رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كم من إنسان ظن أن حياته انتهت، ثم اكتشف بعد أعوام أن تلك اللحظة كانت بداية نجاته؟ وكم من قلب ارتجف خوفًا وهو يرى الأبواب تُغلق في وجهه، ثم أدرك متأخرًا أن الله كان يسوقه إلى باب آخر لم يكن ليهتدي إليه وحده؟ إن أكثر ما يُتعب الإنسان في هذه الحياة شعوره أنه متروك وسط الألم، وأن ما يحدث له بلا معنى، ومن تلك العتمة يولد اليقين. واليقين يا صاحبي، ليس أن ترى الطريق معبّدًا أمامك، ولا أن تأمن المصائب أن تنزل بك، ولا أن تنجو من الألم والحزن والخسارة؛ فهذه سنّة الحياة في العباد جميعًا. ولكنه قوة خفيّة يجعلها الله في قلب المؤمن، فإذا الدنيا أظلمت أبصر، وإذا اضطرب الناس سكن، وإذا انقطعت الأسباب تعلّق بمسبّب الأسباب وحده. فكأن اليقين عينٌ أخرى يبصر بها الإنسان ما لا تبصره العيون. ألم ترَ إلى إبراهيم عليه السلام يوم أُلقي في النار؟ أيّ قلبٍ يحتمل تلك الساعة؟ نارٌ تتلظّى، وخلقٌ اجتمعوا على عداوته، ولا باب نجاةٍ يُرى في الأفق. حتى إن الروايات تذكر أن جبريل عليه السلام عرض عليه العون، فقال في سكينة الواثق بربّه: "أما إليك فلا". يا الله! ما كانت تلك كلمة رجل ينتظر معجزة، إنما كلمة قلبٍ امتلأ بالله حتى لم يعد يرى في الكون كلّه ملجأً غيره. ولذلك كانت المعجزة أن يبرد قلب إبراهيم قبل أن تبرد النار. ثم انظر إلى موسى عليه السلام عند البحر، وقد أحاط به الهلاك من كل جانب؛ فرعون خلفه بسيفه وطغيانه، والبحر أمامه بصمته وهيبته، حتى صاح قومه في فزع البشر وضعفهم: ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ولكن موسى، وقد استقرّ اليقين في أعماق روحه، قال: ﴿كَلّا إِنَّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ﴾. لم يكن يرى طريق النجاة، ولكنه كان يعرف الله، ومن عرف الله هانت عليه متاهات الطريق. وهكذا كان رسول الله ﷺ، في كل موطنٍ تضيق فيه الدنيا بالناس، يفتح باب السماء بيقينه. ففي الغار، حين وقف المشركون فوق رؤوسهم، واضطرب قلب أبي بكر رضي الله عنه حتى قال: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، لم يزده ﷺ ذلك إلا طمأنينة، وقال في هدوء المؤمن الذي يرى بعين قلبه ما لا يراه الآخرون: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟". وما اليقين إلا أن يغلب حضور الله في قلبك حضور الخوف، وأن تكون ثقتك برحمته أكبر من فزعك من الدنيا كلها. ولعل أعجب صور اليقين ما كان من هاجر أم إسماعيل، حين تركها إبراهيم عليه السلام في صحراء قاحلة، لا أنيس فيها ولا ماء. فسألته في لهفة المرأة وخوف الأم: "آلله أمرك بهذا؟" فلما قال: نعم، قالت في سكينة قلبٍ عرف ربه: "إذًا لن يضيّعنا". وهكذا يفعل اليقين بأصحابه؛ لا يمنع عنهم الدموع، ولكنه يمنعهم من الانكسار. يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضّت عيناه، والنبي ﷺ حزن وتألم، ولكن قلوبهم بقيت معلّقة بالله، لا باليأس. فيا صاحبي، إذا ضاقت بك الحياة يومًا، وتكسّرت في قلبك الأشياء التي ظننتها عصيّة على الانكسار، ووقفتَ وحيدًا أمام خوفك لا تدري كيف تنجو، فتذكّر أن الله لا يترك قلبًا احتمى به صادقًا. ولا تخف من تأخّر الفرج، ولا من طول العاصفة؛ فالذي شقّ البحر لموسى، وجعل النار بردًا على إبراهيم، وحفظ نبيه ﷺ في الغار، قادرٌ أن يخلق لك من ضيقك مخرجًا، ومن حزنك نورًا، ومن كسرك حياةً جديدة. اليقين أن يظل قلبك معلقًا بالله مهما اشتدّت الحياة؛ وأن تعبر الألم دون أن تفقد نفسك في الطريق. واعلم أن الإنسان، حين تهزّه الصدمات، يعود إلى أعمق ما ترسّخ داخله. فاجعل في قلبك يقينًا يردّك إلى الله لا إلى الخوف، وإلى السكينة لا إلى الضياع. وأن علامة اليقين أن يقلّ اضطرابك بما لم يُكتب لك، ويقلّ خوفك مما كُتب عليك. ولهذا، حين تتعب، لا تبحث عن الطريق أولًا... ابحث عن الله. فمن وجد الله، وجد الطمأنينة وسط الفقد، والنور وسط العتمة، والحياة حتى في أكثر اللحظات انكسارًا.
375
| 11 يونيو 2026
هناك أناس يمرون في الحياة كما تمر السيارات المسرعة في شارعٍ مزدحم، وضجيج كثير، وغياب أسرع، وأثر لا يكاد يُرى إلا إن اقتربت الذاكرة منه على مهل. وهناك آخرون، لا يرفعون أصواتهم، ولا يتصدرون المشهد، ولا تلاحقهم عدسات الضوء، لكنهم يتركون في الأرواح شيئًا يشبه الطمأنينة الأولى، كأنهم لم يمرّوا بالحياة بل مرّت الحياة بهم وهدأت. وقد ابتُلي هذا العصر بفكرةٍ خفيّة، أقنعت الناس أن القيمة لا تُقاس إلا بما يظهر، وأن الأثر لا يُولد إلا من ضوءٍ يُصفق له الجميع. فصار الإنسان يطارد صورته في العيون أكثر مما يطارد صدقه في القلوب، ويقيس وجوده بعدد المتابعين لا بعدد القلوب التي تغيّرت به دون أن يدري. غير أن الحقيقة، تلك التي لا تُقال كثيرًا، أن أعظم الآثار لا تُصنع في العلن، بل في الهامش الصامت من الحياة. في كلمةٍ خرجت في لحظة انكسار، فأنقذت روحًا كانت تسقط دون أن تُحدث صوتًا. في معلمٍ آمن بطفلٍ مرتبك، فغيّر مصيرًا لم يكن مكتوبًا له أن يُذكر. في صديقٍ جلس بقربك دون سؤال، فقط لأنه أدرك أن الصمت أحيانًا هو أعلى أشكال الفهم. بعض البشر لا يتركون خلفهم مالًا ولا شهرة، لكنهم يتركون قدرةً غامضة على الاحتمال، يمرون كما يمر المطر على أرضٍ عطشى، لا يعلنون عن أنفسهم، لكنهم يُنبتون في الداخل ما لا يُرى. وما أكثر ما نظنه عابرًا، بينما هو في حياة غيرنا حياة كاملة. لقد جعلنا هذا الزمن نقيس الإنسان بما يُرى منه، لا بما يُحسّ بعد غيابه. نريد أن نكون لامعين أكثر من كوننا نافعين، ظاهرين أكثر من كوننا صادقين، كأن الضوء صار بديلًا عن الدفء، مع أن الضوء وحده لا يُنقذ أحدًا من برد الروح. كم من أمّ لم تُكتب عنها سطور، لكنها كانت وطنًا صغيرًا يمشي على الأرض. وكم من أبٍ لم يعرفه التاريخ، لكنه كان في حياة أبنائه الجدار الأخير حين تميل الحياة. وكم من صديقٍ بسيط، لم يترك أثرًا في العناوين، لكنه ترك في قلبك ما يشبه النجاة. هؤلاء لا يصنعون ضجيجًا.. إنما يصنعون حياة. لا يُسمع لهم صدى، لكنهم يتركون في المكان صدى مختلفًا، لا يصل إلى الأذن بل إلى الداخل. إن الأثر الحقيقي لا يحتاج إعلانًا، لأنه يعيش في الصدور لا في الصور، ويكبر في الغياب أكثر مما يُرى في الحضور. يشبه العطر لا تراه، لكنك تعرف أن من مرّ قد غيّر هواء المكان. يشبه يدًا تربّت على قلبٍ منهك، ثم تختفي، لكنها تترك وراءها شيئًا لا يزول. والأخطر من كل شيء، أن بعض الناس لا يدركون حجم أثرهم إلا بعد فوات اللحظة. يظنون أن ما يفعلونه عادي، بينما هم في حياة أحدهم نقطة تحوّل كاملة. فالكلمة التي تراها بسيطة قد تكون في مكان آخر جسر نجاة، والموقف الذي لا تلتفت إليه قد يتحول في ذاكرة شخصٍ ما إلى سببٍ في بقائه على قيد المعنى. لهذا، ليس السؤال الحقيقي: كم شخصًا عرفك؟ إنما: كم قلبًا أصبح العالم فيه أخفّ لأنك مررت به؟ فالأثر لا يحتاج منصّة، ولا يحتاج تصفيقًا، ولا يحتاج اسمًا كبيرًا. يكفي أن يكون صادقًا.. والصادق لا يضيع، حتى لو مرّ في صمتٍ كامل. إن بعض الناس يشبهون الجذور، لا تُرى، لكنها تمسك شجرة الحياة كلها من السقوط. وبعضهم يشبه الضوء الخافت في طريقٍ طويل؛ لا يلفت الانتباه، لكنه يمنعك من الضياع. وفي النهاية، ليست قيمة الإنسان في عدد السنوات التي عاشها، ولا في حجم ما امتلكه، بل في تلك المساحات الصغيرة من النور التي تركها في قلوب الآخرين دون أن يدري. فاحذر أن تعبر هذه الحياة كعابرٍ بلا ظلّ، فإن أخطر أنواع الغياب.. أن يرحل الإنسان دون أن يبقى في قلب أحدٍ ما يدلّ على أنه كان هنا ذات يوم.
552
| 14 مايو 2026
في مكانٍ غير مرئي داخل كل واحدٍ منا، توجد غرفة انتظار واسعة، مقاعدها مصفوفة بعناية، وساعتها لا تُصدر صوتًا. هناك نجلس كل يوم، نحمل تذاكر مؤجلة، ونحدّق في لوحةٍ إلكترونية لا تومض باسمنا أبدًا. نُسمّي هذا الانتظار تعقّلًا، ونمنحه أسماء لائقة: ترتيب الأولويات، وتحسين الظروف، والاستعداد الأمثل. لكن الحقيقة الأقل أناقة هي أننا لا ننتظر الدور، نحن نؤجل الحياة نفسها. نعيش كما لو أن هناك إشعارًا رسميًا سيصل، يخبرنا بأن الوقت صار مناسبًا للفرح، وأن القلب اجتاز الفحص، وأن العالم صار أقل قسوة. وحتى يحين ذلك الإشعار الموعود، نضع حياتنا في درجٍ أنيق داخل أرواحنا، ونُعلّق أحلامنا على شماعة «لاحقًا»، ونمضي مطمئنين إلى أننا حكماء بما يكفي لننتظر اللحظة المثالية. لكن اللحظة المثالية لا تأتي، تأتي أيامٌ عادية، بملامح مرهقة، وأخبارٍ ناقصة، وأحلامٍ تحتاج إلى شجاعة لا نملكها اليوم. فنقول: غدًا. وغدًا هذا يشبه سرابًا متحركًا، كلما اقتربنا منه ابتعد، وكلما وعدنا بالاكتمال، أعادنا إلى نقصٍ جديد. نؤجل أفراحنا حتى تستقر الظروف، كأن الفرح مشروعٌ مؤجل إلى حين تحسّن الطقس الداخلي. ونؤجل القرار حتى نصبح أكثر جاهزية، كأن العقول تُفتتح بعد التفتيش الرسمي. ونؤجل الاعتذار حتى تهدأ العواصف، مع أن بعض العواصف لا تهدأ إلا بالاعتذار. وهكذا تتحول الحياة إلى مسودةٍ دائمة، وإلى نصٍّ مكتوبٍ بقلم الرصاص، نخشى أن نُحبره كي لا نتحمل مسؤوليته. نعيش بنصف قرار، ونبتسم بنصف رغبة، ونحلم بحذرٍ مفرط، كأننا نخشى أن تكتشف الحياة اندفاعنا فتعاقبنا على الجرأة. ليس التأجيل هنا كسلًا، لكنه خوفٌ مهذّب. خوفٌ من أن نعيش ناقصين، ومن أن نبدأ دون ضمانات، ومن أن نعيش دون شبكة أمان، ومن أن نخوض التجربة بلا وعدٍ بنتيجة عادلة.فنُقنع أنفسنا أن الانتظار حكمة، وأن التريّث نضج، وأن الصمت استعداد، بينما الحقيقة أننا نختبئ من مسؤولية العيش. لكن العالم لا يصفو، والظروف لا تكتمل، واليقين لا يأتي في ظرفٍ مختوم. الحياة لا تمنحنا إشعارًا رسميًا بالبداية. لا ترسل رسالة تقول: «الآن يمكنك أن تعيش بأمان». هي تحدث في منتصف الفوضى، وفي قلب النقص، وفي ارتباك اللحظة نفسها. كم سنةً خبّأناها في درج «لاحقًا»؟ وكم ضحكةً أرجأناها لأن التوقيت لم يكن مثاليًا؟ وكم حلمًا مات واقفًا لأنه انتظر الضوء الأخضر من عالمٍ لا يعرف إشارات المرور؟. الأخطر من الفقد أن نُؤجل أنفسنا، أن نُقصي رغباتنا بحجة الترتيب، وأن نُسكِت شغفنا بحجة المسؤولية، وأن نُطفئ دهشتنا لأننا لم نُنهِ بعدُ قائمة المهام. فنصحو يومًا على حقيقةٍ جارحة: أن الحياة لم تكن تنتظرنا أصلًا، بل كانت تمضي، ونحن نلوّح لها من بعيد، كأننا ضيوفٌ على أيامنا. أقولها بوضوحٍ لا يحتمل التأجيل: لا تنتظر اكتمال الظروف لتبدأ، فالظروف لا تعرف معنى الاكتمال. ولا تجعل حياتك مسودةً دائمة خوفًا من الخطأ، فالخطأ جزءٌ من الحبر، لا عيبٌ فيه. ابدأ ناقصًا، وعِش مرتجفًا، وجرّب مترددًا، لكن لا تؤجل نفسك.
708
| 27 مارس 2026
رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟ يأتي كنافذة رحمة يفتحها الله لعباده، وكفرصة لاختبار الصدق في النية، ومراجعة الطريق قبل أن يطول. في الأشهر الأخرى، نعيش بكامل استهلاكنا. نأكل أكثر مما نحتاج، ونتكلم أكثر مما نفكر، ونغضب أسرع مما نندم، ونركض خلف أيامٍ لا تطلب منا كل هذا الركض. ثم يدخل رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، فيغلق نصف الأبواب، ويتركنا مع الباب الأصعب: باب المواجهة مع الذات، والوقوف بين يدي الله بلا زينة ولا ادّعاء. الجوع في هذا الشهر هو مرآة، مرآة تقول لك إنك هشّ أكثر مما تدّعي، وإنك اعتدت أن تملأ تعبك بالطعام، وقلقك بالقهوة، ووحدتك بالضجيج. وحين تُسحب هذه الوسائد الصغيرة، تسمع صوتك الحقيقي. ذلك الصوت الذي تؤجله طوال العام، وتكتشف أن الصبر عبادة خفية يعلمها الله، وأن «إن الله مع الصابرين» آية تُتلى وحالة تُعاش. رمضان زمن الرحمات.. نعم لكن الرحمة لا تنزل على المائدة فقط، إنما على مناطق معتمة في النفس. مناطق لا نحب زيارتها، وأخطاء لم نعتذر عنها، وقسوة مارسناها ونحن نظن أنفسنا على حق، وعلاقات تركناها تموت بصمت. الرحمة أن يلين صوتك بعد حدّة، وأن تعفو ابتغاء مرضاة الله، وأن تتراجع عن كلمة جارحة مخافة أن تُحاسب عليها، وأن تسامح وأنت قادر على العتب. في هذا الشهر، يصبح الاعتذار أسهل، والدعاء أقرب، والدمعة أصدق، وتطول السجدة كأنها ملاذ، وتصبح لياليه مواسم مغفرة وعتق. أما البركة، فهي ليست كثرة الأطباق، ولا ازدحام الموائد. البركة أن يكفيك القليل، وأن ينتهي يوم طويل دون أن تشعر بأنك خاسر، وأن تصلي ركعتين وكأنك تعيد تثبيت قلبك في مكانه الصحيح، وأن تفتح مصحفك فتجد آية تمسّ موضع ألمك، وأن تجد في يومٍ عادي طمأنينةً غير عادية، وأن يعود البيت مكانًا للسكينة لا ساحةً للإنهاك. رمضان لا يغيّر العالم، لكنه يختبر قابلية قلبك للتغيير. هو شهر يعيد توزيع الخسائر، يُسقط عنك ما ظننته ضرورة، ويكشف ما كان ضرورة فعلًا. يعلّمك أن الامتلاء الحقيقي لا علاقة له بالمعدة، بل بالمعنى، ولا بالغنى، بل بالقرب من الله. رمضان ليس مثاليةً موسمية، ولا حالةً عاطفية مؤقتة. هو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات. أن نعيد القلب إلى مركزه، لا إلى الهامش. أن نتخفف من ثقلٍ حملناه طويلاً، ونتصالح مع أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتصالح معنا، وأن نجعل الصوم تربية، ومن الصلاة صلة، ومن الذكر حياة. وحين يوشك الشهر على الرحيل، يبقى السؤال: ماذا تغيّر فعلًا؟ هل تعلّمنا الصبر، أم اكتفينا بالامتناع؟ هل أصلحنا علاقتنا بأنفسنا وبربنا، أم انتظرنا نهاية الشهر لنعود كما كنا؟ رمضان ليس موسمًا عاطفيًا، هو محكمة هادئة، نقف فيها أمام أنفسنا، بلا محامين، وبلا أعذار، ونرجو رحمة أوسع من تقصيرنا. نصيحتي، إن كان لي أن أقول، أن لا تجعلوا رمضان محطة عابرة في تقويم مزدحم. اجعلوه نقطة مراجعة صادقة، وبداية عهد جديد مع الله قبل أن يكون مع الناس. خفّفوا الضجيج، وأصلحوا ما تستطيعون إصلاحه، واحتفظوا بشيء من صفائه لبقية العام. فالرحمة لا تُغلق أبوابها بانتهاء الشهر، نحن الذين نغلقها إن عدنا كما كنا.
1197
| 27 فبراير 2026
لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام الذكريات في أدراج لا نفتحها إلا مصادفة. لكنني أدركت هذا متأخرًا. اكتشفت أن صوتي، ذلك الجزء الأكثر صدقًا في داخلي، اختار أن يسكن جيب المعطف بدلًا من أن يشق طريقه إلى الهواء. مكان ضيق، معتم، لكنه يبدو له أكثر رحابة من أي صفحة أو فم أو موقف. لا أعرف متى بدأ هذا الصوت بالهروب. ربما حين أدرك أن الأسئلة التي أحملها أكبر من الإجابات التي يعرضها العالم. أو حين شعر أن الكلام في كثير من الأحيان، لا يُستخدم للكشف بل للتمويه. فآثر الصمت، ثم أصبح الصمت عادة، والعادة تحولت إلى مأوى، والمأوى صار جيب معطف لا يفارق كتفي. الغريب أن هذا الصوت لا يصمت تمامًا. إنه يعيش هناك ككائن صغير يسجل ملاحظاته على العالم. أفكر أحيانًا أنه يسمع أكثر منّي ويرى أكثر مما احتمله. يتابع خطواتي وارتباكاتي وحتى لحظات انتصاري العابرة. وكل حين، حين أمد يدي في الجيب لأبحث عن مفتاح، أشعر بخفق خفيف، خفق يذكرني بأنه ما زال هنا، متيقظًا، ينتظر لحظة مناسبة لا يعرفها هو ولا أعرفها أنا. هناك ليال أسمع فيها هذا الصوت بوضوح غريب. ليالٍ يخفت فيها ضجيج البشر، وتبدو المدينة مثل كيان يتنفس ببطء. عندها فقط يطل صوته كهمس لا يريد أن يُكشف. يخبرني بجمل قصيرة، مبهمة، يحاول أن يختبر قوتي قبل أن يضع الحقيقة كاملة بين يدي. لكنني أعرف أنه يتراجع في اللحظة الأخيرة. ليس خوفًا، لكن ربما حرصًا. أحيانًا أظن أن هذا الصوت يحمل أسرارًا لم أستطع الاعتراف بها. أشياء رأيتها ولم أفهمها، أو شعرت بها ولم أستطع وضعها في جملة. ربما يحمل وجوهًا مررت بها بسرعة، أو طرقًا لم أسلكها، أو اعترافات لم أملك الشجاعة لقولها. وربما يحمل شيئًا أبسط من ذلك بكثير: الحقيقة التي نتجنبها لأننا نعرف أنها ستغير شكلنا، ولن تعيدنا كما كنا. وفي لحظة ما، الأسبوع الماضي، شعرت أن الصوت اقترب من الباب. كنت أمشي في شارع هادئ عندما ضربني إحساس غير مبرر بأن جيب المعطف صار أثقل، والكلمات في داخله بدأت تتحرك. أوقفت الخطى، وضعت يدي على الجيب، وشعرت بحرارة طفيفة. حرارة ليست من الطقس، إنما من داخل الجيب نفسه. كان الصوت هناك يقترب، كأنه يتهيأ للخروج. لم أعرف ماذا أفعل! هل أفتح الباب وأسمح له بالتحرر؟ أم أُبقي عليه في الداخل حتى أتأكد أنني قادر على تحمّل ما سيقوله؟ لم يخرج.. اكتفى بالاقتراب، ثم عاد لملجئه. لكنه ترك أثرًا لن أنساه: تلك الارتجافة التي تقول إن اللحظة تقترب مهما طال الانتظار. وهذا وحده يكفي لخلق توتر يشبه توتر من يعرف أن حياته ستتغير، لكنه لا يعرف متى ولا كيف. إلى ذلك الحين، سيبقى صوتي في جيب المعطف؛ لا هاربًا ولا محتبسًا، بل متأهبًا مع كامل الاحترام لصدقٍ لا أريد أن أخسره. فهناك كلمات لا تُقال إلا مرة واحدة، وإذا خرجت في وقتٍ خاطئ خسرت قيمتها إلى الأبد.
675
| 02 يناير 2026
في الآونة الأخيرة، بدأت ألاحظ أن ظلّي صار يسبقني. لا أعلم متى بدأ ذلك، ولا متى توقفت أنا عن ملاحظته. كان في الماضي يتبعني بأدبٍ كطفلٍ وديعٍ يمسك بطرف ثوب أمه، أما الآن فهو يسير قبلي، بخطواتٍ واثقة يعرف أين أذهب أو يعرف إلى أين يجب أن أذهب. أمشي في الطرقات فأراه أمامي يمد ذراعه إلى الأشياء قبل أن ألمسها، يجرب الحياة بدلاً عني. أحيانًا أشعر أنه أكثر صدقًا منّي، وأنه يعيش ما أهرب منه. وربما هو يسير قبلي لأنه يعرف الطريق، ولأنه سئم من انتظاري. كنت أظن أن الظل مجرد أثر للضوء، شيئًا يتبع الجسد دون وعي، لكنني بدأت أشك أن الظل هو الوعي نفسه، وأننا نحن المجردون من المعنى. أصبح يسبقني إلى المرايا ويقف فيها بثبات ويحدق فيّ كمن يحاكمني على ما لم أفعله. هناك، في الزجاج، أرى ملامحي عليه أو ملامحه عليّ .. لا أعرف، لكن أحدنا صار مرهقًا من الآخر. ربما ظلّي هو النسخة التي لم تتنازل. الإنسان الذي كان يمكن أن أكونه لو لم أساوم، لو لم أتعلم الانحناء كي أنجو. ظلّي ظل الفتى الذي حلم يومًا أن يكون نقيًّا كما خُلق، قبل أن يكتشف أن العالم لا يكافئ النقاء. أما أنا، فقد تعلمت البقاء، وهو تعلم الصدق. ومنذ ذلك الحين .. افترقنا. في المساء، حين تطول الظلال وتمتد على الأرصفة كأسرارٍ سائلة، أراه يبتعد عني بهدوء. لا أسمع خطاه، لكنه يترك في صدري فراغًا يشبه الندم. أحيانًا أتمنى أن يتوقف وينتظرني، أن يلتفت إليّ، أن يقول لي: «ما زال هناك وقتٌ لتعود». لكنه لا يفعل .. يبدو أنه فقد إيمانه بي. حين يسقط الضوء عليّ، أرى ظلّي واضحًا أمامي، وفي تلك اللحظة أعرف أن النور لا يكشفنا دائمًا، إنما يفضح المسافة بين ما نحن عليه وما كنا نستطيع أن نكونه. أفكر أحيانًا أن الظل يخرج من القلب قبل الجسد، أنه ما يتبقى منّا حين نتعب من التبرير، ما يبقى صادقًا بعد أن نخون أنفسنا مراتٍ كثيرة. ربما لهذا صار يسبقني .. لأنه لم يعد يثق بي كقائدٍ لرحلتنا. يُقلقني أن يحلّ يومٌ أسيرُ فيه فلا أُرى، أو أتحرك دون أن يتبعني أحد. فالإنسان الذي يغيب عنه ظله، يفقد نوره، ويزول أثره، وتُمحى ذكراه، ولا يعود له شاهد. ومع ذلك، أواصل السير. كلّما خطوت، مددت بصري أمامي أبحث عنه. وأراه هناك .. دائمًا هناك .. يسبقني بخطوة واحدة، يلتفت إليّ ويقول بصمته: «حين تصل .. ستكون قد أصبحت أنا». كلٌّ منا يحمل ظلاً لا يستطيع الآخرون رؤيته، يسير هذا الظل أمامه ليذكره بما كان عليه، ويذكره أكثر بما كان بإمكانه أن يكونه. فإن ابتعد ظلّك عنك .. فابحث في الطريق عن نفسك.
447
| 12 ديسمبر 2025
في الآونة الأخيرة، بدأت ألاحظ أن ظلّي صار يسبقني. لا أعلم متى بدأ ذلك، ولا متى توقفت أنا عن ملاحظته. كان في الماضي يتبعني بأدبٍ كطفلٍ وديعٍ يمسك بطرف ثوب أمه، أما الآن فهو يسير قبلي، بخطواتٍ واثقة يعرف أين أذهب أو يعرف إلى أين يجب أن أذهب. أمشي في الطرقات فأراه أمامي يمد ذراعه إلى الأشياء قبل أن ألمسها، يجرب الحياة بدلاً عني. أحيانًا أشعر أنه أكثر صدقًا منّي، وأنه يعيش ما أهرب منه. وربما هو يسير قبلي لأنه يعرف الطريق، ولأنه سئم من انتظاري. كنت أظن أن الظل مجرد أثر للضوء، شيئًا يتبع الجسد دون وعي، لكنني بدأت أشك أن الظل هو الوعي نفسه، وأننا نحن المجردون من المعنى. أصبح يسبقني إلى المرايا ويقف فيها بثبات ويحدق فيّ كمن يحاكمني على ما لم أفعله. هناك، في الزجاج، أرى ملامحي عليه أو ملامحه عليّ .. لا أعرف، لكن أحدنا صار مرهقًا من الآخر. ربما ظلّي هو النسخة التي لم تتنازل. الإنسان الذي كان يمكن أن أكونه لو لم أساوم، لو لم أتعلم الانحناء كي أنجو. ظلّي ظل الفتى الذي حلم يومًا أن يكون نقيًّا كما خُلق، قبل أن يكتشف أن العالم لا يكافئ النقاء. أما أنا، فقد تعلمت البقاء، وهو تعلم الصدق. ومنذ ذلك الحين .. افترقنا. في المساء، حين تطول الظلال وتمتد على الأرصفة كأسرارٍ سائلة، أراه يبتعد عني بهدوء. لا أسمع خطاه، لكنه يترك في صدري فراغًا يشبه الندم. أحيانًا أتمنى أن يتوقف وينتظرني، أن يلتفت إليّ، أن يقول لي: «ما زال هناك وقتٌ لتعود». لكنه لا يفعل .. يبدو أنه فقد إيمانه بي. حين يسقط الضوء عليّ، أرى ظلّي واضحًا أمامي، وفي تلك اللحظة أعرف أن النور لا يكشفنا دائمًا، إنما يفضح المسافة بين ما نحن عليه وما كنا نستطيع أن نكونه. أفكر أحيانًا أن الظل يخرج من القلب قبل الجسد، أنه ما يتبقى منّا حين نتعب من التبرير، ما يبقى صادقًا بعد أن نخون أنفسنا مراتٍ كثيرة. ربما لهذا صار يسبقني .. لأنه لم يعد يثق بي كقائدٍ لرحلتنا. يُقلقني أن يحلّ يومٌ أسيرُ فيه فلا أُرى، أو أتحرك دون أن يتبعني أحد. فالإنسان الذي يغيب عنه ظله، يفقد نوره، ويزول أثره، وتُمحى ذكراه، ولا يعود له شاهد. ومع ذلك، أواصل السير. كلّما خطوت، مددت بصري أمامي أبحث عنه. وأراه هناك .. دائمًا هناك .. يسبقني بخطوة واحدة، يلتفت إليّ ويقول بصمته: «حين تصل .. ستكون قد أصبحت أنا». كلٌّ منا يحمل ظلاً لا يستطيع الآخرون رؤيته، يسير هذا الظل أمامه ليذكره بما كان عليه، ويذكره أكثر بما كان بإمكانه أن يكونه. فإن ابتعد ظلّك عنك .. فابحث في الطريق عن نفسك.
822
| 21 نوفمبر 2025
لم يكن صباحه مختلفاً عن أي صباح آخر، سوى أن الصمت كان أكثر كثافة. جلس أمام النافذة، يحمل كوب شاي ساخناً، يتأمل صعود البخار كمن يراقب طريقاً يُفتح ويُغلق في السماء. بدا المشهد عادياً، حتى خطر له سؤال بسيط: هل يمكن أن تكون الحياة كلها مخبأة في هذا الكوب الصغير؟ أمسك الملعقة، وبدأ يحرك السكر ببطء. دوائر تتشكل وتختفي، تماماً كالأيام التي تتكرر ثم تنقضي. السكر لم يذب فوراً، بل قاوم قليلاً، مثل أحلامه القديمة التي تأخرت في التحقق. ومع كل جولة تحريك، كان طعمه يتغير، من المرارة إلى الحلاوة. ابتسم وهو يهمس لنفسه: «حتى الألم يحتاج وقتاً ليذوب». رفع الكوب إلى شفتيه. الحرارة لامست جلده بحذر، تذكر أن الأشياء لا تُؤخذ دفعة واحدة، لا الحب ولا الفرح ولا حتى النجاح. كل شيء يحتاج أن نقترب منه بحساب ونرتشفه على مهل، وإلا احترقنا. نظر إلى البخار وهو يتلاشى في الهواء. أيّ شبه أقوى من هذا؟ تلك اللحظات التي نعتقد أنها أبدية ثم تتبخر أمام أعيننا. كم من أصدقاء مرّوا في حياته مثل هذا البخار، ظهروا بدفء ثم اختفوا بلا أثر. ومع ذلك، لم يكن في الأمر خسارة كاملة، لأن جمال البخار ليس في بقائه، إنما في حضوره الخاطف. كان يتأمل الكوب وكأنه يرى نفسه داخله: سائل بُنيّ ويحمل مرارة أولى ويذوب فيه السكر شيئاً فشيئاً وتعلوه طبقة بخار لا تُمسك بيد. فجأة أدرك أن كل ما فعله في سنواته الماضية، بكل تعبها وخيباتها، لم يكن سوى محاولات متكررة لإيجاد الطعم المتوازن بين المر والحلو. توقف لحظة، وضع الكوب أمامه وأغمض عينيه. كأن شريط حياته كله مرّ أمامه: الخسارة الأولى التي كسرت قلبه والحب الذي لم يكتمل والنجاحات الصغيرة التي بدت بلا قيمة في وقتها لكنها كانت مثل قطرات سكر ذابت لاحقاً لتُعدل الطعم. كل ذلك كان حاضراً في هذا الكوب المتواضع. ضحك بصوت خافت وهو يرفع الكوب من جديد، كأنه يكتشف سراً عظيماً خفي عنه طويلاً. لم تكن الحياة في السفر البعيد ولا في الأهداف الضخمة التي أرهق نفسه لتحقيقها. كانت مختبئة هنا، في ركن صغير من صباح هادئ، في كوب شاي يُذكره أن كل ما يحتاجه الإنسان هو أن يعرف كيف يتذوق ما بين يديه. أنهى الكوب حتى آخر رشفة ووضعه على الطاولة بهدوء. ومن وراء الزجاج، كان الضوء يتسلل بخجل إلى الغرفة، كما لو أنه يبارك هذا الاكتشاف المتأخر. ابتسم وقال لنفسه: «الحياة ليست في الكوب نفسه، إنما في الطريقة التي نرتشفها بها. فمن يبتلعها بعجلة يحترق، ومن يتذوقها بروية ينجو ويستمتع».
1035
| 24 أكتوبر 2025
يطلّ عليك فجأة، لا يستأذن ولا يعلن عن نفسه بوضوح. تمرّ في زقاق العمر فتجده واقفًا، يحمل على كتفه صندوقًا ثقيلًا ويعرض بضاعة لا تشبه أي سوق عرفته من قبل. لا يصرخ مثل الباعة العاديين ولا يمد يده نحوك، لكنه يعرف أنك لن تستطيع مقاومته. في طفولتك كان يأتيك خفيفًا، كأنه يوزّع الهدايا مجانًا. يمد يده فتتساقط منها ضحكات بريئة وخطوات صغيرة ودهشة أول مرة ترى المطر. لم تكن تسأله عن السعر، لأنك لم تكن تفهم معنى الثمن. وحين كبُرت، صار أكثر استعجالًا. يقف للحظة عابرة ويفتح صندوقه فتلمع أمامك بضاعة براقة: أحلام متوهجة وصداقات جديدة وطرق كثيرة لا تنتهي. يغمرك بالخيارات حتى تنشغل بجمعها، ولا تنتبه أنه اختفى قبل أن تسأله: كم ستدوم؟ بعد ذلك، يعود إليك بهدوء، كأنه شيخ حكيم يعرف سرّك. يعرض ما لم يخطر لك أن يُباع: خسارات ودروس وحنين. يضع أمامك مرآة صغيرة، تكتشف فيها وجهًا أنهكته الأيام. عندها تدرك أن كل ما أخذته منه في السابق لم يكن بلا مقابل، وأنك دفعت ثمنه من روحك دون أن تدري. والأدهى من ذلك، أنه لا يقبل الاسترجاع. لا تستطيع أن تعيد له طفولتك ولا أن تسترد شغفك الأول. كل ما تملكه منه يصبح ملكك إلى الأبد، حتى الندم. الغريب أنه لا يظلم أحدًا. يقف عند أبواب الجميع ويعرض بضاعته نفسها على كل العابرين. لكننا نحن من نتفاوت: واحد يشتري بتهور وآخر يضيّع اللحظة في التفكير وثالث يتجاهله فيفاجأ أن السوق قد انفض. وفي النهاية، يطوي بضاعته ويمضي كما جاء، بلا وداع وبلا عودة. يتركك تتفقد ما اشتريته منه طوال الطريق، ضحكة عبرت سريعًا وحبًا ترك ندبة وحنينًا يثقل صدرك وحكاية لم تكتمل. تمشي في أثره، تفتش بين الزوايا عن أثر قدميه، لكنك لا تجد سوى تقاويم تتساقط كالأوراق اليابسة، وساعات صامتة تذكرك بأن البائع الذي غادرك لا يعود أبدًا، تمسح العرق عن جبينك وتدرك متأخرًا أنك لم تكن تتعامل مع بائع عادي، بل مع الزمن نفسه وهو يتجول في حياتك ويبيعك أيامك قطعةً قطعة حتى لا يتبقى في صندوقه سوى النهاية.
7428
| 26 سبتمبر 2025
جنوب حلب، عند عتبة البادية، ترقد قنسرين (تلفظ أحيانا قِنّسرين أو قَنَّسرين) مدينة تاريخية قديمة على الضفة الشرقية لنهر قويق. ليست حلما ولا خرافة، إنها أثر حي لمدينة كانت في يوم من الأيام قلبا نابضا على خريطة الشام، ثم صارت أطلالا تتنفس تحت التراب. قنسرين، التي يعني اسمها في بعض الأقوال «قلعة النسور»، كانت محطة مهمة في طريق القوافل ومركزا حيويا يجمع بين دمشق والموصل وبين البحر والبادية ويصل بين الغزاة والتجار وبين السيوف والمخطوطات. زحف الفتح الإسلامي شمالا بعد اليرموك وصولا إلى بوابة المدينة، وكان ذلك في السنة السادسة عشرة للهجرة، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، حين دخلها المسلمون لم تحرق ولم تهدم، بل طويت تحت راية جديدة وبدأت صفحة أخرى من تاريخها. لم يكن الفتح عابرا، سرعان ما تحولت قنسرين إلى عاصمة لجند كامل حمل اسمها. ومن قلبها كان يدار الشمال السوري زمن الدولة الأموية. مدينة لا تخضع وتدار بحكمة وتسير منها الحملات وترسم الخطط. لكن التاريخ لا يجامل، فكما يرتفع ينكسر. قنسرين خنقها الغبار وأتعبها الطاعون وأهلكتها الحروب التي لم تبق فيها حياة ولا سلطان. هجرتها السلطة ثم هجرتها الذاكرة الشعبية. ورغم الغياب، لم تمت. تحت تلالها اليوم تنبض بقايا أبنية وأسوار ونقوش وطرقات مطمورة، تنبئ بأن الحياة هنا لم تكن عابرة. كتب عنها ياقوت الحموي وذكرتها كتب الطبري والبلاذري. وصفها من مر بها بأنها بوابة حضارة ومرآة لما كانت عليه بلاد الشام من تعدد ورقي. جمعت بين الخط الكوفي والمحراب البيزنطي وبين السراج والنسر وبين الحجر والمعنى. واليوم، ترقد قنسرين صامتة تحت التراب، مهجورة فوق تل أثري واسع يدعى «تل الحاضر»، لا عمران فيها ولا سكان، لا ترى منها سوى بقايا جدران وأحجار قديمة تغطيها الأعشاب وأثر خافت لحضارة دفنتها الحروب، المزارع تحيط بها وبعض الخرب المتناثرة تدل على أن الحياة مرت من هنا ثم انسحبت، وبأنها اختارت أن يمر بها الزمن دون أن ينهي الحكاية. قنسرين اليوم ليست أكثر من اسم على الخريطة، ولكنها في ذاكرة التاريخ مدينة حية. لا تطلب البكاء عليها لأنها تستحق أن نعيد إليها صوتها. قنسرين مدينة تستتر ولم تندثر، اختارت أن تختبئ حتى يأتي من يسمعها حقا. وها نحن نسمعها! قنسرين.. مدينة قاومت النسيان.
831
| 25 يوليو 2025
في أحد أماسي التأمل العميق، جلستُ أمام الورقة البيضاء لا لأكتب، بل لأراقب كيف تُولد الفكرة. وبعد المراقبة الشديدة لم تأتِ مباشرة ولم تطرق الباب، كانت تنمو في أطراف الوعي مثل أغنية لا تكتمل أو برق لا يريد أن يضيء كامل السماء. وعندها أدركت أنني أمام شيء أبعد من التفكير الخطي: إنني أعيش لحظة من «التفكير المتشعب» هذا الطريق الذهني المراوغ الذي لا يسير على خط مستقيم، يتفرع في كل اتجاه كجذور نخلة تبحث عن الماء في صحراء. التفكير المتشعب هو حرية العقل ومهارة ذهنية وتجربة وجودية متكاملة. هو الانفلات من أسر النمط والخروج من قفص «السؤال والجواب» والغوص في احتمالات غير مألوفة، قد لا توصلك إلى إجابة، لكنها بالتأكيد توصلك إلى رؤى. إنه ذلك النوع من التفكير الذي يجعل الكاتب يرى في خيانةٍ عاطفية نواة لأسطورة، وفي مقعد مكسور بذرة لقصيدة، وفي نظرة عابرة مشروع حياة كاملة. في زمن السرعة والإجابات الفورية، يُنظر إلى التفكير المتشعب أحيانًا كعبء. لكنه في الحقيقة هو اللغة الأولى للخيال، وهو القارب الوحيد الذي يمكنه عبور محيطات الأسئلة دون أن يغرق في محطات اليقين السطحية. هذا النوع من التفكير لا يُرضي المعلم في قاعة الدرس، لكنه يُدهش قارئًا وحيدًا في ركن من العالم. هو تفكير ثمين في تنوع فروعه يُغريك بالضياع الجميل والتشعب الممتع. تتبع فكرة فتقودك إلى أخرى لا علاقة لها بالأولى، ثم تعود فجأة لنقطة البداية، لكنك تعود مختلفًا، كأنك عثرت على مرآة تعكس ما خلفك لا ما أمامك. ككاتب، أرى أن التفكير المتشعب لم يعد رفاهية فكرية فحسب، بل ضرورة جمالية وإنسانية وعاطفية. هذا التفكير هو ما يمنح النص روحه ويمنح الكاتب بصمته. وأنصحك كقارئ لا يبحث عن إجابات سهلة، أن تتبناه كوسيلة للإبداع وطريقة لرؤية العالم من منظور مختلف، لأنه حين تتشعب الفكرة تنضج الذات.
591
| 06 يونيو 2025
غرباء في مرايا أقرب الناس. بقلم: كاتب جرّب الحنين حتى صار له مسكنًا، وتشرّب من الحياة مرّها حتى سال منه الحبر. في زاوية هادئة من القلب لا يصل إليها ضجيج الحياة، تنمو حقيقة مؤلمة بصمتٍ ناعم: لسنا دومًا مرئيين كما نحن بل كما يظنون أننا يجب أن نكون. نكون وسط من نحب ونشاركهم الضحكة واللقمة والذكريات، لكن شيئًا في العمق يهمس: «لست منهم تمامًا»، وكأننا ظلٌّ يعبر حياتهم، لا روحًا تسكنها. نكتشف أننا لا ننتمي للمكان ولا للوجوه التي تملؤه. نحن لا نختار أن نكون غرباء، لكننا نصبح كذلك حين نكفّ عن ارتداء وجوهٍ لا تشبهنا. حين نختار أن نكون صادقين مع أنفسنا أكثر من حرصنا على قبول الآخرين. حين نتوقف عن تلوين جراحنا كي لا تُرى وحين نُعلن دون صوت أن لنا طريقتنا في الفهم وفي الحب وفي التعبير وفي الانهيار. حين لا نُجيد المجاملة التي تحفظ العلاقات ولا نصفق لما لا نؤمن به. الغربة الحقيقية ليست بُعدًا عن الوطن بل بُعدًا عن المعنى. أن يتحدثوا إليك بلغتهم، ولا يسمعوا لغتك. أن تُخبرهم بأنك لست بخير، فيُجيبوك: «لكن وجهك لا يُظهر ذلك!» وكأن الألم يحتاج إلى تصريح، وكأن الانكسار لا يُحسب إن لم يُذع. في عيونهم نحن صامتون. لكن في داخلنا ضجيج مرافعات لم يسمعها أحد. نضحك كي لا تُقال عنا كآبة، ونُنجز كي لا يُقال إننا عاطلون، ونبقى كي لا نُتَّهم بالخذلان. لكن لا أحد يسأل: كم مرة أعدنا لملمة أرواحنا في منتصف الليل؟ كم مرة سكتنا لأن الكلام بات عبئًا لا يحتمل؟ الغريب لا يبحث عن ضوءٍ خارجي، هو يعرف أن نوره في الداخل ينتظر فقط لحظة السماح بالظهور. الغريب ليس مكسورًا، الغريب صادق أكثر من أن يتظاهر. وإذا كان هذا العالم لا يحتمل الصدق، فأنتَ لا تحتمل الزيف. ومع كل هذا، نواصل التمثيل. نرتدي القناع صباحًا، ونخلعه سرًا في عتمة غرفنا. نُطمئن الجميع بأننا أقوياء، ثم ننهار على وسادة لم تعد تشتم رائحتنا، لكثرة ما شربت من دمع صامت. أن تبوح فلا يُصدقك أحد، وأن تفتح صدرك فيُقال إنك درامي، وأن تحتاج فيُظن بك ضعف، وأن تحب بطريقة مختلفة فيُتهم قلبك بالغرابة. ولأجل أن تُقبل، تُضطر إلى أن تُمثل وأن تتحول إلى نسخة مخففة من نفسك. لكن التنازل المستمر خيانة صامتة للذات، وكل خيانة منها تُخلّف نُدبة، لا تُرى لكنها تُوجع. لكن الغربة مهما اشتدت ليست نهاية. إنها بداية الولادة الجديدة. بداية التخلي عن محاولات الإقناع والتبرير والرغبة في أن نُفهم. فيا من تقرأ ويا من شعرت بهذه الغربة دون أن تُسميها، لا تُعدّل نفسك لتناسب مراياهم، فهم لا يرون إلا انعكاس توقعاتهم، لا حقيقتك. وإن شعرت أنك تسير وحدك، فاعلم أن هناك من يشبهك في مكانٍ ما، يخفي هو الآخر شعوره بغُربةٍ لاذعة، ويقاومها بابتسامةٍ ناضجة، لا ساذجة. ابقَ كما أنت، مهما قالوا حتى لو كنت آخر المختلفين. ففي زمنٍ تماهى فيه الجميع، صرتَ أنت الحقيقة الأخيرة. ولا تنسَ أبدًا، أن الأشجار العتيقة لا تُظهر وجعها، لكنها تصمد وتنمو وتظل واقفة حتى وإن لم يُصفق لها أحد. ابكِ واكتب وابتسم، لكن لا تفقد صوتك. لا تنطفئ كي تُرضي أحدًا، فالعتمة حينها ستكون مزدوجة، فيك وفيهم. حين لا يفهمك أحد، لا تُضِع عمرك في التفسير. كن مرآتك الخاصة، واسمح لنفسك أن تكون كما أنت، لا كما يتمنّونك. ومن بين كل المرايا، ابحث عن تلك التي تعكس روحك، لا مظهرك. عمن يرى فيك ما لم تقله، ويفهم صمتك أكثر من حديثك. ابقَ غريبًا إن كان ذلك يعني أن تبقى حقيقيًّا. ففي عالمٍ يعجُّ بالمُتقمّصين، الغريب هو آخر الصادقين.
1185
| 16 مايو 2025
مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات...
17592
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار...
8184
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية،...
4422
| 15 يونيو 2026
خمسة أهداف في شباك تونس، نتيجة قاسية تجاوزت...
2826
| 17 يونيو 2026
على مدار السنوات الماضية، وفي ظل الأزمات التي...
1596
| 16 يونيو 2026
نظام الطيبات الغذائي.. أسلوب غذائي لإنقاص الوزن أساسه...
1056
| 13 يونيو 2026
كان يُعتقد لفترة طويلة أن انتشار الإنترنت وتوسع...
957
| 14 يونيو 2026
وجد الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى على أعتاب...
837
| 13 يونيو 2026
مع انطلاق كأس العالم 2026، لا يبدو المشهد...
678
| 14 يونيو 2026
في كل بيتٍ امرأةٌ لا تُذكر تفاصيل تضحياتها...
606
| 13 يونيو 2026
في إحدى الأمسيات الشعرية القديمة، اقتربت مني شابة...
606
| 14 يونيو 2026
في أواخر القرن الثامن عشر، وبينما كان وباء...
570
| 17 يونيو 2026
مساحة إعلانية