رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مهمة مستحيلة لمرتزقة العقيد

ثورة الشعب أدركت معمر القذافي وهو في ذروة الثقة بالنفس، العالم الغربي تتزاحم حكوماته وشركاته على العقود والصفقات، ولم يعد يبدي أي اهتمام بطبيعة النظام، ولولا تقارير تصدر بين الحين والآخر عن منظمات حقوق الإنسان لأمكن الاقتناع بأن الليبيين متعايشون جيدا مع الحكم، بمعزل عن المشاعر، وطوال العقدين الماضيين نسبح القذافي علاقات خاصة مع حكومات القارة السمراء مما أكسبه بعدا إفريقيا مهما هو الذي أعانه على تحمل تداعيات "أزمة لوكيربي" والحصار الدولي الذي رافقها حتى خلع على نفسه لقب "ملك ملوك إفريقيا" لكن هذه العلاقات كانت تتوقف على الجرعات المالية التي يضخها بشكل دوري ودائم. في الوقت نفسه تراجعت الروابط العربية للنظام، لكنه حافظ على علاقة وثيقة مع جاريه المباشرين، مصر وتونس، وبالنسبة إلى الآخرين كانت ليبيا مكانا لاستيعاب بعض العمالة، لكن الملاحظ أن خصوماته السياسية تضاءلت في مؤشر إلى أنه لم يعد معنيا كي في السابق عندما كان يحول إضرابا ودكاكين سياسية وجيوشا من الانتهازيين الذين أسهموا في تضخيم الذات لدى القذافي، وكذلك في نسج زعامة "ثورية" وهمية تبين في النهاية أن أحداً سواه لم يكن يصدقها، بمن في ذلك أولئك المنتفعون، وقد تبين أيضا أنهم كانوا مجرد زبائن فيما اعتقد هو أنهم زعماء صغار يحجون إليه بصفته زعيمهم الأكبر وبصفتهم "ثوارا" مثله ومناضلين. لاشك أن الترهيب الدموي الذي استخدمه طوال الوقت في الداخل شكل صورة نمطية تعيسة للمواطن الليبي، فبدا مستكينا خانعا، بل وكأنه قبل واقتنع بالدور الذي فرضه عليه جلاده، ونسي تاريخه وتراثه ليعتبر كأن حياته إنما بدأت مع هذا الزعيم، كنت إذا ذهبت إلى ليبيا ترى أناسا في الشوارع، لكن يخيل إليك أنهم غائبون، إنهم هنا وليسوا هنا، لم تكن تسمع سوى أصوات أعوان النظام حين يهتفون للزعيم، غير أن الصدمة الحقيقية تأتي من واقع ومشهد لبلد نفطي، أي لديه موارد، ومع ذلك فإنه بقي في حال ما قبل النفط، لا أثر للثروة في التعليم أو الطبابة، لا تنمية مبرمجة، ولا رؤية للمستقبل، فهذه جماهيرية صمت ينبغي أن تغوص بعيدا في عمقها كي تتعرف إلى الحقيقة، وبالنسبة إلى الليبيين كانت جماهيرية صمت وصبر، ذاك أن الحقيقة التي انتظرت اثنتين وأربعين عاما هي التي انفجرت أخيراً في 27 فبراير ولم يعد بإمكان القذافي وأبنائه ومرتزقته أن يعيدوها إلى الصمت، فهذه مهمة مستحيلة تعصي على أي مرتزقة. رغم أن النظام كما كان يراه معارضوه المنقبون في الخارج، أبدى الكثير من اليقظة والصرامة في بناء سطوته وسيطرته، واستعان بأخطر الأجهزة والخبرات في المعسكر الاشتراكي السابق ثم في العالم الغربي، إلا أن انهياره السريع لا يزال لغزا، فإما أنه كان حلقات موصولة ما إن سقطت إحداها حتى انفرطت المنظومة كلها فوجد الحكم نفسه منذ السقوط المبكر لبنغازي محصورا في طرابلس، وإما أن الغضب والنقمة والاستياء نخرت أسس النظام في أن حدد الموعد حتى استجاب الجميع، وهو حصد في النهاية نتيجة تهميشه للجيش وإيثاره للميليشيات، ومن الواضح أن استخباراته لم تعمل حين احتاج إليها، كما أن اطمئنانه إلى سياسة "فرق تسد" التي اتبعها مع القبائل لم يأت لمصلحته حين أراد اختباره على الأرض، والأكيد أن زيادة اعتماده على المرتزقة الأفارقة كانت عمليا العنصر الذي أدى إلى خسارته، لأن العسكريين والقبائل وعموم الشعب اختصروا الموقف بعبارة ذات دلالة، القذافي يستأجر أفارقة ليقتلوا أولادنا وأهلنا. هذه أفكار أولية في محاولة تحليل السقوط البشع لهذا النظام الذي دهمته ثورة شعبه وهو لا يزال مالكا القوة النارية والمال، ومع ذلك لم يستطع أن يوقف العاصفة أو يقسم صفوف مواطنيه أو يقلب وجهة الأحداث، هناك أمران أشار إليهما المحللون الليبيون الذين احتلوا شاشات الفضائيات، أولهما أنهم فوجئوا بشجاعة مواطنيهم وتصميمهم واستعدادهم للتضحية والثاني أنهم فوجئوا أيضاً بأن هذا النظام الذين خشوه وهابوه طوال أربعة عقود بدا أشبه بقصر من ورق، وعندما ظهر سيف الإسلام القذافي في التلفزيون ليعلن خريطة طريق إلى تخريب البلد، إذا لم يستجب الشعب بوقف الاحتجاجات والمجيء إلى المؤتمر الشعبي العام لإقرار إصلاحات، فقد فاته في الوقت نفسه أنه كان يعلن أيضا أن نظام والده خسر معظم خياراته وأصبح مسبوقا بأشواط على المستوى الشعبي، وفيما شرع عسكريون ومسؤولون الانشقاق للانضمام إلى الشعب، بدا سيف الإسلام أنه حرص على الظهور قبل القذافي ليؤكد انشقاقه عن الكذبة التي غذاها وعاش عليها خلال الأعوام الأخيرة، وليعلن اأنه على العكس ينضم إلى والده الذي يقود المقاومة ضد ثورة الشعب. مع مضي الأيام وتكرار القذافي إطلالاته الخطابية الفاشلة والمخزية تهاوت الأحلام والأوهام، فـ"الحرب الأهلية" التي هدد بها الأب والابن لم تبد خيارا في متناولهما وكذلك مخاطبة الغرب لتنبيهه إلى "إمارة إسلامية" تنشأ في الشرق، أو إلى أن تنظيم القاعدة الإرهابي في ضوء اكتساب موطئ قدم في ليبيا، لم تنجح في إقناع أحد في عواصم الغرب، وحتى التخويف من استخدام القوة وحرق كل شيء بدا أيضاً فزاعة مجوفة، ورغم أن الوحش الجريح يمكن توقع كل أذى وتخريب منه إلا أنه يمكن أن يرتكب المزيد من القتل لكن من دون أن يغير الواقع الجديد الذي فرض نفسه عليه. إلى الاهتراء والتآكل اللذين انفضحا في بنية النظام، جاءت المكابرة والغرور لتقفلا الدائرة عليه إلى حد سد النوافذ لإيجاد مخارج داخلية أو حتى خارجية، لذلك انحصر مصير القذافي بين الموت قتلا أو السجن والمحاكمة سواء في الداخل أو في الخارج، فهذا النمط المنحط من الحكام لم يشأ أن يتوارى إلا وهو يوجه أسوأ الأوصاف والشتائم لأبناء شعبه، لعله، في الواقع، كان ينعت نفسه أولاً وعسى أن يعجل جنونه بنهايته لينزاح الكابوس عن ليبيا إلى غير رجعة.

398

| 28 فبراير 2011

إنذارات شبابية ومراجعات مطلوبة

في عام 2004 انعقدت القمة العربية السادسة عشرة في تونس، كان الموضوع الساخن في ذلك الوقت، بالإضافة إلى التطورات في القضية الفلسطينية، وفي العراق، مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي طرحته إدارة جورج دبليو بوش بالتشاور مع الحلفاء الأوروبيين، ومعلوم أن هذا المشروع تبلور إثر ضغوط كانت واشنطن بدأت تمارسها على الدول العربية بعناوين مثل: الديمقراطية، الإصلاح السياسي والاقتصادي، احترام حقوق الإنسان، تمكين المرأة، وإتاحة العمل لهيئات المجتمع المدني. كان موعد القمة، كالعادة، أواخر مارس، وجاء وزراء الخارجية عشية المؤتمر لإنهاء التحضيرات، قبل ذلك كانوا التقوا في القاهرة وناقشوا مسودة وثيقة يفترض أن تكون بمثابة رد عربي إيجابي على الدعوات الغربية، ولم يتفقوا حينذاك على الأفكار الرئيسية فقرروا صياغتها مجدداً واستكمال النقاش قبيل القمة، وهذا ما حصل، إذ شرعوا في وضع اللمسات الأخيرة على ما سمي "بيان مسيرة التطوير والتحديث والإصلاح"، إلا أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي لم يكن راضياً على وتيرة النقاش والصياغات المزمعة فأوفد نائب وزير الخارجية الذي دخل على الوزراء وأبلغهم أن اجتماعهم انتهى لأن تونس لا تستطيع استضافة القمة إذا لم تتخذ مواقف واضحة في مسألتي الديمقراطية والإصلاح. استمرت الأزمة الناجمة عن هذا التصرف التونسي غير الدبلوماسي بضعة أسابيع، وأمكن عقد القمة أواخر مايو، بعد حل الإشكالات المتعلقة ببعض مفردات الوثيقة، ومع ذلك، لم يخل الأمر من بعض الحوارات المنفعلة في اجتماع القادة، وقيل يومها إن الرئيس المصري حسني مبارك غادر تونس وهو على خصام مع بن علي، إذ كان مبارك يريد تضمين الوثيقة رفضاً واضحاً للتدخلات الخارجية في شؤون داخلية تتعلق مثلاً بالإصلاح السياسي. بعد سبعة أعوام جرت تنحية الرئيسين في ثورتين مفاجئتين لم يتجسم نشطاؤهما عناء المطالبة بـ"الإصلاح" بل ذهبوا إلى الهدف مباشرة وهو إسقاط النظام، وقد سقط في الحالين. ومنذ تلك القمة في تونس دأبت القمم التالية في الجزائر والسودان والرياض والدوحة وسرت على درس التقارير الواردة من مختلف الدول بشأن ما أنجزته في مجالات "التطوير والتحديث والإصلاح"، لكن هذه العملية راحت تتم على نحو روتيني، بالأحرى شكلي، من دون التدقيق في مدى التقدم أو في مصداقية المعلومات التي توفرها الدول، مما جعل التقرير العام عن "الإنجازات" مجرد جهد إنشائي، وكان مفهوماً أن الدول كافة اعتبرت أنه كان عليها أن تمرد العاصفة الأمريكية وأن بيان قمة تونس كان إنجازاً كافياً. لا تزال الوثيقة في حد ذاتها تصلح لاعتبارها إعلان نيات من الحكومات العربية، كما أنها في محاولتها للتكيف مع المطالب الغربية قدمت إرهاصات رؤية عربية خاصة للاستحقاقات المطلوبة، إذ اشتعل الجدل وقتئذ على "المفاهيم"، وعلى نماذج الديمقراطية وضرورة احترام الخصوصيات، كما كانت هناك حساسية عالية إزاء ما اعتبر تدخلاً خارجياً فظاً في الشؤون الداخلية، ومحاولة لفرض نماذج مستوردة لا تتناسب مع المجتمعات العربية، حاولت الوثيقة، إذاً أن تدور الزوايا لتلتقي في منطقة وسط بين الرؤيتين المتنافرتين، إذ اعتبر الجانب العربي أن الدول الكبرى مطالبة بالعمل الجاد لتحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية "من شأنها أن تعزز الإحساس بالسلام والأمن وتدعم الجهود الذاتية لشعوب المنطقة نحو التغلب على التحديات وتجاوز التداعيات الناجمة عن عهود الاستعمار وتعزز مسيرة الممارسة الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان العربية". ويذكر أن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس كررت مراراً أن الإصلاح والديمقراطية "ليسا محكومين، بانتظار تسوية القضية الفلسطينية بل يجب أن يتجاوزاها". في البند الثالث من الوثيقة وردت عبارة سريعة: "الاهتمام بالطفولة والشباب"، نعم الشباب، في حين أن وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" تتحدث بشيء من الإسهاب عن الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة لتأمين فرص عمل وتقليص معدلات البطالة، كما تشير إلى إصلاح النظم التعليمية بهدف تركيز توجهها نحو بناء قوى إنتاجية، وليس المقصود هنا الدخول في مفاضلة أو امتداح المشروع الغربي الذي ينطوي على كثير من الثغرات، فضلاً عن أنه مبني أساساً على أهداف سياسية لا يقبلها حتى أشد المتحمسين للدعوات الأمريكية، لكن ينبغي القول إن الوثيقة العربية غرقت في العموميات التي لا تعني شيئاً، فضلاً عن أنها كانت بحاجة إلى تطوير بحيث تترجم فقراتها إلى تصورات ومشاريع تنفيذية منبثقة من دراسات موجودة فعلاً وتغطي مجمل الميادين المطلوب إصلاحها، ثم إن موضوعاً مهماً مثل الإصلاح كان يستحق جهداً لوضع نوع من جدول أعمال عربي – عام – لا يتطرق إلى ما هو خاص في كل دولة – يصار إلى مراجعته دورياً ويصبح بمثابة دليل عربي للاستحقاقات المطلوبة. مع انتفاضات الشباب في العالم العربي يسود شعور بأن ثمة أجيالا عربية من الحكام والمعارضين انتهت حياتهم عملياً، لذلك سمعنا العديد من المسنين والمخضرمين يقولون إن مستقبلهم بات وراءهم وأن المعترك بات الآن ملكاً للشباب ومفتوحاً لهم وحدهم، لعل ذلك عائد إلى ثقافة حكم كرسها بعض الأنظمة بعدم اعتماده على التداول وعلى تجديد الوجوه والدماء في شرايين الدول، فكل الحكومات في العالم المتقدم تعمل بوتيرة سريعة وقلقة لأنها تعلم أن أيامها وسنواتها معدودة، وبالتالي فإن هاجسها الدائم هو أن الجيل الصاعد آت ليأخذ مكانه لا محالة ولابد لها أن تستثمر فيه وتساعده ليكمل ما بنته بل يبني عليه ويطوره، لأن سر التقدم هو المراكمة الإيجابية. كانت الدعوات الغربية، خصوصاً الأمريكية – تراجعت منذ أواخر عهد بوش، وكذلك الاهتمام بالإصلاح من جانب الحكومات العربية، فإذا بالشباب يهبون من حيث لا يدري أحد للدفاع عن مستقبلهم، لم تعد الضغوط خارجية بل داخلية، فحتى الذين يعتقدون أنهم في مأمن ينبغي أن يراجعوا سياساتهم.، وفي العراق، مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي طرحته إدارة جورج دبليو بوش بالتشاور مع الحلفاء الأوروبيين، ومعلوم أن هذا المشروع تبلور إثر ضغوط كانت واشنطن بدأت تمارسها على الدول العربية بعناوين مثل: الديمقراطية، الإصلاح السياسي والاقتصادي، احترام حقوق الإنسان، تمكين المرأة، وإتاحة العمل لهيئات المجتمع المدني. كان موعد القمة، كالعادة، أواخر مارس، وجاء وزراء الخارجية عشية المؤتمر لإنهاء التحضيرات، قبل ذلك كانوا التقوا في القاهرة وناقشوا مسودة وثيقة يفترض أن تكون بمثابة رد عربي إيجابي على الدعوات الغربية، ولم يتفقوا حينذاك على الأفكار الرئيسية فقرروا صياغتها مجدداً واستكمال النقاش قبيل القمة، وهذا ما حصل، إذ شرعوا في وضع اللمسات الأخيرة على ما سمي "بيان مسيرة التطوير والتحديث والإصلاح"، إلا أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي لم يكن راضياً على وتيرة النقاش والصياغات المزمعة فأوفد نائب وزير الخارجية الذي دخل على الوزراء وأبلغهم أن اجتماعهم انتهى لأن تونس لا تستطيع استضافة القمة إذا لم تتخذ مواقف واضحة في مسألتي الديمقراطية والإصلاح. استمرت الأزمة الناجمة عن هذا التصرف التونسي غير الدبلوماسي بضعة أسابيع، وأمكن عقد القمة أواخر مايو، بعد حل الإشكالات المتعلقة ببعض مفردات الوثيقة، ومع ذلك، لم يخل الأمر من بعض الحوارات المنفعلة في اجتماع القادة، وقيل يومها إن الرئيس المصري حسني مبارك غادر تونس وهو على خصام مع بن علي، إذ كان مبارك يريد تضمين الوثيقة رفضاً واضحاً للتدخلات الخارجية في شؤون داخلية تتعلق مثلاً بالإصلاح السياسي. بعد سبعة أعوام جرت تنحية الرئيسين في ثورتين مفاجئتين لم يتجسم نشطاؤهما عناء المطالبة بـ"الإصلاح" بل ذهبوا إلى الهدف مباشرة وهو إسقاط النظام، وقد سقط في الحالين. ومنذ تلك القمة في تونس دأبت القمم التالية في الجزائر والسودان والرياض والدوحة وسرت على درس التقارير الواردة من مختلف الدول بشأن ما أنجزته في مجالات "التطوير والتحديث والإصلاح"، لكن هذه العملية راحت تتم على نحو روتيني، بالأحرى شكلي، من دون التدقيق في مدى التقدم أو في مصداقية المعلومات التي توفرها الدول، مما جعل التقرير العام عن "الإنجازات" مجرد جهد إنشائي، وكان مفهوماً أن الدول كافة اعتبرت أنه كان عليها أن تمرد العاصفة الأمريكية وأن بيان قمة تونس كان إنجازاً كافياً. لا تزال الوثيقة في حد ذاتها تصلح لاعتبارها إعلان نيات من الحكومات العربية، كما أنها في محاولتها للتكيف مع المطالب الغربية قدمت إرهاصات رؤية عربية خاصة للاستحقاقات المطلوبة، إذ اشتعل الجدل وقتئذ على "المفاهيم"، وعلى نماذج الديمقراطية وضرورة احترام الخصوصيات، كما كانت هناك حساسية عالية إزاء ما اعتبر تدخلاً خارجياً فظاً في الشؤون الداخلية، ومحاولة لفرض نماذج مستوردة لا تتناسب مع المجتمعات العربية، حاولت الوثيقة، إذاً أن تدور الزوايا لتلتقي في منطقة وسط بين الرؤيتين المتنافرتين، إذ اعتبر الجانب العربي أن الدول الكبرى مطالبة بالعمل الجاد لتحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية "من شأنها أن تعزز الإحساس بالسلام والأمن وتدعم الجهود الذاتية لشعوب المنطقة نحو التغلب على التحديات وتجاوز التداعيات الناجمة عن عهود الاستعمار وتعزز مسيرة الممارسة الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان العربية". ويذكر أن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس كررت مراراً أن الإصلاح والديمقراطية "ليسا محكومين، بانتظار تسوية القضية الفلسطينية بل يجب أن يتجاوزاها". في البند الثالث من الوثيقة وردت عبارة سريعة: "الاهتمام بالطفولة والشباب"، نعم الشباب، في حين أن وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" تتحدث بشيء من الإسهاب عن الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة لتأمين فرص عمل وتقليص معدلات البطالة، كما تشير إلى إصلاح النظم التعليمية بهدف تركيز توجهها نحو بناء قوى إنتاجية، وليس المقصود هنا الدخول في مفاضلة أو امتداح المشروع الغربي الذي ينطوي على كثير من الثغرات، فضلاً عن أنه مبني أساساً على أهداف سياسية لا يقبلها حتى أشد المتحمسين للدعوات الأمريكية، لكن ينبغي القول إن الوثيقة العربية غرقت في العموميات التي لا تعني شيئاً، فضلاً عن أنها كانت بحاجة إلى تطوير بحيث تترجم فقراتها إلى تصورات ومشاريع تنفيذية منبثقة من دراسات موجودة فعلاً وتغطي مجمل الميادين المطلوب إصلاحها، ثم إن موضوعاً مهماً مثل الإصلاح كان يستحق جهداً لوضع نوع من جدول أعمال عربي – عام – لا يتطرق إلى ما هو خاص في كل دولة – يصار إلى مراجعته دورياً ويصبح بمثابة دليل عربي للاستحقاقات المطلوبة. مع انتفاضات الشباب في العالم العربي يسود شعور بأن ثمة أجيالا عربية من الحكام والمعارضين انتهت حياتهم عملياً، لذلك سمعنا العديد من المسنين والمخضرمين يقولون إن مستقبلهم بات وراءهم وأن المعترك بات الآن ملكاً للشباب ومفتوحاً لهم وحدهم، لعل ذلك عائد إلى ثقافة حكم كرسها بعض الأنظمة بعدم اعتماده على التداول وعلى تجديد الوجوه والدماء في شرايين الدول، فكل الحكومات في العالم المتقدم تعمل بوتيرة سريعة وقلقة لأنها تعلم أن أيامها وسنواتها معدودة، وبالتالي فإن هاجسها الدائم هو أن الجيل الصاعد آت ليأخذ مكانه لا محالة ولابد لها أن تستثمر فيه وتساعده ليكمل ما بنته بل يبني عليه ويطوره، لأن سر التقدم هو المراكمة الإيجابية. كانت الدعوات الغربية، خصوصاً الأمريكية – تراجعت منذ أواخر عهد بوش، وكذلك الاهتمام بالإصلاح من جانب الحكومات العربية، فإذا بالشباب يهبون من حيث لا يدري أحد للدفاع عن مستقبلهم، لم تعد الضغوط خارجية بل داخلية، فحتى الذين يعتقدون أنهم في مأمن ينبغي أن يراجعوا سياساتهم.

560

| 21 فبراير 2011

النهايات صعبة والبدايات أصعب

كانت فعلاً ثورة مصرية، بكل خصوصياتها وتفاصيلها، بأفراحها وآلامها، كأنما مصر استفاقت يوم 25 يناير فإذا شعبها شعب آخر، انكسرت حواجز الخوف والصمت، وكوابح الأقدام والتضحية. استيقظت فجأة القيم الإنسانية الطيبة، وكأن هذا الشعب يكتشف نفسه من جديد، كأن الثلاثين عاماً التي مرت لم تغير طبيعته، فإذا بالملايين في الشارع يلتقون ويهتفون كما لو أنهم دربوا لاحترام الهدف الذي جاء بكل واحد منهم إلى هذا الميدان أو ذاك، في القاهرة أو الإسكندرية أو السويس والإسماعيلية. مرت الأسابيع الثلاث كأنها فترة علاج نفسي لابد منه، للانعتاق من الكابوس، والخلاص من محنة طال أمدها، كان أروع ما في هذه الثورة استيلادها الدينامية ذاتياً، وشحذها الوعي والإصرار والعناء، رغم قمع الأيام الأربعة الأولى وإرباكات الأيام الأربعة عشر التالية، وصولاً إلى لحظة انفجار الفرح. ثمة قيمتان انبثقتا من هذه التجربة العظيمة: قوة الشعب التي لم يعد في إمكان أي نظام أن يتجاهلها أو يحتقرها، وانضباط الجيش في واحد من أصعب الاختبارات التي يمكن أن يتعرض لها أي جيش، أما القيمة الأخرى المستعادة فهي مصر التي في خاطر كل عربي، فهي لم تبدد الخيبات الكثيرة التي أقحمت العرب فيها على مر العقود الماضية فحسب، وإنما أعاد افتخارها بنفسها افتخار العرب بها. هذه سنة عربية تدخل التاريخ، وهذه سنة عربية يفترض أن تدخل العرب في روح العصر، فالأنظمة المزمنة استطاعت أن تهلك وتستهلك بضعة أجيال ظن أبناؤها أن حتى أبناءهم لن يروا يوماً مشرقاً كالذي أصبحت عليه تونس ثم مصر، أو كالذي ستصبح عليه هذه أو تلك من بلدان العرب، فإذا بهم يغالبون دموع الأسى بدموع الفرح وهم يشهدون أن الغمة يمكن أن تنقشع عن الأمة، عاشوا كأنهم ما عاشوا إلا لهذا اليوم، وجاءهم الفرج من الجيل الذي ظنوه خائباً وجاهلاً ومعدوم الهمة. في الحالين، كان المستحيل هو الممكن، ولم يكن ممكناً التراجع إلا بعد السقوط الجلي المدوي للنظام، ولوهلة عادت للإنسان ودمه وروحه وصوته قيمة غير تلك التي يحددها العسس والسجانون والبلطجية، حفظ الثوار أسماء الذين سقطوا على الإسفلت والأرصفة والكباري لكي يستطيع أترابهم أن يكملوا ويصمدوا، أن يتظاهروا ويعتصموا، وأن يحققوا الهدف، هؤلاء الأبطال بلا قادة ولا زعماء، مناضلو الـ "كي بورد"، الذين تثقفوا بالدردشة والبديهيات والأفكار العارية الطاهرة، رفضوا أن يكونوا مجرد جثث واقفة أو أجساد محنطة تسعى على غير هدى، خرجوا من ضمير الشعب. كلنا اليوم يغبط مصر على إنجازها العظيم، على شعبها الذي قدم تجربة رائدة، كما غبطنا تونس وشعبها الذي أثبت أولاً أن شيئاً لن يتحقق من دون تضحية ووعي ومثابرة، بل لا يزالان يثبتان أن الحفاظ على الإنجاز أعزب من أن يترك للسياسيين وحدهم، وإنما لابد من أشعارهم بأنهم تحت رقابة صارمة، وبأنهم لن يستسلموا من الغضب الشعبي، هذه لحظة ثمينة في عمر الشعوب والدول، وإذا لم تبن مدماكاً للمستقبل فستمضي كأنها لم تكن. ثلاثة عقود من المعاناة انتهت في غضون أسابيع، في تونس كان النظام الذي سقط هو ذاك الذي استمر يحكم ويتقلب منذ الاستقلال لكنه تحول من يد دكتاتور أبوي نظيف إلى دكتاتور عدواني فاسد، وفي مصر انتهى عملياً نموذج الدكتاتورية العسكرية الذي نشأ بعد ثورة 23 يوليو، وفي الحالين، إذن يسود منطق التأسيس، وهناك الكثير مما يجب عمله إما من نقطة الصفر كما بالنسبة إلى إعادة الاعتبار للقانون ولكرامة الوطن والشعب، وإما للتصحيح في مختلف القطاعات، هنا وهناك ينبغي الانتهاء أولاً من وباء الفساد الذي شكل نزيفاً دائماً للموارد والمساعدات، وسرقة يومية صريحة لجهد الشعب وقوته. النهايات في عمر الدول والشعوب هي أيضا البدايات، ومن الطبيعي بالتالي أن تكون صعبة ومفعمة بالتحديات، لابد للشعب أن يستشعر التغيير بسرعة، ولابد لهذا التغيير أن يتناسب وينسجم مع الروح الجديدة التي بثتها الثورة في النفوس، سمعنا مصريين وتونسيين عاديين يقولون إنهم تنفسوا الصعداء أخيراً مع أنهم يعيشون في المكان والبيئة ذاتيهما، سمعناهم يؤكدون أنهم لمسوا أخيراً أن أصالتهم بقيت سالمة ولم يستطع الحكم الظالم أن يمسها، لا بطول مكوثه فوق صدورهم ولا بقسوة المعاملة التي لاقوها من أجهزته وأعوانه، كل ذلك له مغزى عميق في تاريخ الأمة، كل ذلك يحفز كل شعبه على إنهاء معاناته، لتكون هذه الثورات بداية لعصر عربي جديد، عصر الشعوب، عصر الحرية والحكم الرشيد، وعصر دولة القانون للجميع، هذا هو الرهان الآن، وكل تراجع أو تأخر أو تلك لن يكون لمصلحة أحد، لا للشعب ولا للنظام المكابر. لا يمكن لأحد أن ينفي أو يستبعد كلياً أن ثمة دوراً خارجياً قد يكون لعب على هذا المستوى أو ذاك، وفي هذه اللحظة أو تلك، لكن أحداً لا يستطيع القول إن الونسي محمد البوعزيزي أحرق نفسه، بالتواطؤ مع أي جهة، أو أن حرقه شعبه وردود الفعل على تضحيته بنفسه كانت من تدبير أي جهاز استخباري مهما طال باعه وعظم شأنه، ولم يكن أصدقاء المصري خالد سعيد عملاء لأي جهة حين صرخوا وكتبوا ضد اغتياله المدبر، ولم يكن هناك أحد إلى جانب المصرية أسماء محفوظ عندما صورت نداءها إلى أترابها كي يشاركوها التظاهر والمطالبة بإسقاط النظام، كانت تعرف المخاطرة وأقدمت عليها بإملاء من ضميرها، من صرخة النقمة في أعماقها. هؤلاء الشباب برهنوا أن كل شيء يتقرر في الداخل أولاً وأخيراً، ولو كانت هناك أيدٍ أجنبية لما رأينا الشعب يهب جميعاً لنصرة أبنائه والسير وراءهم مهما كلفه الأمر، أما الخارج الذي كان يتكرم بنصائح الإصلاح والتغيير على آذان يعرف مسبقاً أنها صماء، فوجد نفسه أمام وضع جديد ومفاجئ لا يمكنه سوى التعامل معه بحقائقه لا بالأفكار المسبقة التي كانت تميل دائماً إلى الاعتقاد بأن شعوب العرب ماتت ولا قيامة لها. وبمعزل عما إذا كانت الظاهرتان المصرية والتونسية ستعمان العالم العربي أم لا، فإنهما وفرتا كل الدروس الضرورية لمن يريد أن يتعلم ويعمل.

1322

| 14 فبراير 2011

"ثورة" مصرية تنهي نمط القنوط

إلى حد فاق كل تصور، شدنا الحدث المصري وأدهشنا، ولا يزال، وبمقدار ما كان الحدث التونسي رائدا وملهما، بمقدار ما تحول ميدان التحرير في القاهرة مصهرا للمثابرة، والدفع الذاتي والقوة المسالمة، حتى الصين حتى روسيا، استشعرتا الخطر الذي قد يكون كامنا الآن في مجتمعيهما، لكنه مرشح لأن يتفجر في أي لحظة، ثمة أساطير وخرافات كثيرة سقطت في برهة من الزمن، بعدما كانت ساهمت في صنع "استراتيجيات" دولية وإقليمية يتبين الآن أنها بنيت على عمليات تضخيم، بل ربما على أوهام. من الخارج، ورغم الجهد الكبير الذي بذلته الفضائيات بقيت الصورة متأثرة بالتبسيط، وتهيمن عليها العموميات، أما الحقيقة فكمنت دائما داخل الحشد، وظلت تضع على الأرض، لم يستطع أحدنا أن يستكنه اصالة المواقف، لأنها للمرة الاولى تتبلور بأنماط غير مسبوقة من النقاش والشفافية. طالما اننا لم نكن إزاء حركة سياسية معروفة يمكن التكهن بردود افعالها وحدود طموحاتها، فكلما بان الأمر معقدا جاء الرد من الشارع واضحا وبسيطا لا لبس فيه، وكلما بان الامر مغريا بالتراجع والمساومة جاء الرد حازما،ـ وكلما بان الأمر موحيا بأن الحشد قارب التشرذم والتفرق لا يلبث أن يفاجئ نفسه والجميع بالدعوة الى تظاهرات مليونية وبأن هذه الدعوة تلبى. الشيء الوحيد الذي كرر فيه التاريخ نفسه كان أن مصر إذا تحرك عمقها فلن يهدأ إلا إذا أدرك الهدف، وإذا خرجت إلى الشارع فلن تعود منه إلا إذا نالت مطلبها، هذا واقع وحقيقة وتاريخ، لكن مراصد الاستشراف في الداخل كما في الخارج أخفقت في استشعاره وتوقعه، بدت لها الاحتجاجات وعمليات القمع، الممعنة في الشراسة والبلطجة وكأنها مجرد نمط لا رجاء فيه، حتى انه مل من تكرار نفسه، حتى انه غرق في قنوط يصعب علاجه، لم ينتبه أحد، لا النظام ولا حزبه ولا الاحزاب الأخرى المعارضة، الى العاصفة التي كانت تتجمع لتهب دفعة واحدة وكان أروع ما فيها ان احدا لا يعرف حتى الآن من صنعها، وكل ما عرف هو أن شيئا ما حصل يوم 25 يناير وبدا فجأة كأن مصر كلها ضربت ذاك اليوم موعدا لنفسها. بعد أكثر من أسبوع عندما حست الحاجة الى الحوار، كان المشهد مذهلا، بل كان ما سمعناه اكثر اذهالا، احزاب معارضة تقليدية تتزاحم للدخول في حوار مع السلطة لكنها خائفة ومترددة مثلها مثل السلطة، الخوف من الاتفاق على تسوية لا يمكن بيعها للشارع، طالما ان هذه الاحزاب ليست هي من يحركه والتردد تجنبا للانكشاف امام الشارع، أما الاكثر اذهالا فهو ان السلطة والاحزاب لا تعرف قيادة لهذه الثورة يمكن ان تدعى الى حوار، هل هي الثورة الأولى في التاريخ تشتعل ولا قائد أو قادة لها؟ هل هذا هو نمط الثورات الجديد في مسار العولمة؟ الأكيد أن المساندة الوحيدة، الصلبة والحقيقية التي نالتها جاءت من الخارج، بمعزل عن الأسباب والدوافع، فكل الرسائل والتحذيرات والنصائح كانت تدور حول معنى واحد، لا للقمع.. علما بأن اصحاب هذه النصائح من أمريكيين وأوروبيين راكموا تراثا كثيفا من المديح للنظامين المصري والتونسي لانهما اتقنا الشدة في القمع حتى اصبح الوظيفة الوحيدة التلقائية لجهاز الأمن. كان القمع مقبولا، بل مطلوبا ومرحبا به لأن النظام وأصدقاءه الخارجيين تصوروا ان ثمة لعبة واحدة في مصر، اسمها "الإرهاب" أو "التطرف" أو "الإسلاميون"، وأخيرا "الاخوان المسلمون". لم يقل النظام أنه في حملته ضد هؤلاء سحق في طريقه الآخرين، جميع الآخرين، أما الأصدقاء الخارجيون فلم يهتموا لـ"الأضرار الجانبية" معتبرين أنها لابد منها إذا كان الهدف الرئيسي يتحقق، وفي أي حال هذا ما أقدموا عليه هم أيضا في العراق، وقبله في أفغانستان، وفي باكستان، لكن لهذا السبب تحديدا، لم تنجح الدعوات الأمريكية الملحة الى الاصلاح والديمقراطية وها قد جاءت الآن هذه الثورة بلا قيادة من خارج السياسة التقليدية، من خارج التيار الاسلامي، ولم تطالب بالاصلاح فقط، بل استوعبت الجميع عندما ابرزت مطلبا واحدا: إسقاط النظام. وسواء سقط هذا النظام بالطريقة التي تريدها جماعة الثورة، أو بأي طريقة قريبة إليها فإن سقوطه الفعلي حصل وانجز عندما انكسرت حواجز الخوف والصمت التي أقامها على مر السنين، غدا هناك كم هائل من الدروس التي يتوجب استيعابها في غضون لحظة زمنية خاطفة، إذا أراد النظام أن يبقى ليشرف على التغيير، بل غدا هناك كم هائل من الاستحقاقات المطلوبة، وهي بديهية وطبيعية لكنه كان يطمسها ويتجاهلها، فإذا به مجبر الآن على تلبيتها والوفاء بها، كما لو انه لم يعد هو نفسه، كما لو أنه استفاق فجأة من سبات عميق ليجد أنه ازاء وضع مشفر ولا يعرف كوداته. الدخول في الإصلاح يفترض احتمالين كلاهما صعب: إما أنه عالم مجهول سيؤدي التصرف إلى كل من معالمه والتعامل معه الى صراعات لا حصر لها، واما انه واضح لكن النظام كان يتفاداه رافضا كل ما يجد من هيمنته وتسلطه، لن يكون عسيرا ان تزال التشوهات المفتعلة التي تعرض لها الدستور وبعض القوانين، خصوصا تلك المتعلقة بالحريات ومباشرة الحقوق السياسية، بل لن يكون عسيرا تفعيل القوانين الجديدة، لكن المعضلة الاصعب هي الاعتراف بوجوب ترسيم الحدود بين السلطة والمجتمع، بين النظام والحزب الحاكم الذي ينبغي ألا يعود حاكما كما هو الآن وكذلك بين السلطات، أي أن مصر باتت مدعوة، منذ 25 يناير، إلى التخلص من ثقافة متكاملة نشأت غداة سقوط الملكية ورفعت شعارات لم تتمكن من تحقيقها وهي الآن متجهة إلى نمط لابد من بنائه، انطلاقا من نقطة الصفر، إذا كانت الديمقراطية هي الطموح.

408

| 07 فبراير 2011

التغيير تحت ضغط الشارع

كان واضحا ليل "جمعة الغضب" أن الرئيس حسني مبارك بلغ خيارات لم يعلن عنها في خطابه المتلفز، ورغم أن الجزء المهم في خطابه بقي في العموميات إلا أنه عرض عناوين القناعات التي انتهى إليها ولم يكن متوقعاً أن يفصح عنها، تحديداً لأن النظام بمؤسستيه السياسية والعسكرية، أقر ضرورة أن يأتي التغيير من داخله، والأهم أن يكون مبنياً على تصميم أكيد على القطع مع أنماط السياسة المتبعة حتى بداية الانتفاضة الشعبية، وما يفترض أن يكون الآن صحوة في عقل النظام وقلبه لابد أن يكون أيضا انطلاقة لنقد ذاتي سريع وقاس بل جراحي داخل مؤسساته وبالأخص داخل الحزب الحاكم. فما حصل يمكن أن يمهد لإصلاح يعصرن النظام نفسه ويرسم الحدود بينه وبين الحزب، وإلا فإنه سيمهد للانتفاضة التالية التي ربما تأتي على نحو أكثر دموية ومأساوية. شكل اللجوء إلى الشخصيتين العسكريتين القريبتين إلى الرئيس، عمر سليمان نائباً للرئيس وأحمد شفيق لرئاسة الحكومة، ملئ بالرسائل الموجهة إلى الداخل كما إلى الخارج، وأهمها أن النظام مستمر لكن بسياسات مختلفة ووجوه جديدة، ورغم أن تعيين سليمان تطابق مع توقعات دائمة ومؤجلة، إلا أن توقيته فتح الأبواب لتكهنات وأهمها أن مرحلة انتقالية بدأت فعلا، وأن مبارك ربما يعزف عن ترشيح نفسه لولاية سادسة، أو لعل وجود نائب للرئيس يتيح له التنحي في أي وقت، أما رئيس الحكومة الجديد فسيعتمد على سمعته الجيدة لاشاعة مزاج سياسي جديد في البلد، ويتوقع ألا يتأخر في الإعراب عن رؤية مختلفة لإدارة شؤون الاقتصاد والتنمية وتصحيح العلاقة بين الدولة والمجتمع. قدر الانتفاضات أن تترك آثاراً مؤسفة، أن تحفر تفاصيل غير مستحبة، بل شاذة – في الذاكرة-وما حدث في "جمعة الغضب" وعم مختلف أنحاء مصر كان بوجهين: احتجاج سلمي أصيل قوبل بمختلف أدوات القمع، ثم أعمال حرق ونهب وتخريب خلال الوقت المستقطع –الطويل- بين انسحاب الشرطة ونزول الجيش. ولذلك ارتسم الخط المزدوج لأي إصلاح بأنه يجب أن يكون أمنياً وسياسياً بشكل متوازٍ، ستبقى صور القمع، كما صور الحرائق، شاهداً على هذه الهبة الشعبية في أذهان السلطة والشعب، ويجب ألا تنسى أي منهما لأن بينهما علاقة سببية. كيف؟ لأن الذين تظاهروا سلمياً وللتعبير عن تطلعاتهم يخشون فعلاً أن ينسى النظام وعوده أو بالأحرى واجباته. أما الذين عمدوا إلى الشعب فقد جاء معظمهم من قاع اليأس الاجتماعي وهؤلاء لا يعولون على الدولة أو التغيير، بل لعلهم لا يبالون أصلاً وقد يعاودون الكرة إذا سمحت لهم الظروف بذلك. كان هناك جهد واضح لتفادي السيناريو بالنسبة إلى نهاية النظام، صحيح أن الشارع قدم خلال أيام أربعة، بل خلال ساعات ما استغرق في تونس أربعة أسابيع للوصول إلى النقطة الحرجة التي تهدد بالوقوع في الفوضى، إلا أن النظام المصري عكس التونسي، بقي له من الرصيد، ما يتيح له إدارة التغيير ووضعه على مسار يمكن أن يرضي غالبية المجتمع، لكن الحال المصرية – كما أصبح واضحا-تبدو أنها تنطوي على أمراضها الخاصة المزمنة التي تستوجب معالجة معتمدة على الدولة وليس على وضع انقلابي أو ثوري أقرب إلى الفوضى، كثيرون يرفضون المقارنة بين الحالين، لاسيما في الجانب المصري، لكن الواقع يظهر أن النظام القائم كان شوه المقاييس والمعايير حتى لم يعد ممكنا التمييز بين ما هو أحول وما هو انحرافات. فعندما تفصل الدساتير وتعدل لخدمة الأشخاص ورغباتهم، وعندما تسن قوانين لمصلحة الحزب الحاكم أو محاباة للنافذين فيه، وعندما يتصرف الأمن بدوافع تمييز ومحسوبية بين المواطنين تكون الدولة – أي دولة – استهزأت بالتشريع وكسرت البوصلة ولم تعد تسترشد إلا بأهواء أشخاصها. بعد التبشر –الإنذار بالعدوى التونسية، يمكن الآن التطلع أكثر إلى ما يمكن أن تحدثه العدوى المصرية، إذ أن مصر تؤثر تاريخيا في محيطها العربي أكثر من أي بلد آخر، بل ان حال الضياع والعجز والغياب الاستراتيجي التي يمر بها العربي تعزى غالبا إلى الوضع المصري، ربما يقول قائل في أن مثل هذه المقولة لم يعد ذا معنى، نظرا إلى تغييرات كثيرة طرأت على العرب، هذا صحيح جزئيا، لكن حتى الدول التي لم تعد تعول على نموذج مصري كما في السابق لا تزال دائمة الشكوى والاستياء من حال الانكماش والتراجع المصرية، إذ لا تستقيم استراتيجية عربية في أي شأن إلا إذا استطاعت مصر أن تكون ذات مشاركة رؤيوية وعملية فيها. لم يعد هناك مفر، فالتحدي القائم والمؤجل منذ زمن اسمه "الإصلاح" ومصر تعلمت الآن الدرس على حسابها ومن رصيد هيبتها، وعندما خاطب مبارك المصريين كان يعلم أن العالم كله يترقبه، وان العرب تابعوا بألم وأمل تلك الساعات الطويلة التي أمضاها النظام مصلوبا، على شاشات التلفزة، لم يتطرق مبارك إلى المسائل المتعلقة بالانتخابات، رئاسية أو تشريعية، ولم يلمح إلى مصير مجلس الشعب الحالي، كما لو أنه أراد القول إنه لم يعد معنيا بها بعد الآن، مع ذلك سواء استمر على رأس النظام أم لا، فإن السؤالين اللذين طرحا بقوة من خلال انتفاضة الشارع هما: كيف يمكن الإصلاح السياسي مع الحفاظ على الحزب الحاكم الذي صنع عمليا الفجوة التي انحفرت بين الدولة والمجتمع وبات هو نفسه مشكلة بدل أن يكون قاطرة الحل؟ وكيف يمكن الإصلاح الأمني إذا كانت حال الطوارئ لم تتمكن من التصدي لأعمال الشغب والنهب في حين أنها ساهمت على نحو مفزع في إفساد الجهاز الأمني واستخدمت للتغطية على جرائم ارتكبها أفراد منه في حق المواطنين؟.... قد يستمر النظام محتاجاً إلى حزبه، لكنه بعد هذه المحنة مدعو إلى الاعتراف بأن الحزب فقد اتصاله مع المجتمع.

404

| 31 يناير 2011

تونس اليوم التالي.. الطموح والممكن

تونس مقبلة على فترة تحولات طويلة، ولن يمكن التخلص من تركة زين العابدين بن علي بسرعة وسهولة، ليس فقط لأنه أمضى ثلاثة وعشرين عاماً في الحكم، بل لأنه كان تحول حاكما فعليا لأعوام قبل أن يحتل قصر قرطاج، لم يكتف بالأمن، وهو اختصاصه، وإنما استخدم العقلية الأمنية في إدارة السياسة في الحزب كما في الدولة، ويسري ذلك أيضاً على إدارته للاقتصاد ولمختلف القطاعات والأنشطة. ما نسمعه ونقرأه ونشاهده اليوم عن "مآثر" المافيا العائلية للنظام السابق، كان معروفاً جيداً لدى السفارات ودولها، ومع ذلك كانت هذه الدول تكيل المدائح للرئيس وإنجازاته في "مكافحة الإرهاب" علماً بأن هذه المكافحة كانت موجهة أكثر لتثبيت الحكم الفردي المستبد، خصوصاً أن تونس لم تشهد "ظاهرة إرهاب" بل أن النظام اختلقها لتبرير ممارساته، وإذ يجادل البعض بأنه استبق بروز الظاهرة وحاربها وجنب تونس ويلاتها، فإن ما ينسى هنا أن تلفيق عمليات إرهابية وتلفيق إحباطها واعتقال مرتكبيها المزعومين ثم محاكمتهم والحكم عليهم لا تشكل إنجازاً حقيقياً مجدياً، وإلا لكانت كل الدول لجأت إلى هذا الأسلوب، هناك شكوك بأن بعض الدول والأجهزة قد يكون قلّد طريقة بن علي، لكن في نطاق ضيق ومحدود، وبمستوى أقل من الافتعال، ولأهداف ودوافع مختلفة، كما شهدنا في العراق أو في المناطق الفلسطينية على أيدي قوات الاحتلال. جاء وقت راحت الدوائر الغربية، خصوصاً الأمريكية، تروّج لنموذج بن علي على أنه المرغوب والمطلوب في المنطقة العربية، وقد حاول العديد من الحكام التمثل بهذا النموذج، تكيفاً مع تلك الرغبة، وإذ قاربوا الخبرات التي أعدها بن علي للتصدير فإنهم كسواهم حتى من الغربيين اكتشفوا استحالة تطبيقها، فهذا الرجل جعل بلده وشعبه حقل تجارب للأفكار التي يغترفها من رأسه، ورغم أنه تمتع بإعجاب غربي، إلا أن مطاردته لمئات الإسلاميين الذين هاجروا قسراً إلى بلدان أوروبا، وإلحاحه على ملاحقتهم قضائياً، وعدم استجابة العواصم المعنية لهذا السعي، أحبطته إلى حد ما بمقدار ما كشفت عيوباً أخرى كثيرة اكتنفت نظامه خصوصا احتقاره للحريات وجعله تعذيب السجناء منهجا ثابتا ومستسهلا، فضلا عن شغفه الدائب بإسكات الإعلام في الداخل كما في الخارج. ثم ان الأمر لم يقتصر على الإسلاميين، بل ظهر سريعا أن أي صوت معارض مهما بلغت رزانته وعقلانيته ووسطيته غير مرغوب فيه عند بن علي، لكنه في سعيه إلى تطبيق المواصفات الغربية لـ"النظام المقبول"، راح يخترع الأحزاب المعارضة التي استخدمها كدمى يحركها كيفما يشاء، فتارة يكسبها بعض المقاعد في الانتخابات وتارة يعاقبها للإيحاء بأنها لعبة الناخبين ولا علاقة له بها، وفي النهاية لم يبق في الساحة السياسية إلا من استطاع أن يصبر ويصمد، وهم قلة لم يخطئ التونسيون في تحديد رموزها، أما إحدى الخدع الكبرى التي روّج لها النظام وتولى حزب التجمع الدستوري توليفها: فكانت ان بن علي باق عند الوعد الذي قطعه للتونسيين بأن "لا رئاسة مدى الحياة"، ولو أنه أوفى بما وعد يوم استولى على الحكم في 7 نوفمبر 1987 لكان يفترض أن يخلي كرسي الحكم منذ عام 2004، لكن الخدعة اقتضت أن ينظم حزبه، كلما اقتربت الانتخابات حملة لمناشدته بأن يتنازل ويقبل بولاية رئاسية أخرى، ثم ان البرلمان يجتمع خلافا لرغبته ورغما عنه فيقر تعديلا دستوريا يتيح له الترشيح لمرة رابعة وخامسة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. على خلفية كهذه ينبغي أن تجد تونس سبيلها إلى نظام سياسي جديد، ولذلك تبرز المصاعب، بل لذلك ارتسمت وضعية المستحيل التي وجدت نفسها بمواجهتها، فالشعب المحتج على حق، والحكومة الانتقالية على حق، الشعب محق تماما برفض كل رموز العهد السابق ورجاله، فهؤلاء كانوا مشاركين راغبين وليسوا مرغمين، وإذا كان المأخذ على المعارضين قلة خبرتهم فإن المأخذ على الموالين أن خبرتهم أوصلت البلد إلى الكارثة، وإذا كانت ذريعة الاستعانة بوجوه من الحزب الحاكم لأنه يتمتع حاليا بغالبية ساحقة في البرلمان فإن هذا البرلمان انتخبه صوت واحد لا غير هو صوت الرئيس المخلوع كان ممكنا وضروريا، أن يؤتى بشخصيات مستقلة محترمة يزخر بها المجتمع التونسي والأهم أنه يثق بها تحديدا في المرحلة الانتقالية التي يفترض أن توضع فيها قواعد اللعبة للمرحلة التالية، أما لماذا تعتبر هذه الحكومة محقة أيضا بالإصرار على تسيير عجلة البلاد والحكم، فلأن الواجب الأول الذي فرض نفسه في اليوم التالي لرحيل بن علي هو إعادة النظام والأمن، ولو استمرت الفوضى فإنها كانت ستحتم قفز العسكر إلى الحكم، وهو ما لم يبد الجيش راغبا فيه أساسا، إذ انه ترعرع على عقيدة جمهورية نظيفة تدعوه إلى البقاء في الثكن وعدم الخروج منها إلا لواجب الحفاظ على هذه الجمهورية ومنع الجنوح نحو الفوضى والاقتتال الأهلي. قد يكون بن علي، في صعوده ثم في سقوطه، كتب نهاية حزب التجمع الدستوري، ولا يبدو الثمن الذي دفعه هذا الحزب خلال أسبوع على رحيل الرئيس المخلوع سوى دفعة أولى، وها هو الآن أشبه بجسم كبير فارغ يضطر أعضاؤه إلى التبرؤ منه وإنكاره. فما بدأ في تونس على أنه انتفاضة اجتماعية من أجل الخبز والعمل، ساهم القمع والتقتيل في جعله ثورة لم تسقط الحاكم فحسب، بل هي في طريقها لتثبيت سقوط حكم الحزب الواحد، ولا يعرف تماما ما سيحل بهذا الحزب الذي عاش طوال أعوام على تماهيه الكامل مع الدولة، فالدولة هو وهو الدولة، والدولة حاكم فرد اضطر للمغادرة. وسواء أجريت الانتخابات المقبلة بعد ستة أشهر أو أكثر فسيكون من الصعب على أيا كان أن يترشح تحت راية التجمع الدستوري، وحتى الحزب الذي سيرأسه باسم آخر سيجد صعوبة في إقناع الناخبين بأنه تطهّر كليا من تركة الفترة الاستبدادية. هذه المرحلة الانتقالية لابد منها، ومن الأفضل لأنصار "الثورة" أن يشاركوا بأي شكل في وضع القواعد ليتمكنوا من المشاركة في التجربة وفي تطويرها، فالنظام الجديد لن يولد من الانتخابات المقبلة، وإنما سيبدأ التعريف بملامحه الحقيقية في الانتخابات التالية إذا أمكن للحياة السياسية ان تمضي هادئة وسلمية في بحثها عن الثبات والاستقرار.

659

| 24 يناير 2011

"ثورة البوعزيزي" في عصر الفضائيات والمدونات

السنة العربية الجديدة بدأت سيئة في الإسكندرية مع مذبحة الكنيسة، لكن أحداث تونس شكلت تحولاً إيجابياً بالغ العمق والتأثير، ولا مقارنة بين الحدثين لكن وقوعهما في فترة زمنية واحدة كان لافتاً، خصوصا أنهما استنهضا الحس الوطني وطرحا تحديات على الدولة هنا وهناك. في الوقت الذي يكثر الكلام الغربي، الأمريكي تحديداً، عن خطر سقوط أنظمة تحت ضغوط الإرهاب، تبين أن هذا الإرهاب ربما يكون "أهون" المخاطر بسبب هامشيته وفوضويته، وعدم ارتكازه على أهداف بعيدة المدى أو على أجندة إدارة وحكم، أي أنه ببساطة لا مستقبل له مهما سفك من دماء. الخطر على الأنظمة، إذن، هو من داخلها، كذلك من الأخطاء والإهمالات التي ترتكبها ثم تتركها تتراكم فلا تعود قادرة على تصحيحها ومعالجتها، الخطر يأتي أيضاً من المفاهيم والمنطلقات التي يبنى عليها الحكم، فكلما كانت غير موائمة للمجتمع عمقت الهوة بين الحاكم والمحكوم، ولا يمكن للجهاز الأمني وحده أن يجسّر هذه الهوة أو يردمها، لأنه يساهم أساساً في حفرها ومع الوقت تنشأ له مصلحة في بقائها، والخطر يأتي أخيراً من إلغاء السياسة وقتلها وتحويل الرأي الآخر إلى عدو يجدر التربص به وشل حركته. في النموذج التونسي الذي انهار أمام عيون العالم المندهش وغير المصدق، افتقد النظام في اللحظات الحرجة أي أداة للتواصل مع الناس، إلا أنه أدرك أنه هو من كان ألغاها منذ زمن، فلا الحكومة ولا البرلمان ولا الأحزاب الموالية أو المعارضة ولا هيئات المجتمع المدني استطاعت أن تقدم أي مساهمة، ناهيك عن الإعلام المحلي المقيد أو الإعلام الحكومي الموجه. لم يتوقع أحد أن يكون الشاب الجامعي العاطل عن العمل محمد البوعزيزي قد اختصر تونس كلها، بلداً وشعباً، لحظة أقدم على إحراق نفسه معلناً أن يأسه ونقمته وغضبه أصبحت فوق كافة الاحتمال، ولم يكن النظام التونسي نفسه يتوقع أن يختزل بشرطي بلدي استخدم موقعه السلطوي لإهانة البوعزيزي ومنعه من استخدام عربة متنقلة لبيع الخضار والفواكه، لكن هذا واقع الحال الذي كانت تونس آلت إليه، ومع ذلك فإن أشد الطامحين تفاؤلاً لم يعتقد أن تلك اللحظة في سيدي بوزيد ستكون حاسمة في تاريخ البلد. طوال عقدين ونيف، تعرض آلاف التونسيين لكل أنواع الإساءات، من سجن وتعذيب وتنكيل وقتل ونفي وقطع أرزاق، وتعرض الشعب برمته لكل أنواع الاحتقار وتزوير الإرادة، هذا شعب نشأ كما سمحت ظروفه وتميز بحس مدني رفيع وذائقة ثقافية منفتحة وتعددية سياسية معتدلة ومتسامحة، حتى الإسلامي فيها، كان النظام يعرف مجتمعه جيداً لكنه تجاهل حقائقه وعامله كما لو أنه عصابة من الرعاع وشذاذ الآفاق، فكل من لا ينتمي إلى الحزب الحاكم ولا يكون واضح الولاء والخنوع يصنف "خارج القانون" ويصار إلى تهميشه وتهشيمه تمهيداً لشطبه. لم يكن أحد في الخارج يفهم الدوافع الحقيقية أو الواقعية التي تجعل النظام يحترف هذه القسوة غير المبررة حيال شعبه، وقد واجهت حكومات غربية وعربية عديدة نماذج من مغالاة هذا النظام في مطاردة معارضيه حتى بعد أن يختاروا النفي القسري، وإذا كان هناك تفهم في البداية لاستهدافه الإسلاميين إلا أنه بعد تصفيته هؤلاء لم يعد يميز بينهم وبين العلمانيين أو حتى قدامى الحزب الحاكم الذين راحوا يجهرون بمآخذهم على الانتهاك العلني المحموم للحريات، كان على سفراء النظام في مختلف العواصم أن يخصصوا جل نشاطهم للاحتجاج لدى الحكومات المعتمدين عندها على سطر في مقال صحفي أو على استقبال قناة تليفزيونية لأي معارض، واستحث القضاء في أكثر من دولة أوروبية للنظر في قضايا رفعتها الشعارات ضد المعارضين، لكن كل تلك القضايا لم تتوصل إلى النهايات التي يريدها النظام لمجرد أن الأدلة التي قدمها كانت ملفقة ومختلقة ولا تصلح لأي محاكمة. لكن العواصم الخارجية، خصوصاً الغربية، اهتمت بالفرص التي أوجدها النظام للاستثمار وبحوافز استنسابية، ومادام أنه جعل من مكافحة "الإرهاب" ركيزة للنشاط الأمني ومن الانفتاح الاقتصادي وسيلة للتنمية ومن رفع نسبة النمو هدفاً للدولة، فإن الشركاء الدوليين غضوا النظر عن القبضة الحديدية التي كان يعامل بها شعبه وتجاهلوا مسائل الحريات وحقوق الإنسان، بل لعلهم اعتبروا أن هذه ربما تكون الطريقة الوحيدة لكبح جماح التطرف والعنف الدينيين، حتى أنهم أكثر من ذلك راحوا يشيرون إلى تونس على أنها قدوة في هذا المجال، ولعل ما شجعهم على ذلك أن الأرقام المتداولة دولياً كانت تشير إلى اقتصاد سليم ونمو جيد، لكن فاتهم أن الأزمة المالية العالمية تفجرت في ذروة الانتعاش، وفاتهم أيضا أن البيانات المالية الوردية للاقتصاد التونسي كانت تحجب حالات فساد فائقة وتركزاً للثروات في أيدي قلة من المحسوبين على النظام وزبانيته والقريبين منه. كانت القبضة الحديد طوال ثلاثة وعشرين عاماً قادت أحزاب المعارضة (الحقيقية) وحتى مختلف فئات الشعب إلى البحث الدائب عن أي نوع من التوافقات أو الحلول الوسط مع النظام، وسط مناخ عام ينطلق من أن هذا حكم ميؤوس منه. ظلت المعارضة تخفض من سقوف توقعاتها آملة ولو بأي رمق من الإصلاح أو تعديل في الغلو الاستبدادي، أما المجتمع نفسه فبدا كأنه مستعد للمساومة الكبرى، خذوا كل الحقوق والحريات واتركوا لنا لقمة العيش، ووسط مجموعة من حديثي النعمة الذين راحوا يزدادون بل يفحشون في الثراء، زاد الفقراء فقراً، وراحت الطبقة الوسطى تتآكل وتنهار علما بأن النظام نفسه كان يشير إلى هذه الطبقة ويفاخر بأنه يدعمها ويعتمد عليها في الحفاظ على استقرار الاقتصاد التونسي، لكنه لم يستطع أو لم ينتبه إلى أحوال هذه الطبقة وسط جشع المنتفعين الذين ظن أنهم يشكلون دعامة قوية لبقائه في السلطة. إلى الثغرات الكارثية التي أظهرتها حال الاقتصاد والأخطاء في خيارات التنمية، جاء المقتل الآخر للنظام من عدوه رقم واحد: الإعلام. إذ لم يفطن إلى التطورات التقنية التي اخترقت الحواجز رغم أنه جهد لمقاومتها بالحجب والتشويش والرقابة الشديدة، كان للفضائيات والإنترنت دور حاسم في "ثورة البوعزيزي"، ليس فقط في تغطيتها وتسليط الضوء على وقائعها وتأمين التواصل بين فئات تونس ومناطقها، وإنما خصوصا في تظهير جوهرها السياسي الذي أنكره النظام وحاول طمسه وعندما أدركه واعترف به كان الأوان قد فات، فما كان للشارع أن يبقى على ثباته وإصراره طوال خمسة أسابيع لولا الإعلام الذي كان التونسيون ظنوا أنه خذلهم إلى الأبد بفعل المضايقات التي أتقن النظام ممارستها بلا كلل، لكنه سقط أخيراً وهو يحاول استمالتها لمساعدته وقد جاء سعيه هذا متأخراً أيضاً، كان مؤثراً سماع أصوات التونسيين إذ يبدأون أي مداخلة إعلامية بالقول: شكراً..

442

| 17 يناير 2011

جيش العراق في ظل "الفدرلة"

من المؤكد أن "عيد تأسيس الجيش العراقي" يتمتع باحترام خاص لدى العراقيين، ورغم أنهم كانوا يحققون طريقة النظام السابق في الاحتفال به، وكيف أن الرئيس السابق كان يتصرف بالجيش ويوظفه في مغامراته، إلا أن العراقيين بمن فيهم المعارضون السابقون كانوا يبدون دائماً اعتبارات تميز هذا الجيش عن النظام نفسه. منطقياً، كانت الشفافية السياسية تفترض، لو توافرت، ألا تعلن الحكومة العراقية أن العرض العسكري الذي أقيم يوم الخميس الماضي كان احتفالاً بالذكرى التاسعة والثمانين لتأسيس الجيش العراقي، وذلك لسبب بالغ الوضوح، ففي عرف الحكام الحاليين لا ينتمي الجيش الحالي إلى الجيش السابق، ولأنهم هم الذين طلبوا من واشنطن قبل الغزو، ثم من سلطة الاحتلال، أن تحل ذلك الجيش، بل ألحوا على حل الدولة بمؤسساتها كافة، وهكذا فإن مخططي تغيير النظام، من الجانبين، قرروا مسبقاً إعادة تأسيس الدولة وأمنها انطلاقاً من الصفر. حسن، وبغض النظر عن خطأ هذا القرار أو صوابه، فإن واقع العراق بعد سبعة أعوام على الاحتلال كافٍ للحكم عليه، لكن الأكيد أنه لم تكن هناك خطط جاهزة لتنفيذه، رغم هوله وخطورته، ومع افتراض أنه القرار الصحيح، فكيف يستقيم لدى الحكام الجدد أن يلحقوا الجيش الجديد بذاك القديم الذي عاملوه بمهانة أشد من الذل الذي أنزله به النظام السابق، كانت الحجة الأقوى للتخلص من الجيش أنه بعثي، ومن الدولة أنها مبنية على ثقافة البعث، لكن حتى صدام حسين كان يعرف أن جيشه ليس بعثياً ولا مؤسسات الدولة بعثية، وإنما كان البعث يحكم الجميع مختزلاً بقرار رجل واحد، كان عشرات من الضباط هربوا إلى الخارج وتوزعوا على فصائل المعارضة ثم دخلوا معها من الكويت والأردن، وقد استخدموا للاتصال بمئات آخرين بقوا في الداخل، ثم جرى الاستغناء عنهم، إلا قلة استعان بها الحكام الجدد. في المرحلة الأولى، بعد الاحتلال، لم يكن الأمر يتعلق ببناء جيش جديد، وإنما بإنشاء ميليشيات تمهيداً لتقاسم النفوذ في مختلف أنحاء البلد، أما نهاية الجيش السابق فلم تكتبها "بعثيته"، ولا إرادة الحكام الجدد، بل إرادة الجهات التي ارتبطوا بها ونزواتها، بل على الأخص الرؤية الاستراتيجية للعراق ودوره ومكانته وفقاً لتصورات متصادمة ومتناقضة لكن متقاطعة ومتلاقية في نهاية المطاف بين ما يريده الأمريكيون و(الإسرائيليون) وما يطمح إليه الإيرانيون، بدا كأن بقاء الجيش السابق يعني استمرار العراق عربياً، بالمفهوم الذي يرفضه كل هؤلاء، بالإضافة إلى الأكراد الذين اعتبروا دائماً أن الفكر القومي العربي كان عنواناً لاضطهادهم، وبالتالي فلا عودة إليه بعد نهاية النظام السابق، لكن لا عودة أيضا لعراق موحد أرضاً وشعباً ودولة وجيشاً.. ومن أجل هذا الهدف، هذه اللاعودة، كان مرحباً بالميليشيات لأنها ذريعة التفتيت وأداته. أما مرحلة إعادة التأسيس فتأثرت ولاتزال، بالمفاهيم الملتوية التي قادت إعادة تأسيس الدولة، والنظام، وهي بدورها تأثرت بمفاعيل "الثقافة" الهجينة التي انبثقت عن ممارسات اللحظة التالية لسقوط النظام السابق، ومرة أخرى، مع افتراض أن قرار إلغاء الدولة والجيش والأمن كان صائباً، ومع اعتبار أن النهب الذي تعرضت له المنشآت الحكومية كافة وصولاً إلى المتحف والمواقع الأثرية عبر عن روح انتقامية لدى الشعب الناقم على النظام السابق، لم يكن مفهوماً لماذا شاركت القوى الوافدة مع قوات الاحتلال في عمليات النهب بعدما أصبح البلد – ولو نظرياً – تحت سيطرتها وباتت مؤتمنة على ممتلكات دولة بائدة لكن يتوجب إعادة بنائها، ومنذ باشر الحكم الجديد عهوده، لم يكن مفهوماً ايضا لماذا استشرت ظواهر الفساد على هذا النحو الفاحش والمستفحل، سواء تعلق الأمر بتسليح الجيش وقوى الأمن أو بأي أمر آخر، وقياساً على ما كان المعارضون السابقون يقولونه عن فساد رجالات النظام السابق، فإن فساد هؤلاء يبدو هزيلاً ومضحكاً إزاء فساد الجدد، ثم أن بلدان اللجوء أو المنفى الاختياري لم يسبق أن شهدت هذا العدد من حديثي الثراء بعد المرور في أروقة الحكم، فيما لايزال العراقيون يشكون من غياب الخدمات أو تدهورها. ثمة مفارقات شكلية واكبت العرض العسكري، من إقامته في المنطقة المغلقة، إلى غياب وزراء الأمن الأربعة الذين لم يعثر عليهم بعد، إلى مشاركة خليط من قطع عسكرية أمريكية إلى جانب "سوفييتية" إلى استهزاء قائد سلاح الطيران من تقارير تتكهن بـ"انقلاب" من داخل المؤسسة العسكرية التي قال إنها لن تحظى بالسلاح الأهم الذي سيؤول إلى الوحدات الخاصة لمكافحة الإرهاب، لكن الأهم كان تأكيد نوري المالكي للانطباعات العامة السائدة بشأن الجيش الجديد، الذي يفترض ألا يستكمل جهوزيته بنهاية هذه السنة مع الانسحاب الأمريكي. يراد لهذا الجيش أن يكون – حسب الطلب – محدود القوة "مهنياً"، "غير مضخم"، و"غير مسيّس"، لا يشكل خطراً على محيطه ولا يشكل محيطه خطراً عليه، لا يتوقع أن يُحارِب ولا يتوقع أن يُحَارَب، لا يعادي أحداً في الخارج بل يكفيه أعداء الداخل، لكن هؤلاء ستتكفل بالتصدي لهم قوات الأمن التي ستحصل على التسليح المناسب، وسيكون الاعتماد الأساسي عليها (وكأنها وريثة الحرس الجمهوري). هذه هي الوصفة التي تفترضها "فدرلة" العراق، ومع بلورة معالمها لابد أن أهمية الجيش ستتضاءل لأن مكانة الحكومة المركزية نفسها لن تكون واضحة الفاعلية، وكان بعض التطورات في ما يسمى "المناطق المتنازع عليها، في الشمال رسم حدوداً ولو قسرية لقدرة الحكومة المركزية، وكذلك لقدرة الجيش، ما شكل عينة لما سيكون عليه الوضع تحت "الفدرلة".

642

| 10 يناير 2011

حديث الانفصال وأحاديث التشظي والانفصام

يشعر العرب بألم شديد مع اقتراب موعد الانفصال بين شمال السودان وجنوبه، وينبغي أن يكون واضحاً ما هو المصدر الحقيقي للألم وسببه، فالأمر ليس عاطفيا فقط، ولا يتعلق بنهاية اطمئنان "قومي" إلى وجود بلد عربي شاسع المساحة غني بالموارد الطبيعية وكان يشكل في اللاوعي العربي احتياطياً استراتيجياً لـ"الأمة"، مصدر الألم ان العلل والأمراض التي اعتملت ودفعت بجنوبيي السودان إلى نشدان الانفصال هي نفسها في البلدان التي لا يشكل الانفصال أحد خيارات شعوبها وجماعاتها. في أزمنة الاقتصاد المتأزم والثروات المبددة والعصبيات المتشنجة والسياسات المتحجرة، تبرز الحاجة إلى الحكم الرشيد كعامل حاسم في عقلنة السلطات ولجم الأهواء والأشخاص تغليباً لأولوية الصالح العام، فالحديث عن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص عن التأهيل المهني وتنمية موارد التعليم والثقافة والطبابة وعن تطوير البنى القانونية ووسائل الإنتاج، ليس كلاما إنشائيا، وإنما هو في حد ذاته دعوة إلى العمل والانخراط في الحركة، لأن "الصالح العام"، لا يأتي من تلقائه، أو من فراغ، وإنما بمساهمة الجميع، بل يجب أن يستحق،أي خلل في المنظومة، أي إهمال أو ايثار أو شطط وفئوية، لابد أن تخلف جماعات مظلومة، منسية أو مضطهدة أحياناً، لا تلبث أن نشعر بأن ثمة تمييزاً يمارس ضدها، أو أنها مدعوة للرضوخ إلى إخضاع تتعرض له بسبب خصوصياتها الموروثة. ما يؤسف له في حال السودان، والصومال من قبله، وربما العراق واليمن من بعده، هو تلك الهشاشة التي انتابت ثقافة "الدولة للجميع"، لذا تحتم مع استشراء التهروء فيها أن تعود الجماعات إلى توقعاتها لتتمكن من العيش والبقاء، المؤسف أكثر أنها بعد تقوقعها تحاول إيلاء دول أو دويلات على النمط الساقط ذاته، أي مبنية على عقلية التسلط من دون اعتبار كبير لواجبات السلطة جنبا إلى جنب مع حقوقها، ولا حقوق لها إلا في إطار سعيها إلى إنصاف جميع رعاياها بلا تمييز أو استفتاء. لعل حالات السودان والعراق والصومال، ولا داعي لذكر سواها الآن، تذكر العالم العربي بأن دوله وشعوبه تعيد النظر، عن وعي كامل أو بدونه، في ظروف نشأتها وتكونها، ولذلك فهي كما ظهرت في أوضاع استعمارية وكان للقوى الخارجية دور أساسي في تطهيرها، تنتهز اللحظة التاريخية شبه الاستعمارية، الراهنة، لتشرع في ما تعتبره تصويبا لأوضاعها، شيء من بدايات القرن الماضي حتى منتصفه يستعاد الآن في تبرير نشوء الكيانات الجديدة، قد يعزو البعض هذه الظواهر إلى أن مرحلة الاستقلال ساهمت في توعية الجماعات بهوياتها وطموحاتها، وأيضا بمساهماتها وبما يحق لها لكن يجب ألا ينسى أبدا أن النمط الاستبدادي في الحكم كان العامل المرجح في فرز الجماعات، ويتحمل مسؤولية تفسخ المجتمع وعدم ارتباط جميع أبنائه بوطنهم، وبالتالي نفور البعض منهم ونقمته على استغلال مجحف لموارده، كثير من الدراسات والأبحاث أحال تلك المسؤولية بمجملها على القوة المستعمرة السابقة التي حرصت على تنصيب أنظمة تؤمن لها مصالحها وتدين لها بالاستمرار في السلطة، ثمة جانب حق في ذلك، ولعله مبرر ومفهوم في المراحل الأولى، اما ان تستمر الحال على ما هي عليه جيلاً بعد جيل، ورغم تغير الظروف وتقلب العهود وتراكم الوعي والمعاناة، فهذا مما يستعصي على أي فهم وإدراك لأبسط مغازي الاستقلال وبناء الدول. ولعل هذه الحالات، وغيرها مما لا ينذر بالضرورة الآن بوجود بوادر انفصام أو توق إلى انفصال، تذكر أيضا خصوصا بأن استشراف تشظي الدول العربية لا يبدأ الآن بمناسبة الاستفتاء السوداني على تقرير المصير، وإنما بدأ قبل عقود، بعد مرور عشرين إلى ثلاثين سنة من حقبة الاستقلالات تحديدا في السبعينيات فهذا الزمن كان كافيا لاستبيان الوجهات التي اتخذتها الأنظمة في تدبير شؤونها، ولرؤية الثغرات والتمزقات المحتملة، وقد ذهب بعض مراكز البحث في الولايات المتحدة وأوروبا إلى رسم لسيناريوهات التقسيم وخرائطه، بل عمدت أحيانا إلى تصحيح توقعاتها وفقا للمتغيرات، وعندما اندلعت الحرب الأهلية منتصف سبعينيات القرن الماضي في لبنان، لم يعرف غالبية اللبنانيين لماذا وكيف طرح فريق منهم خيار التقسيم، وقد ساهم القتال في إقامة الجبهات وخطوط التماس التي راحت تتكرس كأنها حدود بين الكانتونات المرتقبة، ثم ان التهجر والفرز السكاني أديا إلى ما يشبه "التطهير الطائفي" للمناطق، وبعد غزو العراق واحتلاله، طرح مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وخرجت الخرائط من مكامنها ثانية لتشرح ما هو معني فعلا، ولم يتردد عدد من المسؤولين الأمريكيين في التصريح بأن الهدف هو إعادة رسم خريطة الشرق ما تمكن ترجمته بأن حدوداً ستتعدل وبلدانا ستخسر وحدة أراضيها الحالية. منذ احتلالها العراق لم تكن واشنطن حريصة، في مجمل مواقفها السياسية، على تأكيد التزامها وحدة أراضيه ودولته، ولا يزال كثيرون يذكرون الاستهجان الذي قوبل به موقف لجوزف بايرن، النائب الحالي للرئيس الأمريكي قال فيه "إن تقسيم العراق هو أحد الحلول لمعضلات الحكم والأمن وللصعوبات التي تواجه إنشاء نظام جديد على أنقاض النظام السابق، واقع الأمر أن العراقيين المعارضين الذين وقفوا إلى جانب الغزو الأمريكي ناقشوا احتمالات ما بعد الاحتلال وتوصلوا مسبقا إلى قناعات بأن البلد لن يبقى كما كان، وإذ توصلوا إلى تفاهم مبدئي على "الفيدرالية"، فقد تبدى أن هذا مجرد اسم تقني لــ"التقسيم"، وبناء على ذلك أيدوا إلغاء الدولة السابقة بمؤسساتها وجيشها وشرطتها ليبدأوا عمليا من نقطة الصفر". حديث الانفصال مع بداية العقد الثاني للقرن الواحد والعشرين، ربما يدشن مرحلة عربية جديدة، لكنه يدق ناقوس إنذار أخير بأن أساليب الحكم والسياسة وإدارة شؤون الناس لا يمكن أن تستمر على حالها من دون أن تفضي إلى نتائج كارثية، فعدا السودان والعراق واليمن والصومال، هناك بضع حالات أخرى تعتمل والأصعب من الانفصال أن تكون هناك حالات احتقان داخلي محكومة بأن تعالج داخلياً قبل أن تنفذ إليها القوى الخارجية لتستغلها.

499

| 03 يناير 2011

تفاعلات "ويكيليكس" وعياً ومعرفة

أخطر الأحداث وأهمها، أسوأ العلاقات بين الدول وأفضلها، أصغر الأزمات وأكثرها تعقيداً، نجدها مشرحة ومحللة في وثائق سفارات الولايات المتحدة حول العالم، ولا يتحدث السياسيون في العواصم كافة مع الدبلوماسيين الأمريكيين كما يتحدثون إلى نظرائهم من الدول الكبرى الأخرى، بل يكونون أكثر قابلية لشرح أفكارهم وعرض نياتهم وطموحاتهم وتمنياتهم آملين بتأييد واشنطن ودعمها. لم ينته هذا العقد الأول من الألفية الثالثة من دون أن يستكمل مسلسل التجارب الذي وضع الولايات المتحدة أمام امتحانها، فمن الكارثة الأمنية في 11 سبتمبر 2001م، إلى الكارثة الدبلوماسية في صيف 2010م، مروراً بحربين لم يستطع التفوق الناري المحسوم أن يضمن فيهما نصراً حقيقياً، كان على واشنطن أن تعترف بأنه ليس هناك أكثر صلابة من دولة عظمى، ولا أكثر هشاشة أيضاً منها. كانت الكارثة الأمنية، متمثلة بالهجمات الإرهابية في نيويورك، كشفت منظومة الأمن الأمريكية واستدعت مراجعة واسعة وعميقة أدت إلى زيادة غير مسبوقة للأجهزة، التي تجد مع ذلك صعوبة أحياناً في التنسيق واستخلاص خطورة الإشارات، وها هي الكارثة الدبلوماسية تستوجب إعادة نظر في أمن المراسلات وتكليف وكالة الاستخبارات وضع تشفير محدث يعصى على القرصنة والتدخلات، ورغم ذلك لا يمكن ضمان عدم التسريب. ثمة محاولات لإظهار أن تسريبات موقع ويكيليكس مجرد حادثة عابرة قد تكون نتجت عن انحراف شخص أو أشخاص، أو خروجهم على أعراف العمل وقيوده، أو انزلاقهم إلى أجندات خاصة أيديولوجية وربما نفعية، واقع الأمر أن ويكيليكس أوجدت حاجة استعلام جديدة لدى المستهلكين والمتلقين والمتطفلين والباحثين وغيرهم، هذه الحاجة وجدت نفسها فجأة أمام طوفان معلومات لا يمكنها استيعابه، لكنها معلومات ستبقى ذات قيمة خلال السنين العشر المقبلة، كونها تتعلق بأزمات بعضها مزمن ولا يبدو قابلا للحل الناجز والنهائي نظراً إلى تعقيداته وتداخلاته مع أزمات أخرى. للمرة الأولى أتيح للجمهور العريض أن يتعرف عن كثب على المواد الأولية التي تضع السياسات الأمريكية، مأخوذة مباشرة من أفواه "رجال أمريكا"، أقوالاً وأفعالاً، مطالب ورغبات وتحليلات، وهناك من كتب مثلا، إن هذه التسريبات لا تعيب صانعي القرار الأمريكيين بل تظهرهم متعاملين مع الوقائع والحقائق التي يحجمون في الغالب عن كشفها وقاية للآخرين وليس تغطية للسياسة الخاطئة، أو الملتوية، المنبثقة عن قراءة تلك البرقيات أو بين سطورها. كان لافتاً أن هذا النوع الجديد من الإعلام، أي الإلكتروني، وجد قيمة مضافة في التعاون مع النوع الأقدم، أي الصحافة المكتوبة، كانت هناك مواكبة من الإعلام المرئي والمسموع، مشفوعة بصور أرشيفية، لكن حتمية السرعة والحدثية حرمت نشرات التليفزيون من إمكان الإفادة من بحر النصوص المكتوبة التي تتعامل مباشرة مع خلفيات الأحداث وأعماقها، وفي معظم الأحيان مع تفاصيلها الدقيقة التي تتطلب شرحاً أو تحليلاً أو نبذات تاريخية. يذكر أن الموجة الأولى من التسريبات أواخر يوليو الماضي اختصت بأفغانستان وفهم منها أن أطراف التحالف الدولي تعيش أنواعاً من التناقضات بشأن الحرب وأهدافها، وأن الولايات المتحدة تعتمد على مجموعات أفغانية لا تثق بها، وأن هذه الحرب تنطوي على كمٍ هائل من التجاوزات الأخلاقية واللاإنسانية وعلى ليّ مروع للحقائق، هذا المناخ الفاسد نفسه نجده في تسريبات الموجة التالية عن العراق، أما الموجة الثالثة التي لا نزال في لججها الأولى فتظهر ذاك المناخ معمماً حول العالم. هذا اللقاء التاريخي والاستثنائي بين الإعلام الإلكتروني والصحافة المكتوبة لم يعنِ أن الأخيرة تعافت من أمراضها السياسية لترتقي إلى رحابة المهمة التي يطرحها ويكيليكس، والأكثر دلالة أن الصحافة المكتوبة الأمريكية صاحبة الشهرة الأكبر في تحليل المعلومات اختارت تعاملاً انتقائيا مع الوثائق، أو تجاهلاً انتقائياً لمضمون الكثير منها، ذاك أن الاختراق الإلكتروني دهم الصحافة المكتوبة بعدما استكانت منذ زمن للخطوط الحمر السياسية التي تحاربت معها في السابق ثم اقتنعت بالعيش ضمن حدود معينة، وإذا كان مؤسس ويكيليكس جوليان اسانج محقاً بقوله أن لا اتفاق سرياً بينه وبين إسرائيل، فإن البرهان الوحيد على ذلك سيكون بنشر وثائق عنها كما وعد، وعندئذ يمكن الحكم على أداء الصحافة المكتوبة، خصوصاً الأمريكية والفرنسية والألمانية، وما إذا كانت ستنشر ما يسر إسرائيل بالاندفاع نفسه الذي أظهرته في النشر عن بلدان عربية عدة. عدا الحاجة الاستعلامية التي زرعها ويكيليكس هناك ما هو أكثر أهمية، أي الحاجة القصوى إلى الوعي والإدراك، فمعظم الوثائق المسربة يبدي مسافة قصيرة جداً بين ما هو معروف فعلاً وما وثقته البرقيات الدبلوماسية مما يسخف تقليد حفظ هذه الوثائق لبضع عشرات السنين قبل كشفها، فهذا التقليد كان يناسب عقليات عقود سابقة وأحداثها ودبلوماسياتها وتقنياتها. ما لا نقرأه في التسريبات لكن يمكن استنتاجه بيسر، أن الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كتبوا تقاريرهم لا يعترفون، رغم السرية التي يتمتعون بها بأن معظم القضايا التي يلاحقونها بحثا عن أي جديد فيها كان في الواقع، أو في الأصل، من صنع الولايات المتحدة نفسها، وبفعل تدخلاتها المتهورة وغير المبالية بالأضرار التي تلحقها بحياة الشعوب، ولعل ذلك يتبدى خصوصاً في الآراء التي تعكسها البرقيات عن قادة الدول غير المستقرة، فرغم الصورة القاتمة التي تنقلها عن حميد كرزاي أو نوري المالكي على سبيل المثال لم تجد الإدارة الأمريكية مفراً من الاستمرار في الاعتماد عليهما، صحيح أن هذين مثالان لبلدين شهدا حربين قاسيتين، لكن ماذا عن شخصيات مماثلة في بلدان لم تشهد أي حرب منذ سنين طويلة؟ ولا يتحدث السياسيون في العواصم كافة مع الدبلوماسيين الأمريكيين كما يتحدثون إلى نظرائهم من الدول الكبرى الأخرى، بل يكونون أكثر قابلية لشرح أفكارهم وعرض نياتهم وطموحاتهم وتمنياتهم آملين بتأييد واشنطن ودعمها. لم ينته هذا العقد الأول من الألفية الثالثة من دون أن يستكمل مسلسل التجارب الذي وضع الولايات المتحدة أمام امتحانها، فمن الكارثة الأمنية في 11 سبتمبر 2001م، إلى الكارثة الدبلوماسية في صيف 2010م، مروراً بحربين لم يستطع التفوق الناري المحسوم أن يضمن فيهما نصراً حقيقياً، كان على واشنطن أن تعترف بأنه ليس هناك أكثر صلابة من دولة عظمى، ولا أكثر هشاشة أيضاً منها. كانت الكارثة الأمنية، متمثلة بالهجمات الإرهابية في نيويورك، كشفت منظومة الأمن الأمريكية واستدعت مراجعة واسعة وعميقة أدت إلى زيادة غير مسبوقة للأجهزة، التي تجد مع ذلك صعوبة أحياناً في التنسيق واستخلاص خطورة الإشارات، وها هي الكارثة الدبلوماسية تستوجب إعادة نظر في أمن المراسلات وتكليف وكالة الاستخبارات وضع تشفير محدث يعصى على القرصنة والتدخلات، ورغم ذلك لا يمكن ضمان عدم التسريب. ثمة محاولات لإظهار أن تسريبات موقع ويكيليكس مجرد حادثة عابرة قد تكون نتجت عن انحراف شخص أو أشخاص، أو خروجهم على أعراف العمل وقيوده، أو انزلاقهم إلى أجندات خاصة أيديولوجية وربما نفعية، واقع الأمر أن ويكيليكس أوجدت حاجة استعلام جديدة لدى المستهلكين والمتلقين والمتطفلين والباحثين وغيرهم، هذه الحاجة وجدت نفسها فجأة أمام طوفان معلومات لا يمكنها استيعابه، لكنها معلومات ستبقى ذات قيمة خلال السنين العشر المقبلة، كونها تتعلق بأزمات بعضها مزمن ولا يبدو قابلا للحل الناجز والنهائي نظراً إلى تعقيداته وتداخلاته مع أزمات أخرى. للمرة الأولى أتيح للجمهور العريض أن يتعرف عن كثب على المواد الأولية التي تضع السياسات الأمريكية، مأخوذة مباشرة من أفواه "رجال أمريكا"، أقوالاً وأفعالاً، مطالب ورغبات وتحليلات، وهناك من كتب مثلا، إن هذه التسريبات لا تعيب صانعي القرار الأمريكيين بل تظهرهم متعاملين مع الوقائع والحقائق التي يحجمون في الغالب عن كشفها وقاية للآخرين وليس تغطية للسياسة الخاطئة، أو الملتوية، المنبثقة عن قراءة تلك البرقيات أو بين سطورها. كان لافتاً أن هذا النوع الجديد من الإعلام، أي الإلكتروني، وجد قيمة مضافة في التعاون مع النوع الأقدم، أي الصحافة المكتوبة، كانت هناك مواكبة من الإعلام المرئي والمسموع، مشفوعة بصور أرشيفية، لكن حتمية السرعة والحدثية حرمت نشرات التليفزيون من إمكان الإفادة من بحر النصوص المكتوبة التي تتعامل مباشرة مع خلفيات الأحداث وأعماقها، وفي معظم الأحيان مع تفاصيلها الدقيقة التي تتطلب شرحاً أو تحليلاً أو نبذات تاريخية. يذكر أن الموجة الأولى من التسريبات أواخر يوليو الماضي اختصت بأفغانستان وفهم منها أن أطراف التحالف الدولي تعيش أنواعاً من التناقضات بشأن الحرب وأهدافها، وأن الولايات المتحدة تعتمد على مجموعات أفغانية لا تثق بها، وأن هذه الحرب تنطوي على كمٍ هائل من التجاوزات الأخلاقية واللاإنسانية وعلى ليّ مروع للحقائق، هذا المناخ الفاسد نفسه نجده في تسريبات الموجة التالية عن العراق، أما الموجة الثالثة التي لا نزال في لججها الأولى فتظهر ذاك المناخ معمماً حول العالم. هذا اللقاء التاريخي والاستثنائي بين الإعلام الإلكتروني والصحافة المكتوبة لم يعنِ أن الأخيرة تعافت من أمراضها السياسية لترتقي إلى رحابة المهمة التي يطرحها ويكيليكس، والأكثر دلالة أن الصحافة المكتوبة الأمريكية صاحبة الشهرة الأكبر في تحليل المعلومات اختارت تعاملاً انتقائيا مع الوثائق، أو تجاهلاً انتقائياً لمضمون الكثير منها، ذاك أن الاختراق الإلكتروني دهم الصحافة المكتوبة بعدما استكانت منذ زمن للخطوط الحمر السياسية التي تحاربت معها في السابق ثم اقتنعت بالعيش ضمن حدود معينة، وإذا كان مؤسس ويكيليكس جوليان اسانج محقاً بقوله أن لا اتفاق سرياً بينه وبين إسرائيل، فإن البرهان الوحيد على ذلك سيكون بنشر وثائق عنها كما وعد، وعندئذ يمكن الحكم على أداء الصحافة المكتوبة، خصوصاً الأمريكية والفرنسية والألمانية، وما إذا كانت ستنشر ما يسر إسرائيل بالاندفاع نفسه الذي أظهرته في النشر عن بلدان عربية عدة. عدا الحاجة الاستعلامية التي زرعها ويكيليكس هناك ما هو أكثر أهمية، أي الحاجة القصوى إلى الوعي والإدراك، فمعظم الوثائق المسربة يبدي مسافة قصيرة جداً بين ما هو معروف فعلاً وما وثقته البرقيات الدبلوماسية مما يسخف تقليد حفظ هذه الوثائق لبضع عشرات السنين قبل كشفها، فهذا التقليد كان يناسب عقليات عقود سابقة وأحداثها ودبلوماسياتها وتقنياتها. ما لا نقرأه في التسريبات لكن يمكن استنتاجه بيسر، أن الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كتبوا تقاريرهم لا يعترفون، رغم السرية التي يتمتعون بها بأن معظم القضايا التي يلاحقونها بحثا عن أي جديد فيها كان في الواقع، أو في الأصل، من صنع الولايات المتحدة نفسها، وبفعل تدخلاتها المتهورة وغير المبالية بالأضرار التي تلحقها بحياة الشعوب، ولعل ذلك يتبدى خصوصاً في الآراء التي تعكسها البرقيات عن قادة الدول غير المستقرة، فرغم الصورة القاتمة التي تنقلها عن حميد كرزاي أو نوري المالكي على سبيل المثال لم تجد الإدارة الأمريكية مفراً من الاستمرار في الاعتماد عليهما، صحيح أن هذين مثالان لبلدين شهدا حربين قاسيتين، لكن ماذا عن شخصيات مماثلة في بلدان لم تشهد أي حرب منذ سنين طويلة؟

786

| 27 ديسمبر 2010

مفاوضات وحرب بين إيران والغرب

نيوزويك : العلماء النوويين الإيرانيين على لائحة اغتيالات "الموساد" قبل أن يدخل الوفد الإيراني إلى مفاوضات جنيف مع ممثلي دول مجموعة الـ"5+1" كانت إيران أدركت أن "الحرب الباردة" عليها بدأت عملياً، وأنها لا تنفك تسخن، فعدا العقوبات الاقتصادية والمالية والعسكرية التي أصبحت في صيغتها الفعلية بالغة التشدد والاتساع، كانت إيران تعرضت لهجوم إلكتروني –فيروسي غير مسبوق ضرب أجهزة الطرد المركزي، كما أن اثنين من علمائها النوويين كانا هدفا لعمليتي اغتيال متزامنتين وبطريقة واحدة فقتل أحدهما وأصيب الآخر، ما يدل على انكشاف وجوه العاملين في البرنامج النووي وكذلك انكشاف المنظومة الأمنية لحمايتهم. في الحالين تأكدت طهران من أن اختراقا خطيرا قد حصل في منطقتها المحرمة، فمن جهة أصبح للحرب الاستخباراتية فريق عمل موجود على الأرض، ومن جهة أخرى شكل وصول دودة "ستاكسنت" الفيروسية إلى قلب المفاعل النووي بداية حرب من نوع جديد جدا قد تكون الأجهزة الأمنية الإيرانية توقعته إلا أنها ربما ظنت انها محصنة ضده، وقد استطاع هذا الهجوم السيبرناتي، وفقاً للرئيس محمود أحمدي نجاد، أن يعطل "عدداً محدوداً" من أجهزة الطرد، وتتكهن المصادر الغربية بأن هذا العدد المحدود لا يقل عن ألف جهاز من أصل خمسة آلاف كانت على وشك الدخول في دورة تخصيب اليورانيوم بدرجة أعلى. وفي الحالين أيضا ذهب الاشتباه الأول في اتجاه إسرائيل، التي ألحت دائماً على الدول الغربية، وبالأخص على الولايات المتحدة، لتغطية شن ضربات عسكرية لتدمير مختلف المحطات النووية المعروفة على الأراضي الإيرانية، لكنها جوبهت دائما بالرفض، بل وجهت إليها تحذيرات من الإقدام على عمل عسكري أحادي الجانب، فالدول الكبرى تواصل البحث عن حل دبلوماسي للأزمة النووية، لكن الأولوية المعطاة للمفاوضات مع إيران لم تمنع الرئيسين الأمريكيين، جورج دبليو بوش ثم باراك أوباما، من توقيع أوامر لتنشيط العمل السري بمختلف أشكاله داخل إيران. في أي حال أظهر استهداف العلماء النوويين الإيرانيين أن جهاز "الموساد" الإسرائيلي بات ناشطاً، بل يبدو أنه وضع لائحة اغتيالات حتى ان تحقيقا لمجلة "نيوزويك" سمى محسن فخري زاده على أنه الهدف التالي بعد مجيد شهرياري الذي قتل وفريدون عباس الذي أصيب في تفجيري الاثنين 29 نوفمبر الماضي، ويعتقد خبراء عرب ان الاختراق الحاصل نتيجة تعاون استخباراتي أمريكي-إسرائيلي، باعتبار أن استنزاف البرنامج النووي الإيراني في العنصر البشري من شأنه أن يتسبب بخسائر ثمينة ومباشرة لابد أن تنعكس على البرنامج نفسه، لكن خلافا للإسرائيليين يفضل الأمريكيون ألا يظهروا في الصورة بل يحرصوا على عدم الحديث رسمياً عن تفاصيل الحرب الدائرة، أولاً لكي يحافظوا على قدرتهم على التحرك دبلوماسياً، وثانيا لكي يمتحنوا القدرات الاستخبارية الإيرانية، والواقع أن طهران اكتفت بالإشارة إلى "الصهاينة" وحملتهم مسؤولية استهداف العلماء وبدورها ردت إسرائيل محملة إيران مسبقا مسؤولية أي عمل أمني يرمي إلى الانتقام. منتصف أكتوبر بدأت دوائر غربية عدة تتداول تقييما مفاده أن فيروسا ضرب حواسيب مفاعل بوشهر وتوصل إلى تأخير تشغيله، وكان الوصف الذي اعطته لما حصل بأنه بمثابة "كارثة" للبرنامج النووي الإيراني، ثم إن التقديرات الأولية أشارت إلى عمل هائل يتطلبه إنتاج هذا الفيروس، أو بالأحرى "الدودة الفيروسية"، ما يعني أن الدول وحدها تستطيع القيام به، خصوصا انه مكلف جدا، أي أنه يتطلب ملايين الدولارات، وبعد ذلك جرى ترويج متعمد للرموز المشفرة في هذا الفيروس ليتبين أنها تتضمن كلمة "ميرتوس" (شجرة الآس) التي تعنى بالعبرية "هداسا"، وهو اسم الميلاد لملكة فارس اليهودية ايستر التي يروى انها أجهضت هجوما على يهود فارس ثم حضت زوجها على شن "هجوم استباقي" ضد الفرس لحماية اليهود. وفي ذلك إسقاط مكشوف على التهديد الإسرائيلي بـ"هجوم استباقي" لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، ومن الواضح أن اسرائيل هي التي وزعت المعلومات عن إنجازها الفيروسي بل انها لم تمانع إعلان بعض وسائل الإعلام أن الوحدة 8200 وهي شعبة استخبارات في الجيش تولت تسريب الفيروس إلى محطة بوشهر، ولهذه "الدودة الفيروسية" -كما وصفت- قدرة على التوالد كما يمكنها أن تدمر نفسها بنفسها، ولم يتحدد بعد مدى النجاح الذي حققه الإيرانيون في التخلص منها نهائيا. يعتقد المحللون الغربيون ان هذه العوامل الثلاثة، العقوبات والاغتيالات والهجوم الفيروسي، ساهمت في إقبال الإيرانيين على مفاوضات جنيف بذهنية مختلفة هذه المرة، ولا شك أن الأهم هو العقوبات، إذ باتت تستشعر في مختلف تحركات ايران واتصالاتها الخارجية، وباتت تعني خسائر في الموارد الحالية وتضييقا على القطاعات كافة، وإذا كانت تستطيع مواجهة الاغتيالات إلا أنها وجدت نفسها أمام تحدي الحرب الفيروسية وأصبحت مدعوة لاستباق مثل هذه الهجمات، وإلا فإنها ستؤدي إلى تأخير مهم في البرنامج النووي خصوصا انها ستجد صعوبة في تعويض أجهزة الطرد المعطلة لأن العقوبات تضع حواجز أمامها. كل ما قيل عن المفاوضات حتى الآن أنها "جدية" وبالتالي واعدة، لكن الجولة الثانية في اسطنبول ستبين أكثر أي وجهة سيتخذها هذا التفاوض، ولعلها ستكون فرصة لقياس مدى تأثير التغيير الدبلوماسي بعد إطاحة منوشهر متكي على الخيارات التفاوضية، فالبعض يرى فيه مؤشراً إلى تصلب، والبعض الآخر يرى على العكس ان إيران تريد اتفاقاً وأن نجاد يريد أن يسجل أي إنجاز باسمه تدعيماً للفريق الذي بات يمثله داخل النظام.

744

| 20 ديسمبر 2010

فشل أمريكي.. إحباط عربي.. انتصار إسرائيلي

فشلت إدارة باراك أوباما في المهمة التي أخذتها على عاتقها بتسهيل استئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، واعترفت بالفشل لكنها موَّهته بأنها تجري مراجعة لخياراتها بالنسبة إلى الشرق الأوسط، وقال ناطق الخارجية: "نغير تكتيكاتنا ولا نغير استراتيجيتنا"، وكأن العالم لم يختبر هذه الاستراتيجية على مدى العقدين الأخيرين ولم يتلمس إخفاقاتها المتتالية، ويكفي أن "عملية السلام" لم تتوصل إلى بداية سلام بل مكنت إسرائيل من الدفاع عن احتلالها وحمايته مستندة تحديدا إلى التأييد الأمريكي الثابت لسياساتها وانتهاكاتها للقانون الدولي سواء في الاستيطان أو في حصار غزة. هذا الفشل أثار استياء وارتباكا في العالم العربي، مع تساؤلات عن البدائل، فيما بدت مظاهر الارتياح واضحة لدى إسرائيل التي لا تنضب بدائلها، لكن إدارة أوباما جريا على عادة الإدارات الأمريكية، لا تحمل إسرائيل مسؤولية فشلها، وإذا اضطرت فإنها توزع المسؤولية بين الطرفين لئلا تواجه مطالبات بمحاسبة من يعرقل السلام، كان الرئيس الأسبق بيل كلينتون مثلا قد استخلص من مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 أن الجانب الفلسطيني هو الذي أفشل المسعى الذي خاضه شخصيا، وقيل يومذاك إنه أراد إنقاذ حليفه ايهود باراك من تفاعلات أزمة داخلية كانت بدأت تتفاقم في انتظار عودته من المفاوضات، وطبعا، لم ينقذه بل أعطى معارضيه ذرائع إضافية للإجهاز على حكومته، وبالتالي فرضت انتخابات مبكرة، لكن كلينتون تسبب باندلاع انتفاضة فلسطينية وبانفجار الوحشية الإسرائيلية، أكثر من ذلك ودع كلينتون البيت الأبيض بوصية إلى خلفه جورج دبليو بوش نصحه فيها بعدم التعامل مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وهو ما ترجمه بوش بعدم إعطاء أولوية للملف الشرق أوسطي في بداية عهده. قد تكون واشنطن أجرت تلك "المراجعة" فعلا، لكن عودة المبعوث الخاص جورج ميتشل تعني للمراقبين أن الإدارة لم تنتج أفكارا جديدة ولم تبلور أي مبادرة يمكن أن تشكل الانطلاقة الجديدة للمفاوضات، كما سمتها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، كان ميتشل اشتغل طوال ما يقرب من عامين للتوصل أولاً إلى تجميد الاستيطان، ثم لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، ثم لترتيب إطلاق المفاوضات المباشرة ودائما على أساس أن الاستيطان مجمد، في مختلف المراحل كانت الجهة التي تسهل أو تعرقل هي إسرائيل، وفي يوليو الماضي طلب بنيامين نتنياهو الانتقال من غير المباشر إلى المباشر، واستطاع إقناع أوباما بوجهة نظره بل اتفق معه على ضرورة الضغط على الفلسطينيين والعرب كي يوافقوا على هذه الخطوة. لم تتبرع إدارة أوباما بأي تفسير سياسي منطقي لاتفاق مع نتنياهو، وقد ربط آنذاك بحتمية استقطاب اللوبي اليهودي قبيل انتخابات التجديد النصفي لمجلس الكونجرس، إلا أن الجمهوريين هم الذين فازوا فيها، ولم يخفِ الإسرائيليون اغتباطهم بهزيمة أوباما وحزبه الديمقراطي، وقيل إن أوباما اعتبر أن إلحاح نتنياهو للانتقال إلى مفاوضات مباشرة يعني انه مستعد فعلا لمفاوضات جدية وهادفة، لذلك وافق على فكرته معتقدا أن هناك "فرصة" يجب ألا تفوت، قيل أيضا ان اوباما يريد بأي شكل أن يتسرع الطرفان في التفاوض لأنه في هذه الحال فقط تستطيع واشنطن أن تلعب دورا وأن تمارس ضغطا على إسرائيل، لكن "الفرصة" تبدو الآن وقد بددت وضاعت، تماماً كما خطط لها الإسرائيليون الذين دخلوا عمليا على استراتيجية أوباما وعملوا على تخريبها من داخلها، وقد تمكنوا من ذلك بفضل أشخاص في الطاقم الأمريكي المشرف على ملف المفاوضات. الآن، وفقاً لـ"التكتيكات" الجديدة، لن يعود الأمريكيون إلى القول بوجوب تجميد الاستيطان، بل أصبح واضحا أنهم سيرمون هذه الورقة مع علمهم بأن الفلسطينيين والعرب متمسكون بها، وسيكون على هؤلاء أن يفهموا ماذا يعني "تخلي الولايات المتحدة عن محاولة إقناع الإسرائيليين بتجميد الاستيطان"، إذ لابد أن يعني أن هذه الورقة لن تعود في التداول، أي أن واشنطن قررت ترك الإسرائيليين يبنون في أراض سطوا عليها لتعود فتطالب الفلسطينيين بالتفاوض من دون شروط، وفي ذلك دليل جديد على أن الموقف الأمريكي من الاستيطان لا يقوم على اعتبارات القانون الدولي وإنما على تكتيكات التفاوض بل في ذلك خصوصاً رضوخ أمريكي لمطلب كان نتنياهو وضعه باكراً على الطاولة قائلاً إن الفلسطينيين تمسكوا بوقف الاستيطان لأن أوباما هو من بادر إلى جعله خطوة أولى لابد منها قبل بدء التفاوض، فإذا تخلى عنها – كما يفعل الآن مضطرا –سيتخلى الفلسطينيون عنها مضطرين لأن خياراتهم البديلة عديمة الفاعلية. وحتى لو وجدت هذه الخيارات فإن واشنطن أبلغت العرب مسبقاً أنها لن تتردد باستخدام "الفيتو"، فهي ترفض إعادة الملف الفلسطيني إلى مجلس الأمن لأنه يرمي إلى رفع اليد الأمريكية عن هذا الملف، كما أنها لن تؤيد قراراً دولياً بإنشاء دولة فلسطينية ما دام أنه سيصدر من خارج التفاوض، وهكذا فإن أمريكا تبقى إلى جانب إسرائيل في مختلف الأحوال، سواء أفشلتها أو أنجحتها، من هنا فإن الارتباك العربي إزاء الفشل الأمريكي لن يساهم في إنتاج أي بدائل جدية يمكن أن تزعج واشنطن أكثر مما تزعج إسرائيل. الأسوأ من الفشل الأمريكي هو منهج إضاعة الوقت الذي فرضته اسرائيل لتمضية ما تبقى من ولاية أوباما من دون مفاوضات، والأخطر أنها ماضية في استغلال الجمود بسلسلة إجراءات من شأنها أن تفسد أي اتفاق سلام مقبل، سواء بتكريس يهودية الدولة أو بالتضييق على فلسطينيي "48" أو بتهويد القدس وتهويد الأماكن المقدسة الإسلامية، فهذا أيضا "استيطان" من نوع آخر ولا تبدو الولايات المتحدة مدركة لمخاطره.

385

| 13 ديسمبر 2010

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

4674

| 12 مايو 2026

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

4332

| 13 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1500

| 13 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1029

| 11 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

993

| 13 مايو 2026

alsharq
هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟

تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...

846

| 14 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

693

| 13 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

666

| 12 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

633

| 09 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

621

| 13 مايو 2026

alsharq
الوعي المجتمعي

إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...

612

| 14 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

597

| 11 مايو 2026

أخبار محلية