رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين أصبح الإلحاق مطلبًا

التراشق الحاصل الآن في مصر حول انتخاب نقيب الصحفيين يحذر من خطرين، أولهما تدهور أوضاع المهنة، وثانيهما سيطرة فصيل واحد على مقدرات النقابة. وتلك وجهة نظر طرف واحد يريد الإطاحة بالنقيب الحالي (المرشح) وبمجلس الإدارة المتهم باختطاف النقابة. ولأنني أحد المتابعين للمعركة (من منازلهم)، فإنني أزعم أن المشكلة الحقيقية ليست في داخل النقابة ولكنها في خارجها، بمعنى أنها سياسية بالدرجة الأولى وليست مهنية. ولست أدعي أن النقابة ليست بلا مشاكل، ولكن لها مشاكلها التقليدية العديدة غير المثارة في الصراع الحالي. (الأجور والخدمات وغير ذلك) كما أنني أوافق على أن الصحافة المكتوبة في أزمة، ليس في مصر وحدها ولكنها في أغلب بلاد العالم. ولأن الأزمة وثيقة الصلة بمنافسة التليفزيون وبالثورة التي حدثت في عالم الاتصال، وأدت إلى تراجع دور الإعلام الورقي والمكتوب، فإن علاجها يفوق بكثير قدرة وكفاءة أي نقيب أو مجلس إدارة في أي مكان بالكرة الأرضية، مع ذلك فثمة عوامل تساعد على صمود الإعلام المكتوب رغم كل الظروف المعاكسة والضاغطة، وعلى رأس تلك العوامل استقلال الصحف ونزاهة وشجاعة مواقفها، لذلك أزعم أن الصحافة القوية لم تعد تستمد نفوذها من انفراداتها الإخبارية، التي باتت نادرة وحقق البث التليفزيوني سبقا فيها، وإنما باتت تعتمد في قدرتها على ما يتسم به موقفها من نزاهة وشجاعة، الأمر الذي جعل صحافة الرأي في موقع متقدم على صحافة الخبر، في الوقت الراهن على الأقل.هذه الخلفية تسلط بعض الضوء على مشكلة الصحافة في مصر، ومشكلة النقابة بالتالي. ذلك أن أهل المهنة يعرفون جيدا أن انتعاشها أو انتكاسها مرهون بمساحة الحرية المتاحة، فهي تنتعش مع اتساع تلك المساحة وتتراجع وتنتكس تبعا لمقدار انحسارها.للدقة فتلك ليست مشكلة نقابة الصحفيين وحدها، ولكنها مشكلة مزمنة عانت فيها كل منابر التعبير الحر عن الرأي العام، بما في ذلك النقابات المهنية والعمالية والأحزاب والمنظمات الأهلية وغيرها، إذ في ظل أزمة الديمقراطية في مصر المستمرة منذ عقود، فإن السلطة ظلت ساعية طول الوقت للسيطرة على كل تلك المنابر وإلحاقها بسياساتها. ولا مفر من الاعتراف بأنها حققت نجاحات مشهودة في ذلك اختلفت نسبتها باختلاف مساحة الحرية المتاحة في كل مرحلة. ومنذ تأميم السياسة وإلغاء الأحزاب في مصر، فإن النقابات المهنية واجهت ضغوطا عديدة لإخضاعها، الأمر الذي عرض بعضها للتجميد ووضع البعض الآخر تحت الحراسة (نقابة المهندسين مثلا)، لكن الأجهزة الأمنية أولت نقابتي المحامين والصحفيين اهتماما خاصا بحكم اتصالهما الوثيق بالمجال العام والرأي العام. حيث لم يكن التسامح مع انتخاباتهما واردا في أي مرحلة. وبعدما تحقق المراد وتم الإلحاق في نقابة المحامين، فإن ترويض نقابة الصحفيين صار مطلوبا بإلحاح، خصوصا أن النظام الراهن يولي الإعلام أهمية قصوى. وإذ ضمن النجاح المنشود في مجال الإعلام المرئي، فقد حل الدور على الإعلام المقروء، الأمر الذي عرض نقابة الصحفيين لمسلسل من الأزمات المفتعلة طوال العام الأخير، وأدى إلى صدور حكم بسجن نقيب الصحفيين واثنين من مساعديه لأول مرة في التاريخ النقابي في قضية وهمية ملفقة.مشكلة النقابة الحالية أنها أرادت أن تكون مستقلة، ورفضت الإلحاق والاستتباع، لم تكن معارضة، وإنما حرصت على أن تظل متفهمة ومتعاونة، وبسبب استقلالها فإنها احتملت أصواتا معارضة بقدر ما اتسعت لأصوات المؤيدين. لكن ضيق الصدور رفض وجود نقابة مستقلة حتى إذا كانت مع النظام وليست ضده. وهى ذات الأزمة التي واجهت حزب «المصريين الأحرار» وأدت إلى الانقلاب الذي وقع فيه. وذلك جوهر المسعى الذي تعرضت له نقابة الصحفيين طوال العام الفائت، واشتركت فيه صحف يفترض أنها محترمة وصحفيون كبار. وكانت الذريعة التي استخدمت لطعن مجلس النقابة الحالي أن أعضاءه يمثلون اتجاها واحدا، ورغم أنى لست متأكدا من ذلك، إلا أن الأمر لا يخلو من غرابة، لأن الأهم من ذلك أنهم اختيروا من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وتلك آفة منتشرة في جماعاتنا، إذا فاز من نحب فهو اكتساح، ولو فاز من نكره فهو اختطاف، في حين أن احترام الممارسة الديمقراطية يقاس بمقدار احتمالك وتعايشك مع من تكره وليس من تحب.

441

| 20 فبراير 2017

أين العقلاء والراشدون؟

أغلب الظن أنها مصادفة، أن يزور الرئيس الإيرانى حسن روحانى سلطنة عمان والكويت، يوم الأربعاء 15 فبراير، وهو نفس اليوم الذي أجرى فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي مباحثاته في واشنطن مع الرئيس الأمريكي الجديد. ورغم أن ذلك لم يكن مرتبا، إلا أن ثمة علاقة بين الزيارتين. فإيران تستشعر أنها مستهدفة من جانب الرئيس الجديد الذي أصبح يتصيد لها ويريد أن يوقع بها في أي فرصة. ونتنياهو لم يتخل عن سعيه لإجهاض المشروع النووي الإيراني. وفي الوقت ذاته فإن طهران خسرت العلاقة مع دول الخليج، فضلا عن أغلب الدول العربية الأخرى، وبالنتيجة فإن الخليج وجد نفسه مصطفا إلى جانب إسرائيل في مواجهة إيران، واستغلت تل أبيب ذلك الاصطفاف لتدعي أنها أصبحت تقف إلى جانب دول الاعتدال السني في مواجهة المد الشيعي. وأن العالم العربي أدرك أن الخطر الذي يهدده مصدره إيران وليس إسرائيل. وهو خطاب انطلى على قطاعات لا يستهان بها في المشرق العربي، فضلا عن أنه يطرب كثيرا الرئيس الأمريكي الجديد وإدارته. إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد تطلع إلى لقاء الرئيس الأمريكي كي يختبر وعوده إحداث «نقلة تاريخية» في مسيرة إسرئيل فلست أشك في أن الرئيس روحاني كان متطلعا بدوره لزيارة الخليج لوصل ما انقطع مع طهران ومحاولة ترميم الجسور مع دول الخليج جراء ما وصفه بـ«فوبيا إيران والشيعة». وإذا كانت عوامل نجاح زيارة نتنياهو مرجحة، لأن الأرض ممهدة له وأبواب واشنطن مفتوحة أمامه على مصاريعها. إلا أنني أزعم أن طريق طهران إلى الخليج حافل بالأشواك والألغام، لذلك فإنني أشك كثيرا في أن زيارة الرئيس روحاني يمكن أن تحقق مرادها قبل إزالة تلك الألغام، أو البدء فيها على الأقل. أدري أن ذلك ملف كبير حافل بالفصول والتحفظات، وأن الكلام فيه يطول، لكن هناك نقاطا أساسية يتعين وضعها في الاعتبار عند التفكير في الموضوع هي: < أكرر الدعوة إلى ضرورة التفرقة بين السياسة الإيرانية والمذهب الشيعي، إذ لنا أن نختلف مع الأولى ونخاصمها، إلا أننا نرتكب خطأ جسيما إذا استسلمنا لدعوات الغلاة الذين يريدون تحويلها إلى حرب مقدسة ضد الشيعة، تعيدنا إلى الصراعات التاريخية بين الصفويين والعثمانيين. < إن إسرائيل تظل العدو التاريخي والاستراتيجي للأمة العربية، ليس فقط لاغتصابها فلسطين، ولكن أيضا لأنها تمثل رأس حربة للهيمنة الغربية التي تستهدف استمرار إخضاع العالم العربي وتكريس تبعيته لسلطانها. < إن ثمة أخطاء متبادلة بين بعض الدول العربية وإيران، إلا أنني أزعم أن أخطاء طهران أكبر وهو ما تمثل في أمرين أولهما السعي إلى التمدد في العالم العربي على نحو هدد بعض دوله (العراق وسوريا والسعودية مثلا) ــ وثانيهما التخلي عن مبادئ الثورة الإسلامية لصالح التطلعات الإقليمية. وقد ذكرت في مقام سابق ــ في طهران وفي بعض الكتابات ــ أن الثورة الإسلامية أسقطت الشاه في إيران، ولكنها بعد ربع قرن ذهبت إلى سوريا لكي تقتل السوريين وهي تدافع عن شاه آخر. < إن التمدد الإيراني في العالم العربي يتحمل قدرا من المسؤولية عن تيسير الاختراق الإسرائيلي لبعض الأنظمة العربية. ولعب التدخل في اليمن دورا حاسما في ذلك، لأنه بمثابة تهديد مباشر للسعودية. وكان ذلك التهديد هدية قدمتها إيران لإسرائيل. < أخيرا فإن ذلك الملف لا ينبغي أن يظل مغلقا أو محظورا. لأنه لا توجد في التاريخ معارك سياسية أبدية، وعند العقلاء والراشدين فإن الصراع مع الأشقاء والجيران هو نوع من الانتحار، الكل فيه مهزوم في نهاية المطاف. إن لم يكن عسكريا فتاريخيا. الأمر الذي يطرح السؤال التالي: أين هؤلاء العقلاء والراشدون على الجانبين ولماذا لا يُسمع لهم صوت يصلح ما فسد في علاقات الأشقاء؟

620

| 19 فبراير 2017

أخطأ في العنوان

التجاذب الحاصل داخل حزب «المصريين الأحرار» ليس جديدا في الساحة السياسية. ذلك أن الانقلابات التي تتم لتصفية حسابات الأجنحة المختلفة لأسباب شخصية أو استجابة لضغوط أمنية باتت أمرا مألوفا، فبعضها تصدر عناوين الصحف مثلما جرى في حزب الوفد، والبعض الآخر تم في هدوء مثلما جرى في حزب التجمع. وكقاعدة، فما من حزب في مصر يتحرك الآن بعيدا عن أصابع الأجهزة الأمنية. يؤيد ذلك ويشهد به تركيبة مجلس النواب الحالي، الذي لم يعد يختلف أحد على أن الأمن كان حاضرا ليس فقط في ترشيح أغلب أعضائه، وإنما أيضا في حركتهم داخل المجلس.لست بصدد الدخول في موضوع صراعات المصريين الأحرار التي أدت إلى إطاحة مؤسسه رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس وتشكيل قيادة جديدة له، لكن ما دعاني إلى التطرق للموضوع واقعة سجلتها جريدة الشروق أمس الجمعة وأبرزتها على الصفحة الأولى في عناوين مثيرة، منها تهديد وجهه إلى نجيب ساويرس عضو مجلس النواب السيد علاء عابد قال له فيه "سأحبسك". وعلى صفحة داخلية استكملت الجريدة العنوان بحيث أصبح نصه كالتالي: "سأحبسك بالقانون، ولو كنت أنا خبيرا في التعذيب فأنت خبير في هدم الأنظمة".هذا العنوان له قصة، خلاصتها أن السيد ساويرس قال في تصريح صحفي له عن أسباب الخلاف داخل الحزب، إنه أبدى رأيا اعترض فيه على تأييد الحزب لانتخاب علاء عابد رئيسا للجنة حقوق الإنسان بالمجلس في حين أن الرجل خبير في التعذيب. ولكن رأيه لم يؤخذ به. هذه المعلومة التي كررها ساويرس أكثر من مرة أثارت غضب علاء عابد المؤيد من رئيس الحزب الجديد، فرد عليه بتهديده بالحبس على النحو الذي ذكرت.حين طالعت تصريحات السيد علاء عابد التي نشرت مع التقرير أمس، لاحظت أن الرجل لجأ إلى الهجوم والتنديد بساويرس، لكنه لم ينف التهمة التي وجهت إليه. إذ لم يتطرق بكلمة إلى ما نسبه صاحبنا إليه بخصوص خبرته أو صلته بالتعذيب، وذلك أسلوب شائع في بعض مدارس الحوار، التي يلجأ فيها من تضعف حجته إلى تجريح الشخص بدلا من مناقشة الموضوع. كأن تختلف مع آخر في قضية فيكون رده أنك إرهابي أو إخوانجي أو غير ذلك من الصفات التي تنتقص من الرجولة. وقد لاحظت أن السيد علاء عابد اتبع الأسلوب نفسه. إذ بدلا من أن يفند الادعاء عليه بأنه خبير في التعذيب، فإنه اتهم السيد ساويرس في وطنيته وبسخريته من المصريين. ولم ينف الموضوع الأصلي المتعلق بدوره في التعذيب، وهو ما أفهمه، لأن سجل الرجل المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يضعف موقفه كثيرا في هذه النقطة، ذلك أن التفاصيل المنشورة بالأسماء والتواريخ تضطره إلى تجاهل دوره في التعذيب، لأنه لو نفاه لفتح على نفسه بابا لا يستطيع إغلاقه، وأغلب الظن أنه سيفقده ــ أدبيا على الأقل ــ شرعيته بصفته رئيسا للجنة حقوق الإنسان بالبرلمان.الملاحظة الثانية على كلام السيد علاء عابد تنصب على تهديده للسيد ساويرس بالحبس، وأرجح أن جريدة الشروق حين أبرزت الكلمة على الصفحة الأولى دفعتها إلى ذلك غرابة التهديد ووجه الإثارة فيه، أعنى أنها لم تأخذه على محمل الجد، لكنى أختلف معها في ذلك لأن السيد عابد حين قالها فإنه تكلم بلغة «المقدم» ضابط المباحث الذي قضى نحو ?? عاما في الخدمة. ذلك أن خبرته تعلمه أن بوسعه أن يحبس أي شخص بتهم جاهزة لا أساس لها، وشهود حاضرين، وتحريات أمنية تؤدى الغرض وتقارير وشهادات للطب الشرعي لا يخر منها الماء. وفي السجون والمعتقلات الآن مئات أو أكثر من الأبرياء حبس كل واحد منهم بكلمة من ضابط مباحث أو أمين شرطة. ولدى المنظمات الحقوقية ولدىّ شخصيا نماذج من تلك الحالات.ما أريد أن أقوله إن السيد عابد كان جادا في تهديده لأن مثله يملك ذلك حقا، لكن المشكلة أنه حين أصاب فيما قاله فإنه أخطأ العنوان!

463

| 18 فبراير 2017

يحمون الدولة من الرئيس

مسلسل العجائب مستمرفيأمريكا. ذلك أن القاضى الفيدرالي في سياتل جيمس روبارت الذي أمر بتجميد مرسوم الرئيس الأمريكي بحظر دخول مواطني ٧ دول رفض طلب الرئاسة تأخير دراسة جوهر القضية. كما أن محكمة استئناف فيدرالية في سان فرانسيسكو رفضت طعن الرئاسة في قرار القاضي، الذي جاء بعدما طعنت ولاية واشنطن في قانونيته. وقد أعرب المدعى العام في واشنطن عن سروره لرد القاضى روبارت طلب الرئاسة،في الوقت ذاته فإن القاضية الاتحادية في ولاية فرجينيا أصدرت بدورها قرارا مؤقتا بتجميد تنفيذ حظر السفر استجابة لطلب من الولاية.الفقرة السابقة تصور جانبا من المشهد الأمريكي الراهن، الذي انتفض فيه القضاء لوضع حد لما اعتبره تجاوزا رئاسيا لحدود السلطة التنفيذية، إذ اعتبر القضاء أن المرسوم الذي أصدره الرئيس موجه ضد بلاد أغلبها من المسلمين، وهو ما يضمر معيارا دينيا لحق الهجرة. وهو ما يتعارض مع الدستور الأمريكي ومنظومة القيم السائدة في المجتمع.هذا المشهد يفاجئنا من حيث إنه يتعارض مع أعرافنا و«ثوابتنا». وهى التي تعتبر أن كلام الرئيس لا يرد، وأن الاعتراض عليه إساءة إلى الدولة في قول، وسعى إلى إسقاطها في قول راجح ومشهور. ثم إنه يضع حدودا لدور الرئاسة، ويفصل بينها وبين القضاء الذي توافر له الاستقلال الذي يسمح له بأن يوقف الرئيس عند حده، ويمنع تنفيذ قراراته. ناهيك عن أنه يعتبر «توجيهاته» يؤخذ منها ويرد، وقد تصبح منعدمة القيمة والأثر. وإذا كان القضاء يتكئ في ذلك على الدستور والقانون ولا يرى للرئيس حصانة أو قداسة، فإن محاكمة الرأى العام للرئيس الأمريكي مستمرة ليل نهار، عبر وسائل الإعلام والبرامج التليفزيونية الحوارية والفكاهية. إذ لم تترك له تصرفا أرعن إلا وفضحته، ولا زلة لسان إلا وحولته إلى أضحوكة تندر بها كل من هب ودب.أمثالنا يستغربون الفصل بين الدولة والنظام والرئيس. لأن خبراتنا علمتنا أن الثلاثة مختزلون في واحد. فالنظام هو الدولة رغم أنه أحد أركانها وجزء منها، من ثم فإن معارضته هي مناهضة للدولة ودعوة إلى إسقاطها، ولأن النظام صار هو الرئيس فقد أصبح الرئيس هو الدولة. وفى نموذج موقف القضاء الأمريكي نجد الأمر مختلفا تماما. فقد عارض القضاء الرئيس بدعوى الحفاظ على دستور الدولة والحفاظ على منظومة القيم التي أرساها النظام عبر تاريخه، ومن هذه الزاوية قام القضاء بدور الحارس للديمقراطية وللحقوق المدنية.شتان بين هذا الذي نقرؤه عن التجاذب الحاصل في الولايات المتحدة، وبين الذى نعيشه في بلادنا وفى مصر هذه الأيام. إذ حين أبدى الرئيس رأيا عرضيافي حديث له انتقد فيه الطلاق الشفوي، ثم رأت هيئة كبار العلماء رأيا مغايرا استندت فيه إلى المراجع الفقهية، فإن البعض اعتبروا موقف العلماء الذين هم أدرى بالموضوع تمردا ومروقا، وخصصت بعض الصحف صفحات لتحرير «المواجهة» بين الأزهر و«الدولة». ووصف اختلاف الرأي مع الرئيس بأنه «معركة»، أججها نفر من الصائدين الذين همزوافي قناة الأزهر، واتهموه بـ«الأخونة» التي صارت مقابلا للخيانة العظمى.حين يقارن المرء بين النموذجين فإن السؤال الأول الذي يخطر له هو: كم سنة ضوئية نحتاجها لكي تصبح معارضة الرئيس دفاعا عن الدولة وليست مؤامرة لإسقاطها؟

480

| 16 فبراير 2017

زيتنا في دقيقنا

يكفي أن تقرأ خبر إغلاق وتشميع مركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب لكي تعرف كل الحكاية. فهذا قرار دولة، والذين نفذوه تابعون لوزارة الداخلية. والهدف من الإغلاق هو منع علاج ضحايا التعذيب من ناحية، وإسكات صوت المركز الذي كان يتابع مختلف الممارسات التي تنتهك كرامة البشر وتعد جرائم بحق الإنسانية، ولست واثقا من تعليق أحد المدونين الذي قال فيه إن إغلاق المركز أريد به عدم تعطيل مهام التعذيب التي تقوم بها الشرطة.في السابق كان المسؤولون يرددون في مختلف المناسبات أنه لا يوجد تعذيب في مصر، وأن إثارة الموضوع أريد بها تشويه صورة النظام، وهي المهمة التي يقوم بها «أهل الشر» المصريون وأعوانهم من أشرار المنظمات الحقوقية في العالم الخارجي. وهو ما كان يثير الشك حول صحة التقارير المحلية والدولية، ولكن قرار الإغلاق والتشميع حوّل الشك إلى يقين، وبرأ ساحة «الأشرار» في الداخل والخارج من تهمة تشويه صورة مصر، إذ صار بوسع أي أحد أن يتساءل قائلا: إذا لم يكن هناك تعذيب ولا يحزنون، وإذا كانت أيدي النظام وشرطته بريئة من دماء المصريين، فلماذا خاضت السلطة وأجهزتها الأمنية معركتها الشرسة ضد المركز، واستخدمت مختلف الحيل والألاعيب لإسكات صوته وإغلاقه، ودفعت بموظفيها في يوم العطلة إلى تشميع بابه وحظر الدخول فيه؟من المفارقات أن الذين أغلقوه خدموه من حيث لا يحتسبون، كما أن الذين تصورا أن تقارير المركز تسيء إلى سمعة البلد، هم أنفسهم الذين لوثوا تلك السمعة وفضحوها، فقد تحول إغلاق المركز إلى خبر ترددت أصداؤه في أوساط الحقوقيين في العالم الخارجي، من ثَمَّ ذاعت شهرته وتابع قضيته وعرف بأمره كل من لم يسمع به. ثم إن من حسنت نواياه وشك يوما في أن مصر تمارس التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان، أصبح متأكدا الآن بأن التعذيب حاصل وأن الدولة التي تحرض على ستره وإخفائه ضاقت بجهود كشفه وعلاج ضحاياه، لذلك فإنها انقضت على المركز وضمته إلى ضحايا الاختفاء القسري، مع فارق بسيط أن مكان المركز بات معلوما.إذا كانت السلطة قد قدمت خدمة للمركز بالقرار الذي اتخذته، فإن ضحايا التعذيب وحدهم الذين أضيروا بالإغلاق، وكان بوسع فريق العمل الذي يديره أن يتخلى عن مهمته محملا السلطة وحدها مسؤولية التوقف عن علاج ضحايا التعذيب، إلا أن إصرار السيدات المناضلات اللاتي يؤدين ذلك الدور على الاستمرار في المهمة رغم ما جرى بدا مثيرا للدهشة والإعجاب، إذ فوجئت ببيان تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي جاء فيه ما يلي: نظرا لتشميع عيادة النديم من قبل السلطات يوم الخميس ٩ فبراير ٢٠١٧، وإلى حين نتمكن من اللقاء وجها لوجه مرة أخرى، يمكن للناجين والناجيات من العنف أو التعذيب أو أهالي المختفين قسريا أو المعتقلين أن يتصلوا على الأرقام التالية لتلقي المشورة النفسية، وذلك في نفس أوقات عمل عيادة النديم، من السبت إلى الأربعاء، من الساعة ١٠ صباحا إلى الثالثة مساء. وسوف نعمل ما بوسعنا لتقديم المساعدة، وإلى لقاء قريب. وحمل البيان أسماء وأرقام خمس طبيبات هن: د. منى حامد ــ د. رغدة سليط ــ د. عايدة سيف الدولة ــ د. سوزان فياض ــ ولحالات العنف ضد النساء د. ماجدة عدلي.إن قرار تشميع مركز النديم نموذج للقرارات العشوائية التي تصدر مفتقدة للذكاء في مصر بحيث يصبح الضرر فيها أكثر من النفع. وهو ما يدعونا إلى القول بأنه في ظل أداء من ذلك القبيل لا تكون مصر مضطرة للإشارة إلى «أهل الشر» في الإساءة إليها، إذ صار زيتنا في دقيقنا.

850

| 15 فبراير 2017

في أن مراجعة المسار صارت واجب الوقت

رسائل السخط التي تطلق في الفضاء المصري في أيام الشِّدة الراهنة ينبغي أن تسمع قبل فوات الأوان.(١)نشرت جريدة الأهرام الصادرة يوم ١٢ فبراير الحالي (أمس الأول) إعلانا على الصفحة الأولى بحجم لافت للنظر كان عنوانه كالتالي: شكر وتقدير ــ يتقدم مستثمرو العبور بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى السادة الذين كانوا ١٤ ضابط شرطة يتقدمهم وزير الداخلية ــ أما موضوع الشكر فهو «ما بذلوه من جهود لإعادة الأستاذ فلان (الذي هو من رجال الأعمال)، الذي تم اختطافه وأعادوه إلينا سالما». رسالة الإعلان تقول إن عودة رجل الأعمال إلى بيته سالما صار خبرا يستحق توجيه الشكر وعظيم الامتنان لوزير الداخلية و١٤ ضابط شرطة. وهو أمر لا مبالغة فيه، لأن خطف رجال الأعمال واشتراط دفع فدية لإطلاقهم بات ملحوظا في مصر خلال السنوات الأخيرة، ومشهورة قصة عصابة بورسعيد التي تخصصت في تلك العمليات. وكان أبرز ضحاياهم مستثمر من بنجلاديش. ومن الضحايا المشهورين الذين تحدثت عنهم الصحف المصرية مستثمر سعودي يملك مصنعا للصلصة تم اختطافه مع سائقه في طريق عودته من الإسماعيلية إلى القاهرة. وقيل آنذاك إن خاطفيه طلبوا خمسة ملايين جنيه لتحريره، أما غير المشهورين الذين تعرضوا للاختطاف ثم أخلى سبيلهم بعد دفع الفدية في صمت فأعدادهم غير معروفة، لكنها ليست قليلة على أي حال، أو هكذا تقول الشائعات.لو أنها حوادث استثنائية مما يتعرض له بعض الأثرياء لقلنا إنها مما يحدث في بلاد أخرى، لكنها تحولت إلى ظاهرة لم تعد تؤرق الأثرياء وحدهم، ولكنها باتت تزعج القادرين خصوصا الذين أصبحوا يعيشون في منتجعات الضواحى، وغيرهم من أهالى تلاميذ المدارس الخاصة، الذين أصبح أطفالهم يتعرضون للاختطاف واشتراط دفع مبالغ مالية متفاوتة القيمة لإطلاقهم. حتى أصبحت حراسة أولئك الأطفال في الذهاب والعودة هما يشغل أغلب الأسر.أفهم أيضا أن يكون هناك مجرمون وراء تلك الحوادث، لكن المشكلة تتخذ منحى آخر إذا لاحظنا أن بعض الجناة ليسوا مجرمين ولكنهم فقراء أو عاطلون. وأن الخطف ليس سوى شكل واحد من أشكال الانحرافات التي ظهرت أعراضها في المجتمع. ولم تعد مقصورة على الطبقات المعدمة أو الفقيرة، ولكن عدواها انتقلت إلى الطبقات المتوسطة التي جرى إفقارها في أجواء الغلاء الفاحش الذي أحدث تصدعات اجتماعية غير محسوبة.(٢)للأسف ليست لدينا دراسات يطمأن إليها توثق ما أدعيه. خصوصا أن المسؤولين لا يرحبون بالمعلومات التي تتحدث عن عمق ونتائج الأزمة الاقتصادية في مصر، إذ يعتبرون نشر إحصاءات تفشى الجريمة وانتشار حوادث العنف بسبب الأزمة الطاحنة من قبيل تثبيط الهمم والانصراف عن الإنجازات. وربما كانت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاءات هي الضوء الرسمي الوحيد الذي يوضح لنا بعض مؤشرات الأزمة. آية ذلك أن الصحف الصادرة هذا الأسبوع تحدثت عن ارتفاع معدل التضخم السنوي في شهر يناير إلى ٢٩.٦٪، وفصل تقريرها في نسب الزيادات في أسعار السلع الأساسية من اللحوم والدواجن إلى الخبز والألبان. وأبرزت صحيفة «المصري اليوم» في عناوين عدد ١٣ فبراير تعليق الدكتورة عاليا المهدي العميد السابق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الذي ذكرت فيه أن تلك النسبة من التضخم هي الأعلى في مصر منذ سبعين عاما. الأمر الذي يعنى أن المصريين لم يعرفوا مثل ذلك الغلاء الذي يعانون منه منذ ثلاثة أرباع القرن تقريبا.الأوجه الأخرى للصورة نتعرف عليها من وسائل الإعلام. فالخبراء الاقتصاديون يحذرون من أن القادم أسوأ، فالزيادات في الأسعار سوف تستمر في مجالات حيوية عدة (الكهرباء ومياه الشرب والوقود مثلا) طبقا للاتفاق الذي أبرم مع صندوق النقد الدولي. وهو ما يعني أن معاناة الجماهير سوف تتضاعف، الأمر الذي سيرفع من معدلات العنف والجريمة والفساد أيضا. لأن ملايين الموظفين من ذوي الدخول الثابتة لن يصبحوا قادرين على الاستمرار في الحياة إلا باللجوء إما إلى الجريمة وإما الرشوة. والذين يرفضون السير في ذلك الطريق، أمامهم خيار ثالث له سوقه التي أصبحت رائجة في مصر، التي أصبحت ثالث بلد في العالم تباع فيه الأعضاء البشرية، بعد الصين وباكستان. حتى بات مألوفا أن تنشر الصحف المصرية أخبارا عن اكتشاف عصابات ومستشفيات ومراكز تقوم بتلك المهمة. أما الذين تسد في وجوههم كل الأبواب، فإنهم يلجأون إلى الانتحار يأسا من الحياة، في ظل العجز عن تلبية احتياجات المعيشة أو العجز عن سداد الديون. وبوسع أى باحث أن يرصد تواتر نشر تلك الحوادث في الصحف المصرية بين الحين والآخر.(٣)في الثامن من شهر فبراير الحالي قام أهالي مدينة «القرين» بمحافظة الشرقية باعتراض طريق سيارة نقل تابعة لوزارة التموين، كانت محملة بكميات من السلع الأساسية في مقدمتها السكر والزيت والأرز. وما إن توقفت السيارة حتى اقتحمها الأهالي وقاموا بنهب محتوياتها.الدلالة السياسية للحدث لم تتطرق إليها وسائل الإعلام. لكن الرسالة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي التي أعادت إلى الأذهان ذكرى أحداث ١٨ و١٩ يناير قبل أربعين عاما (عام ١٩٧٧) حين انفجر غضب الفقراء بعد رفع أسعار الخبز فخرجوا في مظاهرات هاجمت بعض المحلات التجارية، وهتفت ضد الرئيس السادات وحكومته. ولا يزال جيلنا الذي عاصر تلك الأحداث يذكر الهتافات التي كان منها: "يا ساكنين القصور الفقرا عايشين في القبور" ، "سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه" ، "هو (السادات) يلبس آخر موضة وأحنا بنسكن عشرة في أوضة"..إلخ.في تعليقات السوشيال ميديا على الحاصل في مصر هذه الأيام ترددت عبارات انتفاضة الغلابة وثورة الجياع. وقرأت لأول مرة اسم حركة «ضنك» وتصدى أحد المعلقين للفكرة قائلا إن الانتفاضة أو الثورة لا تكون بالضرورة على شكل مظاهرات جماعية غاضبة تهتف وتهاجم المحلات التجارية، لكنها أيضا قد تكون على شكل انتشار الممارسات الفردية التي تعبر عن النقمة والغضب. وخلص صاحبنا من ذلك إلى أن ما يحدث في مصر الآن هو ثورة من ذلك الطراز الأخير، وقد ظهرت بوادرها بوضوح بعد تعويم الجنيه المصري ورفع أسعار جميع السلع. الأمر الذي كان له صداه العنيف في أوساط الطبقة المتوسطة. أما الفقراء باختلاف درجاتهم فإن وقع الصدمة عليهم كان مضاعفا. وهو ما يسوغ لي أن أقول إن المجتمع المصري إذا لم يكن في حالة ثورة فهو على الأقل يمر بحالة القابلية للثورة، وهي ليست ثورة ضد النظام، ولكنها دفاع عن حق الناس في العيش الكريم، وأحسب أن ذلك التحليل ليس غائبا عن السلطة، التي باتت تحظر وتتشدد في منع وقمع أي تجمع بشري في الشارع المصري. وإضافة إلى ما تكفل به قانون حظر التظاهر، فإن القرار الأخير الذي منع التظاهر في محيط ٨٠٠ متر لجميع المنشآت الحيوية، بمثابة خطوة تقطع الطريق على أي تظاهر محتمل في بر مصر، حتى إذا كان سلميا ويحميه الدستور.(٤)حين يصبح السخط والشكوى على كل لسان، ويتواتر الحديث عن تراجع شعبية الرئيس السيسي، فإن التوقف أمام ما يجرى يصبح واجبا، وتغدو مراجعة المسار والخطط أوجب. ولست مؤهلا للقيام بتلك المهمة، لكني لا أشك في أن غيري أقدر على النهوض بها. مع ذلك فربما كان بوسعي أن أسهم في وصف المشهد وقراءته. فقد أثار انتباهي مثلا تصريح المتحدث باسم صندوق النقد الدولي، الذي قال فيه إن انهيار الجنيه المصري بالصورة التي وقعت تم بأسرع مما كان مقدرا. الأمر الذي يعني أن الموضوع لم ينل حقه من الدراسة المسبقة. وثمة اتفاق بين أغلب الخبراء على أن اقتران التعويم برفع الأسعار لم يكن إجراء حكيما، كما إن إنفاق الأموال الطائلة، على المشروعات العملاقة أسهم في إضعاف قوة الجنيه المصري وأدى إلى تبديد رصيد البلد من العملات الصعبة التي كان ينبغي أن تنفق على أوجه أكثر ضرورة وإلحاحا. سمعت من خبراء آخرين أن انتشار تدخل القوات المسلحة في المجال الاقتصادي حولها إلى بديل للقطاع العام حمل مسمى مختلفا. إلى غير ذلك من الأمور التي باتت تستدعى إعادة نظر تصوب المسار وتنقذ السفينة من الغرق.حين يصبح الاقتصاد في أزمة. وتواجه السياسة أزمة مستحكمة جعلت مصطلح «موت السياسة» تعبيرا دارجا ومسلما به، فإن أفق المستقبل يصبح معتما ويفقد المجتمع أهم شروط التفاؤل بالحاضر أو المستقبل. وفي هذه الحالة لا يخفف من وطأة الإحباط المبالغة في التخويف من الإرهاب أو استنفار المجتمع لمتابعة مباريات كرة القدم أو تكثيف برامج المنوعات التي تبثها قنوات التلفزيون أو التهليل الإعلامي الذي يملأ الفضاء بالضجيج.أدرى أن التحديات كثيرة والأعباء جسيمة، وأفرق بين حل المشكلات وبين توافر الثقة والاطمئنان إلى توافر ذلك الحل في المستقبل القريب أو البعيد. وأخشى ما أخشاه أن الذي أصبحنا نفتقده هو الثقة والأمل. خصوصا أننا وعدنا بالانفراج بعد سنتين. ولما لم يتحقق المراد صدرت تصريحات تحدثت عن انفراج بعد سنة أو سنتين أخريين. وقذف البعض بالكرة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة (في عام ٢٠١٨). وحين تزامن ذلك مع تعالى مؤشرات الأزمة الاقتصادية وارتفاع وتيرة الاحتقان السياسي والتضييق على الحريات، فإن الناس ينبغي أن يعذروا إذا تراجع شعورهم بالثقة ولم يجدوا مبررا للتعلق بالأمل.إن الرسائل الداعية إلى التنبيه والتحذير والمراجعة تنطلق من كل صوب طول الوقت. لكنها لا تجد من يتسلمها أو من يحاسب على تجاهلها وإنكار وجودها. إذ لا قيمة للأجراس إذا لم تجد من يسمعها.

631

| 14 فبراير 2017

الربيع المفترى عليه

ليس مفهوما إصرار الأمين العام لجامعة الدول العربية على ازدراء الربيع العربي، وتحامله الشديد عليه كلما جاء ذكره أمامه. ورغم أن السيد أحمد أبوالغيط كان دبلوماسيا لأكثر من نصف قرن (التحق بالخارجية المصرية عام ١٩٦٥) فإنه تخلى عن دبلوماسيته في حديثه عن الربيع العربي أكثر من مرة، متجاهلا أن أكثر من نظام جاء به ذلك الربيع ممثل الآن في الجامعة العربية التي يتولى أمانتها.لقد تابعت السيد أبوالغيط في حوار أجرته معه في ٣ فبراير الحالي (٢٠١٧) قناة «روسيا اليوم» قال فيه إن ما يسمى بالربيع العربي جدير بأن يسمى التدمير العربي، ودلل على ذلك بأنه تسبب في الخراب والدمار الذي حل بأكثر من قطر عربي. ووجدته يقول الكلام نفسه في حوار آخر بثته قناة «س. بى. سى» المصرية في ١٨ يوليو عام ٢٠١٦، وصف فيه الربيع العربي بأنه كذبة ومؤامرة. كما أنه ردد فكرة الدمار والخراب ذاتها في حوار تليفزيوني ثالث بثه التليفزيون المصري في ٢٨ ديسمبر عام ٢٠١٤، ضمن برنامج باسم بوابة القاهرة.كان مفهوما أن يكون ذلك رأي السيد أبوالغيط بوصفه وزيرا للخارجية المصرية في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، الذي أطاح به الربيع العربي. ومن ثم لم يكن غريبا ما قاله في الحوار الذي تم معه في عام ٢٠١٤، وتصورت أن تختلف لغته ــ وليس بالضرورة موقفه ــ بعد اختياره أمينا عاما للجامعة العربية في عام ٢٠١٦. إلا أنه لم يخف مشاعره، وظل مصرًا على أن الرياح المنعشة التي هبت على العالم العربي في عام ٢٠١١، لم تكن سوى أكذوبة ومؤامرة، وهو ما أعطى انطباعا بأن الرجل ليس معبرا عن «أمانة» جامعة الدول العربية، ولكنه يعتبر نفسه ممثلا لبعض الدول المخاصمة للربيع العربي التي سعت جاهدة لإفشاله، وحققت بعض النجاحات في ذلك.تلك ملاحظتي الأولى على كلام الرجل. ولي بعد ذلك ملاحظات أخرى أوجزها فيما يلي:< إن الدستور المصري الصادر في عام ٢٠١٤، اعتبر التغيير الثوري الذي أطاح بمبارك في ٢٥ يناير، وكذلك ما جرى في ٣٠ يونيو بعد ذلك، بمثابة «امتداد للمسيرة الثورية للوطنية المصرية»، واستغرب أن يتجاهل أن ثورة يناير انطلقت في السنة الأولى للربيع العربي، وكانت الحلقة الثانية «بعد تونس» من موجة التغيير التي شهدها العالم العربي في عام ٢٠١١.< إنه كرر في لقاءاته الاستشهاد بما حدث في العراق، واعتبر ما أصابه من تجليات الدمار الذي أحدثه الربيع العربي، وقد خانته ذاكرته في ذلك، لأن ما حل بالعراق هو نتيجة الاحتلال الذي وقع في عام ٢٠٠٣ ولا علاقة له بالربيع الذي هبت رياحه على العالم العربي في عام ٢٠١١.< في تجريحه للربيع العربي، فإنه كما بدا متعاطفا ضمنيا مع الأنظمة العربية الاستبدادية والفاسدة، وفي المقدمة منها نظام الأسد الوحشي، الذي قرأنا قبل أيام فقط أنه أعدم ١٣ ألف شخص في سجونه خلال السنوات الخمس الأخيرة، إضافة إلى قتل وتهجير الملايين من السوريين. ولم يشر بكلمة إلى شوق الجماهير العربية إلى الحرية والعدل في بقية الأقطار التي ذكرها، ولو أنه قال مثلا إن الربيع العربي عالج أوضاعا سيئة بتداعيات أسوأ لكان أكثر موضوعية ودبلوماسية، وأكثر التزاما بمسؤولية منصبه.< إنه لم يكن منصفا في تقييم الربيع العربي، إذ ركز على النتائج وتعمد السكوت على الأسباب التي تمثلت في تعلق الجماهير العربية بحلم التغيير الذي بدأ سلميا ولكن قسوة القمع والتدخلات الخارجية قلبت المشهد وأوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، وهو ما يعنى أن الذي تسبب في الدمار والفوضى ليس الربيع العربي ولكنه التآمر عليه وجهود إفشاله لصالح الثورة المضادة التي استعادت مواقعها على النحو الذي يلمسه الجميع. والله أعلم.

723

| 13 فبراير 2017

في رثاء الثورة البيضاء

يوم أمس (السبت ١١ فبراير) حلت الذكرى السادسة لأغرب ثورات التغيير المجهضة في العالم العربي. لم يكن غريبا أنها انطلقت في عام ٢٠١١، الذي كان عام انتشار إرهاصات الربيع العربي. ولا غرابة في أنها أجهضت وفشلت في تحقيق مرادها، وهو ما كان نصيب أغلب الثورات التي تفجرت آنذاك، لكن وجه الغرابة يكمن في أمور عدة، أهمها أن الثوار ظلوا مرابطين في قلب العاصمة، في ساحة التغيير وشارع الستين، طوال أحد عشر شهرا. منها أيضا أنها كانت ثورة شباب بالأساس، لكن دور اليمنيات منها كان مبهرا، إذ خرجن إلى المسيرات يرددن الهتافات ويرفعن اللافتات وقد ارتدين ثيابهن التقليدية التي تغطي الجسم كله باستثناء العينين، منها كذلك أن اليمنيين اعتبروها ثورة بيضاء، إذ ظلوا طول الوقت متمسكين بسلمية انتفاضتهم، فلم يشهر سلاح ولم تطلق رصاصة، رغم أن السلاح جزء من المستلزمات الشخصية لكل مواطن، ورغم أن الثوار تعرضوا لغارات الأجهزة الأمنية وحملات جنود الأمن المركزي الذين استخدموا معهم مختلف أساليب الترهيب والقمع، الأمر الذي أسفر عن سقوط نحو ٧٠٠ قتيل وأضعافهم من الجرحى. خلال الأحد عشر شهرا ظلت جماهير الثورة البيضاء معتصمة بميدان التغيير، وقد توزعت على خيام نصبت لعناصر القوى السياسية والشبابية، فضلا عن أبناء المحافظات والقبائل المختلفة. وهؤلاء أقاموا حياة كاملة في الميدان، تم خلالها ترتيب إعاشتهم وتوفير بقية الخدمات لهم من الطعام إلى «القات»، وكان لأهل صنعاء دورهم البارز في ذلك. وخلال إقامتهم فإنهم لم يكفوا عن الهتاف ضد حكم العسكر وحكم مشايخ القبائل، والدعوة إلى إقامة الدولة المدنية الديمقراطية. كما أنهم لم يتوقفوا عن ترديد الأغاني الوطنية وممارسة مختلف الأنشطة التعبوية والثقافية والترفيهية. كان حكم الرئيس ــ أنذاك ــ علي عبدالله صالح قد جاوز ثلاثين عاما، ساد خلالها الظلم والنهب والفساد بكل صوره. وما إن انطلقت شرارة الثورة من تونس في الرابع من شهر يناير عام ٢٠١١١، بعد انتحار الشاب محمد بوعزيزي قبل ذلك بأسبوعين، حتى انطلقت مجموعة من طلاب جامعة صنعاء صوب السفارة التونسية، معبرة عن التضامن والتبريك، ثم ما إن انفجرت الثورة في مصر يوم ٢٥ يناير حتى اتسعت دائرة التضامن الشبابي، وذهبت مجموعة أكبر منهم إلى السفارة المصرية في صنعاء معبرة عن المشاعر ذاتها. وبدا أن الحدثين الكبيرين لمسا وترا حساسا لدى الشعب اليمني الذي كان شبابه يعانون من وطأة الظلم والفساد ويتوقون إلى استعادة وطنهم المنهوب، الذي قامت فيه ثورتان، إحداهما نجحت في الإطاحة بالحكم الإمامي في عام ١٩٦٢، والثانية فشلت في بلوغ ذلك الهدف في عام ١٩٤٨. أصداء الثورة المصرية كانت قوية في صنعاء، لذلك سرعان ما جرى استنساخ ميدان التحرير في ميدان التغيير هناك، ومع استمرار التفاعلات في مصر، فإن شرارات الثورة انتشرت في أنحاء اليمن، حتى شملت ١٧ من ٢٠ محافظة، ومن المصادفات أنه حين بلغ الاحتشاد الشعبي ذروته في صنعاء يوم ١١ فبراير، خصوصا بعدما وصلت مسيرة «الحياة» الحاشدة من تعز، أعلن الرئيس مبارك تخليه عن السلطة مساء اليوم ذاته. وهو ما شكل عاملا ألهب مشاعر الجماهير اليمنية ودفعها إلى الاستمرار في الاحتشاد والإصرار على تغيير النظام.

1140

| 12 فبراير 2017

تقنين النهب والسرقة

إذا كان أحد الكتاب الإسرائيليين قد اعتبر تقنين «الكنيسيت» لسرقة الأراضي الفلسطينية بمثابة «بصقة» في وجه المجتمع الدولي، فكيف نصف وقعه على العالم العربي صاحب «القضية المركزية»؟! الوصف الأول أطلقه تسفي برئيل في مقالة نشرتها صحيفة «هاآرتس» بعد يومين من إقرار البرلمان الإسرائيلي للقانون الذي أضفى شرعية على سرقات المستوطنين للأراضي التي يملكها الفلسطينيون في الضفة الغربية. وهي خطوة غير مسبوقة لم يجرؤ الكنيسيت على الإقدام عليها من قبل، ولم يكن ذلك تعففا أو حياء بطبيعة الحال، لأن الأحزاب اليمينية نجحت في فرضه بما يمثله من تحدٍ صارخ للمجتمع الدولي وانتهاك وقح للقانون الدولي. ذلك أن الاستيطان، بمعنى نقل السكان إلى الأراضي المحتلة، يعد جريمة حرب حسب ميثاق روما. لكن إسرائيل تحايلت وفرقت بين مستوطنات تقيمها الدولة، وهذه أجازتها رغم أن القانون الدولي يجرمها، وبين البؤر العشوائية التي يقيمها المستوطنون من جانبهم خارج مخططات الدولة. وهذه يبطلها القانون الإسرائيلي من الناحية النظرية، وبمقتضى ذلك القانون صدرت أحكام قضائية بإزالة بعض تلك البؤر من باب ستر العورة وذر الرماد في العيون، حيث لا يغيب عن أحد أن المشروع الاستيطاني برمته جزء أصيل من سياسة الدولة العبرية، التي قامت على اغتصاب الأراضي وإحلال شعب مستورد محل الشعب أصحاب الأرض.لقد عرفنا سرقة للأراضي في فلسطين بقوة السلاح، ثم الاحتيال من خلال إصدار 43 قانونا لمصادرة أراضي الفلسطينيين. أما القانون الذي تم إقراره يوم الاثنين الماضي بدعوى تسوية الأراضي، فإنه لم يلجأ إلى الاحتيال وقرر بمنتهى الصفاقة أن المستوطنين إذا استولوا من جانبهم على أراض يملكها فلسطينيون، حتى إذا تم ذلك خارج مخططات الدولة، فليس للفلسطيني صاحب الأرض أن يرفع دعوى لاستردادها، وإنما يصبح مخيرا بين أمرين إما القبول بالتعويض المالي، أو مقايضته بأرض بديلة. وهو ما يعني إسقاط التمييز الذي كان قائما بين المستوطنات الحكومية وتلك التي يقيمها الأفراد أو الجماعات الأهلية.الأثر المباشر لهذه الخطوة يتمثل في فتح الباب على مصراعيه لتقنين نهب الأراضي والتمدد التوحشي الاسيتطاني في الضفة الغربية بما يمهد لضمها وإخضاعها للقانون الإسرائيلي، فضلا عن أنه يجهز على أمل قيام الدولة الفلسطينية، التي أصبحت في خطاب السلطة شعارا وهتافا بلا مضمون على الأرض. يؤيد ذلك ويرجحه أن الحكومة الإسرائيلية قررت أخيرا إقامة ستة آلاف وحدة سكنية جديدة، في تحد لقرار مجلس الأمن حظر الاستيطان، ولا يشك أحد في أن ذلك ما كان له أن يتم دون ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية الجديدة التي صرح ناطق باسمها بأن المستوطنات لا تشكل تهديدا للسلام أو عقبة في طريقه، وأستحيي أن أقول إن الصمت العربي الرسمي إزاء المرحلة الجديدة من سرقة الأراضي الفلسطينية بمثابة ضوء أخضر ضمني يطمئن إسرائيل إلى أن ما تفعله لن يعكر الصفو ولن يفسد «للود» قضية.في مواجهة هذا الموقف فإن السلطة الفلسطينية قد ينقذها من الحرج والفضيحة أن ترفض المحكمة العليا في إسرائيل إجازة القانون. أما إذا وافقت عليه فأمامها خياران الأول تنفيذ قرار المجلس المركزي واللجنة التنفيذية الصادر منذ سنتين بوقف التنسيق الأمني وإعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل في مختلف المجالات، الثاني أن تلجأ السلطة إلى المحكمة الجنائية الدولية لتحدد موقفها إزاء تقنين سرقة الأراضي ونهبها. ومبلغ علمي أنها يمكن أن تلوح بذلك، لكنها أعجز من أن تقدم على أي منهما.أما الشعب الفلسطيني فأمامه خيار واحد لا بديل عنه هو المقاومة ولا شيء غيرها، ولن أضيف حتى لا أتهم بالتحريض على «الإرهاب»!

506

| 11 فبراير 2017

عن مذبحة المقاهي

كم مصريا ينبغي أن يقتل لكي تفيق أجهزة الإدارة وتؤدي ما عليها في حماية المجتمع؟ السؤال من وحي الحادث المفجع الذي وقع في أحد مقاهي القاهرة يوم الأحد الماضي (٥/٢) وأدى إلى قتل أحد الشبان بسبب مشادة مع المسؤولين عن المقهى بسبب حساب «الفُرجة» على مباراة نهائي كأس إفريقيا، إذ تبين أن المقهى يستأجر بلطجية لترهيب الزبائن، وقد طعن أحدهم الشاب بسكين أرداه بسببها قتيلا. القصة هزت المجتمع المصري خصوصا حين علم الناس أن الشاب وحيد أبويه، وأنه تخرج لتوه من الجامعة البريطانية، وكان على موعد للسفر لتسلم عمل بالكويت في اليوم التالي. وأنه اصطحب خطيبته لمشاهدة المباراة ليلة السفر في أحد المقاهي المتميزة بمصر الجديدة، لكنه خرج منها جثة هامدة.فضلا عن أنها فاجعة إنسانية، فإن الحادث نبه المسؤولين إلى كارثة المقاهي التي أصبحت بمثابة وباء انتشر بشكل مؤرق في مختلف الأحياء الهادئة، وتحول إلى ظاهرة سلبية ومصدر للعبث وتداول المخدرات، ناهيك عما سببته من أرق وإزعاج للسكان.الصدمة أحدثت صداها لدى المسؤولين، فصدرت التعليمات خلال ٢٤ ساعة بتحطيم واجهات جميع تلك المقاهي بدعوى أنها غير مرخصة. وكانت النتيجة أن غارة شنت على تلك المحلات وحطمت واجهاتها وديكوراتها، كما صادرت الطاولات والمقاعد، ولم ينته النهار إلا وتحولت تلك المحلات الباذخة إلى ركام وأنقاض، كأن زلزالا ضربها وأتى على ما فيها، حتى بدا وكأن الغارة كانت انتقاما غاضبا وثأرا للشاب الذي قتله البلطجية.لأنني من سكان مصر الجديدة، وأحد الذين اشتكوا من استفحال الظاهرة كتابة وشفاهة، فقد أتيح لى أن أطالع مشهد الغارة ونتائجها المدمرة. وأحصيت في محيط سكني عشرة مقاهٍ لحقها التدمير، وقرأت على مواقع التواصل الاجتماعي أن ٧٠ مقهى حطمت واجهاتها في مصر الجديدة ومدينة نصر (الأهرام تحدثت عن ٥٧ مقهى فقط)، وهذه كلها كانت تعمل لسنوات من دون ترخيص، كما قرأت تعليقات وتغريدات كررت الشكوى من سكان أحياء أخرى في القاهرة، وسكان مدينة المعادي المجاورة، وكما حدث معنا في مصر الجديدة، فإن السكان ظلوا يجأرون بالشكوى، دون أن تتحرك أجهزة البلدية المعنية، إلى أن وقعت الواقعة في أعقاب مباراة كأس إفريقيا، فشمرت الأجهزة عن سواعدها، وشنت غارتها على مقاهي الحي على النحو الذي ذكرت.إذ يثير انتباهنا اكتشاف أن ذلك العدد الكبير من المقاهي يعمل من دون ترخيص، فإن ذلك يدعونا إلى البحث عن تفسير لاستمرارها في العمل بصورة غير مشروعة وسكوت البلدية عنها لعدة سنوات. هناك حديث متواتر وقديم عن فساد المحليات والرشاوى التي تدفع لإنجاز أي معاملة غير مشروعة. في الوقت ذاته ثمة همس مسموع الصوت يتحدث عن أن بين أصحاب المقاهي غير المرخصة عدد غير قليل من «الباشوات» ذوي النفوذ الذين لا يرد لهم طلب.الملاحظة الأخرى تتعلق بحجم الغارة التي وقعت، ذلك أن موضوع المقاهي كان قد أثير إعلاميا في العام الماضي، فقام حي مصر الجديدة بحملة محدودة استهدفت عددا من المقاهي لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، لكن تلك المقاهي «وفقت أوضاعها» وعادت إلى العمل مرة أخرى خلال أسابيع محدودة، ثم شملتها الغارة الأخيرة. وهو ما يعني أمرين، الأول أن فساد المحليات قادر على الالتفاف على القرارات الإدارية. الثاني أن شدة الحملة الأخيرة واتساع نطاقها يدل على أن التعليمات الخاصة بها صادرة من جهات أعلى من الباشوات الذين يملكون المقاهي أو يحمون أصحابها. وهو ما لا يطمئن كثيرا لأن ذلك لم يقع إلا بعد الدوي الذي أحدثه قتل الشاب مساء يوم الأحد. وحينما تهدأ الموجة فلا غرابة أن تعود ريمة إلى عادتها القديمة، كما يقال. الأمر الذي يجعل السؤال الذي بدأت به الكلام واردا وملحا.

615

| 09 فبراير 2017

يحدث في البرلمان الآن

حين أفتى رئيس البرلمان المصري بأن ميزانية المجلس «أمن قومى»، فإن ذلك كان خبرا جديدا شككني في معلوماتي القانونية التي أعترف بأنها تآكلت بمضي الزمن، إلا أنني لم أجد للفكرة أصلا حين رجعت إلى ثلاثة دساتير صدرت في مصر. وحين سألت مَن أعرف من أساتذة القانون في ذلك فإنني سمعت منهم تعليقات شديدة، كان أخفها أن ذلك «كلام فارغ» ينتهك الحق في تداول المعلومات الذي قرره الدستور. ولأن رئيس البرلمان أستاذ في القانون الدستوري ويفترض أنه لا ينطق عن الهوى، فقد خطر لي أن يكون قد أعمل خلفيته القانونية واستنبط حكما جديدا خوَّل له أن يطلق فتواه، عندئذ قلت إن الرجل الذي لا بد أن يعي الدور البارز الذي قامت به الأجهزة الأمنية في تشكيل المجلس، ووجد أن ذلك مما يحتاج إلى تحصين. وكما أنه منع إذاعة جلسات المجلس على الهواء من باب الاحتياط والشدة، فإنه ارتأى أن ميزانية المجلس لا بد أن تحاط بالسرية حتى لا يطلع الأعادي وأهل الشر على أوجه إنفاقها ويطلعون من خلالها على بعض أسرار الشغل.خطر لي احتمال آخر، خلاصته أن رئيس البرلمان ليس مضطرا لأن يشرح خلفية «اجتهاده». ذلك أنه بحكم موقعه أدرى بالمصالح العليا التي تدفعه لاتخاذ إجراءات يستهجنها البعض، لكنه لا يجد نفسه مضطرا لإيضاحها حتى للمجلس ذاته، فقد سبق للبرلمان أن صوت مرتين على مناقشة موضوع المستشار هشام جنية رئيس جهاز المحاسبات الأسبق من خلال الاطلاع على تقريره عن أوجه الفساد الذي أثار ضجة في حينه ومقابلته بتقرير اللجنة الرئاسية التي انتقدته، لكنه رغم ذلك احتفظ بنتيجة التصويت في مكتبه ولم يفعل شيئا مما قرره المجلس، وفعل الشىء نفسه بالنسبة لعضوية الدكتور عمرو الشوبكي للمجلس التي قررها له القضاء، لكنه احتفظ بالنتيجة في مكتبه ولم يمكّن الدكتور الشوبكي من حلف اليمين رغم مضي خمسة أشهر على حكم محكمة النقض لصالحه، وهو ما حدث أيضا لقرار المجلس تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في موضوع الدواء، على غرار ما حدث في موضوع القمح، إذ احتفظ رئيس المجلس بالقرار في مكتبه واعتبره كأن لم يكن، ولم يجد نفسه مضطرا لتفسير موقفه. وهو حين يفعل ذلك، فإنه يكرر ما تفعله الحكومة مع المجلس ذاته، ذلك أنها تتجاهله وتمارس معه «الطناش» في أمور كثيرة مهمة، من ذلك ما جرى في موضوع قرض صندوق النقد الدولي (١٢ مليار دولار)، إذ أبرمته الحكومة وقبضت الدفعة الأولى منه، ولم يخطر لها أن تعرض الأمر على البرلمان كما ينص الدستور.بقيت عندي ملاحظتان، الأولى أن الدكتور علي عبد العال الذي لا يحتمل توجيه أي نقد للحكومة، دأب على استخدام الإرهاب الفكري لإسكات ناقديه، بمن فيهم أعضاء البرلمان، إذ اعتبرهم أصحاب أجندات خاصة وممولين من الخارج ويستهدفون إسقاط الدولة.الثانية أن قصة الـ١٨ مليون جنيه التي أنفقت لشراء ثلاث سيارات لرئاسة المجلس تفضح البذخ الذي تمارسه مؤسسات السلطة. وهي التي تحدثنا عن التقشف وتعاير الشعب بفقره، وتطلب منه التبرع بالفكة، وتدعو كل فرد لأن يصبِّح على مصر بجنيه. الأخطر من ذلك أن الملايين التي أنفقت لشراء السيارات الثلاث، تعد قطرة في محيط البذخ الذي يعلن عن نفسه في أنشطة عمرانية وإعلامية عديدة، مسكوت عنها. وهو ما لا تستطيع لجنة لتقصي الحقائق أن تتصدى له، ليس فقط لأن تشكيل البرلمان للجنة من رابع المستحيلات، ولكن أيضا لأن الأطراف المعنية في هذه الحالة تعرف جيدا أنها فوق المساءلة والحساب.

518

| 08 فبراير 2017

الشامخ الحقيقي في أمريكا

مسلسل عجائب الزمان مستمر خارج حدودنا المحصنة ضد أمثال تلك «الخوارق». ذلك أننا وجدنا قاضيا يوقف أمر رئيس الدولة في الولايات المتحدة، مخالفا بذلك ما نعرف من أن كلام الرئيس لا يرد، ليس فقط لأنه رئيس الكلام لكنه أيضا عصير الحكمة والفلسفة، وفي عجيبة أخرى فوجئنا بانتفاضة المجتمع ورموزه لتحدي قرارات الرئيس من خلال جمع نحو ٣٠ مليون دولار خلال أيام معدودة لصالح الدفاع عن الحريات المدنية التي انتهكتها قراراته الأخيرة. وحينما قال الرئيس إن على المهاجرين غير القانونيين أن يعودوا إلى بلدانهم التي جاءوا منها، فإن أمريكيا من سلالة الهنود الحمر، سخر منه وقال: حسنا إلى أين أنت عائد؟ في إشارة إلى أصول الرئيس الألمانية، وما يشاع عن أن جده دخل إلى الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية. هذا الذي يحدث في أمريكا فصل آخر من فصول الانتفاضة التي عبرت عنها النخب والجماهير التي رفض نفر منها الاعتراف بشرعية الرئيس الجديد، وقال قائلهم أمام الملأ إنه لا يحترم الرئيس أو جماعته ولا أعوانه الذين شكلوا الحكومة أو هيمنوا على الكونجرس، فهؤلاء جميعا لا يمثلون أمريكا، ولكن المجتمع بتنويعاته وفئاته المختلفة هو الممثل الشرعي الوحيد لها.ما دعاني للعودة إلى الموضوع الذي سبق أن تطرقت إليه ثلاثة أمور هي:< حكم القاضى الفيدرالي لمحكمة سياتل (ولاية واشنطن) ــ اسمه جيمس روبارت ــ الذي قضى بتعليق قرار الرئيس دونالد ترامب منع دخول مواطني ٧ دول عربية وإسلامية من دخول الولايات المتحدة لمدة ٩٠ يوما على الأقل، وكان عدد آخر من القضاة قد تبنوا نفس الموقف، وسبقتهم إلى ذلك وزيرة العدل بالنيابة سالى بيتس التي أقالها الرئيس ترامب من وظيفتها. وكانت السيدة بيتس قد طلبت من المدعين العامين عدم تطبيق قرار الرئيس في رسالة شككت في قانونيته وأخلاقيته. هذا الموقف للقضاء اعتبر «صفعة» لترامب، الذي لم يملك سوى الامتثال له، رغم وعده بالطعن فيه. وترتب على ذلك أن تم تجميد قرار الرئيس، وأعلنت الإدارة الأمريكية أن أبواب الولايات المتحدة عادت وفتحت أمام رعايا الدول السبع.< إننا في مصر نعيش واقعا على النقيض مما جرى في الولايات المتحدة. ذلك أن القضاء الإداري بمختلف مراتبه أصدر سبعة أحكام أكدت مصرية جزيرتي تيران وصنافير وأبطلت الاتفاقية التي عقدت بهذا الخصوص، ورفضت الطعون التي قدمتها السلطة، ورغم أن الحكم السابع أصدرته المحكمة الإدارية العليا التي تشكل أعلى مراتب القضاء الإداري، واعتبر الحكم أن الاتفاقية في حكم المنعدمة، إلا أننا فوجئنا بأن الحكومة لم تأبه بحكم القضاء وأحالت الاتفاقية إلى مجلس النواب. ولم يكن ذلك أسوأ ما في الأمر، لأن ما هو أسوأ أن رئيس مجلس النواب انضم إلى الحكومة في موقفها من الحكم، رغم أنه أستاذ في القانون. إذ أعلن في برنامج تليفزيوني أن المجلس صاحب الكلمة النهائية في الموضوع، متجاهلا في ذلك حكم الإدارية العليا، الذي يعد نهائيا وبمقتضاه أصبحت الاتفاقية منعدمة. وهو ما فسر بحسبانه انحيازا إلى موقف الحكومة من جانب رئيس البرلمان، وإعلانا عن موقف مسبق قبل نظر الموضوع. < الأمر الثالث الذي لا مفر من الاعتراف به يتمثل في تقدير مدى قوة المجتمع الأمريكي وعمق استقلال القضاء فيه، ولولا ابتذال كلمة الشامخ في بلادنا لقلت إنه نموذج لذلك الشموخ المنشود. وهو ما ينبغي أن ننحني له احتراما، رغم اختلافنا وسوء ظننا بالسياسة الخارجية الأمريكية. وإذا كان تسجيلنا لهذه الحقيقة واجبا فإن اعترافنا أوجب بأن عافية المجتمع وقوة مؤسساته تعد من ثمار الممارسة الديمقراطية التي نسمع عنها في خطب أهل الحكم في بلادنا، لكننا نراها عندهم شاخصة في الشوارع والميادين.

584

| 06 فبراير 2017

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1464

| 18 مايو 2026

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1377

| 23 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1311

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1113

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1083

| 21 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

720

| 20 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

642

| 20 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

633

| 21 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

621

| 18 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

561

| 19 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

558

| 24 مايو 2026

alsharq
«وسائل التواصل الاجتماعي» مصطلح غير بريء

منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...

555

| 18 مايو 2026

أخبار محلية