رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الفيحاني.. ورقة حب مطويّة 2-2

استمراراً لحديثنا عن الشاعر محمد بن عبدالوهاب الفيحاني، فإن ما يذكره صديقه الراوي جبر بن جمعة الكوّاري أنه كان جالسًا معه في مجلسه مع مجموعة من المقرّبين فقرأ أحدهم قصيدته المربوعة التي يقول في مطلعها: «من الفرقى عساها للنّفادي ألا يا صاحبي ومن البعادي» فلما وصل إلى البيت الذي يقول فيه: « أنوح من الجوى وأقول فرقا كما ناحت من العلّات ورقا» فقرأ «الجوى» خطأ، فقال: «الجو» فقام الفيحاني فقال: أعطني الأوراق! وصاح بأصدقائه: تعالوا وانظروا ماذا يفعل هذا بقصيدتي، لقد كسر البيت. ثم التفت إلى جبر فقال له: « أتريد بعد موتي أن يقول الناس عن ابن عبدالوهاب ليس بشاعر «! ولكن على علوّ كعبه في الشعر، وشهرته الواسعة التي ملأت الأرجاء، لم تنتظره قليلاً هذه الرعبوبة. وهذا بسبب ما فرضتها عليها التقاليد الاجتماعية آنذاك، وفي القديم كانت البنت تُجبر على الزواج من ابن عمّها سواءً كان جيدًا أم رديئًا وهذا بسبب أنهنّ قلائل، وكانوا يشحّون بهنّ على الغريب. وبطبيعة الحال هاهي «مي» تحزم حقائبها، وتجمع أغراضها، وتشدّ رحالها مع زوجها نحو المجهول لتنكأ في صدره جُرحًا لن يندمل شقّه، ولن يتوقّف نزفه: «عمّن ترحّل سالي الدار يا عين استعلميها وانشدي يا حزينه قولي هلك يادار منّك غدو وين ؟! من بك وقف يَنْشدك ما تخبرينه ؟! هل ترتجيهم هم على الأرض حيّين لَوْهُم مع من في المقابر دفينه قالت: حشا.. ماهم تحت الارض فانين امس الضحى عنّي غدوا بالضعينه يومك تراهم يا « محمّد» مقفّين عنّك.. ولامَا عشْرتك زاهدينه راحوا وهم يا ولد «جاسم» معيفين ما أظن هم لك بالوصل مِنتوينه قلت: اسكتي! من ذا الخبر بس تكفين يا دار نقّضتي جروحٍ دفينه! هذا الخبر يا عين هلّي نظيرين بالك لدمعك عقبهم تذخرينه ابكي على لامَاه حتّى تذوبين يمكن تروف قلوبهم يا فطينه »! يوصي عينه سريعة الانهمار على البكاء وهي التي لا تحتاج لزجر، ولا تنتظر عَصْر، فهو كما أخبر عن نفسه: « كلّما كفّيت صوبٍ سال صوب لين قرّح جفن عيني من بكاه » ولكن هذا كلّه في سبيل من لم يهتم لأمره بل إنه ينام الليل دون أن يقلقه هم، أو يتعبه غم: « هاضني وأحدث شجوني حبّ ناسٍ ما يبوني يرقدون الليل كلّه والسّهر قَطّر عيوني » ! ويقول أيضًا: « تكلفنا وهم عنّا براحه تعذّبنا وهم عنّا غافلينا » ولكن هذه طبيعة حالهم يرحلون دون إحساس ينبّههم، ولا ضمير يؤنبهم، ولا شعور يوقظهم، وكأننا مشيّدون من طوب وأسمنت ولم نخلق من لحم وعظم. يرحلون وكأنهم لم يكون أول الطموح، وآخر الآمال. ولكن هذا البرود لم يجعل شاعرنا يكفّ، بل كان يُرى متأبطًا لديوانه، واضعًا قلمه الرصاص خلف أذنه. كان يكتب والألم ينهش صدره، والهم يفتّ عضده، حتى نحل جسمه إلى أن تبيّنت عظام معصمه، وأصيب بالأمراض المستعصية على العلاج، فكأنما يقول: « إنْ رُمْت إصلاحي فإني لم أُرِدْ.. لِفَسادِ قلبي في الهوى إصلاحا « كما قال قيس قبله. « قصّت حبالك من عقب وصلها (مَي) واستبعدت من عقب ماهي قريبه ومن المحبّه ما بقى عندها شي صارت عقب ذيك الصّداقه حريبه! ولا هقيت ايْعود لي ذلك الفَيْ هيهات مرجوع القمر من مغيبه الّا تعود عصور شدّاد وَلْوي والّا الصّبا يرجع لعودٍ وشيبه! » وشاعرنا مثل البحر الذي عاش بجواره، واسع الأطراف، بعيد الغور، لا يُدرك كنْهه، ولا تُعرف خوافيه. يرحل بمن حلّ في ثبجه، وخاض معتركه، ولا يبخل بلآله، ولا ينأى بجواهره، ولا تنضب أسراره، ولا تُعدم خيراته مع مرور الأيام، وتقادم الأعوام. « بحري غزيرٍ ماكشف بالقراحي لاهوب رقراقٍ.. ولا هوب ضحضاح ماشيْف له بالعين لاحي وشاحي لاصكّ به غيصٍ، ولا طاف سابح » كما أنّ لكلّ بداية نهاية، ولكل نهار ليل، هاهو شاعرنا وهو على فراشه الأبيض بمستشفى الإرسالية الأمريكية بالبحرين يُخَبّر بوفاة محبوبته، وكانوا يظنّون أنه عندما يعلم لن يفكّر بوصلها بعد اليوم، ولعلّه ينساها بعد اليأس منها « واليأسُ إحدى الراحتينِ ولن ترى.. تعبًا كظنّ الخائبِ المكدودِ « ولكن هذا من وجهة نظرهم ونظر البُحتري، وأما شاعرنا لم يريحه يأس، ولم يؤنسه عزاء، بل تضاعف عليه الألم، حيث تفجّرت جروحه، ونزفت دماه، ولم يعِش بعدها إلا أيامًا معدودات. يقول بعدما سمع الخبر: « ما سمح قلبي يروح ولا يرى زول محبوبه.. ولو هو من بعيد! لو يبين من الجبل لي من ورا ديرته تطفي لهيبٍ به وقيد آه واويلاه يا ليته درى كيف حبّه في حشى قلبي يزيد » رحلت وتركت خلفها ذكرى تحيط به من كل جانب، وندبات في صدره لا تمحيها الأيام، ولا تزيلها الأعوام، فهو لا يعرف إلا مي، ولا يسكنه إلا مي، ولا يتذكر إلا مي، وهاهي مي قد رحلت من دنياه الفانية إلى أُخراها الباقية. المراجع: محمد بن عبدالوهاب الفيحاني لعلي الفيّاض وعلي المنّاعي. في رحاب التراث الشعبي القطري لعلي الفيّاض.

2295

| 02 ديسمبر 2023

الفيحاني.. ورقة حب مطويّة 1-2

«شبعنا من عناهم وارتوينا وعند رسوم منزلهم بكينا ونادينا وقلنا خبروهم ترانا من محبتهم نعينا وثرنا من مفارقهم نحلنا وكان فراقهم طاول؟ فنينا.. « هأنذا أقف على ساحل فويرط تلك البلدة الوديعة التي تقع في شمال شرق دولة قطر، عائدا إلى سنة ١٩٠٧م مستشعرا معنى الأمل والألم، أما الأمل فهو عندما سُمِعت صرخات ولادة شاعر (محمد بن عبدالوهاب الفيحاني) سوف يكون لصوته دَوِي، وأما الألم فهو عندما توفيت والدته الرؤوم في ذات العام الذي وُلِد فيه فنشأ يتيمًا، هاهو محمد بن جاسم يمشي منعزلاً على سِيف الشاطئ، يطرب سمعه تلاطم الأمواج، ويمتع ناظره الأفق اللازوردي، ومن تحته السفن التي تمخر عباب البحر، ويصيخ سمعه لصوت النهام الذي يخترق المدى بـ «يا مآل» التي يصب إيقاعها الموسيقي في أذنه المرهفة. أما أنا فإني أنقل عيناي في البحر الخالي من السفن الخشبية، حيث لا سنبوك يمر، ولا جالبوت يعترض، ولا شوعي يعبر، ولا طواش ينادي، ولا نهام يغني، ولا قلاف يصنع. إذ إن هذا كله انتهى بعد سنة كارثة الطبعة في عام ١٩٢٤م وقضى على بقيتها اختراع الؤلؤ الياباني المصنع في عام ١٩٢٥م حتى دخلت قطر في سنوات عجاف استمرت إلى عشرين عامًا أصبح فيها التاجر فقيرًا، والفقير معدمًا، وها هي أسراب الناس تغادر البقعة الجغرافية القاحلة بلا عودة إلى البحرين والكويت والسعودية وغيرها من البلاد. لم يمكث الشاعر سنتين عند خالته التي سارعت في احتضانه، وبادرت بإرضاعه إلا وتخطفتها يد المنية ليصاب بخيبة أمل أخرى. أحس الفتى الصغير بعدها بغربة روح على إثرها نزعت نفسه إلى العزلة فهو لا يريد أن يتكلم كثيرًا ففي نفسه ما يكفيه، وفي صدره ما يكويه. تمضي الأيام بجنازرها على بؤسه وألمه دون مراعاة لصغر سنه إلى أن اشتد عظمه، وطر شاربه وها هو يحزم حقائبه متوجهًا إلى دارين ثم إلى الكويت لكي يطلب العلم في المدرسة المباركية (المدرسة الأولى في الخليج) وأخذ خلال دراسته يتلقف الكتب بنهم شديد، فهو يقرأ في التاريخ واللغة والأدب والشعر، وقد أُعجب بشعر المتنبي. وبينما هو على مقاعد الدراسة منكبًا على تلقي العلوم توفي والده في الهند وقد كان من تجار اللؤلؤ في الخليج، وعندما أنهى دراسته عاد إلى قطر بثقافةٍ بز فيها أقرانه، وتجاوز بها نظراءه، فقد ذكر في ثنايا قصائده معلومات كثيرة ومعارف واسعة لا يلم بها ولا يعرفها إلا من تعلم تعليمًا مميزًا. وكان يتزيا بزي أهل العلم حيث إنه يلف فوق غترته عمامة بيضاء ولكن سرعان ما خلعها، ووضع بدلاً منها العقال الأسود قائلاً: « قلبي عن الغي في صندوق ومحكماتٍ لواليبه مفادَه الصبر قام ايْتوق من حب سيد رعابيبه! « لم تغب عن باله لحظة، ولم تُنسَ من ذاكرته برهة، فقد ظلت في قلبه تلك الأنثى الرعبوبة التي عرفها في مراتع صباه، وأحبها في أول أيامه. فهو عاد لساحله الذي تكون على لطمِ موج بحره، وعَشِقَ على صوت نعيق نورسه، وعاد إلى أنثاه الأولى والأخيرة: « بليت بحبها طفلٍ فطيمه من اول شبتي، واول صبايه ولا وصلٍ لتنزيه الكريمه ولكن المحبه من شقايه وطال الشمل ما لمت حَزيمه ولا وافى نبا «ميٍ» نبايه قضى الديان دينه من غريمه وانا يا «مَي» عندك وش خطايه لكنْ بالبلا اللي بي غشيمه ولا عندك بهيماتي درايه ولا أنتِ من تِلافي مستليمه ولاني منْك سالم من عنايه! علامك بالجفا دُوبك مقيمه وعودك ما يلين مْن اعتوايه ! تُقرأ «اعتوايه» هكذا باللهجة القطرية وليس «اعتواجه» كما يُقال في نجد، وما نقرؤه في الكتب حتى لا تختل قافية القصيدة، وقد كان الشاعر حريصًا على شعره.

1083

| 24 نوفمبر 2023

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

4239

| 07 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

1689

| 12 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1002

| 11 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

786

| 07 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

768

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

738

| 08 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

615

| 09 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

591

| 12 مايو 2026

alsharq
كيفية قراءة السياسة الأمريكية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...

576

| 07 مايو 2026

alsharq
اتفاق الممكن بين الحرب والسلام

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...

531

| 12 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

528

| 11 مايو 2026

alsharq
قطر تكثف جهود الوساطة لخفض التصعيد

في إطار دعم دولة قطر الكامل للمساعي الرامية...

498

| 11 مايو 2026

أخبار محلية