رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
" خليجُ.. يا موجةً بيضاء تنقُلَها أصابعُ الشوقِ من قلبي إلى بصري أعيذُ وجهك أن تغزو ملامحَهُ رغم العواصف إلا بسمة الظفرِ عهدتُهُ عربيًا.. ما لوى فمَهُ بلكنةٍ هاجرت من شاطئ التترِ عهدتُهُ عربيًا.. ملء جبهتهِ كبرٌ من البيدِ لم يركع على قدرِ " أغنية الخليج، غازي القصيبي في هذا الصباح الغائم الذي تشرق شمسه على وجه مدينتي، فتتقاطع خيوطها الذهبية مع أهاليل المطر التي تجلد الشوارع، وتغمر الأرصفة، فتغسل الرّوح من دنسها، وتطهّر الذّات من وهمها، ثمّة هاجس دعاني بأن أُمسك القلم وأُدوّن في جوف الورقة عمّا أخذتني إليه مخيّلتي عن الخليج العربي، وأنا أحتسي قهوتي السوداء وأطوف في شوارع الدوحة ميممًا شطر الكورنيش في لحظة خارج نطاق الزمن أُتمتم فيها بشطرٍ للمؤسس جاسم: " يا الله يا منشي السحاب الثقالي ". لاسيّما أنني عشت على ضفافه عمرًا، وسرت في شطآنه شابًا، والذي كلما دلفتُ على جَاله تفتّحت في نفسي نوافذ روحيّة، وخيالات تاريخيّة تجاه أولئك الصِّيد الذين جاوروه قرونًا وكابدوه دهورًا.. فكأنني أسمع صليل سيوفهم، ودبيب خيولهم، وربما رأيتهم وهم يجرّون قوافلهم، ويُنشِدون أحاديهم، ويخوضون معاركهم حتى تمرّ بي قبيلة عبدالقيس، وقصيدة المُثَقِّب، ومعلّقة طَرَفَة، وحيث يُلبّي المنذر بن ساوى نداء الإسلام، ويقطع قُطريّ المفاوز بأبياته: " أقول لها وقد طارت شَعاعًا ". ويشقّ رحمة بن جابر الخليج بالغطروشة، وينهض المؤسس جاسم بن محمد بالتاريخ الذي أراه حيّاً أمامي.. وحين وصلتُ الكورنيش ولذتُ بين وروده، وتفيّأت ظلاله، أطلقت بصري تجاه أمواج الخليج، وأنا أستشعر كم نَـهّامٍ غنّى مواويله، وكم بحّار جدّف بزوارقه، وكم أمةٍ عاشت على سِيف شواطيه، ووشوشة قواقعه، وناجت أمواجه، وصافحت جُزره، ونبشت رمله. هذا الخليج… الذي حين أعود لأمسك بطرف بداية التاريخ إلى زمنٍ كانت فيه الحضارات تولد على ضفاف الماء تتبدّى لي صورة السومريين وهم يشيرون بأصابعهم إلى هذا الامتداد الأزرق ويسمّونه " بحر أرض الإله " ثم يتبعهم الأكاديون فيسمّونه " بحر الشروق الكبير " ثم توالت المسميات إلى أن أطلق عليه العرب " أزرق تميم " لوجود قبيلة تميم على ضفّتيه الشرقية والغربية. وكأنّي به يرفع رأسه ويجرّ أذياله خيلاءً بما تفرّد به عن سائر البحار بقلّة ملوحته، إذ تغذّيه مياه الفرات ودجلة وقارون التي تصبّ في شاطئه الشمالي. فما أُقلّب طرفي في سواحله إلا وتهيض نفسي، وتثور قريحتي، وكأنني مكفول بملاحقة أحلام الموتى، وتطلّعات القدامى، أجمع شتات أحلامهم على سيفه، وألتقط بقايا أوجاعهم من لُجَجه.. ولكن يبقى الإنسان هو أثرى من محّاره ودرره ومرجانه مثلما يقول سلطان بن وسّام: " الا يا بحر.. يا بحر الخليج اللي على شاطيك غلاه أغلا من أمواجك.. ولولوك.. ومرجانك "
159
| 04 يونيو 2026
استمراراً لحديثنا عن الشاعر محمد بن عبدالوهاب الفيحاني، فإن ما يذكره صديقه الراوي جبر بن جمعة الكوّاري أنه كان جالسًا معه في مجلسه مع مجموعة من المقرّبين فقرأ أحدهم قصيدته المربوعة التي يقول في مطلعها: «من الفرقى عساها للنّفادي ألا يا صاحبي ومن البعادي» فلما وصل إلى البيت الذي يقول فيه: « أنوح من الجوى وأقول فرقا كما ناحت من العلّات ورقا» فقرأ «الجوى» خطأ، فقال: «الجو» فقام الفيحاني فقال: أعطني الأوراق! وصاح بأصدقائه: تعالوا وانظروا ماذا يفعل هذا بقصيدتي، لقد كسر البيت. ثم التفت إلى جبر فقال له: « أتريد بعد موتي أن يقول الناس عن ابن عبدالوهاب ليس بشاعر «! ولكن على علوّ كعبه في الشعر، وشهرته الواسعة التي ملأت الأرجاء، لم تنتظره قليلاً هذه الرعبوبة. وهذا بسبب ما فرضتها عليها التقاليد الاجتماعية آنذاك، وفي القديم كانت البنت تُجبر على الزواج من ابن عمّها سواءً كان جيدًا أم رديئًا وهذا بسبب أنهنّ قلائل، وكانوا يشحّون بهنّ على الغريب. وبطبيعة الحال هاهي «مي» تحزم حقائبها، وتجمع أغراضها، وتشدّ رحالها مع زوجها نحو المجهول لتنكأ في صدره جُرحًا لن يندمل شقّه، ولن يتوقّف نزفه: «عمّن ترحّل سالي الدار يا عين استعلميها وانشدي يا حزينه قولي هلك يادار منّك غدو وين ؟! من بك وقف يَنْشدك ما تخبرينه ؟! هل ترتجيهم هم على الأرض حيّين لَوْهُم مع من في المقابر دفينه قالت: حشا.. ماهم تحت الارض فانين امس الضحى عنّي غدوا بالضعينه يومك تراهم يا « محمّد» مقفّين عنّك.. ولامَا عشْرتك زاهدينه راحوا وهم يا ولد «جاسم» معيفين ما أظن هم لك بالوصل مِنتوينه قلت: اسكتي! من ذا الخبر بس تكفين يا دار نقّضتي جروحٍ دفينه! هذا الخبر يا عين هلّي نظيرين بالك لدمعك عقبهم تذخرينه ابكي على لامَاه حتّى تذوبين يمكن تروف قلوبهم يا فطينه »! يوصي عينه سريعة الانهمار على البكاء وهي التي لا تحتاج لزجر، ولا تنتظر عَصْر، فهو كما أخبر عن نفسه: « كلّما كفّيت صوبٍ سال صوب لين قرّح جفن عيني من بكاه » ولكن هذا كلّه في سبيل من لم يهتم لأمره بل إنه ينام الليل دون أن يقلقه هم، أو يتعبه غم: « هاضني وأحدث شجوني حبّ ناسٍ ما يبوني يرقدون الليل كلّه والسّهر قَطّر عيوني » ! ويقول أيضًا: « تكلفنا وهم عنّا براحه تعذّبنا وهم عنّا غافلينا » ولكن هذه طبيعة حالهم يرحلون دون إحساس ينبّههم، ولا ضمير يؤنبهم، ولا شعور يوقظهم، وكأننا مشيّدون من طوب وأسمنت ولم نخلق من لحم وعظم. يرحلون وكأنهم لم يكون أول الطموح، وآخر الآمال. ولكن هذا البرود لم يجعل شاعرنا يكفّ، بل كان يُرى متأبطًا لديوانه، واضعًا قلمه الرصاص خلف أذنه. كان يكتب والألم ينهش صدره، والهم يفتّ عضده، حتى نحل جسمه إلى أن تبيّنت عظام معصمه، وأصيب بالأمراض المستعصية على العلاج، فكأنما يقول: « إنْ رُمْت إصلاحي فإني لم أُرِدْ.. لِفَسادِ قلبي في الهوى إصلاحا « كما قال قيس قبله. « قصّت حبالك من عقب وصلها (مَي) واستبعدت من عقب ماهي قريبه ومن المحبّه ما بقى عندها شي صارت عقب ذيك الصّداقه حريبه! ولا هقيت ايْعود لي ذلك الفَيْ هيهات مرجوع القمر من مغيبه الّا تعود عصور شدّاد وَلْوي والّا الصّبا يرجع لعودٍ وشيبه! » وشاعرنا مثل البحر الذي عاش بجواره، واسع الأطراف، بعيد الغور، لا يُدرك كنْهه، ولا تُعرف خوافيه. يرحل بمن حلّ في ثبجه، وخاض معتركه، ولا يبخل بلآله، ولا ينأى بجواهره، ولا تنضب أسراره، ولا تُعدم خيراته مع مرور الأيام، وتقادم الأعوام. « بحري غزيرٍ ماكشف بالقراحي لاهوب رقراقٍ.. ولا هوب ضحضاح ماشيْف له بالعين لاحي وشاحي لاصكّ به غيصٍ، ولا طاف سابح » كما أنّ لكلّ بداية نهاية، ولكل نهار ليل، هاهو شاعرنا وهو على فراشه الأبيض بمستشفى الإرسالية الأمريكية بالبحرين يُخَبّر بوفاة محبوبته، وكانوا يظنّون أنه عندما يعلم لن يفكّر بوصلها بعد اليوم، ولعلّه ينساها بعد اليأس منها « واليأسُ إحدى الراحتينِ ولن ترى.. تعبًا كظنّ الخائبِ المكدودِ « ولكن هذا من وجهة نظرهم ونظر البُحتري، وأما شاعرنا لم يريحه يأس، ولم يؤنسه عزاء، بل تضاعف عليه الألم، حيث تفجّرت جروحه، ونزفت دماه، ولم يعِش بعدها إلا أيامًا معدودات. يقول بعدما سمع الخبر: « ما سمح قلبي يروح ولا يرى زول محبوبه.. ولو هو من بعيد! لو يبين من الجبل لي من ورا ديرته تطفي لهيبٍ به وقيد آه واويلاه يا ليته درى كيف حبّه في حشى قلبي يزيد » رحلت وتركت خلفها ذكرى تحيط به من كل جانب، وندبات في صدره لا تمحيها الأيام، ولا تزيلها الأعوام، فهو لا يعرف إلا مي، ولا يسكنه إلا مي، ولا يتذكر إلا مي، وهاهي مي قد رحلت من دنياه الفانية إلى أُخراها الباقية. المراجع: محمد بن عبدالوهاب الفيحاني لعلي الفيّاض وعلي المنّاعي. في رحاب التراث الشعبي القطري لعلي الفيّاض.
2457
| 02 ديسمبر 2023
«شبعنا من عناهم وارتوينا وعند رسوم منزلهم بكينا ونادينا وقلنا خبروهم ترانا من محبتهم نعينا وثرنا من مفارقهم نحلنا وكان فراقهم طاول؟ فنينا.. « هأنذا أقف على ساحل فويرط تلك البلدة الوديعة التي تقع في شمال شرق دولة قطر، عائدا إلى سنة ١٩٠٧م مستشعرا معنى الأمل والألم، أما الأمل فهو عندما سُمِعت صرخات ولادة شاعر (محمد بن عبدالوهاب الفيحاني) سوف يكون لصوته دَوِي، وأما الألم فهو عندما توفيت والدته الرؤوم في ذات العام الذي وُلِد فيه فنشأ يتيمًا، هاهو محمد بن جاسم يمشي منعزلاً على سِيف الشاطئ، يطرب سمعه تلاطم الأمواج، ويمتع ناظره الأفق اللازوردي، ومن تحته السفن التي تمخر عباب البحر، ويصيخ سمعه لصوت النهام الذي يخترق المدى بـ «يا مآل» التي يصب إيقاعها الموسيقي في أذنه المرهفة. أما أنا فإني أنقل عيناي في البحر الخالي من السفن الخشبية، حيث لا سنبوك يمر، ولا جالبوت يعترض، ولا شوعي يعبر، ولا طواش ينادي، ولا نهام يغني، ولا قلاف يصنع. إذ إن هذا كله انتهى بعد سنة كارثة الطبعة في عام ١٩٢٤م وقضى على بقيتها اختراع الؤلؤ الياباني المصنع في عام ١٩٢٥م حتى دخلت قطر في سنوات عجاف استمرت إلى عشرين عامًا أصبح فيها التاجر فقيرًا، والفقير معدمًا، وها هي أسراب الناس تغادر البقعة الجغرافية القاحلة بلا عودة إلى البحرين والكويت والسعودية وغيرها من البلاد. لم يمكث الشاعر سنتين عند خالته التي سارعت في احتضانه، وبادرت بإرضاعه إلا وتخطفتها يد المنية ليصاب بخيبة أمل أخرى. أحس الفتى الصغير بعدها بغربة روح على إثرها نزعت نفسه إلى العزلة فهو لا يريد أن يتكلم كثيرًا ففي نفسه ما يكفيه، وفي صدره ما يكويه. تمضي الأيام بجنازرها على بؤسه وألمه دون مراعاة لصغر سنه إلى أن اشتد عظمه، وطر شاربه وها هو يحزم حقائبه متوجهًا إلى دارين ثم إلى الكويت لكي يطلب العلم في المدرسة المباركية (المدرسة الأولى في الخليج) وأخذ خلال دراسته يتلقف الكتب بنهم شديد، فهو يقرأ في التاريخ واللغة والأدب والشعر، وقد أُعجب بشعر المتنبي. وبينما هو على مقاعد الدراسة منكبًا على تلقي العلوم توفي والده في الهند وقد كان من تجار اللؤلؤ في الخليج، وعندما أنهى دراسته عاد إلى قطر بثقافةٍ بز فيها أقرانه، وتجاوز بها نظراءه، فقد ذكر في ثنايا قصائده معلومات كثيرة ومعارف واسعة لا يلم بها ولا يعرفها إلا من تعلم تعليمًا مميزًا. وكان يتزيا بزي أهل العلم حيث إنه يلف فوق غترته عمامة بيضاء ولكن سرعان ما خلعها، ووضع بدلاً منها العقال الأسود قائلاً: « قلبي عن الغي في صندوق ومحكماتٍ لواليبه مفادَه الصبر قام ايْتوق من حب سيد رعابيبه! « لم تغب عن باله لحظة، ولم تُنسَ من ذاكرته برهة، فقد ظلت في قلبه تلك الأنثى الرعبوبة التي عرفها في مراتع صباه، وأحبها في أول أيامه. فهو عاد لساحله الذي تكون على لطمِ موج بحره، وعَشِقَ على صوت نعيق نورسه، وعاد إلى أنثاه الأولى والأخيرة: « بليت بحبها طفلٍ فطيمه من اول شبتي، واول صبايه ولا وصلٍ لتنزيه الكريمه ولكن المحبه من شقايه وطال الشمل ما لمت حَزيمه ولا وافى نبا «ميٍ» نبايه قضى الديان دينه من غريمه وانا يا «مَي» عندك وش خطايه لكنْ بالبلا اللي بي غشيمه ولا عندك بهيماتي درايه ولا أنتِ من تِلافي مستليمه ولاني منْك سالم من عنايه! علامك بالجفا دُوبك مقيمه وعودك ما يلين مْن اعتوايه ! تُقرأ «اعتوايه» هكذا باللهجة القطرية وليس «اعتواجه» كما يُقال في نجد، وما نقرؤه في الكتب حتى لا تختل قافية القصيدة، وقد كان الشاعر حريصًا على شعره.
1212
| 24 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي،...
8973
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...
1614
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...
1335
| 30 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على...
1203
| 29 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد،...
1185
| 29 يوليو 2026
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن...
969
| 28 يوليو 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا...
948
| 30 يوليو 2026
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى اتفاقيات جديدة بل...
735
| 26 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
702
| 27 يوليو 2026
ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا...
654
| 25 يوليو 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
564
| 31 يوليو 2026
حين تستثمر الدول في الكتاب، فهي لا تستثمر...
507
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية