خلال ساعات أمام الدبابات الإسرائيلية.وإذا أردت أن تعرف مدى سفالة ونذالة وعمالة وخيانة القومجيين والناصرجيين واليسارجيين العرب هذه الأيام انظر فقط كيف يرتمون في أحضان إيران، ويعادون دول الخليج العربية على رؤوس الأشهاد. أليس من المفترض أيها العربجيون أن تقفوا مع أبناء جلدتكم العرب حتى لو كنتم على خلاف معهم، بدل الانضواء تحت العباءة الإيرانية التي تعادي العرب والعروبة، أيها الأنذال الساقطون؟! ألم تصدعوا رؤوسنا على مدى عقود بالتضامن العربي، ورفعتم شعار: انصر أخاك العربي ظالمًا أو مظلومًا؟ ألم تطالبوا بنصرة القضايا العربية ضد أي جهة غير عربية؟ فلماذا الآن تسخّرون أقلامكم وحناجركم للدفاع عن الاستعمار الإيراني للمنطقة العربية؟ هل ترضون عندما تسمعون إيران وهي تقول إنها باتت تسيطر على أربع عواصم عربية: بغداد، ودمشق، وصنعاء، وبيروت؟ لماذا لم تدينوا هذه التصريحات الاستعمارية الإيرانية التي تدق إسفينًا في قلب العرب والعروبة؟ أين شعاراتكم القومجية القديمة؟ ألم تقولوا لنا دائمًا: العرب أولًا؟ فلماذا الآن تصطفون مع الأبواق الإيرانية ضد دول الخليج؟ لنفترض أن لكم خلافات مع السعودية أو غيرها، لكن هل يعني ذلك أن تتحالفوا مع العدو الصفيوني ضد أشقائكم العرب.شكرًا للثورات التي فضحت هؤلاء المرتزقة القومجيين، وأظهرتهم على حقيقتهم، فهم لا يقلون خطورة على العرب عن الصهيونية والصفيونية، ولا ننسى كيف نادوا بالثورات الشعبية ضد الطغاة، وعندما ثارت الشعوب ضد الطواغيت وقفوا بحقارة عز نظيرها ضد الشعوب الثائرة، تحت حجج المؤامرة الممجوجة التي انفضحت كما انفضحت كل الوجوه القومجية القبيحة الحقيرة.
4359
| 20 مارس 2016
أفضل مثل ينطبق على روسا المثل الشعبي الشهير: "طبيب يداوي الناس وهو عليل"، ففي أحسن الأحوال، لن تقدم روسيا العليلة ديمقراطياً للسوريين أكثر من نموذجها الديموخراطي الكوميدي الذي أصبح مثاراً للسخرية والتهكم عالمياً. فربما يغيب عن أذهان الكثيرين أن كل ثورات أوروبا الشرقية نجحت، واستطاعت بعدها الشعوب أن تنتقل فعلياً من حقبة الطغيان الشيوعي إلى حقبة الديمقراطية الرأسمالية. لكن روسيا كانت الاستثناء الوحيد الذي عارض حركة التاريخ. صحيح أن رومانيا تأخرت قليلاً عن ركب جاراتها في الانتقال الديمقراطي، حيث ظل شبح تشاوسيسكو جاثماً على البلاد حوالي عشر سنوات بعد نفوق الطاغية، لكن رومانيا نجحت فيما بعد في التخلص من تركة تشاوسيسكو ونائبه الذي استمر في الحكم بعد الثورة لعقد من الزمان. وبعد أن أيقنت أوروبا الغربية أن شقيقاتها الشرقية قد تخلصت فعلاً من الإرث الشيوعي الطغياني استقبلتها في الاتحاد الأوربي لتصبح أعضاء كاملة الأوصاف. لكن وكر الشيوعية الأصلي الذي كان يتمثل بالاتحاد السوفيتي لم يفارق عهد الطغيان إلا شكلياً. على عكس كل الدول الأوربية الشرقية التي كانت تدور في الفلك الروسي، انتقلت روسيا بعد ثورتها، أو لنقل بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، انتقلت من الديكتاتورية الشيوعية إلى عصر المافيا، حيث حكمت المافيا هناك لفترة من الزمن ريثما يتشكل نظام جديد يحكم البلاد بعد سقوط النظام الشيوعي. وبعد طول انتظار، لم يحظ الشعب الروسي بحكم ديمقراطي على غرار بقية دول أوروبا الشرقية التي انتقلت فعلياً إلى النظام الديمقراطي الحقيقي. لا شك أن النظام الروسي الجديد راح ينافس الرأسمالية المتوحشة اقتصادياً، حيث تحولت موسكو إلى واحدة من أغلى العواصم في العالم، لكن النظام السياسي الجديد ظل نظاماً سوفيتياً بواجهة ديمقراطية زائفة. صحيح أن الدولة الروسية الجديدة تظاهرت باتباع النظام الديمقراطي والانتخابات والتعددية الحزبية وغيرها من مظاهر الديمقراطية، إلا أنها في الواقع كانت وما زالت بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية بعد الأرض عن الشمس.انظروا فقط إلى لعبة التداول على السلطة المزعومة في روسيا منذ سنوات طوال. لقد تحولت روسيا إلى لعبة في أيدي الثنائي الشهير ميدفيديف-بوتين. مرة يكون ميدفيديف رئيساً للجمهورية وبوتين رئيساً للوزراء، ومرة يكون العكس، مع الانتباه طبعاً إلى أن الحاكم الحقيقي الوحيد في روسيا هو بوتين، بينما يلعب مدفيديف دور الكومبارس الديمقراطي. ولسنا بحاجة أبداً لأي برهان كي نرى كيف أصبحت روسيا العظمى كلها مرتبطة باسم بوتين، بينما ينظر حتى الروس أنفسهم إلى ميدفيديف شريك بوتين في السلطة على أنه مجرد ديكور ديمقراطي، بينما السلطة الحقيقية للقيصر بوتين، وهو الاسم الذي تطلقه عليه وسائل الإعلام الغربية، لأنه الحاكم بأمره بقوة الجيش وأجهزة الأمن الروسية الشهيرة التي ورثت أساليب الكي جي بي من ألفها إلى يائها.وبما أن روسيا أصبحت صاحبة الكلمة العليا في سوريا بعد احتلالها المباشر للبلاد بغطاء شرعي زائف اسمه بشار الأسد، فهي لا شك ستنقل للسوريين تجربتها "الديموخراطية" الكوميدية، بحيث ستعمل على إجراء انتخابات يفوز فيها عميلها في دمشق سواء كان بشار أو عميلا آخر من نفس الطينة. ويجب أن ننوه هنا إلى أن روسيا تغلغلت عميقاً داخل المؤسستين العسكرية والأمنية السورية، وتعرف أيضاً كيف تتلاعب بأتباعها داخل المؤسستين. وبالتالي، فيما لو حصل تغيير في سوريا، فلا شك أنه سيكون على الطريقة الروسية، بحيث سيبقى الأمن والعسكر مسيطرين على البلاد بنفس الطريقة التي يدير بها بوتين روسيا "الجديدة". بعبارة أخرى، فإن الثورة السورية ستفرز واقعاً مشابهاً للواقع الذي أفرزته الثورة الروسية المسكينة التي انتقلت ظاهرياً من العهد السوفيتي الشيوعي إلى العهد الديمقراطي الزائف، بينما ظلت اليد العليا فيها عملياً للجيش والاستخبارات. ولا ننسى طبعاً أن الرئيس الروسي بوتين نفسه هو أحد رجالات المخابرات الروسية "الأشاوس". وهذا يؤكد أن روسيا شذت عن باقي ثورات أوروبا الشرقية.وفي أحسن الأحوال، إذا ظلت روسيا ممسكة، بزمام الأمور في سوريا، فلن يحصل السوريون إلا على نسخة مشوهة من "الديموخراطية" الروسية، بحيث سيكون لدينا رئيس من فصيلة المخابرات والعسكر حاكم بأمره يتناوب على السلطة مع شخصية أخرى من وزن "الطرطور" كي يقنع العالم بأن سوريا تغيرت وأصبحت ديمقراطية، بينما هي في الواقع انتقلت من سييء إلى أسوأ. ولا شك أن "الديموخراطية" السورية ذات النكهة الروسية ستكون مناسبة جداً لإسرائيل، لأنها تطمئنها بأن الشعب السوري سيبقى تحت ربقة العسكر والمخابرات الذين حموا إسرائيل من الشعب السوري على مدى نصف قرن من الزمان. فهل سيقبل السوريون بأن تذهب تضحياتهم الهائلة أدراج الرياح مقابل الحصول على نظام عسكري مخابراتي برداء ديموخراطي زائف من طراز بوتين-ميدفيديف، أو ميديفيديف-بوتين؟
1743
| 13 مارس 2016
حتى معمر القذافي الذي كنا نعتقد أن أمريكا لا تأخذه على محمل الجد، كان في واقع الأمر مستهدفاً أمريكياً وأوروبياً، وانتظر الغرب الحراك الليبي كي ينقض على القذافي، ويتخلص منه إلى غير رجعة. وحدث طبعاً ولا حرج عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. حتى لو تحالف صدام مع أمريكا لفترة من الزمن، خاصة خلال الحرب الإيرانية العراقية، وحتى لو انصاع للكثير من الأوامر الأمريكية، إلا أنه في نهاية المطاف، تمرد على السيد الأمريكي، وبات في نظر الغرب وإسرائيل خطراً لا بد من التخلص منه. وقد كانت بداية الإيقاع بالرئيس الراحل صدام حسين تشجيعه على غزو الكويت ليكون ذلك الفخ القاتل الذي كانت مقدمة لإنهاء النظام والقضاء فيما بعد على الخطر الأكبر في المنطقة، ألا وهو العراق.لاحظوا كيف تأهبت أمريكا بعد الغزو العراقي للكويت، فقد حشدت على الفور أكثر من ثلاثين دولة لطرد القوات العراقية من الكويت ووضع حد للتهديدات العراقية لباقي دول المنطقة. لم تسمح أمريكا ولا أوروبا لصدام حسين بأن يزعزع الاستقرار، أو يهدد أحداً، فقامت بتقليم أظافره عسكرياً، وضربت جيشه ضربة نجلاء وهو خارج من الكويت، وفرضت عليه عقوبات منعته حتى من استيراد أقلام الرصاص. ثم كانت اتفاقية "خيمة صفوان" المُذلة التي كبلت العراق وجيشه عسكرياً، وكانت في الواقع بمثابة صك استسلام عراقي لأمريكا. ولا ننسى كيف تم فرض مناطق حظر جوي في شمال العراق وجنوبه، بحيث تقسم العراق منذ ذلك الوقت عملياً، حتى لو لم يتم الإعلان عن التقسيم إعلامياً.ولم تكتف أمريكا بحصار النظام العراقي السابق لأكثر من ثلاثة عشر عاماً وتكبيل يديه وخنقه اقتصادياً وسياسياً لمنعه من تهديد أحد في المنطقة، بل إنها عمدت إلى حل الجيش العراقي على الفور عندما غزت العراق في عام 2003 كي لا تقوم قائمة لذلك النظام الذي تجرأ، وتمرد على الجبروت الأمريكي، وهدد بعضاً من حلفاء أمريكا في المنطقة، خاصة إسرائيل عبر صواريخ سكود. ولا ننسى أيضاً أن كل التهم والذرائع التي استخدمتها أمريكا لعقاب صدام حسين كانت مفبركة، وعلى رأسها طبعاً أكذوبة امتلاك النظام لأسلحة الدمار الشامل، فقد أثبتت الأيام أن أمريكا فبركت الحجج والبراهين كي تبرر سحقها لصدام حسين ونظامه. ويذكر أحد الصحفيين الأمريكيين أنه سأل الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش في مكتبه: "أين أسلحة الدمار الشامل العراقية التي صدعتم رؤوسنا بها؟ لماذا لم نر أياً منها"، فرد بوش بسخرية: "مهلاً، مهلاً. تريد أن ترى أسلحة الدمار الشامل العراقية؟ ها هي في درج مكتبي". وقد فتح بوش الدرج وهو يضحك بصوت عال ليسخر من السؤال، وكأنه يقول للصحفي: "ليس العيب فينا، بل فيمن صدق أكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية".قارنوا الآن بين الموقف الأمريكي من صدام حسين وبشار الأسد. لقد ضربت أمريكا صدام بيد من حديد لمجرد أنه فكر بتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة، بينما هدد بشار الأسد قبل حولي أربع سنوات ونصف السنة في مقابلة مع صحيفة التايمز البريطانية بأنه سيزلزل المنطقة بأكملها. ولا شك أن الشرق والغرب سمع ذلك التهديد الرهيب، لكن لم تنبس أمريكا ولا إسرائيل ببنت شفة، بل تركته ينفذ تهديداته بأكملها. وبعد سنوات على تهديده، ها نحن نرى كامل الشرق الأوسط يهتز على وقع الاضطرابات السورية التي يقودها بشار. بعبارة أخرى، باركت أمريكا بصمت كل ما يفعله بشار منذ ذلك الحين ليس بحق الشعب السوري فحسب، بل بحق كل دول المنطقة، فلم تبق دولة إلا وتأثرت بالأزمة السورية، بما فيها حلفاء أمريكا كالأردن ودول الخليج وتركيا. لكن ماذا فعلت أمريكا لوضع الأسد عند حده، كما فعلت مع صدام حسين؟ لا شيء، لا بل تركته يخرب المنطقة كلها، ويزعزع استقرارها، ويهدد حتى أبواب أوروبا عن طريق تهجير ملايين السوريين ودفعهم إلى إغراق العواصم الأوروبية، بحيث باتت اتفاقية "شينيجن" بين الدول الأوروبية في مهب الريح بسبب الوضع السوري الذي يقوده بشار الأسد شخصياً. وحدث ولا حرج عن الجماعات المتطرفة التي أنتجها النظام السوري بشهادة الأمريكيين أنفسهم، والتي راحت تهز المنطقة، وتهدد القاصي والداني فيها على مرأى ومسمع الأمريكيين. لا يمكن القول أبداً إن أمريكا عاجزة عن وقف بشار الأسد عند حده، فانظروا ماذا فعلت بصدام عندما فعل عُشر ما فعله بشار، ناهيك عن أن الحجج التي ساقتها أمريكا لغزو العراق كأسلحة الدمار الشامل كانت كاذبة كما أسلفنا، بينما استخدم نظام الأسد سلاح الدمار الشامل الكيماوي أمام أعين العالم أجمع. واكتفت أمريكا فقط بتجريده من الكيماوي، وتركته يستمر في العبث بأمن المنطقة. والأنكى من ذلك أن أمريكا وإسرائيل أكثر دولتين تطالبان بالحفاظ على الجيش السوري والمخابرات، بينما أول خطوة أقدمت عليها أمريكا في العراق كان تفكيك الجيش العراقي! ما الفرق بين صدام حسين وبشار الأسد؟ الفرق أن صدام وحتى القذافي كانا يشكلان خطراً حقيقياً على الغرب، بينما بشار هو قائد مشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي وحصان طروادة لتدمير المنطقة وإعادة تشكيلها حسب المشروع الأمريكي المعروف بالشرق الأوسط الجديد. ولو لم تكن أمريكا راضية تمام الرضا عن الدور الذي يلعبه نظام الأسد لما بقي يوماً واحداً. أكاد أسمع الإدارة الأمريكية وهي تهتف بصوت خافت: عاش بشار الأسد، يسقط صدام حسين!
9301
| 06 مارس 2016
بعد أسابيع فقط على اندلاع الربيع العربي، أي قبل خمس سنوات كتبت مقالاً رحبت فيه بحرارة بالثورات العربية، لكني كنت أضع يدي على قلبي منذ تلك اللحظة. وقد حذرت الثوار في الأيام الأولى أن يتذكروا تجربتي أفغانستان والصومال، وأن يعملوا المستحيل لتجنبهما وعدم تكرارهما. لكن، وللأسف الشديد، تكرر المشهد الأفغاني والصومالي بحذافيره، إن لم نقل بشكل أفظع وأسوأ بكثير، فعلى الأقل لم يتصارع المجاهدون الأفغان فيما بينهم إلا أن بعد أن أنجزوا الانتصار على النظام السابق وحلفائه السوفيات، بينما راحت فصائل المعارضة في سوريا تتصارع فيما بينها قبل إنجاز أي انتصار، أي أنها تنازعت على جلد الأسد قبل أن تصطاده، كما يقول المثل الروسي.ماذا لو انتصرت الفصائل المتناحرة في سوريا؟ ماذا كان سيفعل أكثر من 1800 فصيل معارض ببعضهم البعض، خاصة أن مئات الميليشيات والعصابات والإمارات والدكاكين تشكلت على هامش الثورة، وراحت تعمل لحسابها الخاص؟ لاحظوا أن في ليبيا ليس هناك مشكلة أقليات وطوائف ومذاهب، مع ذلك انتكست الثورة الليبية، عندما راح المنتصرون يتصارعون على كعكة السلطة. وبدلا من استخدام العامل الطائفي أو المذهبي أو الديني، راحوا يتقاتلون على أساس علماني إسلامي. ورغم غياب عوامل الانقسام الأخطر، إلا أن المنتصرين حوّلوا ليبيا إلى ساحة خراب ودمار كمتناحرين علمانيين وإسلاميين. والحمد لله أن العامل القبلي لم يدخل ساحة الصراع في ليبيا. ولو تحولت حقبة ما بعد الثورة إلى صراع قبلي، لربما شاهدنا أسوأ مما شاهدناه في الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.هذا في ليبيا المتجانسة دينياً، فماذا كان سيحصل في سوريا، ذلك الموزاييك الطائفي والأقلوي والمذهبي المتنوع؟ هل كان الإسلاميون سيتصالحون مع أتباع الديانات والطوائف الأخرى، أم أن العكس صحيح، كي لا نقول شيئاً آخر؟ ولو تركنا هذا الجانب الرهيب، لواجهنا جانب أنكى وأعتى، فمشكلة الجماعات الإسلامية أنها تقوم بتكفير بعضها البعض في أوقات السلم، فما بالك في أوقات الحرب والصراع، حيث التنافس على السلطة والغنائم على أشده؟ لقد علمتنا التجربة الأفغانية أن الإسلاميين قادرون، كمقاتلين مؤمنين أشداء، على اجتراح المعجزات في الحروب وتحقيق أعظم الانتصارات، لأنهم يقاتلون بإيمان وعقيدة، لكنهم، وللأسف الشديد، لا يتقنون إدارة مراحل ما بعد النصر، فيدخلون في صراعات فيما بينهم أشد وأعتى من الصراع مع خصومهم الآخرين. ليس هناك أدنى شك أن المخابرات العربية والدولية أسهمت كثيراً في إشعال الفتن بين المجاهدين الأفغان بعد انتصارهم على السوفيات كي تتخلص من خطرهم، وكي تشغلهم بالنزاعات فيما بينهم، على أمل أن تذهب ريحهم، ولا يتحولون لقتال رعاتهم ومموليهم السابقين. لا شك في ذلك أبداً، لكن هذا لا ينفي أنه من السهل جداً إشعال الحروب والصراعات بين الجماعات الإسلامية واستنزافها وإنهاكها على أسس مذهبية وطائفية وعقدية. هل تتذكرون الجماعات المصرية مثلاً؟ لقد كانت جماعات "الناجون من النار" تكفر جماعة "التكفير والهجرة"، وكانت الأخيرة تكفر جماعة "الجهاد"، بينما "الجهاد" تكفر "الجماعة الإسلامية"، وبدورها تكفر "الجماعة الإسلامية" "الإخوان المسلمين". فإذا كان الخلاف بين لإسلاميين أنفسهم على هذا القدر من التناحر والاختلاف، فكيف تتوقع من تلك الجماعات أن تنجز ثورات، ثم تديرها بحكمة بعد إنجازها؟ هل لاحظتم التشرذم والتكفير فيما بين الفصائل الإسلامية السورية أثناء الثورة؟ فإذا كان الوضع كذلك قبل النصر، فكيف سيكون بعد النصر؟ لاحظوا أن "داعش" و"النصرة" المتقاربتين عقدياً لم تتفقا في سوريا، فكيف تتفق داعش مع "أحرار الشام"، فما بالك مع "جيش الإسلام" المعتدل أو غيره من الفصائل الإسلامية؟ ليس هناك أدنى شك بأن النظام السوري وغيره من أعداء الثورات كانوا يفركون أيديهم فرحاً عندما بدأوا يشاهدون الثورات وقد اختطفها الإسلاميون، لأنهم يعرفون أن الإسلاميين غالباً ما ينسون لب المشكلة، ويتحولون إلى نزعات جانبية فيما بينهم. ولا ننسى أن النظام السوري وحلفاءه تركوا الورقة الإسلامية ليلعبوها كخيار أخير وقاصم لضرب الثورة في مقتل. وكلنا يتذكر كيف أفرج النظام السوري عن مئات المساجين الإسلاميين، وساعدهم في دخول القتال، لأن المخابرات السورية صاحبة الخبرة الطويلة في اختراق الإسلاميين والتلاعب بهم تعلم علم اليقين أنه إذا أردت أن تقضي على ثورة شعبية فادخل عليها العنصر الإسلامي، فتتحول من ثورة على النظام إلى حروب داحس والغبراء بين الإسلاميين أنفسهم.لكن مرض الإسلاميين ليس حكراً عليهم، بل ينسحب أيضاً على الفصائل التي تدعي أنها علمانية، فهي أيضاً مصابة بمتلازمة التناحر العربي. وحتى لو لم يكن هناك إسلاميون في الثورات، فإن المنتصرين "العلمانجيين" العرب كانوا سيتقاتلون فيما بينهم على الغنائم بعد أي ثورة، لأنهم ليسوا علمانيين أصلاً، بل مجرد أصوليين طائفيين أو حزبيين متعصبين يلبسون ثوب العلمانية زوراً وبهتاناً. تونس مثالاً. وقد صدق السبسي عندما قال إن اليساريين التونسيين أسوأ من التكفيريين. وطالما لدينا هذه النماذج العلمانجية والطائفية والتكفيرية والعشائرية والقبائلية والمذهبية، فلن تنجح لنا ثورة. لاحظوا كيف نجحت ثورات أوروبا الشرقية بلمح البصر، لأنه كان فيها مواطنون ناضجون، وليس طائفيون وتكفيريون ومتعصبون وعشائريون يمكن لأي جهة في العالم أن تضربهم ببعضهم البعض، وتعيش على تناحرهم وتناقضاتهم، ناهيك عن أن الإسلاميين أنفسهم لا يقبلون بعضهم البعض أصلاً، حتى لو لم تتدخل أي جهة لإثارة الفتنة بينهم. لو أدار الإسلاميون خلافاتهم العقدية بطريقة صحيحة لأنجزوا أعظم الثورات، لأنهم مقاتلون مؤمنون لا يُشق لهم غبار، وهم من مرّغ أنف المستعمرين والطغاة على مدى التاريخ. لا نقول أبداً إن بقاء النظام الأسدي الفاشي في سوريا هو أفضل من فوز الجماعات المتصارعة. معاذ الله، بل يجب أن نقول: لو كانت الفصائل الإسلامية وغير الإسلامية على قلب رجل واحد في سوريا، لما بقي هذا النظام القذر حتى الآن، ولما تحجج العالم بأن انتصار الفصائل السورية التي تزيد على ألف وثمانمائة فصيل سيجعل السوريين يترحمون على أيام زمان، لأن الفصائل ستتقاتل فيما بينها لعقود وعقود على الطريقة الأفغانية والصومالية. جهات دولية وعربية كثيرة، بالإضافة إلى كثير من السوريين، باتوا يتخوفون من أن يكون انتصار ثورتهم على الطريقة الليبية أو الأفغانية، فيصبحون كالمستجير من نار النظام الفاشي بالرمضاء. صدق من قال إن المجتمعات القائمة على الانتماءات الطائفية والمذهبية والدينية والقبلية والعشائرية والحزبية العصبية المتناحرة لن تنجز أي ثورة، حتى لو توفر لها أفضل الثائرين، لأنها كالعنزة التي تحلب حليباً طيباً، لكن سرعان ما تركل الوعاء، فينسكب الحليب على الأرض. متى نصبح قادرين على الحفاظ على الحليب وتحويله إلى أجبان وألبان وزبدة، بدل أن ندلقه على الأرض؟ متى نستثمر دماء شهدائنا بدل أن نضحي بها على مذبح صراعاتنا الداخلية القاتلة؟
2575
| 28 فبراير 2016
يجب ألا يظن أحد للحظة واحدة أن الربيع العربي كان مجرد مؤامرة. حتى لو أراده البعض مؤامرة، فقد كان هناك ألف سبب وسبب لاندلاع الثورات، بغض النظر عمن حرض عليها، أو استغلها لمآربه الخاصة. ليست المشكلة أبداً في الشعوب التي عانت لعقود وعقود من الديكتاتورية والظلم والطغيان والفساد. لقد كانت الثورات مشروعة مائة بالمائة. وكما قلنا في مقال سابق، ليست المشكلة في الجوهرة إذا سرقها اللصوص. وكذلك الأمر بالنسبة للثورات، فلا يمكن أن نحمل الشعوب وزر تبعاتها الكارثية، فقط لأن بعض القوى الدولية حرفتها عن مسارها، واستغلتها لتنفيذ مشاريع شيطانية على حساب الشعوب وثوراتها.ليس هناك أدنى شك بأن الثورات خرجت شعبية، لكن ضباع العالم حولوها، كما نرى الآن، إلى مخططات استعمارية جديدة، تماماً كما حدث مع الثورة العربية الكبرى عام 1916، حيث خرج العرب مطالبين بالاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الهدف لم يكن تحقيق الاستقلال للعرب في دول وطنية حرة مستقلة، بل كانت الغاية منه تقاسم النفوذ بين قوى استعمارية أخرى كالفرنسيين والإنجليز. وفعلاً انتهت الثورة العربية الكبرى إلى تقسيم المنطقة العربية إلى دول ودويلات بموجب اتفاقية سايكس-بيكو سيئة الصيت.وبما أن الاتفاقية التقسيمية ستنتهي صلاحيتها بعد سنتين تقريباً، بحيث تبلغ مئة عام من العمر، فيبدو أن التاريخ يعيد نفسه. وكل ما يجري الآن في الشرق الأوسط يسير باتجاه رسم خرائط جديدة وإعادة توزيع ديمغرافي لا تخطئه عين، وخاصة في سوريا والعراق واليمن. ولا نعتقد أبداً أن الخطة الجهنمية الاستعمارية الجديدة ستنحصر فقط في سوريا والعراق واليمن وباقي بلدان الربيع العربي، بل على الأرجح أنها ستشمل العديد من بلدان المنطقة التي لم تحصل فيها ثورات. كل شيء يسير حسب خطة مرسومة على ما يبدو. ويمكننا القول إن خارطة الصراعات الجديدة في المنطقة بين إيران والسعودية مثلاً هي جزء لا يتجزأ من مشروع الشرق الأوسط الجديد. وحدث ولا حرج عن الاحتكاك التركي الروسي، فهو ليس أبداً بسبب إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية، بل إن إسقاط الطائرة هو رأس جبل الجليد، الذي يكون عشره فوق الماء وتسعة أعشاره مخفية تحت الماء. ومع مرور الوقت سنرى بقية أجزاء اللعبة الروسية الأمريكية الغربية مع تركيا تتكشف شيئاً فشيئاً.صحيح أن إيران قضت على ثورتها الخضراء عام 2009، لكن إيران عادت وتورطت في ثورات الآخرين لتصبح جزءاً منها. في اليمن تدخلت لصالح الحوثيين ضد الشعب اليمني، وفي العراق تناصر الشيعة ضد السنة، وفي سوريا تقاتل إلى جانب النظام ضد غالبية الشعب السوري من السنة. إن دخول إيران على خط الثورات ليس مجرد رغبة إيرانية لتحقيق إمبراطورية فارس الكبرى الجديدة. وحتى لو كان هدف إيران من خلال تمددها في المنطقة تحقيق الحلم الإمبراطوري الجديد، فإن اللعب الإيراني قد لا يكون سوى جزء من المخطط الأمريكي الأكبر. بعبارة أخرى لا نستبعد أبداً أن تكون إيران، كالسعودية، مجرد ورقة في اللعبة الأمريكية الكبرى لإقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي وعدتنا به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة غوندوليزا رايس. وقد بشرتنا رايس وقتها بالفوضى الخلاقة التي ستعيد تشكيل الشرق الأوسط ليصبح، حسب وصفها، "الشرق الأوسط الجديد".هل تلعب إيران لحسابها فقط، أم أن أمريكا تستخدمها كمخلب قط، وتورطها من حيث لا تدري لتحقيق المشروع الأمريكي الشرق أوسطي الجديد؟ هناك من يتحدث عن توريط أمريكي لروسيا، وهي أكبر وأهم من إيران. وهناك من يرى في تسهيل الغزو الروسي لسوريا محاولة أمريكية ليس فقط لإجهاض الحلم الروسي الإمبراطوري الجديد، بل للمساعدة في إعادة رسم الشرق الأوسط بدعم روسي. بعبارة أخرى، فإن التحرش الروسي بتركيا، والدور الروسي في سوريا على صعيد إعادة رسم الخارطة السورية قد يكون جزءاً من المخطط الأمريكي الاستعماري الجديد. مغفل من يعتقد أن أمريكا تركت أهم منطقة إستراتيجية في العالم لروسيا وإيران، خاصة وأن المنطقة مازالت المصدر الأول للنفط في العالم، ناهيك عن أنها المنطقة التي تعيش فيها الولاية الأمريكية الواحدة والخمسون، ألا وهي إسرائيل.واضح تماماً أنه قد لا يسلم من المخطط الأمريكي الاستعماري الجديد حتى أقرب حلفاء أمريكا في المنطقة. ألا يمكن أن يكون التدخل السعودي في اليمن ولاحقاً في سوريا إلا جزءاً من لعبة التوريط والاستنزاف وإعادة الهيكلة الأمريكية؟ اليوم بدأ الإعلام الأمريكي يتحدث علانية عن تفكيك السعودية، وإعادة تشكيلها.لاحظوا أيضاً أن أمريكا تركت النظام السوري منذ خمس سنوات يفعل ما يشاء في سوريا والمنطقة، لا بل إن ما يحدث في سوريا بدأ يضعضع أوضاع البلدان المجاورة كلها، وخاصة تركيا. هل دفع ملايين اللاجئين السوريين باتجاه تركيا مجرد نتيجة طبيعية للحرب، أم هدف ديمغرافي مدروس؟ هل صعود نجم الأكراد على الحدود التركية أمر عابر؟ ألم يصل الأمر بأردوغان قبل أيام إلى اتهام أمريكا بالتآمر مع الفصائل الإرهابية الكردية ضد تركيا؟ هل التنسيق الكردي السوري مجرد لعبة مخابراتية سورية، أم، على ما يبدو، مطلوب أمريكياً لتنفيذ المخطط الموضوع؟ هل ينشط بشار الأسد لصالح نظامه، أم لصالح المشروع الأمريكي؟ لقد ذهب البعض إلى وصف الرئيس السوري بقائد الفوضى الخلاقة، لأنه نجح حتى الآن بتنفيذ تهديده الشهير بعد ستة أشهر على الثورة بإحداث زلزال في المنطقة... هل كانت أمريكا لتسمح لبشار الأسد بإحداث زلزال في المنطقة، لو لم يكن الزلزال جزءاً من الفوضى الهلاكة ومشروع الشرق الأوسط الكبير؟ألا يمكن القول إن كل دول الشرق الأوسط القديم، بما فيها تركيا وإيران مجرد أحجار على رقعة الشطرنج الأمريكية، وأن اللعبة تسير على قدم وساق لتنفيذ المشروع الأمريكي؟صدق اللورد الإنجليزي الشهير كيرزون عام 1923 عندما قال: "العالم رقعة شطرنج كبرى نلعب عليها أجمل الألعاب".
2768
| 21 فبراير 2016
قبل إجراء أول انتخابات رئاسية في مصر بعد الثورة، دار بيني وبين إعلامي مصري مخضرم من جماعة حسني مبارك حديث حول الانتخابات ومن سيفوز فيها، أحمد شفيق رئيس وزراء مبارك السابق أم محمد مرسي مرشح الثورة. وكان الرجل صريحاً، فقد قال لي حرفياً: "يجب ألا يحلم لا محمد مرسي ولا أي مرشح آخر محسوب على الثورة أن يقود مصر في قادم الأيام. وحتى لو فاز مرشح الثورة في الانتخابات، فلن يبقى طويلاً في منصبه، لأنه مرفوض داخلياً وخارجياً". فقلت له: ماذا تعني بـ"داخلياً" و"خارجياً"، فأجاب: "على الصعيد الداخلي، لن يقبل الجيش المصري، وهو أقوى مؤسسة في البلاد، أن يسلم مقاليد الحكم لأحد، حتى لو فاز بتسعة وتسعين بالمائة من الأصوات، وحتى لو كان مدعوماً من مائة ثورة شعبية. أما خارجياً، فلن يقبل أولاد عمنا الإسرائيليون بحاكم يختاره الشعب، خاصة إذا كان ذا صبغة إسلامية". طبعاً في عز المد الثوري آنذاك اعتبرت كلام الإعلامي المصري نوعاً من الهراء والعنتريات الفارغة على اعتبار أن الثورة في مصر لن تسمح لا للجيش ولا لإسرائيل ولا لأي قوة في العالم أن تخطفها. لكن يجب أن أعترف أنني كنت مغفلاً، ولم أعرف بعد أن التحالف الحاكم في العديد من الدول العربية المحيطة بإسرائيل يقوم على عامودين: الجيش العربي والعامل الإسرائيلي. بعبارة أخرى، فإن المؤسسات العسكرية الحاكمة في بلادنا ليست عدواً لإسرائيل، كما أوهمونا على مدى عقود، بل هي متورطة في تحالف وثيق مع إسرائيل، بحيث تؤمّن إسرائيل للمؤسسات العسكرية والأمنية العربية الوصول إلى السلطة والتشبث بها، بينما تقوم تلك المؤسسات بحماية إسرائيل من الشعوب العربية وإبقاء البلدان المجاورة التي يحكمها الجنرالات في حالة تخلف سياسي واجتماعي واقتصادي وصناعي.على ضوء ما أفرزته الثورات العربية، وخاصة في المنطقة المحيطة بإسرائيل كسوريا مثلاً، لم يعد هناك مجال للشك بأن إسرائيل لن تسمح أبداً بسقوط الديكتاتوريات العسكرية والأمنية التي تكتم أنفاس الشعوب بكل أنواع الوحشية والفاشية والهمجية، كما يفعل النظام العسكري العميل في دمشق. ليس من مصلحة إسرائيل أبداً أن تصل أنظمة ديمقراطية إلى السلطة لا في سوريا ولا في أي بلد عربي محيط بإسرائيل. فقد جربت إسرائيل حكم الجنرالات في سوريا مثلاً على مدى نصف قرن، ووجدته مضموناً وآمناً وكلباً مطيعاً على صعيد تأمين الحدود الإسرائيلية وحمايتها من أي خطر شعبي، وعلى صعيد كبت أنفاس الشعوب في البلدان المجاورة بحجة التصدي لإسرائيل. لم يجد الإسرائيليون أفضل من الحكم العسكري الديكتاتوري كي يدوس الشعوب العربية، ويعرقل التنمية، ويُبقي البلدان التي يحكمها في حالة تخلف وتقهقر كي تنام إسرائيل قريرة العين، وكي تبقى الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وواحة الازدهار الاقتصادي والتكنولوجي والصناعي الأولى في عموم الشرق الأوسط العربي.ماذا تريد إسرائيل أفضل من الأنظمة العسكرية لسحق الشعوب المجاورة ومنعها من التفكير في النهوض، أو تحرير الأراضي المحتلة؟ لاحظوا أن النظام الأسدي لم يسمح للطيور باختراق الحدود مع إسرائيل على مدى أربعة عقود، فما بالك أن يسمح لجندي سوري بإطلاق رصاصة واحدة باتجاه ما كان يسميه، ضحكاً على الذقون، بـ"العدو الصهيوني". لا عجب أبداً أن تكون إسرائيل وأمريكا أكثر دولتين في العالم تعارضان تفكيك الجيش السوري والمؤسسة الأمنية السورية. لاحظوا كيف دمرت أمريكا الجيش العراقي، وفككته لأنها كانت تجد فيه خطراً حقيقياً على إسرائيل، بينما ترفض رفضاً قاطعاً تفكيك الجيش السوري. لاحظوا أيضا كيف تحالفت إسرائيل فوراً مع روسيا التي جاءت إلى سوريا بدعم إسرائيلي واضح للحفاظ على النظام الديكتاتوري العسكري بشهادة الروس أنفسهم. ولو كان هذا النظام العسكري يشكل فعلاً خطراً على إسرائيل، لكان مصيره كمصير نظام صدام حسين الذي أطلق صواريخ سكود على إسرائيل، علماً أنه ليس على حدودها، بينما عمل الجيش السوري (جار إسرائيل) على إبقاء الحدود مع إسرائيل في حالة سكون قاتل على مدى نحو نصف قرن.لا شك أن إسرائيل وحاميتها أمريكا تعلم جيداً أن نشوء أنظمة ديمقراطية حقيقية في البلدان العربية المجاورة لإسرائيل ستخلص شعوب المنطقة من التخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي والصناعي، وستجعلها منافساً قوياً لإسرائيل، لا بل خطراً كبيراً عليها. ولو تحررت شعوب المنطقة من ربقة الطغيان العسكري والمخابراتي الحاكم فهذا يعني بشكل أوتوماتيكي تحرير فلسطين. وقد قال المفكر الإسلامي الكبير محمد الغزالي ذات يوم: "إن زوال إسرائيل قد يسبقه زوال أنظمة عربية عاشت تضحك على شعوبها، ودمرت مجتمعاتها، وفرضت عليها الوهم والوهن، وشلت قدرتها على المقاومة، وأفسدت النفوس والأوضاع، فضاعت العدالة، واختلت موازين الاقتصاد، وانقسم الشعب إلى طوائف". انظروا إلى سوريا واحكموا.لاحظوا عندما أدركت إسرائيل أن عميلها في دمشق لم يعد قادراً على حمايتها، جردته من أسلحته الاستراتيجية خشية وقوعها في أيدي نظام جديد لا يواليها. كما أنها أطلقت يد النظام بشهادة بشار الأسد نفسه ضد معارضيه ليفعل بهم وبالشعب السوري ما يريد. هذا ما قاله بشار للمثل السوري جمال سليمان في الشهور الأولى من الثورة، حيث أخبره بأن إسرائيل لن تقبل أبداً بإسقاط نظامه، وأنها أعطته الضوء الأخضر ليفعل ما يشاء. والهدف الإسرائيلي من وراء ذلك إنهاك سوريا وشعبها، بحيث لا تقوم له قائمة لعقود وعقود، فيما لو سقط حاميها في دمشق. بعبارة أخرى، إما أن تقبل الشعوب المحيطة بإسرائيل بأنظمة عسكرية ديكتاتورية كنظام الأسد، أو أن إسرائيل ستعمل على تخريب البلدان المحيطة بها، وتهجير شعوبها، وإعادتها عقودا إلى الوراء طبعاً بأيدي عملائها من العسكر والجنرالات العرب.لاحظوا أن أكبر داعمي النظام السوري سياسياً وعسكرياً هو النظام المصري الذي، بدوره، عاد إلى السلطة بوجوه جديدة برغبة إسرائيلية أمريكية أولاً وأخيراً، كما أخبرنا الإعلامي المخضرم أعلاه. الطيور على أشكالها تقع. لا تقارنوا سوريا ومصر بتونس، فتونس ليست جارة لإسرائيل.صدعوا رؤوسنا بشعار: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة مع إسرائيل"، فاكتشفنا متأخرين أن المعركة لم تكن يوماً مع إسرائيل، بل مع الشعوب العربية التي تهدد إسرائيل. انظروا فقط: كم قتل نظام الأسد من الإسرائيليين، وكم قتل من السوريين! وبسلامة العايشين!
4706
| 14 فبراير 2016
لابد من الاعتراف أولاً بأن الماكينة الإعلامية البعثية السورية التي كانت، وما زالت مضرباً للمثل في الكذب والتلفيق والتحوير والابتذال والسخرية، نجحت على مدى عقود، بطريقة أو بأخرى، في تثبيت بعض الخرافات والأساطير السخيفة في عقول ملايين السوريين. وقد نجح النظام، زوراً وبهتاناً، في تسويق نفسه لدى السوريين خصوصاً والعرب عموماً بأنه قلعة الصمود والتصدي في وجه "الكيان الصهيوني". وقد نجح أيضاً في رفع شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" لعشرات السنين، فحكم بقوانين الطوارئ والحديد والنار، وقمع أي صوت معارض، بحجة أنه في حالة حرب مع ما يسميه بـ"العدو الصهيوني". وقد عاش السوريون أربعة عقود وهم غير قادرين على التجمع في الشارع بمعدل خمسة أشخاص، لأن قوانين الطوارئ تمنع أي تجمع يزيد عن خمسة أفراد، لأن ذلك يشكل خطراً كبيراً على الأمن القومي، وعلى عملية التصدي لإسرائيل برأي المخابرات الفاشية، مع العلم، طبعاً، أن النظام لم يطلق، على مدى أربعين عاماً، رصاصة واحدة باتجاه "العدو" المزعوم، لكنه كان يحكم بعقلية وقوانين الحرب.والأنكى من كل ذلك أن النظام أوهم السوريين بأنه رأس الحربة العربية في مواجهة المشروع الصهيوني، وكان يضع أي سوري في غياهب السجون لعشرات السنين إذا فقط اشتبه بأن له علاقة، ولو من بعيد جداً بإسرائيل. ولطالما قضى ألوف السوريين في السجون لمجرد الاشتباه بأنهم اتصلوا، ولو بطريقة غير مباشرة، بـ"العدو الصهيوني". وأعرف شخصاً أمضى سنوات في السجن بتهمة أنه أرسل رسالة معايدة إلكترونية إلى أقاربه في فلسطين. وهناك شخص آخر التقى بقريب له يعيش في فلسطين، التقى به في الأردن، فأمضى نصف حياته في الزنازين. وقد ظن السوريون، وكل الظن إثم في هذه الحالة، أن النظام ألد أعداء إسرائيل في المنطقة، واتخذوا، بناء على ذلك، موقفاً معادياً جداً من إسرائيل، كذباً أو صدقاً، مجاراة لنظامهم "الممانع والمقاوم" (بين قوسين طبعاً). وحدث ولا حرج عن الجيش السوري الذي تربى منذ مجيئ آل الأسد إلى السلطة عام 1970 على عداء إسرائيل، فقد كانت عقيدته القتالية، وما زالت التصدي للصهاينة. لكن المضحك في الأمر أن ذلك الجيش "العقائدي" لم يخض سوى حرب (تحريك لا تحرير) يتيمة ضد إسرائيل في عهد الأسد، وهو، منذ أربعين عاماً وأزيد، يستهلك سبعين بالمائة من الميزانية السورية وهو قابع في المعسكرات والثكنات، بينما اعتدت إسرائيل عشرات المرات على سوريا، ودمرت مواقع نووية وإستراتيجية، وكانت تطير الطائرات الإسرائيلية فوق قصر الأسد في الساحل ودمشق كنوع من الاستفزاز، لكن النظام لم يسمح لـ"الجيش العقائدي" بإطلاق رصاصة، فما بالك صاروخ مضاد للطائرات على الطائرات الإسرائيلية المغيرة.بعبارة أخرى، فقد كانت العقيدة القتالية للجيش السوري في واد، والواقع في واد آخر تماماً. ومن الواضح أن إسرائيل كانت تفهم اللعبة جيداً، بأن التحريض الإعلامي والعسكري الذي يقوم به النظام ضدها للاستهلاك الإعلامي فقط، وأن الجيش السوري ليس لمواجهة إسرائيل، بل لمواجهة الشعب السوري، بدليل أن القصر الجمهوري وقوات الحرس الجمهوري والكثير من الأسلحة الإستراتيجية موجودة على سفح جبل قاسيون مقابل جبل الشيخ الذي تحتله إسرائيل، والذي تستطيع أن ترى من فوقه حركة السيارات في شوارع دمشق. بعبارة أخرى، فلو كان النظام يخشى من إسرائيل فعلاً، لما نصب أسلحته وحرسه الجمهوري على مرأى منها. وقد اتضح بعد الثورة أن السلاح الثقيل الموجود فوق جبل قاسيون المطل على دمشق كان هدفه إرهاب العاصمة تحديداً في حال تحركت ضد النظام. وهذا ما حدث فعلاً، حيث كان القصف على ريف دمشق كله ينطلق من جبل قاسيون.وقد جاءت الثورة السورية لتؤكد أن الجيش العقائدي المزعوم هدفه الوحيد حماية النظام وإسرائيل من الشعب السوري، بحيث صب حممه على السوريين عندما تحركوا ضد النظام بمباركة إسرائيلية طبعاً، حسب اعتراف الأسد نفسه الذي قال للممثل السوري جمال سليمان في بداية الثورة إن إسرائيل لن تسمح بإسقاط نظامه، وبأنها أعطته الضوء الأخضر لسحق معارضيه.ولعل أبسط سؤال يسأله السوريون الآن بعد أن انكشفت الأكاذيب والأساطير: لماذا لم تستغل إسرائيل ضعف الجيش السوري العقائدي قلعة الصمود والتصدي الذي يزعم النظام أنه يشكل أكبر خطر على إسرائيل، لماذا لم تستغل ضعفه، وتسحق "عدوها المزعوم" بالضربة القاضية وهو في أسوأ وأضعف حالاته؟ لكنها بدلاً من ذلك تصر مع أمريكا على الحفاظ على الجيش السوري وأجهزة الأمن السورية. يا للمفارقة: إسرائيل أكثر المطالبين بحماية المؤسسة العسكرية في سوريا، وهي التي استنزفت ثروات السوريين على مدى نصف قرن من الزمان بحجة التصدي لإسرائيل. وكي لا يكون كلامنا بلا برهان، فقط عودوا إلى مقال الصحفي الأمريكي الشهير سيمور هيرش صديق الرئيس السوري الذي قال حرفياً إن: "هيئة الأركان الأمريكية كانت تقدم منذ سنوات معلومات استخباراتية للجيش السوري عن مواقع جماعات المعارضة. وكانت إسرائيل تحديداً هي من ترسل المعلومات الأمريكية مباشرة إلى الجيش السوري "العقائدي والممانع والمقاوم والمعادي" لإسرائيل.شر البلية ما يُضحك.
2841
| 07 فبراير 2016
إما أن المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم وزير الخارجية جون كيري مصابون بمرض الخرف "الزهايمر"، ينسون بسرعة ما قالوه بالأمس أو الأسبوع أو الشهر الماضي، أو أنهم يعتقدون أن العرب لا يفهمون، أو أنهم سريعو النسيان، وبالتالي لا بأس أن تقول لهم الشيء وعكسه بعد أسابيع أو شهور كي تبقيهم في حالة من القلق والترقب لكل ما يصدر عن الإدارة الأمريكية من تصريحات متناقضة. أو أنهم لا يعرفون ماذا يريدون من الصراع في سوريا. أو أنهم يطبقون مبدأ كسنجر الشهير: "الغموض البناء". كيف ذلك؟ لقد اعترفت أمريكا والغرب عموماً أكثر من مرة، وفي مناسبات كثيرة، بأن النظام السوري هو الوجه الآخر لتنظيم داعش الذي يعتبرونه أكبر تهديد لأمنهم القومي وأمن المنطقة، خاصة حلفائهم في الشرق الأوسط. سمعنا هذه الجملة حرفياً من وزير الخارجية الأمريكي نفسه. وعندما قدم بشار الأسد نفسه للغرب قبل أشهر كعميل موثوق لمحاربة الإرهاب، ردت أمريكا وأوروبا على عرض الأسد أن الرئيس السوري هو الوجه الآخر لداعش، ولا يمكن القضاء على الإرهاب دون القضاء على أهم أسبابه، وهكذا يصبح رأس الأسد، وليس داعش فحسب، على قائمة الطلبات الغربية. ثم خرجت علينا فرنسا لتقول حرفياً إن "نظام الأسد وداعش وجهان لعملة واحدة".وفي شهري سبتمبر ونوفمبر من العام الماضي، أي قبل أشهر قليلة فقط، كرر وزير الخارجية الأمريكي نفسه كلاماً مهماً حول الارتباط الوثيق بين نظام الأسد وداعش، وأنه لا يمكن القضاء على داعش دون القضاء على المتسبب بوجود داعش، ألا وهو النظام السوري. وأضاف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وقتها أن ظهور تنظيم داعش يرجع إلى السياسات التي اتبعها النظام السوري، وهو ما يفسر لماذا وصف الرئيس السوري بشار الأسد بأنه "مغناطيس للإرهاب".وفي كلمة ألقاها بمعهد السلام الأمريكي في واشنطن، كرر كيري أن الشعور بالكراهية لبشار دفع الآلاف من السوريين إلى صفوف داعش، بينما الخوف من تنظيم داعش، من ناحية أخرى، جعل بعض الجماعات السورية تشعر بأنه ليس هناك أي خيار سوى دعم النظام السوري. كما وصف كيري العلاقة بين بشار وداعش بـ"التكافلية"، مشيراً إلى أن كل منهما يعتمد على الآخر، وموضحاً أن الرغبة في الفرار من كل من بشار وداعش تفسر أزمة اللاجئين الهائلة التي تواجه العالم اليوم. وأكد أن العلاقة بين بشار وداعش هي إحدى الخصوصيات الواضحة للصراع الدائر حالياً في سوريا، إذ أنه نادراً ما يستهدف أي منهما الآخر، بل على العكس هناك صفقات تتم بينهما بما في ذلك بيع وشراء النفط.هذا الكلام أعلاه لجون كيري عمره أشهر طويلة. لكن الرجل عاد مشكوراً قبل أيام قليلة أثناء مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية السعودي في الرياض قبيل التحضير لمؤتمر جنيف الخاص بالحل السياسي في سوريا، عاد وأكد أن الأسد قوة جاذبة للمقاتلين الأجانب الذين يأتون إلى المنطقة، وهم داعش في النهاية، وأن أزمة اللاجئين ستحل بالتعامل مع جذورها المتمثلة بأن الأسد يجتذب الإرهابيين، والإرهابيون بدورهم يساعدون الأسد في تهجير ملايين السوريين من بلدهم. واعترف وزير الخارجية الأمريكي أن "بشار الأسد من خلال استخدام السلاح ضد شعبه في سوريا، تسبب بحدوث إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في التاريخ" وأشار في كلمة له بجلسة خاصة عقدت في إطار منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، إلى أن "الأسد استخدم السلاح بشكل وحشي ضد شعبه، حيث استخدم الغاز الذي يعد أحد أسلحة الدمار الشامل المحظورة منذ زمن طويل".والأخطر في الأمر أن الأمريكيين اتهموا نظام الأسد بأنه سبب الهجمات على باريس. ثم عاد قبل أيام فقط ووصف وزير خارجيتهم الرئيس السوري بشار الأسد بأنه "المغناطيس الذي جلب الإرهاب إلى سوريا". باختصار شديد فإن الأمريكيين يعلمون علم اليقين رأس الإرهاب في المنطقة. وهذا التشخيص الأمريكي جيد جداً، وأولى خطوات العلاج تشخيص المرض، لأن العلاج بعده سيكون فعالاً ومضمون النتائج. لكن السؤال المطروح، لماذا لا يتحرك الأمريكيون ضد من يعتبرونه سبب الإرهاب؟ لماذا يجيشون الجيوش وعشرات الحلفاء للقضاء على الجماعات الإرهابية التي يعتبرونها صنيعة الأسد، ولا يستهدفون الأسد نفسه؟ لماذا يستهدفون المصنوع، ويتركون الصانع؟ لماذا عاد وزير الخارجية الأمريكي بعد كل اتهاماته للأسد بالإرهاب، لماذا عاد وألمح إلى أنه يمكن لجيش الأسد أن يكون حليفاً للأمريكيين في محاربة داعش وغيرها؟ كيف يتهمون النظام بأنه صانع الإرهاب والمغناطيس الذي يجتذب الإرهابيين، ثم يلمحون إلى التعاون معه لمحاربة الإرهابيين؟ كيف لمتعهد الإرهاب أن يحارب الإرهاب؟ لماذا تطير الطائرات الأمريكية فوق مواقع النظام لتقصف الجماعات التي تعتبرها إرهابية، بينما صدعت أمريكا رءوسنا وهي تقول إن الجماعات الإرهابية هي إما من صنع الأسد أو ظهرت بسببه؟ والسؤال الأهم: هل فعلاً أن الأمريكيين منزعجون من الأسد لأنه يجتذب الإرهابيين إلى سوريا والمنطقة، أم هم سعداء بما يقوم به بشار؟ باختصار شديد: لماذا تحارب أمريكا الإرهاب، وتترك مغناطيس الإرهاب يجتذب مزيداً من الإرهابيين إلى سوريا والمنطقة؟لماذا تضرب أمريكا البردعة وتسيب الحمار؟
1757
| 31 يناير 2016
ليس صحيحاً أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أول من وقع معاهدة سلام مع إسرائيل، يجادل كاتب سوري. لقد سبقه إلى ذلك الرئيس السوري حافظ الأسد عندما وقع معاهدة سلام غير معلنة مع الإسرائيليين عام 1974 أي قبل حوالي خمس سنوات من معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. وهناك من يصف اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسوريا بأنه معاهدة سلام كاملة الأوصاف، لكن غير معلنة، لأنها فقط لم تتوج بفتح سفارة إسرائيلية في دمشق. أما ما عدا ذلك فقد كان سلاماً كاملاً وشاملاً بين نظام الأسد والإسرائيليين، بدليل أن النظام لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل على مدى أربعين عاماً، لا بل كانت المستوطنات الإسرائيلية على الحدود السورية أفضل مكان آمن للاستجمام بالنسبة للإسرائيليين. لكن لا بد من الاعتراف بعبقرية النظام السوري وأذرعه الإعلامية التي استطاعت على مدى عقود أن تقنع غالبية السوريين وحتى العرب، زوراً وبهتاناً وإرهاباً، بأن نظام الأسد عدو مبين لإسرائيل. خمسون عاماً والنظام يُشهر سيف العمالة لإسرائيل ضد معارضيه. وكان، إذا أراد أن يقضي على أي مواطن سوري، يتهمه فوراً بالعمالة لإسرائيل. وقد ظن السوريون على ضوء ذلك، أن النظام يعادي إسرائيل حتى الموت، وأن أكبر خطيئة يمكن أن يقترفها السوري هي العمالة لإسرائيل بنظر النظام. لكننا اكتشفنا بعد نصف قرن أن النظام كان يستخدم تهمة العمالة لإسرائيل فقط للتغطية على عمالة النظام نفسه لإسرائيل. ومما يؤكد ذلك أن مسؤولاً أمريكياً كبيراً سألوه ذات يوم عن الموقف الأمريكي من الإعلام السوري المعادي جداً لأمريكا، فأجاب المسؤول: "نحن لا يهمنا ما يقوله نظام الأسد وإعلامه، بل يهمنا ما يفعله لنا. فلو طلبنا منه مثلاً أن ينجز لصالحنا عشرين بالمائة فقط من أمر ما، كنا نراه يتصل بنا في اليوم التالي ليقول لنا: لقد أنجزت لكم الأمر مائة بالمائة. أي أنه دائماً يفعل أكثر مما نطلب منه. وبالتالي، لا بأس أن يهاجمنا إعلامه ليل نهار، طالما في الجوهر هو أحد أخلص وكلائنا". ولا ننسى تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية عام 2012 عندما وصفت نظام الأسد بأنه "أنشط عملائنا في المنطقة". ولو قرأنا كتاب "سنوات التجديد" لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسنجر لتفاجئنا كثيراً بإطرائه الدائم على صديقه حافظ الأسد الذي كان ينسق كل عملياته العسكرية في لبنان على مدى ربع قرن مع الإسرائيليين. ويذكر كسنجر أن حكمت الشهابي رجل حافظ الأسد الشهير اتصل ذات يوم بالقيادة الأمريكية لعرض دخول القوات السورية إلى لبنان. وعندما أخبروه أن إسرائيل لن تقبل بذلك، رد الشهابي: نحن عبارة عن قوات حفظ سلام ليس أكثر". ويضيف كسنجر بأن القوات السورية دخلت لبنان على أساس اتفاق ضمني بين إسرائيل وسوريا. وكل خطوة كانت تتقدم بها القوات السورية كانت بتسامح ومباركة إسرائيلية. ويذكر المقربون من حافظ الأسد أنه كان يعادي الأمريكيين في العلن، بينما ينسق معهم كل شيء بالسر. لهذا كان يقول لسائقه: "أعط إشارة أنك ذاهب إلى اليسار، لكن اذهب إلى اليمين". ولا ننسى أن أول مسؤول دولي اختلى ببشار الأسد لساعات قبل تنصيبه رئيساً لسوريا بعد موت حافظ الأسد بأيام قليلة كانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت. وبعد انتهاء الاجتماع كانت كل وسائل الإعلام العربية والدولية تبارك بشار الأسد رئيساً لسوريا. وفي الأيام الأولى للثورة سمعنا ما قاله مدير أعمال بشار الأسد التجاري رامي مخلوف لصحيفة واشنطن بوست عندما قال: "أمن إسرائيل من أمن النظام السوري، وإن أي مكروه يحصل للأسد سينعكس سلبا على إسرائيل". وقبل مدة سمعنا ما قاله نائب وزير الخارجية الإيراني حرفياً حينما قال إن سقوط الأسد سيشكل خطراً كبيراً على أمن إسرائيل، وكأنه يتوسل الإسرائيليين بأن يحافظوا على كلب حراستهم. وها هو تشك هيجل وزير الدفاع الأمريكي الأسبق يقول يوم أمس: "يجب تجاوز مسألة رحيل الأسد، فهو لم يكن في يوم من الأيام عدواً لنا ولا لحليفتنا إسرائيل". خووووش ممانعة.طبعاً ظل البعض يشكك في دعم إسرائيل لنظام الأسد حتى أثبتت الأشهر القليلة الماضية تماماً أنه لولا الغطاء الإسرائيلي لما استمر الأسد حتى الآن، وأن الذخر الاستراتيجي للصهيونية ليس الرئيس المصري المسكين حسني مبارك الذي سقط خلال ثمانية عشر يوماً، بل الرئيس الذي فعل الأفاعيل بسوريا ومازال صامداً منذ خمس سنوات. ولا بد أن نتذكر أن الرئيس الروسي بوتن أعلن قبل غزو سوريا بأنه قادم لحماية نظام الأسد. والغريب أنه اجتمع قبل الغزو برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مرتين. ماذا نفهم من التنسيق الروسي مع إسرائيل بخصوص سوريا سوى أن الطرفين باتا يحميان النظام بشكل مفضوح؟ والآن أصبح الإسرائيليون والروس ينسقون عملياتهم في سوريا من مطار حميميم الذي يقع بالقرب من مسقط رأس الأسد القرداحة. والأغرب من كل ذلك أن أكثر دولتين تطالبان بالحفاظ على الجيش السوري هما إسرائيل وأمريكا. هل كانت إسرائيل لتدعو إلى حماية جيش الأسد لو كان يشكل خطراً عليها أو يعاديها لا سمح الله؟ ويعترف السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن بأن إسرائيل هي من منعت أمريكا من توجيه ضربة عسكرية للجيش السوري، لا بل إن وزير الاستخبارات الإسرائيلية زار دمشق مرات ومرات لتنسيق عملية تجريد سوريا من السلاح الكيماوي. ويؤكد مثل هذا الكلام الصحفي الأمريكي الشهير سيمور هيرش صديق الرئيس السوري عندما يقول في مقاله الأخير في مجلة "لندن ريفيو أوف بوكس" إن هيئة الأركان الأمريكية كانت تزود الجيش السوري بمعلومات استخباراتية مهمة عن مواقع جماعات المعارضة. والمضحك في الأمر أن إسرائيل هي من كانت توصل المعلومات الاستخباراتية مباشرة للجيش السوري رمز الصمود والتصدي والممانعة والمقاومة. وأخيراً ها هو الفنان السوري جمال سليمان ينقل حرفياً قبل أيام فقط عن لسان بشار نفسه أن الأخير أخبره في بداية الثورة أن إسرائيل لن تقبل، ولن تسمح أبداً بسقوط النظام. لا بل أعطته الضوء الأخضر كي يتصدى لكل من يعارضه بكل الوسائل. خمسون عاماً والنظام السوري يقمع الشعب ويدوس على أبسط حقوقه بحجة أنه في حالة حرب مع إسرائيل. فاكتشفنا أخيراً أنه مجرد عميل لإسرائيل يسحق السوريين كي تنام راعيته إسرائيل قريرة العين. لقد رفع حافظ الأسد شعار "التوازن الاستراتيجي" مع إسرائيل، بينما كان في الواقع يقيم معها تحالفاً استراتيجياً.
8049
| 24 يناير 2016
كم هم سخفاء وكاذبون أولئك "الممانعون والمقاومون" المزعومون الذين صدعوا رؤوسنا منذ بداية الثورة السورية وهم يتحدثون عن أن المتآمرين على سوريا يريدون أن ينقلوها من محور المقاومة إلى محور التبعية لأمريكا وإسرائيل. وبناء على ذلك راحوا يصورون الصراع في سوريا على أنه بين أمريكا وأتباعها من جهة، وروسيا وما يسمى "حلف الممانعة" من جهة أخرى. ألم يصبح هذا الكلام ضرباً من الهراء بعد أن بات الروس والإسرائيليون ينسقون عملياتهم في سوريا من غرفة عمليات واحدة، حتى بالتعاون مع النظام وحلفائه "الممانعين".لا أدري لماذا يصر القومجيون والناصرجيون والمقاومجيون العرب وبقايا اليسار الهزيل على تصوير الصراع في سوريا على أنه صراع بين الشرق والغرب، كما لو أننا في ستينات القرن الماضي حيث كانت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا في أوجها. صحيح أن الرئيس الروسي يحاول استعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي البائدة بعقلية وأيديولوجية ومعطيات جديدة، لكنه ليس أبداً في وارد التصادم مع أمريكا في الشرق الأوسط.. ولا نصدق أيضاً أن الروس يملأون الفراغ الذي بدأت تتركه أمريكا في المنطقة، كما لو أن الأمريكيين انهزموا أمام الزحف الروسي. لا علاقة للتدخل الروسي السافر في سوريا أبداً بضعف الجبروت الأمريكي، ولا بصعود الجبروت الروسي، بل الأمر برمته مرتبط بمصالح إسرائيل في سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً، وطبعاً بمصالح أمريكا وروسيا المشتركة.. فلا يمكن لروسيا مثلاً أن تدخل الساحة المصرية بهذه القوة لولا المباركة الإسرائيلية وبالتالي الأمريكية، فمصر مازالت في الجيب الأمريكي سياسياً وعسكرياً، ومازالت تعتاش في جزء من ميزانيتها العسكرية على المعونة الأمريكية. ولو كان النفوذ الروسي سيؤثر على النفوذ الأمريكي في مصر لما تجرأ بوتين أن يلقي السلام على المصريين. لاحظوا أيضاً كيف أن الأردن بات ينسق مع روسيا أكثر مما ينسق مع أمريكا. هل كان ليجرؤ على ذلك لولا الضوء الأخضر الإسرائيلي والأمريكي؟ولو عدنا إلى الساحة السورية، لرأينا التدخل الروسي قد حدث بعد مداولات إسرائيلية روسية على أعلى المستويات السياسية والعسكرية والاستخباراتية. لقد التقى بوتين ونتنياهو مرتين خلال أسبوعين قبل التدخل الروسي. وقد اعترف وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق جوزيف ليبرمان بأن التنسيق الروسي الإسرائيلي في سوريا يجري على مدار الساعة سبعة أيام في الأسبوع. حتى الأطفال الصغار يعلمون أن من يحدد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عموماً هي إسرائيل وليس وزارة الخارجية الأمريكية. وإذا كانت تل أبيب هي من ترسم السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، فمن الطبيعي أن تكون أمريكا راضية تماماً عن التدخل الروسي في سوريا عندما يكون بمباركة وبضوء أخضر إسرائيلي. إذاً.. من العيب أن نسمع بعض السوريين واللبنانيين والإيرانيين المؤيدين للنظام السوري وهم يتفاخرون بالدور الروسي في سوريا كما لو كان في مواجهة الدور الإسرائيلي أو الأمريكي. ما أسخفهم عندما يقولون إن روسيا جاءت لتطهير سوريا من الإرهابيين المدعومين أمريكياً وإعادة الاستقرار إليها، كما لو كانت روسيا جمعية خيرية لمساعدة المحتاجين.. ليس هناك ما يثبت أن روسيا تصارع الأمريكيين في سوريا. وفي أحسن الأحوال ربما تكون عملية تقاسم مصالح بين الروس والأمريكيين، إن لم نقل إن الروس يسمسرون للأمريكان في سوريا، كما فعلوا من قبل عندما ضغطوا على القيادة السورية لتسليم سلاحها الكيماوي الإستراتيجي نزولاً عند رغبة إسرائيل وأمريكا. من يجرد سوريا من سلاحها الإستراتيجي لصالح إسرائيل لا شك أنه أقرب لإسرائيل منه إلى النظام السوري. وعلى المطبلين والمزمرين للتدخل الروسي في سوريا أن يتذكروا "اتفاق كيري-لافروف" الذي وصفه البعض وقتها بأنه بمثابة "سايكس-بيكو" جديد وربما أخطر، على صعيد تقاسم النفوذ والثروات وتمزيق المنطقة بين الأمريكيين والروس. وقد اعترف السيناتور الأمريكي الشهير ليندسي غرايام في استجوابه الشهير لوزير الدفاع الأمريكي قبل فترة بأن أمريكا باعت سوريا برضاها لروسيا وإيران ضمن لعبة تبادل المصالح.إذاً.. مهما تبجح جماعة الممانعة والمقاومة بعلاقتهم وتحالفهم الإستراتيجي مع روسيا، فمن المعروف أن التحالف الروسي الإسرائيلي يبقى أقوى بعشرات المرات لأسباب كثيرة. فلا ننسى أن اليهود الروس الذين يزيد عددهم على المليون في إسرائيل هم من يحرك السياسة الإسرائيلية، وهم على ارتباط وثيق بروسيا. وكلنا يتذكر صورة الرئيس الروسي بوتين وهو يرتدي القلنسوة اليهودية وهو يزور موقع حفريات "الهيكل" تحت المسجد الأقصى، ويبارك الحفريات التي ستهدم ثالث الحرمين الشريفين في يوم من الأيام. دعونا نوّصف الأمر بلغة الناس البسطاء لمن يرفض التوصيف آنف الذكر. روسيا، كما تبين الإحصائيات الدولية، ليست أقوى من أمريكا، وهي، في مقاييس القوى الدولية، مجرد دولة إقليمية وليست عظمى حسب ناتجها المحلي الذي لا يصل إلى ناتج أضعف الدول الأوربية، ناهيك عن أنها مازالت تعتمد إلى حد كبير على تصدير النفط والغاز. صحيح أن لديها قوة عسكرية وترسانة هائلة، لكن هذا لا يؤهلها وحده لتكون منافساً خطيراً لأمريكا. وبالتالي فإن ما تفعله روسيا في سوريا وغيرها لابد أن يكون برضى أمريكا الأقوى منها. وعندما لا يرضى الكبير عن الصغير يستطيع أن يوقفه بصفعة بسيطة، أو بفركة أذن. ولو لم تكن أفعال روسيا في سوريا تروق للكبير الأمريكي، لما تجرأت روسيا أصلاً أن ترسل طائرة ورق إلى سوريا.إن كل من يتحدث عن صراع روسي أمريكي على سوريا، كما كان الأمر أيام الحرب الباردة، فهو يهرف بما لا يعرف. ولو أرادت أمريكا أن تعرقل التدخل الروسي في سوريا لأعطت المعارضين السوريين خمسة صواريخ مضادة للطائرات فقط لإسقاط الطائرات الروسية في الأجواء السورية، فذهبت هيبة روسيا أدراج الرياح، وتحولت بين ليلة وضحاها إلى مهزلة دولية. صحيح أن وثيقة الأمن القومي الروسي الأخيرة تصف أمريكا وحلف الناتو بأنهما أكبر خطر على روسيا، لكن عندما يتعلق الأمر بسوريا، فإن الروس والإسرائيليين والأمريكان على قلب رجل واحد.
2874
| 17 يناير 2016
تقول بعض الديانات إن "المحن ستكون ذات يوم من الأفلاك". هل اقتربنا من هذا الزمن؟ يبدو أن تلك المقولات التي كان البعض يعتبرها سخيفة، قد تتحقق قريباً على يد الإنسان بطريقة فضائية اصطناعية، كما يرى المتابعون للتطور البشري. ويرى هؤلاء أن البشر انتقلوا من عصر الخضوع للطبيعة إلى عصر السيطرة على الطبيعة، والآن سيحاولون التحكم بالطبيعة، بحيث سيكون العصر القادم هو عصر الإنسان- الإله الذي لم يكتف فقط بتسخير الأرض لمغامراته واستراتيجياته الرهيبة، بل سيبدأ باستخدام السماء للتلاعب بالأرض وأهل الأرض مستخدماً الأساطير الدينية القديمة لتغليف سياساته الفضائية الشيطانية برداء ديني كي يتقبلها البشر على أنها انتقام سماوي.لابد من الإشارة أولاً أن القوى الكبرى الحديثة ليست أول من استغل الموروث الديني وأساطيره لتحقيق غايات وأهداف دنيوية. فلطالما استخدم الأولون الأساطير لتغليف مشاريعهم بغلاف ديني كي يستسيغه الناس ويقبلوه. وقد بنى "الجيودو كريسيان" الكثير من مشاريعهم في بداية نزول التوراة على أساطير وخرافات العصر البابلي لتكريس ثقافتهم وبناء مشاريعهم ومجتمعاتهم. وقد جاء الآن دور القوى الكبرى الحديثة كي تستخدم الأسطورة الدينية، لكن بأسلوب يناسب العصر الحالي واكتشافاته وإنجازاته العلمية الرهيبة. هل لاحظتم أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش استغل أسطورة يأجوج ومأجوج لتبرير غزوه للعراق واستخدام أفظع الأسلحة ضده، وإعادته إلى العصر الحجري، كما توعد وزير الدفاع رامسفيلد؟ هل لاحظتم أنهم مازالوا يتحدثون عن معركة "هرمجدون" التي ستكون الفاصلة بين الخير والشر، وما قد يترتب على ذلك من استخدام لاحق ساحق ماحق لأحدث أنواع السلاح غير المعهود تاريخياً؟ هل لاحظتم أن الرئيس الروسي رفع شعار "الحرب المقدسة" لتبرير غزوه لسوريا وتجريب الجيل الجديد من أسلحته الرهيبة على الأرض السورية باعترافه شخصياً في مؤتمره الصحفي الأخير؟ إنه استغلال المقدس لتبرير تحقيق المُدنّس. لكن المقدس هذه المرة لن يبقى أرضياً، بل سيكون متصلاً بالسماء، فقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن الفضاء الخارجي، لا بل إن بعض الأوساط الغربية تتحدث عن اتصالات منذ زمن بين العلماء على الأرض ومخلوقات فضائية تتعاون معهم في إنتاج بعض الاختراعات الرهيبة. ولا يكاد يمر شهر إلا وهنالك خبر عن الكائنات الفضائية أو الحياة على الكواكب الأخرى في كبريات القنوات العالمية ذات المشاهدة العالية. لاحظوا أن الأخبار بعد العصر الهوليودي الذي غزا العالم بأفلام الفضاء بدأت تروج بأن الغزو الفضائي للأرض قد اقترب، وبشكل أدق، فقد انتقلنا من عصر السينما إلى زمن الواقع، كما يقول الباحث في هذا المجال جورج كدر. وسيكون الغزو الفضائي القادم تماماً كزمن الشيوعية أو زمن القاعدة أو زمن داعش لإلهاء قطيع الشعوب بأخبار تعمي عن حقيقة الأهداف والسياسات المقبلة لصناع السياسة في العالم للحد من نمو البشر الفطري والتحكم بثروات العالم. وسيقدم الغزو الفضائي القادم مبررات براغماتية لاستخدام الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل وغيرها من أسلحة الفتك بالبشر التي تتكدس اليوم في أقبية شركات الأسلحة لزمن آت.كم من الزمن سيستغرق ذلك؟ لا ندري، ولكن أغلب الظن أنه سيكون قريباً. بعبارة أخرى، ستكون الكائنات الفضائية القادمة من صنع شياطين السياسة في روسيا وأمريكا والصين.. وبتكاليف بسيطة، ولكن بنتائج مبهرة، وستكون مهمة الكائنات الفضائية كمهمة داعش اليوم.. أي أنها داعش الغد. طبعاً فكرة حرب النجوم ظهرت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وقد ترافقت مع ظهور إيران الخميني وحزب الله والقاعدة، عشر سنوات شكلت قاعدة الصراع في السنوات القادمة ونعيش اليوم بعض فصولها، واليوم تخطو حرب النجوم خطوة أخرى، وقد أصبحت الشغل الشاغل للسياسيين والإعلام وحتى السينما، وقد كان فيلم "حرب النجوم: صحوة القوة" أكثر الأفلام تحقيقا للأرباح في عام 2015 بعد 16 يوماً فقط من طرحه في دور العرض السينمائية. وبدورهم راح السياسيون يعزفون على وتر الغزو الفضائي، فقد فاجأت المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون الجماهير أثناء حملتها في نيو هامبشاير بقولها إنها تعتقد أن الكائنات الفضائية زارت كوكب الأرض من قبل، وأكدت هيلاري كلينتون أنها تؤمن بوجود الكائنات الفضائية، وستسعى للوصول إليها واكتشاف حقيقتها في حال فوزها بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، وستحاول إجراء مجموعة من المناقشات حول ما تعرفه الحكومة عن الأجسام الغريبة، وقالت كلينتون التي قد تصبح أول سيدة تتولى منصب رئيس الجمهورية في الولايات المتحدة، إنها سترسل فريق عمل متخصصاً في المنطقة 51 والتي تعد قاعدة سرية عليا في ولاية نيفادا، ويعتقد المؤمنون بوجود الكائنات الفضائية أنها قاعدة لتكنولوجيات الكائنات الفضائية. وأشارت مرشحة الرئاسة الأمريكية إلى أنها ستكشف سر الحُفر العميقة بالمنطقة 51 المحظورة، مضيفة أنها ستسعى لمعرفة حقيقتها والبحث وراء ما يتم رصده من أجسام وكائنات غريبة.بدوره كان الرئيس الروسي بوتن قد أعلن قبل فترة عن أن قواته الفضائية على أهبة الاستعداد، لاحظوا التسمية الروسية الجديدة:"القوات الجوية الفضائية الروسية". من جانبه، يستعد الجيش الصيني لإنشاء "قوات الفضاء" الجديدة، لتعزيز وجوده في المدار الفضائي القريب للأرض. وتؤكد مصادر لـ"واشنطن تايمز" أنه سيتم إنشاء "قوات فضاء" داخل جيش التحرير الشعبي الصيني، وسوف تشمل هذه القوات صواريخ نووية.ووفقا لتقرير واشنطن تايمز، فهذه الخطوة تشير إلى الاستعداد المتزايد من قبل الصين لحرب فضاء مستقبلية، وستكون المهمة الرئيسية لقوات الفضاء الصينية الجديدة، حسب خبراء أمريكيين، "تحقيق السيطرة من المدار الفضائي القريب للأرض، من أجل هزيمة الأعداء".هذا ويتوقع الباحثون في هذا المجال أن يكون هذا القرن قرن الإبادة التي ليس لها مثيل في التاريخ بواسطة الموت القادم من الفضاء. وسيصورون لنا فناء الملايين، إن لم نقل المليارات من البشر الذين يرغبون في إبادتهم على أنها لعنة من السماء. لا تنسوا أن المتحكمين بمصير هذا العالم، أو ما سنسميه لاحقاً بـ"القوة الإله" لن تسمح بوصول عدد البشر إلى عشرة مليارات. وبما أن الأساليب القديمة كالأمراض والتجويع والحروب لم تعد قادرة على تقليص حجم البشرية بالقدر المطلوب، فستكون الإبادة القادمة بطريقة نووية سماوية لم يسبق لها مثيل، لكنهم سيعزونها طبعاً للفضاء والكائنات الفضائية التي يبشروننا بوجودها منذ عشرات السنين. طبعاً يبدو هذا الكلام مجنوناً الآن. صحيح. لكن تذكروا أن كل كتب وأفلام الخيال العلمي التي ظهرت قبل أكثر من مائة عام، وكنا نعتبرها خيالاً، أصبحت الآن حقيقة. انتظروا الموت القادم من السماء!
10042
| 10 يناير 2016
من حق كل الدول والجماعات أن تحلم بالنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي تريده، إنه حق إنساني لا يمكن أن ينكره أحد، لكن طبعاً شتان بين الحقوق المعترف بها دولياً في القوانين وأدبيات حقوق الإنسان وبين ما يجري على أرض الواقع. لابد أن نكون واقعيين، خاصة عندما نحاول أن نتحدى العالم، كما تفعل بعض الجماعات الإسلامية المتشددة كتنظيم الدولة وغيره. لا شك أن ملايين المسلمين العاديين يتوقون إلى ذلك الزمن الإسلامي الجميل الذي رفع راية الإسلام والمسلمين عالياً. لكن ألا تعتقدون أن طرح دولة الخلافة في هذا الزمن العصيب أقرب إلى الفكر الرغبوي، إن لم نقل إلى التهريج السياسي منه إلى الواقع؟ أريد أن أسأل بعض الأسئلة البسيطة: لماذا ننكر أن النظام الرأسمالي الغربي بتشعباته السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية هو النظام المسيطر عالمياً، ولا وجود لمنافسين أقوياء له بنفس الجبروت حتى بعد عقود وعقود؟ حتى النظام الشيوعي الذي كان يسيطر على نصف العالم تقريباً، وكانت له أذرع عسكرية وقنابل نووية وهيمنة ثقافية واقتصادية رهيبة فشل في النهاية أمام النموذج الرأسمالي، لا بل أعلن هزيمته، وانضم إلى الكتلة الرأسمالية، بحيث أصبحت موسكو بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أكثر رأسمالية من نيويورك ولندن. وحتى الصين ذلك العملاق البشري والاقتصادي الهائل لم يكن لينجح ويتمدد لولا السير على خطى النظام الغربي. ولو ذهبت إلى الصين لوجدت أنها نسخة رأسمالية مشوهة عن الغرب، فكل شيء فيها غربي الشكل باستثناء اللغة وأشكال الناس. لا أريد أن أتشعب كثيراً في التساؤلات، وسأطرح فقط نقطتين على الجماعات التي تريد أن "تفتح روما": ألا ترون أن النظام الرأسمالي لديه مفتاح واحد وباب واحد، وكل من لا يدخل من ذلك الباب يبقى في البرية خارج العالم والزمن؟ ولا ننسى أنه إذا أراد أي شخص أن يحوّل عشرة دولارات إلى أي مكان في العالم لابد أن يمر عبر أمريكا التي تُحكم قبضتها على خناق الاقتصاد العالمي، فلا يمر شيء إلا عبرها، ناهيك عن أنها ربطت كل المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية التي تحرك، وتمسك بزمام الاقتصاد العالمي بها. لا يمكن لأي بلد قوي أن يخرج عن الطوق الاقتصادي الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً، والويل لمن يحاول أن يستبدل الدولار حتى بالعملة الأوروبية، فما بالك بعملة أخرى. وجميعنا يتذكر ماذا حدث لصدام حسين عندما تحدى أمريكا، واستبدل الدولار بعملة أخرى. باختصار شديد، إذا لم تمر عبر البوابة الاقتصادية الغربية، فستتجه إلى خارج العالم. فكيف تريد بعض الجماعات إذاً أن تتحدى النظام الاقتصادي الدولي، وتتعامل بالدينار الذهبي؟.وبنفس أهمية الاقتصاد هناك الآن عالم المعلومات الرهيب الذي ربط المعمورة كلها بسلك واحد اسمه الإنترنت. وإذا أردت أن تكون جزءاً من العالم، فلا غنى لك عن الشبكة العنكبوتية. وكما أن النظام الاقتصادي بيد الغرب وأمريكا خصوصاً، فإن شبكة المعلومات الدولية أيضاً تحت اليد الأمريكية، لا بل إنك إذا فتحت موقعاً إلكترونياً في قريتك في جنوب غرب السودان، لابد أن تذهب إلى أمريكا عبر بروتوكول إنترنتي خاص، ثم تعود لتفتح الموقع في قريتك. صحيح أن ذلك يحدث خلال جزيء من الثانية، لكن الأمر يمر بأمريكا، شئت أم أبيت. والبعض يقول إن مفتاح الإنترنت الدولي موجود على متن إحدى حاملات الطائرات الأمريكية في عُرض البحار. ولو أرادت أمريكا أن تُخرج بلداً من القرية الكونية، لأطفأت فقط عنه الإنترنت، ففقد الاتصال ببقية أنحاء المعمورة اقتصادياً وإعلامياً وثقافياً. ولا ننسى أن الاقتصاد في كل دول العالم أصبح مرتبطاً بالشبكة العنكبوتية، ويكفي أن ينقطع بلد عن العالم يوماً فقط حتى يتكبد خسائر اقتصادية رهيبة. باختصار إذاً، فإن أمريكا تمسك بقوة بخناق العالم اقتصادياً ومعلوماتياً، ناهيك عن أن أي بلد تحرمه أمريكا والغرب من التكنولوجيا المتقدمة، وحتى العادية يصبح بلا حول ولا قوة. وقد توسل النظام السوري ذات يوم عند فرنسا كي تتوسط له عند أمريكا كي يغيّر محرك طائرة الرئيس السوري، لأنه كان يستأجر طائرات خاصة للسفر بسبب الحظر التجاري الذي فرضته أمريكا عليه. لا نقول هذا الكلام كنوع من السجود لأمريكا. لا أبداً، فمن حق كل الدول أن تكسر الطوق، وتتحدى، وتنافس، ولولا التحدي والتنافس، لما ظهرت قوى عظمى، واختفت أخرى. ولا ننسى أن فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ" الذي توقع أن يكون النظام الرأسمالي آخر الأنظمة السياسية والاقتصادية في التاريخ، غيّر وجهة نظره، واعترف بإمكانية ظهور أنظمة جديدة. لكن هذا لا ينفي أنه مازال أمام القوى الكبرى التي تحاول منافسة أمريكا عقودا وعقودا كي تجاريها، فما بالك أن تنافسها. فكيف تتنطع بعض الجماعات التي تستخدم سيارات التويوتا اليابانية والأسلحة الأمريكية ووسائل الاتصال الغربية والدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، كيف تتنطع وتعلن منافسة العالم، وأنها على وشك أن "تفتح روما"؟ لقد ذكرتموني بأحد الظرفاء الحماصنة الذي قال ذات يوم إنه سيطلع إلى ظهر الشمس، فسألوه: "ربما أردت أن تطلع إلى القمر؟"، فقال: "لا أبداً، بل إلى الشمس"، فسألوه: "لكن الشمس حارقة"، فأجاب: "أيها الحمقى، ومن قال لكم إنني سأصعد إلى الشمس في النهار، سأصعد إليها في الليل".
5843
| 03 يناير 2016
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...
2580
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
2346
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...
1110
| 18 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
1104
| 14 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
1068
| 15 أكتوبر 2026
كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...
933
| 18 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
606
| 13 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...
561
| 20 أكتوبر 2026
هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...
531
| 18 أكتوبر 2026
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...
483
| 15 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
474
| 15 أكتوبر 2026
16 اكتوبر هو ذكرى ميلاد ابني محمد رحمه...
447
| 19 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية