رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ورم خبيث ينخر في جسد الأمة

المتناقضون في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ما أكثرهم! لقد صاروا كالورم الخبيث الذي ينخر في جسد الأمة الذي طالما افتخرنا بطهارته. قال الله تعالى: *﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾* [البقرة: ٤٤]. آيةٌ كالسيف، تَشقُّ ظلمة النفاق، وتَكشفُ عن وجه تلك الفئة القبيح. بعضهم يصلّون.. لكن بلا روح، فقلوبهم غافلة، كأنّهم يُصلّون على أنقاض التقوى. قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ تَزْجُرْهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعْدًا» (رواه الطبراني وحسَّنه الألباني). فصلواتهم قشورٌ، حيث أجسادهم في المحراب، وأرواحهم في أسواق الغفلة. بعضُهم يُقدِمون على الزواجِ لا طلبًا للمودّةِ والرحمةِ، بل ليُشعلوا نارًا لمعارك حربية ضارية، ضحاياها أطفالٌ أبرياء كالأزهارِ اليانعةِ تُداسُ تحتَ أقدامِ آباءٍ وأمّهاتٍ جاهلينَ بقدسيّةِ الزواجِ، فتتمزق أجنحتُهم الغضّةُ تحت وابل من عواصف الجهل والنزاع. قال عز وجل: *﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾* [الروم: ٢١]. لكنّهم حولوا المودّة إلى مَقت، والرحمة إلى حقد، فصار الزواج عندهم سجنًا يُدار بمفاتيح الشجار. بعضهم يُنجبون الأطفال، ثم يُلقون بهم في الشارع، كأنّهم مزارعون يزرعون بذرةً ثم يتركونها للريح والشمس تحرقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه). لكن هؤلاء تنصّلوا من الرعاية، فتربية الأبناء عندهم عبءٌ ثقيل، والأبوة مجرد لقب يُكتب في بطاقة الهوية لا في القلب. بعضُهم لسانُهم كالسهم المسموم يخترق أعراض الناس. يُمطرون الخلق ليلًا ونهارًا بوابلٍ من النقد الحاد، يرشقونهم بحجارةِ الذمِّ الثقيلةِ، وينصحونهم بما لا يفعلون، وأكواخُهم من زجاجٍ مُشعَّبٍ بالشقوقِ والعيوبِ. قال تعالى: *﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾* [الصف: ٢-٣]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده». [رواه البخاري (10)، ومسلم (41)]. بعضهم يحبّون الخير لأنفسهم فقط، ويُحرقون غيرهم بالحسد. قال صلى الله عليه وسلم: «الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). وعن أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» بعضهم يُحدّقون في مَسَاوِئُ الغيرِ بمجهرٍ يُضخّمها، وهُمْ في ذات الوقت عن مَسَاوِئِهِمْ غافلون؛ فعيونهم مُطْمَسَةٌ عن عيوبهم التي تَفوحُ رائحتها كالجيفة في وضح النهار. يرون القذى الصغير في عين غيرهم، ولا يرون جِذْلَ العيب القابع في أعماقهم. تأمل معي قول الله عز وجل: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة فاطر: 8] ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]. أيها القارئ الكريم.. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾*[الرعد: ١١]. فلنبدأ بأنفسنا قبل أن نُصلح غيرنا، ولنكن كما أرادنا الله: صادقين في السرِّ والعلن، رحماء بيننا، مربّين لأولادنا، محبّين للخير لكلِّ الناس. والله من وراء القصد

234

| 17 أغسطس 2026

رجل عظيم لم ولن يتكرر

غيَّر حياتنا للأجمل بعد فضل الله سبحانه وتعالى، ونقل قطر إلى مصاف الدول المتقدمة برؤيةٍ ثاقبة، وإرادةٍ لا تعرف المستحيل.. وضع بصماته البيضاء في كل شبرٍ من هذا الوطن، وأرسى دعائم نهضةٍ شاملة في الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، والرياضة، والسياسة، حتى أصبحت قطر نموذجًا يُحتذى به بين الأمم.. ترك الحكم وهو في قمة عطائه، في موقفٍ يجسّد الحكمة والثقة بالمستقبل والزُّهد، وذلك بعد أن سلّم الراية إلى قائدٍ تربّى على حب الوطن وخدمة شعبه وهو سيّدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظهُ الله ورعاه.. أتكلم هنا عن أبي الثاني ووالد الجميع صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته وأكرمه كما أكرم هذا الوطن وأهله.. كلامٌ من القلب والله … ومهما كتبنا عنه سنكونُ مقصرين، وسيبقى التاريخ شاهدًا أن ما تحقق لقطر خلال نحو عقدين من الزمن لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة رؤيةٍ بعيدة، وقراراتٍ شجاعة، وإيمانٍ بأن الإنسان القطري هو أساس التنمية وأغلى ثروة للوطن، فقد وضع الأساس المتين لدولةٍ حديثة، قوية، ذات حضورٍ عالمي، وجعل اسم قطر حاضرًا في المحافل الدولية بكل فخرٍ واعتزاز.. ولم تتوقف المسيرة عند هذا الحد، بل استمرت بقيادةٍ حكيمة على النهج نفسه، مع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي واصل البناء على ما أُسس، وأثبت بحكمته وتواضعه وقربه من شعبه أن القيادة مسؤولية ورسالة قبل أن تكون منصبًا.. فشهدت قطر في عهده مزيدًا من الإنجازات، ورسخت مكانتها الإقليمية والدولية، وتجاوزت التحديات بثباتٍ واقتدار، حتى أصبحت قصة نجاحٍ يعتز بها كل قطري ومقيم على هذه الأرض الطيبة.. وكل ذلك بفضل الله وتوفيقه ثم بقيادة رجال مخلصين يملكون نفوساً نقية عظيمة أحبّت الخير وأحبّت شعوبها وفكّرت وشعرت بغيرها ووضعت رضا الله نُصب أعينها.. رحم الله الأمير الوالد، وحفظ الله سمو الأمير تميم، وأدام على قطر نعمة الأمن والعزة والرخاء، لتبقى رايتها خفاقة، ومسيرتها ماضية نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا، بقيادةٍ صنعت المجد، وشعبٍ يستحق كل فخر.. وسيبقى سيّدي سمو الأمير الوالد ساكنًا في القلب والعقل والروح والفؤاد ولم ولن يغادر الذاكرة ولن ننساهُ من دعائنا في سجودنا.. وقد كتبت ثلاثة أبياتٍ ارتجالية عبرت فيها ببساطة عن مكانته ومحبته وذكراه التي لم تُمحَ من ذاكرتنا.. وقلتُ: ما غابَ من سكنَ القلوبَ محبّةً،، بل في الضمائرِ والأرواحِ سيبقى ويدومُ.. إنْ غابَ شخصُهُ فالمواقفُ شاهدةٌ،، إنّ المعالي في ذِكرِهِ حتمًا ستقومُ.. كم ماتَ شيخٌ وما ماتتْ مكارمُهُ،، فتبقى المآثرُ في الدنيا وتدومُ..

225

| 17 يوليو 2026

الذكاء.. الاصطناعي والعاطفي

لقد أشرقت شمسُ الذكاء الاصطناعي على العالم، فكشفتْ عجائبَ لم تكن تخطر على بال، وأزاحتْ ستارَ الوهم عن وجوهٍ كثيرة، فإذا هي وجوهُ أغبياءَ يُصدّقون كلَّ ما يُلقى إليهم من كذبٍ مزخرف، وخبرٍ مُلفَّق، وصورةٍ مُزيَّفة، كأنما أُلقي على عقولهم سحرٌ مبين. انتصر عليهم الذكاءُ الاصطناعي، وهزمَهم هزيمةَ الريح لأوراق الخريف، فصاروا كالفراش الذي تهاوى في لهيب الوهم، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعًا. لكنْ هيهات هيهات! إنَّ جوهرَ الإنسانِ الحقَّ لا يقيم يدوائرِ السيليكونِ الجامدةِ، بل بتربعه في نبضِ القلبِ الحيِّ.. يقول ربُّ العزَّةِ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورةُ الملك: ١٤] ومن هنا أيها القارئ الكريم، فعليك أن تعلم يقينًا أن الغلبة للذكاء العاطفيِّ، ذلك السرِّ الربانيِّ الذي يجري في عروق الأتقياء مجرى الدم، يفرّق بين الحقِّ والباطل بميزان التقوى، ويزن الأمور بموازين الرحمة، ويميّز بين الصدق والزيف ببصيرة القلب لا ببريق الشاشة. يقول عز وجل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (سورة الروم: 7) فأهل الدنيا يعتمدون على الظاهر والبريق الزائل، بينما المؤمن يمتلك بصيرة قلبية تفوق ذلك، تزن الأمور بموازين الآخرة والرحمة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» (رواه الترمذي، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع). فهل يستطيع الذكاءُ الاصطناعي أن يحبَّ؟ هل يملك الفراسة التي تكشف الصدق من الزيف بنور الله، لا ببريق الشاشات؟! هل يملك قلبًا يعتصرُ ألمًا لدمعة يتيم؟ هل يحسُّ بثقل يدٍ تمتدُّ إلى يدٍ أخرى في الشدائد؟ كلا وربِّ الكعبة! لا و ربي.. إنه آلةٌ باردةٌ، تُجيد التقليدَ ولا تُجيد الإحساس، تُصوّر الدمعةَ ولا تذوق مرارتها، تكتبُ كلمةَ «أحبك» بمليار لغة ولا تعرف طعمها. إن الذكاء العاطفي هو السيفُ البتَّار في وجه كلِّ تزييف، به عرف الصحابةُ رضوان الله عليهم صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وبه ميَّز عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه بين صوت الحق وصوت الباطل، حين قال: «والله لو كذب لظهر عليه كما يظهر الكذبُ على غيره، ولكن الحقَّ أبلج والباطل لجلج». أيها القارئ الكريم.. الوعي الوعي! فالذكاء الاصطناعي ليس عدوًّا ولا صديقًا، إنما هو مرآةٌ صافيةٌ، من وقف أمامها غبيٌّ ظهر غبيًّا، ومن وقف أمامها واعيًا أدهش الجميع بتميزه. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] فاسألوا أنفسكم: أأنتم من أهل القلوب الحيَّة، أم من أهل العقول الميِّتة؟ الجوابُ في نبضكم.. لا في شاشتكم. والله من وراء القصد

216

| 12 يوليو 2026

الناشط الاجتماعي.. لقبٌ يُمنَح بلا استحقاق

في زمن تكاثرت فيه الألقاب كما تتكاثر النجوم في السماء، صار لقب «الناشط الاجتماعي» و«الناشطة الاجتماعية» أرخص بضاعة تُباع في سوق الشهرة الرقمية. يُطلَق على كل من هتف في ميدان، أو كتب تغريدة غاضبة، أو رفع لافتة في مظاهرة، فيُصفق له ويُنعت بالبطل، ويُمنح وسام «المدافع عن الحقوق»، وهو في الحقيقة لا يفقه من القيم الاجتماعية إلا هتافها، ولا يدري من أيديولوجيا المجتمع إلا صوتها الصاخب. إن الناشط الحقيقي هو من جمع بين علم وخلق، بين فقه الواقع وفقه الشرع، بين فهم النفس البشرية وفهم السنن الإلهية. أما من يركب موجة الغضب دون بوصلة، فهو كراكب زورق في بحر هائج بغير شراع ولا دفة، يظن أنه يقود السفينة وهو في الحقيقة يُقاد بها إلى التهلكة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ لكن النصر الحقيقي ليس بالصوت العالي، بل بالعلم النافع والعمل الصالح. إن الانتفاض للحق دون أدوات العلم كالذي يحارب بعدسات مكسورة؛ يرى العدو عملاقًا، وهو في حقيقته قزم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن رأى منكم مُنكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». لكن تغيير المنكر لا يكون بتأجيج العواطف، بل يحتاج إلى علم ودراسة، فكم من منكر ظُنَّ معروفًا بسبب ناشط جاهل، وكم من معروف ظُنَّ مُنكرًا بسبب هتاف أجوف! إن علم الاجتماع ليس مجرد إحصائيات واستبيانات، بل هو فقه السنن الكبرى التي وضعها الله في خلقه. وفن العلاقات الإنسانية ليس ابتسامة مصطنعة أمام الكاميرا، بل هو صدق المشاعر وصفاء السريرة. وأساسيات الخدمة الاجتماعية ليست في رفع الشعارات، بل في إصلاح ذات البين، وتفريج الكربات، وستر العورات، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف. أيها القارئ الكريم، الناشط الحقيقي هو من إذا تكلم أنصت له العقلاء، وإذا سكت خشيه الجهلاء، وإذا عمل بارك الله في عمله. أما الذي يبيع الوهم بثمن الشهرة، فهو كالتاجر الذي يبيع زجاجًا مكسورًا على أنه ماس، يضحك على الناس ساعة، ثم يكشفه الزمن فيُصبح أضحوكة. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «مَنْ تَكَلَّمَ فِي غَيْرِ فَنِّهِ أَتَى بِالْعَجَائِبِ»، أي: أتى بالأخطاء الفادحة والكوارث المُضحكة المُخجلة التي يتعجب منها العقلاء ويستهزئ بها السفهاء، فكيف بمن تجرأ على إصلاح أمة وهو جاهل بأبسط أدوات الإصلاح؟! فيا أيها الشباب، نصيحة.. إذا أردتم أن تكونوا نشطاء حقًا، فابدأوا بالعلم قبل الصراخ، والخلق قبل الشهرة، والصبر قبل النتيجة؛ فإن الإصلاح ليس تغريدة، بل هو تربية أجيال، وبناء أوطان، وإحياء قلوب. ويا أيها المجتمع، لا تُعطوا الألقاب جزافًا، فإن اللقب تكليف قبل أن يكون تشريفًا. ومن أعطى لقبًا لمن لا يستحقه فقد شارك في تضليل الأمة. نسأل الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه. والله من وراء القصد.

240

| 04 يوليو 2026

حكمةُ العامّة دواءٌ للقلوب

في أزقّةِ الحياةِ الضيّقةِ، وفي أسواقِ الناسِ الصاخبةِ، تخرج من ألسنةِ البسطاءِ كلمات، تحملُ في طيّاتِها سر السلامِ النفسيِّ.. إنها حكمةُ العامّةِ، تلك الجواهرُ المكنونةُ في صدفِ العاميّةِ، تداوي القلوبَ قبل الأبدانِ، وتُصلحُ ما بين الناسِ قبل أن تُصلحَ ما بينهم وبين أنفسهم. ومن هذه الأقوال الشائعة: «كبّر دماغك» وتعني في الفصحى: «أوسِعْ صدرَك للناسِ، ولا تُضيّقْهُ على نفسِك». قال اللهُ تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. فمن وسّع صدرَه وعقله اتّسعَتْ له الدنيا، ومن ضيّقَهما ضاقتْ عليه وهي رحبة. ويقولون: «إنسى الموضوع». أي: «اطوِ صفحةَ الألمِ، ولا تعشْ في ظلِّ الذكرى المؤذية». قال أميرُ المؤمنينَ علي رضي الله عنه: «مَنْ طالَ همُّهُ ضاقَ صدرُه». فالنسيانُ هنا ليس جحودًا، بل رحمة من اللهِ الذي جعل في الذاكرةِ بابًا يُقفلُ على الجرحِ حتى يلتئم. ويقولون: «اقلب الصفحة». أي: «جدّدْ حياتَك، واكتبْ سطرًا جديدًا بعد كل سقوط». قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيف». فالمؤمنُ لا يبكي على اللبنِ المسكوبِ، بل يغسلُ الإناءَ ويملأهُ من جديد. ويقولون: «لا تشيل هم». أي: «ألقِ حملَ الغدِ عن كاهلِك، فالرزّاقُ هو الله». يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]. ويقول الشاعر: وَلَا تَحْمِلَنَّ هَمَّ يَوْمِكَ الذي مَضَى وَلَا هَمَّ يَوْمٍ سَوْفَ يَأْتِي فَيَشْغَلُكْ فحارب همَّك بتفويضِ أمرك إلى من لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم. ويقولون: «لا تكبّر الموضوع». وفي ذلك قال الإمامُ علي رحمه الله: كما جاء في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: «أكبرُ العقلِ التغافل». فكم من حربٍ اشتعلت من شرارةٍ صغيرةٍ لأن أحدهم نفخ فيها حتى صارتْ لهيبًا. ويقولون: «اتركها للزمن». والزمنُ سيفُ اللهِ المسلول على كل جرحٍ لا يُداوى بالكلام، وفي ذلك يقول المولى عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ فاترك للزمنِ ما عجزت عنه يداك، فإنه يُنسي ويُعيدُ ترتيبَ أقدارك بما يرضيك. وقد قال الشاعر: دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ وَطِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ وَلَا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّهُورِ بَقَاءُ ويقولون: «خلّه يولي». أي: «دعه يمضي كما مضى الزمنُ بالأحزانِ القديمة». ويقولون: «لا تحاتي». أي: «لا تخشَ شيئًا، فالقضاءُ والقدرُ بيدِ الكريمِ الرحيم». يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ويقولون: «تم». وهي تعني عهدًا يُكتبُ باللسانِ، أي:: «حاضرٌ يا طالبَ الخير، أبشرْ بقضاء حاجتك، وفرحتي بطلبك أعظمُ من الطلبِ نفسِه». قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ…» ويقولون: «لا تَشْغل مخّك». أي: «أرِحْ عقلَك من التفكيرِ المُضني، وألقِ الأمرَ على الله». يقول الشاعر: دَعِ الْمَقَادِيرَ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا وَلَا تَبِتَئِسْ بِمَا يَأْتِي بِهِ الزَّمَانُ ويقولون: «موضوعك خالص». أي: «اطمئنّ، فالأمرُ انتهى لصالحِك، وما طلبته قد تمَّ على أكملِ وجه». ويقولون: «أبشِر». كلمةٌ واحدةٌ تُلقى في القلبِ فتُزهرُ فيه الأمل، فكلما قلتَ لأخيك «أبشِر»، فقد أدَّيتَ أمرًا ربانيًا، وسنةً نبوية، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعثَ أحدَنا في حاجةٍ قال: «بَشِّروا ولا تُنَفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا» (البخاري ٣٠٣٨، مسلم ١٧٣٤) وقال صلى الله عليه وسلم: «أَبْشِرُوا بِالْخَيْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» ويقولون: «اللي يبيعك بيعه». و«واللي نساك انساه». أي: لا تُبقِ في قلبك مكانًا لمن ألقاك من حسابِه،وليس في ذلك دعوة للجفاء، بل هي قاعدة لصون الذات وحماية القلب من الخذلان المتكرر، فمن باعك مرة سيفعلها مرارًا وتكرارًا، فلا تقهر نفسك عليه، وفي ذلك يقول الشاعر: إِذَا المَرءُ لَا يَرْعَاكَ إِلَّا تَكَلُّفَاً فَدَعْهُ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيْهِ التَأَسُّفَا أيها القارئ الكريم، هذه الكلماتُ التي نردّدها كل يومٍ بلا اكتراثٍ، هي في الحقيقةِ مدرسةُ في الحياةِ، فإذا أردتَ أن تعيش مطمئنًا، فخذْ من كتابِ اللهِ وسنّةِ رسولهِ نورًا، ومن حكمةِ العامّةِ دواء،. واللهُ من وراء القصد.

465

| 27 يونيو 2026

العطاء النبيل

قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265]. إنّ أصحاب العطاء النبيل هم أولئك الذين تجود أيديهم قبل ألسنتهم، وتنبض قلوبهم بالعطاء دون أن تطلب الأجر من البشر. يعطون وهم يضحكون، يبذلون وهم يبتسمون، يُفرغون جيوبهم وهم مستبشرون، يمنحون من وقتهم وطاقتهم ومشاعرهم وكأنما يُخرجون من بحرٍ لا ينضب. إنهم كالأنهار الجارية التي لا تسأل الوادي: «كم شربتَ مني؟»، بل تجود بالماء فحسب. لكنّ هذا العطاء السخيّ لا يعني أبدًا أن صاحبه لا يحتاج إلى قطرةِ ثناءٍ تروي روحه، أو كلمةِ شكرٍ تُجدّد في قلبه طعم السعادة؛ فالنفس البشرية – مهما كانت – تحن إلى التقدير، كما تشتاق الزهرة إلى الندى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ الله» [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني]. فشكر الناس بابٌ من أبواب شكر الله، وكفران المعروف جحود وظلم. وأجمل العطاء وأنقاه ذاك الذي يُعطى ثم يُنسى، كالمطر يهطل على الأرض، فينبت الزرع دون أن يطالب التربة بحساب قطراته. هذا هو العطاء -لله وحده- لا لمجدٍ عاجل، ولا لثناءٍ آجل، ولا لصورةٍ في وسائل التواصل تحصد بها حفنة من الإعجابات، أو تبتغي بها شهرة زائفة.. يقول عز وجل في سورة الليل : {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍۢ تُجْزَىٰٓ * إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ } وقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في نهج البلاغة: «أَفْضَلُ الْعَطَاءِ مَا كَانَ عَنْ غِنًى، وَأَجْمَلُ الْجُودِ مَا كَانَ عَنْ عَفَافٍ، وَأَكْرَمُ السَّخَاءِ مَا كَانَ عَنْ حَاجَةٍ، وَأَعَزُّ الْمَنَنِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لَا يَنْتَظِرُ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا». فاسأل نفسك –أيها القارئ الكريم –سؤالًا واحدًا فقط: *هل تذكر دائمًا ما أعطيت؟ إن كنت تحسب قطرات عطائك، وتنتظر مكيالًا يُعاد لك بها، فاعلم أن عطاءك تجارة، وليس بعطاء. أما إن كنت تنسى فورًا ما بذلت، وتستغرب إذا ذكّرك أحدهم بمعروفٍ صنعته، وتقول في نفسك: متى كان هذا؟ فهنيئًا لك! فقد نِلتَ منزلةً رفيعةً نادرة، منزلة النبلاء الذين يرفعهم الله أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة، يقول سبحانه وتعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْرَىٰ } إنهم -القلة القليلة- في زمنٍ كثرت فيه الحسابات، وقلّت فيه القلوب المتفضّلة. إنهم الأنهار التي تجري تحت الأرض، فلا يراها الناس، لكنها تروي الواحات البعيدة وتُحيي الأرض الميتة. فإن كنتَ منهم، فاحمد الله الذي جعلك من هذه الثلّة النادرة، وإن لم تكن، فلا يزال في العمر بقية لتراجع نفسك، وتحسن إليها. قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]. فكن سخيًا في عطائك، ولا تنتظر شكرًا، واترك الأجر لمن لا تنام عينه ولا تغفل.. لمن يعلم السرَّ وأخفى.. لمن قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. والله من وراء القصد.

198

| 22 يونيو 2026

الصمت سكينة القلوب

أيها القارئ الكريم.. كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أوقرَ الناس صمتًا، وأبلغَهم بيانًا، وقد جعل الله الصمتَ سكينةً للقلوب، وجعل الكلامَ زكاةَ العقول، فقال سبحانه وتعالى مُخبرًا عن عباده المخلَصين: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55]. فانظر كيف جعل اللهُ الصمتَ رداءَ للكرامة، والإعراضَ سيفًا لا يُجرح به صاحبه. وتأمّل معي هذه الجوهرة التي صاغها أمير البيان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «إذا تمّ العقلُ نقص الكلامُ». ثم قال في موضع آخر: «مَن كَثُرَ صمتُه عَظُمَتْ هيبتُه». فكأنّ الصمتَ تاجٌ يُتوّج به العاقلُ، ولتعلم أن اللسانَ جنديٌّ صغيرٌ في جسدك، لكنه قد يقودك إلى الفلاح أو الهلاك. ويقول الحبيبُ المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». فتأمل هذا الميزان الذهبي الذي وضعه النبيُّ بين يديك: إما أن تُخرج من فمك لؤلؤةً تنفع الناس، وإما أن تُغلق البابَ على التنين الذي يسكن لسانك. أيها الأخُ الحبيب، تكلّم حتى أراك، قالها سقراط، لكنّني أقول لك: اصمت حتى أعرفك! وفي ذلك يقول الشاعر: اصمتْ فإنّ الصمتَ أبلغُ من منطقِ إذا الكلامُ يزيدُ في الخطبِ تعقيدَا فالسكوتُ عتابٌ يُفهمُ من نظرةٍ وصدق الإمام الشافعي إذ يقول: دَعِ الكلامَ إذا استغنيتَ عنهُ فإنّهُ زينُ الرجالِ إذا ما كان محتشما وإن أردتَ الكلامَ فاجعلْهُ مسكًا يُعبقُ في المجلسِ لا يُنتنُّ مقتتما أيها القارئ، امسك لسانك كأنك تمسك بزمام فرسك الجامح، فإنك إن فعلتَ، سلمتَ من ثلاث: من زلّةٍ تُندم عليها، ومن كلمةٍ تُجرح بها، ومن موقفٍ تُهان فيه كرامتك. وختامًا.. إذا أردتَ أن تكون عزيزًا بين الناس، فاجعل صمتكَ يتكلم، وكلامكَ يصمت. قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه». فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واهدنا إلى سواء الصراط، واحفظ ألسنتنا من الزلل، وقلوبنا من الغفلة. والله من وراء القصد.

336

| 14 يونيو 2026

الأثر الطيب.. حياة لا تنتهي برحيل أصحابها

سيبقى ساكنًا في ذاكرة القلب والعقل والفؤاد، حتى وإن رحل عن الدنيا.. وهكذا هو من يترك الأثر الطيب النُّبلاء يغادرون بأجسادهم، ولكن تبقى أرواحهم حاضرة في النفوس.. إلى جنات الخلد بإذن الله يا أبا حمد، يا رجل العطاء الذي أجمع الجميع على تواضعه وحُسن سيرته وطيبِ ذِكْره. وبشهادة الصدق ولسان الحال والقلب قبل لسان المقال أقول: ترحل الأجساد، ولكن تبقى المواقف النبيلة، والأخلاق الكريمة، وآثار الإحسان شاهدةً على أصحابها في قلوب الناس وذاكرتهم. ومن أعظم صور النجاح الإنساني أن يترك المرء بعد رحيله ذكرًا حسنًا، وسيرةً عطرةً، ودعواتٍ صادقةً تلهج بها القلوب قبل الألسن. فالمجتمعات لا تحفظ أسماء الأغنياء والأقوياء بقدر ما تحفظ أصحاب القلوب الرحيمة والأيادي البيضاء.. مثلكم أيها النبيل الشريف.وقد أثبت علماء الاجتماع أن الإنسان يحقق نوعًا من الخلود المعنوي عبر ما يتركه من أثر إيجابي في حياة الآخرين، وأن رأس المال الحقيقي للأفراد ليس ما يملكونه من أموال، بل ما يزرعونه من محبة وثقة وخير. ويؤكد علماء التربية أن القدوة الحسنة أبلغ أثرًا وأطول عمرًا من آلاف الكلمات والخطب. ومن المنظور الإسلامي، جعل الله حسن الذكر من أعظم النعم، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50]، وقال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فهذه الأعمال تمتد آثارها بعد الوفاة، وتظل تنير لصاحبها قبره وآخرته. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «العبد يموت ويبقى عمله، كما يبقى ذكره الحسن أو السيئ بين الناس». كما كان المصلحون يؤكدون أن قيمة الإنسان تُقاس بما أعطى لا بما أخذ، وبما نفع لا بما جمع. إن المجتمعات المتماسكة تُبنى على رجال ونساء جعلوا خدمة الناس رسالةً، والتواضع والنفع للناس خُلقًا ومسؤولية، والإحسان منهجًا. وهؤلاء وإن غابوا عن الدنيا بأجسادهم، فإن أرواحهم تبقى حاضرةً في النفوس، تذكّر الناس بالخير، وتحفزهم على الاقتداء به. لذلك فإن أعظم استثمارٍ للإنسان هو أن يصنع أثرًا طيبًا يُبقِي بعده؛ كلمةً نافعة، أو معروفًا خالصًا، أو مشروعًا خيريًا، أو تربيةً صالحةً، فـالأعمار قصيرة، لكن الآثار الصالحة طويلة، والناس شهود الله في أرضه على عباده. نسأل الله أن يجعل لنا ولكم ذِكرًا حسنًا في الدنيا، وقبولًا ورحمةً ورضوانًا في الآخرة..!! رحمك الله تعالى والدنا العزيز صاحب القلب الحنون والأخلاق الراقية سعادة السيد/ عبدالله بن حمد العطية وإنا لله وإنا إليه راجعون..

522

| 07 يونيو 2026

الشهرة السلبية

كثيرون هم من يبحثون عن الشهرة وبريقها، وهؤلاء هم المفتونون بأنفسهم والذين وضعوا حب الظهور على رأس أولوياتهم، يبذلون في سبيله الغالي والنفيس؛ فقد صور لهم اعتزازهم بالدنيا أن قيمة الإنسان في أن يُشار إليه بالبنان أو بكونه حديث المجالس وهم بالطبع واهمون. وليس عيباً على الإطلاق أن يكون الإنسان مشهوراً ولكن الأهم ألا تكون شهرته سعي مقصود منه طلباً للدنيا وغراماً بها، بل قاصداً به طاعة الله ورضوانه ووجهه الكريم، أما من تتوق نفسه إلى الظهور بأي وسيلة وإن كانت على أنقاض القيم والمبادئ وأشلاء الآخرين مخالفاً بذلك الدين والأخلاق، فهؤلاء هم أصحاب القلوب المريضة الذين لا يهتمون إطلاقاً بنوعية هذه الشهرة أو مستواها بقدر رغبتهم في أن يكونوا محط أنظار الجميع، وقد صادفت الكثيرين ممن هم على شاكلتهم على المستوى الشخصي. وخلاصة القول أعزائي .. إن حب الشهرة والظهور يجب ألا يكون هدفاً في ذاته؛ حتى لا تتحول حياتنا إلى مسرحية هزلية، وحتى لا يتصدر أصحاب البالونات الكاذبة المقاعد الأمامية بشهرتهم السلبية التي يحققونها بالتصنع والزيف، وليكن قدوتنا في ذلك سلفنا الصالح الذي حذر من حب الظهوروالشهرة، وأختم بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي ).

3180

| 11 يونيو 2018

موسى والبيت الأبيض
موسى والبيت الأبيض

قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً...

7272

| 11 أغسطس 2026

الإبعاد الإداري في القانون القطري
الإبعاد الإداري في القانون القطري

لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...

5043

| 17 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود بغداد؟
بغداد.. متى تعود بغداد؟

منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...

2430

| 16 أغسطس 2026

حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة
حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة

ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...

1497

| 16 أغسطس 2026

موافقة المريض على العملية  لا تعفي الطبيب من المسؤولية
موافقة المريض على العملية لا تعفي الطبيب من المسؤولية

لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات...

804

| 15 أغسطس 2026

المقعد ليس إنجازًا
المقعد ليس إنجازًا

«بعض الفائزين في انتخابات مجالس الإدارات يستعد للانتخابات...

777

| 12 أغسطس 2026

المدير المتسلط
المدير المتسلط

في بيئة العمل المثالية يكون المدير هو القائد...

624

| 10 أغسطس 2026

وصية «أم الخير»... أم حسن
وصية «أم الخير»... أم حسن

فزّت «أم علي» من نومها ومستضيقه. شافتها أمها:...

585

| 17 أغسطس 2026

579

| 10 أغسطس 2026

مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص
مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص

لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد...

573

| 10 أغسطس 2026

مخاوف صهيونية
مخاوف صهيونية

تنظر فئات من الناس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي...

531

| 15 أغسطس 2026

الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول
الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول

في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات،...

519

| 16 أغسطس 2026

أخبار محلية