رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هل يستطيع الإعلام التقليدي منافسة الإعلام الافتراضي الجديد؟

لاشك أن عالم اليوم أصبح العالم قرية عالمية متداخلة مع العوالم الأخرى القريبة منها والبعيدة، والتي لا خيار لنا في القبول بأطروحاتها أو عدم القبول، فإن هذه المرحلة بعيداً عن التعريفات والمصطلحات تعني إلغاء الحدود القومية، وتعميم مفاهيم العولمة، ونقل نطاقها إلى أقصى حد من العمومية بدون رقابة أو حجب، وفي فضاء مفتوح ومتاح كونياً للعالم. ومن هذا المنطلق الإعلامي العربي بصورة عامة، والإعلام الخليجي بصورة خاصة سيتأثر بلا شك من هذه التطورات المتسارعة، وأصبح (مجتمع الإعلام العالمي) وتأثيره حقيقة واقعة لا جدال فيها، وأن هذه التطورات المقبلة ستشهد تراجعاً ملحوظاً في السيادة الوطنية والثقافية للدولة. ذلك أن تقنية الاتصال المعاصرة تسمح للفرد بالانفتاح على مجالات إعلامية وثقافية متعددة من دون أن يكون خاضعاً لمشيئة الدولة وسياساتها الإعلامية والثقافية.هذا الانفتاح وما يقابله من تدفق معلوماتي مقصود تجاه المشاهد ـ المستقبلين ـ لا بد أن يؤثر إلى الدرجة التي يمكن معها المستقبل أن يرتبط برصيد معرفي مشترك مع المصدر "الآخر" القوي، مصدر قد يؤثر في سلوكه وتفكيره أكثر من ذلك المتعلق بهويته الأصلية.ولعل أخطر هذه التحولات ما يقوم به الإعلام في تشكيل أنماط معينة من السلوك الإنساني وتهميش أنماط أخرى من خلال لغة الصورة ورموزها. تحولات أدركت بموجبها الدول المتقدمة أهمية الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الإعلام كبديل لممارسة الديمقراطية، خصوصاً بعد أن احتلت وسائط الاتصال المساحة المخصصة لممارسة الفعل الديمقراطي، إذا أصبحت هذه المساحة هي ذاتها المخصصة للإعلام، ولذلك لم يعد الإعلام يمثل السلطة الرابعة، بل أصبح يشغل المجال الشفاف بين الفعل السياسي والثقافي ورد الفعل الجماهيري. ويعتقد العديد من المهتمين بتأثيرات العولمة الفكرية والثقافية أن هذه التطورات الكبيرة في وسائل الاتصال والإعلام سوف تجعل العالم يتغير كثيراً ويتفاعل مع الثقافات الأخرى بحكم هذا التطور المعلوماتي والإعلامي المتسارع. إن التوقعات المقبلة أن يتوسع عالم المعلوماتية وعولمة الإعلام بحيث تنافس الدولة في بعض صلاحياتها، لاسيما مجال الإعلام وتأثيره في الرأي العام وقدرته وإمكانياته التكنولوجية على الاختراق الكوني حد الانتقاص من السيادة الوطنية، بحيث إن الشبكات الهائلة من علاقات القوة والهيمنة ستعمل من خلال الشركات العابرة للقارات، وغطاء منظمة التجارة العالمية، وغيرها من المؤسسات الاقتصادية على الاختراق السيادي، وعلى الأخص الاختراق الإعلامي المعلوماتي "ويذكر جوزيف ناي ـ وهو مسؤول سابق في البنتاغون وعميد معهد كينيدي في جامعة هارفارد حالياً ـ في مقال كتبه بالاشتراك مع وليم جونز ونشرته مجلة "الشؤون الخارجية" في عدد نيسان من العام 1996 "كيف أنه سيكون من السهل على أمريكا أن تسيطر سياسياً على العالم في المستقبل القريب، وذلك بفضل قدرتها التي لا تضاهى في إدماج النظم الإعلامية المعقدة . ويبيّن صاحبا وجهة النظر الأمريكية هذه إلى أي مدى تأثرت مفاهيم السيادة القومية تحت وطأة الاختراق الإعلامي عبر شبكات التلفزة الفضائية والإنترنت. حيث لم يعد بإمكان الدول ذات السيادة التقليدية أن تحجب عن فضاءاتها الغزو الثقافي والإعلامي. الأمر الذي كانت توفره إجراءات سيادية تقليدية من مثل إغلاق بوابات الحدود الجغرافية في وجه عمليات الاختراق الآتية من خارج. حتى أن عدداً من الخبراء الإنجليز راحوا يصفون هذه الظاهرة العالمية بـ "القوة الناعمة" التي تستطيع أن تحقق غاياتها الفكرية على نطاق واسع من دون أن تخلق ردات الفعل الكلاسيكية الثورية من جانب الشعوب التي تتعرض كرامتها القومية للمهانة وسيادتها للانتهاك وأرضها للاحتلال.لا شك أن قضية التحدي الإعلامي في وقتنا الراهن تعتبر مسألة هامة تستدعي المراجعة والتقييم وبلورة الوسائل الجديدة، لهذه المرحلة التي باتت من الخطورة، ما يحتم أن تكون لنا معطيات ومنطلقات تخدم المرحلة الراهنة بكل تحدياتها الراهنة والمستقبلية. فلا يكفي التحذير والتخويف والتنظير الكلامي غير الواقعي لمواجهة التحديات وإنما يجب أن تتم برسم الخطط وإيجاد الوسائل الحديثة وإعداد البرامج الأكثر جاذبية وتشويقية تخدم قضايا المجتمع، وتناقش مشكلات المواطن وهمومه بصراحة وحرية بعيدا عن المبالغة والتهويل أو البتر والتحوير، لأن مرحلة التحدي الفضائي ومخاطره الثقافية والفكرية وحتى الاجتماعية تستدعي- كما قلنا- إعطاء روح جديدة للوسائل الإعلامية العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص. ونحن لا نتحدث عن توقع أو خيال وإنما نتحدث عن واقع وحقائق قائمة، حيث تستباح مجالات الفضاء بصورة نهائية، ويسيطر الأقوى تكنولوجيا على فكر العالم وعقله، فتسهل عليه في كافة الشؤون الأخرى في الوقت الذي يصبح فيه العالم النامي عديم الحيلة أمام تلك القوى التي تمتلك الوسائل وأساليب الدعايات العديدة.واضطرت الكثير من الدول إلى فتح أبوابها على مصراعيها، وبعض على وشك السير في هذا الطريق، أمام هذا التطور المفروض بمنظمة التجارة العالمية "الجات" تحت مسميات دعم التفاهم بين الشعوب وتقديم الثقافة والفكر لبلورة حوار الحضارات والتواصل الإعلامي الجديد وتعميم التكنولوجيا والمعلوماتية "الإنترنت" عبر الفضاء.لكن البعض الآخر يختلف مع هذه الرؤى المتداولة ويعتقد أن هذا الجديد الوافد سيصب حتماً في صالح الشعوب الأخرى التي لا تملك الكثير من المقومات الاقتصادية أو الاجتماعية أو التكنولوجية.

5758

| 06 أبريل 2014

كيف نؤسس لمشترك إنساني في هذا العصر؟

تبدأ الأسبوع المقبل في العاصمة العمانية مسقط، الدورة الثالثة عشرة لندوة تطور العلوم الفقهية تحت عنوان (المشترك الإنساني والمصالح)، وبحضور عدد من كبار العلماء والباحثين المتخصصين في قضايا الفكر الإسلامي والقضايا الفكرية والحقوقية الإسلامية والدولية، وغيرهم من الباحثين المهتمين في موضوعات الندوة، وستقدم في هذه الندوة الموسعة 68 بحثا في مجالات الشورى، والمساواة، والعدل وفقه حقوق الإنسان في الفقه الإسلامي، والمواثيق الدولية، إلى جانب فقه المشترك الإنساني، والقواسم المشتركة التي تجمع بين الإسلام والأديان، لاسيما الأديان السماوية، وقد أوضح الدكتور سالم بن هلال الخروصي مستشار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أن مصطلح (المشترك الإنساني) هذه الندوة بأنها القضايا التي "تشتركُ فيها المُجتمعات البشريَّة؛ أيًّا كان موطنها أو عقيدتها أو سياستها، وهذه الأمور تتمثل في: المُساواة، الشورى، والعدل وحقوق الإنسان؛ وهي أمور تحتاجها الإنسانيَّة كلها؛ إذ لا يوجد مُجتمع مدني إلا وتغدو هذه الدعائم ركناً أصيلاً في نظامه؛ لذلك تستعرض هذه الندوة هذه القواسم الأربع؛ من خلال الشريعة الإسلاميَّة والقوانين الدوليَّة، ومُنظمات حقوق الإنسان ـ مضيفا: إنَّ من الأسباب التي دعتْ وزارة الأوقاف والشؤون الدينيَّة إلى طرق هذا الموضوع في ندوتها "تطوُّر العلوم الفقهيَّة" هذا العام؛ ما يُبديه الناس اليوم من تساؤل حول حظ الشعوب من تلك المبادئ، والاختلاف في تفسير تطبيقاتها في واقع المجتمع. والنظرة السطحيَّة لتلك المبادئ، وعدم الإلمام بضوابطها، والتباين في تطبيقاتها بين مُجتمعاتنا الإسلاميَّة والمُجتمعات الغربيَّة، وفهمها لدى مُنظمات حقوق الإنسان، والتعريف بأسبقيَّة هذا الدين الحنيف في إيجاد النظام الدقيق لها وتطبيقاتها في واقع المجتمع المُسلم عبر تاريخه الحافل. والواقع أن طرح موضوع المشترك الإنساني، يعد موضوع الساعة من حيث مضامين هذه الندوة الموسعة، في ظل الأزمات والصراعات الفكرية والإقصاء والنبذ في عصرنا الراهن، ونقص فهم الرؤية الإسلامية الفكرية والفقهية، عند بعض المنتمين للإسلام للأسف، وقلة بضاعتهم خاصة بعض الشباب الذي يتصدر أحيانا للفتوى، تجاه فهم الأنا والآخر، والرؤى الجدية تجاه المشترك الإنساني تجاه الكثير من القضايا، حتى مع أصحاب الدين الواحد نجد الإقصاء وحتى التكفير!، وتحويل البعض آراء بعض الاجتهادات الفقهية، وكأنها الدين نفسه، مع أن الآراء المذهبية، مدارس للفقه، ليس دينا ضمن النصوص القطعية التي لا يجوز الانتقاء والفرز منها، مع أن علماء العصور السابقة كانوا أكثر تسامحا وتقبلا للاختلاف والتعدد والتنوع في القضايا الاجتهادية، ولعل مقولة الإمام مالك / إمام دار الهجرة، (كل يأخذ منه ويترك، إلا صاحب هذا المقام)، أشار إلى قبره صلى الله عليه وسلم. والإسلام أسس مبادئ العدل والمساواة في الشرع الإسلامي الحنيف، وجعلها مبادئ عامة وعالمية تتجاوز الألوف والألسن والأعراق، ولا تتوقف عند دين الإسلام فقط، بل تتعداه إلى الأديان السماوية وغيرها من الأديان الوضعية، وقد أكدت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير) [ الحجرات: 13 ]. وقال سبحانه وتعالى في العدل والبر: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين) [ الممتحنة: 8 ]. فغير المسلمين من المواطنين لهم ما للمسلمين في الحقوق والواجبات والعدل والمساواة وفق القاعدة النبوية الشهيرة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا).فنصوص الإسلام حول المساواة والعدل بين البشر مسألة ثابتة شرعاً، وحين دخل الإسلام البلدان التي بعض سكانها لا يدينون به نظّم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين بمقتضى عقد يعرف في الفقه والتاريخ باسم عقد "الذمة". والذمة هي العهد والأمان والضمان. هذا هو معناها اللغوي. والذمة في الفقه هي "عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بأمان الجماعة الإسلامية وضمانها بشرط بذلهم الجزية وقبول أحكام دار الإسلام في غير شؤونهم الدينية". أما في تلك الشؤون فإن المسلمين مأمورون بتركهم وما يدينون. وقد مضى الزمن بهذا العقد وتطبيقه، والناس ـ مسلمين وغير مسلمين ـ يعيشون في سماحة وتفاهم ومودة شهد بها القاصي والداني، إلى أن دخل الاستعمار العسكري الغربي جل بلاد الإسلام، بل دخل كل بلاده التي تضم المسلمين وغير المسلمين، فانتهى بذلك وجود الدولة الإسلامية التي أبرمت عقد الذمة، ونشأت دولة جديدة، بعد مقاومة استمرت عقوداً من السنين، للمستعمر الأجنبي، شارك فيها المسلمون وغير المسلمين على سواء. وهذه الضريبة [ الجزية ] لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). والمقصود بها الضريبة التي يؤدونها في مقابل حماية الدولة لأموالهم وأنفسهم وأعراضهم ودينهم من دون أن يتكلفوا حرباً أو يدفعوا لها زكاة، الأمر الذي يجعل لهم امتيازا ضرائبياً وحقاً خاصاً على بقية المواطنين من المسلمين، لا انتقاصا منهم ومن إنسانيتهم، أما مسألة الصغار فإنها تعبير عن الخضوع للسلطة العامة بعد التمرد عليها، إنه كناية عن الاستسلام للقوة تماماً كما هم المسلمون الذين تمردوا على الدولة، فيُفرض عليهم الخضوع لها في تنفيذ القانون ودفع الزكاة وأمثال ذلك. وقد أقر الإسلام لغير المسلمين في الدولة الإسلامية الحرية الدينية وغيرها من الحقوق التي تجعلهم يتساوون مع المواطنين المسلمين فيما عدا الجانب الذي يتصل بالعقيدة.وتستمد الحرية الدينية لغير المسلمين من آيات القرآن الكريم: (لا إكراه في الدين) [ البقرة: 256] والقاعدة الشرعية التي تقول [ لهم ما لنا وعليهم ما علينا ] تكفل لهم الحرية الدينية على قدم المساواة وفق شريعتهم، ولهم حق ممارسة شعائر دينهم، فلا تهدم لهم كنيسة ولا يكسر لهم صليب، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتركوهم وما يدينون). كما أباح لهم الإسلام ما أباحه لهم دينهم من الطعام والشراب وغيره من أنواع الأطعمة التي يتناولونها بموجب شرائعهم، كما حمى الإسلام كرامتهم وصان حقوقهم، وجعل لهم الحرية في الجدل والنقاش مع غيرهم من المسلمين في حدود العقل والمنطق والأدب والحوار دون مصادرة أو إقصاء، قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون) [آية العنكبوت، وقال تعالى: (قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد ألا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون الله) [ آل عمران: 64].. خطوة جيدة أن تقام مثل هذه الندوات المهمة بما تطرحه من بحوث وأوراق في هذه الملتقيات، لعلها تسهم في مراجعة الكثير من الأفكار الإسلامية الأصيلة، الجديرة بالاهتمام والمراجعة للكثير من المقولات والأفهام الخاطئة في واقعنا العربي الإسلامي.

1218

| 30 مارس 2014

عالم المنافسة العالمية والمصالح السياسية المتعارضة !!

بعد أزمة جزيرة القرم والتصويت على انفصالها عن أوكرانيا، بانضمامها إلى روسيا الاتحادية، من خلال اختيار شعب إقليم القرم، ظهرت على السطح، المصالح المتعارضة بين الغرب وروسيا، وتقديمها إلى الاختيارات الشعبية، وهذا ما يفعله الاتحاد الأوروبي، من خطوات يزمع اتخاذها لمعاقبة روسيا على قبولها الاستفتاء الشعبي! وهذا ما يبرز أن نهاية الديمقراطية بدأت تظهر كما قال عنها بعض الباحثين الغربيين وأنها سوف تتقدم على الاختيارات الشعبية، ومن هؤلاء الباحث الفرنسي (ماري جيهينو) في كتابه [نهاية الديمقراطية] وخصص فصلاً كاملاً عن عصر الهيمنة العالمية. وحدد هذا الباحث في هذه النقطة بأن التطور المعرفي الجامح في هذا العصر يفوق السياسة، فالسياسة ليست المحصلة البسيطة للمصالح الخاصة بل تفترض وجود عقد اجتماعي يسبق كل العقود الخاصة ويتجاوزها. ولم تم التخلي عن تلك الفرضية وتحولت السياسة إلى سوق تتحدد فيها "قيمة" المصالح القائمة، لأصبح الحيز السياسي مهدداً في الحال بالزوال لأنه لا توجد سوق تحدد "قيمة" المصلحة الوطنية وتقرر حيز التضامن. وإذا غدا التجمع الوطني اختياراً لا أحد المسّلمات، فلن تتوفر أبداً لأي شخص إمكانات إقامة ذلك الاختيار على نفس المعايير الرشيدة التي يسترشد بها عند إدارته لمصالحه. ومن الواضح أن أي قانون اقتصادي لا يستطيع أن يحل محل الواقع الإقليمي والتاريخي للأمة.وتحويل الدفاع عن المصالح إلى حرفة يذيب السياسة من كثرة المواجهات الخاصة. وإذا كان الوعي بالمصير المشترك، بما يتضمنه من ذكريات وبالتالي من حوافز للانطلاق نحو المستقبل، لا يزال قائماً هنا أو هناك فهو ليس نتاج الاحتراف في مجال المصالح. فمنطق هذا الاحتراف يؤدي في الواقع إلى أقصى حدود التفتت. ففي غياب مبدأ منظم للأمور معترف به من الجميع ويعلو على المصالح الخاصة، فإن المنزلق الطبيعي لكل فرد يكون الانطلاق إلى أقصى حدّ ممكن دفاعاً عن مصالحه. فباسم أي مبدأ يمكن أن تكون هناك حدود لذلك الانطلاق؟ والواقع أن هذه المقولات تتوافق مع انبعاث هذه التوجهات الجديدة للعولمة بما تحمله من مفاهيم مغايرة للسياسة الراهنة التي تقاد من الدول الصغرى على سبيل المثال، فالتحولات المعاصرة "المرافقة لمتغيرات هذا العصر، وعقد التسعينيات تحديداً ـ وما بعدها ـ سوف تؤدي إلى نوع من القطيعة المعرفية في مجال الفكر السياسي، مع بارديم (paradigm) الحداثة "التقليدية" الذي ساد دون معارضة جدية حتى وقت قريب. ذلك الباراديم الذي يدور حول مفاهيم سياسية ولدت وترعرعت ونضجت في مرحلة التحولات الأوروبية الكبرى خلال القرون الثلاثة الماضية، والذي كان هو ذاته قطيعة معرفية مع الباراديم القروسطي. مفاهيم سياسية كثيرة سوف يعاد النظر في مضمونها بناءً على التحولات المعاصرة، لأنها أصبحت ببساطة لا تعبر عن "واقع الحال"، وبالتالي لا تشكل أساساً نظرياً لفهم تحولات هذا الواقع.لكن الباحث محمود حيدر يرى عكس هذه المفهوم المطروح لانحسار السياسة أو إنهاء الدولة المعاصرة، ويعتقد أن الذي جعل بعض الدول تتراجع عن مكانتها سياسياً هو اختلال التوازن بين القطبين العظميين أمريكا والاتحاد السوفييتي، ولذلك استفادت الولايات المتحدة من هذا الاختلال الذي ترافق مع فوضى الجغرافيات السياسية التي رافقت انهيار المعسكر الاشتراكي، مما جعل الولايات المتحدة تبسط سيادتها على العالم، واعتبار القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً بامتياز. ولقد سعت الولايات المتحدة انطلاقاً من كونها مركز العالم المهيمن إلى تفكيك التوحيد العالمي داخل وعائها الخاص. أي ضمن عوامل الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية عن طريق سيطرتها على الشركات المتعددة الجنسيات. لكن يمكن القول إن الجيوبولتيكا الأمريكية أعطت لمفهوم السياسة بعده الأحادي على أساس هيمنة عالمية أحادية القطبية. لقد ذهب عدد من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين إلى توصيف المجتمع الأمريكي في العصر ما بعد الصناعي بأنه مجتمع ما بعد الحداثة. فإن هذا المجتمع ـ بحسب جيمس كورث أستاذ العلوم السياسية في كلية سوارشور ـ لا يتسم بمدارس نمطية منهمكة في تعليم جماهيري وفي ثقافة قومية راقية غالباً، بل إن مجتمع ما بعد المجتمع الحديث يتسم بوسائل إعلان منظمة منهمكة في التسلية الجماهيرية في ثقافة دولية وشعبية أو متدنية عادة، إن مجتمع ما بعد العصر الحديث لا يتسم بوجود جيوش تقليدية تقوم على التجنيد الإجباري الجماهيري وتوفر الدفاع القومي، بل اتسم في البدء بوجود الأسلحة النووية التي توفر الردع الموسع لأحلاف دولية دائمة (مثلما حدث مع حلف الأطلنطي). فالعولمة بما هي أنساق فكرية وسياسية متعدد الأهداف والمرامي تسعى بقوة إلى إحلال مفاهيمها السياسية والفكرية، ولذلك سعت العولمة إلى رسم صورة نظام دولي يتجه نحو توحيد مناهجه وقيمه وأهدافه، مع طموحه في الوقت عينه إلى دمج الإنسانية كلها داخله. وبطبيعة الحال تبدو هذه العملية المستحدثة في التاريخ، بأنها تدعم فرضية "التقارب" بل وترسّخها. والواقع أنها تكشف عن العديد من أنواع التنافر وعدم الاتساق حين تحدد نطاق هذا النظام. فعندما تحثّ على استيراد نماذج غربية إلى مجتمعات الجنوب تكشف بذلك عن عدم ملاءمة هذه النماذج. وعندما تحرّض المجتمعات الطرفية على التكيّف، وتوقظ أيضاً آمال التجدد، مع المخاطر، في الوقت ذاته بخداعها. وحين تعجّل بتوحيد العالم، فإنها تحبّذ ظهور التفردات وتزيد تأكيدها وحين تمنح النظام الدولي مركزاً للسلطة مركّباً أكثر من أي وقت مضى، فإنها تتجه نحو زيادة حدة منازعاته وشدة صراعاته. وحين تسعى "العولمة" نحو وضع نهاية التاريخ، فإنها تمنحه فجأة معاني متعددة ومتناقضة. إن المجتمعات غير الغربية، ولاسيَّما منها تلك التي تنتمي ـ عرفاً ـ إلى ما يسمى العالم الثالث، فأمرها مع متناقضات "العولمة" ومفارقاتها في منتهى المرارة. فإن التوحيد المزعوم، الذي ينبغي أن يستنقذ تاريخها من "التأخر الأبدي" بدا كما لو أنه يعيد تأسيسه من جديد. ولا شك أن تطبيق العولمة بلا محاذير أو تدرجات في تعاطيها مع الدول سياسياً سيكون له تفاعلات سلبية كبيرة على تماسك الدول ـ خاصة دول العالم الثالث التي تعاني في الأساس من الكثير من المشكلات العالقة سيما مشاكل التخلف والفقر والفساد الإداري وغيرها من المشكلات السكانية المتفاقمة منذ عقود. فقائمة "فشل شيئاً" تفقد الحكومات في أرجاء المعمورة قدرتها على أخذ زمام المبادرة في توجيه تطور أممها. فعلى كل الأصعدة يتضح للعيان الخطأ السائد في نظام التكامل العالمي: فمع أن تدفق السلع ورأس المال قد اتخذ أبعاداً عالمية، إلا أن التوجيه والرقابة ظلتا مهمة وطنية.لقد صار الاقتصاد هو المهيمن على السياسة.لكن هل تنجح هذه السياسة إلى موت السياسة عالمياً أو انتهاء الدولة وانحسارها وفق توجهات أحادية وقراءة كونية عامة على كل البشرية؟ وقد استطاعت أوروبا أن تقوم بأنواع من الالتفات على المشاكل والأزمات التي تعرضت لها نتيجة ذلك. منها الرضوخ لمطالب العمال في تحسين ضعيتهم وإقرار خدمات اجتماعية تخفف من وقع الأزمة.. الخ. وبذلك استطاعت أن تتكيف مع تلك الوضعية وأن تكذب ما ذهب إليه ماركس في توقعاته من حتمية انفجار تناقضات النظام الرأسمالي وقيام الاشتراكية مكانه. وليس من المستبعد كما يقول الجابري أن تقوم ردود فعل شبيهة بتلك، تخفف من أخطار العولمة وسلبياتها، وتحتفظ للدولة الوطنية بدورها في حماية مصالح أقطارها وتوجيه اقتصادها والدفاع عن مصالحها. والآراء والتصورات التي عرضنا لها هي نفسها من جملة ردود الفعل هذه. وإذا كان فيها ما ينزع نحو المبالغة فإن هذا النزوع دليل على الوعي بالمشكل المطروح وبأخطاره المحتملة. ويمكن القول إن هناك الآن وعياً متزايداً بضرورة الانتظام في مجموعات متعاونة متضامنة تدافع عن مصالحها كمجموعات وكأعضاء، ليس فقط إزاء أي طموحات هيمنة باغية، بل أيضاً من أجل توفير الشروط الضرورية للتنمية واكتساب القدرة على الصمود في عالم يبدو أن المتنافسة ستلعب فيه دوراً تتزايد أهميته وخطورته في الوقت نفسه.

935

| 23 مارس 2014

هل هذه المقاربة الزمنية تناسب الواقع الراهن؟

ضمن النقد الموجه إلى نظرية العلامة ابن خلدون، ما قاله عن طبائع العرب في رؤيته العامة عن صعود وسقوط الدول، وقد عبر عن هذه الرؤية في مقولته التي كتبها في المقدمة عن العرب في فترة زمنية عاصرها بنفسه، وهي أنهم من طبيعتهم "الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة.. فهم منافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته، إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام فيفسد العمران وينتقص.. فتبقى الرعايا في مملكتهم كأنها فوضى دون حكم".وربط هؤلاء الباحثون بين هذه المقولة، والواقع العربي الراهن في بعض مراحله خاصة الصراعات السياسية بين دوله، لكن هذه الرؤية لاقت نقداً شديداً من بعض الأكاديميين والباحثين مثل محمد عمارة في كتابه (الإسلام والتعددية) حيث يرى أن ما كتبه هؤلاء ينطلق من فهم خاطئ وقراءة مبتسرة لمراد ابن خلدون فيقول محمد عمارة: من هم "العرب" الذين حكم ابن خلدون بأن "طباعهم قد بعدت عن سياسة الملك"؟! هل هم العرب كأمة؟! أم العرب الأعراب الموغلون في البداوة والتوحش، قبل أن يتدينوا بالإسلام، فتتهذب طباعهم ويساعدهم الإسلام على حذق إقامة الملك والدولة وسياسة العمران؟! ويضيف د. محمد عمارة موضحاً مقاصد ابن خلدون في العرب في المقدمة فيقول: "لقد عقد ابن خلدون – في مقدمته – فصلاً جعل عنوانه (فصل في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك) لكنه – قبل هذا الفصل مباشرة – عقد فصلاً آخر جعل عنوانه: (فصل في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين بالجملة.. (ولو أن قارئا وقف - عند عنواني هذين الفصلين لأدرك أن هناك عربا يحكم عليهم ابن خلدون بأنهم أبعد الأمم عن سياسة الملك.. وهناك عرب يحسنون الملك والسياسة، لكن إذا كان لهم حظ من الدين. وعندما يقرأ القارئ ما تحت العناوين، سيجد فكر ابن خلدون شديد الوضوح في التمييز بين العرب في طور التوحش والإيغال في البداوة، قبل التدين بالإسلام، أو عند الانسلاخ عن جوهره.. وبينهم عندما جعلهم الإسلام سادة الفتوحات وأساتذة الدول والسياسات.ويقتبس د. عمارة من هذه المقدمة بعض الآراء لابن خلدون في عرب البداوة المتوحشة الذين قال عنهم إنهم "أبعد الأمم عن سياسة الملك" فيقول إن هؤلاء – كما قال ابن خلدون – هم الذين اختصروا "بالإبل وهي أصعب الحيوان خصالاً ومخاضاً.. فاضطروا إلى النجعة.. فأوغلوا في القفار.. فكانوا لذلك أشد الناس توحشاً (..) – إلى أن يقول – "فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام فيفسد العمران"!تلك هي صورة العرب – عند ابن خلدون – في طور "البداوة المتوحشة".. الذين يفرون من الاستقرار والعمران، ويهدمون المباني لتحويل أحجارها إلى أثافي للقدور، ويهدمون السقف ليتخذوا من أخشابها أوتاداً للخيام.. هؤلاء الذين قال عنهم ابن خلدون – كما يقول الدكتور محمد عمارة – هم الفئة التي تنطبق عليهم مثل هذه الأوصاف التي ذكرت سابقاً في المقدمة أما الأمة العربية التي جاءتها رسالة الإسلام، ونبوءة محمد صلى الله عليه وسلم التي حملت الإسلام إلى العالمين، وفتحت الفتوح، وأقامت الدول والمماليك، وبنت الحضارة، وساست العمران.. فلابن خلدون حديث طويل عنها.. لا ندري كيف أغفله هؤلاء؟ونحن نرى أن هذا التشخيص الخير الذي طرحه د. عمارة لآراء ابن خلدون لمفهوم البداوة، والتحضر والعمران عند العرب، وإشكالية الممانعة والمدافعة باعتمادهم على الغير، هي الأقرب والأكثر انسجاماً مع أطروحات هذا العالم الجليل، في مجمل ما وضعه من نظريات، في السياسة، والتاريخ، وعلم العمران (الاجتماع) لأنه بالإسلام انتصر العرب، وهم الأقل عدداً وعتاداً على أكبر إمبراطوريتين في ذلك العصر، وهما الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الفارسية، والصبغة الدينية عندما تستحكم في النفوس وتقوى في القلوب، فإنها تلعب دوراً أساسياً في صياغة حياة المجتمعات، الفكرية، والسياسية، والاجتماعية ومن هنا يرى الباحث صلاح سالم أن "الاتجاه الخلدوني في صياغة دور الدين في الحياة السياسية، أكثر إنصافاً من كل الفلاسفة الماديين الذين أعلوا سلطان القوة الأعمى، وتناسوا الفكرة الدينية تماماً في القرون الأخيرة بالذات. وذلك رغم ما يشاع عن تأثر ابن خلدون في ذلك بنمط حياته في رحاب السلطة السياسية، وعلى مقربة منها واعتبار ذلك تنظيراً ودفاعاً عن السلطان السياسي والسلطان الروحي الخاضع له في مواجهة السلطان الروحي المستقل والرافض لهذا الخضوع، وفي هذا السياق يقول ابن خلدون في كتاب له "إن السلطان السياسي الذي هو سلطة العصبية والقوة، يمكن أن يضفي على نفسه صفات المعرفة بالإضافة إلى سلطة الروح والدين، فتزداد قوة واستقراراً، لكن المعرفة وحدها لا يمكن أن يتأسس عليها أي سلطان سياسي دون العصبية والقوة.ومفهوم العصبية – عند ابن خلدون – الذي يفهمه البعض بمعناه الضيق في حالة النسب والرحم، إذ لا يكون في كل السياقات هو مراد ابن خلدون، عندما يتحدث عن العصبيات عند العرب، فهناك العصبية العاضدة للدولة والسلطان السياسي، وهناك العصبية الساعية للملك، وهذا ما يظهر من دراسة ابن خلدون للظاهرة الاجتماعية، عندما وضع فصلاً بعنوان (في أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك) "فابن خلدون – كما يقول – د. لؤي صافي - ينطلق من مفهوم العصبية بوصفها ظاهرة سياسية، ومن تصور للطبيعة الإنسانية يرى أن التغلب والتفوق مطلب طبيعي للنفس الإنسانية، ليقرر أن السلطة السياسية، أو القدرة على إمضاء الرأي رغم معارضة المعارض والمخالف، من نصيب العصبية الأقوى، أي من نصيب الجماعة السياسية القادرة على إخضاع الجماعات السياسية الأخرى إما بقهرها والتنكيل بها وتشتيت قواها، أو باسترضائها والدخول معها في تحالفات سياسية ويستمر الحلف السياسي بالتوسع والانتشار وبسط النفوذ بقهر القوى المعارضة أو استرضائها إلى أن يصطدم بحلف سياسي آخر". ويطرح الباحث حسين هنداوي تفسيراً دقيقاً للغموض والالتباسات في آراء ابن خلدون، حيث تأخذ في بعض الأحيان طابع الاختلاف بينهما، والتعميم المغالي لبعض الظواهر الاجتماعية، كآرائه في البداوة والحضارة، والترف، وفساد الطباع، فيقول: إنّ ابن خلدون: "شاهد حضارة إسلامية، تعاني أزمة عميقة وحال احتضار، بعد قرون طويلة من الحيوية والإبداع والمجد، نجحت خلالها في أن تكون مركز الشعاع الحضاري عالمياً، ليس غريباً، إذن، أن نجده مثقلاً بالمرارة والنقمة على قومه، عندما وجدهم غارقين في نزاعاتهم الداخلية وصراعاتهم العميقة، راضخين لطغاة البدو ـ ولا يعني أن هؤلاء من العرب – أجمل ما فيهم دميم. بينما يرى بأم عينه سقوط دولة المغرب من جانب، وانهيار دول المشرق من جانب آخر، تحت أقدام الجيوش المسيحية، الإسبانية، والتترية. إذ يجب ألا ننسى أن ابن خلدون، كان شاهداً مباشراً على هذا السقوط وذلك الانهيار. كما كان الوحيد، بين كبار المفكرين المسلمين، الذين وقعوا في أسر تيمورلنك إمبراطور الخراب، عندما كان هذا متجهاً على رأس جيشه لتدمير المغرب، بعد أن انتهى، لتوه من دك بغداد وكل المشرق دكاً، محولاً تلك الحضارة الزاهية إلى ركام من الخرائب، بينما أهلها في بؤسهم سادرون. و"مستوحشاً من الدولة"، راح ابن خلدون يتأمل تاريخ الحضارة العربية الإسلامية والتاريخ البشري. ففي ظروف أزمة عميقة لـ "العمران المدني"، ولدت فلسفة التاريخ الخلدوني".ولذلك نعتقد أن ما جاءت نظرية ابن خلدون، في علم الاجتماع عن العرب، من التباسات وغموض وتعميمية في بعض الأحيان، كان بسبب معايشته شخصياً فترة أليمة مرت بها الحضارة العربية الإسلامية وتمزق وتناحر أهلي داخلي. ونرى أيضاً أن هؤلاء وقعوا في نفس الظروف عندما كتبوا هذه الآراء بعد الاحتلال الغاشم لدولة الكويت 1990، وما تبعها من انقسامات وتمزقات وجراح أليمة عانتها الأمة العربية كلها، ومازالت مثقلة بآثارها إلى الآن ونرى أن المقارنة غير دقيقة من خلال تنزيل آراء ابن خلدون مع واقعنا الراهن، لاختلاف الظروف والملابسات والوقائع، والقياس هنا من الصعب مقاربته، لأن الفارق الزمني والفكري مختلف عما عاصره العلامة ابن خلدون في عصره وزمنه.

2588

| 16 مارس 2014

لماذا لا نقدم الحوار بيننا في الإشكالات السياسية؟

لا شك أن للحوار قيمة عظيمة في الحياة الإنسانية، وأحد الأسس المهمة التي تقرب بين الأفراد والجماعات في قضاياهم المتعددة من خلال الحوار، وهو الطريق الأمثل لتحقيق التجانس والتقارب وإيجاد المناخ الملائم لإبعاد الخلاف والانقسام في الآراء وتضادها، وقد قال السيد المسيح ـ عليه السلام ـ (ماذا يفيد الإنسان لو ربح العلم كله وخسر نفسه). ولذلك فإن الحوار الذاتي، هو الطريق الإيجابي لتحقيق الوئام والتفاهم وإبعاد شبح الاختلافات السلبية التي تكرس الصدام، والتفكك، وبالعكس، فإن التحاور والتشاور يرفع الكثير من الأحكام المسبقة، ويرفع " الغموض عن العديد من المواقف والآراء التي ربما نسمع أو نتوقع أو نعتقد أنها مغايرة أو مناقضة لبعضنا البعض إلى حد التضاد.. إذ ـ بالحوار ـ تتفتح أذهاننا، ونملك إحاطة أشمل وأوسع في الرأي أو الموقف الذي نريد.من هنا فإن الحوار الذاتي داخل الأمة الواحدة يمثل خطوة هامة في المرحلة الراهنة، ولن تستطيع الأمة أن تحقق نجاحات في طرائق وأساليب ومنطلقات الحوار مع الآخر المختلف إلا إذا أرست تقاليد الحوار الداخلي [الذاتي] بين تياراتها ونخبها المختلفة، والقبول بالتعدد والاختلاف والمغايرة في الأفكار والاجتهادات دون إقصاء أو استبعاد أو نفي، فإذا لم نستطع أن نقيم حواراً بيننا ونقبل به، فإننا لن نطمح في حوار مثمر مع الآخر المختلف.وهذا الحوار الداخلي الملح والضروري في مسار الأمة لن يتحقق بصورة عشوائية أو عاطفية، بل إن هذا الحوار يحتاج له أن (يبرمج) ويؤسس على منطلقات صريحة وواضحة لحل القضايا التي تقف في وجه وحدة الأمة وتآلفها واتفاقها في القضايا الكبرى ـ ومن هذه المنطلقات ـ كما يعددها الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري ـ الرصد الشامل لعوامل "تفاقم الأوضاع الاجتماعية واحتوائها، والعمل على تدعيم سبل الاستقرار والتنمية، وحتى تصبح الحوارات الوطنية في العالم العربي الإسلامي بمثابة نقطة تحول وانطلاق إلى آفاق جديدة في واقعنا السياسي والاجتماعي وفي الميادين كافة، لابد أن نحرص على الإدارة العلمية والدقيقة لهذه الحوارات، وفي اتجاهنا نحو هذه الغاية لابد أن نفرّق أولاً بين مفهومي "الحوار" و"عمليات التفاوض الجمعي، وذلك تجنباً للفوضى والوقوع في المحظور، والسير في الاتجاه الخطأ.وهذا الضرب من الحوار، الذي يمكن أن نصطلح عليه "بالحوار الداخلي"، هو خطوة أولى نحو الحوار مع الخارج، لأنه يقوي النسيج الوطني في كل بلد من بلدان العالم العربي والإسلامي، من جهة، ويكسب المجتمع مناعة أصبحت اليوم ضرورية للتعامل مع العالم المحيط بنا، من جهة ثانية. لأننا لا يمكن أن نفلح في الحوار مع العالم، ما لم نفلح في الحوار مع أنفسنا.فالحوار الشامل والمتعدد لوجهات النظر المختلفة داخل الأمة الواحدة هو السبيل الأسمى والأرقى لضبط الاختلاف المذموم ـ اختلاف التضاد ـ وتفعيل قيم التعاون والتآلف والتكاتف. وبدونه تدخل ساحاتنا العربية الإسلامية في أتون "النزاعات ودهاليز الفرقة والتفتت. والقمع والقهر لا ينهي فرقة وتجزئة، وإنما يزيدهما تأججاً واشتعالاً وحرارة. لذلك كله فإننا مع الحوار الداخلي بكل أشكاله ومستوياته. وينبغي أن ندرك جميعاً أن البديل المتوفر عن الحوار في فضائنا العربي والإسلامي، هو الحروب الأهلية وعمليات الإقصاء والتهميش والتمييز والتعصب الأعمى. ولنا في الدول العربية والإسلامية التي ابتليت بالحروب الداخلية خير مثال، وكلنا ندرك المصير الذي وقعت فيه وما تزال. فالأزمة استفحلت في هذه الدول حينما أغلق باب الحوار، وغيبت قيم التسامح والتعددية والديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان. وكان البديل الذي اشترك الجميع في صنعه وخلقه، هو الحرب الداخلية العمياء التي أضرت الجميع وجعلت مستقبل هذه الدول على كف عفريت.حتى أن الذين يعتقدون أن الاختلافات المذهبية حول بعض القضايا الفرعية أو غيرها المتعلقة بالنص القرآني وتفسيره، فإن الإمام أبو حامد الغزالي ورحمه الله ـ كما يورده الكاتب علي أومليل ـ يرى أن "اختلاف الناس حول النص القرآني لا يعني بالضرورة أن الاختلاف كامن في النص نفسه. لو التزم القوم على الأقل، بهذا التمييز لأقرّوا بأن الاختلاف بينهم طبيعي ولاعتبر كل طرف أن اختلاف خصمه إنما هو اختلاف معه هو وليس خلافاً مع النص".فالاختلاف من هذا المنطلق حالة طبيعية لاختلاف الأفهام والعقليات لمشروعية الاجتهاد ومن المستحيل أيضاً القبول بالاجتهاد دون القبول بآثاره التي من جملتها اختلاف نظر المجتهدين. ولكننا في الوقت الذي نعتبر فيه أن الاختلاف حالة طبيعية مرتبطة بالوجود الإنساني، نرفض الاختلاف المطلق أو ما يصطلح عليه بـ (الاختلاف من أجل الاختلاف)، لأن معنى هذا الاختلاف هو التشتيت الدائم والمستمر للآراء والأفكار، ويبقى كل منها منغلقاً على ذاته، رافضاً للآخر، كل منها يشكل عصبية لا تقبل التعايش والحوار، فهو صراع عصبوي حتى لو تجلبب بجلباب الاختلاف. فالاختلاف في حدوده الطبيعية ليس مرضاً يجب التخلص منه والقضاء عليه، بل هو محرك الأمم نحو الأفضل، ومصدر ديناميتها، وهو يقود بالإدارة الحسنة إلى المزيد من النضج والوعي والتكامل.ولذلك فإن الحوار الداخلي أصبح فريضة وضرورة لإبعاد شبح الخلافات والمشاحنات وربما المصادمات التي تهدد الأمة في وحدتها وتماسكها، ومن الأهداف التي يتعين على الأمة تحقيقها "التقريب بين وجهات النظر المتباينة حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك التي ترتبط بمصير الأمة، والتنسيق بين السياسات والمواقف التي يتخذها صانعو القرار في شتى حقول الاختصاصات ومستويات الصلاحيات، وإذا كانت المبادرات العلمية التي تعنى بالتقريب بين المذاهب الفقهية الإسلامية، قد أخذت في الانتعاش في هذه المرحلة، فإن هذا ليس إلا ضرباً من الحوار بين المسلمين، على المستوى الفقهي والعلمي. ولذلك ينبغي أن تتخذ المبادرات على مستويات أخرى، للتقريب بين السياسات والمواقف ووجهات النظر والاختيارات والاجتهادات في المسائل ذات الصلة الوثيقة بحياة المسلمين وبحاضر العالم الإسلامي وبمستقبله، على أن يشارك في ذلك، ممثلو الحكومات والمجالس المنتخبة والهيئات التمثيلية والمنظمات والاتحادات والجمعيات ذات الاهتمامات العامة، بحيث تتسع دوائر الالتقاء فيما بين النخب في المجتمعات الإسلامية للتدارس وللتحاور وللتباحث ولمناقشة القضايا المطروحة بروح الأخوة وفي إطار الاحترام المتبادل والحرص على المصالح العليا للأمة في المقام الأول.وفي هذه الأجواء يصبح للحوار بين المسلمين معنى عميق في الواقع العربي والإسلامي، لا على المستوى النظري والفكري والثقافي فحسب، ولكن على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، بالمفهوم الواسع للأمن السابغ الشامل المتبادل الذي يحمي الذات، والهوية، والخصوصيات، والمصالح، والمنافع، والسيادة التي هي حق طبيعي لكل مجموعة بشرية ارتضت أن تعيش في إطار نظام اختارت سياساته، وأقامت قواعده، ورسمت له أهدافه وغاياته.وبهذه الأسس يمكن أن نتلمس حواراً يقوم على معطيات صحيحة، ويحقق نجاحاً مأمولاً، إذا ما توافق الحوار الداخلي، أو الوطني، أو مع الذات، حول مشروعية التعدد وقبول الاختلاف والتعايش مع الأفكار والمنطلقات الاجتهادية، بروح التسامح والتآخي، وعدم الأضرار بمصالح بعضهم البعض، وعدم الانجرار إلى خلافات ومشاحنات تزيد من الفرقة والتشتت، ثم الضعف أمام أعداء الأمة التي يفرحها هذا الخلاف وهذا الانقسام.

1302

| 09 مارس 2014

التجديد الذي نريده لواقعنا الراهن

لا تزال قضية تجديد الخطاب الديني الإسلامي من القضايا المحورية والهامة في فكرنا الإسلامي المعاصر، لما يمثله الخطاب من أولوية في فكرنا الراهن، خاصة الذي يتصل بالقيم الإسلامية، وانعكاس ذلك على سلوك وثقافة المسلمين كنتيجة لهذا الخطاب وسطوته على تصوراتنا الدينية في الحياة والممارسة الحياتية.لذلك أصبح تجديد الخطاب الديني ملحاً وهاماً، خاصة في ظل تصاعد الكثير من الخطابات الفكرية في عصرنا الراهن، في ظل التحولات الفكرية وتصاعد مد العولمة وإرهاصات الاختراق الفضائي عالمياً، مع بروز بعض الخطابات الدينية المتطرفة والتي لا تمثل فكراً إسلامياً مستمدا من الرؤية الصحيحة للإسلام، ويقابله من جانب آخر بعض الخطابات الأخرى التي تطرح خطاباً تغريبيا بعيدا عن قيم الأمة وتراثها، ولا ينبعث من واقع فكرنا الإسلامي ولا يلامس قضاياه الصحيحة في ظل وجود خطاب ديني تقليدي سكوني وثابت على مقولات وخطابات وتراث السابقين الذين خاطبوا عصرهم بظروفه ومشكلاته، لكنها ـ أي هذه الخطابات ـ في بعض مضامينها لا تتناسب وراهننا الحالي بتحدياته المتعددة، مع تقديرنا واحترامنا لهذا التراث، ومكانته في فكرنا الإسلامي.من هنا أصبح من الضروري تجديد الخطاب الإسلامي بما يلامس واقعنا، ويحرك الساكن الفكري، لأن مهمتنا الأساسية ليست القبض على التاريخ وقضاياه، بل إصلاح الواقع مع توظيف ماضي الأمة العريق والقويم في النهوض بالواقع وإصلاحه، وعلينا أن نوضح في مسألة تجديد الخطاب الديني أن نفرق بين الفكر الإسلامي البشري، وبين نصوص الوحي وقطعياته الثابتة، فالمحدد في الخطاب الإسلامي في عمومه هو التزامه بالمرجعية الإسلامية، وضرورة ألا يحيد عن منهجها في الرؤية والهدف، لكن عليه أن يكون واعياً للتحولات الثقافية والتغيرات الفكرية والسياسية في عالم اليوم، وأن يدرك أن الخطاب الساكن الجامد غير المتابع والراصد لكل التحولات الراهنة، لا يستطيع أن يضع الخطاب المناسب والعميق لما يدور حوله ويظل رهين آليات الفهم التقليدية في الخطاب الذي لا يجد الاستجابة والتأثير في الداخل، أو الإقناع والتفهم في الخارج.ونتيجة للالتباس والخلط في مفهوم التجديد أصبح البعض من العلماء والمشتغلين بالفكر الإسلامي يتوجسون من مقولات التجديد وضروراته لعصرنا، لأن الكثير من المدعين دخلوا على خط هذه المشروعية الإسلامية، وحاولوا أن يطرحوا بعض القضايا والمفاهيم المغايرة لمفهوم التجديد الإسلامي ومضامينه، والبعض الآخر يقصر مهمة التجديد في التحذير من البدع والمحدثات التي توصف بأنها شر الأمور، وهناك من يحصر التجديد في الجانب السياسي أو الاقتصادي لا غير، وهناك من يكتفي بربط القرآن الكريم بما جد من حقائق العلم والمعرفة، معتبراً أن التجديد هو التفسير العلمي للقرآن الكريم، بل هناك من يوسع مفهوم التجديد الديني حتى يكاد أن يشتت ويبدد تحت شعار الحداثة وما ستتبعها من كلام غليظ، وهناك من يركن للتقليد والانكماش ولسان حاله يقول: "ليس في الإمكان أبدع مما كان". والواقع أن مهمة التجديد ليست مقتصرة على فهم خاص أو جانب من جوانب الإشكالات في الفكر الإسلامي أو ظاهرة حياتية في واقعنا واقتصارها عليه، وإنما التجديد كما جاء في مشروعيته يرتبط بحاجتنا لهذا التجديد ومراميه وأهدافه بصورة جلية ومفتوحة بما يطرح من إعادة النظر في قضايا مستجدة وملحة طرأت على واقع الأمة وجعلت مسألة التجديد قضية تحتاج إلى حراك فكري إسلامي تستعيد الفهم الصحيح لهذا الدين، والتبصر بما سيكون عليه حاضرنا والتخطيط السليم للمستقبل، وفي الوقت نفسه لا تحيد عن المرجعية الإسلامية في طرح ما نراه ضرورياً وملحاً في قضايا ومسائل التجديد، لكننا أيضاً علينا أن نستفيد من معطيات العصر ومنجزاته وتطوراته العلمية في عالم اليوم. ولا شك أن التجديد عند العديد من المجددين ـ كما يقول د/ أحمد عرفات القاضي ـ على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم الفكرية واهتماماتهم الفقهية هو عملية تفاعل لما قد يستجد في مضامين الفكر ومعطياته الواقعية في داخل الجماعة التي تؤمن بعقيدة واحدة وقيم مشتركة وتحتكم للشريعة الإلهية تهتدي بها في سعيها الدنيوي، وتمهد لها سبيل الخلاص في الآخرة. وعلى هذا فإن الفكر الإسلامي في مراميه البعيدة ومجالات نشاطه، لا يقف عند حد إلا ما حددته الشريعة الإسلامية بنص قطعي معلوم من الدين بالضرورة. وما عدا ذلك فينبغي أن يخضع للفكر وتمحيصه على ضوء مستجدات الزمان والمكان، وتطور مناهج العلم ووسائله التطبيقية للحكم فيه بما تقتضيه مصالح المسلمين على تعاقب أجيالهم.كما أن هذا التجديد لا يعني الانقطاع التام عن التراث الفقهي للسابقين من الأئمة والعلماء، لكن يجب أن نقوم بدراسة هذا التراث ونقده عندما يستدعي ذلك واستيعابه والأخذ منه بما يوافق عصرنا وواقعنا في ضوء العصر وتحولاته ومشكلاته القائمة لمواجهة ما يطرأ من تحديات على واقع الأمة، وبذلك تتحقق أهداف التجديد في أن يكون فاعلاً ومؤثراً في طرحه وملامسته لحاجات الأمة وتطلعاتها، ذلك أن التجديد ضرورة دينية لحفظ دين الأمة ذاته من الكثير من التأثيرات والآراء التي قد تكون بعيدة عن حقيقة الدين وجوهره الأصيل، والعودة إلى منهج النبوة في الإصلاح والحق الذي جاء به هدي الإسلام.وليس هذا ما يتناقض مع الدين وحقائقه الثابتة، فالبعض قد يتوهم أن التجديد يناقض ثوابت الإسلام، واكتماله، فيرفضون مبدأ التجديد كلية ويعتبرونه تهديما للدين نفسه، وهذا ليس صحيحاً ـ كما يقول د/ محمد عمارة، فالتجديد هو "السبيل لامتداد تأثيرات الدين الكامل وثوابته إلى الميادين الجديدة، والأمور المستحدثة، والضمان لبقاء ((الأصول)) صالحة دائماً لكل زمان ومكان.. أي أنه هو الضمان لبقاء الرسالة الخاتمة خالدة الخلود الذي أراده الله، ولولا مد ((التجديد)) الفروع الجديدة إلى الجديد من المحدثات، وإقامته الخيوط الجديدة بين الأصول الثابتة وبين الجديد الذي يطرحه تطور الحياة.. ولولا تجديده الدائم الذي يجلو الوجه الحقيقي والجوهر النقي لأصول الدين وثوابته.. لولا دور ((التجديد)) هذا في حياة الإسلام ومسيرته لنسخت وطمست هذه الأصول، إما بتجاوز الحياة الممتدة لظل الفروع الأولى والقديمة، فيعرى هذا الامتداد الجديد من ظلال الإسلام، أو بتشويه البدع – عندما تتراكم – لجوهر هذه الأصول"..فالتجديد، إذن، هو السبيل لاستمرارية الدين الكامل "الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، وليس نافياً لثبات واكتمال هذا الدين؟! لذلك على أمتنا أن تعي أهمية تجديد الخطاب الإسلامي لواقعها، وللتحديات التي تحيط بها من كل جانب ـ كما أشرنا في فصل تحديات الخطاب الإسلامي ـ فالمهمة الأساسية لنا ليست فهم التاريخ وإعادة إنتاجه، وإنما إصلاح الواقع ومشكلاته وتحدياته، فالانشغال بالماضي ومحاولة فهمه من الأمور التي تستهلك الكثير من طاقاتنا وأوقاتنا، فإذا وصلنا إلى النقطة الجوهرية في الموضوع، وهي كيفية توظيف الماضي في النهوض بالواقع، وكيفية استخدام التاريخ أداة لتربية الأجيال الجديدة – وجدنا أذهاننا مرتبكة وطاقاتنا مستنفذة، وفي بعض الأحيان أشعر بأننا لا نبحث عن مستقبل هو تطوير للواقع.والإشكالية أن في الساحة العربية والإسلامية الكثير من الدعوات للتجديد، وتأويل النص القرآني أو قراءته أو تجديد الخطاب الديني... إلخ، الواقع أن مسألة تجديد الفكر الإسلامي أو إعادة فهمه أو قراءته ليس مرفوضاً أو مستهجناً، كمنتوج بشري قابل للأخذ والعطاء والمراجعة، لكن الذي يرفض هو استحداث رأي أو تجديد ما يطرح عند البعض من الكتاب في النص القرآني وتأويله أو رفض بعض أحكامه بحجة "تاريخية" نصوصه لمرحلة معينة، فالنص الديني وضع إلهي خالد معصوم غير تاريخي، مجرد عن قيدي الزمان والمكان، نزل إلى الأرض من مقام مكنون (لا يمسه إلا المطهرون)، أما قراءته أو فقهه فهو وضع بشري تاريخي يتقادم، وقابل للأخذ والعطاء وفقا لما تدركه النفوس من جدة أصول الإسلام مع واقع العصر ومتغيراته. وعليه فإن الشريعة مقدسة لا يتسرب إليها الخطأ، ولا تتناقض، ولا يوجد فيها أي تعارض على الإطلاق، أما فهمها فقد يختلط بفهم آخر أو بمعرفة أخرى، يتعارض معها أو يتوافق، كما أن علماء الدين قد يخطئ بعضهم بعضا، ولكن لا أحد منهم يخطئ الدين، ومع تمام الاحترام والتقدير لمقامهم وجهودهم، إلا أنه لا يمكن أن يكون فهمهم للشريعة مقدسا وكاملا وواحدا.

1866

| 01 مارس 2014

محمد حسنين هيكل وقضية تضليل التاريخ !!

فجّر الكاتب والمحلل السياسي المصري محمد حسنين هيكل، منذ عدة أسابيع في أحد أحاديث في قناة فضائية مصرية قضية استقلال البحرين والجزر الإماراتية، أثار الكثير من ردود الأفعال المعارضة لما قاله في هذا الحديث، والأغرب أن هذا الحديث المستفز، جاء بعد شهر، من زيارته هيكل لدولة الإمارات العربية المتحدة، وخاصة إمارة دبي، ولقاءه مع أميرها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوب، وعدد من المسؤولين! ومما قال الأستاذ/ هيكل في هذا الحديث: "إنه كان حاضراً إبان عهد نظام الرئيس جمال عبد الناصر في المفاوضات بشأن الجزر العربية المتنازع عليها مع إيران، في الوقت الذي كانت فيه دول الخليج العربي تتأهب لنيل استقلالها» مضيفا في فقرة أخرى من الحديث أن» أن العاهل السعودي الراحل الملك فيصل، كان يقود هذه المفاوضات، وأن الدول العربية قبلت بأن تكون البحرين دولة عربية رغم أن أغلبية 70% من سكانها شيعة، مقابل مبادلتها بالجزر الإماراتية الثلاثة". ثم يستطرد في هذا الحديث بقوله إن «العرب فرطوا حينها في الجزر لإيران"؟!والحقيقة أن هذه الأقوال جديدة على أسماع المتابعين لقضية الجزر الإماراتية، وقضية استقلال مملكة البحرين، فهذا الذي يطرحه الكاتب محمد حسنين هيكل، يعيد الى الأذهان التناقضات والتقلبات في آرائه وتحليلاته التي يشوبها التزييف والتحريف، ترتقي الى الكذب الصريح منه إلى الاحتمالات والتوقعات في مناسبات كثيرة. فقضية استقلال البحرين، من المملكة المتحدة، جرى بعد ادعاء الشاه بتبعية البحرين إلى إيران، وبعد الضجة والردود العربية والدولية على هذا الادعاء الإيراني، تحّرك جلالة الملك فيصل ومجموعة من الدول العربية، باللجوء إلى الأمم المتحدة لحسم هذا الادعاء من قبل شاه إيران، وتم الاتفاق من خلال اقتراح من ممثل بريطانيا في الأمم المتحدة لتشكيل لجنة دولية لاستقصاء الحقائق تحت إشراف الأمم المتحدة، وعلى إثر ذلك، وصلت اللجنة إلى البحرين، والتقت بشعبها بفئاته المختلفة، والذي تمسك بعروبتها، وعرضت اللجنة تقريرها على مجلس الأمن بحضور الدول المعنية، حيث أكد التقرير عروبة البحرين، وأوصى باستقلالها، وقبلت إيران بتلك التوصية. وهذا تم باختيار سكان البحرين على استقلال بلدهم، كدولة عربية مستقلة، بنظامها السياسي الحالي، وهذا معروف ومنشور ومؤرخ، فمن أين جاءت هذه الفرية الهيكلية الجديدة التي قلبت الحقائق والروايات والشهادات لما جرى في قضية البحرين وعروبتها رأسا على عقب؟! وهذا الاختيار تم من قبل شعب البحرين، بغض النظر إنتماءاتهم ومذاهبهم، وما دخل المذهب بالانتماء والهوية الوطنية ؟، فسكان البحرين اختاروا أن تبقى البحرين عربية مستقلة، سواء كانوا شيعة أم سنة، وهذا حتى من العيب أن يقسم هيكل الانتماء المذهبي للبحرينيين، وكأنه ولاء لدول أخرى بحكم الالتقاء مذهبيا!! وهذا إساءة لأهل البحرين جميعهم بغض النظر عن الانتماء المذهبي لكل سكانها!!أما قضية الجزر الإماراتية، ما أدري لماذا انقلب محمد حسنين هيكل القومي على نفسه، وأقواله وضجيجه حول الوحدة والعروبة من المحيط إلى الخليج؟ وقال أخيرا بأحقية إيران للجزر الثلاث؟ مع أن الجزر عندما كانت تحتلها بريطانيا، ضمن احتلالها للإمارات قبل انسحابها الشهير في عام 1970، لم تقل شيئا عن أحقيتها للجزر إلا بعد ظهور النفط في هذه الجزر، وانسحاب بريطانيا منها !! مع أن المنطق والعقل يؤكدان أن الحق الثابت لا يتغير، ولا يفرط فيه أو يسكت عنه ومهما كانت التحديات لأن السيادة الوطنية تتطلب ذلك وهذا ما فعلته دولة الإمارات العربية المتحدة في مطالبتها بالجزر، وكان الأجدى بإيران أن تتمسك بحقها في الجزر ـ إن كان لها حق ـ سواء في ظل الاحتلال، أو في ظل الاستقلال، لكن النفط فتح شهية الكثير من الدول في عقود مختلفة ، وبحكم أطماع الشاه، وسطوته في الهيمنة، والسيطرة على المنطقة، وبحكم علاقاته مع الغرب وتحالفاته الكبيرة معه آنذاك قبل الثورة الإسلامية الإيرانية، والحل الإيجابي لإيران ودولة الإمارات الآن لحل أزمة الجزر هو عرض القضية على التحكيم الدولي، لحل الخلاف، لتبقى حسن الجوار هو الذي يحقق الوئام بين إيران ودول الخليج. ثم الكاتب هيكل ناقض نفسه بنفسه، عندما قال إن («العرب فرّطوا حينها في الجزر لإيران)؟!فإذا كان العرب فرطوا في الجزر، فمعنى هذا أن الجزر عربية، تتبع إماراتي الشارقة ورأس الخيمة؟ وهذا الطرح من الكاتب هيكل يبرز التناقضات والتقلبات الفكرية والسياسية في تحليلاته، وهذا ليس جديدا، فهو يفعل ذلك منذ عقود طويلة !!، ففي كتابه ( لمصر لا لعبد الناصر) الذي صدر في السبعينيات من القرن الماضي، امتدح الرئيس الراحل أنور السادات، وأنه الوحيد من بين أعضاء الضباط الأحرار الذي وقف بجوار عبدالناصر، وقال بالنص في هذا الكتاب المشار إليه إن (أنور السادات في رئاسة الدولة، وهو الوحيد من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي بقى بجوار عبد الناصر وبالقرب منه من البداية إلى النهاية)! مضيفا في فقرات عديدة، إنه تحمل بشجاعة مسؤوليته بالمشاركة في رسم سياسة عبد الناصر إلخ: وبعد اغتيال الرئيس أنور السادات في حادث المنصة الشهير في 6 أكتوبر 1981، أصدر هيكل بعدها فترة وجيزة كتابه الشهير (خريف الغضب)، فلم يترك عيبا، أو سلبية فيه، ولم يذكر له ولا حسنة واحدة، طول حياته السياسية، حتى لون بشرة السادات لحقها الاتهام، والغمز واللمز، وهذا متوقع منه، خاصة أن أنور السادات، عندما أخرجه من عرشه في رئاسة صحيفة الأهرام المصرية العريقة، يعتبره من ألد أعدائه الذين لن ينسى لهم ما حدث له، خاصة أن أنور السادات من أجل إغاظته، عيّن بدلا منه مباشرة الأستاذ علي أمين الشقيق الأكبر للصحفي الكبير مصطفى أمين، وقصة الصراع والخلاف بين الأخوين أمين، وهيكل، معروفة لكل المتابعين لما جرى بهما بعد تأميم الصحافة المصرية، ومنها الصحف المملوكة للأخوين، بعد القرارات الاشتراكية التي أصدرها الرئيس بعد في عام وصدر الميثاق 1960. وفي عام 2010، وضمن حلقاته في قناة الجزيرة، فجّر الأستاذ هيكل، قصة غريبة ولافتة ومستفزة، اتهم فيها الراحل أنور السادات، بأنه دس السم للرئيس الراحل عبد الناصر،عندما دخل السادات (كما قال هيكل) إلى المطبخ، وجهّز قهوة عربية لعبد الناصر، وقال إن الرئيس ياسر عرفات كان حاضرا في ذلك اللقاء المسمم!! والغريب أن هيكل قال في كتابه (لمصر لا لعبد الناصر) أن عبدالناصر (كان يعرف أنه لن يعيش طويلا) وأنه بسبب ذلك (دفع عبد الناصر إلى محاولة تحقيق أكثر الكثير من المنجزات في أقل القليل من فسحة الزمن)؟!! ص 26.والأمر اللافت أيضا أن الأستاذ/ هيكل في كتابه (الطريق إلى رمضان)، سرد قصة وفاة الرئيس عبد الناصر، وجهود الأطباء ،ومنهم (طبيبه الخاص د. صاوي حبيب، واستدعاؤه لعدد من الأطباء في محاولة لإسعافه، أنه تعرض لأزمة قلبية حادة) كما جاء في تقرير الأطباء جميعهم! والذي يبعث على الضحك والبكاء معا، أن الكاتب والمحلل السياسي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، كشف هذا السر العظيم بعد وفاة الجميع المتهمين، والأطباء، والشهود!! وهذه فضيحة أخلاقية كبيرة، لن تنسى من التاريخ أبدا. وفي فترة الرئيس حسني مبارك ـ وأنا عشت بدايات تلك الفترة من 82/ 86، أن هيكل كان يمتدح الرئيس مبارك، ويصف لقاءه معه مع العديد من السياسيين، بعد الإفراج عنه بعد حادث المنصة، وبعد ذلك يتحدث في العديد من لقاءاته الصحفية، العلاقة الوطيدة معه، واتصاله به ،في مرضه وفي سفره الخ: وبعد ثورة 25 يناير، وتنازل مبارك عن الحكم، أصدر هيكل كتابه الشهير(مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان)، قال في عصر مبارك أكثر مما قاله مالك في الخمر وأكثر! وهذا من مصائب هذا الكاتب الذي لا يريد أن يحافظ على مكانته الصحفية الكبيرة وتاريخه الكبير، بما يقوله من معلومات، تجعل مصداقيته على المحك، وهذا ما برز في أقواله وتناقضاته الأخيرة التي أصبحت يعرفها محبوه أكثر من معارضيه.. ولله في خلقه شؤون.

3300

| 23 فبراير 2014

هل أصبح الفضاء المفتوح الحاضن المؤثر للاختراق الفكري؟

عندما أخذ الغرب يأخذ مكان الصدارة ويتفرد حضاريا وعلميا في عصرنا الراهن، بدأ يطرح مقولة ثقافة المركز وثقافة الأطراف، وأن ثقافة المركز هي الثقافة العلم والحضارة والتقنية، ومن ثم عمل على اكتساح الثقافات الأخرى المغايرة، فعمل كما قال د. محمد عابد الجابري على مبدأ "يجب إخضاع النفوس بعد إخضاع الأبدان": إخضاع الأبدان يتم بالمدفع؛ أما إخضاع النفوس فسلاحه التعليم والثقافة، كان ذلك بالأمس، أما اليوم في القرن الحادي والعشرين، فالاتصال من دون "المدفع" ممكن و"إخضاع النفوس" عن بعد، مسافة بعيدة أصبح أمرا ميسورا جدا بفضل التقدم الهائل في وسائل الاتصال السمعية والبصرية؛ وإذا انقلب الوضع انقلاباً، لم يعد إخضاع الأبدان شرطا في إخضاع النفوس، بل على العكس، لقد غدا إخضاع النفوس طريقا لإخضاع الأبدان؛ لقد كان القدماء من الفلاسفة يعرفون البدن بأنه "آلة تستخدمها"، إذا إخضاع النفس يستتبع حتما إخضاع آلتها، تلك حقيقة "الاختراق الثقافي" في عصرنا الراهن وذلك هو هدفه. هذا الاختراق المحمل بأيديولوجيا العولمة التي نناقش أبعادها ومخاطرها على الهوية الثقافية، أصبحت حقيقة واقعة وليست أوهاما كما يدعي بعض المثقفين العرب؛ ذلك أن العولمة من خلال مفهومها الذي وضعه القائمون على تطبيقاتها، يطرحون إستراتيجية تعميم نموذج العولمة عالميا من خلال تقنية الوسائط الإعلامية التكنولوجية الهائلة، وأنها تنتهي عند هذا النموذج، فالحضارة الحديثة، كما يقول د. عبد الوهاب المسيري، مرتبطة بآليات السوق، وبالعرض والطلب، هي حضارة بسيطة لا تعرف تركيبة الإنسان وتنكر مقدرته على التجاوز، فهو إنسان ذو بعد واحد (يعيش في مجتمعات أحادية الخط) وعقله عقل أداتي (يغرق في التفاصيل والإجراءات ولا يمكنه إدراك الأنماط التاريخية أو تطوير وعيه التاريخي)، فالسوق والمصنع بآلياتهما البسيطة يتطلبان إنسانا طبيعيا ماديا بسيطا، ليست له علاقة بالإنسان الإنسان، والإنسان المركب، والمجتمعات الاستهلاكية التي لا تحكم إلا آليات العرض والطلب والاستهلاك والإنتاج، تزعم أنها قادرة على إشباع جميع رغبات الإنسان المادية والروحية من خلال مؤسساتها الإنتاجية والتسويقية والترويجية". وهذه النزعة التي يسخرها الغرب لتحطيم الهويات الأخرى، ليست خالية من الأيديولوجيا المضادة للثقافات الإنسانية، فهي تبرر هذا الاكتساح العملاق بمفاهيم حديثة وجذابة، مثل التقدم الاقتصادي والرخاء المادي والديمقراطية والليبرالية وغيره، لكن البعض يشكك في هذه المقولات ويعتبرها مجرد طرح فضفاض ومغاير للواقع الذي تستهدف هذه العولمة وما سبقها من مفاهيم في هذا السياق. فالحضارة الغربية - كما يقول د. علي الشامي، تسلك في اعتمادها أولوية المادة وتهميشها للعوامل الأخرى، بحيث تكون المادة مهيمنة على زمن التأسيس، وزمن التغيير والازدهار والأزمات وزمن الاستمرار، كما أنها تحدد الغايات وتخلق وسائل تحقيقها، وبالتالي يصبح نظام الفكر والأخلاق مصنعا لإنتاج إرادة خاضعة لمنطق المادة أو تطويقا لإرادة ترفض هيمنة المادة على الحياة برمتها؛ كما يصبح العلم وسيلة لتطوير المادة بما يخدم هيمنتها على الحياة في الداخل، وتعاظم القوة في الخارج، أكثر مما هو دلالة على سمو الإنسان ونمو قدراته ومعارفه، وأكثر مما هو حلقة في تاريخ الفكر البشري، حيث يورث السلف للخلف، علما صنعه إنسان لكل إنسان أو حضارة لكل الحضارات، إذا العولمة في مقولات المتشائمين أنها تستهدف الهوية الثقافية، لأنها تؤمن فقط بمعايير الإنسان العالمي، ذي مواصفات وقيم معينة يجري غرسها وتطبيقها وفق هذا المفهوم الذي تم تجسيده في هذه الرؤية، وتجري في سياقات عديدة متقاطعة مع الهويات الثقافية للشعوب، العولمة في رأي بعضهم، ومنهم علي حرب، تطال الثقافة بالذات بما هي منظومة من الرموز والقيم يخلع بواسطتها الإنسان معنى على وجوده وتجاربه ومساعيه، فالثقافات بما هي مرجعيات للدلالة وأنماط للوجود والحياة، وخاصة بكل أمة أو دولة أو مجتمع، تجد نفسها عارية أمام تدفق الصور والرسائل والعلامات التي تجوب الكرة على مدار الساعة. وهذه هي المشكلة التي ستواجهها الإنسانية في القرن المقبل إذا ما فرضت العولمة كبديل للتنوع الثقافي وعملت على اكتساح الهوية الحضارية للشعوب، ذلك أن الاتجاهات والمعايير المقبلة سائرة في اتجاه التأثير السلبي على الهوية والسيادة معا، وأول ما يثير الانتباه عند التأمل في موقف الغرب من هويات الشعوب هو جمعه بين متناقضين، فهو من جهة شديد الاعتزاز بهويته حريص عليها وهو من جهة ثانية رافض للاعتراف بالهويات الوطنية لشعوب العالم، لإحساسه بأن العولمة من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من الوعي بالخصوصيات الثقافية والحضارية. والغريب أنه خلال فترة الحرب الباردة والصراع على النفوذ والمصالح بين الدول الكبرى، لم نسمع إلا بمقولات التفاعل الثقافي والتنوع الحضاري والتسامح الفكري والديني، وإشاعة روح التواصل بين الثقافات باعتبارها مكونات للتفاهم والتعاون وهذا تم في فترة العالم المنقسم، أما الآن وبعد سقوط الحواجز وإزالة الحوائط وبروز قوة عالمية واحدة مهيمنة لم نعد نسمع بالكلمات اللطيفة مثل "التفاعل – التواصل – التسامح – التعدد الثقافي – التنوع الحضاري"، فقط كلمات مثل: افتحوا أبواكم أيها العرب، وادخلوا عالم العولمة، ليس لكم من خيار، وإذا ما بقيتم في ترددكم ومساجلاتكم فإنكم ستكونون كالحيوان الملقى على قارعة الطريق؛ تلك هي الكلمات الجديدة المتداولة في عالم اليوم الذي يفرضه العالم الجديد الذي يمتطي قطار العولمة – الذي يقولون عنه – إنه لا قطار غيره يتحرك، وهذا القول التبشيري الذي يطرحونه هدفه إلغاء التعددية الثقافية لصالح الوحدية، فليس صحيحا – كما يقول د. عبد الإله بلقزيز – أن العولمة الثقافية هي "الانتقال من حقبة ومن ـ ظاهرة ـ الثقافات الوطنية والقومية إلى ثقافة عليا جديدة هي الثقافة العالمية أو الكونية، على نحو ما يدعي مسوقو فكرة العولمة الثقافية، بل إنها بالتعريف فعل اغتصاب ثقافي وعدواني رمزي على سائر الثقافات؛ إنها رديف الاختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالثقافة، فيهدر سيادة الثقافة في سائر المجتمعات التي تبلغها عملية العولمة وإذا كان يحلو لكثيرين أن يتحذلقوا بإفراط في الرد على هذا الفهم للعولمة الثقافية، فيرجمونه بتهمة الانغلاق الثقافي أمام تيارات العصر، والدعوة إلى الانكفاء والتشــرنق علــى الذات (والهوية، والأصالة، ومشتقاتهما)؛ وإذا كان يحلو لهم أن يعيدوا على أسماعنا مواويل الانفتاح الثقافي غير المشروط على "الآخر" للانتهال من موارده ومكتسباته وكشوفه المعرفية.. إلخ، فإنه يطيب لنا أن نلفت انتباههم إلى وجوب وعي الفارق بين التثاقف والعنف الثقافي من جانب واحد". وليس صحيحا أيضا أن فكرة الاختراق الثقافي الذي تسعى إليه بعض القوى في عصر العولمة والكوكبة، أوهام في عقول بعض دعاة الخصوصية الثقافية، ذلك أن فرنسا نفسها، وهي جزء من المنظومة الغربية الهامة، تطلق التحذيرات من الغزو الأمريكي على الخصوصية الثقافية لفرنسا، على الرغم من أنهم ينتمون إلى قيم ثقافية واحدة، وهذه ما عبر عنه الشاعر الفرنسي أندرية فيلتير عندما قال: "نعم هناك إمبريالية ثقافية أمريكية طبعاً، هذه الليبرالية اقتصادية وسياسية، ولكن ما يهمنا هو الميدان الثقافي، لاسيما أنه الهدف الذي يدور حوله الصراع في العقد الأخير من هذا القرن، فإما أن يدجن العالم ويخضع للثقافة الأمريكية، وإما أن تظهر فيه وتتشكل مراحل ثقافات وحضارات مناهضة للثقافة الأمريكية المهيمنة والشيء الغريب أن فرنسا التي أنكرت مقولة "الاختراق الثقافي" للشعوب منذ أكثر من ربع قرن عادت تطلقه من جديد خوفاً على ثقافتها وتراثها. ومع ذلك فإن تحذيرها من مخاطر الاختراق الثقافي على الهوية الثقافية لا يجد الازدراء والسخرية من بعض المثقفين العرب، ومقولة فرنسا هذه من الاختراق الأمريكي لثقافتها – والتي هي في الأصل ثقافة واحدة – تجد الصمت المطبق من هؤلاء المثقفين، فهل هذه الظاهرة "جلد للذات"؟ أم أنها عملية استلاب حضاري؟ هذا هو السؤال الذي سيجد الجواب يوما.

1266

| 15 فبراير 2014

الدولة والسيادة في عصرنا الراهن.. تراجع أم ذبول؟

تعتبر السيادة عند قيام الدولة، فكرة قانونية معبرة عن الجماعة السياسية القانونية الكبرى ذات الكيان المعنوي فيما تقوم به من تصرفات سياسية وإدارية لصالح المواطنين، ومقتضى هذه السيادة أن سلطة الدولة وسيادتها سلطة أصلية originaire بمعنى أنها تنبع من ذات الدولة ولا تستمد أصلها من سلطة أخرى، فالهيئات والأجهزة الأخرى المختلفة في الداخل تستمد سلطتها من الدولة التي تملك إنشاء مختلف الهيئات ومنح وتحديد اختصاصاتها ـ والدولة هي التي تنظم شؤون نفسها لأنها تملك السلطة التأسيسية، أي سلطة وضع الدستور. ولسيادة الدولة وجهان، داخلي وخارجي. فالسيادة الداخلية، أي في علاقات الدولة بالأفراد والهيئات في الداخل تعني السلطة العليا التي تفرض نفسها على الجميع ولا تنازعها سلطة أخرى. أما السيادة الخارجية، فإنها تعني أن تكون الدولة مستقلة وأن تتعامل على قدم المساواة مع غيرها من الدول. أي أن السيادة الخارجية مرادفة للاستقلال. وعلى ذلك فإن السيادة الخارجية لها معنى سلبي، لأنها تعني مجرد عدم خضوع الدولة لغيرها من الدول، أما السيادة الداخلية فيبدو أن لها معنى إيجابيا، لأنها سلطة آمرة عليا تفرض إرادتها على الجميع. على أن البعض قد ذهب إلى أن للسيادة الداخلية معنى سلبيا لأنها وصف لسلطة عليا دون تحديد لمضمون هذه السلطة. أي أنها لا تبين الاختصاصات التي تملك الدولة مباشرتها في الداخل. وعلى ذلك فإن هذه السيادة ـ في جوهرها ـ إنما تفيد استبعاد أي عقبات يقيمها الأفراد أو الجماعات في سبيل ممارسة الدولة لسلطتها العليا.ولذلك فإن بعض فقهاء القانون الدولي يرون أن سلطة الدولة بغير سيادة أو بسيادة ناقصة أو معدومة لا يطلق عليها وصف الدولة. لكن هذا الرأي يخالفه البعض، ويذهبون إلى أن السيادة شيء غير السلطة السياسية، وإنه إذا كانت السلطة السياسية ركناً من أركان الدولة فإن السيادة ليست كذلك، إذ قد توجد الدولة بغير سيادة ذلك على حين لا توجد دولة بغير سلطة.وهذا الرأي الأخير يلتقي مع مفاهيم العولمة الجديدة التي من أهدافها الانتقاص من سلطة الدول بحكم ما تمثله من توجهات وتدخلات تحت مسميات الحرية الاقتصادية أو الديمقراطية أو تعميم الانفتاح السياسي الليبرالي من خلال إلغاء الحواجز والأبواب المغلقة التي تنتهجه الدولة القومية أو الدولة الاشتراكية التي تدور آنذاك في فلك المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي. لذلك فإن سيادة الدول ستتناقص تدريجياً بدرجات متفاوتة فيما يتعلق بممارسة سيادتها في ضبط عمليات تدفق الأفكار والمعلومات والسلع والأموال والبشر عبر حدودها. فالثورة الهائلة في مجالات الاتصال والمعلومات والإعلام حدت من أهمية حواجز الحدود والجغرافيا. وإذا كان بمقدور بعض الدول أن تحد في الوقت الراهن وبصورة جزئية من التدفق الإعلامي والمعلوماتي القادم إليها من الخارج، فإن هذه القدرة سوف تتراجع إلى حد كبير وقد تنعدم في المستقبل، خاصة في ظل وجود العشرات من الأقمار الصناعية التي تتنافس على الفضاء. كما أن توظيف التكنولوجيا الحديثة في عمليات التبادل التجاري والمعاملات المالية يحد من قدرة الحكومات عل ضبط هذه الأمور، مما سيكون له تأثيره بالطبع على سياساتها المالية والضريبية وقدرتها على محاربة الجرائم المالية والاقتصادية.وبالإضافة إلى ما سبق، فإن القوة الاقتصادية والمالية التي تمثلها الشركات متعددة الجنسية، خاصة مع اتجاه بعضها نحو الاندماج والتكتل في كيانات أكبر، إنما تسمح لها بممارسة المزيد من الضغط على الحكومات، وبخاصة في العالم الثالث، والتأثير على سياساتها وقراراتها السيادية، وليس بجديد القول إن رأسمال شركة واحدة من الشركات العالمية العملاقة يفوق إجمالي الدخل القومي لعشر أو خمس عشرة دولة إفريقية مجتمعة، وهو ما يجعل هذه الكيانات في وضع أقوى من الدول.ومن هذه المنطلقات الجديدة للعولمة أيضاً ستصبح المقدرة السيادية للدول ـ خاصة في العالم الثالث ـ تتغير لمصالح هذه التحولات التي يشهدها العالم في الوقت الراهن. فهذه التحولات تفرض قيوداً ومحددات على قرارات الدول وسياساتها من ناحية، كما أن قدرات الدول على التحكم في عمليات التدفق الإعلامي والمعلوماتي والمالي عبر حدودها تتآكل وبصورة متسارعة من ناحية أخرى. وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عن مستقبل الدولة القومية في ظل هذه التحولات.ويعبر الباحث تركي الحمد: إن هذا التوجه الجديد في مسألة انحسار سيادة الدول أو الانتقاص من سلطتها هو نوع من الانقلاب الجذري ـ في العلاقات بين الدول، على اعتبار أن هذا التحول الجديد هو تغيير محتمل " في شكل الدولة ونمط الحكم المعتبر شرعياً، بحيث يمكن القول إن مثل هذا الانقلاب لا يقل في أهميته المستقبلية، عن ذلك الانقلاب في التاريخ الأوروبي، الذي أدى في النهاية إلى انتهاء عصر وبداية عصر جديد، مع ما يرافق ذلك من بداية ظهور مفاهيم سياسية جديدة، أو مضامين جديدة لمفاهيم قديمة، تصف هذا الانقلاب والتحوّل، وتحاول أن تضعه في إطار نظري سياسي جديد، كما فعل منظرو تلك الحقبة، فبعيداً عن مستوى التحليل الآني والجزئي MICRO للسياسة، والمواقف السياسية بصفتها فن الممكن، فإن الإفرازات السياسية بعيدة المدى، تنظر إلى المسألة من زاوية كلية MACRO لعصر العولمة خاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية وانهيار آخر الإمبراطوريات "الكوزموبوليتانية" التقليدية الاتحاد السوفييتي. يبرر هذا الباحث أن التدخلات في شؤون الدول إنما هو عبارة نوع من الشعور بالقدر الإنساني المشترك في عصرنا الراهن وما يمكن أن يقوم على مثل هذا الوعي من إحساس إنساني مشترك، وذلك كما أدت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا في بداية العصور الحديثة إلى الشعور بالقدر القومي المشترك، وما قام عليه من شعور قومي مشترك، فمجرد طفل جائع يبكي في أدغال إفريقيا مثلاً، يستثير العطف وحركات المشاركة الوجدانية وغير الوجدانية لدى البعض على ضفاف نهر الدانوب أو الرور أو الميسيسيبي، وعلى ذلك قس، ليست القضية هنا تدخل هذه الدولة في الشأن الداخلي لتلك الدولة، بقدر ما هو في ذلك الشعور المتنامي بالمصير المشترك لكل بني الإنسان، نعم إن لمثل هذه العولمة نتائجها السلبية العديدة على الدولة في العالم الثالث خاصة، وما يثيره ذلك من أسئلة وإشكالات الهوية والمصير الوطني أو القومي أو نحو ذلك، وما قد يؤدي إليه ذلك من حركات عنف وتطرف، إلا أن كل ذلك لن يكبح تياراً هو سائر في طريق، كما أن البكاء على دولة المدينة الوادعة لم يقف في طريق انبثاق دولة العالم المقدونية والرومانية.لكن الكثيرين يختلفون مع الباحث تركي الحمد فيما طرحه في هذه القضية، ويرون أن العولمة يمكن أن تكتسب طابع العمومية والانتشار في كل الأمم والحضارات والدول بحكم إمكاناتها العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية مع احتفاظ هذه الدول والشعوب بسلطتها وتراثها السياسي والاقتصادي مع ضرورة انفتاحها السياسي وإقرارها التعددية وغيرها من المضامين التي لا تختلف حولها الأمم والشعوب الأخرى.وإذا ضعفت الدول وانتقصت سيادتها مع بروز سلبيات العولمة التي من آثارها تسريح العمالة، وتراجعت الصناعات الوطنية أمام الصناعات العالمية المتقدمة وغيرها من المؤثرات، فإن المشكلات الداخلية ستتفاقم وسيصبح الكلام عن الانفتاح السياسي والديمقراطي والرفاهة الاقتصادي مجرد أحلام وردية، وستحل القلاقل بدل الاستقرار والرفاهة وغيرها من مقولات أدعياء العولمة.فالعولمة ليست خالية من الأيديولوجيات لأنها تقاد من مجموعات لها استراتيجيها وأفكارها وطموحاتها السياسية والاقتصادية والفكرية، ولذلك فإن التطبيقات ستكون مختلفة، وليست بالصورة الوردية التي يطلقها مؤيدوها.صحيح أنها ظاهرة إنسانية جديدة بكل إفرازاتها السلبية والإيجابية، فإذا ما أرادت إلغاء الآخر وهويته ونموذجه الخاص، فإن هذا التجاهل له من السلبيات الكبيرة ما يسهم في عدم إرساء نموذج كوني تعددي يؤمن بالديمقراطية والحرية وثقافة التسامح تجاه الآخر المختلف.

5481

| 09 فبراير 2014

أزمات الأمة والتحليل المستورد لمشكلاتها!

شخَّص بعض الباحثين التراجعات والأزمات السياسية العربية الكبرى في العقود الأخيرة، وحصرها في ظروفها الآنية والجزئية، وتجاهل أخطاء الزعامات والنخب السياسية العربية، التي امتلكت الفعل والقرار واتخاذه، في الوقت الذي تم تغييب الشعوب من المشاركة في هذا القرار السياسي أو ذاك سواء عبر المؤسسات البرلمانية التي همّشت من الفاعلية الديمقراطية، أو غيرها من مؤسسات المجتمع المدني التي كان من الممكن أن تلعب الدور الإيجابي، لو كان لها صوت مسموع، لا مقموع في المجتمع، هذا بافتراض وجود مثل هذه المؤسسات، أما في حالة غيابها، فسيكون تحميل الجذور المجتمعية والخلل السوسيولوجي (القاع)، بالمجتمع العربي خطاً بيناً، يقع فيه الباحث من خلال هذا الاستنتاج، فالقرار السياسي العربي بيد هذه النخبة أو الزعامة، واختيار القرار الصائب أو "الخائب" إرادة وفعل، تستطيع وتملك البدائل للتعامل مع القضايا والإشكالات، ومقومات النهوض، وأسباب الإخفاق، وكوامن الضعف وعوامل تحقيق التقدم والمكاسب الحضارية، ومن غير الممكن أن تختار الزعامة السياسية، الاستبداد، والقهر، والتسلط ثم تفتش عن الأخطاء، من خلال تحميل الجذور التاريخية المترسبة في هذا المجتمع أسباب وإخفاقات هذه الزعامات؟!وهذا ما عبر عنه أصدق تعبير د/ برهان غليون عندما طرح أسباب هذه الإخفاقات إلى الممارسة السلبية حيث يرى أن "الدولة الحديثة" بما هي بالضرورة والمبدأ دولة تعسفية، هي التي تفسر ما يشهده المجتمع العربي من إضافة للمكتسبات العديدة التي حققها في جميع الميادين في العقود القليلة الماضية، بعد فشل مشروع التنمية باعتباره محور إعادة البناء الوطني، بما في ذلك العناصر الجديدة المكتسبة في ميدان تقنية الحكم ومفهوم أو فكرة الدولة ذاتها.فكيف يحمل الدكتور الأنصاري تكويننا السياسي وتركيبتنا المجتمعية هذه الإشكالات والتراجعات، ويتناسى أن الشعوب العربية مغيبة عن هذه السياسات المقترنة بالإخفاقات المتتالية؟ مع أن "جذور الأزمة الحقيقية التي تعصف بالمجتمع العربي اليوم، كما يشير د غليون، تكمن في نموذج الحداثة العربية نفسها.وليس هناك أمل في الخروج منها، إلا بنقد هذه الحداثة المسخ وتوفير شروط تجاوزها والخروج منها.وفي مقدمة هذه الحداثة الممسوخة مسخ الدولة الحديثة (الوطنية) بالذات، في مفهومها ومصدر قيمها، أعني عقيدة ارتباط التقدم التاريخي بالدولة، ثم بتعظيم دور الطليعة والإدارة، وتضخيم أجهزة القمع ووسائله، لدرجة أصبح فيها معدل بناء السجون والمعتقلات ومعسكرات التجميع والمراقبة ونقاط التفتيش وأجهزة المخابرات أكبر من معدل بناء المستشفيات أو المدارس أو الخدمات الاجتماعية "فهل يجوز لنا منطقاً وعقلاً أن نتجاوز طبيعة ونتائج السياسات، التي اتخذتها ومارستها بعض النخب السياسية العربية في الدولة الوطنية، والدولة التقليدية قبل ذلك، ونرمي بأسباب هذه الإخفاقات والتراجعات إلى البنى السوسيولوجية والجذور المجتمعية، والفقر السياسي العربي تاريخياً في خط ثابت متصل إلى حاضرنا الراهن؟ وهل هذا التفسير يشفي غليل الإنسان العربي الحائر الذي لا حول ولا قوة فيما يجري، وما يتموضع بالنيابة عنه من سياسات وما يتخذ من قرارات، عصفت بكل مقدرات الأمة في مصير مجهول؟لقد استوردت الدولة التقليدية، ثم الدولة الوطنية بعد الاستقلال، النظم، والأفكار، والبرامج الغربية، وبعض هذه الدول طبقت العلمانية في جانبها القهري الاستبدادي، ولذلك "فإن الطابع القمعي للدولة العربية القائمة ليس التعبير الصريح أو المبطن، عن بقايا تراث الاستبداد الشرقي الذي تجسده الدولة السلطانية، وأقل من ذلك الثمرة المباشرة لإرادة الأشخاص أو العقائد والبرامج السياسية والاجتماعية المرتبطة بمجموعات الحكم المتبدلة، إنه العكس من ذلك، التعبير عن التحول البطيء في طبيعة الدولة الحديثة ذاتها أو دولة التقدم والتحديث.ومن هذه المنطلقات أثمرت هذه السياسة فكراً مغايراً لثقافة الأمة وموروثها الحضاري، ونشأ عن ذلك اضطراب سوسيولوجي، بعد إقصاء المرجعية الذاتية والهوية الوطنية، وتهميش دورها في صياغة نموذجها الفكري والسياسي، النابع من ذاكرتها الحضارية في الميادين المختلفة، ونتج عن ذلك فشل ذريع في البرامج والخطط في مستويات عدة. وما نشاهده من مظاهر التقدم والتنمية التي تحققت نسبياً في بعض هذه الأقطار العربية ما هي إلا أمور سطحية لا تمس الجوهر أو الذات الفاعلة، وأقصد بذلك الإنسان العربي على اختلاف مستوياته الثقافية وطبقاته الاجتماعية، وذلك لأن مثل هذه التنمية وذاك التقدم، هي أمور تابعة ومرتبطة بالمركز الحضاري الغربي، سواء كنا نتكلم بنيوياً أو ثقافياً – أيديولوجيا. فمثقفونا يمارسون أحلام يقظة في أسر الكلمات والمفاهيم والأيديولوجيات المجردة، مما يسقطهم في مزالق الاغتراب وهوة العزلة الاجتماعية واللافاعلية كنتيجة لكل ذلك. وطبقاتنا الاجتماعية ليس لديها وعي بكينونتها الطبقية في المقام الأول، فتمارس وظيفتها الاجتماعية عشوائياً وفق نمط فردي غارق في الغيبوبة الاجتماعية، تتقاذفه شتى الاتجاهات ومختلف أنواع الوعي الزائف، وكلها لا تعبر عن وعي يتمثل بحقيقتي الزمان والمكان، وبالتالي، تتحول إلى كم بشري هامشي لا أثر اجتماعياً فعلياً له. ومن هنا يؤكد د/ تركي الحمد في كتابه (دراسات أيديولوجية في الحالة العربية ص 81) "إن المشكلة الأساسية التي تواجه الوطن العربي، هي في الفراغ والضياع الأيديولوجي السائد في التاريخ العربي المعاصر " فإشكالية الأصالة والمعاصرة، والعروبة والإسلام، والتراث والثورة، الاستقلال والتبعية، الدين والدنيا، الدين والدولة إلى غير ذلك من إشكالات، ما هي إلا انعكاس وتجسد للفراغ أو الضياع الأيديولوجي، أو الثقافي الذي نجد أنفسنا فيه كأمة، يفترض فيها وحدة الوعي كتعبير عن وحدتها ذاتها. هذا لا يعني إنكار أهمية وتأثير الإشكالات البنيوية التي ورثناها – أو أورثناها – خلال تاريخ طويل من القمع والاستبداد والاستعمار والاستقلال السياسي الناقص أو المشوه، إلا أنه وفي وطننا العربي، فإن هذه الإشكالات البنيوية تحولت إلى تابع أو دالة الأيديولوجيا (أو الأيديولوجيات) السائدة، التي هي بدورها مجرد تعبير عن الضياع أو الفراغ الأيديولوجي الذي نعيشه. فهذه الأيديولوجيات السائدة التي خبرناها خلال تاريخنا المعاصر، ليست إلا تعبيراً عن الاستلاب الثقافي العام الذي يعيشه الوطن العربي، فهي أيديولوجيات بعيدة كل البعد عن نبض التاريخ العربي (الذي يشكل شخصية الأمة وذاكرتها بغض النظر عن قبوله أو رفضه) ولا تعكس أو تعبر بأي شكل من الأشكال عن طبيعة البنى الاجتماعية والثقافية السائدة".إذن الإشكالية التي وقعت فيها النخب السياسية أنها استمدت أيديولوجيتها من منابع أخرى، لا صلة لها بالواقع العربي الإسلامي، وهذه الأيديولوجيات بعيدة كل البعد عن العقلية العشوائية التي عرفتها القبيلة أو العشيرة، بل إن هذه الأخيرة همشت تماماً، في مرحلة سيطرة النخب السياسية المؤدلجة بالأفكار الاشتراكية والقومية والعلمانية.. أما كيف عادت القبيلة إلى صناعة القرار والتأثير في سياسات الدول، فهذه جاءت نتيجة للصراع بين هذه النخب على السلطة والمكاسب والمناصب.. وربما تكون لنا وقفة أخرى عن هذه الإشكالية.

1619

| 02 فبراير 2014

عندما تكون المفاهيم عاملاً في التوتر والأحكام المسبقة

على الرغم من الاختلاف الدقيق بين مصطلح " الأصولية" الغربي، والأصولية وفق المفهوم الإسلامي، إلا أن الفكر الغربي ظل حبيس ذاته التاريخية، ومأزق صراعه الطويل مع الكنيسة والأصولية المسيحية، وهذه النظرة الخاصة التي يحاول الغرب أن يعممها على الإسلام، ومطابقة ما فعلته الكنيسة مع السلطة المدنية في الغرب، وهذه تنقصها المصداقية والواقع، ذلك أن " الأصولية" في المفهوم الإسلامي تناقض مفهوم هذا التعريف في الغرب، ويدرك الكثير من المفكرين الغربيين، اختلاف هذه المفاهيم، لكنهم يتجاوزونها لأسباب كثيرة منها العداء المستحكم، والنظرة السطحية المقلوبة التي غذاها الاستشراق في حقب مختلفة، وأخيراً الأطروحات الجديدة التي تدّعي أن الإسلام هو العدو الجديد بعد سقوط الشيوعية، ولعل ما كتبه برناردلويس، صمويل هنتنغتون في هذا الصدد يغني عن الكثير من الالتباسات.من هذه المنطلقات يتحمل الغرب مسؤولية كبيرة في تكريس مصطلح "الأصولية الإسلامية" ومطابقتها للأصولية الكنسية في القرن الثامن عشر، وهذا ما عبر عنه المستشرق الهولندي "رودلف بيترز" عندما قال: "إن نقد صحافتنا أمر واجب لأنها تمضي بعيداً في تسويق مفهوم خاطئ وهي تعيد ما قامت به أثناء الحرب الباردة من حماسة زائدة ضد العدو المفترض، وهي تتعاطى مع خبر لأصولية باعتباره خبراً جذاباً للقارئ، لأنها من ناحية تتبنى العنف والإرهاب ومن ناحية تختلف عن الواقع الغربي وتتصارع معه، ويمكن أن تكون نيات الصحفيين طيبة(!!) لكن يجب أن لا ننسى المقربين من المؤسسات السياسية والحزبية التي لها مصلحة في التلاعب بالرأي العام وتوجيهه، وحتى الصحفي الموضوعي يواجه عوائق مهنية في تغطية الموضوع الإسلامي، فرؤساء التحرير يبحثون عن الخبر والحديث عن الإسلام المتنور أو المعتدل لا يعتبر خبراً ولا يجذب القارئ" !! وهذه من دون شك "قضية منهج" و"أزمة موضوعية"، تحدث في الغرب على رؤوس الأشهاد، ويجدر بالغرب وهو المتجذر بالديمقراطية والليبرالية أن يفسح للرؤية الهادئة والواقعية المدروسة في أية ظاهرة من الظواهر لأنه بلا جدال لكل ظاهرة إنسانية خلفيات وجذور وأسباب، ومن هنا يجب التعاطي معها باستقصاء وإلا أصبحت القضية برمتها مأزقاً قائماً ربما قد لا نعثر على سبل صحيحة لعلاج سلبياتها غير البارزة. وقد عبر عن هذا المأزق الموضوعي المنحسر في الغرب ـ كما يقول برهان غليون ـ المستشرق الفرنسي رودنسون في كتابه "سحر الإسلام"، وكيف أنه في القرن السابع عشر وبعده كان الإسلام يعتبر في الغرب رمز التسامح والعقل على النقيض من الدين المسيحي ومذاهبه المتعصبة للعقل، فقد أخذهم ما يؤكده من ضرورات التوازن بين حاجات العبادة وحاجات الحياة وبين المتطلبات الأخلاقية أو المعنوية وحاجات الجسد وبين احترام الفرد والتشديد على التضامن الاجتماعي، وكان التركيز كبيراً لدى المثقفين في مواجهة المسيحية على الدور التحضيري للإسلام وعلى عقلانية الاعتقادات النابغة منه.. فقط ـ كما يقول د.غليون ـ منذ المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر بدأ الأوروبيون يعتبرون أن المسيحية هي سبب التقدم والنجاح في أوروبا، وأن الإسلام هو سبب العجز والتأخر في العالم العربي والإسلامي، وبعد أن كان الإسلام يستخدم كنموذج للدين العقلاني والحضاري في موجهة المسيحية " المتعصبة والبربرية"، بدأت الآية تنعكس تماماً ليصبح الإسلام شيئاً فشيئاً مثالاً للبربرية التي تهدد الغرب.. لقد ترسخت القناعة بأن أوروبا هي قاعدة الحضارة وأن كل ما يقف في وجه أوروبا فهو معادٍ للحضارة، وكأن الإسلام كثقافة ومدنية ومجتمع هو العقبة الرئيسية إن لم تكن الوحيدة التي تحول دون امتداد التوسع الغربي في اتجاه الجنوب والقارات والحضارات القديمة، وكان لابد لهم من أيديولوجية تؤجج العداء له وتبرر العدوان عليه في الوقت نفسه في نظر الأوروبيين أنفسهم ونظر العالم".ومن هذه الرؤية الجامدة نشأت "الأصولية العلمانية" في الغرب التي لا تقبل غير الرؤى المنطلقة منها، صحيح أن الغرب عندما انقلب على الكنيسة جردها من سلطاتها وأزاحها من مكانتها الكبيرة في المجتمع الغربي، لكنه لم يتنازل كلية عن طموحات هذه البابوية وذاكرة المركزية الأوروبية وأنها محور الإنسانية وتاريخها وإقصاء الآخر وتهميشه فكرياً وثقافياً وتأسيس ذاكرة تاريخية ثقافية محور "الأنا" الغربي وتميزه وتفوقه بصفات وخصائص يفتقدها الآخر عقلياً وحضارياً وعرقياً.. وهذه العقلية بقيت راسخة حتى بعد سقوط البابوية وتأسيس العلمانية، وسنكون مخطئين ـ كما يقول د. محمد عابد الجابري ـ إذا اعتقدنا أن الغرب قد تحرر من تلك الخلفيات الثقافية والدينية وأنه الآن غرب علماني خالص عقلاني براجماتي، لا غير، سنكون مخطئين إذا نحن جردنا الغرب من ذاكرته الثقافية الدينية ذلك لأنه إذا كانت هذه الذاكرة تفعل بصورة واعية في الكنسيين والمتطرفين في كل من أوروبا وأمريكا فهي تفعل ذلك بصورة لا واعية في العلمانيين والليبراليين(..) .فليس من المصادفة البتة بل العكس، ومن باب الانسجام الفكري ـ كما يقول روجيه جارودي ـ في أن يكون أعظم حامل لهذه الأيديولوجيا مؤسس المدرسة العلمانية "جول فري" هو نفسه المحرض على الغزو الاستعماري في مدغشقر وفي تونس والفيتنام.. هذا المفكر الواضح كان في فرنسا المنظر الأعنف للاستعمار مثلما كان في إنجلترا ستيورات ميل وهو تلميذ آخر من تلامذة وضعية "أوغست كونت".. ففي خطابه يوم 27 تموز يوليو 1885 أمام مجلس النواب أعلن: "أجل نحن نتبنى سياسة توسع استعماري قائمة على نظام وهذه السياسة الاستعمارية تقوم على ثلاثة قواعد "اقتصادية.. إنسانية.. سياسية".. وفي فقرة أخرى قال: "لا أتردد في القول إن هذا ليس من السياسة ولا هو من التاريخ إنه من الميتافيزيقيا السياسية.. أيها السادة لابد من القول بصوت أرفع وبحقيقة أكثر يجب القول بصراحة أن للأعراق العليا حقاً عملياً على الأعراق السفلى"؛ (كتاب الأصوليات المعاصرة).. هذه "العلمانية" الانتقائية أوجدت نزعة فلسفية تدعى المركزية "الكونية" واحتكار العلم والحضارة مع الإقصاء للآخر المختلف أو كما يسميها البروفسيور "روبرت سولمون"، "ثقافة الهيمنة"، وهذا ما حدا بالباحث الإنجليزي " ريتشارد ويبستر" يتساءل "هل هذه عملية ارتدادية لعصاب جماعي تحاول من خلالها ثقافة سلفت أن تحيا مرة أخرى لحظة من طفولتها؟ وهل هو أمر مختلف ربما تكون حال دعت العلمانية إلى إسقاط قناعها العقلاني من أجل أن تكشف في لحظة ما عن هويتها الحقيقية والتي هي في عمقها هوية دينية؟ويضيف ويبستر ـ "وإذا ما فهمنا تراثنا الديني على نحو أفضل فإننا سنبدأ بالشك في أن العلمانية بدلاً من أن تكون قد هزمت التراث المسيحي اليهودي فإنها عبرت عن تفوقه الكبير وما أريد افتراضه هو أنه إذا كانت القيم الدينية لا تلعب دوراً مهماً في المجتمع العلماني، فهذا لا يعني أنها تركت أو همّشت، وإنما دليل على مدى دخولها إلى داخل الفرد وإلى هويتنا العلمانية إلى الدرجة التي لا نحتاج معها إلى إظهارها في أي شكل خارجي"!!إذاً.. القضية أبعد من كونها نظرة سطحية ساذجة أو عاطفية عابرة لذلك فإن ازدواجية الطرح تجاه الإسلام له من الخلفيات ما يجعل المحلل أو الباحث يفقد معايير الدقة والمصداقية، ومنها موضوع "الأصولية"، ومع الاختلاف البين في المصطلح فإن الغرب لا يزال يصر على تسمية الإسلام وربطه " بالأصولية" وفق مفهوم المسيحي الكنسي في القرون الغابرة. "والأصولية في الإسلام".. تعني الالتزام بقواعد السلوك والقيم في عصره الأول, وكما عرفه السلف الصالح في الفقه والاجتهاد ومقاصد التشريع.. إلخ، لكن الأصولية في الغرب هي النظرة المتزمتة التي تحارب العلم والاختراع والعصرنة وهذا ما ينكره الإسلام.. أما موضوع العنف والتطرف والإرهاب الذي يجتاح عصرنا الراهن فإن المؤثرين في صناعة القرار في الغرب يحاولون أن يلصقوا هذه الظاهرة بــــ " أصل الإسلام"، وطبيعته الكامنة فيه، وهذا غير صحيح, فالإسلام وأصوله التشريعية ترفض مبدأ العنف وتنكر الإرهاب والتطرف مهما كانت أسبابه، وقد لا نتجاوز القول إن جزءا من ظاهرة العنف والإرهاب ترجع إلى ما اقترفه الغرب ومظالمه وازدواجية معاييره إذا ما أردنا الدقة والموضوعية.. لذلك، فإن الأولوية في القضاء على هذه الظاهرة هي العدل في الأحكام على الأشياء والظواهر من دون محاباة أو كراهية مصداقاً لقوله تعالى في كتابه العزيز: "لا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " صدق الله العظيم"، وبغيرها سيكون العلاج كمن يقاتل طواحين الهواء مثلما فعلها "دون كشوت".

1132

| 26 يناير 2014

العرب بين رؤية ابن خلدون في عصره وعصرنا الراهن ؟

ربط بعض الباحثين بين ما قاله ابن خلدون في بعض فصول في نقد العرب وحياتهم في عصره بين الحروب الداخلية، والتراجع الحضاري والتشرذم السياسي، بين والواقع العربي الراهن، خاصة الصراعات السياسية بين دوله والتشرذم السياسي والتراجع على كل المستويات إلخ. لكن هذه الرؤية لاقت نقدا شديدا من بعض الباحثين، ومنهم د. محمد عمارة: إذ يقول من ضمن نقده لهؤلاء الباحثين.. من هم العرب الذين نقدهم العرب؟ هل هم العرب كأمة؟! أم العرب الأعراب الموغلون في البداوة والتوحش، قبل أن يتدينوا بالإسلام، فتتهذب طباعهم ويساعدهم الإسلام على حذق إقامة الملك والدولة وسياسة العمران؟! إن مقاصد ابن خلدون في العرب في المقدمة فيقول: "لقد عقد ابن خلدون – في مقدمته – فصلاً جعل عنوانه (فصل في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك) لكنه – قبل هذا الفصل مباشرة – عقد فصلاً آخر جعل عنوانه: (فصل في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين بالجملة).ولو أن قارئا وقف - عند عنواني هذين الفصلين لأدرك أن هناك عربا يحكم عليهم ابن خلدون بأنهم أبعد الأمم عن سياسة الملك.. وهناك عرب يحسنون الملك والسياسة، لكن إذا كان لهم حظ من الدين. وعندما يقرأ القارئ ما تحت العناوين، سيجد فكر ابن خلدون شديد الوضوح في التمييز بين العرب في طور التوحش والإيغال في البداوة، قبل التدين بالإسلام، أو عند الانسلاخ عن جوهره.. وبينهم عندما جعلهم الإسلام سادة الفتوحات وأساتذة الدول والسياسات.ويقتبس د. عمارة من هذه المقدمة بعض الآراء لابن خلدون في عرب البداوة المتوحشة الذين قال عنهم إنهم "أبعد الأمم عن سياسة الملك" فيقول إن هؤلاء – كما قال ابن خلدون – هم الذين اختصروا "بالإبل وهي أصعب الحيوان خصالاً ومخاضاً.. فاضطروا إلى النجعة.. فأوغلوا في القفار.. فكانوا لذلك أشد الناس توحشاً" (..) إلى أن يقول: "فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام فيفسد العمران"!تلك هي صورة العرب – عند ابن خلدون – في طور "البداوة المتوحشة".. الذين يفرون من الاستقرار والعمران، ويهدمون المباني لتحويل أحجارها إلى أثافي للقدور، ويهدمون السقف ليتخذوا من أخشابها أوتاداً للخيام.هؤلاء الذين قال عنهم ابن خلدون – كما يقول الدكتور محمد عمارة – هم الفئة التي تنطبق عليهم مثل هذه الأوصاف التي ذكرت سابقاً في المقدمة "أما الأمة العربية التي جاءتها رسالة الإسلام، ونبوءة محمد صلى الله عليه وسلم التي حملت الإسلام إلى العالمين، وفتحت الفتوح، وأقامت الدول والمماليك، وبنت الحضارة، وساست العمران.. فلابن خلدون حديث طويل عنها.. لا ندري كيف أغفله هؤلاء؟ونحن نرى أن هذا التشخيص الخير الذي طرحه د. عمارة لآراء ابن خلدون لمفهوم البداوة، والتحضر والعمران عند العرب، وإشكالية الممانعة والمدافعة باعتمادهم على الغير، هي الأقرب والأكثر انسجاماً مع أطروحات هذا العالم الجليل، في مجمل ما وضعه من نظريات، في السياسة، والتاريخ، وعلم العمران (الاجتماع) لأنه بالإسلام انتصر العرب، وهم الأقل عدداً وعتاداً على أكبر إمبراطوريتين في ذلك العصر، وهما الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الفارسية، والصبغة الدينية عندما تستحكم في النفوس وتقوى في القلوب، فإنها تلعب دوراً أساسياً في صياغة حياة المجتمعات، الفكرية، والسياسية، والاجتماعية ومن هنا يرى الباحث صلاح سالم أن "الاتجاه الخلدوني في صياغة دور الدين في الحياة السياسية، أكثر إنصافاً من كل الفلاسفة الماديين الذين أعلوا سلطان القوة الأعمى، وتناسوا الفكرة الدينية تماماً في القرون الأخيرة بالذات. وذلك رغم ما يشاع عن تأثر ابن خلدون في ذلك بنمط حياته في رحاب السلطة السياسية، وعلى مقربة منها واعتبار ذلك تنظيراً ودفاعاً عن السلطان السياسي والسلطان الروحي الخاضع له في مواجهة السلطان الروحي المستقل والرافض لهذا الخضوع، وفي هذا السياق يقول ابن خلدون في كتاب له "إن السلطان السياسي الذي هو سلطة العصبية والقوة، يمكن أن يضفي على نفسه صفات المعرفة بالإضافة إلى سلطة الروح والدين، فتزداد قوة واستقراراً، لكن المعرفة وحدها لا يمكن أن يتأسس عليها أي سلطان سياسي دون العصبية والقوة. ومفهوم العصبية – عند ابن خلدون – الذي يفهمه البعض بمعناه الضيق في حالة النسب والرحم، إذ لا يكون في كل السياقات هو مراد ابن خلدون، عندما يتحدث عن العصبيات عند العرب، فهناك العصبية العاضدة للدولة والسلطان السياسي، وهناك العصبية الساعية للملك، وهذا ما يظهر من دراسة ابن خلدون للظاهرة الاجتماعية، عندما وضع فصلاً بعنوان (في أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك) فابن خلدون – كما يقول – د. لؤي صافي – ينطلق من مفهوم العصبية بوصفها ظاهرة سياسية، ومن تصور للطبيعة الإنسانية يرى أن التغلب والتفوق مطلب طبيعي للنفس الإنسانية، ليقرر أن السلطة السياسية، أو القدرة على إمضاء الرأي رغم معارضة المعارض والمخالف، من نصيب العصبية الأقوى، أي من نصيب الجماعة السياسية القادرة على إخضاع الجماعات السياسية الأخرى إما بقهرها والتنكيل بها وتشتيت قواها، أو باسترضائها والدخول معها في تحالفات سياسية ويستمر الحلف السياسي بالتوسع والانتشار وبسط النفوذ بقهر القوى المعارضة أو استرضائها إلى أن يصطدم بحلف سياسي آخر. ويطرح الباحث حسين هنداوي تفسيراً دقيقاً للغموض والالتباسات في آراء ابن خلدون، حيث تأخذ في بعض الأحيان طابع الاختلاف بينهما، والتعميم المغالي لبعض الظواهر الاجتماعية، كآرائه في البداوة والحضارة، والترف، وفساد الطباع، فيقول: إنّ ابن خلدون: "شاهد حضارة إسلامية، تعاني أزمة عميقة وحال احتضار، بعد قرون طويلة من الحيوية والإبداع والمجد، نجحت خلالها في أن تكون مركز الشعاع الحضاري عالمياً، ليس غريباً، إذن، أن نجده مثقلاً بالمرارة والنقمة على قومه، عندما وجدهم غارقين في نزاعاتهم الداخلية وصراعاتهم العميقة، راضخين لطغاة البدو ـ ولا يعني أن هؤلاء من العرب – أجمل ما فيهم دميم، بينما يرى بأم عينه سقوط دولة المغرب من جانب، وانهيار دول المشرق من جانب آخر، تحت أقدام الجيوش المسيحية، الإسبانية، والتتارية. إذ يجب ألا ننسى أن ابن خلدون، كان شاهداً مباشراً على هذا السقوط وذلك الانهيار. كما كان الوحيد، بين كبار المفكرين المسلمين، الذين وقعوا في أسر تيمورلنك إمبراطور الخراب، عندما كان هذا متجهاً على رأس جيشه لتدمير المغرب، بعد أن انتهى، لتوه من دك بغداد وكل المشرق دكاً، محولاً تلك الحضارة الزاهية إلى ركام من الخرائب، بينما أهلها في بؤسهم سادرون. و"مستوحشاً من الدولة"، راح ابن خلدون يتأمل تاريخ الحضارة العربية الإسلامية والتاريخ البشري. ففي ظروف أزمة عميقة لـ "العمران المدني"، ولدت فلسفة التاريخ الخلدوني".ولذلك نعتقد أن نظرية ابن خلدون ما جاءت ، في علم الاجتماع عن العرب، من التباسات وغموض وتعميمية في بعض الأحيان، إلا بسبب معايشته شخصياً فترة أليمة مرت بها الحضارة العربية الإسلامية وتمزق وتناحر أهلي داخلي. ونرى أيضاً أن هؤلاء وقعوا في نفس الظروف عندما كتبوا هذه الآراء بعد الاحتلال الغاشم لدولة الكويت 1990، وما تبعها من انقسامات وتمزقات وجراح أليمة عانتها الأمة العربية كلها، ومازالت مثقلة بآثارها إلى الآن! ونرى أن المقارنة غير دقيقة من خلال تنزيل آراء ابن خلدون مع واقعنا الراهن، وهو قياس مع الفارق كما يقول الأصوليون.. ولله في خلقه شؤون.

16987

| 19 يناير 2014

الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا
الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا

حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...

2580

| 16 أكتوبر 2026

محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟
محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟

في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...

2346

| 15 أكتوبر 2026

كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية
كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية

حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...

1113

| 18 أكتوبر 2026

خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة

قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...

1104

| 14 أكتوبر 2026

كبار القدر بين التكريم والتصنيف
كبار القدر بين التكريم والتصنيف

شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...

1068

| 15 أكتوبر 2026

جريمة على مطار الرياض
جريمة على مطار الرياض

كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...

933

| 18 أكتوبر 2026

خطاب الشفافية
خطاب الشفافية

خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...

660

| 20 أكتوبر 2026

قبل أن يولد الطفل الثالث
قبل أن يولد الطفل الثالث

■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...

606

| 13 أكتوبر 2026

أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا
أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا

هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...

531

| 18 أكتوبر 2026

المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟
المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟

لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً...

528

| 20 أكتوبر 2026

الناس أمام الابتلاءات
الناس أمام الابتلاءات

لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...

486

| 15 أكتوبر 2026

أعيدوا لنا طلاق أول
أعيدوا لنا طلاق أول

الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...

477

| 15 أكتوبر 2026

أخبار محلية