رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تخيل ممرضة تقف بباب مريض، تحمل جرعة لقاح جاهزة تماماً، تعرف متى تُعطى وكيف، وهي أكيدة من نجاعة هذه الجرعة وأهميتها، لكنها ولسبب ما لا تجرؤ على منح المريض ذلك اللقاح، إذ إن الورقة التي بين يديها ينقصها توقيع الطبيب المسؤول. هذا بالضبط ما يعيشه كثير من المعلمين اليوم؛ ولأجل ذلك تماماً توقفنا في المقال السابق بإشارة صريحة إلى أن الشخص المنوط به تنفيذ الخطوات الثلاث المقترحة لن يكون المنهج ولا التقنية، بل المعلم نفسه، المعلم الذي ظل لسنوات خط الدفاع الأول والأخير دون أن يُلتفت إليه بقدر كافٍ. لذا؛ فإن الإجابة عن "من سينفّذ" فقط لن تكون كافية من حيث المبدأ؛ فمعرفة الفاعل لا تعني بالضرورة أنه قادر فعلاً على الفعل؛ ولذلك فإن أدوات السؤال الأعمق والتي تستحق التوقف عندها الآن وفعلاً، هي: كيف وماذا؟ وليس من؟. كيف سيفعل، وماذا يحتاج ليفعل أو ينفذ، كيف سيتحول من قادر نظرياً إلى فاعل عملياً؟ وماذا سيلزمه للوصول إلى ذلك؟. يكمن جزء من الإجابة عن السؤال في فجوة معرفية بسيطة لكنها حقيقية؛ إذ إن كثيراً من المعلمين، ومهما بلغت خبرتهم التربوية، لم يتلقوا يوماً تعريفاً واضحاً يشرح معنى وأهمية "التربية الإعلامية الرقمية" بوصفها مهارة مستقلة قائمة بذاتها، وربما ظن بعضهم أن غاية التحول الرقمي في التعليم تنتهي عند حدود تمكين الطالب من استخدام الجهاز اللوحي والتطبيقات الحديثة. هذه الفجوة رغم واقعيتها، تُعالَج نسبياً بيسر عبر توعية بسيطة وموجزة، ولعلها لا تحتاج أكثر من ورقة إرشادية أو ورشة قصيرة لسد الفجوة المعرفية بحد ذاتها. لكن الجزء الأعمق والأخطر من الإجابة، ليس له أي علاقة بالمعرفة على الإطلاق، بل بشيء يقترب أكثر من علم النفس المؤسسي: فحتى المعلم الذي يدرك أهمية هذا الملف تماماً، وربما قرأ عنه واقتنع به، قد يظل متردداً في المبادرة الفردية، لسبب منطقي وبسيط؛ فلماذا يدخل مغامرة تعليمية لم تُطلب منه رسمياً، ولماذا يلج باباً ليس فيه من المدرسة أو الوزارة قرار يستند إليه؟ وهذا بالضبط ما يُعرف في أدبيات التربية الحديثة بمفهوم "وكالة المعلم"، وهو حقل بحثي قائم بذاته، ويدرس قدرة المعلم على المبادرة الذاتية داخل صفه. وقد أجمعت دراسات عديدة في هذا المجال، على أن الأنظمة التعليمية القائمة على المساءلة الصارمة، والمناهج الموحدة، تتحدى هذه القدرة باستمرار، وأن وجود سياق داعم من القيادة المدرسية، حتى ولو كان خفيفاً، سيكون العامل الحاسم في تحويل هذه الوكالة الكامنة إلى فعل حقيقي على أرض الواقع، لا مجرد رغبة شخصية ستظل حبيسة النية الحسنة. من هنا، فإن الحل الحقيقي لا يكمن في تدريب مكثف، أو في حملة توعية ضخمة. ومع أنه لا ينفي أهمية ذلك وضرورته بطبيعة الحال، لكنه كخطوة أولى يكمن فيما يمكن أن نسمّيه "الجرعة المُجازة"؛ استمراراً لاستعارة "التطعيم الأول" التي بنينا عليها المقال السابق. فكما هي حاجة اللقاح الحقيقي لطرفين حتى يكتمل أثره (جهاز مناعي مستعد لتقبله، وجهة تنظيمية تُجيز استخدامه)؛ فإن الخطوات العملية الثلاث التي اقترحناها سابقاً لن تتحول من إمكانية نظرية إلى ممارسة يومية دون اجتماع طرفين: المعلم الذي يبادر من تلقاء نفسه، والمدرسة التي تمنحه هذا الغطاء الذي يشعره بالانطلاق والحماية، غطاء يتجاوز أثره أحياناً القرارات البيروقراطية الثقيلة والبطيئة. وهذا بالضبط التوقيع الذي كانت تنتظره الممرضة عند الباب، سطر واحد يمنح الإذن، لا قرار وزاري ثقيل. ولعل بعض التجارب الواقعية والموثقة أثبتت جدوى ونجاعة هذا المنهج بصورة عملية وبعيدة عن التنظير؛ ففي إحدى المقاطعات التعليمية الأمريكية، أطلقت إدارة المدارس برنامج منح داخلية صغيرة يتيح للمعلم تصميم أنشطته الصفية الخاصة بنفسه، وذلك بمجرد تقديم فكرة واضحة مبسطة تُعتمد من الإدارة بصورة سريعة وبعيدة عن التعقيدات الإجرائية. وقد كانت نتيجة ذلك لافتة جداً؛ إذ تقدم أكثر من ثمانين معلماً خلال جولة واحدة فقط بعدد من المبادرات الفعلية، علماً أن الإدارة لم تفرض عليهم أو تلزمهم بمنهج معين أو آلية بعينها، لكنها اكتفت بمنحهم الإذن والغطاء اللازمين لتحويل أفكارهم الكامنة إلى ممارسات فعلية. ليس هذا مجرد مثال، وإنما ممارسة عملية تؤكد أن ما ينقص المعلم في الغالب ليس الحافز الشخصي ولا حتى الفكرة بحد ذاتها، وإنما تلك الشرعية المؤسسية الصغيرة التي تكفي لإزالة تردد "لماذا أغامر بما لم يطلبه مني أحد؟". ولعل تطبيق هذا المنطق لا يحتاج تعقيدًا إدارياً يُذكر؛ فهو لا يتطلب أكثر من سطر تشجيعي واحد، قد يكون ضمن رسالة بريد إلكتروني بسيطة، أو قرار سريع يتلى خلال أي اجتماع دوري، لكنه سيمنح المعلم كامل الغطاء الذي يحتاجه، وهو غطاء لا يقاس بالحجم، بل بوجوده من حيث المبدأ. وسيكون بإمكان أي معلم مقتنع بجدوى "الدقيقة النقدية" التي اقترحناها في المقال السابق أن يعرض نيته ببساطة على إدارة المدرسة، ضمن إجراء مبسط يتيح له تجربة محدودة لفصل دراسي واحد فقط. وهكذا، وبعد أن يُمنح المعلم هذا الإذن والغطاء البسيط ليبدأ "دقيقته النقدية" الأسبوعية، يبقى سؤال عملي أخير حول ما الذي سيفعله بالضبط خلال هذه الدقائق الخمس تحديداً؟ وهذا ما سيتناوله المقال القادم من هذه السلسلة، عندما سننتقل من الإجابة عن سؤال "من يملك الإذن؟" إلى سؤال أكثر تفصيلاً وعملية: كيف تُصمَّم اللحظة الصفية نفسها بحيث تترك أثراً حقيقياً، وفي خمس دقائق فقط؟
381
| 04 أغسطس 2026
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن السؤال الذي انتهينا عنده وقتها: كيف يمكن ترجمة الدروس التي قدمتها فنلندا وسنغافورة وتايوان، لا كنسخة مستوردة؛ إذ إن للنماذج الثلاثة ما لها وما عليها، بل كنموذج ينبع من واقعنا واحتياجاتنا الخاصة؟ ولعل واحدة من المسائل التي يجب أن نتفق عليها أولاً، أننا لسنا مطالبين من حيث المبدأ باستنساخ أي من هذه التجارب بكامل تفاصيلها؛ ذلك لأن الحكمة تقتضي الأخذ بما هو أكثر قابلية للتطبيق الفوري. والصحيح أن نموذجا كاملا، مهما بلغت جودته في بيئته الأصلية، يصطدم غالباً بواقع مختلف، فمثلاً: تشكّل منهج فنلندا التراكمي عبر عقود من التراكم الثقافي الذي لا يمكن استحضاره بقرار واحد، بينما تتمتع سنغافورة ببنية مؤسسية منسقة وجهوزية إدارية، ربما لا تمتلك منظومتنا ما يماثلها لهذا الملف تحديدًا، حتى التجربة التايوانية ورغم واقعيتها الأقرب لسياقنا، فقد وُلدت من ضغط أزمة وطنية حادة وقتها. وفي سياق ذي صلة؛ فإن بعض هذه التجارب لم يسلم من انتقادات حقيقية وجادة، فعلى سبيل المثال: اعتبرت منظمات دولية معنية بحرية الإعلام، أن الإطار القانوني المصاحب لجهود محو الأمية في سنغافورة منح الحكومة سلطة واسعة في تحديد ما هو "صحيح" بنفسها، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام خطاب التوعية أداةً للرقابة، لا للتمكين المعرفي وحده. ولعل هذا تحديداً ما يرجّح كفة النموذج المحلي الهجين على أي نموذج آخر مستورد، بأن نستلهم من الفكرة الناجحة، دون أن نستورد معها إشكالياتها غير المرتبطة بجوهرها، وبهذا نخلق نموذجاً أخف وزناً وأسرع تطبيقاً، يستلهم الجوهر لا التفاصيل الحرفية. إذاً نحن نتحدث عما يمكن أن نطلق عليه "نموذج الخطوة الصفرية"، ذلك أنه نموذج يسبق أي قرار مؤسسي كبير ويمهّد له دون أن ينتظره، أو "المناعة بحدها الأدنى"؛ كونه لا يتطلب منظومة متكاملة دفعة واحدة، بل جرعة صغيرة تكفي لتحريك الجهاز المناعي من الداخل، وربما يكون التوصيف الأقرب لجوهره، أن نسميه ببساطة "التطعيم الأول"، استعادة لصورة الطبيب إدوارد جينر التي افتتحنا بها سلسلة المقالات هذه؛ فاللقاح لم يكن يوماً جرعة كاملة تقي من المرض، بل قطرة صغيرة تكفي لإيقاظ المناعة من تلقاء نفسها، فهو مصطلح أعمق من مجرد تسمية عابرة. وقبل أن نفصّل ملامح هذا النموذج الهجين، دعونا نستعيد سريعاً الملمح الأهم في كل تجربة من التجارب الثلاث، فمن فنلندا، عرفنا أن قيمة التكرار اليومي البسيط يفوق في قيمته أحياناً مادة دراسية ضخمة تُدرّس لمرة واحدة. ومن سنغافورة، رأينا كيف أن التنسيق وإن كان بأبسط أشكاله، يجنّب المنظومة ازدواجية الجهود المبعثرة. بينما تعلمنا من تايوان كيف نحول الطالب من متلقٍ إلى مدقق فعّال، وهو الهدف النهائي الذي يستحق كل هذا العناء. إذاً، من رحم هذه الدروس الثلاثة المكثفة، يتشكّل التطعيم الأول دون الحاجة لميزانية جديدة، أو هياكل إدارية إضافية، بقدر الحاجة إلى إعادة توجيه بسيطة لما هو قائم أصلاً. تكمن الخطوة الأولى فيما يمكن أن نسميه "الدقيقة النقدية"، وذلك باستثمار خمس دقائق فقط من بداية أي حصة مدرجة في الجدول أصلاً، ولمرة واحدة أسبوعياً، يعرض خلالها المعلم صورة أو منشوراً أو مقطعاً واحداً، ويطرح سؤالاً ثابتاً لا يتغير أبداً: من صنع هذا؟ ولماذا وصلني أنا على وجه التحديد؟ ولماذا الآن؟ ولنتنبّه إلى أنه لا إجابة صحيحة بعينها ننشدها هنا، فالهدف يكمن في تكوين رد فعل ذهني تلقائي، لا الوصول لحكم نهائي. أما الخطوة الثانية وهي "نقطة الاتصال"، فتقوم على تكليف معلم واحد في كل مدرسة، بجمع ملاحظات زملائه الشهرية حول تجربة الدقيقة النقدية: أي الأمثلة أثارت نقاشاً أو جدلاً حقيقياً لدى الطلاب؟ وأيها مرّ مرور الكرام؟ ثم ترفع هذه الملاحظات إلى الموجّه التربوي في المنطقة التعليمية، لتتحول تدريجياً إلى بنك تراكمي من التجارب الفعلية، وتصبح لاحقاً المادة الخام لأي دليل تدريبي رسمي أوسع. وتكمن الخطوة الثالثة "الشاهد الرقمي"، في إعادة تعريف معنى "العمل الجيد" في أي مشروع أو عرض تقديمي يقدمه الطالب، وفي أي مادة دراسية لا في مادة بعينها: هل يذكر مصدر المعلومة أو الصورة التي استخدمها؟ وهل يعلّق بجملة واحدة على مدى موثوقية هذا المصدر؟. لا ورقة عمل إضافية هنا، لا تكاليف جديدة فوق طاقة الطالب، وإنّما تعديل طفيف حول معايير تقييم قائمة أصلاً، من شأنها أن تحول التحقق من المصدر إلى جزء لا يتجزأ من معنى الإتقان في ذهن الطالب. والمتأمل في هذه الخطوات الثلاث يدرك أنها تكاملية من حيث البناء، تراتبية من حيث التنفيذ، لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بل تدور ثلاثتها في حلقة واحدة متصلة: فـ"الدقيقة النقدية" تُنتج المادة الخام من تجارب الفصل الحية، بينما تجمع "نقطة الاتصال" المادة وتنظمها وترفعها، في حين يحول "الشاهد الرقمي" ما تراكم منها إلى معيار تقييم دائم يرسّخ العادة ولا يكتفي بمجرد تذكيرها. وهذا بالضبط ما يجعل من "التطعيم الأول" نموذجاً واحداً متكاملاً، لا ثلاث مبادرات متفرقة يسهل أن يذبل أحدها بمعزل عن الآخرين. وكما أن الجهاز المناعي الحقيقي لا يعتمد على خط دفاع واحد، بل على منظومة متكاملة من الخطوط المتعاضدة، فإن مناعتنا الرقمية المعرفية لن تُبنى بخطوة واحدة معزولة، بل بجرعات صغيرة تتغذى كل واحدة منها على الأخرى. ويبقى سؤال أخير، ربما يكون الأهم بين كل ما طُرح حتى الآن، فبعيداً عن أي قرارات أو ميزانيات معلنة، من هو الشخص الذي يملك تنفيذ هذه الخطوات الثلاث فعلياً على أرض الواقع، وبحماسه الشخصي وجهده اليومي فقط. في المقال القادم من هذه السلسلة، سأجيب عن هذا التساؤل، والذي لن يكون المنهج، أو التقنية، ولا حتى المؤسسة نفسها، بل شخص واحد ظل لسنوات طويلة خط الدفاع الأول والأخير دون أن يُلتفت إليه بالقدر الكافي.
1053
| 28 يوليو 2026
كنا قد انتهينا في المقال السابق من هذه السلسلة إلى سؤال واحد، بسيط في ظاهره، ثقيل في مضمونه: "من اختار لك أن تشاهد هذا بالذات؟". قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مجرد تمرين فكري يصلح للنقاش لا للتطبيق. غير أن ثلاث دول تختلف في ثقافتها، نظامها السياسي وحجم سكانها، وجدت نفسها قبل سنوات أمام السؤال ذاته، فقررت ألا تدعه معلقاً في فضاء النقاش النظري؛ فعمدت لتحويله إلى سياسة تعليمية متكاملة. والمثير في تجارب الدول الثلاث أنها لم تسلك الطريق نفسه للوصول إلى الهدف؛ إذ اتجهت كل منها إلى بناء نموذجها الخاص الذي يتناسب مع بنيتها المؤسسية، وهو ما يمنحنا اليوم ثلاثة دروس مختلفة، لا درساً واحداً مكرراً. البداية من فنلندا التي تمثل النموذج الأول، حيث ابتكرت ما يمكن أن نطلق عليه "المناعة كثقافة"، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أُدرجت التربية الإعلامية ضمن المنهج الفنلندي، لا كمادة منفصلة قائمة بذاتها، بل كخيط ممتد عبر مراحل التعليم كافة، يبدأ من رياض الأطفال حيث يتعرف الصغار على الأجهزة والمحتوى من خلال اللعب الموجّه، وصولًا إلى المراحل الدراسية المتقدمة، والتي باتت تشمل اليوم مهارات كشف التزييف العميق بالذكاء الاصطناعي. وقد أثمر هذا النهج المتراكم وفق (معهد المجتمع المفتوح في صوفيا) عن تصدّر فنلندا مؤشر محو الأمية الإعلامية الأوروبي، وهو مؤشر يقيس قدرة الدول على مجابهة الأخبار المضللة بالاستناد إلى حرية الإعلام ومستوى التعليم ودرجة الثقة المجتمعية. والدرس هنا واضح جداً؛ فحين تتحول المهارة النقدية لتكون جزءاً من نسيج التعليم اليومي فإنها تصبح عادة ذهنية راسخة لا معلومة عابرة تُنسى بعد الامتحان. أما النموذج الثاني والذي يمكن تسميته بـ"المناعة كمنظومة" فتمثله دولة سنغافورة، وخلافاً للنهج الفنلندي القائم على الثقافة المتراكمة عبر السنوات، وفي محاولة لتنسيق الجهود المبعثرة، اختارت سنغافورة إنشاء بنية مؤسسية منسقة ومحكمة؛ إذ أسست عام 2012 مجلساً وطنياً لمحو الأمية الإعلامية يجمع تحت مظلته وزارة التعليم، هيئة تطوير الإعلام والاتصالات وهيئة الأمن السيبراني. ومن رحم هذا التنسيق وُلد بحسب وزارة التعليم السنغافورية "البرنامج الوطني لمحو الأمية الرقمية" الذي حمل شعار: "ابحث، فكّر، طبّق، أنتج"، بهدف بناء مهارات الطالب عبر أربعة محاور متكاملة، هي: البحث، التفكير النقدي، التطبيق والإنتاج، ولم يتم إفراد مادة منفصلة لهذه المهارات، وإنما دمجت ضمن مادة "التربية على المواطنة والشخصية". ولعل الدرس المستفاد من التجربة السنغافورية أن التعاون بين القرارات التربوية والتقنية من جانب والأمنية من جانب آخر من خلال جهة تنسيقية واحدة يجنّب المنظومة ازدواجية الجهود التي كثيراً ما تُنهك المبادرات الفردية المتفرقة مهما حسن الإعداد لها. وبالانتقال إلى النموذج الثالث والذي قد يكون أكثر إلهاماً لسياقنا، ممثلاً بتايوان، والذي يمكن أن نعرفه بـ "المناعة كممارسة"؛ حيث عملت تايوان على إدراج محو الأمية الإعلامية في مناهجها منذ عام 2002، لكن هذا الإدراج المبكر ظل سطحياً مقتصراً على التحليل النظري للصحافة المطبوعة في حصص التربية المدنية لسنوات. لكن الجزيرة التي تتعرض بشكل شبه يومي لحملات تضليل منظمة، أدركت أن هذا النهج النظري لم يعد كافيًا، فأجرت عام 2019، وبتوجيه مباشر من وزارة التربية وعلى لسان وزيرة الشؤون الرقمية أودري تانغ، إصلاحاً جذرياً لمنهجها، حولت بموجبه الهدف من مجرد "محو أمية" إلى بناء "كفاءة" فعلية؛ بمعنى أنها انتقلت بالطالب من موقع القارئ السلبي إلى موقع المنتج والمدقق النشط. ولعل أبرز تطبيقات هذا التحول أن الطلبة باتوا يشاركون فعلياً في عمليات تدقيق حقائق جماعية، بل إن بعضهم كُلّف بالتحقق من صحة تصريحات بثّت بصورة حية أثناء مناظرات رئاسية فعلية. وبحسب تصريحات نشرتها مجلة (D+C) الألمانية لأحد الخبراء المعنيين بهذا الملف، فإن التجربة أحدثت أثراً ملموساً بتحصين عقل الطالب ضد التضليل المستقبلي بصورة أعمق من مجرد عرض الحقائق عليه بعد وقوعها؛ وهو وصف يستحضر ودون قصد مباشر، المنطق ذاته الذي انطلقنا منه في مستهل هذه السلسلة: أن المواجهة الحقيقية لا تكون بالعزل أو التلقين، بل بتحصين قدرة عقل الطالب على تكوين جهاز الفلترة الخاص به. إن استعراض هذه النماذج لا يعني- بالضرورة- استنساخ واحدة منها دون أخرى، فلكل دولة ظروفها وتركيبتها وبنيتها الاجتماعية والإدارية المختلفة، لكن المتأمل في النماذج الثلاثة سيجد قاسماً مشتركاً يتجاوز الاختلاف بالأدوات أو السياقات، إذ لم تنظر أي من هذه الدول لمحو الأمية الإعلامية باعتباره مادة اختيارية أو ورشة موسمية، وإنما جعلته نسيجاً ثقافياً ممتداً، أو بنية مؤسسية، أو ممارسة تطبيقية، وفي الحالات جميعها فإن ذلك سيضمن للطالب تحولاً تدريجياً من مجرد كونه متلقٍ إلى قادر على الفعل والمساءلة. الواقع أن "المناعة الرقمية المعرفية" لا تُبنى بقرار إداري واحد، بل بتراكم مؤسسي واعٍ يبدأ من أدنى حلقة في السلسلة التعليمية. وهذا بالضبط ما سيقودنا في المقال القادم إلى محاولة الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحًا محلياً: كيف يمكن ترجمة هذه الدروس الثلاثة لنموذج ينبع من واقعنا واحتياجاتنا الخاصة لا كنسخة مستوردة؟.
390
| 23 يوليو 2026
قدّر لي زيارة دولة قطر أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أغادرها وفي نفسي شيء من الدهشة يتجدد، دهشة من هذا البلد الهادئ الوادع، الذي تمشي في شوارعه فتحس بأمان لا تحتاج معه أن تلتفت خلفك، وتدخل مؤسساته فتلمس رقياً في الخدمة يحاكي أرقى عواصم العالم، وتجالس أهله فتجد إنساناً قطرياً واثقاً من نفسه، معتزاً بهويته، منفتحاً على العالم دون أن يذوب فيه. كل هذا الازدهار الذي لمسته بأم عيني لم يتأت من فراغ، بل كان بصمة رجل، رسم بيده الخطوط الأولى لهذه النهضة، وآمن أن الاستثمار الحقيقي يكون في الإنسان نفسه، فمكّنه وثقّفه ومنحه صوتاً ومكانة عالمية. تودّع قطر أميرها الوالد سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأدركت أن هذا البلد يبدع حتى في لحظات حزنه؛ إذ رصدت كيف امتلأت المنصات الرقمية بمشاعر القطريين، رسميين ومواطنين، وهم ينعون رجلاً لم يكن مجرد حاكم سابق، بل كما وصفه كثيرون: "أباً حنوناً" للبلاد وأهلها. رأيت كيف لم يستطع الإعلامي جابر الحرمي، رئيس تحرير جريدة الشرق، إخفاء تأثره الشديد خلال لقاء تلفزيوني على قناة العربي عقب إعلان الوفاة، وهو يستحضر كيف بنى الراحل وطنه ورفع مكانته ودافع عن قضايا أمته، وشهدتُ تأثر أحد مراسلي الجزيرة في الدوحة الذي خانته العبرات وهو ينقل خبر الوفاة ومراسم العزاء. حين يعجز إعلاميون محنّكون بهذا الحجم عن ضبط انفعالهم أمام الكاميرا، فذلك أبلغ دليل على أن الرجل الذي رحل لم يكن مجرد اسم عابر في سجل الحكام، بل كان فعلاً أباً لجيل كامل من القطريين، يستحق منهم ومن قطر كل هذا الحزن الصادق. لكن حزن قطر العميق على أميرها الوالد، ليس الحكاية الوحيدة التي تستحق أن تروى اليوم. فثمة حزن آخر، موازٍ له في الصدق وربما أعمق في الامتنان، يتردد صداه الآن في غزة والضفة وكل بيت فلسطيني: فلماذا أحب الفلسطينيون هذا الرجل القائد تحديداً؟ ربما تبدأ الإجابة من عام 1999، وربما قبل ذلك بكثير، ففي ذلك العام زار قطاع غزة لأول مرة، واستقبله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ليكون بذلك أول حاكم خليجي يطأ الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، في وقت كانت فيه القضية الفلسطينية تتراجع عن سلم أولويات كثير من العواصم العربية. ثم جاء يناير 2009، حيث دعا إلى قمة عربية طارئة في الدوحة جراء العدوان الإسرائيلي على غزة، وقال كلمته التي لا تُنسى، حين انتقد غياب بعض القادة العرب عن القمة بقوله إنه "ما إن يكتمل النصاب لعقد هذه القمة حتى ينقص"، وفي العام نفسه، اتخذت الدوحة قراراً لم تتراجع عنه، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل" احتجاجاً على الحرب. وفي فبراير 2012، رعى إعلان الدوحة الذي سعى إلى رأب الصدع الفلسطيني الداخلي، ثم جاءت اللحظة التي لا يزال الفلسطينيون يستحضرونها كواحدة من أكثر أيامهم دفئاً وسط الحصار: 23 أكتوبر 2012، حين عبر معبر رفح ليصبح أول حاكم يزور غزة منذ فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية، وفي أوج ما كان يعيشه القطاع من حصار ظالم خانق، وألقى من الجامعة الإسلامية خطاباً تاريخياً خاطب فيه أهل القطاع مباشرة، مؤكداً أن وقوف قطر إلى جانبهم ليس معروفاً يُسدى، بل واجب الأخ نحو أخيه، وأعلن خلال الزيارة رفع المنحة القطرية إلى 400 مليون دولار لإعادة الإعمار، شملت إلى جانب مشروع "مدينة حمد" السكنية في خان يونس مستشفيات وبنى تحتية للقطاع بأكمله. وقد اعتبرت حركة حماس هذه الزيارة والمنحة كسراً فعلياً للحصار المفروض على غزة، وسلّمت قطر الدفعة الأولى من وحدات مدينة حمد السكنية عام 2016، لتوفر لآلاف الأسر الفقيرة سكناً كريماً، قبل أن تطولها لاحقاً آلة الحرب والدمار. لم يكن دعم سمو الأمير الوالد سياسياً وإنسانياً فحسب؛ إذ احتضنت قطر في عهده، وما تزال، قيادات فلسطينية بارزة، وحملت على عاتقها عبء وساطة سياسية لم تتوقف يوماً عن السعي لوقف نزيف الحرب ومرارة الانقسام. ولعل أعظم إرث تركه الراحل للقضية الفلسطينية وللمظلومين في كل مكان، ليس قراراً سياسياً، بل مؤسسة كاملة أسسها عام 1996: شبكة الجزيرة الإعلامية، التي ظلت لعقود، وما تزال، منبراً يحمل صوت فلسطين إلى العالم في لحظات كان هذا الصوت فيها شبه غائب أو مغيّب عن كثير من الشاشات العربية والدولية. رحل سمو الأمير الوالد لا بوصفه حاكماً بنى دولة نموذجية عصرية فحسب، بل بوصفه صوتاً لكل من لا صوت له، وداعماً لكل قضية عادلة حملها العرب على عاتقهم، فكان سنداً حين تخلى الكثيرون عنها. رحم الله الأمير الوالد رحمة واسعة، وألهم أسرته الكريمة وشعب قطر الحبيب، ومحبيه في فلسطين وكل مكان الصبر والسلوان.
303
| 17 يوليو 2026
في سبعينيات القرن الماضي كانت غاية كل منتج، مذيع ومسؤول برامج أن يفهم جمهوره، فيسلسل له المحتوى بما يضمن بقاءه أمام الشاشة أو خلف المذياع أطول فترة ممكنة؛ فتوقيت النشرة، تتابع الفقرات، لحظة الإعلان حتى نبرة الصوت قبل الانتقال إلى موسيقى الفاصل، كل ذلك لم يكن أمراً عبثياً، وإنّما هندسة صممت بعناية فائقة، ذلك أن صناعة الإعلام تقوم على فكرة مفادها بأن جذب الانتباه علمٌ ذو قواعد ولا يأتي مصادفة. لكن تلك الهندسة القديمة ورغم دقتها، كانت تخاطب جمهوراً عاماً مجهول الملامح؛ ملايين المشاهدين يتلقون الرسالة نفسها، في التوقيت ذاته، وصانع المحتوى لا يعرف شيئاً عن الشخص الجالس أمام الشاشة: عمره، مزاجه، ما يخيفه أو يضحكه. أمّا اليوم، فقد انتقلت «هندسة الجمهور» من مخاطبة الكل، لتصبح علماً دقيقاً يخاطب الفرد الواحد؛ بينما تبني الخوارزميات -التي لا تقدم محتوىً موحداً بل تُطَبِّقُ تمييزاً لحظياً-، لكل طفل ومراهق جمهوره الخاص اعتماداً على ما يضغطه في ثوانٍ معدودة. وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلاً: في الإعلام التقليدي، كان الجمهور يعرف -وإن كان بالحد الأدنى- من يخاطبه؛ قناة لها اسم، شركة لها هوية أو جهة معلنة يمكن مساءلتها. أما في المنظومة الخوارزمية التي تحيط بأبنائنا اليوم، فالمرسل غائب تماماً؛ لا وجه له، لا اسم ولا جهة واضحة يمكن للطفل أو المراهق أن يسألها: من الذي يتحدث إليّ، ولماذا؟ هذا الغياب للمرسل هو بالضبط ما يجعل «هندسة الجمهور» الرقمية أخطر من أي نسخة سبقتها؛ ذلك أنّ المواقف التي تتشكل لدى الأبناء تجاه أنفسهم والآخرين، وتجاه قضايا المجتمع، لم تعد نتاج حوار واعٍ أو تربية مقصودة، بل نتاج تراكم صامت لآلاف اللقطات التي اختارتها لهم خوارزميات لا تعرف عنهم سوى أنهم توقفوا أمامها لثانيتين أكثر من غيرها. وهكذا لم تعد الخوارزمية مجرد أداة ترفيه أو تسويق، بل باتت تؤدي دوراً موازياً لدور المعلم والأسرة في تشكيل وعي الأبناء، دون أن تخضع لمنهج، أو تُسأل عن نتيجة. وبالحديث عن هذه الهندسة الصامتة، فإن الأثر المترتب عليها يبدأ مبكراً، وفعلياً في مرحلة منزوعة القرار من طفولة الأبناء؛ فقد أثبت الباحث (جيم ماكنيل) أن الأطفال يبدأون في التعرف على الشعارات التجارية في عمر من الـ 12 إلى الـ 24 شهراً؛ وأنّ الطفل قد يتعلم كتابة الحرف الأول من علامة تجارية قبل أن يتقن كتابة اسمه. وفي البيئات الرقمية ذات التغطية شبه الشاملة، يَتعرَّض الأبناء لآلاف الإعلانات يومياً، وهذا التدفق الهائل يُكوّن نماذج فكرية وقوالب ذهنية تُحدّد اختياراتهم قبل أن يطوّروا قدراتهم النقدية. ولا يتوقف الأمر عند هذا التأثير المبكر، بل يمتد إلى نافذة أكثر حساسية في العمر، هي مرحلة المراهقة؛ إذ تجمع دراسات حديثة في علم الاجتماع السياسي على أنها النافذة الأكثر حساسية في حياة الإنسان، وفيها تتشكّل مواقفه وهويته الاجتماعية والسياسية، ويكون العقل في أوج قابليته للتأثر، وهو في الوقت ذاته لا يزال يفتقر إلى الأدوات النقدية الكافية لمساءلة ما يُعرض عليه. أمّا المفارقة الموجعة فتكمن في أن هذه المرحلة بالذات تشهد أعلى معدلات التعرض اليومي للمحتوى الخوارزمي، وهكذا تتقاطع أضعف نقطة في النمو المعرفي مع أعلى كثافة في التعرض للتأثير، في توقيت واحد تماماً. وعلى اعتبار أننا بتنا نعيش عصر أنظمة تعليمية تدمج المنصات الرقمية على مدار اليوم، وحيث ان الأسر باتت تحظى بتغطية رقمية شبه كاملة واتصال فائق السرعة، وفي ظل رؤى وطنية تسعى حثيثاً نحو التحول الرقمي و»رقمنة الدول»، حيث ينشأ جيل كامل من «المواطنين الرقميين»، يصبح السؤال «من اختار لك أن تشاهد هذا؟» أكثر إلحاحاً لا أقل؛ فكلما تقدمت البنية الرقمية للدولة، اتسعت مساحة التماس اليومي بين الطفل والخوارزمية، وازدادت الحاجة إلى فهم آلية هذه الهندسة الصامتة قبل التفكير في كيفية مواجهتها. إنّ استمرارنا في الصمت أمام «هندسة الجمهور» الرقمية يسهم في صناعة جيل يحمل مواقف لا يعرف عنها ولا عن من صاغها، وفي الواقع أن هذه ليست دعوة للخوف من التقنية أو الهرب منها، وإنّما دعوة لإعادة صياغة السؤال «ماذا تشاهد؟» ليكون «من اختار لك أن تشاهد هذا بالذات؟»، ولعله يكون السؤال الأكبر الذي سيقود إلى تعزيز «المناعة الرقمية المعرفية» لدى الأجيال. ولعلي أتناول في مقالات قادمة سبل تحويل هذا الوعي بآلية «هندسة الجمهور»، وطرق تعزيز «المناعة الرقمية المعرفية» والانتقال بها إلى مصاف الأدوات العملية داخل الأسرة والمدرسة، قبل أن يكبر أبناؤنا وهم يحملون مواقف لا يعرفون من صاغها لهم ولماذا!
561
| 06 يوليو 2026
في أواخر القرن الثامن عشر، وبينما كان وباء الجدري يحصد أرواح الملايين حول العالم، لم يلجأ الطبيب الإنجليزي "إدوارد جينر" إلى عزل مرضاه في حصون مغلقة لحمايتهم، بل ذهب إلى خطوة بدت مجنونة حينها؛ إذ حَقن طفلاً سليماً بجرعة مخففة من الفيروس. لم يكن "جينر" - حينها - يهاجم المرض من الخارج، بل كان يعمد إلى استثارة الجهاز المناعي للطفل ليبني حائط صدٍّ داخلي قادر على التعرف على الخطر وتدميره؛ وهكذا وُلد مفهوم "المناعة" الذي غيّر تاريخ الطب وأنقذ البشرية. اليوم، ونحن نغرق في طوفان من المحتوى الرقمي والبيانات الموجهة، نجد أنفسنا أمام التحدي ذاته، ولكن في ساحة معركة مختلفة؛ ففي صمت مطبق وفي زاوية كل منزل تقريباً، يجلس طفل مسمّراً عينيه على شاشته الصغيرة، يمرر إصبعه إلى الأعلى بلا توقف، وهو بالنسبة للوالدين، يقضي مجرد "وقت ترفيهي". لكن ما يحدث خلف تلك الزجاجة اللامعة هو أعقد عملية "هندسة نفسية" لتشكيل الوعي في التاريخ البشري؛ ففي تلك اللحظة، تعمل آلاف الخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتُجري ملايين العمليات الحسابية في الثانية الواحدة لتحقيق شيء واحد فقط: وهو اختراق جهازه العصبي، ضخ الدوبامين، وتشكيل وعيه بصمت ليكون مستهلكاً مثالياً، مدمناً، ومستلباً بلا إرادة. ثم في صباح اليوم التالي، نُرسل هذا الطفل الذي تعرضّ لأشرس غسيل دماغ رقمي إلى المدرسة، معتقدين أننا نحصّنه بالتعليم!؛ لكن هذه المنظومة التعليمية التي يُفترض بها أن تكون الحصن الأخير المتبقي لتشكيل وعي أبنائنا، وبناء هويتهم، والمسؤولة المباشرة عن صياغة إدراكهم للواقع، تُخترق اليوم بصمت، ولعل أكثر من يسهّل هذا الاختراق هو نحن، حين نعتقد أن تزويدهم بأحدث الأجهزة اللوحية الذكية هو غاية "التحول الرقمي". وهنا يكمن الخلل المنطقي المرعب؛ أي في طريقة استجابتنا كمنظومة مجتمعية وتربوية لهذا الخطر. ولنتحدث بلغة الأرقام؛ إذ تشير إحصاءات عالمية حديثة إلى أن المراهق يقضي في المتوسط نحو 7 ساعات يومياً ملتصقاً بالشاشات لأغراض ترفيهية بحتة. بينما أظهرت دراسة شهيرة لجامعة "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)"، أن الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلل ينتشران أسرع بـ 6 مرات من الحقيقة عبر المنصات الرقمية. وبهذا إذن نكون أمام طوفان من التضليل الممنهج. وحينما قررت المؤسسات التربوية عالمياً وعربياً مواجهة هذا المد، اندفعت بحماس نحو ما يسمى بـ "التحول الرقمي"؛ فاستبدلت السبورة الخشبية بالشاشة الذكية، ومنحت الطفل / الطالب جهازاً لوحياً ليحل الواجبات، وهذا إنجاز عظيم يُحسب لمدارسنا. إلا أن هذا التحول التكنولوجي، وعلى بالغ أهميته وحتميته، لا يكفي وحده ليكون الحل. بل وعلى عكس ما يبدو؛ فإن تعريض الطالب لهذا الانفتاح التقني الشامل دون تزويده بأدوات وقائية فعّالة، قد يفاقم المشكلة بدلاً من حلها، لأنه يضعه في عين العاصفة الرقمية مجرداً من أي سلاح فكريّ للتعامل معها. لذلك، بدا أن هذا الاندفاع نحو الرقمنة – للأسف – يميل بكليّته إلى الجانب "التقني الاستهلاكي"؛ أي تعليم الطالب كيف يستخدم الأداة تقنياً، بينما يغيب السؤال الأكثر أهمية وخطورة: كيف يقيّم الطالب مخرجات هذه الأداة عقلياً وأخلاقياً؟. نحن في مدارسنا نبذل جهداً رائعاً في تعليم طلابنا مهارات التصفح، واستخدام التطبيقات الحديثة، والبرمجة أحياناً، لكننا نغفل عن تعليمهم مهارات تحليل ما يقرأون ويشاهدون. فلا أحد يخبرهم كيف يكتشفون المحتوى المضلل الذي بات يزيف الواقع باحترافية مرعبة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل التزييف العميق (Deepfake). باختصار؛ نحن نبني "مستخدمين" بارعين للتكنولوجيا، لكننا لا نبني "نقاداً" قادرين على فلترة هذا المحتوى اللانهائي الذي يتسرب إلى عقولهم. لقد أثبتت التجارب أن سياسة "المنع والمصادرة" وسحب الهواتف من أيدي الأبناء معركة خاسرة سلفاً، تماماً كما كان العزل التام فاشلاً في مواجهة الأوبئة القديمة. وفي دولة مثل قطر، والتي تقدم اليوم نموذجاً متقدماً في جودة التعليم والبنية التحتية الرقمية، وتتبوأ مراكز ريادية في مؤشرات التنافسية؛ يتضاعف حجم هذا التحدي؛ فكلما زاد الانفتاح التقني، زادت الحاجة الماسة لحماية الهوية. وبينما تسير الدولة بخطى واثقة نحو تحقيق أهداف "رؤية 2030" التي تضع بناء الإنسان الواعي والمتمسك بقيمه على رأس أولوياتها، نجد أنفسنا أمام تساؤل إستراتيجي: كيف نحافظ على هذه الهوية الأصيلة حين يقضي الطالب ربع يومه أمام خوارزميات تغذيه بقيم معولمة وموجهة؟. للإجابة عن هذا التساؤل المعقد، يجب أن ندرك أولاً أن الحل لن يكون بالهروب إلى الخلف أو شيطنة التقنية، ولا بالاكتفاء بتلقين الطلاب مهارات الحاسوب التقليدية، فالحل الحقيقي يكمن في تبني مفهوم إستراتيجي شامل نطلق عليه اسم "المناعة الرقمية المعرفية". هذه المناعة لا تعني مجرد الحجب والحماية السطحية، بل تعني "هندسة عقل الطالب" ليكوّن هو جهاز الفلترة الخاص به؛ إنها تزوده بالقدرة النقدية التي تفكك المحتوى وتحلله قبل أن تستهلكه. وهنا، لنا في النماذج العالمية المتقدمة أسوة حسنة؛ فدولة مثل فنلندا - مثلاً- تصدّرت دول أوروبا في "مؤشر محو الأمية الإعلامية" لسنوات متتالية، ذلك أنها أدركت ومبكراً أن ساحة المعركة الحقيقية هي "الوعي"؛ فقامت بإدراج مهارات "التربية الإعلامية واكتشاف الأخبار الكاذبة" ضمن بنيتها التعليمية ابتداءً من المرحلة الابتدائية، محولةً بذلك التهديد الرقمي إلى ميزة تنافسية لأجيالها. صحيح أن إدراج مادة دراسية مستقلة للتربية الإعلامية قد يكون حلاً منطقياً وضرورياً في كثير من الأحيان، إلا أننا لا نتحدث هنا عن مجرد منهج إضافي قد يثقل كاهل المنظومة، بل نتحدث بالأساس عن "أسلوب حياة" وممارسة يومية داخل الغرفة الصفية. نريد أن يكون الطالب قادراً بالفطرة على التوقف للحظة أمام صورة مبهرة صنعها الذكاء الاصطناعي ليسأل: من صنعها؟ ولماذا؟ وما الرسالة المبطنة فيها؟ أو أن يمتلك الوعي الكافي لتحليل إعلان تجاري أو سياسي قفز فجأة أمامه أثناء مشاهدته لمقطع تعليمي أو ترفيهي على (يوتيوب)؛ إعلان لم يختره، بل فرضته عليه الخوارزميات بدقة للتلاعب في رغباته. نعم، نحن نتحدث هنا عن خط الدفاع الأول والأهم، وهو بطبيعة الحال ليس "المنهج الدراسي" كما يظن الكثيرون، بل "المعلم"؛ فتمكين الكوادر التعليمية، والأخصائيين الاجتماعيين، من أدوات "التربية الإعلامية الرقمية"، وتدريبهم على تصميم أنشطة صفية دقيقة (Micro-activities) لتفكيك المحتوى الرقمي أمام الطلاب، هو الاستثمار الحقيقي في الحقيقة، لا في الضجيج، وهو الذي سيوصل أجيالنا إلى المستوى المنشود من الوعي النقدي. إذاً لماذا كل ذلك؟ هذا لأن المنظومة التعليمية، وهي المهنة التي يقع على عاتقها صناعة الأجيال، تستحق أن تُدعم للعبور من مرحلة الاستخدام التقني إلى مرحلة السيادة الرقمية، فقد حان الوقت لتسليح معلمينا بأدوات "المناعة المعرفية"، لنخرج جيلاً يقود الآلة، بدلاً من أن تقوده وتُهندس عقله في غفلة منا.
828
| 17 يونيو 2026
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها...
6309
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور...
3951
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
2361
| 01 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...
969
| 02 أغسطس 2026
لو أن أحدنا عاد بالزمن ألف عام إلى...
822
| 05 أغسطس 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
795
| 31 يوليو 2026
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من...
741
| 05 أغسطس 2026
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل...
636
| 04 أغسطس 2026
ليست كل البطولات تُحسم بالمهارة، وليست كل القيادات...
603
| 04 أغسطس 2026
لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية...
588
| 01 أغسطس 2026
من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد...
585
| 02 أغسطس 2026
بعض الموظفين يحاولون جاهدين الوصول لمناصب أعلى مما...
546
| 03 أغسطس 2026
مساحة إعلانية