رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الحسد

يعدُّ الحسد أحد أخطر أمراض القلوب المُهلِكة لأصحابها عياذًا بالله، وهو من الصفات السلبية التي يصاحبها الحقد فتُصيب أصحابَها بالتعاسة لأنهم لا يَقنعون بما لديهم، ويتابعون الآخرين فلا يستمتعون بحياتهم لتطلعهم الدائم إلى ما في أيدي غيرهم. والحسد شعور داخلي يدعمه الشيطان ويقوي صاحبه، فيجعله يتمنَّى زوال النِّعَم أو سلب الخير من الآخرين والحصول عليه لنفسه، أو يكتفي الحاسد بالرغبة في زوال النِّعَم عن الآخرين وإن لم يستفِدْ منها بشيء. ولقد علَّمنا الله تعالى الاستعاذة من الحسد بشكل صريح في محكم كتابه الكريم في سورة الفلق فقال: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}. فالحسد موجود في مجتمعاتنا، وهو خلق ذميم يؤدي إلى انتشار الكراهية والبغضاء بين الناس؛ لأنَّه إذا وصل إلى القلوب أفسدَها وتمكَّن من زرع الشر فيها، وهو نتيجة من نتائج الحقد؛ حيث إنَّه مَن يحقد على إنسان يتمنَّى زوال النعمة عنه. ومن أسباب وقوع الشخص في الحسد: • قلّة الوازع الديني وضعف الإيمان في قلبه. • التعزز بالإثم: وهو ألَّا يرى الحاسدُ مَن هو أرفعَ منه. • لعُجْب: وهو استحقار وانتقاص عباد الله. • حب الرئاسة وطلب الجاه: لأنّ بعض الناس يحبُّون الخير والنِّعَم لأنفسهم فقط لجلب المدح والثناء لهم. وهناك فرق بين الحسد والغبطة فهو بخلافها، فالغبطة تمنِّي مثل هذه النِّعَم والخيرات من غير حب زوالها عن المغبوط. وهي جائزة كما جاء في الحديث الشريف عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» متفق عليه. فالمراد بالحسد في هذا الحديث هنا الغبطة المحمودة. • وأسباب وقوع الحسد كثيرة أهمها: التظاهر بالنِّعَم والتفاخر بها دون مراعاة لشعور الغير من الفقراء والمحتاجين وأصحاب الأمراض والابتلاءات. ويعدُّ الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي بشتى صورها أحد أهم أسباب وقوع الحسد؛ وذلك نظرًا للانفتاح المستهتر من البعض في كل أمور حياتهم أصبحت الحياة الخاصة للأشخاص مُعلنَةَ التفاصيل له شخصياً ولعائلته وجميع أمور حياته تكون ظاهرة للجميع، حيث يقوم البعض بنشر صور منازلهم والأثاث والديكورات وسياراتهم وأولادهم وسفرياتهم وطعامهم وهداياهم وكل شيء حتى إنه أصبح الناس يعلمون أدق تفاصيل حياتهم ومن أين يشترون حاجاتهم وملابسهم؟ وماذا يحبون من الطعام، وماذا يكرهون؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا الأمر شديد الخطورة، فكم من مصائب عصفت بأُسَر كانت مستقرَّة هادئة دون الوقوف على سبب حقيقي لوقوع مثل هذه الكوارث، وإنما ذلك بسبب الحسد والحقد من بعض أصحاب النفوس المريضة. فلا بد أن يحرص الإنسان على الاعتدال في نشر الخصوصيات، فكل صاحب نعمة محسود، فيجب على المسلم أن يتسلح بالأذكار النافعة التي تقيه شرَّ الحاسدين والحاقدين، وكذلك الاحتفاظ بحياته الخاصة في إطارها المناسب دون نشر كل صغيرة وكبيرة في حياته. ونسأل الله تعالى أن يُجنِّبنا الحسدَ والحقد وأن يرزقنا القناعة والرضا ويُطهِّر قلوبنا وجميع المسلمين من الحقد والحسد والضغينة.. اللهم آمين. burashid282@hotmail.com

4635

| 01 فبراير 2019

خُلُق الحياء

الحياء شعبة من شعب الإيمان، وخُلُق عظيم جاء به الإسلام، وهو من الأخلاق الحميدة التي أمرنا ديننا بالتحلي بها؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» رواه مسلم. والحياء جمال للمرأة والرجل على حدٍّ سواء، ليس خاصًّا بالنساء فقط كما يعتقد البعض، والدليل على ذلك ما جاءت به السنة النبوية تصف حياء النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» [صحيح البخاري ومسلم]. ولا شك أن الحياء من أميز ما يميز المرأة المسلمة عن غيرها، فحياءُ المرأة المسلمة هو رأسمالها، فيه عِزُّها، وبه تُحفظ كرامتها، وشرف أهلها، وليس هناك امرأة صالحة لا يزين الحياءُ خُلُقَها، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإسْلَامِ الْحَيَاءُ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني). قال ابن القيم -رحمه الله-: «الحياء مشتق من الحياة، فإن القلب الحي يكون صاحبه حيًّا فيه حياء يمنعه عن القبائح، فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تُفسِد القلب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ» (رواه البخاري). إن الحياء سياج يصون كرامة المسلمة، ويحفظ لها سلوكها بعيدًا عن التبذُّل والفُحش، وأقوالها بعيدًا عن البذاءة، وبهذا ترتفع به عن السفاسف. وعندما يُخرَق هذا السياج ويذهب الحياء؛ فإن المقاييس جميعها يصيبها الخلل، ويصدر عن المسلمة عندئذ ما لا يتناسب مع تفرُّدها وتميزها، والتكريم الذي كرمها الله تعالى به. وقد قيل في الحِكَم: (من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه). والبُعد عن تعاليم الدين والتحلي بأخلاقيات وسلوكيات الإسلام يترجمه الواقع اليوم، فلا شك أن هناك انفتاحًا على الثقافات الغربية بشكل واسع أدى إلى حدوث خلل واضح عند بعض الرجال والنساء في خُلُق الحياء والتحلي به، فقد أصبح بعض الرجال يملك حسابات على جميع وسائل التواصل ويُعلِّق للنساء ويُثني عليهن ويغازلهن في منشوراتهن دون أدنى حياءٍ أو خجل، وكأن الأمر عادي، ولكن في الحقيقة انعدام الحياء نقصٌ في الإيمان، وكذلك بعض النساء نفس التصرف تُعلِّق لرجالٍ على منشوراتهم بالإعجاب والإطراء والخضوع، وهذا لا يليق بالمسلمات. ونرى في حياتنا اليومية الكثيرَ من المواقف التي توضِّح ضعف الحياء عند بعض الرجال والنساء، فهناك من يتبسَّط في الاختلاط، ويسترسل في الحديث دون حاجة أو داعٍ، وكذلك الجرأة التي ألِفَتها بعض النساء من دعاة التحرر فأصبحت تزاحم الرجال بل وتمازحهم، وصداقات بين رجال ونساء في العمل وعلى وسائل التواصل، وهذا الأمر خطير ونذير شؤم وسبب من أسباب الخراب والدمار لبعض البيوت والأسر، فلا بد من عودة التمسك بالحياء، بل تربيته وغرسه في نفوس أولادنا وبناتنا منذ الصغر، ويجب على الرجال التحلي بخُلُق رسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فالحياء عِفَّة وفضيلة للرجل تمنعه من فِعل القبائح وتحثُّه على التمسُّك بالفضائل والأخلاق الرفيعة. ويجب على النساء العودة إلى سابق عهدهن من الحياء الذي يُشبه حياء أمهاتهن من السلف، نريد حياءً كحياء عائشة وفاطمة وأسماء وسائر الصحابيات الكريمات. فالتحلي بالحياء جمالُ كلِّ امرأة مسلمة. وهناك مَن يُبالغ في الحياء فيمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا بلا شك مرفوض، فالحياء لا يعني السكوت عن الحق أو خشية الناس. قال القرطبي رحمه الله: (قد كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يأخذ نفسه بالحياء ويأمر به، ويحثُّ عليه، ومع ذلك فلا يمنعه الحياء من حقٍّ يقوله، أو أمرٍ ديني يفعله، تمسكًا بقوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53]. اللهم جَمِّلنا بخير الأخلاق والصفات، وارزق المسلمين والمسلمات الحياءَ والعفة والفضيلة والحشمة في القول والعمل يا رب العالمين.. اللهم آمين.

20194

| 17 يناير 2019

نعمتا الصحة والفراغ

لقد خلقَنَا الله تعالى في هذه الحياة وأسبغ علينا نعِمَه ظاهرة وباطنة، فكل ما ينفع الإنسان في هذه الحياة الدنيا رزقه الله إياه حتى يتقوَّى به على حياته ويتزوَّد به لآخرته. ونِعَم الله علينا لا حصرَ لها كما قال سبحانه وتعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18]. ومن أعظم نِعَم الله على عبده نعمتا الصحة والفراغ لأنهما -وبلا مبالغةٍ- رأس مال المسلم في حياته ولا بد أن يستثمرهما الاستثمارَ الناجح له في دنياه وآخرته. فالصحة نعمة لا تُقدَّر بثمن، ولا يَعرف قيمتَها إلا مَن حُرم منها أو فقدها. وإحساس الإنسان بالتمتع بكل ملذات الحياة بلا ألم ولا تعب ولا مشقة في بدنه إحساس لا يوصف ولا يعادله كنوز الأرض. وكذلك نعمة الفراغ أهميتها عظيمة، فيها يؤدي المسلم الفروض والعبادات التي أمره الله بها، ويتزود بالخيرات والطاعات، وينجز عمله ويؤدي واجباته، فكل ساعة، بل وكل دقيقة، بل وكل ثانية في عمر الإنسان يمكنه استغلالها بعمل صالح ينفعه أو ذِكرٍ لله يرفعه، فلا ينبغي تضييع الأوقات بلا انتفاع أو فائدة منه، وقد جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ»؛ رواه البخاري. والغَبْن هو النقص والخسارة. فهناك بعض الناس يخسر صحته دون أن يستثمرها في طاعة ربه والنفع له في الحياة الدنيا، وكذلك يضيع وقته دون نفع أو فائدة تُرجَى، وكل هؤلاء خاسرون بلا ريب، لم يحافظوا على هذه النِّعَم بل أتلفوها بسوء تصرفهم وغفلتهم عن أهمية الصحة والفراغ في مشوار العمر. والاهتمام بالصحة والفراغ من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ رَسُولُ اللَّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ». صحيح على شرط الشيخَيْن. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقدرون أهمية الصحة واستثمارها في الطاعات، وكذلك الوقت لا بد من شغله بما يعود على الإنسان بالفائدة. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إني لأمقت الرجل أن أراه فارغًا؛ ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة». فيجب على المسلم اغتنام نِعَم الله عليه، فيغتنم صحته بما فيها من قوة وتحمُّل وجَلَد، ويغتنم غناه وقدرته على البذل والعطاء مما آتاه الله من خيرات، ويغتنم فراغه وهو الوقت الذي لن يرجع مرة أخرى، ويغتنم حياته التي هي أصل الوجود، فتكون جميعها لله. فمفهوم الاغتنام هو أن يغتنم المرء كل حركاته، وسكناته، وعباداته، ومعاملاته اليومية، وعلمه، وعمله، وماله، وولده، وكل ما آتاه الله من قدراتٍ ورزقٍ كي يكون كل هؤلاء سببًا لدخوله الجنة، ونيل رضا الله، وتحقيق مراد الله منه. فيجب على كل مسلم أن يغتنم صحته وفراغه بالعمل النافع لدنياه والعمل الصالح لآخرته، وعلى شبابنا الحذر من إهدار صحتهم بالممارسات الخاطئة وتناول المخدرات وسائر الممنوعات التي تدمر صحتهم وتطفئ شبابهم. أبنائي وبَنَاتي إياكم من العبث بأوقاتكم فهي غالية يجب عليكم شغلها بما ينفعكم في الدنيا ويرفعكم في الآخرة. لا بد أن نحذر جميعًا من تضييع أوقاتنا خاصة في هذا الزمان؛ فقد كثُرت المُلهيات التي تُضيِّع الأوقات ومن أخطرها وسائل التواصل الاجتماعي وسرقتها لأغلى أوقاتنا للأسف، وهي تؤثر على الصحة أيضا بما تسببه من ضعف للبصر ووهن بالجسم لكثير من مدمني الإنترنت ووسائل التواصل، فأوصي نفسي وإياكم باستغلال نِعَم الله علينا بطاعته سبحانه ومرضاته والفوز بجناته. اللهم احفظ علينا نِعَمَك، وأَدِم علينا فضلك، وارزقنا التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة.

18085

| 09 يناير 2019

رسائل في حب الوطن

‏رسالتي في اليوم الوطني بالتأكيد على تمسكنا قيادةً وشعباً بالعقيدة الإسلامية السمحة، والتي نعلم جميعاً أنه لا عز لنا ولا مجد، إلا بالتمسك بها. اليوم الوطني يوجب علينا جميعاً أن نحمد الله تعالى ، وأن نشكره بالقول والعمل على ما نحن فيه من أننا نعيش في وطنٍ واحدٍ مُتجانسٍ آمن مُستقر. اليوم الوطني يعني الحفاظ على الأمن والاستقرار داخل الوطن ، وعدم السماح لأي عابثٍ أو حاقدٍ أو حاسد، بالإخلال بعقيدتنا وبأمن الوطن واستقراره. اليوم الوطني يعني التأكيد على المزيد من الإخلاص في العمل، وبذل الجهود الكفيلة بتحسين الإنتاج وجودة المخرجات، ومكافأة المنتج، ومحاسبة المقصر. ‏فرصة في اليوم الوطني أن يعي كل مواطن دوره ومسؤوليته تجاه وطنه، انطلاقاً من قوله صلى الله عليه وسلم :” كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته”. ‏اليوم الوطني ليس يوماً واحداً في العام ، وليس مناسبة تنتهي بانتهاء تاريخها، ولكنه عند المخلصين يوم يمتد ويستمر بالعطاء في كل أيام العام. ◄ همسة: هناك من يستغل اليوم الوطني في تعكير صفو الناس، وذلك بمضايقة العائلات بالتصرفات اللا أخلاقية، فيجب وضع حد لهم حتى لا تتحول هذه المناسبة إلى فرصة لضعفاء النفوس في بث السلوكيات الخاطئة في مجتمعنا الصالح. ◄ دعاء: اللهم احفظ بلادنا وأدم علينا نعمة الأمن والأمان والرخاء والازدهار في وطننا الغالي وسائر بلدان المسلمين، اللهم من أراد بِنا وبلادنا وبلاد المسلمين كيداً فاجعل كيده في نحره.

944

| 18 ديسمبر 2018

بشّروا ولا تنفّروا

لقد أعزنا الله بالإسلام وأكرمنا بخير الأنام، فبعث لنا رسوله صلى الله عليه وسلم تحمل رسالته العظيمة كل معاني التبشير والتفاؤل وبث السرور والطمأنينة في النفوس. وذكر الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه بتبشير المؤمنين والصابرين والمحسنين والمخبتين. والتبشير معناه التخلق والتحلي بالصفات التي تستدعي الاستئناس والارتياح والتحبب وبث الأمل والتفاؤل في القلوب والبعد عن أساليب (التنفير) ودواعي اليأس والإحباط وبث الأراجيف والشائعات المخيفة بين الناس مما يحزنهم ويصيبهم بالقلق والهلع فهذا منهج رسولنا الكريم. فقد كان من أساليب تبشير رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يختار الوقت المناسب ليبشر أصحابه ويبث العزيمة والتفاؤل في نفوسهم ويحثهم على ذلك في أوقات الشدة والأزمات فيقول صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (البخاري) . ويحتاج الإنسان في حالات الاضطراب والقلق والصعوبات إلى التبشير بما يزيل عنه دواعي الاضطراب، فبعد نزول الوحي على رسول صلى الله عليه وسلم ذكر لخديجة رضي الله عنها ما جرى له، وأخبرها بخوفه على نفسه من هذه الظاهرة الجديدة، فبشرته بأن له من سابقة الخير ما يستبعد معها مكافأة بمكروه، فقالت: «كلا. أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» والمؤمن محتاج في الشدائد والأزمات إلى من يكشف همه، ويبشره بما يسره، إما بفرج عاجل، أو بأجر آجل. والمؤمن بشير في مواقف الأسى والشدة يسري عن الناس أحزانهم يبشرهم بالخير ويحثهم على حسن الظن بالله والاعتماد عليه في الأمور كلها ويبشرون بالخير في المستقبل بما يدخل البهجة إلى قلوبهم، ويبعد الكآبة عنهم ومبنى هذا الخلق وأساسه أن يكون المسلم مصدراً للفأل الحسن والأمل الواسع، والعاقبة الخيرة، فالنفس البشرية تسمو بأخلاقها وحسن سريرتها وتهافت الناس عليها من خلال الكلمة الطيبة والقول اللين. فليحذر المسلم ولا يساهم ولو بكلمة واحدة في احباط اخوانه ومجتمعه بنشر وتداول الرسائل التي تبث الرعب في النفوس وتحزن القلوب وتنشر الخوف في المجتمع والخوف على المستقبل والخوف من القادم فلابد أيها المسلم أن تحرص على التبشير لأهلك وإخوانك وكل من حولك بكل خير وبث الطمأنينة في نفوسهم. فشتان بين أن يكون الشخص مصدر شؤم، ومظنة تخذيل، وإحباط أو تنفير، أو قتل للقدرات؟ وأن يكون مصدر البشرى.. فلننشر التفاؤل، ونحي النفوس ونحث على الخير، ونعن على المعروف، ونستنهض الهمم إلى أن يكون كل منا بشيراً لإخوانه يحيي فيهم الأمل ويدفعهم إلى مزيد من العمل الذي ينفعهم وينفع دينهم ووطنهم وأمتهم.

9626

| 13 ديسمبر 2018

الدخول في النّيات

من الحقائق الثابتة التي لا يشوبها شك وليست محل خلاف، أن النوايا من الأمور الغَيبيَّة التي لا يعلمها إلا الله تعالى كما جاء في كتابه العزيز: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]. وقد جاء الإسلام مؤكدًا على اعتبار النية في العبادات؛ فمتى عزم الإنسان على فعل شيء أو تركه اعتُبرت نيته جزءًا من الحكم عليه متى صرَّح بتلك النية، ولا تُنتزَع النوايا من أصحابها دون التصريح بها، فهذا مما يخالف الشرع والعقل، والدخول في قلوب الغير والحكم على نواياهم بناءً على ظاهر فعلهم هو من الابتلاءات في هذا الزمان، وأن يحكم الناس على نوايا بعضهم البعض لمجرد هوًى شخصي. فيجب علينا جميعًا الحذر من الدخول في نيات الآخرين والتشكيك بآرائهم.. يجب الحذر من تصيُّد عثرات الآخرين.. والاصطياد في الماء العكر.. تجنبوا إثبات صفة الكذب والغش والخداع في كل مَن يكتب موضوعًا هادفًا أو يطرح رأيًا مُنصفًا في أي أمر من أمور الحياة العامة، أو لديه وجهة نظر ثاقبة عميقة ناصحة للجميع؛ فلا نسارع بالحكم على نيته وهدفه وقصده ونترك ما يحمله كلامه من نفعٍ ونفتش في دوافع الشخص وأسباب تدَخُّلِه ونُصحِه، فهذا لا شك زيغ عن الحق؛ فإنما الأعمال بالنيات.. ولكل امرئ ما نوى.. فالظن السيئ مَنهِيٌّ عنه.. والتشكيك بكل رأي مُنصِفٍ وناصحٍ أمرٌ خطيرٌ.. إن سوء الظنِّ يقضي على روابط الألفة ويقطع أواصر المودَّة.. ويولِّد الشحناء والبغضاء بين الناس، فالشخص السيئ يظن بالناس السوء، ويبحث عن عيوبهم، ويراهم من حيث ما تخرج به نفسه. أما المؤمن الصالح فإنه ينظر بعين صالحة ونفس طيبة للناس، يبحث لهم عن الأعذار، ويظن بهم الخير. فليس للمرء أن يحكم على نوايا غيره مهما ظهر من صلاح أو فساد عمل الشخص! وإنما الحكم على عمله وقوله فقط. قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}. فليس مطلوبًا من أي شخص أن يحكم على بواطن الأمور.. أمَّا مَن خشِيَ من غيره «سوء النيَّة» فليَتَّقِهِ ما أمكنه ذلك بدون أن يحكم عليه بسوء النيَّة، بل قد يضرُّ الشخصُ غيرَه وهو يظنُّ أنَّه يُحسِن صُنعًا. ونرى بعضَ الناس يحرصون على اصطياد ما يُثبت سوء نيَّة خصمه.. والصحيح أنَّ صلاح نيَّة الشخص أو فسادها ليست بحجَّة في ذاتها، وليست بحجَّة إلا لصاحبها عند ربِّه سبحانه وتعالى! أمَّا الناس فيُعامَلون على ظاهر أقوالهم وأفعالهم. ولعل هذا الواقع المؤسف الذي نحن فيه الآن من التفرُّق والاختلاف والنزاعات والشتات ما هو إلا نتيجة للتنجيم عن نيات الناس وما تُكِنُّه صدورهم دون الاستناد إلى حقائق. فقد أصبح السائد في مجتمعاتنا اليوم هو المسارعة لتفسير قصد فلان بكلامه وأفعاله، وخصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت كل الألفاظ تَحمِل عدة معانٍ وتعبيراتٍ تعتمد جُلُّها على التورية واللمز، وكلٌّ منا يفهم الكلمة بغير معناها، ويفسر الموقف حسب رؤيته، ويبني على ذلك كله قصد المتكلم ونيته... ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلنَحذَر جميعًا من النزول إلى هذا الحد من الاستهتار بالأمور التي لا نعلمها؛ لما في ذلك من تقطيع الصلات وتحميل النفوس ما لا تطيق من حقوق العباد، فلا تتقوَّل على أحد دون تصريح منه، فالنوايا يعلمها الله، وما يخصك هو الظاهر، والله يتولى السرائر.

95745

| 06 ديسمبر 2018

تمسَّك بأهدافك

الأشخاص الناجحون عادةً تكون لديهم أهدافٌ واضحة يسعَون لتحقيقها مهما كلفتهم من وقتٍ وجهدٍ ومشقة، عندهم إصرار وعزيمة وتمسُّك قوي بأهدافهم التي رسموها لأنفسهم في هذه الحياة، ولا شك أن التمسُّك بهدفك يحتاج منك إلى تخطيط جيد ودراسة عميقة، وكذلك يحتاج منك إلى التسلُّح بالعلم الذي يُعلِّمنا كيفية التمسك بالأهداف، وكيفية البقاء على المسار الصحيح. فالخطوة المهمة في البداية للتمسك بالهدف هي تدوين أهدافك، وهو أمر بالغ الأهمية إذا كنتَ ترغب في تحقيقها، ثم تأتي الخطوات الأهم وهي: ١- ربط أهدافك بشيء شخصي مفيد لك: ستكون أكثر تمسكًا بهدفك على الطريق الصحيح إذا ما كانت تلك الأهداف مهمَّة ومثيرة للاهتمام أوممتعةً بالنسبة إليك، وتعبر عن طموحاتك ورغباتك وهواياتك أيضًا، بعبارة أوضح أن يكون هدفك شيئًا محببًا إلى قلبك؛ فتشعر بالاستمتاع في الوصول إليه، ويحدث هذا الشعور عندما تقوم بربط أهدافك بأحلامك الداخلية وطموحاتك المستقبلية وما يترتب على ذلك من المنافع الاجتماعية والشخصية والعاطفية، وهذه أمور مهمة تجعلنا نتمسَّك بأهدافنا، ونسعى جاهدين لتحقيقها. ٢- قسِّم أهدافك إلى أهداف مرحلية: فكلنا يعلم أن الأهداف العظيمة والأهداف بعيدة المدى لا تتحقق دفعة واحدة، فبالطبع نحن بحاجة إلى تقسيم تلك الأهداف بعيدة المدى إلى مهام أصغر وأهداف مرحلية بشكل تدريجي بسيط وواضح، حتى يتيسَّر علينا إنجازها، ولا نُضخِّمها فنعجز عن مواصلة مسيرة هدفنا؛ لأن تحقيق هذه المهام الصغيرة تدريجيًّا يمنحك إحساسًا واضحًا بأنك تمضي قُدمًا إلى الأمام، ويتيح لك الاحتفال بالنجاحات المرحلية، وزيادة التحفيز، وبث روح التفاؤل والحماس لدينا؛ فنواصل إلى المرحلة التي تليها. ٣- اجعل مهامك سريعة ومحددة: ينبغي أن تكون المهام الأولى لتحقيق الأهداف سريعةً ومحددةً قدر الإمكان، وعادةً ما تكون البدايات في كل هدف وطموح هي المرحلة الأصعب في تحقيق الهدف. وبناءً عليه، فإن الهدف المرحلي الأول من مراحل تحقيق الهدف يجب أن يكون سريعًا، فالبداية السريعة المتحمِّسة هي اللبنة الأولى في بناء الهدف وتقويته، وتزيد إصرارك على الوصول إليه مهما كلَّفك الأمر، ومهما كانت الصعوبات. 4- تحدث مع غيرك عن هدفك وطموحك: لا عيب أن يعرف الآخرون أهدافك الخاصة، فإذا سمحت لأصدقائك وعائلتك وزملاء العمل بأن يعرفوا أهدافك قد يجعلك ذلك أقربَ إلى النجاح، وتستفيد من خبراتهم وتجاربهم السابقة، وربما يكون عندهم ما ينفعك ويساعدك في الوصول إلى هدفك. فقد أظهرت العديد من الأبحاث أن ذلك الأمر مرهون بقابليَّة تلك الأهداف للتحقيق، فمخاوف البعض من الظهور بمظهر الضعف أمام الآخرين، يزيد من دوافعهم الخاصة لتحقيق الأهداف التي أعلنوا عن التزامهم بها. ٥- الإخفاق والفشل وارد في طريق الهدف والطموح: فتأهَّب لذلك، وعليك أن تكون مستعدًّا لصنع بداية جديدة إذا واجهتك انتكاسات. ولا شك أن الدور الذي يلعبه توقيت اتخاذ القرارات في تعزيز الدوافع والمحفزات والتغلب على الفشل والإخفاق دورٌ مهمٌّ، لا تركن إلى اليأس بعد التعثُّر، فلتصنع بدايتَكَ الجديدة، ولتُلزِم نفسَكَ بقرار العام الجديد، ولتُقنِع نفسك بأن الانتكاسات أمر واقع، ولكنك قادرٌ على تخطيها وتحقيق النجاح والفلاح والتفوق والتميز. •أسأل الله تعالى أن يحقق لنا ولكم كل هدف نافع وناجح يقربنا إلى مرضاته. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

3633

| 27 سبتمبر 2018

تاسوعاء وعاشوراء

إن الله -عَزَّ وجَلَّ- خصَّ هذه الأمةَ المسلمةَ بخصائصَ عظيمةٍ وجليلةٍ عن سائرِ الأُمم، وإنَّ الله أفردَها وميَّزها عن بقيةِ الأُممِ. فالمتأمِّلُ لهذه الأمةِ، وما خَصَّها اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- به من الخصائصِ يجد العَجَبَ العُجَابَ؛ لما حباه اللهُ لهذه الأمة عن غيرِها، فكانت من أفضلِ الأُممِ، وكان رسولُها أفضلَ الرُّسلِ، ودينُها أحسنَ الأديانِ، فهي أمةٌ مخصوصةٌ ومصطفاةٌ، ومن عظيم فضل الله تعالى على أمة الإسلام أن جعل لها العامَ كلَّه مواسم للطاعات ومواطن عظيمة للعبادات وتحصيل الدرجات، فها نحن في شهر الله المحرم وهو من الأشهر الحرم، وبداية عام جديد، تتوالى علينا فيه النفحات والبركات والخيرات من ربِّ الأرض والسماوات فرصةً لتكفير ذنوب وسيئات العام الماضي. تُقْبِل علينا في هذه الأيام ذكرى عظيمة، ألا وهي عاشوراء، يوم نجَّى الله -عزَّ وجلَّ- فيه  موسى عليه السلام وبني إسرائيل من قبضة فرعون وقومه، ففيما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قَدِم النَّبي -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ فرأى اليهودَ تصومُ يومَ عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى -عند مسلم شكرًا- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنا أحقُّ بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه». وفضل صيام عاشوراء هو تكفير ذنوب العام الذي مضَى، وهو فرصة لتطهير المسلم نفسه من ذنوب عام كامل ليستقبل العام الجديد بنقاء وطهارة. فقد ورد في صحيح مسلم «أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن صوم يوم عاشوراء. فقال: يُكفِّر السَّنة الماضية». ويستحبُّ للمسلم أن يصوم اليوم التَّاسع مع اليوم العاشر من شهر المحرَّم؛ وذلك لما ورد في الحديث عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «حين صام رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنَّه يوم تُعظِّمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» قال: فلم يأت العام المقبل، حتى تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه مسلم. وصيام عاشوراء له مراتب هي ثلاثة وردت في قول ابن القيِّم: "فمراتب صومه ‏ثلاثة: أكملها: أن يُصام قبله يومٌ وبعده يومٌ. المرتبة الثانية: أن يُصام التَّاسعُ والعاشرُ، وعليه ‏أكثر الأحاديث. المرتبة الثالثة: إفراد العاشر وحده". زاد ‏المعاد لابن القيم. فيُستحبُّ للمسلم اغتنام هذه الذكرى المباركة وتحصيل أجرها واتباع سنة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم. اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا، وتقبَّل طاعتنا، واجعلها خالصةً لوجهك الكريم، ولا تحرمنا أجر هذه الأيام المباركة. اللهم اغفر لنا فيها ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم أعنّا على شكرك وذكرك وحسن عبادتك، اللهم آمين.

2565

| 20 سبتمبر 2018

عام دراسي جديد

أقبل العام الدراسي الجديد هذه الأيام بعد إجازة صيفية طويلة تخلّلتها مواسم طاعاتٍ وأعيادٍ ومناسباتٍ كثيرة كانت فرصة جيدة للمرح والاستجمام والهدوء والاسترخاء للأسرة بأكملها، بدايةً من الآباء والأمهات وكذلك الأبناء والبنات، كانت الإجازة للجميع بمثابة الفاصل والاستراحة لاستعادة النشاط والحيوية والاستعداد لاستقبال العام الجديد بكل عزيمة وإصرار على مواصلة الجهد والمسيرة التعليمية الناجحة التي نطمح إليها جميعًا على مدار سنوات العمر. هذه المسيرة التعليمية تستعد لها الوزارات والهيئات التعليمية، وتوليها اهتمامًا بالغًا لتضمن التيسير على أولياء الأمور وأبنائهم وبناتهم.  •رسالتنا إلى كل مسؤول في نظام التعليم: الحرصُ على التجديد والتطوير المستمر في منظومة التعليم، والاستفادةُ من التجارب العالمية الناجحة في تطوير المناهج، والاستعانةُ بالتكنولوجيا الحديثة، واختيارُ الأساليب الأكثر يُسرًا وسهولةً على الجميع، بدايةً من المعلم وحتى المتابعة الأسرية في المنزل، حثُّ الطلاب والطالبات على التميز والإبداع وإخراج الطاقات والأفكار الشبابية المبتكرة، وتنظيمُ المسابقات والفعاليات التي تحثهم على مزيد من الحماس والتفوق.  •رسالتنا للمعلمين والمعلمات:  إليكم أنتم أصحاب الرسالة العظيمة والمكانة الرفيعة، أنتم أساس كل تقدُّم وشركاء كل نجاح وأصحاب فضل على الجميع بعد فضل الله سبحانه. أبناؤنا وبناتنا أمانة لديكم، اغرسوا فيهم كل فضيلة وخلُق حسن، ننتظر منكم الدعمَ الكبير لكل متفوق في العام الماضي، والأخذَ بيد مَن تعثَّر في دراسته إلى التقدُّم واللحاق بزملائه، وإخراج كل طاقته لتحقيق هدفه والتعلم من أخطاء الماضي وتصحيحها والاستفادة من التجارب غير الموفقة. رسالة المعلم والمعلمة هي ميراث الأنبياء، فهم يحملون العلم ويعلمونه الطلابَ والطالباتِ، وكذلك ينبغي عليهم احتساب نية تعليم العلم ليكون لهم ذخرًا وأجرًا بعد عُمر مباركٍ ثم الانتقال إلى الدار الآخرة؛ فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ماتَ ابنُ آدم انقطعَ عمله إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» فقوله: «أو علم ينتفع به» هذا فيه فضل العلم ومَن علَّمه. والمعنى أن الإنسان إذا مات وخلَّف كتبًا أو تلاميذَ قد انتفعوا به؛ بقي له الأجر مستمرًّا في التلاميذ وتلاميذ التلاميذ الذين تعلَّموا، وفي الكتب التي ألفها، والمحاضرات والندوات التي أقامها وانتفع بها الناس يبقى له أجر ذلك كله. فهنيئًا لكم هذا الفضل الكبير. نسأل الله أن يوفقكم لما فيه صلاح أبنائنا وبناتنا جميعًا.  •الرسالة المهمة للآباء والأمهات:  أيها الآباء الأعزاء والأمهات الفضليات، لا يخفى علينا العبء الذي تتحملونه في تربية الأولاد وما تبذلونه من جهد وتعب في الحرص على تفوُّقهم ونجاحهم، هذا دأب الآباء والأمهات في كل زمان ومكان، حفظكم الله وأطال في أعماركم على طاعة الله وحسن العمل.  وصيتي لكم: خففوا عن أنفسكم التوتر والقلق الدائم على مستقبل الأبناء مما يسبب ضغوطًا نفسية واجتماعية على الأسرة، وقد يؤثر سلبًا على التحصيل الدراسي للأبناء، اغرسوا فيهم التوكل على الله والاستعانة به في كل الصعاب، حثوا الأبناء على التأني والصبر في تحصيل العلم، وبذل كل الجهد المطلوب منهم، وأن يكون طموحهم عالياً في الدراسة وفِي كل خير، ثم ليتركوا النتائج لله تعالى فهو يُقدِّر لهم الخير، ودائمًا تكون ثمرة الاجتهاد النجاح والتفوق، فالله تعالى لا يُضيع أجر من أحسن عملا، وأكثروا من الدعاء لهم بالصلاح والاستقامة والهداية والتوفيق والسداد.  •رسالة إلى الأبناء والبنات:  أنتم فلذات الأكباد، وسُكَّان القلوب، وعطر حياتنا وأريجها، في بداية عامٍ دراسي جديد ندعو لكم بكل جوارحنا أن يوفقكم المولى إلى كل خير، فأنتم الأمل القادم والمستقبل المشرق بإذن الله تعالى. ينبغي عليكم الشعور بالمسئولية، والسعي لتحقيق النجاح والتوفيق حتى تصلوا إلى أعلى الدرجات العلمية في كل المجالات؛ فتحظوا بالمكانة الطيبة المرموقة الفعالة في المجتمع؛ فتسعدوننا نحن الآباء والأمهات وتسعدوا الأوطان والمجتمعات ونفتخر بكم في كل المجالات من مجالات الخير والعطاء، واحتسبوا الأجر والمثوبة من الله في دراستكم بأنه عمل صالح وعلم ينتفع به، عَنْ أَبي الدَّرْداءِ رضي الله عنه قَال: سمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ، يقولُ: "منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ". •أسأل الله تعالى أن يحفظ أبناءنا وبناتنا، ويجعلهم قرة عين لنا وللوطن وللأمة، وأن يفتح عليهم فتوح العارفين ويرزقهم الصلاح والنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.  •وفي الختام: أوجِّه الشكر المستحقَّ للقائمين على نظام التعليم والقائمين على العملية التعليمية، على تسخير كل جهودهم للارتقاء بمستوى التعليم وتطويره، فأنتم اجتهدتم قدر المستطاع والله نسأل أن يكتب لكم التوفيق والسداد في هذا الاجتهاد. بارك الله في جهودكم، ونفع بكم، ووفقكم لكل خير. وجعله الله عامًا مباركًا على الجميع.

4351

| 06 سبتمبر 2018

إنها العشرُ فشمِّروا

نستقبل هذه الأيام خير أيام العام وأجلها وأنفَسها قدرًا وأعظمها أجرًا ومثوبةً من الله تعالى، إنها العشر الأُوَل من شهر ذي الحجة، ومن عظيم فضل هذه الأيام أن ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، وحثَّنا على الذِّكر والثناء فيها بما يحبه ربنا جلَّ وعلا. قال تعالى: ((وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)) [الحج: 28].  وجمهور أهل العلم على أن الأيام المعلومات هي عشرُ ذي الحجة، منهم: ابن عمر، وابن عباس. وكذلك بيَّنتِ السُّنة المطهرة فضلَ العشر في عدَّة أحاديث منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لها بأنها أفضل أيام الدنيا: فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل أيام الدنيا أيام العشر - يعني عشر ذي الحجة- قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: ولا مثلهن في سبيل الله، إلا رجل عفَّر وجهه بالتراب)). [رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني]. وَمِمَّا جعل لتلك الأيامِ العشرِ هذا الفضلَ الكبيرَ اشتمالُها على عدة عبادات وطاعات عظيمة:  أن فيها يوم عرفة: ويوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلًا، وقد تكلمنا عن فضل يوم عرفة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه في رسالة (الحج عرفة).  • أن فيها يوم النحر: وهو أفضل أيام السَّنَة عند بعض العلماء، قال صلى الله عليه وسلم: ((أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر)). [رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني]. • اجتماع أمهات العبادة فيها: قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتَّى ذلك في غيره". فينبغي على المسلم استقبال هذه العشر بحفاوةٍ بالغةٍ، وأن يُقدِّرها قدرها.  وأجمل ما يبدأ به المسلم لاستقبال تلك الأيام المباركة التوبة الصادقة؛ فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامةً بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبةِ فلاحٌ للعبد في الدنيا والآخرة، يقول تعالى:((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [النور: 31]. • ثم العزم الجاد على اغتنام هذه الأيام: فينبغي على المسلم أن يحرص حرصًا شديدًا على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيَّأ له الأسباب التي تُعِينه على إكمال العمل، ومَن صَدَقَ اللهَ صدَقَه الله، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)) [العنكبوت: 69]. ففضل العمل فيها عظيمٌ كما وضَّح رسولنا الكريم، جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء)). [رواه البخاري]. البعد عن المعاصي في تلك الأيام لعظمة الذنب فيها، فهي من الأشهر الحرم، فكما أن الطاعات أسبابٌ للقُرْب من الله تعالى، فالمعاصي أسبابٌ للبُعد عن الله والطرد من رحمته، وقد يُحرَم الإنسان رحمةَ الله بسبب ذنبٍ يرتكبه؛ فإن كنتَ تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فاحذر الوقوع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها. ومَن عرف ما يَطلبُ هان عليه كلُّ ما يبذلُ. فاحرص أخي المسلم على اغتنام هذه الأيام، وأحسِن استقبالها والعمل فيها؛ فهي حصاد العام، فأحسن الختام قبل أن تفوتك تلك النفحات الربانية فتندم، فالأعمار معدودة، والأيام التي تمضي لا تعود إلى يوم القيامة،  فينبغي علينا أن نودع فيها الخيرَ ونجنبها كل شرٍّ.  •اللهم وفِّقنا لما فيه رضاك وجنتك، ويسِّر لنا ما ينفعنا في الدنيا والآخرة، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان واجعلنا من أهل الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة. اللهم آمين.

2404

| 09 أغسطس 2018

الأخُوَّة الحقيقية

لقد خلقنا اللهُ تعالى لغايةٍ سامية ومهمَّة عظيمة واضحة جلية، ومن عظيم فضله علينا أن منَّ علينا بالإسلام، وكرَّمنا باتباعه وحمل رسالته، وهذا الدين العظيم جاءت تعاليمه منظِّمَة لكل جوانب حياتنا على هذه الأرض، ومن أهم التعاليم والحقوق التي شدَّد عليها هذا الدين الحنيف حق الأخُوَّة في الإسلام. فالأخُوَّة نعمة عظيمة من الله تعالى، تُخفِّف عن الإنسان متاعب الحياة ومشقتها. وللأخُوَّة أنواع متعددة: أولها: الأخوة بالدم، وهي أخُوَّة القرابة والنسب. وثانيها: أخوَّة الدين والعقيدة، وهذا النوع هو المقصود معنا عند الحديث عن حق المسلم على أخيه المسلم، وتُعتبر أخُوَّة العقيدة أمتنَ وأقوى مِن أخوَّة النسب والقرابة والدم؛ وذلك لأنَّ أخُوَّة الدين والعقيدة مبنيَّة على روابط شديدة القوة وثيقة العُرى، فالمؤمنون جميعًا إخوةٌ، والأخُوَّة في العقيدة نعمة ومنحة من الله تبارك وتعالى يُغدِقها على عباده المؤمنين، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. وجاءت الأحاديث الواردة توضِّح أساس الأخوة في الإسلام، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». رواه البخاري. وحقوق المسلم على أخيه كثيرة وضَّحها الشرع وشدَّد عليها، ويمكن إجمالها في النقاط الآتية: الحب في الله: وحقيقته ألا يزيد بالوُدِّ ولا ينقص بالجفاء، فلا يرتبط بالمصالح والمنافع، بل هو خالص لوجهه تعالى رجاءَ الفوز بظلِّ عرشه يوم القيامة. وصفاء القلب من الحقد والغل والحسد: هذه نقطة مهمة، ففي صلب الأخوة أن تحب الخيرَ لأخيك المسلم لا تحقد على نجاحه ولا تحسده على سعادته وتفوقه، فمحبة الخير والسعادة لأخيك المسلم لن تُنقِص من سعادتك شيئًا ولن تُنقِص من رزقك أيضًا، فينبغي عليك أن تدعو لأخيك المسلم بالبركة والتوفيق والسداد في كل أموره. ومن الحقوق كذلك التورُّع عن سبِّ أخيه، وشتمه، وغمزه، ولمزه، وغيبته: وهذا الحق لا يطبقه إلا المؤمنون المخلصون المُحِبون الصادقون، فللأسف الشديد نرى البعض من المسلمين يسارع بعضهم في سبِّ أخيه وغمزه ولمزه والتشهير به ومحاولة تشويه صورته ومكانته على أمور بسيطة. وهذا السلوك لا يليق بالمؤمن كما وضَّح الحديث الشريف، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء». وقد كثر في زمننا هذا وقوع المسلم في غيبة أخيه بدون سبب يُذكَر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والسنة النبوية فيها الكثير من الأدلة التي توضح هذا الحق وتنبِّه على الاهتمام به، ففي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ». وهذا يدل على فضل الذَّبِّ عن أخيك المسلم. ومن أهم الحقوق التي يجب على المسلم التحلي بها مع إخوانه، إحسانُ الظنِّ بهم ونُصحهم بأسلوبٍ مناسبٍ عند اللزوم. والنصح مع الرفق والستر سبيل الناصحين المصلحين، أما النصح مع السبِّ والتشهير، فهو أسلوب المُغرضين، فمن حق المسلم على أخيه نُصرته ظالمًا أو مظلومًا، ووضح الحديث الشريف هذا المعنى حين قالوا: يا رسول الله! كيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ»، فنصر المظلوم واضح، لكن نصر الظالم معناه: منعه وحجزه عن الظلم فهذا نصره. وكذلك من الحقوق ستره إن أخطأ ووقع في الزلل. ففي الحديث الشريف عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَتَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُربة من كُرَبَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».  ومنها قبول عذره إن أخطأ والتماس الأعذار له في كل الأحيان، وكذلك قضاء حوائجه على قدر الاستطاعة، وتقديم العون له تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. وفي الحديث الشريف يقول عليه الصلاة والسلام: «... وَاللَّهُ تَعَالَى فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». فينبغي على المسلم أن يحقق الأخوة الحقيقية لإخوانه حتى نرقى بأخلاقنا وسلوكنا ونُقوي روابط المحبة والألفة والمودة فيما بيننا. نسأل الله تعالى أن يُيسِّر أمورنا، ويُطهِّر قلوبنا، ويُصلح ذات بيننا. اللهم لا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا. اللهم آمين.

8829

| 23 يوليو 2018

ليلة الحصاد

منذ أيام قلائل كنَّا نستقبل رمضان ويهنئ بَعضُنَا بعضا بقدومه، وها هو اليوم يمر وينقضي سريعًا، ما كدنا نستقبله حتى ودعناه، والحمد لله على كل حال. جاءت ليلة الحصاد لمن زرع وسقَى وتعهَّد نباته بالرعاية والحماية.   جاء وقت حصاد شهر كامل من الطاعات والعبادات ليرى كلّ منا كم حصد؟ وكم وُفِّق ورزق من خير في رمضان؟  فهنيئًا لمن أحسن الزرعَ حتى اشتدَّ عود نباته وأثمر وحصد وفرح بثمرة جهده وصبره على الطاعة.  وَيَا أسفنا على المُقصِّر الذي أهمل زرعَه فعطش وذبُل ومات ولم يُثمر. العابدون يعدون حصادهم الآن... كم ختمة أتمُّوها؟ وكم صدقة أخرجوها؟ وكم ركعة صلوها؟ وكم من خير قدموه في هذا الشهر الكريم؟ لقد رزقهم الله في رمضانهم ثمراتٍ عظيمةً ودروسًا كثيرة تعلَّموها وغيرت كثيرًا في نمط حياتهم. ولا شك أن لرمضان ثمراتٍ يُحسُّها كل مسلم، من أهمها: ١- استشعار الحاجة إلى التغيير: بمقارنة سريعة بين حالك قبل رمضان وحالك في رمضان، وأيهما أفضل، لا بد أن تخرج بنتيجة ألا هي: التغيير والحاجة الشديدة إليه، بل والقدرة عليه، فلربما كان البعض يقصر في المحافظة على صلاة الفجر، ويتكاسل عن بعض النوافل والأوراد فكان في رمضان الأمر مختلفًا، وظهرت صور من التنافس في الخيرات وعلو الهمة، كلها تؤكد أننا قادرون على التغيير، وأن المسلمين يمكنهم العودة مرة أخرى، وتغيير العالم من حولهم بهذه الرسالة الخاتمة الصالحة لكل زمان ومكان.  ٢- تعميق معاني الولاء والبراء والتركيز عليها، وقد ظهرت هذه المعاني جلية في رمضان إذ لا يصوم غير المسلمين، لا يشاركنا أحد في صيام، أو قيام، أو تلاوة، أو اعتمار، بل يختص بذلك كله المسلمون، وهذه الترجمة العملية ربما تربو على الكثير من الدروس النظرية لو وعاها كل مسلم.  يقول الله عزَّ وجلَّ: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" [المائدة:55].  فانظر كيف وصفت الآية هؤلاء وبِمَ وصفتهم؟ إنها وصفتهم بأداء هذه الشعائر، والحال كذلك في رمضان: نصوم وحدنا ونفطر وحدنا، ونعيِّد وحدنا، ليسوا منا ولسنا منهم "أي اليهود والنصارى وسائر الكفرة"، بل نحن أمة متميزة، لنا شأن، وللدنيا شأن آخر، بالإضافة إلى معاني التوحيد التي تُستَشَف من الصوم معًا والفطر معًا، والاجتماع على شعائر واحدة.  ٣- كلنا دعاة: وهذا درس في غاية الأهمية، وهو ضرورة أن يكون لك دور ومشاركة في الدعوة إلى الله تعالى، لتثبت على الطريق، وتحتفظ بثمار رمضان وحصاده، فحتى تحيا الحياة الإسلامية لا بد أن توجِد الواقعَ المُعِين على ذلك، كلنا قد أحس بذلك في رمضان من الاجتماع على الطاعة، مما يسر علينا فعلها، والتنافس فيها، وحتى تسهل عليك الطاعات بعد رمضان لا بد من إيجاد البيئة المُعِينة على ذلك، وهذا لا يكون بغير الدعوة إلى الله تعالى.  ٤- ومن الحصاد الرمضاني أيضًا وخاصة من ثمار الاعتكاف: ضرورة الترابط والتآخي، وإحياء معاني الحب في الله عزَّ وجلَّ، إذ يشعر المعتكِف بهذه المعاني، وبشدة الحاجة إليها بعد خروجه من معتكفه، وهذه المعاني يتوقف عليها الكثير من جوانب النجاح في حياتنا الدعوية خاصة، وحياتنا عامة، فليت هذا الدرس يُستصحب بعد رمضان لنحقق: "إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [الحجرات:10]. لنحصِّل معنى الحديث الشريف: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ» [رواه أحمد، وصححه الألباني]. وما أكثر ما يقع ذلك في رمضان عامة والاعتكاف خاصة، ونِعم العُدة في هذا الزمان إخوان الصدق، ورفقة الإيمان، فاشدد يديك بهم، وعَضَّ على صُحبتهم بالنواجذ، فهم أعوان الخير. ٥- ومنها: أهمية التربية الأخلاقية، والتزكية، والتقويم للنفس البشرية، وهذه غاية العبادات كلها تقريبًا، وهي تطهير القلب والنفس. فعند ذكر نعمة الإسلام قال الله تعالى: "مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [المائدة:6]. وما أحوجنا طيلة السنة -وعلى مدار الأيام كلها- أن نستحضر هذه المعاني، والتي هي من أعظم أسباب دخول الجنة بعد التوحيد: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَن أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» وَسُئِلَ عَن أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني]. وهي كذلك من أعظم وسائل الدعوة: إذ "عمل الرجل التقي يؤثر في ألف رجل وأشد من قول ألف رجل لرجل: استقم. فالدعوة عمل لا قول، وكم من السلوكيات صَدَّت عن سبيل الله تعالى، وإلى الله المشتكى. يجب علينا الحرص على ثمار رمضان وأن نتعلم منها طوال العام. نسأل الله القبول والتوفيق والسداد.

1170

| 14 يونيو 2018

alsharq
ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:...

3702

| 22 مارس 2026

alsharq
أنت لها يا سمو الأمير

يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد،...

1668

| 24 مارس 2026

alsharq
راس لفان.. إرادة وطن وشعلة لن تنطفئ

‏في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى...

1299

| 24 مارس 2026

alsharq
صدمة الاقتصاد العالمي

مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل...

1032

| 26 مارس 2026

alsharq
حلت السعادة بحسن الختام

مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان...

714

| 19 مارس 2026

alsharq
لا تهاون في حماية أمن وسيادة قطر

رغم إعلان دولة قطر نأيها بنفسها منذ بداية...

714

| 19 مارس 2026

alsharq
رجال الصناعة والطاقة.. منظومة تُدار بخبرات وطنية

من واقع خبرتي الميدانية، ومعايشتي المباشرة لتفاصيل قطاع...

654

| 22 مارس 2026

alsharq
قطر.. حيث يمتد الأثر ويتجسد الوفاء

هناك تجارب لا تُختصر في العناوين، ولا تُفهم...

582

| 25 مارس 2026

alsharq
دعم وتضامن مستمر مع دولة قطر

في إطار المشاورات المستمرة بين القادة في المنطقة...

558

| 20 مارس 2026

alsharq
في قطر.. تبريكات العيد فوق منازعات الحياة

من أجمل ما يتحلى به مجتمع من المجتمعات...

513

| 21 مارس 2026

alsharq
هل تدفع حرب الطاقة دول الخليج للتكامل الاقتصادي؟

ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة...

492

| 25 مارس 2026

alsharq
شهداء قطر... شهداء الواجب

في لحظات الوداع، تعجز الكلمات عن مداواة القلوب،...

486

| 23 مارس 2026

أخبار محلية