رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أيام قلائل كنَّا نستقبل رمضان ويهنئ بَعضُنَا بعضا بقدومه، وها هو اليوم يمر وينقضي سريعًا، ما كدنا نستقبله حتى ودعناه، والحمد لله على كل حال. جاءت ليلة الحصاد لمن زرع وسقَى وتعهَّد نباته بالرعاية والحماية. جاء وقت حصاد شهر كامل من الطاعات والعبادات ليرى كلّ منا كم حصد؟ وكم وُفِّق ورزق من خير في رمضان؟ فهنيئًا لمن أحسن الزرعَ حتى اشتدَّ عود نباته وأثمر وحصد وفرح بثمرة جهده وصبره على الطاعة. وَيَا أسفنا على المُقصِّر الذي أهمل زرعَه فعطش وذبُل ومات ولم يُثمر. العابدون يعدون حصادهم الآن... كم ختمة أتمُّوها؟ وكم صدقة أخرجوها؟ وكم ركعة صلوها؟ وكم من خير قدموه في هذا الشهر الكريم؟ لقد رزقهم الله في رمضانهم ثمراتٍ عظيمةً ودروسًا كثيرة تعلَّموها وغيرت كثيرًا في نمط حياتهم. ولا شك أن لرمضان ثمراتٍ يُحسُّها كل مسلم، من أهمها: ١- استشعار الحاجة إلى التغيير: بمقارنة سريعة بين حالك قبل رمضان وحالك في رمضان، وأيهما أفضل، لا بد أن تخرج بنتيجة ألا هي: التغيير والحاجة الشديدة إليه، بل والقدرة عليه، فلربما كان البعض يقصر في المحافظة على صلاة الفجر، ويتكاسل عن بعض النوافل والأوراد فكان في رمضان الأمر مختلفًا، وظهرت صور من التنافس في الخيرات وعلو الهمة، كلها تؤكد أننا قادرون على التغيير، وأن المسلمين يمكنهم العودة مرة أخرى، وتغيير العالم من حولهم بهذه الرسالة الخاتمة الصالحة لكل زمان ومكان. ٢- تعميق معاني الولاء والبراء والتركيز عليها، وقد ظهرت هذه المعاني جلية في رمضان إذ لا يصوم غير المسلمين، لا يشاركنا أحد في صيام، أو قيام، أو تلاوة، أو اعتمار، بل يختص بذلك كله المسلمون، وهذه الترجمة العملية ربما تربو على الكثير من الدروس النظرية لو وعاها كل مسلم. يقول الله عزَّ وجلَّ: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" [المائدة:55]. فانظر كيف وصفت الآية هؤلاء وبِمَ وصفتهم؟ إنها وصفتهم بأداء هذه الشعائر، والحال كذلك في رمضان: نصوم وحدنا ونفطر وحدنا، ونعيِّد وحدنا، ليسوا منا ولسنا منهم "أي اليهود والنصارى وسائر الكفرة"، بل نحن أمة متميزة، لنا شأن، وللدنيا شأن آخر، بالإضافة إلى معاني التوحيد التي تُستَشَف من الصوم معًا والفطر معًا، والاجتماع على شعائر واحدة. ٣- كلنا دعاة: وهذا درس في غاية الأهمية، وهو ضرورة أن يكون لك دور ومشاركة في الدعوة إلى الله تعالى، لتثبت على الطريق، وتحتفظ بثمار رمضان وحصاده، فحتى تحيا الحياة الإسلامية لا بد أن توجِد الواقعَ المُعِين على ذلك، كلنا قد أحس بذلك في رمضان من الاجتماع على الطاعة، مما يسر علينا فعلها، والتنافس فيها، وحتى تسهل عليك الطاعات بعد رمضان لا بد من إيجاد البيئة المُعِينة على ذلك، وهذا لا يكون بغير الدعوة إلى الله تعالى. ٤- ومن الحصاد الرمضاني أيضًا وخاصة من ثمار الاعتكاف: ضرورة الترابط والتآخي، وإحياء معاني الحب في الله عزَّ وجلَّ، إذ يشعر المعتكِف بهذه المعاني، وبشدة الحاجة إليها بعد خروجه من معتكفه، وهذه المعاني يتوقف عليها الكثير من جوانب النجاح في حياتنا الدعوية خاصة، وحياتنا عامة، فليت هذا الدرس يُستصحب بعد رمضان لنحقق: "إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [الحجرات:10]. لنحصِّل معنى الحديث الشريف: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ» [رواه أحمد، وصححه الألباني]. وما أكثر ما يقع ذلك في رمضان عامة والاعتكاف خاصة، ونِعم العُدة في هذا الزمان إخوان الصدق، ورفقة الإيمان، فاشدد يديك بهم، وعَضَّ على صُحبتهم بالنواجذ، فهم أعوان الخير. ٥- ومنها: أهمية التربية الأخلاقية، والتزكية، والتقويم للنفس البشرية، وهذه غاية العبادات كلها تقريبًا، وهي تطهير القلب والنفس. فعند ذكر نعمة الإسلام قال الله تعالى: "مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [المائدة:6]. وما أحوجنا طيلة السنة -وعلى مدار الأيام كلها- أن نستحضر هذه المعاني، والتي هي من أعظم أسباب دخول الجنة بعد التوحيد: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَن أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» وَسُئِلَ عَن أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني]. وهي كذلك من أعظم وسائل الدعوة: إذ "عمل الرجل التقي يؤثر في ألف رجل وأشد من قول ألف رجل لرجل: استقم. فالدعوة عمل لا قول، وكم من السلوكيات صَدَّت عن سبيل الله تعالى، وإلى الله المشتكى. يجب علينا الحرص على ثمار رمضان وأن نتعلم منها طوال العام. نسأل الله القبول والتوفيق والسداد.
1179
| 14 يونيو 2018
لقد شُرعَت زكاة الفطر طُهرة للصائم وطعمة للمسكين، فزكاة الفطر صدقة تجب بالفطر في رمضان، وأضيفت الزكاة إلى الفطر لأنه سبب وجوبها. وهي واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، بالسنة والإجماع. فعـن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ». (والمراد هنا صلاة العيد). وعنه أيضا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ». وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ». مسميات زكاة الفطر لها أسماء عدة منها: صدقة الفطر، وزكاة الفطر، وزكاة الصوم، وصدقة رمضان، وبكل هذه الأسماء وردت نصوص شرعية. الحكمة من مشروعيتها: شُرعت زكاة الفطر لحكمة بالغة، وغاية نبيلة ولتحقيق مقاصد دينية وتربوية واجتماعية، ومن ذلك أنها: • طُهرة للصائم؛ فقد يقع الصائم في شهر رمضان ببعض المخالفات التي تخدش كمال الصوم من لغو ورفث وصخب وسباب ونظر محرم، فشرع الله عز وجل هذه الصدقة لكي تصلح له ذلك الخلل الذي حصل فيه". فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ — صلى الله عليه وسلم — زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ. وبذلك يكون صياما تام الأجر ويفرح به المسلم فرحا تاما يوم القيامة. • تجبر نقصان الصوم، فعَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ رحمه الله قَالَ: "زَكَاةُ الْفِطْرِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ كَسَجْدَتِي السَّهْوِ لِلصَّلاةِ، تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ كَمَا يَجْبُرُ السُّجُودُ نُقْصَانَ الصَّلاةِ". وهي أيضا تكميـل للأجر وتنمية للعمل الصالح. • إظهار شكر الله تعالى على نِعَمه، وعلى توفيقه بإتمام صيام شهر رمضان وما يسر من قيامه، وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة. • إطعام للمساكين والمحتاجين أيـام العيد، وبذلك تعُـم الفرحة في يوم العيد لكل الناس حتى لا يبقى أحد في هذا اليوم محتاجا إلى القوت والطعام، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ»، وفي رواية: «اغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ». ومعنى ذلك إغنـاء الفقير يوم العيد عن المسألة. لذلك أجاز العلماء إخراجَها قبل يوم العيد بيومين أو ثلاثة، قال الإمام البغوي: والسُّـنة أن تخرج صدقة الفطر يوم العيد قبل الخروج إلى المصلى، ولو عجَّـلها بعد دخول شهر رمضان قبل يوم الفطر يجوز، وكان ابن عمر يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تُجمَع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. • تزكيةٌ للنفس وتطهيرٌ لـها من داء الشح والبخل. • زكاةٌ للنفوس والأبدان: تُـعد صدقةُ الفطر زكاةً عن الأبدان والنفوس وقربةً لله عز وجل عن نفس المسلم، أو زكاةً لبدنه، وبعبارة أخرى تُعبِّر عن شكر العبد لله عز وجل على نعمة الحياة والصحة التي أنعم الله عز وجل بها على عبده المسلم. لذلك شُرعت على الكل بما فيهم الصغير والعبد والصائم والمفطر سواء أكان مفطرًا بسبب شرعي أم غير شرعي. • مواساةٌ للفقراء والمساكين، وإغناء لهم من ذُل الحاجة والسؤال يوم العيد. • إشاعةُ المحبة والمودة بين فئات المجتمع المسلم. سبـبُ الفـوز عند الله تعالى: فقد قيل هي المقصودة بقوله تعالى في سورة الأعْلَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ قَالا: أي؛ أَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاةِ). (يقصد صلاة العيد). أسأل الله أن يتقبل منا الصيام والقيام والصلوات والصدقات ويجعلنا من المرحومين في شهره الكريم.
1957
| 13 يونيو 2018
منذ أسابيع قليلة قلنا أهلًا رمضان وها نحن نستعد لوداع رمضان، وهكذا الأوقات المباركة عزيزة غالية تنقضي سريعًا ما شبعت قلوب المحبين من رمضان، وما زال في القلب اشتياق لطول زمن الصيام والقيام، ولكن الوداع أوشك، والقلوب ما شبعت من هذه النفحات والبركات والمِنَح الرمضانية الجميلة. يصعب علينا الوداع يا خير الأشهر عند الله تعالى، فيك يكون العبد أقربَ ما يكون عند الله تعالى، وداعًا شهر العبادات، شهر الفتوحات الإسلاميَّة عند المسلمين، فقد كانت أغلب حروب المسلمين وجهادهم في سبيل الله كان في شهر رمضان لما فيه من خيرٍ للمسلمين. • شهر رمضان قد أظلنا بأعظم النفحات الإلهيَّة وإنَّ المؤمن الصائم ليتحسَّر على توديع شهر رمضان في آخر عشرة أيَّام، وهي أهمُّ عشرة أيَّام من رمضان لما فيها من خير، وقد كان الرسول — صلى الله عليه وسلم — يعتكف في آخر عشرة أيَّام من رمضان ويعتزل أهلهُ ويشدُّ مئزرهُ. • أفضل ما نودع به شهر القرآن هو الإقبال على القرآن وتدبُّره، فلا شك أن قراءة القرآن من المنازل العظيمة للمتَّقين، فيجب أن يقرأ المسلم ويُكثِر من القراءة في ختام رمضان. • طلب المغفرة، إنَّ العباد المؤمنين الذين صاموا شهر رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فهي فرصة جميلة لكي يتوب فيها المؤمنون مما فعلت أيديهم وهم يظلمون أنفسهم، فيجب الدعاء لله تعالى بأن يغفر ويُكفِّر عن ذنوبهم. • الدعاء إلى الله والإنابة إليه فإنَّ الله تعالى لا يرد دعاء صائم حتَّى يفطر، فيجب أن يقول العبد كلَّ ما في قلبهِ قبل أن يُفطر ليُحقِّق الله مطلبَه، ويجب أن يدعو الله بأن يجعل حياتَهُ أفضل، ويرزقهُ ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة. • الإكثار من الخيرات فيجب أن يُكثر الصائم في آخر أيَّام رمضان كإطعام المساكين والصائمين والإحسان إلى اليتامى وصلة الرحم، ففي فعل الخيرات هو طلب من الله تعالى بما عندهُ ولكي يرضى الله عن الصائم، فإنْ رَضيَ الله عن فعل الصائم أرضاهُ الله تعالى بما عندهُ من خيرات ومغفرة وجنَّة عرضها السماوات والأرض. • دعاء القبول، يجب أن يدعو المسلم قرب انتهاء رمضان أن يرضى الله عن الطاعات والصلوات والأدعية التي كان يدعو بها الصائم، وأن يتقبلها ويجعلها خالصةً لوجهه الكريم، وأن يضاعف لنا الأجر؛ لأنَّ أجر الصائم لم يحدِّدهُ الله من حسنات، وقد جعلها الله تعالى لنفسهِ، فإن رضي الله تعالى عمَّا فعلتَهُ فقد حقَّق لك ما تريد منهُ بل وأكثر من ذلك، ويكون دعاء القبول أيضًا أن يُدخِل الصائمين من باب الريَّان وهو باب الصائمين. نسأل الله الإخلاص والقبول في الأعمال كلها.
1259
| 12 يونيو 2018
أطهر العباد قلوبًا وأصفاهم روحًا هؤلاء الذين يُحاسِبون أنفسهم باستمرار، ويهذبون اعوجاجها وشططها، فكلما كان الحسابُ متقاربًا كان أخفَّ وأيسرَ على العبد التغيير والتطوير في سلوكه وعبادته؛ لذلك أمرنا الله عز وجل بمحاسبة النفس أولًا بأول، حتى يكون الإنسان على بصيرة من أمره، فقد قال تعالى (: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة: 14، 15]، وقال تعالى : (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ [)الحشر: 18]. ولقد ربى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين الأوائل على المحاسبة الذاتية وصدق المراقبة، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسبه ربه خفَّ يومَ الحسابِ حسابُه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسُن مُنقلَبُه ومآبُه، ومَن لم يُحاسب نفسَه دامت حسراته، وطالت يوم القيامة وقفاته. كما روى شداد بن أوس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» (متفق عليه). ومن أقوال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ - أَوْ قَالَ: أَيْسَرُ - لِحِسَابِكُمْ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ". وإن كان المسلم عليه أن يحاسب نفسه في كل الأوقات، فإنه من الأحرى أن يتعهَّد ذلك في رمضان موسم العبادات والطاعات والأعمال الصالحة، فعليه أن يغتنم كل لحظة فيه ليكسب الأجر الذي وعده الله به وهو الرحمة والمغفرة والعتق من النار؛ ولذلك يجب أن يكون له وِرد يومي يحاسب نفسه عما قدَّم من أعمال صالحة، وما فاته، فماذا يسأل المسلم الصائم نفسه؟ وكيف يقوِّم نفسه ليكون على الطريق المستقيم؟ افتح دفترك الآن وراجع حساباتك الرمضانية: ١- هل استحضرت نية الصيام بأن يكون لله إيمانًا واحتسابًا؟ يقول صلى الله عليه وسلم: « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (متفق عليه). ٢-هل أديت الصلوات الخمس في جماعة خاشعًا مستحضرًا عظمة الله؟ يقول الله عز وجل: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (البقرة: 103)، ويقول سبحانه وتعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ (المؤمنون: 1). ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما سئل عن أي العمل أحب إلى الله قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (متفق عليه). ٣-هل تواظب على صلاة القيام في جماعة؟ يقول الله عز وجل في وصف عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (الفرقان: 64)، ويقول: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا (السجدة: 16). ويقول الرســول صلى الله عليــه وسلم: « مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا، وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (متفق عليه). ٤-هل صليت صلاة التهجد في رمضان؟ يقول الله عز وجل: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (الإسراء: 79)، وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (الذاريات: 18)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ» ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» (رواه الترمذي). ٥-هل أكثرت من قـــــراءة القــــــرآن في رمضان؟ يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (رواه أحمد). ٦- هل حرصت على صلة الأرحام وإزالة الشحناء والبغضاء بينك وبين إخوانك؟ فقد أخبرنا عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا». فذكر أن أعمال المتخاصمين لا تُعرض على الله تعالى: وذلك لعِظَم ذنب المهاجرة والعداوة والشحناء لأهل الإيمان، فالإسلام حث على الإخاء والمودة، وحرَّم التدابر والتقاطع بين الإخوان. ٧-هل التزمتَ بآداب الصائمين في رمضان؟ يقول الله تبارك وتعالى في وصف المؤمنين: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (الفرقان: 72). ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: « وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ». ٨-هل اجتهدتَ في الدعاء وأنت صائم؟ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ العَادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (رواه الترمذي). ٩-هل اتقيتَ الله في كسبك وطعامك حتى يُستجاب لك؟ يقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (سورة البقرة -267)، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ، فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» (رواه الترمذي وحسنه). وسأل سعد بن أبي وقاص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف أكون مستجابَ الدعوة؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ» (رواه الطبراني). ١٠-هل استغفرتَ الله وتبت توبة نصوحًا في شهر الغفران؟ يقول الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (الأنفال: 33)، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (النصر: 4). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (رواه أبو داود). ١١-هل تعاونت مع إخوانك على البر والتقوى في رمضان؟ يقول الله تبارك وتعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى (المائدة:1). ١٢-هل نويتَ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؟ يقول الله تبارك وتعالى: وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (البقرة: 187)، وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (البقرة:125). وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ" (رواه البخاري ومسلم). ١٣-هل تَحَرّيْتَ ليلة القدر وأقمتها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان؟ يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر: 1-3)، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ (الدخان: 3). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (رواه البخاري. ١٤-هل أكثرت من الصدقات في رمضان؟ يقول الله تبارك وتعالى: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (الذاريات: 19)، ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» (متفق عليه). هذه الحسابات وأكثر يجب مراجعتها والوقوف على قيمة المكاسب والخسائر، فالمحاسبة تمحص النفس وتطهرها أولًا بأول، فاحرص عليها في حياتك كلها، واجعل رمضانك بداية لفتح حساب شخصي مع نفسك. اللهم طهِّر قلوبنا وأنفسنا وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار.
689
| 11 يونيو 2018
من أفضل مواسم الدعاء وأقربها إلى القبول والاستجابة شهر رمضان المبارك، فالدعاء من العبادات العظيمة الجليلة على سهولته ويُسره، وهذا من فضل الله على عباده، وقد أمر الله تعالى عبادَه بالدعاء، قال تعالى في محكم كتابه: (وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر:60. وجاء في الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَةُ» رواه أحمد، وصححه الألباني. ومن أفضل الأوقات التي يُلتمَس فيها الدعاء ويُطلب أيام رمضان ولياليه. ونؤكد أيها الفضلاء أن الدعاء في هذا الشهر الكريم من الأوقات التي يُرجَى فيها القبول والإجابة. فلنجتهد، فالفرصة سانحة والمناسبة كريمة والوقت مبارك وأيام العشر من أفضل أيام رمضان. فيجب علينا الإكثار من الدعاء والتوجه لرب السماء يدعو الفرد فيها لنفسه بالخير ولأهله بالصلاح ولمجتمعه بالخير والفلاح، فما أرقى هذا التوجه وقد جعله الله جل وعز عبادة. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ - يعني في رمضان - وَإِنَّ لِكُلِّ مُسلِمٍ فِي كُلِّ يَوم وَلَيْلَةٍ دَعْوَة مُسْتَجَابَة». ولعل هذا هو السر في ذكره تعالى للآية الكريمة الدالة على الدعاء وسط الآيات التي تتحدث عن أحكام الصيام: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: (186)]. إرشادًا إلى الاجتهاد في الدعاء وسؤال الله من فضله العظيم في كل وقت وعند كل إفطار وفي السَّحَر وعلى كل حال. والصائمون من الذين خصَّهم النبي باستجابة دعائهم؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ»... ذكر منهم الصائم حتى يفطر. وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا». وعن عبادة بن الصامت قال: قال عليه الصلاة والسلام: «مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ». والدعاء له آداب ومواطن طيبة يجب على المسلم أن يحافظ عليها: 1- أن يخلص العبد في دعائه لله -تعالى- فلا يدعو معه أحدًا بل يدعوه وحده لا شريك له كما أمر الله بذلك: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) فدعاء غير الله وسؤاله كدعاء الأموات مثلا أو الأحياء، شِرك تَحبط به الأعمال ويُجنَى به غضب الله الواحد القهار: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ). 2- دعاء الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى والثناء عليه وحمده كما قال تعالى: (وَلِلّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). ثم بعد ذلك الصلاة على خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم. 3- الدعاء بالخير والبعد عن الإثم وقطيعة الرحم والاستعجال، ففي صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: «قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ». 4 -حسن الظن بالله -تعالى- فإن الله يجيب دعوة الداعي إذا دعاه قال -صلى الله عليه وسلم-: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ». قال عمر رضي الله عنه: أنا لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، فمن ألهم الدعاء فإن الإجابة معه. 5 - إطابة المأكل والمشرب والملبس. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا.... ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟». 6 - تحري أوقات إجابة الدعاء، وذلك نحو الدعاء في شهر رمضان عامة، وفي ليلة القدر خاصة، وجوف الليل الآخر، وعقب الصلوات المكتوبات، وبين الأذان والإقامة، وساعة من كل ليلة، وعند النداء للصلوات المكتوبة، وعند نزول الغيث، وساعة من يوم الجمعة، وأرجح الأقوال فيها أنها آخر ساعة من ساعات العصر يوم الجمعة وقد تكون ساعة الخطبة والصلاة، وعند شرب ماء زمزم مع النية الصادقة، وفي السجود، وعند الدعاء بـ"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، والدعاء بعد الثناء على الله والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأخير، وعند دعاء الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ودعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب، ودعاء يوم عرفة في عرفة، وعند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر، وعند الدعاء في المصيبة بـ "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، والدعاء حالة إقبال القلب على الله واشتداد الإخلاص، ودعاء المظلوم على من ظلمه، ودعاء الوالد لولده وعلى ولده، ودعاء المسافر، ودعاء الصائم حتى يفطر، ودعاء الصائم عند فطره، ودعاء المضطر، ودعاء الإمام العادل، ودعاء الولد البار بوالديه، والدعاء عقب الوضوء، وغير ذلك من الأوقات. والمؤمن يدعو ربه دائمًا أينما كان (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ولكن هذه الأوقات والأحوال، والأماكن تخص بمزيد عناية. وفي رمضان تتجلّى أوقات الدعاء المستجاب حيث العطش والانكسار والطاعة الكاملة، وقت نزول الملائكة، يحسن الدعاء، فهو -كما بينت الأحاديث الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سلاح المؤمن وملاذه عند خوفه ومأواه عند فزعه. اللهم إنَّا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم- ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
4964
| 10 يونيو 2018
مِن أرقَى الفنون وأجملها إدخال السرور على قلب أخيك المسلم، فهذا العمل عبادة فيها أجور كبيرة قَلَّما ينتبه لها الكثيرون بل يَقصُرون العبادة على الفرائض والنوافل، ولكن الأعمال الصالحة كثيرة ومتعددة وأفضلها إدخال السرور على مسلم. فقد ورد عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِدْخَالُكَ السُّرُورَ عَلَى مُؤْمِنٍ أَشْبَعْتَ جَوْعَتَهُ، أَوْ كَسَوْتَ عُرْيَهُ، أَوْ قَضَيْتَ لَهُ حَاجَةً»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. ولذلك أجاب به الْإمَامِ مَالِكٌ حِينَ سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ: "أَيُّ الْأَعْمَالِ تُحِبُّ؟" فَكَانَ الْجَوَابُ: "إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا نَذَرْتُ نَفْسِي أَنْ أُفَرِّجَ كُرُباتِ الْمُسْلِمِينَ". إن إدخال السرور على الناس قيمة عالية من قيم هذا الدين العظيم، وقد رتب عليه الشارع الحكيم أعظم الجزاء وأوفره. أيها الإخوة: إن الأعمال التي تُدخل السرور على الناس لا يمكن إحصاؤها أو عدها أو إجمالها، ولعلنا نذكر شيئًا يسيرًا منها: فمن ذلك: أن يكون المسلم دائم البِشْر، خافض الجناح، كثير التودُّد لعباد الله، يحاول ما استطاع التخفيف عن إخوانه آثار أعباء الحياة وصعوباتها وتقلباتها، فيسد جوعَ هذا، ويقضي دَيْن ذاك، ويسعَى على الأرملة والمسكين هنا وهناك -هذا إن كان يملك المال-، أو يسعى لدى الموسرين في ذلك، ويواسي المريض ويزوره، ويدعو له، ويُذكِّره بالأجر والعاقبة الحسنة، ويبشره بشفائه تفاؤلا بإذن الله، ويُدخل السرور إلى قلب كل مهموم ومكروب ومحزون. ومن صور إدخال السرور على الآخرين: الابتسامة في وجوههم؛ فهي شعيرة من شعائر الأنبياء، وسنة من سنن المرسلين، وصفة من صفات المؤمنين، ولغة سامية من لغات الحضارة البشرية، إن خير من مشى على هذا الكوكب، وأجمل من نظرت إليه الأعين، وألين من صافحته الأكف، كان أكثر الناس تبسُّمًا، قال عنه من رآه: "ما رأيت أحدًا أكثر تبسُّمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وقال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: «مَا رَآنِي رَسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- إلا تبَسَّمَ فِي وَجْهِي». وما أجمل هذا العمل في شهر رمضان حيث مضاعفة الأجور والأوقات المباركة. فإذا تفقدتَ إخوانك المسلمين من حولك فأعنْتَ مُحتاجَهم بزكاة مالك، أو قضيتَ حاجةً لفقير، أو قدَّمتَ مساعدةً لمريض، أو جهَّزت لبعض بيوت إخوانك بعضَ الأطعمة اللازمة ومتطلبات المنزل، أو اشتريتَ كساءً وملابسَ له ولأولاده في هذا الشهر الفضيل، فتُدخِل السرور على قلوبهم وتُسعِدهم فسوف يرزقك الله أضعافَ تلك السعادة راحة وسعادة في قلبك حتى السؤال على جيرانك وأصدقائك يُسعِدهم ويَسرُّهم، فزيارة المريض والابتسامة في وجهه والتحدث معه يُخفِّف عنه أكثر من الدواء والعلاج فاحرص أخي المسلم على هذا الخلق الجميل البسيط ربما لا يحتاج منك مالًا، ولا جهدًا، بل فقط روحًا صافيةً ووجها بشوشًا يُبشِّر بالخير ويُشعِر أخاك المسلم بالسرور والسعادة. اللهم اجعلنا من أحسن المسلمين أخلاقًا، وأبشِّهِم وجوهًا، ووفِّقْنا لإدخال السرور على كل مسلم.
8045
| 09 يونيو 2018
تأتي البركات والنفحات في رمضان كثيرة وسريعة وكنز للحسنات والخيرات، ففي ليالي الوتر من العشر الأواخر يمنُّ الله علينا بمنحة إلهية سنوية فيها بركات وخيرات لا يحصيها إلا الله، قيام ليلها يعدل عبادة ثلاثة وثمانين عامًا وثلاثة أشهر تقريبًا هي ليلة مباركة خير من ألف شهر، إنها ليلة القدر، منحة سنوية لا تأتي إلا كلَّ عام مرة واحدة، ليلة واحدة في شهر الصوم وشهر القرآن، فما أسرع وقت هذه المنحة وما أنفسه من وقت؟! فيجب علينا الحرص على قيام العشر الأواخر من رمضان، ولو أن نضطر إلى تأجيل الأعمال الدنيوية، فلعلنا ندرك ونحظى بقيام ليلة القدر، فإن قيامك فيها تجارة عظيمة لا تُعوَّض. فقيام ليلة القدر أفضل عند الله من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وذلك لقوله تبارك وتعالى ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) فلو أصاب مسلم ليلة القدر فقامها لمدة عشرين سنة فإنه يُكتَب له بإذن الله ثواب يزيد على من عبد الله ألفًا وستمائة وستة وستين سنة. أليس هذا عمرا إضافيًّا طويلا يُسجَّل في صحيفتك لا تحلم أن يتحقق لك فتقوم به في الواقع؟! فلنجتهد جميعا في هذه العشرة المباركة طلبًا من الله أن يوفقنا لقيام ليلة القدر، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها بالصلاة والقراءة والدعاء، فروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ». ولأحمد ومسلم: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا». لقد حثنا النبي -صلى الله عليه وسلم- على قيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رواه الجماعة إلا ابن ماجه، وهذا الحديث يدل على مشروعية إحيائها بالقيام. ولنحرص على الإكثار من الدعاء فيها والتضرع إلى الله أن يرزقنا الخير في الدنيا والآخرة. ومن أفضل الأدعية المأثورة التي تقال في ليلة القدر ما علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، فروى الترمذي وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». ومع هذا الفضل العظيم لتلك الليلة للأسف قد نرى كثيرًا من الرجال والنساء حرموا أنفسهم من هذا الخير وتقاعسوا عن قيام ليالي رمضان خصوصًا العشر الأخيرة منها. فتراهم يمضون ليلهم إما في الأسواق، أو في مجالس سمر، أو أمام الشاشات، أو منهمكين في حل الفوازير، بينما كانت بيوت السلف رحمهم الله تعالى ومساجدهم تحيا في ليالي رمضان بالطاعة والذكر والصلاة، بل وُجِد من الناس اليوم مَن أحيوا أسواقهم بالتجوُّل فيها من أول يوم من رمضان إلى نهايته، استعدادًا ليوم العيد كما زعموا، فتنقضي أعمارهم عبثًا، وقد قَلَّتْ حسناتُهم وضاعت منهم أوقات المِنَح الطيبة، ولا حول ولا قوة بالله. وتأتي أهمية قيام ليلة القدر أنها ليلة يُحدَّد فيها مصير مستقبلك لعام قادم ففيها تُنسَخ الآجال، وفيها يُفرَق كل أمر حكيم. فاحرص أن تكون فيها ذاكرًا لله ومُسبِّحًا له، أو قارئًا للقرآن، أو قانتًا لله، تسأله السعادة في الدنيا والآخرة، وإياك أن تكون فيها في مواطن الغفلة، كالأسواق، ومدن الملاهي، ومجالس اللغو، فيفوتك خير كثير. ومن علامات تلك الليلة العظيمة: • قوَّة النور والإضاءة فيها، علمًا أنَّه لا يمكن الإحساس بها في وقتنا الحاضر إلا مَن كان في البرِّ بعيدًا عن الأضواء. • طمأنينة القلب، والشعور بالراحة في تلك الليلة مقارنةً بغيرها من الليالي. • سكون الرياح، واعتدال الجو، حيث لا تأتي فيها عواصف، أو حرٌّ شديد. الحلم بليلة القدر وموعدها. • الشعور بلذة العبادة في قيام الليل فيها مقارنة بالليالي الأخرى. • شروق الشمس بلا شعاع في صبيحة اليوم التالي، حيث قال أُبَي بن كعب رضي الله عنه إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ، لَا شُعَاعَ لَهَا» رواه مسلم. • خروج القمر فيها مثل شق جفنة • غياب الشهب فيها، حيث لا يُرمَى فيها بنجم. اللهم وفِّقنا جميعًا لقيامها، وارزقنا فيها خير الأقدار وأفضل الآجال وأنفع الأعمال.
1518
| 08 يونيو 2018
رمضان شهر الفوز والنجاح والفلاح فهنيئًا للفائزين المجتهدين من بداية الشهر المُجدِّين في العبادة والطاعة، هـؤلاء هم النجباء الأذكياء الذين عَلِموا قدر الوقت ومكانة الشهر الفضيل وعظمة الجائزة التي سينالها الفائزون في رمضان. هذه هي الجائزة الكبرى التي يتمناها كل مسلم، إنها المغفرة التامة من الذنوب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»؛ متفق عليه. فهذا الحديث خير جائزة ومكافأة لكل الصائمين القائمين الفائزين في رمضان. ولا شك أن المغفرة غاية تشتاق إليها القلوب والأذهان، وله عدة طرق في رمضان يمكننا أن نحقق من خلالها هذه الغاية العظيمة. سبل المغفرة في رمضان السبيل الأول: الفضلُ العظيم لمَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، بأن الله يغفِرُ له ما تقدَّم مِن ذنبه، والمراد بالإيمان التصديقُ بوجوبِ صومه، والاعتقادُ بحقِّ فرضيته، والاحتساب طلبُ الثواب من الله تعالى. السبيل الثاني: من سبل المغفرة في رمضان قيامُ رمضان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»؛ متفق عليه. السبيل الثالث: قيامُ ليلةِ القدر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه. السبيل الرابع: اجتنابُ كبائرِ الذنوب، قال — صلى الله عليه وسلم —: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»؛ رواه مسلم. وكذلك التوبةُ إلى الله تعالى من جميع الذنوب واجبةٌ، وهي وظيفة العمر في رمضان وغيره، فينبغي على المسلم الحرصُ على التوبة وتجديدُها دائمًا، فقد كان النبي يتوب إلى الله دائمًا، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». رواه البخاري. فهنيئًا لمن فاز برمضان وكانت البداية قوية والهمة عالية، ولا شك ستكون النهاية مبهرة لهؤلاء منذ اليوم الأول، وعزاؤنا لمن فرط وخسر ما انقضى من أيام رمضان أنه يمكنه أن يبادر ويرفع عنه غطاء الغفلة والتكاسل. هيا يمكننا وإياكم أن نلحق بركب الفائزين برمضان، إلى عالَم الحبِّ والإخاء، عالَم المجتهدين والمستغفرين، عالم الرِّقة والخشوع والذلة والخضوع، عالَم الحِرص والاستزادة، والتنعم بأنواع العبادة. إنهم التالون لكتاب الله، الراكعون الساجدون، المتأثرون الباكون، المتصدقون المنفقون، المتحدثون الناصحون، العاملون المخلصون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. مَن قال: إن أعمال الخير وقْفٌ على السَّلَف فقط؟ بل كلٌّ منَّا يمكنه الاستزادة من الخير والعودة إلى ركب الفائزين في رمضان، المهم هو الهمة العالية، والعزيمة القوية، والإقبال على الله بقلب مشتاق للقرب منه سبحانه. اللهم تقبل توبتنا وردنا إليك ردًّا جميلًا.
1345
| 07 يونيو 2018
لا شك أن الاعتكاف مبناه على الانقطاع عن شواغل الدنيا وزينتها، وحبس النفس على العبادة والإنابة والتفرغ للطاعة لرب العالمين. فقد روى البخاري عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا». والاعتكاف يعني لزوم المسجد للتعبد، ويُفضَّل عدم مخالطة الناس إلا بقدر الحاجة، وقد خصَّ الاعتكاف بالمساجد حتى لا تترك الصلوات الجماعية، ويفضل أن يعتكف في المسجد الجامع الذي تقام فيه صلاة الجمعة، حتى لا يحتاج كل جمعة إلى الذهاب إلى المسجد الجامع، ويستحبُّ اشتغاله بالقربات إلى الله من صلوات وأذكار وقراءة للقرآن، واجتناب ما لا يعنيه من الجدال والمراء والسباب والغيبة والنميمة ونحو ذلك. وله أن يتكلم مع من يزوره. وله أن يتنظف ويضع العطور، وكل ذلك يتم مع الحفاظ على نظافة المسجد وصيانته. وإن من أهداف الاعتكاف التماس ليلة القدر، فالراجح أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "تَحرُّوا ليلةَ القَدْر في العَشْر الأواخِر من رمضانَ"، تَحَرَّوْا، أيْ: اطْلُبُوا ليلةَ القدرِ في الوِتْرِ، والوتر هو الأيام الفردية مثل يوم الواحد والعشرين والثالث والعشرين وهكذا. وفي هذا الحديث الشريف ترغيبٌ عظيمٌ في الاعتكاف في العشر الأخيرة من رمضان طلبًا للخير والثواب، ولعلك تصادف ليلة القدر لأن المعتكف يقضي أغلب وقته في المسجد وقليلا ما يتحرك إلى خارجه وقد ثبت أن ثواب تلك الليلة عظيم، فقد قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ». لقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحافظ على الاعتكاف في رمضان حتى عدَّه العلماء من السنن المؤكدة، وهو بهذا المعنى يقارب الفرض، فلزومه أمر مستحب لكل مسلم، وفيه تجديد للعبادة، وترسيخ الصلة بالله عز وجل، فأنت تبعد نفسك عن أمور الدنيا جمعاء وتصفي ذهنك لله الواحد القهار، فتتأمل آياته وتعيها وعيًا جيدًا، وتفكر في آخرتك ومصيرك، فأنت تجعل من ساعات اعتكافك كلها تدبرًا في ملكوت الله، في فعلك القديم وفعلك الحديث، حتى قبل نومك بالمسجد تفكر ماذا عليك أن تفعل غدًا من قراءة للقرآن وفهمٍ لآياته، فالقرآن فيه آيات ترهيب وآيات ترغيب، وفيه نداءات من الله للناس وللمسلمين وللمؤمنين، فأين أنت من هؤلاء؟ كما تفكر في سبيلك الذي تسير عليه، هل ستنتهي حياتك إلى الجنة؟ هل أحسنت طاعة الله، أم كنت عبدًا عاصيًا؟ كل هذه الأفكار تأتيك ولا بد أن تفكر بها، وتجيب عنها في صراحة، حتى تخرج من هذا الاعتكاف شخصًا جديدًا ذا حياة جديدة صادقة مع الله، فالفرص التي ستتأمل فيها مثل هذا التأمل قليلة، وعليك أن تمسك بها بقوة حتى ترسم طريقك إلى الجنة. فالاعتكاف هو عودة إلى الفطرة السليمة، هو عودة إلى التدبر والتعقل والتفكير، وكل ذلك دعاك الله إليه كثيرًا، لأنه بلا شك سيؤول بك في النهاية إلى إخلاص العبادة لله وحده. ولا تنسَ 1- نية الاعتكاف لله. 2- التقليل من طعامك وشرابك ونومك، لإكثار وقت الطاعة. 3- أداء الصلوات في الجماعة، وحافظ على الصف الأول. 4- الإكثار من ذكر الله والصلاة على رسوله الحبيب. 5- الإكثار من دعاء الله في كل وقت وخاصة في أوقات سجودك. 6- أداء النوافل من الصلوات كالضحى والشفع والوتر وسنن الفروض. 7- حضور محاضرات العلم، حتى تفهم أسرار عبادات الله وحكمتها، وتزداد يقينا بالله عز وجل. 8- تنظيف المسجد وتطييبه دائمًا، فهو بيت من بيوت الله. 9- التزين بالرداء النظيف ودهن الشعر وتمشيطه. 10- العمل على التصدق بالبسمة وبشاشة الوجه، فتبسمك في وجه المصلين أو المعتكفين يمنحك ثوابًا وأجرًا عظيمًا، ولم تبذل فيه شيئًا كثيرًا بل مجرد تحريك بعض عضلات الوجه. 11- الدعاء للمسلمين عامة في جميع بقاع الأرض فالملائكة هي من ترد عليك هذا الدعاء وتدعو لك بمثله وهذا أمر عظيم أن تخصك الملائكة بالدعاء لك. 12- المعاملة الحسنة مع كل المعتكفين وخاصة كبار السن منهم، بالإضافة إلى المصلين أيضًا، فتساندهم وتُحضِر لهم ما يريدون، كل هذه أمور يمكن أن تُجزِل ثوابك وأنت لم تخرج خارج المسجد. اللهم تقبل منا كل الطاعات والعبادات في شهرك الكريم.
2736
| 06 يونيو 2018
قضينا ساعات كثيرة من أوقاتنا في النوم، بل تستطيع أن تقول قضينا أعمارًا كثيرة ونحن نائمون، وقد حان الوقت لنستيقظ من هذا السبات العميق وننتفع بما تبقى من أعمارنا، فخلوتنا لا بد وأن تكون مع الله باتباع أوامره والبعد عن نواهيه، بالتقرب إليه بالصلاة والأذكار، فنستغفره، وندعوه ونبتهل إليه ليتوب علينا، ونتضرع إليه ليتقبل صلواتنا، لا أن تكون خلوتنا مع الشيطان، وربما لم يكن الشيطان سببًا رئيسًا في طول واستمرار معصيتك؛ لأنه فقط وسوس إليك بفكرة صغيرة وذهب ليوسوس لك بأخرى، فما كان من أمرك إلا أن نفسك قد زينت لك تلك المعصية، وأخذَتْ تأمرك بالإثم لتقع في براثن تلك النفس الأمارة بالسوء، وخصوصا أنك في رمضان وقد سلسلت الشياطين، ولم تبق إلا نفسك الإمارة بالسوء. إذًا كيف نوقظ خلوتنا؟ وكيف نحيي تلك الأوقات الخفية، التي نبتعد فيها عن أعين الناس، نحييها بالطاعة والاستغفار وتذكر أن الله — عز وجل — مراقب لنا، وألا نجعل الله أهون الناظرين إلينا، فلا تظنَّنَّ أنك حين تبتعد عن الناس، وحين لا يسمع حسيسك أحد أنك ابتعدت عن كل رقيب، فأين أنت من قول الله — عز وجل —: "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ" فعلم الله يتعدى كونك محبوسًا بين جدران ومغلقًا للباب وموصدًا لمنافذ الرؤية، فإن الله عز وجل علمه يتعدى كل هذا ويعلم ما يقر في نفسك قبل أن تفعله، فما بالك إذا بادرت بفعله، أليس الله بعلام الغيوب. إذًا أيقظ ليلك بطاعة الله عز وجل، ألا تحب أن تكون جليس الله، الأمر بسيط ليس عليك إلا أن تذكر الله عز وجل، الخلوة قد تكون قصيرة أو طويلة، وفي كلا الحالين هي خلوة بالله عز وجل، فإن نويت في أي دقائق بسيطة لا يراقبك فيها أحد أنك قد اعتكفت لله وخلوت به، فقد حُق لك أجرُ مَن اعتكف لله، فقد حققت شرط تفرغ قلبك لله، وعدم اطلاع غيرك على تلك السويعات أو الدقائق التي تقضيها داعيًا عابدًا لله عز وجل. عليك أن تترك هموم الحياة التي لا تنتهي وراءك، ليصفو ذهنك من المشاغل اليومية، ثم اذهب بين يدي الله باكيًا تائبًا عائدًا إلى الله ناويًا ألا تعود مرة أخرى إلى معصيته، متذكرًا تلك المقابر التي تحوي آلاف البشر وكلهم جميعًا قضوا نحبهم وهم يعدون لأنفسهم قوائم أعمال طويلة لا حصر لها، متناسين أن العمر مهما طال فهو قصير، والموت حقيقة لا مفر منها، حيث تنتقل إلى أرض الدود والجفاف لا تستطيع أن تتنفس مرة أخرى، ولا تستطيع أن تعيد روحك إلى الحياة مرة أخرى، فقد قضي الأمر وحكم عليك بالشقاء الأبدي أو النعيم المؤبد، ولن تتذكر هذه المشاعر وتلك الأحاسيس إلا إذا خلوت بالله عز وجل فتتذكر رقيبًا وعتيدًا وهما يسجلان ما تلفظ من حروف وهنَّات، فعلمت أنك في حاجة ماسة إلى الخلو بالله ومناجاته، فمَن لنا إلا الله ليرحمنا من سوء المآل، مَن لنا إلا الله لينتشلنا من سوء العاقبة، وقد أغرقنا أنفسنا بالذنوب والآثام، "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ"، ألم يأن لنا أن نقرأ كلام الله برَوِيَّة وفهمٍ وتدقيقٍ وتمحيص حتى تتخلل حروفه دماءنا فتتقاطر بعض الدمعات التي نرجو أن تكون سببًا في غفران بعض ذنوبنا، ألم يأنِ لنا أن نذكر أسماء الله وصفاته، فنتذكر التوَّاب الذي يقبل توبة عباده مهما بلغت معاصيهم، ونتذكر أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الضالون، ونتدبر صفة الجبار فنتحكم في أنفسنا مبتعدين عن المحرمات، وليس هناك فرصة أفضل من رمضان حيث تُقيَّد الشياطين، وتتعامل مع نفسك فتربيها بحق على ما تقتضيه صفاتُ الله، وتبدأ في بناء ذاتك مرة أخرى لتكون أكثر مقاومة للشياطين ووساوسهم، ثم لتتفكر في خلق الله عز وجل وإبداعه فتتعجب من صنيعه وتستشعر عظمته ألم يقل الله — عز وجل — في كتابه: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" فبينما أنت تختلي بالله عز وجل تأمَّل خلقك، يدك وقدمك وعينيك وشفتيك ودقات قلبك ودفقات أنفاسك، وقتئذٍ سيحيط بك يقين أن حياتك وكونك وعالَمَك وأمرك كله بيد الله يفعل بك ما يشاء، فتخرج من شهر عظيم كرمضان وأنت أصلب عودًا وأشد عزمًا على طاعة الله، فهذه الخلوة مهما بدت قصيرة إلا أنها إذا استمرت كان لها أثر طيب، فألزم نفسك قراءة ولو صفحة من كتاب الله، أو استغفارًا في أوقات مواصلاتك. ولا تنسَ أن السعادة وجودها بذكر الله كما قال ربنا تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" فالقلب الخاشع والتفكُّر في آلاء الله آناء الليل وأطراف النهار، والتعمق في الخلوة الحقيقية، وسط مشاغل الحياة وتراكماتها، سيبدل حالك من حال إلى حال مختلف تمامًا، ستنتقل إلى حال أنت أهدأ فيه طباعًا وأحسن فيه خلقًا، ستعاد تربيتك بصدق على عين الله، فحياتك التي تشبه الترس الذي لا يقف أبدًا إلا بالموت، ذلك الترس الذي يدور ويدور فتنتقل من عمل إلى آخر، ومن صفقة إلى صفقة أكبر، ومن مشكلة إلى مشكلة ثانية، ومن حل للأولى إلى حل للثانية والثالثة، فحياتك صارت عبارة عن مشاق كثيرة ومادية بصورة بحتة، وأنت الآن في أعز احتياج إلى عودة حياتك الروحية في هذا الشهر المبارك، وعليك ألا تفقدها مرة ثانية، وإذا لم تفقدها فعليك أن تشحنها بالطاقة للاستمرار معك فيما تبقى لك من عمر، واعلم أنه مهما طال قصير. وفي الحديث: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، فقيام الليل نعمة عظيمة تجعل من خلوتك حصيدًا للحسنات التي لا تنتهي، وقد قال بعض العلماء: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة. فمناجاة الله ومناداته والشعور بتقصيرك تجاهه ودموع الخلوة التي لا يعلمها إلا أنت والله، كل ذلك أفضل ما يكون وقت العزلة مع الله، حيث لا رقيب أو ناظر، حيث تبث كل ما يحمله صدرك من أشجان على ذنوبك، وقلة شكرك، وركضك في الدنيا كأنها حياتك الأبدية، وما أحلاها من مناجاة تفوق طعم العسل الحلو، لذة الشعور بقربك من الله، وأن الله قد هيأ لك تلك العبادة العظيمة لتعبده بها، فنعم العمل ونعم التوفيق. ولهذا كن كالفضيل بن عياض حين يقول: "إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس عليَّ". ليل العابدين سكون ووقار، يبعدهم عن الرياء، والخلوة مع الله تزيد العابدين قربًا وأنسًا بالله. والصلاة هي زادهم متى اتخذت من الليل ميقاتًا كانت خير زاد من التقوى والقرب من الله، فالذين آمنوا أشد حبًّا لله، يقومون، ويركعون، ويسجدون، ويذكرون، ويُسبِّحون، ويقرأون القرآن، ويتوبون، ويستغفرون، ويناجون الله ويدعونه، ويبكون من خشيته. فلا تنسَ أن تأخذ قسطًا من ذلك الزاد، فسفرك يحتاج لذلك الزاد حتى لا تهلكك الدنيا بمفاتنها، وتذكَّر قول الله سبحانه وتعالى: "وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا".
2275
| 03 يونيو 2018
خلق من أفضل ما أنعم الله به على أمة محمد، خلق الإيثار ذلك الخلق الذي لا يصل إليه إلا من نزع أسوأ ما في نفسه من خصال الأنانية والشح، وهو أمر يحتاج مجهودًا فائقًا، فأنت حينما تُفضِّل غيرَك على نفسك تشبه من جاهد نفسَه ونأى بها حتى لا تقع في صفة انعدام المروءة والفضل. فكيف برجل شريف في قومه منسوب إلى دين عظيم وقوم كانوا يتسارعون في فعل الخيرات، كيف برجل كهذا تنعدم من صفاته صفة المروءة والفضل، هل نحن بأقل من هؤلاء الغربيين الذين يصنعون يومًا للقضاء على الفقر؟ لا لسنا كذلك، بل نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نغص يومًا بمساعدة الفقراء بل نسلم حياتنا كلها لتكون عونًا لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين لا يجد بعضهم قوت يومه، وبعضهم لا يستطيع أن يرسم البسمة على وجه أبنائه لضيق ذات اليد، فأين نحن من الرسول — صلى الله عليه وسلم —، ألا تتذكرون تلك المرأة التي أتت رسول الله ببردة تهديها إليه، وهو محتاج إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها. فقال: نعم. فلما قام النبي — صلى الله عليه وسلم — لام الصحابة هذا الصحابي قائلين: ما أحسنتَ حين رأيت النبي — صلى الله عليه وسلم — أخذها محتاجًا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفتَ أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوتُ بركتَها حين لبسها النبي — صلى الله عليه وسلم — لعلي أُكفَّن فيها. أتعقلون جواب رسول الله، لم يزد عن قول: نعم، يا لعظمة ذلك الرسول الذي يؤثر الناس على نفسه حتى هذه الدرجة العظيمة، ألا تحبون أن تتخلقوا بخُلُقه، ماذا لو قررتَ أخي الكريم وقد منَّ عليك الله بنعمة الحياة والتمتع بالصحة والأموال، ماذا إذا خصصت جزءًا صغيرًا من راتبك واشتريت ملابس الصيف لأسرة محتاجة، أتتخيل مدى فرحة أسرة فقيرة بهذه الملابس؟ أترى مثل تلك الفرحة في عيون هؤلاء الفقراء، كلنا نحتاج إلى رؤية تلك الفرحة، أليس المسلم من أعان أخاه في حاجته؟ ألم ينفِ الرسول الإيمان الكامل عن هذا الجار الذي ينام وجاره يبيت جائعًا إلى جنبه وهو يعلم؟! فعليكم بالإيثار، فكثيرٌ منا أو عدد ليس بالقليل يمتلك في خزانة ملابسه خمسة أردية على الأقل، فماذا سيحدث إذا قررنا ألا نجدد شقتنا هذا العيد، أو أن نكتفي برداء واحد بدلا من اثنين، وأهدينا الآخر لشخص محتاج فقير، وربما شجعنا أولادنا على صنع صندوق صغير يضعون فيه جزءًا صغيرًا من مصروفهم، حتى إذا اقترب العيد، أخذناهم في جولة صغيرة ليشتروا بمصروفهم شيئًا يُدخلون به السعادة على بعض الفقراء، وراقبهم وهم يتهافتون على شراء أشياء بأكثر مما جمعوا من أموال لترى تلك الفطرة التي فطر اللهُ الأطفالَ عليها، لتوقن أنها نعمة، نعم إيثارك لأخيك نعمة، تلك المشاعر التي تكنها نحو إخوتك نعمة عظيمة، وأن تحيي تلك المشاعر وأن تحس بها مرة أخرى هي نعمة أخرى جميعنا يحتاج إليها، ونحن في شهر عظيم تتضاعف فيه الأعمال وتزداد فيه الأجور فلا وقت سيكون مناسبًا مثل ذلك الوقت، فشمِّر ساعدَيْك وأقْبِل منافسًا مَن تعرف مِن أصحابٍ أو إخوة أو أقرباء، لنرى مَن منا سيُسعِد الآخرين أكثر؟ مَن منا سيُؤثِر الآخرين على نفسه؟ وقد صدق الله حين قال: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". فها هم الأنصار يُعطُون المهاجرين أموالهم إيثارًا لهم بها على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم، والشح المذكور في الآية هو أشد من البخل، فيقال: فلان بخيل وفلان شحيح، فالشحيح بخيل وزيادة، فالبخل دركات؛ لأنه في العد النازل، فمن دركاته الشح، وهو أشده، وشدة الحرص تحمل الإنسان على فعل ما لا يَجمُل ولا يليق، فيقطع الرحم، ويحارب الأخ، ويعارك ويقاتل على أتفه الأشياء، ويؤدي إلى قطيعة الرحم والإساءة إلى الجيران والمعارف، فهو باب مفتوح للمشكلات من كل ناحية، أعاذنا الله وإياكم من الشح، أما الإيثار فإن له ثمارًا عظيمة، فبه تحدث البركة في المال، وفي الأهل فلا يصيبهم مرض، ويتعايشون بأقل النقود، وينفعك الله بأولاد يدعون لك ويطيعونك ويحسنون صحبتك، كل هذه ثمرات تحدث من إيثارك للفقراء، بالإضافة إلى الحسنات التي تُعطى لك على مثل هذا العمل، فما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا. فاجعل لسان قولك وفعلك تقديم الفقراء على نفسك في مصالحهم، مثل: أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، فكل فعل تدنو به إلى عبادة الله يُقرِّبك درجات إلى جنات الله عز وجل. ولا تنسَ نصيحة رسول الله — صلى الله عليه وسلم — حاثًّا على الإيثار وبناء المجتمع الفاضل فيقول: « مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ» فقد خلقك الله لعبادته ولإعانة خلقه على عبادته، وهذا لا يتأتى إلا بمساندتك لهم وقت الشدائد ووقت كروبهم وحوائجهم، فلستَ خاسرًا يا من أعطيت لفقيرٍ ما زاد عندك، فهو زائد وأنت لا تحتاج إليه، فلماذا تنتظر أن يفنى ما عندك لِتَلَف يصيبه من الخارج، بل بادر ثم بادر بإعطائه لفقير يدعو لك ويمنحك ثوابًا أنت ستكون في أشد حاجة إليه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
6367
| 02 يونيو 2018
الجد والجدة هما نور في كل بيت وُجِدا فيه، ورحمة أهداها الله للأحفاد، فترى السكينة، وهدوء النفس يملأ قلبيهما، ويعاملان الجميع بعطف وحنان، فقد عانيا في الدنيا وسارا فيها طويلًا حتى اكتسبا من الخبرات ما يجعلهما هادئي النفس مطمئني البال، كما أنهما أكثر أهل البيت عبادةً لله، فقد زادت عبادتهما لله بزيادة عمرهما بعكس أبنائهما أو أحفادهما، لذلك فقد اكتسبا قدرًا من الرحمة والبركة. هما بركة البيت فينبغي علينا الحفاظ عليها ما استطعنا، فكلما عملنا على رعايتهما وحمايتهما أثابنا الله بذلك عظيم الأجر والثواب. الجدان وقد خط رأسهما المشيب وضعف جسدهما، واحتاجا لمن يرعاهما، فمن لهما سوى الأبناء والأحفاد؟! لذلك علينا ألا نملَّ أو نتضجَّر من خدمتهما، فهما لم يبقَ لهما من العمر الكثير، وإن بقي، فعلينا أن نخدمهما بحب ومودة ورحمة، ففي ذلك رضا لله عز وجل ورضا لهما. كما أن خدمتهما فرض علينا فقد وصانا عليهما ربنا الكريم في قوله تعالي: "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" كما أمرنا بالدعاء لهما. فأقْبِل على جدك وجدتك في هذا الشهر الكريم، واغتنم الفرصةَ، وبادر أنت وإخوتك في خدمتهما وتحملهما في كبرهما وطلباتهما. ما يلفت النظر وما يأسف له القلب أن بعض الناس إذا كبر آباؤهم وصاروا أجدادًا لأولادهما، وثقلت عليهم خدمتهم تزمَّروا وتأففوا منهم، وربما منهم من تطاول عليهم بالسب والشتم والضرب أحيانًا!! ألم تكن هذه أمك التي ربَّتْك وتحمَّلت في صِغَرك وتعثرت في عثراتك لتكبر وتنجب لها هؤلاء الأحفاد، التي لم تكل ولم تمل من مواصلة رعاية أبنائك؟ ربما منهما من شق عليه صيام رمضان أو أذن له الطبيب بالإفطار، فاحتاج الرعاية الكاملة في نهار رمضان من طعام وشراب، فلا تتركهما بحجة صيامك، فرعايتهما في صيامك وإطعامك لهما الطعامَ بيدك وبطِيب نفسٍ لهو تمامٌ لصيامك وأكبر ثوابًا عند الله. الجد والجدة في كبرهما يحتاجان للرعاية أكثر من أي وقت آخر، بل يحتاجان لوجود الأسرة كلها بجوارهما ويتبادلان أطراف الحديث معهما، لا يُحبان الجلوس بمفردهما فيشعران بغربة ووحدة، لأنهما في ذلك الوقت ترقُّ مشاعرهما ويعلمان بدنو أجلهما، فعلينا ألا نشعرهما بفراغ أو وحدة على قدر المستطاع، ونشاركهما الحديث من بداية يومهما حتى نهايته وذلك بطيب نفس وصدر رحب، لا عن غضب وضيق نفس. ولقد حثنا رسولنا الكريم على ذلك حيث قال — صلى الله عليه وسلم —: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» رواه الترمذي وحسَّنه. ومن الإحسان إليهما أيضًا: صحبتهما بسفر أو نزهة إذا كانا قادرين على ذلك، من باب الترويح عنهما، وخصوصًا حينما يكون ذلك إلى أداء عمرة أو حج، فتفوز برضاهما والإحسان إليهما ورعايتهما وأداء طاعة. فما أجمله من عمل! وما أجمله من ثواب! وأنتم أيها الأحفاد انتبهوا جيدًا لهؤلاء الأجداد فهم بركة لكم والدعاء مستجاب عندهم، فلا تتركوا الفرصة تتفلَّت من بين أيديكم، واستفيدوا من خبراتهما في الحياة فهما كنزا خبرات، ونصائح لا نهاية لها. فأنصتوا إليهما جيدًا ولا تكِلُّوا من ذلك، فمما يؤسف أيضا هذه الأيام أننا نجد كثيرًا من الشباب ينفرون من أجدادهم وجداتهم ولا يجلسون معهم، ويكرهون حديثهم الطويل، أو يجلسون بجوارهما صامتين لا حوار بينهم، شغلتهم هواتفهم ومحادثاتهم عبر الإنترنت التي لا جدوى منها في معظم الأحيان. لو تعلمون أيها الشباب ما يقدمه لكم أجدادكم من خير ونصيحة راشدة وخبراتِ حياة مفيدة ما تركتموهم لحظة. وأعود في حديثي مرة أخرى إلى الآباء، فإن وجود الجد والجدة في البيت درس عملي للبر والإحسان تقدمانه لأبنائكم، فإذا رأى الأبناء منكما الرعاية والاهتمام والرفق والبر في تعاملكم معهم فسوف يشبون وينشأون على ما رأوكم تفعلونه، وهذا ما سيفعلونه معكم — إن شاء الله —، والعكس صحيح فإذا تأففتم ونهرتم وتعاملتم بقسوةٍ وفجورٍ فسوف تتعاملون بنفس المعاملة، (فكما تدين تدان) انتبه جيدًا من هذا الأمر كي لا تتحسَّر على لحظة من لحظات وجودهما بجوارك وتقول: يا ليتني أحسنتُ إليهما يا ليتني قدمتُ إليهما البر والعطف، فستقعد ملومًا محسورًا، تتحسر ندمًا وتتذوق مرارة تلك المعاملة وما كان يشعر به آباؤك عندما كنتَ تُسيء لهما، وليس ذلك فقط العقاب ولكن هناك عقاب أكبر في الآخرة ينتظرك. أمر صعب يجب الانتباه إليه جيدًا، فالجد والجدة بركة ونور البيت بل فرصة يجب على كل مسلم ذكي استغلالها أحسن استغلال حتى لا يندم وقت لا ينفع ندم، واستغلوا الشهر الكريم وأكثروا وبالغوا في البر والإحسان إليهما وقدموا إليهما كلَّ ما يحتاجان إليه ويحبانه ويرضون عنه إلا ما كان في معصية الله تعالى فلا طاعة فيه. ومن كان قد فقد أحد أجداده أو كليهما، فليبادر بالإحسان إليهما في قبرهما، فيتصدق لهما وحبذا صدقة جارية، أو يقوم بالعمرة أو الحج لهما، أو إن لم يستطع فيكتفي بالدعاء والاستغفار لهما، والإكثار من ذلك في شهر رمضان المبارك حيث يتضاعف الثواب.
87281
| 01 يونيو 2018
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
4527
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
4143
| 07 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
975
| 11 مايو 2026
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...
780
| 07 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
768
| 07 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
729
| 08 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
606
| 09 مايو 2026
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...
573
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
495
| 12 مايو 2026
في إطار دعم دولة قطر الكامل للمساعي الرامية...
486
| 11 مايو 2026
في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد...
468
| 06 مايو 2026
زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى،...
456
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية