رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
معيب أن يغضب البرلمان لأن صحفيا انتقده، وأن يقدم ضده بلاغا إلى النائب العام. معيب أيضا أن يؤخذ البلاغ على محمل الجد، ويحال إلى النيابة العامة للتحقيق في القضية، معيب كذلك أن يحقق مع الكاتب «المتهم» طوال ست ساعات، ثم يطلق سراحه بعد دفع كفالة قيمتها عشرة آلاف جنيه. ذلك كله ليس معيبا فقط ولكنه مهين أيضا للمجلس والنيابة والصحافة، بما يشكل إساءة بالغة للنظام القائم في مصر.كل ذلك لأن صاحبنا إبراهيم عيسى وصف مجلس النواب بأنه «كارتوني». وهى الكلمة التي اهتز لها المجلس الموقر وانفعل رئيسه الذي لم نره منفعلا لأن المجلس لم يعد له دور يذكر في الرقابة على السلطة التنفيذية التي هي إحدى وظائفه الأساسية، حتى أصبح ممثلا للسلطة وليس ممثلا للشعب. لقد اعتبر رئيس المجلس ومؤيدوه أن كلمة «كارتوني» إهانة لكرامة المجلس، في حين أن أحدا منهم لم يغضب لكرامة المجلس حين تم تجاهله في العديد من القضايا والملفات المهمة التي تخص الشأن الداخلي والعلاقات الخارجية. والتفاصيل في هذا الصدد محزنة ومحبطة. ولمن يريد أن يستزيد فله أن يرجع إلى مقالة الدكتور زياد بهاء الدين في جريدة «الشروق» أمس ٧/٣ التي كان عنوانها: هل حقا لدينا برلمان؟حين غضب المجلس لأنه وصف إعلاميا بأنه «كارتوني» ــ وذلك وصف مهذب للغاية إذا قورن بأوصافه الأخرى المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أثبت أنه حين عطل وظيفته في مراقبة الحكومة، فإنه أراد أن يكون رقيبا على الإعلام. وبدل أن يكون منبرا لحرية التعبير، فإنه لم يكتف بمصادرة تلك الحرية، ولكنه أراد أيضا إرهاب الإعلاميين وإسكاتهم، لكي لا يوجهوا أي نقد لأداء المجلس. وفي حين توقعنا أن يحفظ النائب العام البلاغ احتراما لحرية التعبير فإنه أحال الكاتب للتحقيق في انحياز ضمني إلى جانب عملية إرهاب الإعلاميين وتخويفهم. أما وكيل النيابة الذي لم يسمع بما فعله نظيره الذي برأ طه حسين في عشرينيات القرن الماضي وقرر الإفراج عن الكاتب بكفالة فإنه تضامن مع حملة الإرهاب. ذلك أن الكفالة في العرف القانونى هي إجراء تحفظي بديل عن الحبس الاحتياطي يتم اللجوء إليه حتى يحين موعد المحاكمة، ولكي يبقى سيفا مسلطا على رقبة المتهم يمكن به تحريك «القضية» في أي وقت.لا أستطيع أن أفصل ما جرى عن اتجاه الريح السياسية لدى بعض أطراف السلطة التي ترى في كل نقد إهانة، وتعتبر أن ذلك النقد يصبح إيجابيا وبناء إذا انطلق من التأييد المطلق ومارس «حريته» في المديح والتصفيق.قبل أن تتحول المسألة إلى قضية، أجرى الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش (الابن وليس الأب) حوارا تليفزيونيا (يوم ٢٧ فبراير) مع قناة «إن. بى. سى»، سأله خلاله المذيع عن رأيه في الانتقادات الحادة التي وجهت إليه إبان حكمه فكان رده درسا بليغا ذكر فيه ما يلي: الإعلام الحر لا غنى عنه في أي مجتمع ديمقراطي، لأن السلطة تعطي إحساسا بالاستعلاء والقوة، وتتحول إلى إدمان بمضي الوقت. ووحده الإعلام الذي يتولى تقويم مسارها ومحاسبتها وكشف أخطائها بصفة يومية أمام الرأي العام، وذلك دور بالغ الأهمية.هذا الدور يقوم به الآن الإعلاميون والمثقفون والفنانون في مواجهة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب. وانتقادات هؤلاء للرجل ينقلها التليفزيون وتنشرها الصحف بصفة يومية. وهي تستفز الرئيس ترامب بطبيعة الحال. وكل ما فعله أنه صار يرد على ناقديه بتغريداته، كما أنه هاجم الإعلاميين واعتبرهم «أعداء» ومنع بعضهم من حضور مؤتمراته الصحفية. وهذا الأسبوع سبه أحد الإعلاميين المخضرمين (دافيد ليترمان)، ووصفه بأنه «غبي وابن كلب» (Stupid son of a bitch) ــ ولم يعتبر الرئيس الأمريكى ذلك إهانة له (ربما لأن ليترمان وقف عند حده ولم يجرؤ على وصفه بأنه رئيس كارتوني!).إن تجريح السياسي والطعن في مواقفه وأدائه ليس حقا لأهل الرأي فقط، ولكنه واجب أيضا في المجتمعات التي تحترم حرية التعبير.
540
| 08 مارس 2017
وقائع هذا «السنياريو» تتابعت خلال الأسبوع الماضى. ففى بدايته تعرض أقباط شمال سيناء لهجمات الإرهابيين التى أدت إلى قتل سبعة منهم وتهجير نحو ١٣٠ أسرة من مدينة العريش. بعد ذلك عقد مؤتمر دولي افتتحه شيخ الأزهر لمناقشة موضوع «الحرية والمواطنة»، وشارك فيه ممثلو ٥٠ دولة عربية وإسلامية إضافة إلى البابا تواضروس بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، ولأن العيش المشترك كان موضوعه الرئيسى، فإن كلمات المشاركين ركزت على التطرف والإرهاب باعتبارهما أهم مصادر تهديد العيش المنشود. بشكل مواز انعقد في مدينة شرم الشيخ مؤتمر دعا إليه المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الشئون الاجتماعية العرب، وكان موضوعه «الإرهاب والتنمية الاجتماعية». وفي كلمتها قالت وزيرة التضامن الاجتماعى في مصر غادة والي إن هناك صلة بين تنامي الإرهاب وانكماش حركة التنمية الاجتماعية وعدالتها. وشاءت المقادير أن تنشر جريدة «الشروق» في النصف الثاني من الأسبوع (يوم ٢٦/٢) مقالة مهمة كان عنوانها «عن إرهاب لا ينهزم» ــ كتبها الدكتور أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة. لا أشك في أن ذلك التتابع كان محض مصادفة صورت حجم الاهتمام بالموضوع في مصر. مع ذلك فإنه عرض علينا خلال الأسبوع عناصر «الفيلم» من أوله إلى آخره. فقد رأينا في هجرة الأقباط أوجه الجريمة، ثم تابعنا لقطات التنديد بها ومحاولة تحرير خلفياتها، وأطل علينا أحد الأكاديميين بتحليل انتهى منه إلى أن هزيمة الإرهاب لا أمل فيها في ظل الأوضاع الراهنة. لا أعرف كم عدد المؤتمرات التي عقدت والخطب التي ألقيت والبيانات التي صدرت تنديدا بالإرهاب وفضحا له وتحذيرا من مغبته، لكن الذي أعرفه أن ذلك كله فشل في التصدي له، وكانت هجرة الأقباط أحدث دليل على أن الإرهاب يكاد يتحول من حالة عارضة إلى عاهة مستديمة. وهو ما قد تفسره المقولة التي تقرر أنك إذا اتبعت نفس الأسلوب في كل محاولة لحل أي مشكلة فلا تتوقع نتائج مغايرة في أي محاولة، من ثم فليس أمامك سوى أن تغير الأسلوب لتتغير النتائج. ذلك أننا نكرر الكلام ذاته في كل المؤتمرات، ونعيد صياغة البيانات التي تردد نفس الأفكار، وكان طبيعيا أن تظل المشكلة كما هي بلا حل. ما قالته وزيرة التضامن لمس جانباً من المشكلة، حين أشارت إلى الصلة الوثيقة بين الإرهاب وبين تراجع التنمية وغياب عدالة التوزيع، ولا أعرف ما إذا كان هذا الكلام قيل عن اقتناع حقيقي أم لمجرد أنه يناسب المقام (باعتبار المشاركين فيه من ذوي الصلة بالشأن الاجتماعي)، إلا أنه سلط ضوءا على البعد الاجتماعي للأزمة الذي يتجاهله كثيرون، أما مقالة الدكتور أحمد عبدربه فإنها طرحت منظورا أوسع للحل، شمل النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية، وذهب إلى أنه ما لم يتم التحرك الجاد على تلك المستويات فإن الإرهاب لن ينهزم، لأننا نوفر له عناصر التوالد والاستمرار. إذا صح هذا التحليل الذي أتفق مع عناوينه وأختلف حول بعض تفاصيله، فذلك يعني أن المحاولات الجارية لمحاربة الإرهاب التي تعول على الأمن وحده محكوم عليها بالفشل، وأن الخطب التي تلقى والمؤتمرات التي تعقد لا تستهدف الحل بقدر أنها من قبيل سد الخانة وإبراء الذمة ليس أكثر. أما التعبئة الإعلامية فهي ضجيج يسطح الإدراك ويشوهه ولا يحل ولا يربط، وفي بعض الحالات التي نشهدها يبدو استمرار الإرهاب بما يستصحبه من ترويع وتخويف مطلوبا سواء لصرف انتباه الرأى العام عن مشكلات الناس الحقيقية أو لإضفاء الشرعية على بعض الأنظمة حتى يغدو استمرارها ضروريا لدرء «الخطر» الداهم، والنظام السوري نموذج لهذه الحالة. ذلك أنه بعدما أغرق البلاد في الدماء وقام بشنق ١٣ ألف شخص في سجن صيدنايا وحده، لا يزال يدعي أنه يحارب الإرهاب(!) إن الطغاة من أبالسة السياسة هم أكثر الناس احتفاء بالإرهاب لأنهم بغيره يفقدون مبرر وجودهم. < تصويب: ذكرت أمس أن الذي أصدر الحكم ببراءة الرئيس الأسبق حسنى مبارك هو المستشار أحمد عبدالقوي رئيس محكمة النقض، واعتمدت في ذلك على ما نشرته صحف الجمعة، وقد نُبهت إلى أن المستشار المذكور ليس رئيس المحكمة، لكنه رئيس إحدى دوائر الجنايات بمحكمة النقض ــ لذا لزم التنويه.
445
| 05 مارس 2017
يوم الأربعاء ٢٠ أبريل عام ٢٠١١ كان العنوان الرئيسي للصفحة الأولى من جريدة «الأخبار» الذي أبرز باللون الأحمر كالتالي: مبارك المتهم الأول في قتل الثوار وتحته ظهر عنوان آخر يقول: مبارك أمر بإطلاق الرصاص الحي والضحايا ٨٤٦ شهيدا و٦٥٠٠ مصاب. أمس الجمعة ٣ مارس ٢٠١٧ نشرت الصحيفة ذاتها على يسار الصفحة الأولى عنوانا باللون الأسود على أربعة أعمدة نصه: حكم نهائي ببراءة مبارك في قتل المتظاهرين. وهو الخبر الذي أخفته جريدة الأهرام في صفحة الحوادث رقم ٢٦، وآثرت ألا تبرزه على الصفحة الأولى.العنوان الأول جرى استخلاصه من تقرير رئيس النقض الأسبق في أحداث ثورة يناير، الذي أعلنه صبيحة اليوم السابق «١٩ أبريل». أما العنوان الثاني فقد كان قرار رئيس النقض الحالي في آخر جلسة لمحاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك في قضية قتل المتظاهرين أثناء ثورة يناير. ومما له دلالته في هذا الصدد أن تقرير رئيس النقض الأسبق المستشار عادل قورة أعلن على الملأ في مؤتمر صحفي. أما قرار رئيس النقض الحالي المستشار أحمد عبدالقوي فقد صدر في جلسة عقدت بأكاديمية الشرطة، التي انتقلت إليها محكمة النقض في إجراء لم تلجأ إليه طوال تاريخها. «منذ إنشائها في عام ١٩٣١». وكان قضاة النقض قد رفضوا الانتقال إلى الأكاديمية في السابق، حيث وجدت أنه من غير اللائق أن تنعقد في أحد معاقل الشرطة، خصوصا أن لها صلة بموضوع القضية، وبات مفهوما أن رئيس النقض الأسبق قال كلمته وأعلن تقريره حين لم تكن الشرطة في الواجهة، لكن رئيس النقض الحالي أصدر حكمه حين صارت الشرطة في الصدارة، وبطبيعة الحال فإن الفرق الحقيقي ليس بين القاضيين أو المكانين، لكنه فرق بين حالتين أو مرحلتين. في الأول كانت الثورة على نظام مبارك وفي الثاني كانت نهاية الثورة وعودة نظام مبارك.القاضيان الكبيران لهما احترامهما بكل تأكيد، لكن كلا منهما اتخذ موقفه في ضوء ما توافر لديه من بيانات وإفادات. وربما كان الفرق أن رئيس النقض الأسبق كان على رأس لجنة لتقصي الحقائق ضمن عدد من الخبراء والباحثين الذين تحروا الأمر بأنفسهم، أما رئيس النقض الحالي فقد قدمت إليه «الحقائق» جاهزة وحكم بمقتضاها. ولك أن تتصور الفرق بين حقائق يتوصل إليها الباحثون بجهدهم الخاص في أجواء مفتوحة، وأخرى تصوغها الأجهزة الأمنية في أجواء معاكسة. الأولون لا مصلحة لهم في تكييف الحقيقة. والآخرون لهم مصلحة مباشرة في ذلك.تقرير لجنة المستشار قورة ذكر صراحة أن الشرطة هي التي قامت بقتل المتظاهرين، وأن أوامر القتل صدرت من جهات أعلى، وفي ذلك المستوى «الأعلى» ليس هناك سوى وزير الداخلية ومساعديه ورئيس الجمهورية. وأورد التقرير عديدا من الشواهد والقرائن التي أوصلت اللجنة إلى هذه الخلاصة. وفي السياق تطرق إلى أمور عدة، مثل موقعة الجمل ومسألة فتح السجون وقصة اللواء محمد البطران الذي كان رئيسا لمباحث السجون وقتل لأنه رفض تنفيذ أوامر إطلاق المسجونين التي أصدرها وزير الداخلية آنذاك، حسب شهادة شقيقته، وهو ما دحض أسطورة ضلوع حماس وحزب الله في العملية، إلى غير ذلك من «الحقائق» التي جرى مسخها وطمسها واستبدالها بأساطير جديدة أدت إلى تبرئة وزير الداخلية من أوامر القتل كما برأت ضباط الشرطة الذين اتهموا في تلك الجرائم. وكان ذلك ضروريا لتبرئة مبارك بعد ذلك لكي يتلاقى الشخوص مع السياسات. وتطوى صفحة ٢٥ يناير لتصبح «غلطة» جرى تصحيحها بروايات وتقارير جديدة تقود إلى تبرئة الجناة الحقيقيين. المشكلة أن دماء الشهداء لا تجف وأن الذين فقدوا أبصارهم أو أصيبوا بالشلل الرباعي سيظلون شهودا على أن الثورة أجهضت حقا إلا أن شعلتها لا تزال حية ولم تنطفئ، لذلك سيظل السؤال الذي أبرزته جريدة "الأخبار" معلقًا في القضاء المصري: من قتل المتظاهرين؟ ليس فقط لكي نشفى غليل أهالي الضحايا، ولكن أيضا لكي نعرف من أجهض الثورة.
2480
| 04 مارس 2017
من أخبار الأسبوع أن أجهزة التفتيش والرقابة بوزارة الداخلية واصلت التحقيق مع ٣٠ ضابطا وأمين شرطة وردت أسماؤهم في التحقيقات التي تجريها النيابة العامة مع تاجر المخدرات الشهير (كفتة)، بعد ضبطه أثناء تسلم صفقة مخدرات بأحد أحياء القاهرة، إذ كشفت التحقيقات عن تورط لواء شرطة وعدد آخر من الضباط من مختلف الرتب معه. وقال مصدر أمنى إن هدم «كافيتريا» خاصة بالمتهم ضمن حملات إزالة المقاهي المخالفة كانت وراء كشف خلاف بين التاجر وأحد الضباط، لأن الأخير لم يقم بما عليه في حماية المقهى، الأمر الذي سبب له خسائر قدرت بنحو مليون ونصف المليون جنيه.أضاف المصدر أن تحريات أجهزة وزارة الداخلية أفادت بأن المتهم صاحب المقهى كان يخزن المخدرات بأحد المدافن، وأنه سبق اتهامه في عدة جرائم، الأمر الذي أدى إلى تصنيفه «مسجل خطر فئة أ»، كما أنه كان أحد أعوان قيادة بالحزب الوطني المنحل (في عهد مبارك). وقد اتهم في جريمة قتل أثناء ثورة يناير، وألقى القبض عليه، وسجن ثلاث سنوات، قبل نقله إلى منطقة سجون طرة وتخصيص غرفة خاصة له مجهزة بجميع الأجهزة الكهربائية، قبل أن يخرج من السجن ويتولى حماية أحد مرشحي البرلمان بدائرة الخليفة.في التحقيق مع المتهم ذكر أن له علاقات متعددة واتصالات مع عدد كبير من ضباط الشرطة، وقد تم رصد عدة مكالمات له مع آخرين من الضباط كان أحدهم برتبة لواء. وأثناء التحقيق مع ثلاثة من أولئك الضباط أنكروا الاتهامات المنسوبة إليهم، وقالوا إنهم على علاقة بالمتهم، لكن ليست لهم صلة بتجارة المخدرات، وقد أورد التاجر أسماءهم نكاية فيهم لعدم التعاون معه في تجارته.معلومات التقرير أعلاه وردت نصا في خبر نشرته جريدة «الشروق» على صفحتها الأولى يوم ٢٤ فبراير الذي غادرناه توا، وكنت قد احتفظت بقصاصة الخبر لمتابعة الموضوع إلا أنني فوجئت بخبر آخر نشرته الجريدة ذاتها بعد أربعة أيام (٢٨/٢) تحدث عن أن المحامى العام الأول لنيابات شمال الجيزة، أمر بحبس رئيس مباحث قسم شرطة شبرا الخيمة ثان واثنين من معاونيه أربعة أيام على ذمة التحقيقات لاتهامهم بالاتجار في الأسلحة، على خلفية القبض على شبكة للاتجار فيها، وكانت تفاصيل القضية قد تكشفت في منتصف شهر فبراير حين ضبط أحد الأشخاص وبحوزته ٢٢ سلاحا ناريا. وبلغ عدد المتهمين في القضية تسعة أشخاص بينهم ٣ من تجار الأسلحة وأمينا شرطة وعاطل.ما أزعجني أنني حين حاولت تتبع تلك الحوادث، وقعت على تقرير مثير نشره موقع «المصري اليوم» بتاريخ ١٦/١١/٢٠١٦ أعده الزميل أحمد خير الدين. إذ تضمن قائمة بالجرائم التي وقعت على مدى العام (٢٠١٦) وكان المتهمون فيها ضباطا وأمناء شرطة. وتراوحت تلك الجرائم بين القتل والاتجار في المخدرات والتزوير والسرقة.في هذا الصدد يحسب لوزير الداخلية أنه لم يتسامح مع تلك الانحرافات، وإنما أتاح للقانون أن يأخذ مجراه، في التحقيق والمساءلة. مع ذلك فإن التفاصيل المنشورة تثير عدة ملاحظات في مقدمتها ما يلي:< إن الأخبار المنشورة تتعلق بتحقيقات لا عن إدانات أو أحكام نهائية، لأن الأمور عادة ما تختلف في المراحل الأخيرة.< إن الانحراف لم يعد مجرد حالات فردية ولكنه أصبح ظاهرة في محيط الشرطة يتعذر التقليل من شأنها.< إن نوعية الجرائم التي ضبطت ليست مألوفة (تجارة السلاح مثلا) فضلا عن أن نفوذ تجار المخدرات في قطاع الشرطة مثير للانتباه (تورط أحد اللواءات وتوفير كل الأجهزة الكهربائية لأحدهم في سجنه).< إن تاجر المخدرات أدين في قتل أحد المتظاهرين أثناء ثورة ٢٥ يناير، وكان ضمن معاوني أحد المرشحين للانتخابات البرلمانية.< إن الكلام كله عن انحرافات رجال الشرطة في القضايا الجنائية، في حين أن ما يحدث في القضايا السياسية مسكوت عليه ولا ذكر له.< إن المقاهي المخالفة التي غزت الأحياء الهادئة وأشاعت فيها الفوضى فضلا عن إزعاج السكان أقيمت إما تحت حماية الشرطة أو بالمشاركة مع ضباطها.إن دور الشرطة في حماية المجتمع لا غنى عنه ولا ينبغي التقليل من شأنه، لكن ظاهرة الانحراف الاستثنائية بين عناصرها تتطلب تحقيقا نزيها يتحرى الأسباب الكامنة وراء ذلك. خصوصا صلتها بنهج إماتة السياسة وعواقب إطلاق يد الأمن في التعامل مع المجتمع دون مراجعة أو مساءلة له. وهو ما أعطى انطباعا بأن الشرطة فوق المجتمع والقانون وليست تحتهما. وهو ما أدى إلى زيادة حجم البقعة السوداء في الثوب الأبيض.
650
| 02 مارس 2017
لا يكف رئيس البرلمان في مصر عن إدهاشنا بممارساته التي تصدمنا بين الحين والآخر. وإذا كنا قد احتملنا منه في البداية فضيحة جهله بقواعد اللغة العربية، فإن فضيحة إدارته للجلسات من الصعب تمريرها، ذلك أن الأولى تتعلق بشخصه، أما الثانية فهي تسيء إلى النظام القائم وتفقد مؤسسات الدولة هيبتها واحترامها، وما حدث أمس الأول (الإثنين ٢٧/٢) في إدارة جلسة إسقاط عضوية النائب محمد أنور السادات قدم نموذجا فادحا لسوء الإدارة وإهانة المجلس التشريعي. فنحن نعلم أن النائب المذكور كان مستهدفا منذ رئاسته للجنة حقوق الإنسان، وأنه حين فضح قصة الـ١٨ مليون جنيه التي دفعت في غمرة الأزمة الاقتصادية ثمنا لشراء ثلاث سيارات لرئاسة المجلس، فإنه استفز رئيس البرلمان الدكتور علي عبد العال الذي وجدها فرصة لتصفية الحساب المتراكم معه والتخلص منه. ولأنه اعتاد أن يبلغ النواب أن كل واحد منهم له سجله الذي يمكن أن يفتح للإطاحة به في أي لحظة، فإنه فعلها مع السادات وقالها في نفس الجلسة لنائب آخر (حسام الرفاعى) اعترض على فصل زميله. ولم يكتف بذلك لأنه قرر طرد الأخير من الجلسة، وقبل الطرد قرّعه لأنه تحدث عن أن السادات نائب وطني تم انتخابه بواسطة الجماهير في انتخابات حرة ولا يجوز تخوينه، واعتبر رئيس المجلس أن هذا الكلام بمثابة مزايدة ودرس في الوطنية لا محل له. وبعد التقريع أنذره بأن لديه مآخذ عليه لم يحن أوان الكشف عنها، ولم تكن رسالة الترهيب والوعيد موجهة إلى النائب وحده، ولكنها بدت موجهة أيضا إلى أي نائب آخر يعترض على أسلوب إدارة جلسات البرلمان.لم تكن تلك الرسالة الوحيدة المضمرة في قرار إسقاط عضوية السادات، لأن القرار جاء محملا برسائل عدة لأعضاء البرلمان ولغيرهم. من تلك الرسائل ما يلي:< أن من اعترض انطرد، وهو التعبير الشائع في أوساط المتصوفة، إذ يفترض أن المريد كامل الولاء والانصياع لشيخه. وإذا ما حدثته نفسه بالاعتراض عليه فلا مكان له في «الطريقة». وهو مبدأ التزم به رئيس المجلس الذي طالب الجميع بأن يتصرفوا كمريدين وليس كنواب لهم حصانة وحريتهم في التعبير مطلقة تحت القبة. وقد ذهب أحد النواب (مصطفى كمال الدين حسين) إلى أبعد، حين قال بعد إسقاط عضوية السادات إنهم أصبحوا داخل مجلس تأديب وليس مجلس نواب.< أنه إذا كانت المعارضة محظورة على الأحزاب والشعب، فليس هناك ما يبرر ظهورها داخل البرلمان الذي يفترض أنه يمثل الشعب.< أن هناك قاعدة غير معلنة معمول بها في مختلف مؤسسات الدولة خلاصتها أن من يريد أن يستمر في قيادة أو صدارة تلك المؤسسات فعليه أن يصبح جزءا من اللعبة ومتجاوبا مع تقلبات رياحها أما إذا أراد المسؤول أن يستقل بموقفه بدعوى التزامه بالدستور والقانون، فلا مكان له في الفريق، ومصيره أن يبقى خارج الملعب، وسيكون سعيد الحظ إذا تم الاكتفاء ببقائه في مقاعد «البدلاء»، إذا استخدمنا مفردات النقاد الرياضيين.إن الخطأ الكبير الذي وقع فيه السادات من شقين، الأول أنه أخذ الأمر على محمل الجد وتصور أنه نائب عن الشعب حقا ولم ينخرط مع غيره في «اللاعبين». والثاني أنه لم يعتبر من تجربة المستشار هشام جنينة الذي فعلها، فدخل عش الزنابير غير مبالٍ بقواعد اللعبة، فعزل من منصبه وصدر ضده حكم بالحبس وتم التنكيل بابنته التي فصلت من وظيفتها.بعد الصدمة التي تلقيناها في جلسة الفصل التي عقدت يوم الاثنين، صار التساؤل مشروعا: من الذي سقط في الاختبار حقا، النائب السادات أم غيره؟!
446
| 01 مارس 2017
لأن أفق حسم الصراع في مصر بات مجهولا، فلماذا لا نحاول عقلنته وترشيده؟(١)كان حزب الوسط، وهو حزب مدني ديمقراطي له مرجعيته الإسلامية، قد حجز قاعة في أحد فنادق مدينة نصر يوم ١٨ فبراير الحالي لإقامة حفل استقبال بمناسبة مرور ست سنوات على الاعتراف الرسمي به (في ١٩ فبراير عام ٢٠١١). لكن الفندق أبلغهم قبل ثلاث ساعات من افتتاح الحفل بإلغاء حجز القاعة بناء على تعليمات الأمن، فما كان من الحزب إلا أن نقل احتفاله إلى مقره المتواضع في منطقة المقطم. وهذا الذي حدث مع حزب الوسط تكرر أكثر من مرة مع حزب «مصر القوية». (قبل سنتين (عام ٢٠١٥) حاول الحزب عقد مؤتمر ولكن ٢٧ فندقا ألغت حجز قاعاتها له بعد الاتفاق ودفع الثمن).في صبيحة اليوم ذاته (١٨ فبراير) أصدرت دائرة الأحزاب بمجلس الدولة برئاسة المستشار محمد مسعود رئيس المجلس حكما قضائيا برأت فيه ساحة ١١ حزبا لها مرجعيتها الإسلامية، حين رفضت قبول طعن طالب بحلها وحظرها، بناء على أنها شاركت فيما سمي بتحالف دعم الشرعية، إذ لم تجد المحكمة في تلك الأحزاب مخالفة قانونية تستوجب الحل. وكان حزب الوسط ضمن القائمة التي ضمت حزب البناء والتنمية والجبهة السلفية والعمل الجديد والفضيلة... إلخ.في الأسبوع ذاته أهداني أحد الباحثين من أعضاء حزب البناء والتنمية (الذراع السياسية للجماعة الإسلامية في مصر) كتابا له عنوانه «حوار هادئ مع داعشي»، كان قد عرض ونوقش في معرض الكتاب الأخير. ووجدت أن مؤلفه عصمت الصاوي حول الكتاب إلى لائحة اتهام لتنظيم داعش، فضحت أفكاره وخلفياته. إذ تضمن فصلا خاصا عنوانه «داعش بين العمالة والاستخدام»، واعتبر فيه أن فكرة الفوضى الخلاقة (الأمريكية) وصناعة التوحش (التي تتبناها داعش) وجهان لمشروع واحد.زارني المؤلف بصحبة الدكتور نصر عبد السلام رئيس حزب البناء والتنمية، الذي فهمت منه أنه تم اعتقال نحو ٥٠٠ واحد من أعضائه رغم أنهم يتبنون الآن الفكر الجديد للجماعة الإسلامية، التي أطلقت مبادرة وقف العنف منذ أكثر من ٢٠ عاما، وبعد ذلك أصدر قادة الجماعة أربعة كتب راجعت فيها أفكارها واعترفت بأخطائها وعمدت إلى تصحيح المفاهيم التي تبنتها (من عناوين تلك الكتب «حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين» و«تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء»). أثناء اللقاء عبر الدكتور نصر عبد السلام عن استيائه من الضغوط والملاحقات التي يتعرض لها أعضاء الحزب. فهم في الداخل يعاملون كما لو أنهم لم يراجعوا أفكارهم، ولم يختاروا أن يشاركوا في مسيرة التغيير السلمي الذي يحترم الدستور والقانون. كأنما أريد لهم أن يظلوا على نهجهم الذي رجعوا عنه. أما إخوانهم في الخارج فإنهم يعانون من محاولة إلحاقهم بالإخوان رغم أن لهم فكرهم المستقل عنهم، فالسلطة لم تر فيهم سوى التاريخ الذي هجروه واعتذروا عنه والإخوان أرادوا أن يفرضوا وصايتهم عليهم.(٢)ثمة وجه آخر للعمل العام تلاحقه الشبهات أيضا، رغم أنه خارج السياسة، تمثله الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة، فهذه الجمعية التي تأسست في مصر منذ أكثر من مائة عام (١٩١٢م) حصرت نشاطها في مجالات أربعة لم تتجاوزها طيلة تلك المدة. الأول هو الدعوة بالقول من خلال إقامة المساجد وإلقاء الخطب وإقامة الندوات فيها، إلى جانب إنشاء معاهد للدعاة تحت إشراف نخبة من علماء الأزهر، تتولى تأهيل الوعاظ، المجال الثاني تمثل فيما يسمونه الدعوة العملية، من خلال رعاية مشروعات العمل الصالح. ومنها كفالة الأيتام الذين وصل عددهم إلى نصف مليون يتيم، ومنها تحفيظ القرآن، إضافة إلى إقامة المشروعات الطبية العملاقة، التي تعالج المرضى بالمجان، دون تفرقة بين المسلمين وغير المسلمين. وهذه المشروعات تشمل مراكز متقدمة للأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي، غير ٢٧ مركزا للأطفال المبتسرين وخمسة مراكز أخرى لغسيل الكلى، ذاعت شهرتها بحيث أصبحت تستقبل المرضى من مختلف أنحاء العالم العربي. المجال الثالث تمثل في حملات الإغاثة الداخلية والخارجية. أما المجال الرابع والأخير فيتعلق بالعمل في مجال التنمية لتحويل الفقراء إلى منتجين وتقديم العون لطلاب الدول الإسلامية الوافدين، الذين أقامت الجمعية بناية لاستيعاب الدارسين في الأزهر منهم.هذه المشروعات الخيرية أقيمت كلها بتمويل من زكوات وتبرعات المصريين، ولم تحصل على أي تمويل خارجي. مع ذلك فإنها لم تسلم من الأذى في أجواء الانفعال الملبدة التي أطلقها الصراع ضد الإخوان، ذلك أنها تعرضت للضغوط الأمنية وحملات التشهير التي لم تجد في سجلات الجمعية بعد التدقيق فيها أن لها علاقة بالصراع السياسي الحاصل. ولم يخل الأمر من مزايدات، كان منها ما أقدم عليه وزير الأوقاف الحالي الدكتور محمد مختار جمعة الذي كان يوما ما عضوا في مجلس إدارة الجمعية الشرعية وأحد المشاركين في حملات التوعية التي نظمتها، إلا أنه ما إن عين وزيرا، حتى حاول إخضاع أنشطتها الدعوية لإشراف السلطة، وصدَّر الأزهر في الموضوع الأمر الذي انتهى بإصدار قرار بإغلاق ٤٥ معهدا لإعداد الدعاة وكذلك ١٦ مركزا لتحفيظ القرآن، كانت الجمعية قد أنشأتها خلال العقود التي خلت!(٣)ما سبق يمثل جانبا من القسمات التي طمست حتى جرى تغييبها في أجواء الانفعال والهرج الذي شهدته مصر بعد إسقاط حكم الإخوان في عام ٢٠١٣. وهو ما انتهى بخلط الأوراق ووضع الجميع في سلة واحدة صار الإرهاب عنوانا لها، ولم يقف الأمر عند حد شيطنة الجميع وشن حرب الإبادة عليهم، وإنما وصل بنا الحال أن صار التدين شبهة في بلد الأزهر، وصار الدين ذاته هدفا للتجريح وموضوعا للازدراء من جانب البعض. مرة بدعوى تجديد الخطاب الديني الذي تحمس له الخصوم الذين لا يرجون لله وقارا، فتصدوا للإفتاء فيه بكل جرأة. ومرة أخرى بدعوى إلغاء الديانة من الهوية أو حظر تدريس الدين في المدارس بحجة أنه يفرق بين المسلمين والأقباط، ومرة ثالثة عبر المطالبة بحذف أسماء رموز وأعلام الحضارة الإسلامية من مناهج التعليم واستبدالهم بعظماء الفراعنة ونوابغ المصريين. ومرة رابعة من خلال الدعوة إلى «تطهير» مناهج التعليم من بعض البطولات التاريخية والآيات القرآنية التي قيل إنها تشجع على التطرف والإرهاب.من طريف ما قرأت في هذا السياق أن أحد المثقفين المحترمين كتب متسائلا: هل يمكن الثقة فيمن لا يؤمن بالدولة القومية ويعتبرها كفرا وخروجا عن الإسلام في العملية السياسية؟، وهو سؤال يعبر عن بعد آخر للشيطنة لا يجرح الهوية الدينية فقط وإنما يجرح الهوية الوطنية أيضا. ولا يرى في العقل الإسلامي سوى التكفير والقتل وإنكار الانتماء الوطني لصالح التعلق بحلم الخلافة الكبرى.. إلى غير ذلك من الصور النمطية التي جرى الترويج لها، وحولت الاستثناء إلى قاعدة والشذوذ إلى قيم وأعراف مستقرة.وجه الطرافة في السؤال أن صاحبه قرأ صحف هذا الزمان وشاهد التلفزيون ولم يقرأ التاريخ. إذ لم يعرف مثلا من الذي أقام معسكرات التدريب العسكري في قلب القاهرة بعد إلغاء النحاس باشا للمعاهدة مع الإنجليز في عام ١٩٥١ (كان اسمها جامعة فؤاد الأول آنذاك) ولم يعرف شيئا عن هوية الشبان الوطنيين الذين ذهبوا في أول كتيبة لمقاتلة الإنجليز في أواخر العام. ولم يسمع بأسماء الجامعيين وغيرهم الذين قتلوا في معركة «التل الكبير». وواجهوا فيها القوات البريطانية، وكان في مقدمتهم عمر شاهين وأحمد المنيسي من كلية طب قصر العيني.إن أخطر وأسوأ ما ابتلينا به في مصر أن الخلاف السياسي أصبح صراعا على الوجود. إذ أفسد ما بيننا، بحيث صار مبررا لإبادة الآخر وإلغائه من خرائط الواقع. وتلك مذبحة سياسية عبثية، خصوصا إذا استهدفت حملة الإبادة أفكارا لها جذورها ضاربة الأعماق في الضمير الديني. ذلك أن الإبادة في هذه الحالة تكرر أسطورة طائر الفينيق عند الإغريق، الذي كلما احترق انبعث من رماده حيا من جديد.(٤)من مفارقات الأقدار وسخرياتها أن نجد أنفسنا ذات يوم نلجأ لشهادة مستشار الأمن القومي الأمريكي في الدعوة إلى الفرز والتمييز بين فصائل وجماعات العمل الإسلامي. إذ بعدما أطلق الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب حملته الشعواء ضد ما أسماه «الإسلام الراديكالى» في تعميم جهول، وهلل له بعضنا وصفقوا، فوجئنا بمستشار الأمن القومي الجديد الجنرال هاربد ماكمستر يعترض على المصطلح بدعوى أن استخدامه لا يخدم مكافحة الإرهاب، ونقلت عنه صحيفة نيويورك تايمز فيما نشرته الصحف المصرية أمس الإثنين (٢٧/٢) قوله إن الذين يرتكبون الأعمال الإرهابية يشوهون الدين الإسلامي.هذا «الاكتشاف» الذي أعلنه الجنرال ماكمستر وتناقلته وكالات الأنباء ربما فاجأ كتائب الإبادة في بلادنا التي أغمضت أعينها وقررت الإطاحة بالجميع، الصالحين منهم والطالحين والمعتدلين والمتطرفين والعقلاء والمجانين. ومن ثم صمت آذانها عن دعوات الفرز والتمييز لترشيد الصراع وعقلنته. الأمر الذي أوصلنا إلى وضع عشرات الآلاف في السجون ونصب المشانق للمئات وإشاعة الخوف والترويع بين الملايين.إذا كان مستشار الأمن القومي الأمريكي قد صوب حماقة رئيسه ورعونته، فلا أعرف كيف يمكن أن نفعلها في مصر، بحيث نميز بين الذين تثبت التحقيقات النزيهة ــ وأضع عشرة خطوط تحت الكلمة الأخيرة ــ أنهم تورطوا في العنف وبين غيرهم ممن سحقهم القطار المندفع الذي تعطلت كوابحه، وللعلم فإن الفرز المطلوب لا يراد به فقط رفع الظلم عن البعض ــ رغم أهمية ذلك ــ كما لا يراد به فقط التفرقة بين ما هو سياسي مثير للجدل وما هو خيري ينفع الناس ويخدم المجتمع، ولكن ينبغي أن ننتبه إلى أن الفراغ الناشئ عن حملة الإبادة هو هدية مجانية لتمدد التطرف والإرهاب، إذ لم نعد بحاجة لإثبات فشل سياسة إرهاب الإرهاب، من ثَمَّ لم يعد هناك حل إلا أن نعزز جبهة الاعتدال لكي نحصن المجتمع ضد غوائل الإرهاب، ولكي نستبدل ما نعتبره سيئا بما هو أسوأ وأتعس. ذلك أن الفراغ الراهن يرشح تنظيم داعش ليكون البديل الذي يملؤه.إن أي باحث منصف يعلم أن فصائل التيار الإسلامي ليست شيئا واحدا، كما أن الإخوان أنفسهم لم يعودوا شيئا واحدا، وذلك حال السلفيين أيضا. وأي إدارة رشيدة للصراع توظف تلك التمايزات لصالح الدفاع عن السلام الأهلي والاستقرار، وأرجو ألا نضطر للجوء إلى خبرة مستشار الأمن القومي الأمريكي لكي ينصحنا بما ينبغي أن نفعله لإجراء الفرز والتمييز المنشودين.
488
| 28 فبراير 2017
الحوار بين الأزهر والفاتيكان الذي جرى فى الأسبوع الماضي بادرة تستحق الترحيب، خصوصا فى الوقت الراهن. إلا أنني أخشى أن يفوِّت الطرفان الفرصة، بحيث يجهض الحوار ويصبح ضحية العناوين التقليدية التي مللنا سماعها عن إدانة الإرهاب والتطرف وإعلان البراءة منهما إلى جانب الدعوة إلى التنافس على إشاعة المحبة والسلام. إلى غير ذلك من العناوين المفروغ منها والتي حفظناها بحيث ما عدنا بحاجة إلى أن نجترها في كل مناسبة. ذلك أنني أزعم أن الفاتيكان يتحمل مسؤولية خاصة هذه الأيام التي ترتفع فيها عاليا أصوات كراهية الإسلام والمسلمين، ويتبنى تلك الدعوة سياسيون كبار في الولايات المتحدة وأوروبا. وموقف الرئيس الأمريكي الجديد واضح في هذا الصدد، كما أن بعض السياسيين الأوروبيين صاروا يرددون أفكاره ويزايدون عليها، بحيث صارت «الإسلاموفوبيا» إحدى الحقائق البارزة التي لا سبيل إلى إنكارها في المجتمعات الغربية، صحيح أن ثمة استثناءات على ذلك. تعد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نموذجا لها، إلا أن صوتها أصبح يعبر عن أقلية بين السياسيين والشعويين الغربيين، الذين تتجه أسهمهم للتصاعد كل حين. صحيح أيضا أن خطاب الساسة الشعوبيين ليس موجها ضد المسلمين وحدهم، ولكنه ضد الأجانب بشكل عام (قبل أيام قتل مهندس من أصول هندية في ولاية كانساس الأمريكية بعدما صاح قاتله في وجهه قائلا :خرجوا من بلادنا) ــ إلا أنه لم يعد هناك خلاف على أن المسلمين أصحاب النصيب الأكبر من حملة الكراهية الراهنة. يشهد بذلك قرار الرئيس الأمريكي بمنع دخول مواطني ٧ دول إسلامية إلى الولايات المتحدة. وهو القرار الذي جمَّده القضاء، ويبحث الرئيس المذكور في كيفية تنفيذه بوسائل أخرى.إن الأزهر إذا كان مطالبا بأن يوضح موقفه من التطرف والإرهاب، فإن الفاتيكان من موقعه في قلب أوروبا مطالب بأن يعلن موقفه إزاء حملة الإسلاموفوبيا التي لا تكُف عن شيطنة المسلمين وتعبئة الرأي العام الغربي ضدهم، ولا يكفى في هذا الصدد ألا تصدر عن بابا الفاتيكان إساءة إلى الإسلام، مثل سلفه البابا بندكتون السادس عشر الذي اعتبر الإسلام ديانة انتشرت بالعنف، كما لا يكفى أن يذكر البابا الحالي فرانسيس الثاني الإسلام بخير، ولكننا نتمنى أن يعلو صوت بحيث يقود الدعوة إلى إنصاف المسلمين والتعايش معهم، لمواجهة حملة الشيطنة ودعوات الكراهية التي يطلقها السياسيون الشعبويون في مختلف أرجاء أوروبا. عند الحد الأدنى فليتنا نسمع صوت البابا فرانسيس بذات القدر الذي سمعنا به صوت السيدة ميركل في ألمانيا الذي اتسم بالنزاهة والشجاعة الأخلاقية.لا جديد في البيان الذي صدر في نهاية اجتماعات ممثلي الأزهر والفاتيكان، حين دعوا مثلا إلى معالجة أسباب التعصب والتطرف والإرهاب، من فقر وأمية وجهل إضافة إلى العبث بالنصوص الدينية، فمثل هذا الكلام لا يحتاج لحوار بين ٣٠ شخصية من الجانبين على مدى يومين في رحاب الأزهر. حتى أزعم أن فكرة الاجتماع الذي تم بعد قطيعة استمرت سبع سنوات أهم من البيان الذي صدر عنه يوم الخميس ٢٣/٢. وسوف يكتسب ذلك الحوار أهمية أكبر لو قام كل طرف بما عليه، خصوصا إذا قاد الفاتيكان ومعه الأزهر حملة التصدي للإسلاموفوبيا وتداعياتها الخطرة.لقد دأب الغربيون على إعطائنا دروسا في التعددية وأهمية قبول الآخر، وحان الوقت الآن لأن نذكرهم بضرورة دعوة شعوبهم لاحترام تلك القيم، وسيكون شيئا جيدا أن يسهم الفاتيكان بدوره في هذه المهمة الجليلة، ليس فقط لإنصاف المسلمين ولكن أيضا لتطهير الذاكرة التي تحدثت عن مساندة الفاتيكان للنازيين في ألمانيا، وتلك التي لم تنس رعاية البابوية لمحاكم التفتيش التي استهدفت مسلمي الأندلس في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
407
| 27 فبراير 2017
لغز سيناء يزداد غموضا واستعصاء.. ذلك أننا انتقلنا من مشهد مهاجمة كمائن الجيش والشرطة إلى مهاجمة الأقباط.. وبين الاثنين تابعنا مسلسل تصفية من وصفوا بعملاء الأجهزة الأمنية من الأهالي.. لم نفهم شيئا من تلك الحلقات المتتابعة، لأنه أريد لنا أن نظل في موقف المتلقي الذي ظل دوره مقصورا على استقبال الأخبار والتقارير، والإشادة بكفاءة أداء السلطة التي باتت المصدر الوحيد لمعلوماتنا عما يجري هناك. منذ ثلاث سنوات أو أكثر والصراع دائر في ذلك الشريط الضيق في الشمال الذي لا يتجاوز ٢٪ فقط من مساحة سيناء، حسب تعبير الرئيس عبد الفتاح السيسى، وبين الحين والآخر ظللنا نقرأ في عناوين الصحف أن تطهير سيناء من البؤر الإرهابية صار وشيكا، في حين اعتدنا على قراءة الأخبار التي تتحدث عن مقتل أعداد متفاوتة من الإرهابيين. وقبل ثلاثة أسابيع قيل لنا إن الضربات الجوية القوية نجحت في قتل ٥٠٠ إرهابي، إلا أن ذلك لم يوقف العمليات الإرهابية التي أدت إلى تهجير الأقباط من سيناء في الأسبوع الأخير. لكن ما حيرنا وأدهشنا أن الوعود التي أطلقت لم يتم الوفاء بها وأن القصف المتواصل لمعاقل الإرهابيين لم يؤدِ إلى وقف عملياتهم. بل بدا أنهم يتحركون بحرية في المنطقة لدرجة أن يعلنوا بيانات مسجلة تلفزيونيا قبل ثلاثة أسابيع عن استهداف الأقباط، ثم يتاح لهم أن ينفذوا ما وعدوا به.. في حين تصورنا أن ذلك الإعلان سيكون حافزا للأجهزة الأمنية لكي تفتح أعينها جيدا وتوفر للأقباط الحماية اللازمة، لكن ذلك لم يحدث لأسباب غير مفهومة. إزاء ذلك، وفي غيبة المعلومات التي تمكننا من فهم ما يجري، فإننا لا نستطيع أن نحجب أسئلة باتت تلح علينا طوال الوقت، أحدها يتعلق بموازين القوة في سيناء، التي لم تسمح بحسم الصراع حتى الآن، ذلك أننا ينبغي أن نعترف بأن صمود الإرهابيين والعمليات التي يقومون بها هناك دليل على أحد أمرين، إما أنهم يتمتعون بعناصر من القوة لا يستهان بها، أو أن مواجهتهم تتخللها عوامل ضعف ينبغي أن تعالج. وإذا كانت البلاغات الرسمية تحدثنا عن مقتل أعداد منهم كل حين، (رغم أننا لا نعرف ما إذا كان المقتولون كلهم إرهابيين أم أن بعضهم يستحقون عقابا غير القتل)، إلا أننا ينبغي أن ننتبه إلى أن الإنجاز الحقيقي لا يتحقق بزيادة أعداد القتلى. لكنه يكون بالقضاء على الإرهاب واستئصال شأفته. وغاية ما يمكن أن يقال عن حملات القتل إنها مجرد وسائل قد تكون فعالة، في حين أن تحقيق الهدف يظل هو الأهم. وفي هذه الحالة فإن المواجهة العسكرية تشبه المباريات الرياضية في أن الفوز فيها لا يتحقق بمجرد شرف المحاولة لأن ذلك لا يحسب إذا اقترن بتسديد الأهداف. من الأسئلة الأخرى المثارة في هذا الصدد ما يلي: هل الأقباط مستهدفون حقا، وإذا كان ذلك صحيحا فلماذا سكتوا عليهم طوال السنوات الثلاث التي خلت؟ وهل هناك علاقة بين قتل الأقباط السبعة وبين تصفية العشرة أشخاص من أبناء العريش الذين اتهموا بالإرهاب الذي أغضب أهالي العريش ودفعهم إلى إعلان العصيان المدني..؟ أعني هل كان قتل الأقباط انتقاما من الحكومة لقتل العشرة وقبلهم إعدام عادل حبارة الذي ذكر اسمه في بيانات الإرهابيين الأخيرة؟ وهل أقدم الإرهابيون على قتل الأقباط لأنهم لم ينجحوا في الانتقام من القوات المسلحة والشرطة ووجدوا في الأقباط نقطة ضعف يمكن استهدافها لإزعاج السلطة؟ وهل هناك علاقة بين تهجير الأقباط وبين حملات التهجير الأخرى التي تعرض لها آخرون من أهالى سيناء؟ يخطر لي أن أقترح تشكيل لجنة لتقصي حقائق ما يجري في سيناء، لكني أحجمت عن ذلك لسببين أولهما أن البرلمان الحالي أعجز من أن ينهض بالمهمة. والثاني أن السياج الذي تفرضه القوات المسلحة حول سيناء لن يسمح بذلك كي لا ُتحاسب على أدائها.
524
| 26 فبراير 2017
حين يتكرر في إسرائيل الادعاء بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي اقترح توطين الفلسطينيين في سيناء، فإن القاهرة كان ينبغي أن تتعامل مع الأمر بصورة حاسمة. وكان موقع صحيفة «معاريف» قد نشر يوم الخميس الماضي ٢٣/٢ مقالة للنائب السابق الجنرال آرييه الداد، ذكر فيها أن الرئيس السيسي كان اقترح منح الفلسطينيين مساحة في شمال سيناء لإقامة دولتهم، معتبرا أن الاقتراح يصلح لأن يكون «مثالا» على التسوية الإقليمية التي يمكن أن تنهي الصراع القائم. وأيد الجنرال الداد الفكرة مشيرًا إلى أن إقامة الدولة الفلسطينية في غزة وسيناء فكرة جيدة، تمثل أفضل صيغة للتسوية الإقليمية. وشدد الرجل على أنه يأمل أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قصد في حديثه عن التسوية الإقليمية «الكبرى» إقامة دولة فلسطينية في سيناء، أو أن يكون في نيته ممارسة الضغط على الأردن لتكون هي الدولة الفلسطينية. هذا الكلام ليس جديدا، فقد ذكرت سيناء في سياق التوطين عدة مرات، ضمن مقترحات بعض الخبراء الإسرائيليين، وآخر ادعاء من ذلك القبيل أطلقه في ١٤/٢ الحالي الوزير الإسرائيلي أيوب قرا، الدرزي المقرب من نتنياهو، إلا أن مصر نفت الخبر على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية في مداخلة ضمن أحد البرامج التلفزيونية. ولم يكن ذلك تصرفا صائبا، لأن كلاما بتلك الخطورة حين يصدر عن وزير محسوب على رئيس الوزراء في الحكومة (حتى إذا كان بلا وزارة)، لا يرد عليه متحدث باسم الخارجية المصرية. ثم إن الوزارة إذا أرادت أن تكذب الخبر، فإن ذلك لا يكون من خلال مداخلة تتخلل برنامجا تلفزيونيا، وإذا كانت رئاسة الجمهورية قد أصدرت بيانا أعلنه المتحدث باسمها تعقيبا على إذاعة خبر اجتماع العقبة السري، إلا أنه رغم ضعفه وتجنبه الحديث عن مشاركة الرئيس في الاجتماع، كان أفضل من حيث الشكل من تعامل الخارجية مع خبر التوطين في سيناء، الذي هو أخطر من خبر مشاركة الرئيس في الاجتماع السري. لذلك تمنيت أن يصدر نفي خبر التوطين عن رئاسة الجمهورية وأن تكون صياغته واضحة وحازمة في ذلك. تقطع الشك باليقين، وهو ما تحقق بعد تعليق الرئيس على الموضوع. أدري أن الخبر نفته أطراف عدة في إسرائيل ذاتها، كان أحدهم زعيم المعارضة إسحق هيرتزوج، إلا أن ذلك ليس مقنعا ولا هو كاف، لأن خبرتنا مع الخطاب الإسرائيلي المراوغ علمتنا أن بعض النفي لا يكون صادقا في دوافعه، وإنما هو محاولة للتستر على تسريب ما لا ينبغي أن يظهر، ثم لا ننسى أن نفي الخارجية المصرية تابعته دوائر محدودة بحكم ظروف بثه. ثمة مشكلة تواجهنا في هذا الصدد تتمثل في أن أخبار العلاقات المصرية الإسرائيلية باتت شحيحة للغاية في الصحف المصرية، في حين أنها صارت مادة شبه يومية في الصحافة الإسرائيلية. آية ذلك مثلا أن اجتماع العقبة السري ظل متكتما عليه طوال أكثر من عام، وما كان لنا أن نعرف بأمره إلا حين فجرت الموضوع صحيفة «هاآرتس». وهذا الكتمان لا يشيع البلبلة والحيرة فحسب، ولكنه يثير تساؤلا كبيرا عما لا نعرفه من تلك الاتصالات، وما إذا كان هناك جانب غاطس منها وغير مرئي، لا نعرف حدوده أو حجمه. إننا نريد أن نحسن الظن ونعزز الثقة فيما هو قائم على النحو الذي يطمئننا إلى الالتزام بالثوابت الوطنية. لكن الممارسات التي تتكشف بين الحين والآخر لا تساعدنا على ذلك. فلا السلطة تغضب ولا البرلمان يسأل، ولا الناس تعرف أو تفهم. ولا حل لذلك الإشكال إلا في شفافية تطمئن الرأي العام فتحصنه ضد البلبلة وتحميه من إساءة الظن. إلا أن الأمر ليس ميسورا، لأن الشفافية تفرض أن من حق الناس أن يعرفوا، وذلك الافتراض لا يقوم إلا في ظل أوضاع ديمقراطية حقيقية. وتلك أم المشاكل المستعصية عندنا.
701
| 25 فبراير 2017
لم يعد أمامنا خيار في محاولة فهم ما جرى في اجتماع العقبة السري الذي حضره الرئيس السيسي مع نتنياهو بمشاركة الملك عبدالله وجون كيري وزير الخارجية السابق، إذ ليس لدينا مصدر للمعلومات في مصر باستثناء بيان رئاسة الجمهورية الذي لم ينف حضور الرئيس السيسي اللقاء، في حين أكد التزام مصر بالدفاع عن القضية الفلسطينية. أما بقية المعلومات فقد اضطررنا لمتابعتها من المصادر الإسرائيلية التي لا نريد أن نصدقها ولا نثق في نواياها، ولولا التكتم المصري على ملف العلاقات مع إسرائيل لما التفتنا إلى ما تنشره وسائل الإعلام هناك. ويثير دهشتنا في هذا الصدد أن الأجهزة المصرية تخرج علينا بين الحين والآخر بتقارير تنشرها الصحف القومية تفند فيها الأخبار التي تنشرها عن مصر وكالات الأنباء الغربية، وعادة ما تتحدث عن سوء قصد تلك المنابر الإعلامية. أما ما تنشره الصحف الإسرائيلية عن العلاقات الحميمة المتنامية مع مصر، فإنها تقابل بصمت مدهش، فعندما يقول سفير سابق للدولة العبرية في القاهرة إن مصر وإسرائيل في سرير واحد الآن، فإن ذلك يستحق تصويبا رسميا من مصر، وحين يقال إن اجتماع السيسي ونتنياهو في العقبة عام ٢٠١٦ سبقه اجتماع مماثل بينهما في شهر أكتوبر من عام ٢٠١٥، وعندما تتحدث الصحف عن مضمون مكالمات هاتفية بينهما ــ يدعون انتظامها مرة كل أسبوعين ــ فإن ذلك لا ينبغي أن يمر دون تصحيح أو تعقيب. حتى حين قال أيوب القرا أحد الوزراء الإسرائيليين القريبين من نتنياهو أن الرئيس السيسي اقترح توطين الفلسطينيين في سيناء، فإن النفي المصري للخبر تم من خلال المتحدث باسم وزارة الخارجية في مداخلة له ضمن أحد البرامج التليفزيونية، بل إن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شفاينيتز حين قال في العام الماضي إن مصر أغرقت الأنفاق مع غزة استجابة لطلب من إسرائيل، فإن مصر سكتت في حين أن ذلك أغضب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لأنه قال ما لا ينبغي أن يقال، وهذا السكوت قوبلت به التقارير التي تحدثت عن مشاركة إسرائيل في تعقب الإرهابيين وضرب أهدافهم في سيناء. بعض هذا الكلام يصعب تخيله أو تصديقه، لكنه من جملة ما تتحدث به الصحف الإسرائيلية، ولا يتاح لنا أن نعرف وجه الحقيقة فيه، الأمر الذي يسلمنا للحيرة والبلبلة.المعلومات التي نشرت عن مؤتمر العقبة السري ذكرت أن الطرف العربي الحاضر كان موافقا على النقاط التي طرحها جون كيري، في حين أن الذي رفضها كان نتنياهو. بما يعنى أن العرب الحاضرين رضوا بالهم في حين أن الهم لم يرض بهم. وقد استغرب بعض الكتاب الإسرائيليين موقف رئيس الوزراء، حتى إن أحدهم ــ رفيف دروكير ــ كتب في هاآرتس قائلا: «إنه كان يفترض أن ينهال نتنياهو بالقبلات على كيري، لا أن يقابل عرضه السخي بالرفض». وقال آخر أكثر من ذلك، إذ كتب أورى مسغاف أن ما جرى في لقاء العقبة يدل على أن نتنياهو «كذاب وجبان ورافض للسلام». حين رفض نتنياهو مشروع جون كيرى، فإنه قام بتعلية سقف طلباته. فقد اشترط أن توافق السعودية والإمارات على إرسال ممثلين كبار عنهما إلى مؤتمر علني يشارك فيه شخصيا. بما يدلل على نقل العلاقات مع البلدين إلى العلن، ومما ذكره باراك رافيد محرر «هاآرتس» وصاحب السبق الصحفي أنه إلى جانب ذلك، فقد طلب الرجل موافقة الإدارة الأمريكية على إطلاق يد إسرائيل في التجمعات السكانية الكبرى بالضفة الغربية، إضافة إلى التزام أمريكي بإحباط أي تحرك ضد إسرائيل في المحافل الدولية. وفى مقابل كل ذلك فإنه وعد بأن يقدم بعض التسهيلات للفلسطينيين للبناء في مناطق «جـ» بالضفة الغربية، وسمح بتجميد البناء في المستوطنات النائية التي تقع في أقاصي الضفة!في استعلائه وصَلَفه فإن نتنياهو قام بدور المنتصر الذي يملى شروطه على المهزومين. وإذا لاحظت أنه تحدث بهذه اللغة أثناء حكم الرئيس باراك أوباما، فلك أن تتصور موقفه الآن، في ظل الرئيس الجديد الذي يقف على يمين إسرائيل ويعتبر أن الخطأ كله في جانب الفلسطينيين.نستطيع أن نصب اللعنات على رئيس الوزراء الإسرائيلي وأن نحشد ما نملك من ثروة لغوية لازدرائه والتنديد به، لكن ماذا نقول فيمن يمدون أيديهم لمصافحته والتطلع إلى سلام دافئ أو حتى بارد معه؟!
458
| 23 فبراير 2017
القنبلة الصحفية التي فجرتها صحيفة «هاآرتس» وأحدثت دويها في مختلف أرجاء العالم العربي، فاجأت الإعلام المصري وأربكته، فبعض الصحف التي صدرت يوم الإثنين ٢٠/٢ (التالي لإذاعة الخبر) ألجمتها المفاجأة فتجاهلت الموضوع على خطورته، وادعت أنها لم تسمع به (الجمهورية ــ اليوم السابع ــ البوابة). البعض الآخر تلعثم في نشر الخبر وحاول تمييعه وتخفيف وقعه على القارئ، سواء من خلال الإشارة إلى أن مضمونه مجرد «مزاعم» إسرائيلية، أو بالتركيز على أنه مسكون بالمغالطات، أو بإعطاء الأولوية لبيان المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الذي قال إن مصر لا تدخر جهدا للتدخل لحل عادل للقضية الفلسطينية دون مزايدات، (الأهرام والأخبار والوطن)، وهي عبارة وردت في البيان الذي كان ردا على قنبلة الصحيفة الإسرائيلية. وبعدما نشرت الخبر على عامود واحد في الصفحة الأولى، ونسبته في الداخل إلى مزاعم إسرائيلية، فإن جريدة «المصري اليوم» أبرزت في عنوان عريض بالداخل تعليق لأحد الذين يدعون أنهم خبراء في الشأن الإسرائيلي، قال فيه إن ما نشرته الصحفية الإسرائيلية «عارٍ تماما عن الصحة»، وفي حين أن الأمر بدا غائما وغامضا لدى قارئ ست صحف مصرية، فينبغى أن يحسب لجريدة «الشروق» أنها وحدها التي أفهمت القارئ حقيقة الحكاية، فنشرت خلاصة للخبر الكبير الذي انفردت به الصحيفة الإسرائيلية، كما نشرت بيان الرئاسة المصرية تعليقا عليه، وجاء العنوان الرئيسي للصفحة الأولى كالتالي: تفاصيل قمة سلام سرية فاشلة في العقبة عام ٢٠١٦. وتحت العنوان الذي أبرز باللون الأحمر، وردت عناوين أخرى هي: هاآرتس: القمة جمعت السيسي وعبدالله الثاني ونتنياهو وكيري ــ الخارجية: ليست لدينا معلومات ــ الرئيس: التوصل إلى حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية يحقق التنيمة لدول المنطقة.تلك ملاحظة شكلية أولى على تعامل الصحافة المصرية مع إفشاء إسرائيل لأول مرة خبر اجتماع الرئيس السيسي مع نتنياهو في حضور ملك الأردن ووزير الخارجية الأمريكي في العقبة يوم ٢١ فبراير من العام الماضي (٢٠١٦)، وهو بالمناسبة الخبر الذي قد يفسر لنا الآن لماذا فاجأنا الرئيس السيسي يوم ١٧ مارس من العام نفسه بحديثه عن «السلام الدافئ» مع إسرائيل، أثناء افتتاح بعض المشروعات في أسيوط، ذلك أن استخدامه المصطلح لأول مرة تم بعد نحو ثلاثة أسابيع من اجتماع العقبة السري.الملاحظة الشكلية الثانية أن الطرف الفلسطيني كان غائبا في اجتماع بحث المصير الفلسطيني، وهو ما يعد قرينة على الاتجاه إلى محاولة ترتيب الأمر عربيا وإسرائيليا أولا لفرض ما يتفق عليه على الفلسطينيين.لدي ملاحظة ثالثة تتعلق بتوقيت إذاعة الخبر، إذ لست أخفي أنني ممن لا يحسنون الظن بكل ما يصدر عن الإسرائيليين. وأعتبر أنهم أولى بأن ينطبق عليهم القول المأثور "كاذبون وإن صدقوا". هذه الخلفية دعتني إلى التساؤل: لماذا يذاع الخبر الآن بعد نحو عام من وقوع الاجتماع السري؟ ــ صحيح أن المعلق السياسي لصحيفة هاآرتس "باراك رافيد" صاحب السبق الصحفى، قال إنه تحدث مع موظفين كبار من المحيطين بوزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري، إلا أن هناك شكوكا في أن لنتنياهو أو فريقه دورا في عملية التسريب. وهو ما لا أستبعده لأنه أكثر المستفيدين من العملية، رغم أن معارضيه هاجموه واعتبروا أنه ضيَّع فرصة نادرة لإحلال السلام مع الفلسطينيين.هناك ثلاثة أسباب تؤيد الافتراض بأن نتنياهو وراء تسريب خبر الاجتماع السري هي:- أن الرجل أراد أن يخلط الأوراق ويقلب الطاولة على الجميع بعد عودته مستعليا ومنتشيا من اجتماعه مع الرئيس الأمريكي في واشنطن، إذ اطمأن إلى أنه أصبح بمقدوره أن يتحلل من كل الوعود والتفاهمات التي طرحت في السابق، سواء فيما يخص قضية الدولتين أو العودة إلى حدود عام ١٩٦٧ أو القرارات والأحكام الدولية. كما أصبح في موقف يسمح له بتحدي قرار منع الاستيطان والشروع في ضم الجولان بعد الضفة الغربية. وقد شجعته على كل ذلك حالة الفوضى والانفراط المخيم على العالم العربي.- أن يكون قد أراد بالصدمة التي حدثت أن يمهد لفكرة الحل الإقليمي التي ترددت أخيرا، بتهيئة الرأي العام لمشروع تحالف إسرائيل مع بعض الدول العربية دون المرور بالموضوع الفلسطيني، كأنما أراد أن يقول إن الأمر ليس مفاجئا، وإن إجراءات التحالف حاصلة فعلا، ولكن بعض القادة العرب يتحرجون من إعلانها.- أن يكون قد أراد أن يصرف انتباه الرأي العام الداخلي عن اتهامه بالفساد والتحقيقات الجارية معه وزوجته بهذا الخصوص، وهي التي ينفخ فيها معارضوه ويطالبون بمحاكمته جراء ما نسب إليه.لدي كلام آخر يتعلق بمضمون اجتماع العقبة السري سأعود إليه غدا بإذن الله.
437
| 22 فبراير 2017
السلام العظيم الذي لوح به الرئيس الأمريكي بمثابة نكبة ثانية للعرب.(١)صحيح أننا مازلنا نعيش في ظل تداعيات النكبة الأولى التي وقعت عام ١٩٤٨، إلا أن أخبار التجهيز للنكبة الثانية تلقيناها في الأسبوع الماضي أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة واجتماعه مع الرئيس دونالد ترامب. وهى الأخبار التي قرأنا عناوينها في التقارير التي خرجت من واشنطن بخصوص القضية الفلسطينية. في حين نشرت تفاصيلها وسائل الإعلام الإسرائيلية، حاصل جمع العناوين مع التفاصيل برسم صورة معالمها كالتالي:< طويت صفحة حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، ولا مجال لفكرة الدولة الواحدة، والباب مفتوح أمام الفلسطينيين لكي يبحثوا عن بدائل أخرى لهم.< الأولوية الآن للبحث عن حل إقليمي يتمثل في تحالف إسرائيلي مع بعض الدول العربية يفتح الباب لاحقا لإمكانية «التفاهم» حول الملف الفلسطيني. وهو ما وصفته صحيفة هاآرتس (فى ١٦/٢) بمبادرة الانطلاق من الخارج للوصول إلى الداخل. بمعنى البدء بالعالم العربي للوصول إلى الساحة الفلسطينية. الأمر الذي يقلب مفهوم المبادرة العربية التي دعت إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في عام ١٩٦٧، كشرط للتطبيع مع جميع الدول العربية. (٢)هذا الكلام الصادم لا يفاجئنا تماما، إذ رغم أنه يعبر عن توافق أمريكي إسرائيلي إلا أنه لم يصدر أي تعليق عربي رسمي عليه، خصوصا أن ثمة قمة عربية يفترض أن تنعقد في العاصمة الأردنية عمان في أواخر شهر مارس المقبل، مع ذلك لدينا قرائن وإشارات تدل على أن هناك شيئا ما يتحرك في العالم العربي يجعلنا لا نستبعد السيناريو الذي طالعناه في واشنطن. بالمناسبة فإن نتنياهو سئل أثناء حوار له فى واشنطن مع تليفزيون قناة (إم إس إن بي سي) عن الدول العربية التي تقيم تحالفا مع إسرائيل، فإنه ابتسم وقال: من ليس كذلك؟من القرائن التي أعنيها ما يلى:< تقرير الرباعية العربية الذي ذاع أمره في شهر سبتمبر من العام الماضي (٢٠١٦)ومن المصادفات ذات الدلالة في هذا الصدد أن الدول الأربع المشاركة فى تلك اللجنة هى ذاتها المرشحة للدخول فى التحالف المراد إقامته بالمشاركة مع إسرائيل. ذلك أن التقرير دعا إلى وحدة الصف الفلسطيني، ومعالجة الانقسام الحاصل داخل حركة فتح (لإعادة القيادي المفصول محمد دحلان إلى الحركة)، وقد ورد في التقرير ما نصه: «في حال عدم قيام الفلسطينيين بما عليهم واستمروا في الانقسام على أنفسهم، ستضطر بعض الدول العربية لدراسة بدائلها الخاصة في التعاطي مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي» ــ وهذا النص إذا تأكدت صحته، فإن الجملة الأخيرة منه يمكن أن تمهد لتنفيذ الحل الإقليمي الذي تحدث عنه ترامب ونتنياهو، باعتباره من «البدائل الخاصة» المرشحة أمام بعض الدول العربية للتفاعل مع الملف الفلسطيني.< كتابات لآحاد الأكاديميين المصريين المرتبطين بالأجهزة الأمنية ذات الصلة بالموضوع، خصوصا تلك التي نشرتها جريدة «الشروق» لنفر منهم دعوا إلى الانتقال في التعامل مع إسرائيل من التطبيع إلى التحالف، كما تحدثت تلك الكتابات عن أهمية «خروج مصر للعالم بخطاب سياسي جديد فى ضوء مراجعات سياسية شاملة». وألمحت إلى أن مصر قادرة على أن تطرح «مبادرة منفردة» لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط (٣/٩/٢٠١٦)، وفى طور لاحق (فى ١٦/١/٢٠١٧) نشرت «الشروق» مقالة حبذت خيار «قيام مصر بتنمية علاقاتها مع الولايات المتحدة من منطلق استراتيجي بالتنسيق مع إسرائيل من جانب والأردن من جانب آخر، في إطار مخطط أمريكي لبناء شراكة على أسس جديدة تضم مصر والأردن وإسرائيل». وهذا النص الأخير يكاد يتطابق مع معلومات التقرير الذي نشرته عن فكرة التحالف المنتظر صحيفة «وول ستريت»، بعد شهر تقريبا من نشره بجريدة «الشروق».(٣)السلام العظيم أو الرائع الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي، والذي اعتبره نتنياهو فرصة تاريخية لم يبق على شيء من عناصر القضية وخياراتها التي طرحت طوال العقود الماضية. ذلك أنه أسقط ليس فقط حل الدولتين، كما لم يدع مجالا للحديث عن حدود عام ١٩٦٧، أو اتفاقية أوسلو، أو القرارات الدولية المتعلقة بالاستيطان أو التي تحدثت عن حقوق الشعب الفلسطيني. ببساطة لأن الفلسطينيين هم المعتدون والظلمة الذين انتقدهم الرئيس ترامب ودعاهم إلى الكف عن كراهية الإسرائيليين (حيث لم يجد مبررا لذلك؟!)، وحسب تصريح السيد ياسر عبدربه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، فإن نتنياهو أقنع ترامب بضرورة بقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على المساحة الممتدة من البحر المتوسط حتى الأردن، بحيث لا يبقى للفلسطينيين سوى إقامة كيان خاص بهم على المناطق الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية حاليا، المسماة مناطق «أ» و«ب»، التي تساوى أقل من نصف مساحة الضفة الغربية. بمعنى أن يتحول الوجود الفلسطيني بمثابة محمية تحت الوصاية الأمنية الإسرائيلية. وعلى حد تعبيره فإن ذلك يعد أخطر حل يقدم للقضية منذ وعد بلفور (١٩١٧) بل إنه يصبح استكمالا لما لم ينجزه ذلك الوعد في مناسبة مرور مائة عام على صدوره.في هذا المعنى نشرت صحيفة «يسرائيل اليوم» تعليقا كتبه يوعز بسموت قال فيه إن تصريحات ترامب حولت سنوات أوباما الثمانى وعهد كلينتون بالحلول التي تبنياها ــ فكرة الدولتين مثلا ــ إلى تاريخ قديم، كما حولت أوسلو ومبادرات السلام لعلماء الآثار».في ظل الحل الكارثة والسلام الذي يمحى فيه كل ما كان مطروحا من خيارات ومبادرات في السابق تنكشف الخدعة الإسرائيلية الكبرى، التي لا تقبل بأكثر من مجرد كانتونات فلسطينية تقوم فيها السلطة في رام الله وحماس في غزة بدور البلديات التي تقدم الخدمات الرئيسية للجمهور. كما يتاح لها أن تمارس النشاطات الجماهيرية التي لم يكن مسموحا القيام بها تحت الاحتلال المباشر. كان ذلك تعليق الصحفية الإسرائيلية اليسارية عميرة هاس في مقال لها نشرته صحيفة «هاآرتس»، مضيفة أن ذلك لم يمنع الرئيس الأمريكي من أن يوفد رئيس المخابرات الأمريكية (سي آى إيه) للاجتماع مع محمود عباس لإبلاغه رسالة تطمئنه إلى استمرار وجود «السلطة الفلسطينية»، لأن ذلك مهم بالنسبة للولايات المتحدة التي تعرف أن صيانة الكانتونات تضمن نوعا من الاستقرار النسبى، فضلا عن أنهم يريدون وجود السلطة للإبقاء على تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب»، كي يتسنى لإسرائيل أن تضم مناطق «ج» التي تشمل أقل عدد من السكان الفلسطينيين وأكبر مساحة من الأرض. (يوجد فيها الآن ٢٠٠ ألف مستوطن مقابل ١٠٠ ألف فلسطيني).(٤) ما سبق ليس قدرا بطبيعة الحال، لكنها مجرد «سيناريوهات» للمستقبل تبنتها الإدارة الأمريكية الجديدة بالتوافق مع الإسرائيليين. وليس ذلك جديدا تماما لأن انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل لا يفاجئنا. وكل ما حدث أنه بدا فجا وفاحشا الأمر الذي يجعله تطورا في الدرجة، من وجهة نظرنا. لكن الأمر يختلف حين يقال إن هناك تفاهما مع بعض الدول العربية «المعتدلة» بخصوصه، إذ إنه يصدمنا ويفجعنا لأنه يغدو تغيرا في النوع وليس في الدرجة. ذلك أنه ينقلنا من مشهد «القضية المركزية»، إلى مستنقع اللاقضية. ومن ثم يفرض علينا نكبة ثانية تستهدف الإجهاز على القضية.كنت أحد الذين أثاروا الموضوع، حين تساءلت في مقالي المنشور في ٧ فبراير عن أبعاد صفقة ترامب مع العالم العربي. وضمنت المقال تساؤلات وشكوكا حول الثمن الذي سيدفعه العرب إلى الرئيس الأمريكي، إذا ما قرر أن يتفاعل مع طلباتهم خصوصا ما تعلق منها بمواجهة التمدد الإيرانى أو اعتبار الإخوان جماعة إرهابية. وقبل ذلك (فى ٢٤ يناير) عبرت عن القلق من احتمال أن تصبح فلسطين ضحية أمريكا الجديدة (كان ذلك عنوان المقال). إلا أن لقاء ترامب ونتنياهو أعفانا من التساؤل والشك، بعدما أصبح اللعب على المكشوف، ولم يعد هناك غموض في حقيقة «السلام العظيم» الذي نحن مقبلون عليه.إزاء ذلك لم يعد لدينا ما نسأله عن جوهر ما يخطط له الإسرائيليون والأمريكيون، وإنما لدينا عديد من الأسئلة حول رد الفعل الفلسطيني والعربي، ولست أشك في أن الموضوع سوف يثار في مؤتمر القمة العربية الذي سيعقد في الأردن قبل نهاية شهر مارس المقبل، وليس ذلك كل شيء، لأننا إذا سمعنا صوت الأنظمة العربية، فإن صوت الشعوب العربية لابد أن يسمع أيضا. وإذا كان الصوت الأول مفهوما وستكون مشكلته في «الإخراج» وكيفية تمرير النقلة المطلوبة من جانب البعض، فإن حدود وتجليات الصوت الثاني مفتوحة الآفاق على كل الاحتمالات.لا أكاد أجد حوارا مسموعا حول الموضوع بشقيه في وسائل الإعلام العربي على الأقل، لكن بعض الكتابات الإسرائيلية انتقدت جهل الرئيس الأمريكي وعقم فريقه، وحذرت من عواقب عدم درايتهم بتعقيدات الموضوع وخرائط المنطقة، وهناك كتابات أخرى توقعت أن يشهد العالم العربي انفجارات متتالية بسبب ذلك «السلام العظيم»، وهو أمر مخجل ومهين حقا أن نحاول قراءة مستقبلنا في كف خصومنا، إلا أن ذلك يظل أحد تجليات الوضع البائس الذي صرنا إليه، الأمر الذي يدفعنا إلى اليأس مما نراه والمراهنة على ما لا نراه.لدى سؤال عبثي أخير هو: إذا قدر للناتو العربي الجديد أن يتشكل بتحالف إسرائيل مع بعض الدول العربية، وحدثت انتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ففى أى جانب ستقف الدول العربية الشريكة فى التحالف؟!
535
| 21 فبراير 2017
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1464
| 18 مايو 2026
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...
1350
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1308
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
1113
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
1083
| 21 مايو 2026
أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...
720
| 20 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
642
| 20 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
618
| 18 مايو 2026
في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...
585
| 21 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
561
| 19 مايو 2026
منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...
552
| 18 مايو 2026
في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...
549
| 19 مايو 2026
مساحة إعلانية