رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مررت إحدى الفضائيات عنواناً عابراً: الليبيون بعد عام متفائلون ومتدينون ومنقسمون.. ويمكن أن نضيف: وميليشيات قائمة على سلاحها ومتقاتلة أحياناً و"فلول" لا تزال منتشرة هنا وهناك، هذا هو الواقع. لكن يجب ألا ننسى أن ما نشهده اليوم ليس "ما بعد" نظام القذافي، أي ليس النظام الجديد الذي يعبر عن طموحات الليبيين، حتى انه ليس "المرحلة الانتقالية"، بما تعنيه من تنظيم وتدبير في اتجاه "الانتقال" الحقيقي. انها مرحلة التعامل مع تداعيات سقوط النظام السابق، وفي الوقت نفسه هناك عمل واعداد للاستحقاقات المقبلة وأهمها انتخاب المجلس التأسيسي الذي سيضع الدستور الجديد. من الطبيعي أن يهتم الإعلام بما يصعب قبوله كالانتهاكات لحقوق الإنسان في "سجون الثوار"، أو أن يبرز ما هو متوقع كالاقتتال بين الفصائل نظراً إلى الفوضى التي سادت بعد وصول الثوار إلى طرابلس مازجين ضمها أو انضمامها إلى الثورة وإسقاطها كما لو أنها "عاصمة العدو" وليست عاصمة البلد، عاصمتهم، كان من الطبيعي أيضاً تسليط الأضواء على التنافس، وبين أبناء القبائل كبيرها وصغيرها، فكثير مما يقال في الاعلام بعكس الواقع، ثم ان تسمية الأماكن والجماعات بمدلولاتها الاجتماعية ليست اعتداء على الحرمات والخصوصيات وإنما محاولة لفهم حركة الصراعات أو التحالفات. كلما حاولنا أن نحلل حال أي بلد عربي تخلص من حكم مستبد، يجب أن نكرر بلا كلل أن الانتقال إلى ما بعده لن يكون سهلاً. وهذه الفئات المتناحرة بعد أن تحقق الثورة هدفها الأول (إسقاط النظام) ستجد نفسها أمام صعوبات بناء ما تطمح إليه من الصفر تقريباً، بل ستصطدم بكون قدراتها التي تمكنت من اكتسابها خلال العهد البائد تبقى متواضعة مقارنة بما هو مطلوب. ومن قبيل التفاؤل والواقعية يجب أن نكرر أيضا بلا كلل أن المرحلة الانتقالية ستكون عمليا مراحل، وان الوضع التوافقي الذي يصنع الاستقرار ويضمنه لن يتبلور إلا بعد تجارب قد لا تخلو من صراعات مريرة، كثيرون ربما يستعجلون في المقارنة بين الأوضاع الراهنة وتلك التي سادت في أيام النظام الساقط، خصوصاً إذا استمر الاضطراب وتكررت إراقة الدماء وتعقدت صناعة القرار وبان ضعف الحكام الآنيين وتخبطهم، هذه مقارنات مفهومة، ولها ما يبررها آنيا، لكنها سطحية ومتسرعة في الحكم على وضع لا أحد يقول إنه نهائي أو أنه الوريث الوحيد للوضع السابق، ومن يعتبر أن اربعة شهور كافية للخروج من صدمة خلع أربعة عقود من عمر بلد وشعب، كمن يعتبر أن الدمار الذي تخلفه أي حرب يمكن أن يعاد الإعمار بعده بلمح البصر. لعل أكثر ما هو مفتقد في ليبيا منذ غداة انتهاء الثورة يمكن أن يكون الثقة تحديدا بين الأطراف الذين أداروا تلك الثورة، إذ أن فريقا منهم تم إقصاؤه بفعل حملات شخصية، وعلى افتراض أنه كانت هناك قوى قامت به استقوت بالسلاح وبقابليتها لاستخدام العنف ضد رفاق الطريق (كما فعلت بتصفية عبدالفتاح يونس) وبالتالي فهي لم تعزز الثقة الأهلية – الوطنية بل زادتها اهتزازاً، وينبغي التذكير بأن انعدام الثقة كان من الأدوات التي استخدمها النظام السابق ليطبق قاعدة "فرَّق تسد" داخل الحكم وخارجه. واقعياً لم تبعد الثورة الليبيين إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، أي إلى ما قبل انقلاب القذافي، بل لعلها اعادتهم إلى أوائل الخمسينيات، مع اعلان الاستقلال، بغية استرجاع هويتهم الوطنية التي كانت لا تزال في طور صهر الاقاليم الثلاثة في كيان جغرافي وسياسي واحد. ولأن النظام السابق تلاعب بمكونات المجتمع وميز بين الاقاليم فإن كل المخاوف القديمة استيقظت وجعلت الحكومات كافة تعتبر ان عليها ان تؤمن لنفسها مكانا ومكانة في طرابلس، طالما انها مركز الدولة والمصدر الذي يفترض أن تتوزع منه الثروة على مختلف الأنحاء لئلا تبقى هناك شكوى من تهميش أو إهمال، وهذا يوضح في جانبه حرص فصائل المدن على إبقاء فروع مسلحة منها مرابطة في طرابلس، فثمة دولة جديدة تتخلق ويريد الجميع أن يكون صوته مسموعا فيها بل ان يكون شريكا مباشرا في أي قرار. فلا يمكن تصور حكومة تعمل في ظل الخوف من غضب هذه الفئة أو تلك، حتى لو كانت انتقالية، ثم ان المواطنين سرعان ما استشعروا بأن أي تغيير جوهري لم يحصل، طالما أن المسلحين يحتلون الشوارع في العاصمة وغيرها، وخصوصاً لأن بعض الأطراف بات يمارس سلطة مشابهة في تطبيقاتها للسلطة المنتهية، وبالتالي فإن ما تغير هو المسمى، وكان مذهلاً ذاك التمايز الصراعي الذي افتتح غداة دخول طرابلس بين إسلاميين وليبراليين وكأن هذين الطرفين لم يخوضا لتوهما معركة واحدة لإطاحة القذافي ونظامه، وقد أقنع الإسلاميون أنفسهم بأنهم حققوا النصر من دون مساعدة حلف الأطلسي، ثم اقنعوا أنفسهم بأن مواطنيهم "الليبراليين" هم في الحقيقة أطلسيون ينبغي النأي عنهم أو استبعادهم. من المفترض أن تزول كل التمايزات بفعل أول انتخابات يمكن إجراؤها ليصبح المنتخبون ممثلين عن الفصائل الثورية، القبلية والمناطقية، وحراسا لمطالبها وطموحاتها، لكن إعادة بناء مؤسسات الدولة، وبالأخص الجيش والأمن، لا يستطيع أن ينتظر، فإذا لم يباشر ويتقدم قبل الانتخابات فإن الحالة الميليشياوية ستلقي بظلالها على الاقتراع، وعلى أداء المنتخبين في ما بعد. رغم كل شيء، لا يمكن لأحد القول إن النظام السابق أمام الليبيين جنة لم يعرفوا قيمتها وكان يجب أن يحافظوا عليها، فالفوضى والتخبط والاضطراب تقلق الليبيين حالياً لكنهم موقنون بأنهم لن يسمحوا أبدا بعودة حكم الاستبداد، أما المصاعب الراهنة فلابد أن تزول تباعاً.
325
| 20 فبراير 2012
لم تدم فرحة المصريين بحمل الرئيس السابق على التخلي عن منصبه سوى أيام معدودة، كانت الأسابيع الخمسة التي مضت بين تسليم المجلس العسكري السلطة والصلاحيات، وبين الاستفتاء على الدستور المعدّل يوم 19 فبراير، حاسمة في رسم العلاقة بين العسكر والثورة، فمع ظهور نتائج هذا الاستفتاء وقعت الصدمة وحصل الانفصال بين الجانبين، ولم تفلح كل المحاولات اللاحقة لرأب الصدع، لم يكن شباب الثورة وحدهم في الاستياء، بدليل أن المجلس العسكري الذي أدرك وجود ثغرات في النسخة الدستورية المستفتى عليها، ما لبث أن حاول سدّها بـ"بيان دستوري" لم يرض الذين شاركوا في الاستفتاء الذي حصد تأييداً بنسبة 77 في المائة للتعديلات. وهكذا مضى العسكر في مسيرة من التخبطات، فلا الحكومة غير المتمتعة بصلاحيات كانت عنصراً مساعداً، ولا القوى السياسية توافر لديها الاستعداد لحل العقد المتكاثرة أمام المجلس العسكري الحاكم. فكان أن صار البلد محكوماً من جانب قطبين: هذا المجلس، وميدان التحرير. ومنذ مطلع أبريل بدأت المواجهات ولا تزال قائمة، من الضغط لاعتقال الرئيس السابق وأعوانه، إلى الضغط لحل الحزب الوطني الحاكم سابقاً واحتواء فلوله، ثم الضغط لبدء المحاكمات، وبعدها لإجبار العسكر على وضع برنامج زمني لتسليم السلطة إلى المدنيين.. مع كل ما رافق ذلك من إضرابات واعتصامات لمختلف القطاعات، بالإضافة إلى مواجهات دامية مع الأقباط. خلال هذه الشهور العصيبة كانت أيام الجمعة وأحيانا الأيام الأخرى، مناسبات ينتقل فيها الشارع من يد إلى يد، فتارة تدعو "جماعة الإخوان المسلمين" إلى التظاهر، وطوراً "ائتلاف شباب الثورة"، وحتى بعدما حددت مواعيد نهائية للانتخابات بدءاً من الثامن والعشرين من أكتوبر، كادت "الوثيقة الدستورية" والخلاف عليها ورفضها كلياً من جانب الإسلاميين تعيد الأمور إلى نقطة الصفر. ولم تتوقف الصدامات بل واكبت عمليات التصويت، ومع سقوط عشرات القتلى وإصابة المئات بجروح استقالت حكومة عصام شرف ليكلف تعيين كمال الجنزوري، ودخوله مكتبه في رئاسة الوزراء بضع عشرات أخرى من القتلى ومئات أخرى من الجرحى، ولا تزال المواجهات مستمرة. لم يكن متوقعاً للمرحلة الانتقالية أن تكون على هذه الصعوبة أو الدموية، كان أداء العسكر قد نبّه الجميع إلى أن النظام الذي ظنوا أنه سقط بسقوط رمزه لم يسقط فعلياً لأنه استند منذ ستين عاماً إلى المؤسسة العسكرية، وبالتالي فإن هذه لم تكن مهيأة نفسياً وعملياً لإدارة شؤون البلاد مباشرة، ولا للذهاب بعيداً في معاقبة النظام السابق ورموزه، لذلك كانت كثيرة التردد في استجابة مطالب الشارع لكنها اضطرت للرضوخ في معظم المرات، ثم أنها في طريقها إلى تسليم السلطة إلى المدنيين وقعت في حيرة أمام الخيارات التي وضعت أمامها، فالذين كانوا يتحدثون عن مرحلة انتقالية باشراف العسكر يمكن أن تدوم سنتين أو أكثر هم أنفسهم الذين أصبحوا في ما بعد من أشد المطالبين بتسليم فوري للسلطة، وعلى رأسهم الدكتور محمد البرادعي، أما "الإخوان" والسلفيون فألحوا دائما على ضرورة الاحتكام لصناديق الاقتراع في انتخابات تجرى في أقرب الآجال. وهو ما لم يؤيده أنصار القوى الليبرالية الذين رغبوا في فسحة زمنية كافية لترتيب صفوفهم وإتمام جهوزيتهم للمنازلة الانتخابية. لكن العسكر حسموا الأمر لمصلحة اقتراع قريب زمنياً، ومع ظهور نتائج التصويت مؤكدة تفوق الإسلاميين، لم يعد هناك أي شك لدى القوى الليبرالية بأن ثمة "صفقة" بين العسكر و"الإخوان". لم تكن هناك صفقة بالضرورة وإنما كانت هناك خيارات وظروف ومعادلات، أما الخيارات فهي أن العسكر لم يخططوا للبقاء في السلطة لذلك كانوا مستعدين للعمل مع كل من يستهل تسليم السلطة، لكنهم رغبوا ويرغبون الآن في التفاهم مع أي جهة منتخبة على مكانة المؤسسة العسكرية ودورها في المستقبل، وأما الظروف ففرضت على العسكر التعامل مع القوى القادرة على مساعدتها سواء في تخفيف الاحتقان في الشارع أو في تأمين الشروط الملائمة لنقل السلطة، ورغم أن الجيش كان يعتبر أنه أقرب إلى القوى الليبرالية، إلا أنه وجدها صفوفاً متفرقة وأفراداً متنافسين متنابذين، وفي المقابل وجد قوى إسلامية مؤطرة وقادرة على الوفاء بتعهداتها، ثم أن المعادلات وضعت الجيش أمام واقع أن الإسلاميين يتمتعون فعلاً بالشعبية والقدرة على تجييش الشارع أو احتوائه، يضاف إلى ذلك أنهم تعاملوا بكثير من البراغماتية مع متطلبات تولي المسؤولية، رغم الاستعراضات الإعلامية التي يقوم بها السلفيون. لكن هذه الحسابات رغم واقعيتها، لم تكن دقيقة تماما، إذ أن "شباب الثورة" ما لبثوا أن استخلصوا وجوب مواصلة الثورة لسببين على الأقل: أولهما الخوف من استمرار حكم العسكر متعايشا مع الإسلاميين، ما يعني احتمال انتقال القمع لتركيزه على الشباب وبعض القوى الليبرالية، والثاني الخوف من أجندة خفية للإسلاميين لابد في نظرهم أن تظهر لاحقاً وأن يكون هدفها تغيير طبيعة المجتمع، ما يعني أن المواجهة معهم يجب أن تبدأ منذ الآن، وإذ جاءت الحملة على التنظيمات الأهلية ذات التمويل الأمريكي في وقت يعزز شكوك هؤلاء الشباب، فإن نزول مجموعات من "شباب الإخوان" للتصدي لمتظاهرين أمام مجلس الشعب ضخَّم بدوره احتمالات أن يلجأ الحكام الجدد إلى قواهم الخاصة لممارسة القمع. وبين فئة تشعر بأن ثورتها صودرت أو سرقت، وفئة تحرص على حماية فرصتها التي سنحت أخيراً، جاءت الدعوة إلى "العصيان المدني" لتكون الذكرى السنوية الأولى لتنحي حسني مبارك تجديداً للثورة المستأنفة. ولا يعني هذا الانقسام سوى أن "العصيان" لن ينجح ولن يحقق هدفه، فبمعزل عن الاستقطاب السياسي لم يبدأ المجتمع مجنداً لهذا التحرك، أولاً لأن المصريين دخلوا مزاج المضي في خطة نقل السلطة ولا يريدون تعطيلها، وثانيا لأن همهم الرئيسي الآن هو الوضع الاقتصادي للبلد، وثالثا لأن الحدس العام لا يميل إلى استعداد الجيش ليبقى عنصر توازن للحكم المقبل، فطالما أنه ماضٍ بلا تلكؤ في ترتيبات تسليم السلطة فلا داعي لافتعال معارك معه، صحيح أن الأزمة المصرية تفاجئ الداخل والخارج بتقلباتها، لكن الأصح أن الخروج من تكلسات حكم دام ثلاثة عقود لا يمكن أن يحصل من دون آلام وصعوبات.
376
| 13 فبراير 2012
هل يعني شيئاً القول إنه "لا جامعة عربية من دون سوريا"، أو أن الجامعة تلتقي بمبادرتها مع "المخططات غير العربية الهادفة إلى تدمير سوريا"؟.. فبمثل هذه الاعتبارات حوّل المندوب السوري في الأمم المتحدة الأمر إلى سجال عربي-عربي، واستغل المناسبة لمهاجمة قطر وكل الدول التي "كانت" صديقة لسوريا من دون أن يأخذ في اعتباره أن الأصدقاء رفضوا ويرفضون ممارسات نظام دمشق، وبالأخص منها قتل أبناء الشعب السوري، ولم يخرج بشار الجعفري عن إطار خطابات رئيسه بل كررها جميعا وزاد عليها التذكير بالدعم السوري في ستينيات القرن الماضي لدول الخليج في سعيها إلى التحرر من الاستعمار البريطاني، وكأن حزب البعث هو الذي حرر تلك الدول من دون أن تدري. في أي حال، لا أحد يستطيع المجادلة الآن بأن سوريا الستينيات، سوريا التي يعرفعها العرب ويحبونها ويقدرون شعبها، هي سوريا هذا النظام، لذلك لا داعي لإثارة التاريخ لأن هذا النظام لا علاقة له به، وقبل أن يدعي كونه امتداداً لتاريخ سوريا عليه أولاً أن يكون معترفا بالواقع الراهن وغير منفصل عنه، لقد ذهب بعيداً في لوثة الإجرام والوحشية، وهذا ما أفقده الشرعية والأهلية ليكون جزءاً من حل الأزمة، إلى حد أنه حتى حليفه الروسي هو الذي اقترح أولاً نقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه، وقد استوحاها من الحل الذي اقترحته المبادرة الخليجية لمعالجة الأزمة اليمنية. لا يزال هذا النظام يظن أنه سيتمكن من تجاوز مأزقه بشيء من التذاكي وليس بمبادرة يبرهن فيها حقاً أنه يعي المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه حيال شعبه وأمام جميع الشعوب العربية. كانت جلسة مجلس الأمن مسرحاً لعملية "تشبيح" شنيعة بلغت حد مصادرة نزار قباني واعتقاله والتنكيل به هو الآخر، بل إهانته في أعز ما تركه من تراث شعري. لم يكن نزار طوال حياته "ذا جنسية محددة"، كان عربياً عروبياً عاش معظم حياته بعيداً عن سوريا التي عشقها وكان الاضطرار لهجرها من أكبر الحسرات في وجدانه، ولا أحد يجهل انه كان يمقت هذا النظام الذي كان السبب في اختياره العيش في المهجر، ولا شك أنه تململ في ضريحه الدمشقي وهو يسمع سفير بلده يستخدم أحد أبياته في خطاب انتهازي، يقول نزار في ذلك البيت: دمشق يا كنز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لك العربا وأياً تكن التأويلات فإن دمشق التي يعنيها ليست دمشق "الشبيحة"، وإنما دمشق التي في خاطر جميع العرب. التئام المجتمع الدولي في تلك الأمسية ليناقش ما يمكن فعله لوقف إراقة الدماء في سوريا، لكن سفيرها لم يجد سوى التشكي من العرب لأنهم جاؤوا إلى مجلس الأمن ليعرضوا مشكلة بلاده التي هي أيضاً بلادهم ومعنيون بها وبسلامة شعبها. لكن بالنسبة إليه، وإلى قادة نظامه، لا توجد مشكلة في سوريا، فطالما أن قتلة النظام لا يزالون قادرين على استرخاص أرواح السوريين وطالما أنهم يقصفون المدن والبلدات ولا يأبهون بالدمار والضحايا فلا مشكلة البتة في سوريا، لم تعرف دمشق النظام لماذا لم يكتف الوزراء العرب بتقرير رئيس بعثة المراقبين، فحتى روسيا استحسنته واعتبرته جيداً وواقعياً. لماذا؟ لأنه يؤيد الرواية التي قدمها النظام منذ اليوم الأول للانتفاضة الشعبية قبل ما يقرب من أحد عشر شهراً، وبالتالي فما دام يقول إن ثمة عنفاً يأتي من جانب مسلحين غير نظاميين فهذا في حد ذاته يعطي النظام مسوغات العنف المفرط بل الإجرام المفرط، لكن التقرير يقول بوضوح إن النظام لم يلتزم بما تعهده من وقف للعنف وسحب للآليات العسكرية وإطلاق للمعتقلين وإقلاع عن التنكيل بهم وتعذيبهم ورميهم جثثاً في الشوارع، لكن قتلة النظام وسفراءه لا يهتمون بهذا الجانب من التقرير الذي حرصوا على مناكفة العرب به، وليقولوا أيضا إن أحمد الدابي، رئيس بعثة المراقبين، أصبح نصيراً لهم. لم يعترف النظام السوري بالتحولات التي يشهدها العالم العربي، ولابد أن تنعكس على الجامعة العربية، فهذه الجامعة التي تمثل "النظام العربي الرسمي" لن تبقى كما كانت، وهي باشرت عملية تطوير نفسها بالتكيف مع الأحداث وبادراك أهمية الإصلاح والاستماع إلى الشعوب، نعم لديها ميثاق لا تزال تحاول العمل بموجبه، لكنها تواجه تحديات لم يعد الميثاق قادراً على مواجهتها، فهل تقعد الجامعة وتنتظر جولات الدم في سوريا أو في سواها لتعود الأوضاع إلى السوية الملائمة لملاقاتها بميثاق بال ينتمي إلى عصر غابر. لا، لابد لها أن تتحرك وأن تجدد وتتحمل المسؤولية، وليس مهماً أن يقول بشار الأسد، وأن يرد سفيره من بعده، أن لا جامعة عربية من دون سوريا، فهذا شعار أجوف، ليس معروفاً إلى من يوجهه البشاران، خصوصاً أن السوريين والعرب يمرون بأصعب مراحل الازدراء لهذا النظام، فلا سوريا هي هذا النظام، كما أن مصر وتونس وليبيا واليمن ولا العراق قبلها كانت تختصر بأنظمتها أو بالحكام الذين باتوا من نماذج الاستبداد في العالم. عندما يتردد شعار "سوريا قلب العروبة النابض"، ويقوله العرب بلا جدل أو تردد فإنهم لا يعنون بالتأكيد أن هذا النظام هو من يرمز إلى العروبة، وبالنسبة إلى كثيرين من العرب، في سوريا نفسها وفي لبنان وفلسطين والعراق خصوصا، وفي أقطار أخرى أيضا، كان هذا النظام عاراً على العروبة وعلى سوريا، وها هو سفيرها في الأمم المتحدة يعلن أن الجامعة العربية باتت جزءاً من المؤامرة التي تخيلها النظام واعتبر نفسه في حرب ضدها، بل قال إن سوريا ستواجه أعداءها، لكنه نسي توضيح ما إذا كان آلاف شهداء الثورة هم هؤلاء الأعداء، نسي حمزة الخطيب وسائر الأطفال الـ"384" الذين وثق قتلهم بأيدي "شبيحة" النظام، ونسي ذبح "بلبل الثورة" إبراهيم قاشوش واقتلاع حنجرته، ونسي غياث مطر الذي كان يوزع الورود على الجنود ثم عذب حتى الموت، ونسي تصفية الجرحى في المستشفيات.. كل هذه أدلة على عروبة النظام، ولم تعد الجامعة لتأنس بمثل هذه العروبة أو تتشرف بها. يبقى أن الحليف الروسي سيضطر عاجلاً أم آجلاً إلى مغادرة عزلته الدولية ليقبل بمعالجة عربية-دولية للأزمة السورية، فهل ستنضم موسكو بدورها إلى "المؤامرة"، فأي معالجة حقيقية للأزمة ستضع النظام على سكة الرحيل، وروسيا تعرف ذلك.
690
| 06 فبراير 2012
لم يكن متوقعاً أن يتوصل الفلسطينيون في سعيهم إلى المصالحة الوطنية، إلى تفاهم سياسي كامل قبل الشروع في حل ملفات الخلاف، لذلك بقي التناقض بين مساري المصالحة والمفاوضات مع إسرائيل، ليس في إمكان السلطة الفلسطينية، وبالتالي حركة "فتح" اعتبار خيار التفاوض منتهياً، حتى لو كان مجمداً، وليس في إمكان حركة "حماس" اعتبار نفسها معنية بالتفاوض، حتى لو كانت أعلنت موافقتها على مبدأ "المقاومة الشعبية" من دون أن تتخلى عن خيار المقاومة بمختلف الأساليب، أي بما فيها المسلحة. عندما بدأت الاتصالات لعقد المصالحة، وبعد اتفاق مايو 2011م، في القاهرة ومع تقدم اللجان المختصة في التحضير لهذه المصالحة، كان الجميع يعرفون ولا يزالون أن البحث عن سبل لإحياء المفاوضات سيتواصل ومع ذلك يشتعل السجال بين الطرفين من وقت إلى آخر ضد التفاوض أو معه، ويمكن القول إن هذا الخلاف غير قابل للحل حتى لو شرع الطرفان في تطبيق إجراءات المصالحة. أن تتمسك كل من "فتح" و"حماس"، بموقفيهما هذا مفهوم، وأن يكون هناك "توزيع أدوار" بينهما فهذا أفضل لكنه ليس كذلك، أما أن يكون هناك خداع للشعب الفلسطيني فهذا لم يعد جائزاً ولا مقبولاً، والشعب يرى أن لديه مصلحة في كلا الخيارين حتى لو أصبح الجمع بينهما صعباً، تحديداً بعد الانقسام الحاصل، وبالأخص بعدما أصبح هذا الانقسام صراعاً على السلطة، ولو كان لهذا الصراع أن يخدم القضية فلا بأس، إلا أنه أمعن في الإساءة إليها، فهو أضعف الفلسطينيين من دون أن يضيف إلى نضالهم ضد الاحتلال، لكنه منح الاحتلال أوراقاً وإمكانات لمزيد من العبث وإثارة الفرقة بين أبناء الشعب الفلسطيني. على طريق المصالحة ينبغي أن يطرح الفلسطينيون الأسئلة الحقيقية والصعبة أكثر مما ينبغي الخوض في تفاوض كما لو أن الأمر يتعلق بخصمين يريد كل منهما تحقيق مصلحته الخاصة على حساب الآخر، مع أن المعادلة بالغة الوضوح معاً يمكن أن يحققا المصلحة الوطنية أو أن يحمياها في أسوأ الأحوال، أما إذا تحرك كل على حدة فهذه وصفة لخسارة وطنية مؤكدة، وحتى مع وجود إرادة حقيقية لدى العدو لإقامة سلام سيكون الانقسام معوقا للحصول على تسوية جيدة ومنصفة، والعكس صحيح أي أن المواجهة مع العدو في ظل الانقسام ستكون مجحفة وغير متكافئة، وهذا ما برهنته وقائع الأعوام الستة الماضية. لعل أول شروط المصالحة وأصعبها أن "فتح" و"حماس"، محكومتان بالتكامل، وباعتراف كل منهما بما أنجزته الأخرى، أو ما يمكن أن تنجزه في إطار المصلحة الوطنية، فخلال العشرين عاما المنصرمة شهدت القضية الفلسطينية تحولين مهمين: أولهما جنوح العرب إلى خيار السلام وانتفاء استعدادهم للعودة إلى خيار الحرب حتى بعدما تبين الخداع الإسرائيلي-الأمريكي، والثاني هو الانتفاضات والثورات التي أطاحت وتطيح بأنظمة الاستبداد، مع ما خلفته من أوضاع اقتصادية صعبة ومراحل انتقالية صعبة وتبدل عميق في الخريطة السياسية دفع بالإسلاميين إلى السلطة، ورغم أن التحولات الأخيرة تفترض منطقيا أن يكون التغيير في مصلحة القضية الفلسطينية، فإن هذه النتيجة تبقى مجرد احتمال لن يعيد العرب بالضرورة إلى خيار الحرب. لذلك فمن شأن الفلسطينيين الذين أدركوا بعد التحول الأول انهم مدعوون للاعتماد بنسبة كبيرة على أنفسهم، أن يحسنوا تحليل نتائج التحول الثاني فلا تندفع "حماس"، إلى اعتبار أن الموجة الإسلامية ترجح حظوظها لتسلم السلطة، ولا تبقى "فتح" معتمدة على العناصر التقليدية لقوتها رغم علمها أنها تراجعت وتآكلت، فمثل هذه الذهنية ربما تصلح في دول موجودة وغير واقعة تحت الاحتلال، أما في حال الفلسطينيين فليس المطلوب مزيداً من التسييس أو مزيداً من الأسلمة بل وضع كل طاقات الشعب في خدمة مهمة واحدة: التحرر من الاحتلال. خلال الأسابيع الماضية، وبالتزامن مع ما سمي "لقاءات استكشافية" عقدت في عمان بين الفلسطينيين والإسرائيليين، برعاية أردنية وفي حضور ممثلين لـ"الرباعية" الدولية، نشب جدل بين رام الله وغزة وبين السلطة وفصائل المعارضة حول جدوى التفاوض من جهة، ومدى تأثيره السلبي على المصالحة من جهة أخرى، طبعاً هناك توجس وخشية دائمان من أن تخضع السلطة لضغوط، ومن أن تنشأ قناة تفاوض سرية، لا شك أن بعض السوابق يبرر ذلك، إلا أن الشروط التي وضعتها السلطة للتفاوض، وعرضتها لعلاقة متوترة مع الولايات المتحدة، باتت واضحة وغير قابلة للمساومة، بل ان السلطة بَنَتْ عليها تحركها نحو مجلس الأمن لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعضويتها في الأمم المتحدة، وهو ما أثار غضباً أمريكياً وإسرائيلياً لاعتزام الفلسطينيين الخروج من أسر الشروط المفروضة عليهم في لعبة التفاوض، وهنا يطرح السؤال: هل لدى "حماس" وسائر الفصائل المعارضة بديل جاهز للمفاوضات أفضل من التحرك الدبلوماسي الذي اتبعته السلطة؟ إذا كان الجواب: نعم، البديل هو العودة إلى المقاومة، أي استخدام السلاح، فهذا يفترض مشاركة الجميع بلا استثناء وعلى أساس ألا يكون الأمر مجرد جولة دموية أخرى يبرهن فيها الإسرائيلي مرة أخرى تفوقه الناري، والإجرامي وهو ما أصبح معروفاً، بل أنه يحقق للإسرائيليين ما يرغبون فيه. عدا ذلك، كان هناك اقتراح بالفصل بين مساري المصالحة والتفاوض، أي أن المضي إلى المصالحة يجب ألا يعرقل باحتمالات العودة إلى طاولة المفاوضات، إلا إذا كانت هناك إرادة للربط بينهما، لا شك أن الموقع التفاوضي للسلطة يمكن أن يقوى بالدفع المعنوي للمصالحة، كما أن العودة إلى التفاوض على الأسس التي تشترطها يقوي وضعها في صياغة المصالحة، لكن هذه المعادلة لا قيمة لها إذا لم تترجم في نهاية المطاف، بإجماع فلسطيني على أن ما يجري هو في إطار المصلحة الوطنية. لذلك يفترض ألا تكون المصالحة من أدوات "التكتيك" والمناورة، بل يجب التسريع فيها بمعزل عما يحصل بالنسبة إلى المفاوضات. بعيداً عن الأوهام، لابد من الاعتراف بأن عناصر خارجية كثيرة باتت متداخلة في مسار المصالحة، فالأمريكيون والإسرائيليون وبعض العرب يعملون على إبطاء المصالحة لئلا تجذب السلطة إلى خيار يحبط كل الجهود لإحياء المفاوضات، كما أن الصراع الدولي-الإيراني يلعب دورا ينعكس بشكل غير مباشر على شروط "حماس"، و"الجهاد"، للمصالحة لئلا تجذبهما مع الفصائل المتحالفة معهما إلى موقع القبول بالمفاوضات ونتائجها. وبديهي أن هذا التداخل يحول دون الفصل بين المسارين، لكنه يعني أولاً وأخيراً أن الحوار الداخلي الفلسطيني لم يحسم الموقف من المفاوضات، وأن الانقسام لا يزال في مربعه الأول، في المقابل، ينفرد الجانب الإسرائيلي بموقف بالغ الوضوح والوقاحة، فهو لا يريد المفاوضات ولا المصالحة، ويعمل على عرقلتهما، إذ أن واقع الانقسام الفلسطيني يناسب جداً حكومة مجرمي الحرب ولا ترغب في تغييره.
321
| 30 يناير 2012
طغت الأزمة مع إيران على كل الاهتمامات في العالم الغربي وهذا بديهي، لأنها تتعلق بالنفط وإمداداته وأسعاره وسط أزمة مالية واقتصادية لم يسلم منها أي بلد "متقدم"، بمعنى منظم إدارة وتخطيطا، لكن طبعا، لا يزال هناك انشغال بالأزمة السورية، لأنها أولاً طرحت مسألة أخلاقية من جراء استمرار المجزرة الجارية "بالتقسيط المريح"، وثانياً لأنها تلح على ضرورة بقاء "الربيع العربي" في سياقه التغييري، وثالثاً: وهذا الأهم – لأنها تداخلت مع الأزمة الإيرانية سواء في التفاصيل أو في التوتير الإقليمي أو في المقاربة الجيو-سياسية الأشمل. في يوم واحد استعد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لاتخاذ قرارين. أولهما يزيد من تشديد العقوبات على النظام السوري بإضافة أسماء مؤسسات وشخصيات سورية تتعامل معه أو تدعمه في "الحل الأمني"، الذي يطبقه منذ أكثر من عشرة شهور، أما القرار الآخر فهو الأخطر لأنه سيفرض حظراً على النفط الإيراني، وهو ما تعتبره طهران بمثابة إعلان حرب طالما أنه سيحرمها من جزء مهم من مواردها، كما أنه مضافاً إلى حظر التعامل مع مصرفها المركزي يهدف إلى شل اقتصادها ورغم أن الدول الغربية وإيران نفسها دخلت في مزاج التصعيد ثم بادرت إلى تخفيفه، إلا أن الطرفين أكدا حزمهما سواء في ترجيح احتمال إغلاق مضيق هرمز أو التصميم على منع هذا الإغلاق، إذاً، فالأزمة قائمة، أما الحرب فمتوقعة ومستبعدة في آن. لكن، في هذه الأثناء، يحدث في فلسطين والعراق والسودان ما لا تسلط عليه الأضواء الرئيسية للاعلام، رغم مخاطره، وإذا كان السودان يمضي السنة الأولى انفصالا على نحو مضطرب، فإن السنوات المقبلة، لا تبدو واعدة بسلام هادئ ومستقر. فلا الحكم القائم في الشمال أدرك أن عليه استحقاقات واجبة لإصلاح أوضاعه، ولا الحكم الجديد في الجنوب اعترف بأن مصالحه الحيوية تستوجب متابعة الحوار مع الشمال لإقامة أفضل علاقات التعاون طالما أن الانفصال قد حصل وأن الكثير من الشؤون المتداخلة تتطلب حلولاً واتفاقات سياسية لا عسكرية. فالحاصل أن نظام الخرطوم كما نظام جوبا، يستخدم كل منهما خلافه السابق مع الآخر للتغطية على عجزه عن مواجهة مشاكله الحقيقية. ورغم وجود مبررات موضوعية لاستمرار الصراع، لا يمكن لحكام الخرطوم تأجيل الإصلاح المطلوب لـ"الديمقراطية"، السودانية بحجة أن البلد لايزال يخوض حرباً مع "متمردي" الجنوب، ولا يمكن لحكام جوبا التذرع بالملفات الساخنة غير المحسومة مع الشمال وكأنها وحدها السبب في عرقلة الإقلاع بالتنمية، كما أن شيئاً لا يبرر هذا الإقحام لإسرائيل في خطوة تشهر إصراراً على العداء المستقبلي الدائم للشمال. أما وقد انقسم السودان، فها هو العراق يبدي مؤشرات للتشظي إلى ثلاث دول، أو إلى دويلات عدة، ويتساوى في ذلك أن يطلق اسم "الفدرلة" الدستورية على ما يحتمل حدوثه، أو اسم "الانفصال" كما هو في حقيقة الأمر، وإذ جرى تظهير الانسحاب الأمريكي وكأنه نتيجة معركة عسكرية حاسمة انتهت بهزيمة للطرف المنسحب، فقد تبين أن المشاكل الحقيقية هي بين "المنتصرين" أنفسهم. صحيح أن الاحتلال الأمريكي كان سبباً وأداة وغطاء للانقسامات العميقة التي ضربت المجتمع العراقي، وصحيح أيضاً ما كان يقال من أن حالة الاحتلال شكلت حاجزاً أمام السعي إلى "توافق وطني" لكن الأصح أن المنتصرين على النظام السابق، بفضل الغزو الأمريكي، هم الذين زرعوا في الدستور وبالممارسات اليومية للحكم وبالاستقواء بالمحتل كل بذور التفرقة والشقاق التي ما لبثت أن ظهرت نتائجها السيئة بعد ساعات فقط على انسحاب قوات الاحتلال. لم تبدأ الأزمة العراقية باتهام نائب الرئيس طارق الهاشمي بالتورط في "دعم الإرهاب" لكن هذا الاتهام فجّرها على نحو لا علاقة له بتفعيل ما يسمى "دولة القانون" وإنما بتفعيل "دولة نوري المالكي"، وحزبه ومن يدعمه من الخارج (وفي الداخل أيضاً) أي إيران. إذ أن رئيس الوزراء، الذي لم يعد يختلف اثنان في العراق على أنه يتصرف كحاكم فرد، يريد فرض نظام جديد يقوم على موازين القوى، لا على الدستور والتوافق الوطني. ولا ترجمة مفهومة لـ"موازين القوى"، سوى أن يخضع السنة للحكم الشيعي بقواه العسكرية والأمنية النظامية، وكذلك بميليشياته العديدة الموازية، ولو أن المنطق منطق دولة ودستور وقانون ومساواة بين المواطنين لما كان هناك أي إشكال، أما وان المنطق والممارسة والتطبيق طائفية ومذهبية فإن الأمر يختلف، هذه هي المعضلة التي يواجهها "المؤتمر الوطني"، المزمع عقده بمساع كردية، لكن المالكي لا يعترف بهذه المعضلة ولن يتردد في نسف هذا المؤتمر بدليل أنه مستعد لحكومة من لون سياسي واحد، الوضع في العراق يستوجب المتابعة. كذلك الوضع الفلسطيني الذي يتطلب عناية فائقة لمحاولات رأب الصدع الذي حصل فعلاً قبل نحو خمسة أعوام، وكان متوقعاً أن تجد حركتا "فتح"، و"حماس"، صعوبات في معالجته. والمشكلة مزدوجة فحتى لو تم التوافق فلسطينياً على كل الملفات، بات على الطرفين ولاسيما "فتح"، وبالتالي السلطة الفلسطينية نفسها أن تدفع ثمناً للمصالحة التي يرفضها الأمريكيون والإسرائيليون علناً، وهؤلاء لا يخفون أنهم سيقابلون السلطة إن تصالحت مع "حماس" بإجراءات عقابية، مضافة إلى الإجراءات التي باشروها ضدها بسبب التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على الاعتراف بـ"الدولة الفلسطينية"، ويبدو أن واشنطن التي شجعت الأردن على تسهيل عقد "لقاءات استكشافية" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتبين أنها لن تتوصل إلى أي تقدم يدفع إلى استئناف المفاوضات، تريد الآن وبإيعاز إسرائيلي أن تستمر هذه اللقاءات لتشكل ذريعة لتعطيل التحرك تجاه الأمم المتحدة أو تعرقل المصالحة مع "حماس" أو الإثنين معاً. ورغم اقتناع جميع الأطراف العربية بضرورة تحقيق المصالحة، وعدم ممانعتها سعي السلطة إلى اعتراف بـ"الدولة"، إلا أن العرب لم يتمكنوا من تشكيل ضغط على الأمريكيين لترك الفلسطينيين يحركون قضيتهم بالطريقة التي يعتقدون أن فيها مصلحة وطنية لهم، كل ما تعرضه واشنطن حالياً هو الجمود إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، وعندئذ سيعاود باراك أوباما مساعيه على أمل أن يفلح في الولاية الثانية بإنجاز ما أخفق فيه في الأولى، أكثر من ذلك، حتى لو قبل الفلسطينيون بالجمود والتزموا الصبر فإن الإسرائيليين يواصلون الاستيطان وتهويد المناطق التي لا ينوون الانسحاب منها بموجب أي حل نهائي، سيخطئ العرب إن هم راعوا رغبات إدارة أوباما،وما عليهم سوى أن يدعموا الاتجاه إلى المصالحة الفلسطينية باعتبارها استحقاقاً لا علاقة له بالمفاوضات مع الإسرائيليين.، لأنها أولاً طرحت مسألة أخلاقية من جراء استمرار المجزرة الجارية "بالتقسيط المريح"، وثانياً لأنها تلح على ضرورة بقاء "الربيع العربي" في سياقه التغييري، وثالثاً: وهذا الأهم – لأنها تداخلت مع الأزمة الإيرانية سواء في التفاصيل أو في التوتير الإقليمي أو في المقاربة الجيو-سياسية الأشمل. في يوم واحد استعد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لاتخاذ قرارين. أولهما يزيد من تشديد العقوبات على النظام السوري بإضافة أسماء مؤسسات وشخصيات سورية تتعامل معه أو تدعمه في "الحل الأمني"، الذي يطبقه منذ أكثر من عشرة شهور، أما القرار الآخر فهو الأخطر لأنه سيفرض حظراً على النفط الإيراني، وهو ما تعتبره طهران بمثابة إعلان حرب طالما أنه سيحرمها من جزء مهم من مواردها، كما أنه مضافاً إلى حظر التعامل مع مصرفها المركزي يهدف إلى شل اقتصادها ورغم أن الدول الغربية وإيران نفسها دخلت في مزاج التصعيد ثم بادرت إلى تخفيفه، إلا أن الطرفين أكدا حزمهما سواء في ترجيح احتمال إغلاق مضيق هرمز أو التصميم على منع هذا الإغلاق، إذاً، فالأزمة قائمة، أما الحرب فمتوقعة ومستبعدة في آن. لكن، في هذه الأثناء، يحدث في فلسطين والعراق والسودان ما لا تسلط عليه الأضواء الرئيسية للاعلام، رغم مخاطره، وإذا كان السودان يمضي السنة الأولى انفصالا على نحو مضطرب، فإن السنوات المقبلة، لا تبدو واعدة بسلام هادئ ومستقر. فلا الحكم القائم في الشمال أدرك أن عليه استحقاقات واجبة لإصلاح أوضاعه، ولا الحكم الجديد في الجنوب اعترف بأن مصالحه الحيوية تستوجب متابعة الحوار مع الشمال لإقامة أفضل علاقات التعاون طالما أن الانفصال قد حصل وأن الكثير من الشؤون المتداخلة تتطلب حلولاً واتفاقات سياسية لا عسكرية. فالحاصل أن نظام الخرطوم كما نظام جوبا، يستخدم كل منهما خلافه السابق مع الآخر للتغطية على عجزه عن مواجهة مشاكله الحقيقية. ورغم وجود مبررات موضوعية لاستمرار الصراع، لا يمكن لحكام الخرطوم تأجيل الإصلاح المطلوب لـ"الديمقراطية"، السودانية بحجة أن البلد لايزال يخوض حرباً مع "متمردي" الجنوب، ولا يمكن لحكام جوبا التذرع بالملفات الساخنة غير المحسومة مع الشمال وكأنها وحدها السبب في عرقلة الإقلاع بالتنمية، كما أن شيئاً لا يبرر هذا الإقحام لإسرائيل في خطوة تشهر إصراراً على العداء المستقبلي الدائم للشمال. أما وقد انقسم السودان، فها هو العراق يبدي مؤشرات للتشظي إلى ثلاث دول، أو إلى دويلات عدة، ويتساوى في ذلك أن يطلق اسم "الفدرلة" الدستورية على ما يحتمل حدوثه، أو اسم "الانفصال" كما هو في حقيقة الأمر، وإذ جرى تظهير الانسحاب الأمريكي وكأنه نتيجة معركة عسكرية حاسمة انتهت بهزيمة للطرف المنسحب، فقد تبين أن المشاكل الحقيقية هي بين "المنتصرين" أنفسهم. صحيح أن الاحتلال الأمريكي كان سبباً وأداة وغطاء للانقسامات العميقة التي ضربت المجتمع العراقي، وصحيح أيضاً ما كان يقال من أن حالة الاحتلال شكلت حاجزاً أمام السعي إلى "توافق وطني" لكن الأصح أن المنتصرين على النظام السابق، بفضل الغزو الأمريكي، هم الذين زرعوا في الدستور وبالممارسات اليومية للحكم وبالاستقواء بالمحتل كل بذور التفرقة والشقاق التي ما لبثت أن ظهرت نتائجها السيئة بعد ساعات فقط على انسحاب قوات الاحتلال. لم تبدأ الأزمة العراقية باتهام نائب الرئيس طارق الهاشمي بالتورط في "دعم الإرهاب" لكن هذا الاتهام فجّرها على نحو لا علاقة له بتفعيل ما يسمى "دولة القانون" وإنما بتفعيل "دولة نوري المالكي"، وحزبه ومن يدعمه من الخارج (وفي الداخل أيضاً) أي إيران. إذ أن رئيس الوزراء، الذي لم يعد يختلف اثنان في العراق على أنه يتصرف كحاكم فرد، يريد فرض نظام جديد يقوم على موازين القوى، لا على الدستور والتوافق الوطني. ولا ترجمة مفهومة لـ"موازين القوى"، سوى أن يخضع السنة للحكم الشيعي بقواه العسكرية والأمنية النظامية، وكذلك بميليشياته العديدة الموازية، ولو أن المنطق منطق دولة ودستور وقانون ومساواة بين المواطنين لما كان هناك أي إشكال، أما وان المنطق والممارسة والتطبيق طائفية ومذهبية فإن الأمر يختلف، هذه هي المعضلة التي يواجهها "المؤتمر الوطني"، المزمع عقده بمساع كردية، لكن المالكي لا يعترف بهذه المعضلة ولن يتردد في نسف هذا المؤتمر بدليل أنه مستعد لحكومة من لون سياسي واحد، الوضع في العراق يستوجب المتابعة. كذلك الوضع الفلسطيني الذي يتطلب عناية فائقة لمحاولات رأب الصدع الذي حصل فعلاً قبل نحو خمسة أعوام، وكان متوقعاً أن تجد حركتا "فتح"، و"حماس"، صعوبات في معالجته. والمشكلة مزدوجة فحتى لو تم التوافق فلسطينياً على كل الملفات، بات على الطرفين ولاسيما "فتح"، وبالتالي السلطة الفلسطينية نفسها أن تدفع ثمناً للمصالحة التي يرفضها الأمريكيون والإسرائيليون علناً، وهؤلاء لا يخفون أنهم سيقابلون السلطة إن تصالحت مع "حماس" بإجراءات عقابية، مضافة إلى الإجراءات التي باشروها ضدها بسبب التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على الاعتراف بـ"الدولة الفلسطينية"، ويبدو أن واشنطن التي شجعت الأردن على تسهيل عقد "لقاءات استكشافية" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتبين أنها لن تتوصل إلى أي تقدم يدفع إلى استئناف المفاوضات، تريد الآن وبإيعاز إسرائيلي أن تستمر هذه اللقاءات لتشكل ذريعة لتعطيل التحرك تجاه الأمم المتحدة أو تعرقل المصالحة مع "حماس" أو الإثنين معاً. ورغم اقتناع جميع الأطراف العربية بضرورة تحقيق المصالحة، وعدم ممانعتها سعي السلطة إلى اعتراف بـ"الدولة"، إلا أن العرب لم يتمكنوا من تشكيل ضغط على الأمريكيين لترك الفلسطينيين يحركون قضيتهم بالطريقة التي يعتقدون أن فيها مصلحة وطنية لهم، كل ما تعرضه واشنطن حالياً هو الجمود إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، وعندئذ سيعاود باراك أوباما مساعيه على أمل أن يفلح في الولاية الثانية بإنجاز ما أخفق فيه في الأولى، أكثر من ذلك، حتى لو قبل الفلسطينيون بالجمود والتزموا الصبر فإن الإسرائيليين يواصلون الاستيطان وتهويد المناطق التي لا ينوون الانسحاب منها بموجب أي حل نهائي، سيخطئ العرب إن هم راعوا رغبات إدارة أوباما،وما عليهم سوى أن يدعموا الاتجاه إلى المصالحة الفلسطينية باعتبارها استحقاقاً لا علاقة له بالمفاوضات مع الإسرائيليين.
453
| 23 يناير 2012
مع انتهاء الانتخابات التشريعية في مصر وبروز جماعة "الاخوان المسلمين" ككتلة كبرى رئيسية في مجلس الشعب الجديد، نقلت الولايات المتحدة انفتاحها على "الجماعة" إلى مستوى رسمي أرقى. ولم يكن لقاء مساعد وزيرة الخارجية وليام بيرنز الأول من نوعه، فالاتصالات مستمرة منذ شهور، من دون إغفال اتصالات سابقة حتى قبل الثورة المصرية، غير أن المشاورات الأخيرة أخذت في الاعتبار من الجانب الأمريكي ان "الاخوان" فرضوا أنفسهم على المشهد السياسي المشرذم والمشوّش كقوة حافظت على تنظيمها وتماسكها واستعدت لأن تكون نواة الحكم المقبل. يفترض بعد اكتمال عقد البرلمان أن تبدأ مصر مغادرة مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء النظام الجديد، وبالتالي إعادة صياغة الدولة ومؤسساتها وفقاً للمفاهيم التي طرحتها الثورة، وبمقدار ما يشكل فوز "الاخوان" في الانتخابات نقلة نوعية في الحياة السياسية المصرية، بمقدار ما يبدو أن التحديات والمخاوف التي يطرحها هذا الفوز ستنعش حركات على أكثر من صعيد للتموضع والتكيف مع وجود "الاخوان" للمرة الأولى في الحكم.. ولعل الاجتماع الذي عقد برعاية الأزهر وحضرته أحزاب وشخصيات يريد أن يبلور توازنا والتفافا حول الأزهر باعتباره مرجعية وسطية غير حزبية مقبولة من جانب المجتمع. وفيما تزامن اللقاء الاخواني-الأمريكي مع وصول بعثة ضيوف النقد الدولي، تأكد أن التحدي الأول لأي حكومة مصرية خلال المرحلة المقبلة لابد أن يكون الوضع الاقتصادي، وأنه كان قبل الثورة وسيبقى بعدها نقطة ضعف الدولة، فالحديث يجري حالياً عن قرض ضروري وعاجل لدعم العملة وتجنب انهيارها، أما العجز في الميزانية فيستلزم معالجات أخرى، هناك وعود عربية وأوروبية للمساعدة إلا أنها تنتظر اتضاح الصورة، فأي مصدر للتمويل يريد أن يعرف إذا كان البلد شرع فعلاً في استعادة استقراره، كما يريد أن يعرف هوية الحكم الجديد. ولاشك أن الرأي الأمريكي حيوي، هنا، بل مفتاحي لمعاودة إضفاء الضمانات المتنوعة للحكم في مصر. ولن تختلف اللعبة عما كانت سابقا، أي طالما أن هناك حاجة إلى الاقتراض فلا أن يكون هناك استعداد – أو اضطرار – لرفع بعض "الفوائد" من الرصيد السياسي. حرص بعض مصادر "الاخوان" المصريين على التنبيه إلى استبعاد أي "شروط" مقابل أي قروض. وعلى ضرورة البحث في "البدائل" التي يقولون إنها "كثيرة" ومنها مثلاً إعادة تسعير اتفاقات الغاز خصوصاً مع إسرائيل التي تستورده حالياً بموجب اتفاق وتسعير خاصين لا يتماشيان مع حقائق السوق. لكن وجود حكومة انتقالية مضطرة لإدارة الشؤون المالية والاقتصادية، وبالتالي للتعاطي مع المؤسسات الدولية يساعد "الاخوان" على تأجيل انغماسهم في لجة المعالجات الاقتصادية، لكنه تأجيل لن يطول وسيجدون أنفسهم أمام التحدي وأمام التوقعات العالية للمصريين. لا شك أن التغيير الجذري الذي طرأ على الخريطة السياسية لمجلس الشعب يجلب معه أفكاراً ومقاربات جديدة سنحتاج إلى وقت لاختبار إمكانات تطبيقها على الواقع الصعب والمعقد بل زاد من تعقيده أن النظام السابق لم يتبع خططاً اقتصادية واضحة، والأسوأ أنه في حقبته الأخيرة أخضع التشريعات لمصالح رجال الأعمال وعصابات الفساد داخل مؤسسات النظام. وكما وجد "الاخوان" أنهم وقد اقتربوا من حمل مسؤولية الحكم، مضطرون للاعتراف بوقائع واتفاقات دولية ترتبط بها مصر وطالما انتقدوها وهم في المعارضة، فإنهم سيجدون أنفسهم وبسرعة مضطرين للانخراط في مسارات مبنية على تلك الاتفاقات، لذلك كرروا في الآونة الأخيرة إصدار التطمينات إلى أنهم لا يعتزمون نهج أسلوب الصدمات في المعالجة أو التغيير بل سيعملون على تصويب السياسات وتحسين أدائها، وفي هذا السياق، مثلاً جاء تأكيد رئيس لجنة السياسة الاقتصادية في "الجماعة" إنهم لا يريدون إلغاء اتفاق "الكويز" (المناطق الصناعية المؤهلة) الذي يتيح لمئات الشركات المصرية تصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة بمكونات إسرائيلية. في الفترة الأولى، وقد تطول أو تقصر بحسب التطورات الداخلية والإقليمية، سيكون على "الاخوان" الاكتفاء بإدارة السياسات السابقة محاولين ترصينها وترشيدها، وبالطبع تنزيهها عن أغراض الفساد التي كانت سائدة، وحتى هذا لن يكون سهلاً أو سلساً، بسبب تشابك الداخل مع الخارج في كثير من المجالات، أي أن التغيير المنشود لن يكون ممكناً إلا في المديين المتوسط والطويل، وليس في المرحلة الانتقالية التي يفترض أن ينجز خلالها الدستور الجديد الذي ستليه انتخابات تشريعية أخرى هي التي ستحدد المعالم الثانية للخريطة السياسية. غير أن "الاخوان" أدركوا أن للواقعية أحكامها ومقتضياتها، فما كان ممكناً ومتاحاً من منبر المعارضة سيكون متعذراً في سدة الحكم، ولهذا حاولوا أن يستبقوا اللحظة الحرجة بإجابات عن الاستفهامات التي ستطرح عليهم، سواء بشأن اتفاقات السلام مع إسرائيل التي لن يسعوا إلى إلغائها، وإنما إلى الممكن وهو تعديلها وفقاً لمتطلبات السيادة الوطنية. أو بالنسبة إلى التعامل مع الأقباط أو إلى أوضاع المرأة وغير ذلك من الملفات التي تقع على تماس واحتكاك بين الشريعة وتفسيراتها وبين الحريات العامة. كل ذلك كان موضع نقاش في اللقاء الاخواني-الأمريكي، ذاك أن الولايات المتحدة تعتبر مصر بلداً حيوياً في استراتيجيتها للمنطقة، وهي بَنَتْ علاقاتها مع القاهرة على أسس ارتضاها النظام السابق ومن الواضح أن الشعب المصري يريد تصحيحها، وهذا يتوقف على إرادة النظام المقبل وقوته والشرعية الشعبية التي سيتمتع بها، أما المراهنة على أن "تعيد الولايات المتحدة حساباتها وتغير سياساتها مع الشعوب بما يتناسب مع ربيع الثورات العربية"، وفقاً لرئيس حزب "الحرية والعدالة"، فمن الطبيعي المطالبة بها لكن يصعب التعويل عليها، إذ لم يسبق لإدارة أمريكية ان كانت قريبة من هذا "التغيير" في سياساتها كما بدت الإدارة الحالية، لكنها مع ذلك اضطرت بفعل ضغوط اللوبي الصهيوني إلى التراجع والانكفاء على نحو مخيب للآمال.
323
| 16 يناير 2012
في ثلاث من الدول التي أدركها "الربيع العربي"، ورغم اختلاف طبيعة الأنظمة، برز الإسلاميون على الخريطة السياسية الجديدة ومن خلال الانتخابات، أما الهم المشترك لإسلاميي حكومتي تونس والمغرب، وحكومة مصر لاحقاً، فهو الاقتصاد. ربما تكون الانتفاضات الشعبية، أو ما شابهها، وبمجرد وقوعها قد أوجدت حلولاً جارٍ أو سيجري اختبارها للمشكلة السياسية. ويقع على عاتق الحكومات المنبثقة من الانتخابات أن تباشر فوراً، وأن تسرع في إيجاد حلول للوضع الاقتصادي وصعوباته. صحيح أن الانتفاضات لم تعط أولوية للمطالب الاجتماعية، إلا أن هذه كانت دائماً في الخلفية المباشرة لهتافات الكرامة والحرية والتغيير، فالذين انتفضوا كانت لديهم نقمتان، سياسية ومعيشية، وقد قدموا الأولى لأنهم أدركوا أن معالجة أوضاعهم لابد أن تبدأ باجتثاث أصل العلة. كان الأكثر وضوحاً في شركة أنظمة الاستبداد أنها لم تهتم ببناء دولة ومؤسسات إذ ان الحكم والسلطة تمحورا حول شخص الحاكم وهو لم يكن معنيا بالتفكير في ما بعده، ولا بالتداول على السلطة أو بتدافع الأجيال وتنافس الكفاءات، لم يكن مطلوبا من أحد سوى أن يتقن الولاء، صحيحا أو كاذبا، أما الأكثر التباساً في تلك التركة فهو الاقتصاد، ورغم أن الأنظمة وعت أهميته، وانه يمكن ان يكون عنصر أمان لها، بل انه إلى حد كبير صنع الأمن، إلا أنها عملت على إخضاع قواعد الاقتصاد وقوانينه ليكون أيضا من أدوات تدعيم السلطة. وبذلك ساهمت في نسيج الارتباط المفزع بين الفساد السياسي والفساد المالي، وبالتالي الأمني. في غياب الديمقراطية أو أي شكل من أشكال الحكم المنفتح والمستند إلى مؤسسات تمثل فئات الشعب وتؤمن شيئاً من المشاركة في القرار، كانت "مؤسسة الفساد" الوحيدة الفاعلة والنشيطة، ولأنها كذلك فقد حظيت بالرعاية والحماية من المستفيدين منها على كل المستويات، وفي ما بعد غدا هؤلاء "جيش" الثورة المضادة، ففي مصر يتجدد الحديث عن "الفلول"، أو بقايا النظام المخلوع، كلما عاد التوتر إلى الشارع أو حصلت مواجهات دامية بين المحتجين وقوى الأمن. وفي اليمن، حيث لا يزال النظام يعاند السقوط رغم توقيع الرئيس على حل سياسي يقر فيه بالتنحي، أصبح معروفا أن "المحيطين بالرئيس" باتوا أكثر تصلبا منه، وهم موجودون في أعلى الهرم السياسي والعسكري كما هم موجودون من خلال "البلاطجة". أما في سوريا فانكشف اتساع "مؤسسة الفساد" وتمددها، والأخطر أنها كانت متنبهة مسبقاً إلى ضرورة إحكام سيطرتها الأمنية على مختلف القطاعات بلا أي استثناء، ونظراً إلى الترهيب الشامل الذي مارسته وتمارسه لم يتح لأي معارضة سياسية فاعلة أن تظهر في الداخل. كان بعض الأنظمة حرص على أن يكون له قبول دولي يدعم ما يعتقد أنه حصل عليه من "شرعية" في الداخل، ولذلك اهتم النظام التونسي السابق بجعل اقتصاد البلاد تحت أنظار البنك الدولي وغيره من المؤسسات التي تراقب وتقدم النصح للبلدان خصوصا تلك التي تطلب قروضاً ومساعدات لمشاريع التنمية، وكان نظام بن علي يخوض حملة دعائية سنوية كلما صدر مؤشر النمو الذي يفيد بأن اقتصاد البلاد يتحسن باضطراد. ورغم أن هذا النظام بذل مجهوداً في السياحة وبعض القطاعات الإنتاجية الأخرى، واجتذب استثمارات دولية وعربية مهمة، إلا أن السطوة الأمنية واخطبوط الفساد رتب للاقتصاد التونسي مظهراً شكلياً يوحي بأنه مزدهر في حين أن مردوده يصب في جيوب عائلة الرئيس والأعوان المختارين من دون أن ينعكس على الاقتصاد نفسه أو على المستوى المعيشي لفئات الشعب. وفي التحليل سيظهر أن الحال لم تكن مختلفة في مصر إلا في التفاصيل، وفي الأساليب التي اتبعها قطاع رجال الأعمال على إدارة اقتصاد البلاد بحيث ضمن له اثراء متواصلا وضمن للطبقة المتوسطة وما دونها تدنيا متواصلا في مواردها، وقد تشذ ليبيا في هذا المجال، فمداخيلها النفطية كانت تكفي لأن تصنع منها بلداً متطوراً إلا أن النظام أهدر الثروة في مشاريع وهمية أو تكديس الأسلحة وتوزيع الرشاوى الدولية لضمان بقائه ولم يهتم بكل ما هو أساسي لإفادة الشعب من تلك الثروة فإذا به يفتقر إلى بنية تحتية من طرق ومرافق، والى مستشفيات ومعاهد تعليم ومصانع أغذية وما إلى ذلك، وقد تبين أيضاً أن النظام وأعوانه كانوا يديرون عملياً مداخيل البلد بحيث تكون تحت تصرفهم، وها هي "الحكومة الثوار" تواجه صعوبات في استعادة الأسماء وإعادة إنشاء الجيش وتسيير المؤسسات لأن الأموال مجمدة في الخارج ولا يفرج عنها إلا بالتقسيط، وبشروط، علماً بأن هذه الشروط نفسها لا يمكن تلبيتها من دون تلك الأموال، نظراً إلى التوقعات لدى الشعب من هذه الحكومة. لا شك أن مثل هذه التوقعات تواجه وستواجه كل الحكومات الجديدة التي دفع "الربيع العربي" بالإسلاميين إلى واجهتها، فسرعان ما سينتقل الرهان على الديمقراطية إلى رهانات على إيجاد فرص العمل، مكافحة الفساد، خفض العجز في الميزانيات، طمأنة المستثمرين.. وهذا يعني عملياً إنتاج ثقافة حكم جديدة من خلال الممارسة المباشرة. بديهي أن الإسلاميين أو سواهم لا يملكون حلولاً سحرية، لكنهم مطالبون بالنجاح حيث فشل الآخرون قبلهم وعلى مر عقود طويلة، في أي حال، هذا ما جعل الناس يقبلون على الانتخاب ولسان حالهم يقول: فلنجرب الإسلاميين لعلهم يفلحون. لعل أخطر ما في "مؤسسة الفساد" أنها عممت ممارساتها أفقياً وعمودياً، واشتملت على التعامل مع الخارج كما مع الداخل، لذلك فإن تفكيكها سيتطلب وقتا، لكنه لن يكون مستحيلا، ثم أنه لا يستند إلى مفاهيم أخلاقية فحسب، وإنماً إلى وضع سياسات اقتصادية وتنموية صحيحة ومراعاة تطبيقها بأفضل معايير النزاهة والاستقامة. فهذا ما مكّن حزب العدالة والتنمية من نقل تركيا من بلد على شفير الإفلاس إلى اقتصاد يملك فوائض، وذلك في وقت قياسي.
405
| 09 يناير 2012
إذا كان الانسحاب الأمريكي من العراق أحدث خللاً استراتيجياً في المنطقة، فإن عدم سقوط النظام السوري زاد ذاك الخلل وضاعف من خطورته، وفي مثل هذه الحالات، غالباً ما يحصل تدهور قد يسفر عن وقوع حرب إقليمية، أو حروب أهلية داخلية تخفف من الاحتقان الإقليمي. قد يكون نوري المالكي ارتكب خطأ تكتيكياً في التعامل مع الاتهامات الموجهة إلى نائب الرئيس طارق الهاشمي، معتقداً أنها يمكن أن تمر من دون أن تثير الاستقطاب الطائفي، من الواضح أنه إما أخطأ في حساباته لتعزيز سلطته وسطوة نفوذه، أو أنه تسرع في ترجمة ما سمعه في واشنطن من إطراء عام للطريقة التي يدير بها شؤون العراق، إذ عاد منها منتفشاً وواثقاً بأنه يستطيع أن يقوم بأي عمل من دون أن يجرؤ أحد على معارضته. لعله فوجئ بردود الفعل، ووجد أن القوى السياسية الأخرى، بما فيها تلك المنضوية مع تكتل "دولة القانون" الذي يتزعمه في إطار "التحالف الوطني" تتلكأ في مساندته وإن لم تكن مهتمة بالهاشمي أو بسواه من أقطاب السنة، فحتى طهران اضطرت إلى إرسال وفد إلى كردستان للعمل على احتواء الأزمة، وإن كانت تدعم المالكي في مختلف الأحوال، ولا شك أن هذا الوفد انتهى في مهمته إلى تلمس جوانب أزمة عميقة تعود جذورها إلى شخصية المالكي وأسلوبه الذي بات يقارن بسهولة بأسلوب صدام حسين. أما الجانب الأمريكي فحرص على أن يوضح ان استقبال المالكي في واشنطن كان اعتياديا، وأن المحادثات معه لم تهدف أبدا إلى منحه ضوءا أخضر للتصرف بما ينسف التوافق الهش الذي تعيشه الفئات السياسية في العراق، وبالتالي فإن الخلاصات التي توصل إليها المالكي تخصه وحده، كذلك ممارساته. ولا يتعلق الأمر باتهامات للهاشمي قد تكون صحيحة وقد لا تكون، ولم يكن كافيا أن يستند المالكي إلى غطاء قضائي بل أن مسؤوليته تشمل أيضا النظر في الانعكاسات السياسية لخطواته كافة. المهم أن أخطاء المالكي غيّرت أحوال العراق من نقيض إلى نقيض. فبعدما كان يؤمل منه أن يشرف على تظهير مكانة العراق المتحرر من الاحتلال والمتأهب لتفعيل استقلاليته، فإذا به يعيد البلاد إلى أجواء الانقسامات واحتمالات النزاع الأهلي، وفي الوقت الذي التقط المراقبون "المبادرة العراقية" في سوريا باعتبارها إشارة إلى عودة العراق كقطب عربي وإقليمي يريد لنفسه دوراً مؤثراً، إذا بالأزمة الداخلية تعيده إلى الواقع، إلى حد أن "المبادرة" بدت كأنها لم تكن، لكن خطواتها الأولى الصغيرة كانت كافية لاستنتاج أن المالكي يريد التوسط سورياً من موقعه على الفلك الإيراني، وليس كطرف محايد بين النظام والشعب السوريين، لذلك فإن أفضل ما يمكنه تحقيقه أن يرسخ العراق في موقع عربي هامشي. انطلاقاً من هذا الموقع، وطالما أنه يسيطر على القرارين السياسي والأمني، ومراعاة للاستراتيجية الإيرانية، سيدعم المالكي صمود النظام السوري الحالي، رغم يقينه بأن هذا النظام تراجع عملياً رغم الحصيلة الدموية اليومية التي يحققها، لم يهتم المالكي بالتناقض بين اجتثاث البعث في العراق ومساندته في سوريا، ولا بضرورة توجيه الاهتمام إلى تحقيق مصالحة وطنية في العراق بدل الدفع نحو إخضاع فئة لحساب فئة أخرى. وإذا كانت مقتضيات البقاء في السلطة تجعل النظام السوري لا يمانع جرّ البلاد إلى حرب أهلية وإطالة الأزمة الراهنة، فإن الوضع في العراق يستدعي على العكس استكمال الخروج من الأزمة وبذل كل ما يمكن أن يحول دون أي عودة إلى مناخ الاقتتال الأهلي. في ظل التأزم المزدوج، السوري والعراقي، يمكن فهم التصعيد الحالي في الأزمة الإيرانية مع دول الغرب. قد لا يكون الملف النووي سوى عنوان عام، أو بمثابة ذريعة، أما الهدف فلابد أن يكون البحث عن توازن استراتيجي جديد بعد الخروج العسكري الأمريكي من العراق، كان بعض المحللين اختصر الموقف بالآتي: الأمريكيون أعطوا العراق لإيران لكنهم لن يسمحوا لها بالاحتفاظ بسوريا، لكن ما سمي "الاستعصاء السوري" واحتمال استمرار الأزمة السورية لوقت أطول مما كان متصوراً، قد يكون غيّر السيناريوهات المحتملة: أي أن تعذر التدخل الدولي للضغط لإسقاط النظام السوري، وبالتالي لإضعاف إيران، وربما برر العودة إلى الضغط على إيران نفسها، لكن المخاطر والمحاذير لا تزال هي نفسها ولم تتبدل. فمن جهة ترتكز دول الغرب إلى نفاد "بنك الأهداف" التي يمكن أن تصوّب عليها لفرض مزيد من العقوبات على إيران، لتقول إن الوقت حان للحظر النفطي، أي للعقوبة الأشد إيلاماً. ومن جهة أخرى تعتبر إيران أنها استطاعت التعايش مع مختلف أنواع العقوبات وتحملت الكثير من المصاعب والمضايقات والأكلاف طالما أنها لم تمس النفط كمصدر رئيسي لمداخيلها، فإذا كانت دول الغرب في صدد حرمانها من هذا المصدر، فهذا يعني أنها تسعى إلى خنقها اقتصاديا، وفي هذه الحال فإنها قد ترد بعمل حربي على ما تعتبره حرباً فعلية عليها، وللمرة الأولى لم تعد إيران مترددة بشأن إغلاق مضيق هرمز، مع علمها أنه حيوي واستراتيجي وأن إغلاقه سيستدعي ردود فعل حربية أيضاً. إذن، فالحرب باتت احتمالاً أكثر سخونة من ذي قبل. ثمة أسباب ودوافع لها نجدها خصوصاً في مضاعفة إيران تحدياتها خصوصاً للولايات المتحدة ما يضع باراك أوباما في وضع حرج وهو يستعد للحصول على ولاية ثانية في البيت الأبيض، بل ربما نجدها أيضاً في تزايد شكاوى دول الخليج من تدخل الجار الإيراني في شؤونها، يضاف إلى ذلك أن الدوائر الغربية تروج حالياً أن امام إيران اقل من سنة للحصول على سلاح نووي، رغم أن المعلومات العلمية المتاحة لا تؤيد هذه الفرضية. في الوقت نفسه لا تزال المحاذير التي حالت سابقا دون الاتجاه إلى حرب على إيران ماثلة أمام الجميع، فهذه حرب ستكون مكلفة، وانفلات أسعار النفط سيفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية، فضلاً عن أن أحداً لا يستطيع احتواء مثل هذه الحرب ومنع امتدادها إقليميا، لذلك يعتقد بعض الخبراء أن أي خطر نفطي يفرض على إيران قد لا يكون شاملا بل قد يتضمن ثغرات تمكن طهران من الالتفاف عليه، ما لا يضطرها إلى تنفيذ تهديد بإغلاق مضيق هرمز الذي سيجعلها البادئة بالحرب وهو ما حاذرته دائماً.
299
| 02 يناير 2012
رغم أن جنوب السودان دولة جديدة، بل الأحدث في العالم، ولا يزيد عمرها على ستة شهور، إلا أن أجواء زيارة رئيسها لإسرائيل أوحت بأن لها تاريخا تعود بداياته إلى ستينيات القرن الماضي، وفقا لذاكرة شيمون بيريز الذي كان شاهدا على الاتصال الأول بين الجنوبيين، وهم في مستهل تمردهم، مع إسرائيل. وقال بيريز لسلفاكير ميارديت إن ولادة جنوب السودان انطلاقة جديدة "في الشرق الأوسط". ما علاقة الشرق الأوسط؟ لابد أن الرئيس الإسرائيلي عني أن جنوب السودان، انضمت عملياً إلى "المنظومة الإسرائيلية" في افريقيا، وهي تشمل اثيوبيا وإريتريا وأوغندا وكينيا والتشاد وافريقيا الوسطى، باتت هذه الدول أشبه بكماشة تحيط بالدول العربية الثلاث مصر والسودان وليبيا، التي تمر حاليا بمرحلة عدم استقرار مفتوحة على احتمالات شتى، من هنا ان ربط جنوب السودان بـ"الشرق الأوسط" يرتبط بالوظيفة التي تتصورها لها إسرائيل في المراحل المتبقية. هذه دولة شاركت اسرائيل في صنعها، وبذل العرب ولا سيما السودانيين كل ما في وسعهم لدفعها الى الانفصال، لاشك أن معرفة تاريخ العلاقة الإسرائيلية – الجنوب سودانية مهمة وضرورية، لكن التنبه إلى المستقبل يمكن أن يخفف من أضرار هذا الانفصال أو يحد على الأقل من مخاطره المتوقعة على ما تبقى من السودان، وعلى ما بعده، تحديداً مصر وليبيا، قيل إن مستشاري سلفاكير نصحوه بإبقاء زيارة اسرائيل بعيدة عن الأضواء، وهو ما حصل فعلاً. فكل ما تسرب عن محادثاته يريد إقناع الجانب العربي بأنها ركزت على مسألة المهاجرين غير الشرعيين الذين تسعى اسرائيل الى التخلص منهم، وقد وافق سلفاكير على استيعاب جزء منهم. أما الطابع السري للزيارة فلا صعوبة في إدراك أنه يتعلق بالشؤون العسكرية والأمنية، فضلاً عن بناء تحليل مشترك للعلاقة مع العالم العربي وللتحولات الخاصة فيه, وقبل سلفاكير كان الرئيسان الأوغندي والكيني في اسرائيل، طبعاً، الجميع يبحث عن مساعدات في مجالات الزراعة والتكنولوجيا ومعالجة المياه والبنية التحتية وتلعب اسرائيل هنا وظيفتها الأمريكية في تحريك دول "المنظومة" في الاتجاه المرسوم ضد العرب. هي تقدم خبراتها وتقوم بدور وسيط دولي لاستجلاب المساعدات الأخرى من مصادرها الغربية، كما أنها تتولى جانبا مهما من إدارة الأزمة المتعلقة بمنابع مياه النيل، ولديها في هذا الإطار تحديدا ما تطلبه من دولة جنوب السودان، والأكيد ان المرحلة الانتقالية في مصر ما بعد الثورة، وفي السودان ما بعد الانفصال، تشكل بالنسبة إلى اسرائيل أفضل الفرص السانحة لتطوير "منظومتها" ودفع التأزيم إلى أقصاه كإجراء استراتيجي احترازي يستبق نهاية المرحلة الانتقالية ونتائجها. جنوب السودان دولة بصدد الإنشاء وتحتاج إلى كل شيء، ولعل أول ما تحتاجه أن تستكمل إنهاء المشاكل العالقة مع الشمال، سواء بإنجاز ترسيم الحدود أو بحل الإشكالات في ملف النفط. لا الأمم المتحدة رغم كونها منخرطة في معالجة النزاعات ولا الولايات المتحدة رغم إدارتها المباشرة لاستحقاق الانفصال وما بعده، استطاعتا أن تحولا دون نشوب معارك حدودية أدت إلى تهجير عشرات الآلاف في جنوب كردفان وولاية النيل الأزرق خلال الأسابيع الأخيرة وثمة سببان رئيسيان للإخفاق في حل تفاوضي لقضية تداخل الحدود، أولهما أن كل طرف يشعر بأن موازين القوى (وامتداداتها الإقليمية والدولية) تبدلت بعد الانفصال، والثاني أن كلا منها مأزوم بمشاكله الداخلية، ولذلك يتضخم يوما بعد يوم منطق المعالجة العسكرية للخلافات، ورغم أن قوات تستطيع حسم الموقف لمصلحتها حتى الآن، إلا أن الجنوب ورعاته وحلفاءه يستطيعون الرد بافتعال التمردات وزرع بذور النزاعات في شرق السودان وغربه. وهو ما جربوه سابقا في دارفور وسيواصلونه مع مساهمة اسرائيلية لن تضطر هذه المرة الى التخفي لأنها ستتمتع بـ"شرعية" جنوبية. لكن في مختلف الأحوال ستكون لجنوب السودان مصالح دائمة متداخلة مع مصالح للشمال، وبالتالي فإن الدولة الجديدة مدعوة لأن تراعي هذه الحقيقة وأن تعي أن المصالح لا تدرك بالضغط العسكري فحسب، بل أنها في نهاية المطاف تتطلب اتفاقا سياسيا لضمانها. هناك سعي حاليا في إطار الاتحاد الإفريقي، ويفترض أن يحيد أبيي ومنطقتها بانسحاب الطرفين منها ومرابطة قوات اثيوبية فيها. وربما أمكن التوصل الى ترتيبات مماثلة لمناطق النزاع الأخرى. غير أن هذا لا يشكل حلا، ولا يعفي الطرفين من البحث عن حل دائم باتفاقهما وتراضيهما لأن استمرار الخلاف مع وجود طرف ثالث على الأرض يفتح الأبواب للاختراقات وللمزيد من العبث، خصوصا إذا كانت هناك أطراف (أمريكية وإسرائيلية وغيرها) تعمل وفقا لأجندات تخصها ولا تتعلق بالسودان وحده وإنما بلعبة استراتيجية تشمل المنطقة ولا سيما الدول العربية فيها. من المقلق ألا يكون هناك إشراك للجامعة العربية، أو لأطراف عربية، في مساعي معالجة الشأن السوداني الشمالي-الجنوبي، في حين أن اسرائيل تشارك بشكل أو بآخر، وجميع المعنيين يعرفون أن الأمر لا يتعلق فقط بخلافات حدودية، وإنما بالأمن الإقليمي، فبعد الانفصال أصبح أمن السودان، واستطراداً أمن مصر، معرضاً لمزيد من الاختراقات، إذا لم يكن الانفصال مقدمة لعلاقات تعاون ووئام بين الشطرين، كما يفترض، فإن استمرار التربص والمواجهات يعني ان الشمال مرشح لتمزقات أخرى، وهو ما يبدو أنه يناسب مصالح دول "المنظومات الإسرائيلية" التي ترى أن بقاء السودان مع ثرواته الطبيعية يديمه دولة قوية وسندا استراتيجيا لمصر. خلال وجوده في القدس المحتلة قال سلفاكير ميارديت للإسرائيليين "من دونكم ما كنا لنكون موجودين، قاتلتم معنا لإنشاء جمهورية جنوب السودان. اسرائيل مثال للنجاح ونموذج يحتذى. نريد أن نتعلم منكم".. صحيح أن جنوب السودان ليست الدولة الإفريقية الأولى التي تغريها العروض الإسرائيلية، لكن ينبغي الحذر منها لأن لديها رواسب ودوافع واحتياجات تتيح لإسرائيل توظيفها في مخططاتها.
408
| 26 ديسمبر 2011
من البديهي، في نظر كثيرين، أن تستغل إيران الفراغ الذي يخلفه الأمريكيون في العراق لتعزز نفوذها هناك. بل يقولون إن هذا الفراغ سيكون أمنياً، وأن العراق سيستخدم إيرانياً في أدوار متعددة بدءاً بحلحلة الأزمة في سوريا، وانتهاء بمضاعفة التدخلات في دول الخليج. قد يبدو هذا التحليل واقعياً، إذ لا يعقل أن تجد طهران ساحة خالية في جوارها من دون أن تحاول تجنيدها في مد نفوذها، ثم انها لم تنتظر رحيل الأمريكيين كي تبادر إلى تطوير موطئ قدم لها في العراق، بل استغلت وجود الاحتلال الأمريكي أيما استغلال، إذ كانت الجهة الوحيدة المستفيدة منه. دخلت إيران إلى قلب العراق تحت مرأى ومسمع من الأمريكيين، الذين حاولوا جهدهم الحد من تغلغلها، إلا أنها لم تدخل على دبابات أو آليات عسكرية وإنما عبر المجموعات العراقية التي كانت لاجئة لديها لسنين طويلة، كما دخلت من باب التجارة والسياحة الدينية لزيارة الأضرحة، وكانت حدودها المفتوحة بمثابة الشرايين الأولى التي ترفد العراقيين في الفترة المباشرة بعد سقوط النظام السابق. كثيراً ما ردد الجنرالات الأمريكيون أن ثمة جنودا يقتلون بأسلحة مصدرها إيران، لكن قليلاً ما ألحوا على إبراز هذه المعلومات، كما أن واشنطن، بل حتى الكونجرس، لم يجد موجباً للتوقف عند هذا المعطى رغم أن الجنرال ديفيد بيترايوس (قائد القوات الأمريكية سابقاً في العراق ومدير الـ "سي.آي.إيه" حاليا)، أدلى بها شخصيا، إذ أن أخذه في الاعتبار يستوجب الرد، لكن الإدارتين الأمريكيتين المتعاقبتين وضعتا هذه الوقائع في إطار "الاضرار الجانبية" للحرب على العراق، لئلاً تضطرا إلى التعامل معها على أنها اعتداء مرشح لأن يفتح حرباً أخرى في المنطقة. سلطت الأضواء خلال الأسبوع الماضي على الانسحاب الأمريكي من العراق. ولم يكن صعباً استشفاف المرارة في خطابات باراك أوباما، ولا في تصريحات وزيره للدفاع أو سائر العسكريين، فلا انتصار هنا للطنطنة به، وإنما خسارة يحسن الحد من جسامتها، لذلك لا يبقى للمعنيين سوى التغني بما أمكن إنجازه لبناء نظام جديد واستعادة للدولة وتطوير للقوى الأمنية في العراق، وبالتالي للقول إن المهمة كانت تستحق هذه المشقة في نهاية المطاف، ومع إنزال العلم الأمريكي عن آخر القواعد العسكرية، انتقلت الأضواء إلى إيران، إذ تعتبر انها الطرف الخارجي الآخر الموجود على الساحة، ما يطرح مجموعة تساؤلات تتعلق بالمرحلة المقبلة، ماذا ستفعل إيران بهذا النفوذ، وما موقف حكومة بغداد منه، وكيف سيتمظهر في السياسة الخارجية العراقية، وهل يترجم بتوسل العراق قناة جديدة للتدخل في دول الجوار؟ تعززت هذه التساؤلات مع زيارة وزير الاستخبارات الإيراني حيدر مصلحي للسعودية ولقائه مع ولي العهد الأمير نايف بن عبدالعزيز. طبعاً، هناك ملفات ثنائية تتطلب المراجعة وتعتبر طهران أن بعضها الكثير قائم على "سوء الفهم"، سواء تعلق الأمر بأحداث البحرين، أو بالاتهامات الأمريكية لإيران بشأن مؤامرة لاغتيال السفير السعودي ونسف السفارة السعودية في واشنطن، أو حتى باحداث تقع بين الحين والآخر في المنطقة الشرقية السعودية، ثم أن هناك أيضاً اتهامات خليجية، بل تحذيرات متفاوتة اللهجة تكررت أخيراً داعية إيران إلى الكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، لا شك أن الانسحاب الأمريكي والوضع الذي سينشأ في اليوم التالي له هو ما استدعى هذا التشاور السعودي-الإيراني الذي كان في الأعوام الأخيرة من قبيل المستحيلات، وقد يضاف أيضاً ما استجد في الأزمة السعودية التي بلغت مرحلة خطيرة من دون أي مؤشرات إلى احتمال حصول حسم داخلي لمصلحة أي طرف، أو إلى تدخل خارجي قادر على هذا الحسم. لو كان لإيران أن تختار لفضلت بقاء القوات الأمريكية في العراق، فرغم أنها تعتبر الانسحاب نتيجة لـ"الحرب" التي شنتها وسوريا ضد الأمريكيين، أولاً لإحباط مخطوطات كانت واشنطن وضعتها لتكون إحدى الدولتين الهدف التالي للغزو بغية إسقاط النظام وتغييره، وثانيا لمشاغلة الأمريكيين وإجبارهم على التفاهم مع إيران بشأن مصالحها في العراق والمنطقة، ومع أن الجانبين التقيا في اجتماعات حرصا على إبراز الدور العراقي في تنظيمها، إلا أن الأمريكيين قصروا البحث فيها على حل إشكالات طارئة، معظمها أمني، تعرقل إدارتهم شؤون العراق، ويعزى النشاط المسلح المنسوب إلى فرع تنظيم القاعدة العراقي، ومجموعات المقاومة السنية إلى الدعم الذي كانت إيران وسوريا توفرانه. لكن المأزق السوري قد يؤدي إلى تقليص الاعتماد على هذه المجموعات، ثم ان الانسحاب الأمريكي سيجعل من أي تدخل ايراني مجرد عبث أمني لا يلبي لطهران أي مصلحة. لعل أخطر ما يعنيه انتهاء المواجهة الأمريكية-الإيرانية المباشرة في العراق، أن احتمالات المواجهة العربية-الإيرانية ستتضاعف وتصبح مباشرة بدورها، مع ما يمكن أن تحمله من صراعات ذات طابع طائفي، لكن الانسحاب الأمريكي في حد ذاته سيطرح على إيران استحقاق تغيير تكتيكاتها، صحيح أن الساحة العراقية مفتوحة ومتاحة لها، إلا أنها قد تكون أيضا بمثابة فخ لها، فمن جهة ستكون حكومة بغداد تحت الأنظار، داخلياً وخارجياً، لتأكيد احترامها سيادة البلاد واستقلاليتها، وكذلك لإثبات كونها حكومة لجميع العراقيين على اختلاف انتماءاتهم، وأخيراً لإبعاد شبح الحروب الداخلية التي تنذر بها المطالبات المتكاثرة لإنشاء أقاليم ذات استقلالية تفعيلاً لـ"الفدرلة" التي يجيزها الدستور، ومن جهة أخرى سيفتح تحرير الأمريكيين من "كابوس العراق" آفاقاً أخرى للتعامل مع ما يسمى الخطر الإيراني. يدرك الإيرانيون أن الأمريكيين يغادرون العراق لكنهم باقون في قواعدهم المنتشرة في الخليج، كما في مياهه، ولعلهم تذكروا ما تردد دائماً من أن الانسحاب الأمريكي من العراق سيبقى الشرط الضروري قبل أي تفكير في شن حرب على إيران، إذا كان لهذه الحرب أن تقع، اما وقد أنجز الانسحاب فلابد أنه يدفع الإيرانيين إلى مراجعة حساباتهم وإعادة النظر في خططهم للمواجهة مع الأمريكيين، إذ كانت انحصرت منذ عام 2003 بالساحة العراقية.
358
| 19 ديسمبر 2011
يشغل اكتساح أحزاب وجماعات الإسلام السياسي النقاشات في مختلف أنحاء العالم العربي، فضلاً عن المعنيين في العالم الغربي، وفيما تعتبر هذه الظاهرة من نتائج "الربيع العربي"، يذهب مؤيدوها إلى القول إن "الربيع" أزهر وأثمر، أما المناوئون فيرون ان ذاك الربيع أضحى خريفاً أو شتاء. طوال الأعوام السابقة قال الغرب كل ما عنده عن الإسلاميين وفكرهم وممارساتهم ومظاهرهم، لكن خروج هؤلاء أخيراً من صناديق الاقتراع إلى منابر السلطة جعلهم مقبولين غربياً بمعزل عما إذا كان هذا القبول على مضض أو بفعل الإحراج أو تغطية للقلق من التجارب التي يقبل عليها الحاكم في البلدان العربية التي شهدت انتفاضات شعبية. لكن الأولوية في تقييم هذه الظاهرة، لا تعود إلى رأي الغرب فيها، بل إلى رأي العرب أنفسهم في بلدانهم كافة، فكما قيل عن الانتفاضة التونسية أولاً أنها قد تصبح عدوى، يبدو أن عدوى اختيار الإسلاميين في الانتخابات تتنقل الآن من بلد إلى آخر، فبعد حزب "النهضة" الذي بات مع حلفائه مسيطراً على الحكومة في تونس، تأكد الاتجاه نفسه في المغرب مع حزب "العدالة والتنمية"، وهو في طريقه إلى التبلور في مصر مع صعود "الاخوان المسلمين" من خلال حزب "الحرية والعدالة"، ومنذ انتصار الثورة في ليبيا برز "الاخوان"، وسواهم من الإسلاميين كقطب سياسي سيكون له تأثيره ونفوذه في النظام المقبل، وحتى في اليمن، حيث لا يزال "الحل السياسي" في بداياته، بدأ الحديث عن احتمال حصول حزب "الإصلاح" على نسبة كبيرة من مقاعد أي برلمان في انتخابات غير مزورة، أما في سوريا، رغم أن أزمتها لا تزال بعيدة عن نهايتها، فإن عدم انضمام بعض المناطق والفئات إلى الانتفاضة يعزى إلى خشية من أن يكون الحكم البديل للنظام الراهن إسلامياً. لماذا الخشية، وعلام القلق؟ لعل السبب الأول يعود إلى أن الإسلاميين لم يعرفوا، طوال فترة وجودهم في المشهد السياسي في الأعوام والعقود السابقة، بأنهم من المدافعين عن الحريات وحقوق الإنسان المتعارف عليها، إذ أن ضغوط الحكومات عليهم دفعتهم إلى الانكفاء الفكري في النصوص الدينية، تأكيدا لهويتهم وتحديا للقمع الذي تعرضوا له. ولا شك أن هذه الحال حالت بينهم وبين الاقتراب من المؤثرات العصرية أو من حركة التطور التي مرت بها المجتمعات العربية بفعل التعليم أو الانفتاح المتعاظم بفضل وسائل الاتصال الحديثة. سبب آخر يمكن عزوه إلى أن الإسلاميين لم يسبق أن اختبروا في إدارة الدولة ومؤسساتها، وبالتالي فإن احتمالات النجاح والإخفاق تتساوى، غير أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا تحتمل التجريب ولا التغيير الجذري للخيارات والمناهج، ثم ان الشعوب التي انتفضت وثارت تتطلع إلى استقرار قريب، ولا تريد انقلابات سياسية تتطلب منها تنازلات عن مكاسب حد أدنى استطاعت تحصيلها في العهود السابقة، خصوصاً في مجالات الحريات وتحسين ظروف المرأة وتمكينها. سبب ثالث يستدعي المخاوف ونجده في أن الإسلاميين جماعات وشيعا لا تلتقي فكرياً، ولا تبدو متساوية في الاعتدال أو متقاربة في البرامج والأهداف، فمع الخطاب الناضج والمتقدم الذي طوّره حزب "النهضة" التونسي، وبدرجة أقل حزب "الحرية والعدالة"، المصري، يأتي خطاب السلفيين مفاجئاً بل صادما ومخزيا أحيانا، ولاشك أن وجود الخطابين في حد ذاته يمكن أن يكون امرا عاديا وطبيعيا، إلا أن ارتكازهما على مرجعية إسلامية ثم تناقضهما يطرح على الشعوب مشاريع صراعات تذكرها بصراعات اليساريين والليبراليين وسواهم لكنه يثير ايضا الاشتباه بأن أي صراع مفترض ربما ينزلق إلى العنف، بما ينطوي عليه من رواسب وجذور تاريخية، أي أنها سبق ان جربت وتركت آثاراً مؤسفة. السبب الرابع مرده إلى شكوك بعضها مشروع وبعضها الآخر مفتعل أو مبالغ فيه وهي تتعلق بغموض "المفهوم الإسلامي"، للدولة وممارسة السلطة وإدارة السياسة، إذ دلت الانتفاضات الشعبية على انبثاق وعي لضرورة ان يستند أي نظام جديد إلى "دولة مدنية وديمقراطية" وليس واضحا بالنسبة إلى الرأي العام ما إذا كان الإسلاميون تخلوا فعلا عن مفهوم الدولة الإسلامية، او اذا كان لديهم حرص على ارساء الدولة ومؤسساتها، فضلا عن اعلاء شأن المواطنة المقوننة، بالاضافة إلى تشجيع جميع الفئات على الانخراط في العمل العام بدل اعتماد الاقصاء والتمييز كما مورسا ضدهم سابقا. طبعا يمكن سوق الكثير من الاسباب التي تغلب عليها السلبية، لكن الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم بكثافة وحماس لهؤلاء الاسلاميين برهنوا على أمل ومراهنة وثقة يعتقدون انها ستصنع التغيير الذي ينشدونه ويأتي في طليعة الرهانات اثنان: الشفافية في صنع السياسات ومصارحة الشعب، والعمل الجاد والدؤوب على مكافحة الفساد، فمن بين الدوافع التي سجلتها استطلاعات رأي المصوتين جاءت مكافحة الفساد في الطليعة، اذ ان الشعوب سئمت رؤية ثرواتها الوطنية واموال التنمية تحرف عن مساراتها المفترض ان توجه اليها لتحسين معيشتها ومستواها الإنساني. كما ان الناخبين يأملون بأن ينجح الاسلاميون في تنزيه الممارسة السياسية وتنظيفها من المفاسد والموبقات والانتهازيات التي طغت عليها لعقود طويلة، ويدعم هذا الرهان ان الاسلاميين اظهروا في حملاتهم الانتخابية، وفي جوانب كثيرة من كفاحهم السياسي وهم في المعارضة، قدرة على التنظيم والانضباط والتفاني، لذلك يؤمل بأن ينعكس ذلك في ادارتهم شؤون البلاد، ذاك ان الشعوب سئمت ايضا الوعود والعهود والخطط التي ظلت مجرد حبر على ورق او جاءت بخيبات الأمل. في أي حال، وبمعزل عمن تخرجه صناديق الاقتراع، اذا كان للعملية الديمقراطية أن تتم وتأخذ مجراها بسلام وسلاسة، فلا داعي لمعاملة الاسلاميين بتوجس او بتشكيك مسبق، اذ انهم نالوا حقهم بالطريقة المتوافق عليها، وحصلوا على فرصتهم، وها هم الآن امام التحديات، ثم ان ساحات التغيير ستبقى موجودة لمراقبتهم، كما انصفتهم صناديق الاقتراع يمكنها ان تخذلهم، فأحد أهم القواعد الديمقراطية احترام التداول على السلطة. لكن من شأن الإسلاميين ان يولوا المخاوف اهتماما، لأن رأي الآخرين سيؤثر سلبا أو ايجابا على عملهم، ومن عوامل النجاح أن يتمكنوا من ملاقاة توقعات الجميع وليس الذين انتخبوهم فحسب، ذاك ان المطلوب من أنظمة ما بعد الانتفاضات ان تقطع مع نهج الاثرة والتمييز بين المواطنين، وعلى الاسلاميين أن يبرهنوا أهليتهم لاشعار الشعوب بأن التغيير يسير في الاتجاه الصحيح.
425
| 12 ديسمبر 2011
بعدما فشل مشروع إبقاء بضعة آلاف من العسكريين الأمريكيين في العراق، لأغراض تدريب قوات الجيش والأمن، ارتضى البلدان الاكتفاء باتفاق تعاون وشراكة يغطي مختلف المجالات، بما فيها الأمن والدفاع، ويشكل امتدادا لـ"اتفاق الشراكة الاستراتيجية" الذي أبرم قبل ثلاثة أعوام، لكن بمفاهيم مختلفة للعلاقة بينهما. هذا ما أنجزه نائب الرئيس الأمريكي جوزف بايدن ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عشية بداية شهر ديسمبر الذي سيتم بنهاية الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق، وهو انسحاب يمثل في حد ذاته بداية لمرحلة دقيقة في المنطقة، فبالنسبة إلى العراق تعني نهاية الاحتلال بداية الاعتماد على الذات لتثبيت النظام وتعزيز دعائمه، أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة فلعله يعني البحث عن سبل أخرى لإدارة استراتيجيتها في المنطقة. كان الوجود الأمريكي في ارض الرافدين محورا رئيسيا للصراع الداخلي بين الفئات التي عوّلت على الاحتلال للسيطرة على الدولة وتلك التي ساهم الاحتلال في هزمها وتهميشها، ورغم ان الامريكيين بذلوا جهدا كبيرا للانفتاح على مختلف المكونات الاجتماعية، بمن فيها السنّة، إلا أنهم لم يتمكنوا من اقناع الجميع بالانخراط في ما سمّوه "العملية السياسية" تحديدا لأن هذه العملية استندت إلى خريطة سياسية جديدة ساهم الاحتلال نفسه في رسمها ومارس سطوته لإرساء وقائع وحقائق جديدة، كما أنه دفع في اتجاه تبني الدستور الجديد الذي أقيم النظام الجديد على أساسه، لينتهي إلى الإقرار بأنه دستور يحتاج إلى تعديل كي ينصف الجميع. يغادر الأمريكيون من دون أن يتمكنوا من حمل حكومة المالكي الحالية أو السابقة، على إحراز خطوات جوهرية في اتجاه المصالحة الوطنية. وكانت المفارقة خلال الأعوام الخمسة الماضية، ان سلطة الاحتلال هي التي كانت تلح على هذه المصالحة وتعتبرها عنصرا ضروريا لابد منه لمواكبة التحسن في الوضع الامني او التقدم في تأهيل القوى الأمنية وتسليمها المناطق والمدن كافة، اما الحكومة فكانت ولا تزال مكتفية بإيجاد أي صيغة ممكنة لتأمين شيء من التعايش بين القوى السياسية داخل الحكومة، أي داخل "المنطقة الخضراء" في بغداد. يفترض أن تشكل نهاية الاحتلال نهاية أيضا للمربع الأمني الذي سمي "المنطقة الخضراء" وإذا أبقي عليها فلن يعني ذلك سوى أن نظام ودولة "ما بعد صدام حسين" لا يزالان معوقين وغير قادرين على الخروج لملاقاة جميع العراقيين بمنأى عن المخاوف والتفجيرات، وإذا كان رهان حكومة المالكي أن زوال الاحتلال سيتيح فرصا كانت حتى الآن متعذرة لفتح حوارات وطنية، فالأولى أن يلتفت المالكي الى تطبيع أوضاع حكومته قبل أن يلتفت الى تطبيع العلاقة مع المناوئين للنظام حتى ولو كانوا لا يملكون القدرة على هزّه أو وضعه في خطر الانهيار. والواقع أنه لا يملك خيارا آخر غير "المصالحة الوطنية" إذا كان يريد تدعيم الحكم المركزي وتوطيد الأمن والاستقرار، وبالتالي التهيئة لحكم يهتم أكثر بمسائل اعادة الاعمار وتفعيل التنمية وتوفير الخدمات، من هنا فإن على المالكي ان يغير اسلوبه في ادارة شؤون حكومته، فالمهمة بعد انسحاب الامريكيين ستكون اصعب ولن يعود ممكنا بعده إلقاء المسؤولية على احد آخر، اذ ان هذا الانسحاب لا يضعه وحده في الاختبار، بل يضع ايضا قوى الجيش والامن امام امتحان اثبات انها نشأت وتدربت لتعمل بعيدا عن الفئوية والمذهبية، وانها منزهة فعلا مما تتهم به من انحياز وتواطؤه لفريق ضد فريق، فممارساتها خلال الاعوام السابقة خلفت الكثير من الشكوك، التي لابد من إزالتها كذلك ستتحمل الأطراف السياسية الاخرى جانبا من المسؤولية ان هي تهاونت في السير نحو المصالحة، او حاولت الحفاظ على الامر الواقع الراهن لمجرد انها مستفيدة منه او اعتادت عليه، ذاك ان هناك وطنا ينبغي ان يبني وان يضم الجميع تحت أجنحته. يستدل من بنود اتفاق التعاون العراقي-الأمريكي ان الجانبين يتطلعان الى علاقة نشطة وحيوية تشمل كل القطاعات، من الاقتصاد والتعليم والثقافة، الى القضاء والبيئة والطاقة، الى تحسين الخدمات وتطوير شبكات الطرق والجسور والمطارات فضلا عن تحسين الزراعة ونظم الري ودعم التجارة وخدمات الرعاية الصحية، واذا تفحصنا ما ورد في الاتفاق عن تطوير النظام القضائي المستقل، باعتباره "ركنا اساسيا لبناء نظام ديمقراطي مستقر"، او ما يتعلق بـ "بناء نظام تعليم عال أكثر رصانة"، نجد أن الجانب العراقي يلتزم نمطا ومفهوما يتناقضان مبدئيا وظاهريا مع الأنماط والمفاهيم التي فرضت نفسها على الارض، سواء بفعل تنامي الاتجاه الديني والثقافة التي يبثها في المجتمع، او بفعل ازدياد تغلغل النفوذ الايراني في مختلف مفاصل البلد وشرايينه ولذلك يدفع هذا الاتفاق الى التساؤل المشروع عن مدى واقعيته، أو على الاقل عن جدية الجانب العراقي في التعامل مع اوجه التعاون التي يقترحها. وهذا يمهد لتساؤلات أخرى أهمها مثلا من سيملأ الفراغ الذي يخلفه الأمريكيون والى أي حد يبدو هؤلاء متأكدين من ان جلاءهم العسكري لن يؤدي الى انحسار نفوذهم السياسي والمعنوي؟ لاشك ان العراقيين يعتبرون الانسحاب الامريكي بمثابة الفرصة التي يجب ان ينتهزوها لممارسة سيادة كاملة على ارضهم، لكن التغيير الذي طرأ على طبيعة الدولة والنظام والمجتمع فتح الأبواب لمختلف انواع التدخلات، وفيما لا يزال النفوذ العربي منكفئاً يحاول النفوذ التركي إنشاء مواطئ قدم له في حدود المتاح وفي اطار السيادة العراقية، اما النفوذ الإيراني فلا ينفك يتوسع ولا يصادف أي حواجز أو عراقيل. بات الرهان الآن على العراقيين، لا سيما من هم في الحكم، ليظهروا في الداخل كما في الخارج تصميمهم على تسلم زمام بلدهم والسعي الى توافق تاريخي لابد منه لتجنب تشظي العراق دويلات متنافرة، وبمعزل عما اذا كان النفوذ الايراني تغلغل بارادتهم ليقيم توازنا مع الاحتلال الامريكي، فإن الوقت حان لوضع الأمور في نصابها، اذ ان العلاقة المميزة مع طهران يجب ألا تجعل العراق بيدقاً على الشطرنج الإيراني.
413
| 05 ديسمبر 2011
مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
4674
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
4332
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1500
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1029
| 11 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
993
| 13 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
846
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
693
| 13 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
666
| 12 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
633
| 09 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
621
| 13 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
612
| 14 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
597
| 11 مايو 2026
مساحة إعلانية