رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

العصر الجليدي الذي ضرب مصر

وكأنه قد مات بالأمس. ففي يوم النصر، وهو أيضا يوم وفاته، اتضح لي أن السادات غادرنا فقط بالأمس. فكل القضايا التي تركها عالقة، تركها مبارك أيضا عالقة كما هي، وربما أسوأ بكثير: سيناء المقتطعة، الاقتصاد المتردي، استقلال القرار السياسي، هوية الدولة، أكذوبة الفتنة الطائفية، فلسطين المحتلة، لبنان الجريح، إيران المتطلعة، العرب المتشرذمون، حتى الورقة الوحيدة التي كانت معنا، حين صرح أن تسعا وتسعين بالمائة من أوراق اللعبة في يد أمريكا .. حتى هذه الورقة أودعها مبارك لدى إسرائيل. والغريب أن السادات كان دائم الحديث في آخر أيامه عن العيب، حتى إنه استن له قانونا، ربما أسيء استخدامه كثيرا، لكن يبدو أن الرجل قد كان مدركا أننا مقبلون على عصر إساءة الأدب. فلا أعتقد أنه كان سيتحمل السكوت عن تلك المقالة التي كتبها واحد من هاماتنا الإعلامية الكبرى (حسب تعبير الإعلامي يسرى فوده) يطالب فيها بتكريم الرجل الذي أضاع مصر وجمدها في ثلاجة قصوره الفكري وعجزه السياسي طيلة ثلاثة عقود من الزمان، حتى إن الرئيس مرسي حين بدأ يفتح كراس واجباته وجد تلالا من الأسئلة، لم يخط مبارك فيها بقلم، والعجيب أنها ليست أسئلة اختيارية. ولعلي لا أبالغ في هذا المشهد التخيلي للرئيس مرسي في حجرة مكتبه ممسكا بوريقات صفراء كتبها السادات بنفسه، في وصف مقدار الدهشة التي ارتسمت على وجهه وهو يطالع أسئلة سألها السادات لنفسه في اليوم السابق ليوم العرض العسكري المشهود، من قبيل:1- ماذا سأفعل في محاولات إسرائيل للتفوق العسكري التقليدي والنووي في المنطقة؟ 2- كيف سنقوم بتنمية سيناء وتأمين الحدود الشرقية للوطن؟ 3- ما هو السبيل لتطبيق الورقة الثانية من معاهدة السلام فيما يخص فلسطين؟ 4- كيف سنعمل على تأمين السودان من التشرذم والخلافات الداخلية؟ 5- كيف سيتم ضبط الإيقاع مع الجار الليبي في وجود هذا المجنون (القذافي)؟ 6- كيف سيتم المحافظة على دور مصر الإقليمي مع تصاعد عائدات النفط في الخليج؟ 7- كيف سيتم العمل على تحجيم دور إيران في المنطقة ومنع تدخلها في شؤون دول الخليج وباقي الدول العربية؟ 8- كيف سيتم المحافظة على سياسة - ارفعوا أيديكم عن لبنان – التي تتبعها مصر إلى الآن؟ 9- كيف سيتم حل مشكلة المرور أثناء إنشاء مترو الأنفاق؟ 10- كيف سيتم حل مشكلات الاقتصاد المصري ورعاية محدودي الدخل؟ وفى نهاية الورقة مكتوب: "على أن لا تزيد مدة الإجابة عن خمس سنوات". وعلى حاشية الورقة فجع الرئيس مرسي حين وقع بصره على كلمات كتبت بالقلم الأحمر تقول: تحول إلى الأرشيف...... حسني مبارك

291

| 12 أكتوبر 2012

الإعلام وصناعة الجواسيس في مصر

كان الصحافي مصطفى أمين رشيقا في أسلوبه سهلا في تناوله لموضوعاته مباشرا في بلوغه لهدفه. وقد كنت وأنا صبي صغير مولعا بمطالعة مقاله اليومي المنحوت كقطعة فنية أصيلة على أقصى يسار الصفحة الأخيرة لجريدة الأخبار المصرية. وأذكر أني كنت أستمتع بقراءة مقاله سريعا كل صباح وأنا عائد إلى المنزل لأسلم الصحيفة إلى والدي دون أن يشعر أنني قد عبست بأوراقها. وقد كانت لأمين مواقف مشهودة ليس بإمكان أحد على ما أعتقد ممن عاصروه أن ينساها، أذكر منها أنه حينما دب خلاف بينه وبين مبارك، أخرج أمين مقاله بالجريدة بصورة عمود فارغ من الكتابة تماما إلا من إمضائه أسفل هذا الفراغ.. إلا أن مبارك لم يتمكن أبداً من سجنه كما فعل عبد الناصر حين اتهمه في فترة حكمه بأنه كان يتجسس لصالح جهاز المخابرات الأمريكي، ومن ثم فقد حكم عليه بالسجن تسع سنوات. ومع معرفتي بهذه الاتهامات إلا أني لم أصدقها أبداً حتى بعد أن نشرها الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل في كتابه بين الصحافة والسياسة. والسبب أن عبد الناصر قد سجن الجميع ربما كان الاستثناء الوحيد هو الأستاذ هيكل فقط. وبعد وفاة مصطفى أمين لم يتمكن أحد من أن يملأ الفراغ الذي تركه على الصفحة الأخيرة من صحيفة الأخبار أبدا، ولا الفراغ الذي تركه في دنيا كتابة المقال الصحافي في رأسي، إلا البارع إبراهيم عيسى والذي كانت له مواقف معروفة من مبارك ونظامه. وظللت أعكف على مطالعة مقالاته حتى أفجعني بمقال تحت عنوان (العملاق الذي تجسس) والذي جاء فيه أنه قد تأكد أخيراً من أن مصطفى أمين كان يعمل جاسوسا لوكالة المخابرات الأمريكية المركزية، وما أدهشني هو الطريقة التي أنهى بها عيسى مقاله هذا. فمع تيقنه من أن مصطفى أمين كان جاسوسا إلا أنه متأكد من أنه قد تاب، وبهذا تكون رسالة عيسى للقارئ كالآتي: نعم أمين كان يعمل جاسوسا، ولكن لا مانع من أن تستمر في حبه، ولعل العبارة التي تعد حجر الزاوية في مقال عيسى هي قوله (هل برر مصطفى أمين لنفسه العمل جاسوسا بالفصل بين عبد الناصر ومصر، واعتبر التجسس ضد رئيس وليس ضد وطن؟ هذا مبرر غبي لا يليق بجاسوس مثقف ذكي).... والمدهش في هذه العبارة هو أنه لم يعز رفضه للتجسس إلى حسه الوطني وحرصه على بلاده، وإنما لثقافته وذكائه. ولا أدرى متى كانت الثقافة والذكاء تعصمان من الوقوع في الذلل؟ بل متى اختارت واحدة من أجهزة المخابرات في العالم شخصية مسطحة غبية لتعمل لديها؟ فالخيار الأفضل دائما لهذه الأجهزة هي الشخصية الذكية المطلعة المثقفة، ويا حبذا لو كانت تتمتع بقبول لدى الرأي العام في بلدها حتى يمثل لها غطاءً شعبيا معيقا للنظام عند الاقتراب منه، كما كان حال مصطفى أمين وربما غيره. ولكن مع ذلك كله فما زلت لا أصدق أن مصطفى أمين قد كان جاسوسا، وتراني أسأل نفسي: لم لا أستطيع التصديق؟ هل لأنه كان مدافعا دائما في كتاباته عن الحريات؟ هل لأنه كان يجيد الكلام في كل مجالات الآداب والفنون والسياسة؟ أم هل لأنه كان نافذة نلتقط فيها أنفاسنا في عصر مبارك البغيض؟ لا أدرى ماذا يمكن أن تكون الإجابة. لكن السؤال الأهم الذي لم يسأله عيسى في مقاله هو: كيف استطاع أمين أن يخدعنا كل هذا الوقت؟ وهل هناك آخرون مازالوا يخدعوننا مثله؟

554

| 09 أكتوبر 2012

سهام مرسي التي تضرب في كل اتجاه

إن الأوراق التي سقطت من يد الرئيس السابق وهو ملقى على سريره في القفص هي ذات الأوراق التي غادرت قبضة إسرائيل، فقد كان بحق كنزهم الاستراتيجي.. تلك الأوراق أمست من جديد في يد مصر ورئيس مصر المنتخب والذي بدأ يبهر العالم بقدرته على ترتيبها وإعادة صياغة سياسة مصر الخارجية من خلالها. ولعلى لا أبالغ إذا ما قلت إن نفس الملفات التي كانت عناصر ضغط على الدبلوماسية المصرية في عهد النظام السابق أضحت في يد الرئيس مرسي عناصر قوة لها، وهي الملف الفلسطيني والملف الإيراني وملف المسيحيين. فالأول كان بالنسبة لمبارك كارثة لا يدرى كيف يتخلص منها، والثاني قرر بالفعل أن يحذفه ليس فقط من عقله ولكن من خارطة السياسة المصرية بالكامل إرضاءً لأمريكا وإسرائيل، وأما الثالث فجلسات الاستماع التي كانت تجري حوله في الكونغرس الأمريكي ما زال صداها يتردد بين أروقته. والمتابع لتصريحات الرئيس أوباما حول أن مصر ليست حليفة لأمريكا ولا عدوة لها، يدرك أنه لم يوجه هذه الرسالة للمصريين فحسب، ولكن للإسرائيليين على وجه الخصوص، بمعنى أن عليكم من الآن أن تتحملوا مسؤولية تصرفاتكم تجاه مصر، فهي لم تعد تابعة مطيعة لنا كما كان في الماضي. ولكي نفهم حقيقة المياه التي أجراها مرسي في هذا النهر حين أوضح أن مصر لم تعد محايدة فيما يخص القضية الفلسطينية وأن إيران ليست عدوة، وأخيرا حين صرح في نيويورك بأن المسيحيين ليسوا أقلية في مصر.. أقول لكي نفهم المتغير الإستراتيجي في السياسة المصرية، تعالوا نسترجع سويا حادثة واحدة أسدلت الستار على عصر مبارك، ومن عجب أن الملفات الثلاثة قد تم استخدامها دفعة واحدة فيها، ألا وهي حادثة كنيسة القديسين. فبينما كنت جالسا أشاهد عمر أديب مستضيفا خبيرا إستراتيجيا بعيد الحدث، إذا بالضيف يفاجئني بقوله: "سيتضح في النهاية أن من قام بالتفجير هم مجموعات إرهابية ترعاها حماس في غزة وتأخذ أوامرها من إيران وقد عبرت إلى مصر عبر الأنفاق". ويبدو أن ذلك قد كان تمهيدا لما أعلنه وزير الداخلية حينها حبيب العادلي بنفسه أمام الرئيس السابق من أن ما قاله السيد الخبير صحيح تماما في محاولة لإيجاد مبرر للحكومة المصرية آنذاك لغض الطرف والتماس العذر لدى الشعب المصري عما كان مخططا له من ضربة عسكرية جديدة لغزة بواسطة جيش الاحتلال الإسرائيلي. إذ إنه حسب زعمهم قد اتضح أن هناك إرهابيين فلسطينيين يعيشون في غزة وممولون من إيران لقتل المسيحيين في مصر. هكذا وبكل بساطة دون أن يسأل أحد نفسه: أين إسرائيل في هذا المشهد؟. والعجيب أن العقلية الإسرائيلية لم تستطع أن تستوعب عمق التغيير الحادث في مصر بعد الثورة، فما زالت تعتمد ذات الأساليب القديمة، وكأننا أخيب في اعتقادهم من أن نجيب عن سؤال: من المسؤول عما يحدث على الحدود بين مصر وإسرائيل؟ وهل يمكن أن تكون حماس؟. من المؤكد أن حماس أبعد ما تكون عن تلك الأحداث، فهي تبحث عن طريقة لترسيخ حكمها، خصوصا بعد التغيير الحادث في مصر بعد تنحي مبارك، وعليه فهي في سعي إلى التهدئة لتحصيل استحقاقات أكبر وأعمق، تتمثل في وحدة فلسطين وإعلان دولتها. إذن ربما تكون مصر؟ هذا أيضا مرفوض، لأن المصريين لا ينقصهم في هذه اللحظات بالذات توتر على الحدود الشرقية، وهم في بداية مشروعهم لإنشاء دولة ديمقراطية حديثة، وعليه فالبحث عن المستفيد هو ما سوف يظهر المسؤول عن هذه الأحداث. وأتصور أن المستفيد من هذه الأحداث هو إسرائيل ذاتها، أولا للتغطية على المشكلات الداخلية لديها، ثم لإيجاد مبرر للهجوم على غزة، وقد كان مخططا له من قبل، وأخيرا طمعا في أن تظل مصر في غياهب تبعيتها للولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن ظروف أوباما الانتخابية قد جعلته يلقي بالقفاز سريعا في وجوههم. والمراقب لطريقة تنفيذ معظم العمليات الإرهابية يجد أنها تقريبا تصاغ في صورة واحدة، يدعى فيها أن المتسللين قدموا من الحدود مع مصر وربما كان بعضهم كان يرتدى الزى العسكري المصري أو السيناوي مما يجعل موقف مصر متحيرا، حيث ترى نفسها متهمة على الأقل بالتراخي في حماية الحدود المشتركة، خصوصا وأن بعض هذه العمليات حسب ما نشر كانت مركبة مما يعني أن عملا لوجستيا استخباراتيا قد سبقها، مما يمكن أن تتهم به الدول وليس التنظيمات أو الطوائف قليلة الحيلة. ولكن استعجال الإسرائيليين في ردة فعلهم دائما ما يكشف الجزء الأكبر من مخططهم. ففي خلال 3 ساعات على الأكثر تقوم إسرائيل بالرد مما لا يدع مجالا للشك في أن العمليات كانت دائما برمتها تحت بصرهم قبل بدايتها، وهذه هي مشكلة معظم التنظيمات الفلسطينية أنها مخترقة تماما من جانب الإسرائيليين، فهم على ما يبدو دون أن يدركوا يقبلون التمويل والسلاح، بل والتوقيت الذي يحدده جهاز الموساد عن طريق عناصره المزروعة داخل تلك التنظيمات دون تفكير، لاعتقادهم أن في هذا مرضاة لله ورسوله، ثم يجرون وطنا بأكمله إلى المجهول. إن الحكمة التي توارثناها من حرب أكتوبر هي افعل أنت ما لا يتوقعه العدو وليس ما رتبه لك العدو أن تفعله. فكما أن عبدالناصر سقط في فخ إغلاق مضيق العقبة، وصدام سقط في فخ غزو الكويت، فإن منتهى أماني إسرائيل أن تسقط مصر في هذا الفخ الآن وتسمح بتواجد بؤرة مقاومة داخل سيناء على حدودها الشرقية مع إسرائيل بديلا عن حزب الله في لبنان، والذي لا تأتي الإشارات مبشرة عن قدرته على البقاء بعد تهاوي النظام في سوريا، حيث من المعروف أن بارونات الحرب في إسرائيل لا بقاء لهم ولا لدولتهم بغير تهديد خارجي مزعوم يكفل لإسرائيل الدعم المادي والعسكري لبقائها كمحافظ على خطط الغرب وأمريكا في الشرق الأوسط. وهذه هي المعادلة المعروفة منذ نشأة إسرائيل (احموني كي أحمي مصالحكم). ولكن كما عودتنا هذه العطية الربانية لمصر ألا وهي (ثورة 25 يناير) بأن كل ما يحاك ضدها يأتي في النهاية لصالحها، فإن مصر أصبحت في وضع سياسي يؤهلها للقيام بتغطية سيناء بالكامل بما فيها المنطقة (ج) بقدرات القوات المسلحة المصرية التامة غير منقوصة، ليس تحت دعوى حماية الحدود المصرية الشرقية ولكن لحماية الجار اللدود أيضا، ومن هنا بدا واضحا أن إسرائيل لم تعد تمتلك سوى خيارين كلاهما عليها مر، فإما أن تقبل بالأمر الواقع أو أن تطلب بنفسها تعديل بنود اتفاقية السلام.  

379

| 02 أكتوبر 2012

هل يتحالف الإخوان مع الأوروبيين؟

رغم النفي المتكرر من قبل جماعة الإخوان المسلمين لإجراء أية حوارات مع دول الاتحاد الأوروبي قبل ثورة يناير، خوفا من قيام نظام مبارك بإلصاق تهمة التعامل مع قوى أجنبية لها، إلا أن ذلك لم يمنعها من التواصل مع الأوروبيين في مرات متعددة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لعرض وجهة نظرها كقوة سياسية فاعلة في الساحة السياسية المصرية يمكن أن تشارك في الدفع بإصلاحات سياسية للنظام القائم. وقد التقت قيادات بالجماعة في عام 2003، مع مسؤولين أوروبيين وتحاوروا معهم في جلسة رعاها رئيس مركز ابن خلدون د. سعد الدين إبراهيم، الذي أشار إلى أن الحوار بين الطرفين دار حول القيم الحاكمة في فكر الإخوان المسلمين، ومكان الديمقراطية في الفكر الإسلامي، وكيفية معاملة غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية، وموقف الإخوان من المرأة، وغيرها من القضايا. وفي عام 2005 كشفت مصادر أمريكية وأوروبية عن اتفاق بين واشنطن والاتحاد الأوروبي من ناحية وجماعة الإخوان المسلمين من ناحية أخرى على إجراء حوار بينهما عبر أعضاء في الكونغرس الأمريكي وبرلمانيين من الاتحاد الأوروبي يزورون مصر ونواب الإخوان المسلمين في البرلمان المصري. وقد أكد ذلك السفير الألماني في القاهرة مارتن كوبلر الذي قال إن بلاده ستجري حواراً مع عناصر من جماعة الإخوان المسلمين المصرية التي حصلت على خمس مقاعد البرلمان المصري. وقد استمرت هذه الحوارات بين الطرفين، حتى جاءت ثورة يناير التي قلبت الوضع السياسي رأسا على عقب فأطاحت بنظام مبارك ودفعت بصعود الإخوان وباقي فصائل التيار الإسلامي إلى قمة الهرم السياسي، فزاد اهتمام الأوروبيين بالتواصل المباشر والفعال والمكثف مع الجماعة من خلال اللقاءات التي كان يجريها الدبلوماسيون الأوروبيون في مقرات الإخوان، سواء الجماعة أو حزب الحرية والعدالة الذي انبثق عنها، كما جاءت وفود أوروبية بمستويات عالية إلى تلك المقرات لتتابع الحوارات الجارية مع الجماعة. وبعد شهور قليلة من ثورة يناير حصلت الجماعة على عضوية المراقب في الاتحاد الأوروبي كدليل على التقارب الكبير الذي حصل بين الطرفين، وكانت الحكومة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان قد لعبت دورا كبيرا في هذا الصدد بحكم العلاقات الوثيقة التي تربطه بقيادة الجماعة. وكانت كاثرين أشتون، الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، على اتصال مستمر مع الجماعة طوال تلك الشهور التي تلت الثورة من أجل توثيق العلاقات ولإبداء رأي الاتحاد في الأحداث الجارية في مصر بحكم المصالح الأوروبية الكبيرة، التي تشمل كافة المجالات، بدءاً من المجال الأمني الذي يتعلق بأمن أوروبا وامتداده جنوب المتوسط، وقضايا توافد المهاجرين، والجريمة المنظمة وتنامي الأصولية الإسلامية، وصولا إلى المردود الإيجابي على الجاليات الإسلامية في أوروبا، حيث يمكن تكوين جسر يقلل من تأثير الكثير من القضايا الخلافية المطروحة على الساحة الأوروبية. ومن هنا يمكن فهم أسباب إبداء الاتحاد الأوروبي دعمه المستمر لوصول الجماعة إلى الحكم من خلال الإعلان عن ترحيبه بالتعاون مع أية حكومة مصرية قادمة حتى لو كانت من التيار الإسلامي الذي يمثله الإخوان. وتأتي الزيارة التي يقوم بها الرئيس محمد مرسي إلى بروكسل مقر الاتحاد الأوروبي قبل زيارته المرتقبة للولايات المتحدة نهاية الشهر الجاري، لتؤكد على تلك العلاقات الوثيقة التي باتت تجمع الطرفين، خاصة في ظل سعي جدي من الرئيس مرسي وجماعة الإخوان لتكريس استقلال فعلي لعملية صنع القرار المصري بعيدا عن التبعية للولايات المتحدة التي كانت مترسخة طوال العهود الماضية، وذلك عبر تنويع العلاقات وتوثيقها مع قوى دولية كبرى كالاتحاد الأوروبي يمكن التعامل معه بندية في ظل حاجته لحماية مصالحه الكبيرة في مصر والشرق الأوسط. وكذلك الأمر في علاقات مصر مع الصين التي زارها الرئيس الشهر الماضي. فلا شك أن اللعب على توازنات المصالح بين القوى الكبرى في العالم سوف يقود إلى تحقيق استقلال فعلي لمصر وزيادة في هامش حركتها الإقليمية والدولية تستطيع من خلالها قيادة المنطقة نحو ما يحقق مصالحها وحل أزماتها المزمنة.  

282

| 20 سبتمبر 2012

تفكيك دولة البلطجة في مصر

بعد أن استطاع الرئيس محمد مرسي القضاء على قيادة الثورة المضادة في مصر من خلال الإطاحة بقيادات المؤسسة العسكرية في 12 أغسطس الماضي، كان لا بد من التوجه مباشرة إلى المفاصل الأمنية لهذه الثورة والمتمثلة في الأجهزة الأمنية خاصة تلك التابعة لوزارة الداخلية، وكذلك ميلشيات البلطجة التي تعد بمثابة دولة داخل الدولة، لها رئيسها وجيشها الذي يتعدى النصف مليون بلطجي، حسب الأرقام الرسمية المسجلة لدى وزارة الداخلية وعدد من الأجهزة السيادية، التي كانت تستخدم هذا الجيش الجرار في القيام بالمهام القذرة للنظام السابق، من قبيل تزوير الانتخابات وتأديب المعارضين ونهب ثروات الوطن. وقد استطاع الرئيس توجيه ضربة قاصمة لدولة البلطجة تلك من خلال القبض على رئيسها المدعو صبري نخنوخ مع عدد من البلطجية وكميات كبيرة من الأسلحة. وذلك قبل يوم واحد من المظاهرات التي دعا لها معارضون للرئيس أشهرهم عضو مجلس الشعب السابق محمد أبو حامد. وبمجرد القبض على رئيس دولة البلطجية، بدأت تتكشف الكثير من خفاياها وعلاقاتها المتشعبة سواء الداخلية والخارجية. فعلى المستوى الداخلي بدأت تظهر العلاقات الوثيقة بين دولة البلطجة تلك وبين أركان النظام السابق الذين استخدموا هؤلاء البلطجية في مواجهة الشعب المصري خلال ثورة يناير، وكانوا مسؤولين عن قتل الشهداء وعن اقتحام السجون وإطلاق سراح  المجرمين لإشاعة الفوضى في البلاد وإجبار الثوار على التراجع أمام النظام. واستمر الدور الذي تلعبه دولة البلطجية لصالح النظام السابق حتى بعد تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، وذلك بسبب استمرار السلطة في أيدي بقايا هذا النظام التي كانت تحاول إعادة إنتاج النظام مرة أخرى معتمدة على تخويف الناس من الفوضى والبلطجة التي انتشرت بشكل كبير عقب نجاح الثورة. وقد شاهدنا كيف قام هؤلاء البلطجية تحت رعاية وزارة الداخلية والشرطة العسكرية بقتل المتظاهرين في الأحداث التالية للثورة، خاصة في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية. ولم تتوقف علاقات دولة البلطجية عند حدود النظام السياسي، بل تعدته إلى العديد من مؤسسات وفئات المجتمع الأخرى. حيث بدأت تظهر العلاقات التي تربطها بنخبة الفن والإعلام، وكذلك الأمر بالنسبة للكنيسة المصرية التي لعبت أدوارا سياسية غاية في الخطورة طوال العقود الثلاثة الماضية، سواء في تقديم الدعم للنظام السياسي أو في محاولتها لبناء دولة نصرانية في مصر عبر الاعتماد على الحصول على امتيازات طائفية غير مسبوقة من النظام السياسي جعلها دولة فوق الدولة المصرية، مستندة في ذلك إلى القوة المفرطة التي تحصل عليها ابن الكنيسة صبري نخنوخ رئيس دولة البلطجية. وتتشابك علاقات دولة البلطجة الداخلية والخارجية، فنرى من خلال المعلومات التي بدأت تتكشف تلك العلاقة التي تربط نخنوخ بقادة مسيحيين في لبنان، سهلوا له مهمة التواجد في بيروت لشهور طويلة بعد الثورة، فضلا عن العلاقة التي بدأت تظهر مع حزب الله اللبناني من خلال قيام بلطجية نخنوخ بتهريب أحد رجال الحزب المعتقلين والذي كان متهما في قضية الخلية الإرهابية التي تم القبض عليها في سيناء منذ عام 2009. ثم تظهر أيضا في العلاقة التي ربطت بين رئيس حزب القوات اللبنانية المسيحية سمير جعجع وبين بعض السياسيين المصريين وفي مقدمتهم محمد أبو حامد الذي تلقى منه تمويلا كبيرا للقيام بالدعوة إلى تظاهرات مليونية لإسقاط النظام الجديد الذي أتت به الثورة بقيادة جماعة الإخوان المسلمين. حيث كان من المفترض أن تلعب دولة البلطجة بقيادة نخنوخ دورا مهما من خلال نشر أكثر من أربعة آلاف بلطجي في المدن الكبرى، خاصة في القاهرة والإسكندرية، من أجل القيام بأعمال القتل والسرقة لإشاعة الفوضى وإظهار الرئيس مرسي وكأنه غير قادر على التحكم بالأمور، فيكون ذلك مقدمة لانقلاب عسكري كان يفترض أن يقوم به قادة الجيش الذين أطاح بهم مرسي قبل الأحداث بأيام قليلة، الذي اتجه بعد ذلك إلى تفكيك دولة البلطجية، من خلال توجيه فرقة تابعة للمخابرات الحربية مع بعض رجال وزارة الداخلية الموثوقين، للقبض على نخنوخ ورجاله لإجهاض المخطط. ويبدو أن القبض على رئيس دولة البلطجية لن يؤدي إلى تفكيك أركان تلك الدولة فقط، بل سيكشف الكثير من أسرار العلاقات الوثيقة التي ربطتها بالعديد من النخب سواء داخل مصر أو خارجها.

632

| 31 أغسطس 2012

زيارة مرسي لإيران .. وسياسة التحرر المصرية

حينما أعلن الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي تأييده للثورة السورية في خطابه الأول في جامعة القاهرة، اعتبر محللون أن مصر الجديدة تحت قيادة الإخوان المسلمين لم تتغير عن تلك التي كانت تحت نظام المخلوع حسني مبارك التي كانت تقف بالمرصاد لما كان يسمى بمحور الممانعة، الذي يضم إيران وسوريا وحزب الله وحماس. وتأكدت هذه الرؤية مع اتخاذ مصر لقرارها بإرسال دباباتها وطائراتها لسيناء لاستعادة الأمن فيها في مواجهة الجماعات المتشددة التي تهاجم الحدود المشتركة مع إسرائيل. لكن حينما تم الإعلان عن زيارة الرئيس مرسي لإيران في نهاية الشهر الجاري، تغيرت تلك الرؤية لموقف مصر الجديدة، حيث أصبح يراها البعض ذاهبة باتجاه معاكس لذلك الذي اتخذته قبل الثورة في مواجهة طهران وحليفاتها. والحقيقة أن هذه التقديرات سواء تلك التي ترى أن مصر مازالت كما هي في مكانها الذي اتخذته قبل الثورة كأحد أطراف الحلف الأمريكي الإسرائيلي، أو تلك التي ترى أنها انتقلت إلى الحلف المضاد أي حلف الممانعة الإيراني، هي تقديرات خاطئة. ذلك أن مصر تغيرت ولكنها لم تنتقل من حلف إلى آخر، بل عادت إلى موقعها الصحيح كدولة محورية قائدة للمنطقة العربية، تضع مصالح شعبها وأمتها في مواجهة المشروعات الخارجية، سواء تلك التي تقودها الولايات المتحدة أو تلك التي تقودها طهران. فالرئيس مرسي حينما أعلن تأييده للثورة السورية، انطلق من مبدأ أن تقرير المصير حق للشعب السوري، خاصة في مواجهة نظام ديكتاتوري طائفي حول دولة عربية كبرى إلى مجرد تابع لإيران التي تسعى إلى تنفيذ مشروع إمبراطوري في المنطقة من أجل السيطرة عليها شبيه بذلك المشروع الذي تنفذه الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية التابعة لهما. ومن هنا فالموقف المصري يسعى إلى تحرير سوريا من هذه التبعية وإعادتها إلى الحظيرة العربية من أجل بدء المشروع القومي العربي القائم على بناء وحدة عربية تكون نواة لوحدة إسلامية شاملة. أما قرار إعادة انتشار الجيش المصري في سيناء بكافة أسلحته الثقيلة، فالهدف منه ليس حماية أمن إسرائيل كما كان يفعل النظام السابق، ولكن استعادة السيادة على جزء من الأرض المصرية حرمت منها طويلا بسبب معاهدة كامب ديفيد التي كانت تسعى إلى تكبيل تلك السيادة إلى الأبد وجعل سيناء وسيلة للضغط على القرار المصري من أجل استمرار تبعيته لأمريكا وإسرائيل. ولعل ذلك القرار أن يكون مقدمة لقرار استراتيجي اتخذه الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين يقضي بإلغاء معاهدة كامب ديفيد أو تعديلها، خاصة الشق الأمني منها لإتمام إنجاز تحرير سيناء بشكل حقيقي. وتأتي الزيارة التي يزمع الرئيس مرسي القيام بها إلى طهران لتتكامل مع تلك القرارات السابقة، في إطار إستراتيجية تحرير مصر من التبعية للولايات المتحدة والغرب، من خلال اتباع سياسة شبيهة بتلك التي وضعها وزير الخارجية التركي داود أوغلو، والقائمة على تصفير المشاكل مع الدول الجارة لمصر، باستثناء إسرائيل باعتبارها كيانا غير طبيعي وعدوا دائما لمصر.  والهدف من تلك السياسة هو إقامة علاقات متوازنة مع كافة دول الإقليم تقوم على احترام المصالح المتبادلة والتعاون من أجل التكامل في مواجهة أطماع الدول الكبرى في المنطقة وثرواتها. وسيترتب على هذه التوازن في العلاقات، التحرر من التبعية الكاملة للغرب وإعطاء هامش واسع من التحرك أمام الدولة المصرية يمكنها من لعب دورها المحوري في المنطقة. والسؤال: هل ستقابل إيران هذا التوجه المصري بفهم صحيح أم أنها ستحاول تكرار تجربة سوريا معها من خلال السعي لجعل مصر دولة تابعة لها في إطار تنفيذ مخططها للسيطرة على المنطقة؟ من المؤكد أن أي محاولة من طهران لتحويل مصر إلى تابع لها ستكون عواقبه وخيمة عليها، لأن مصر لن تستبدل تبعية بتبعية أخرى، خاصة في ظل التطورات الداخلية بعد ثورة يناير التي قامت من أجل تحرير مصر من عبوديتها للغرب، فضلا عن أن هناك تيارا عريضا في مصر يرفض حتى مجرد التقارب مع إيران. ورغم أن تفهم إيران لحقيقة التطورات الداخلية في مصر ربما يكون محدودا في ظل سيطرة التيار المتشدد على السلطة في طهران والذي يسعى بكل قوة لاستمرار مخططات الهيمنة، إلا أن هناك أملا في أن تتغلب القوى العاقلة هناك وتسعى إلى الاستفادة من تلك الفرصة في إقامة محور إسلامي يضم مصر وتركيا والسعودية، يكون ركيزة قوية لتحالف عربي إسلامي يعيد أمجاد دولة الإسلام الأولى.

659

| 24 أغسطس 2012

مرسي يحرر الدستور من ضغوط الجيش

وذلك من خلال النص على حق رئيس الجمهورية، بعد التشاور مع القوى السياسية المختلفة، في تشكيل لجنة تأسيسية جديدة في حال ظهر مانع يحول دون استكمال اللجنة الحالية لمهام عملها. وهو الأمر الذي سيجعل تلك القوى التي تسعى إلى تعطيل عمل اللجنة تراجع موقفها، خوفا من أن يقوم الرئيس بتشكيل لجنة تكون أغلبيتها من التيار الإسلامي الذي ينتمي إليه. وهناك أيضا نص آخر متعلق بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس العسكري في منتصف شهر يونيو الماضي، والذي أعطى من خلاله لنفسه حق الرقابة على اللجنة التأسيسية وكذلك تشكيل لجنة جديدة في حال تم صدور حكم قضائي بحلها. هذه القرارات سيترتب عليها تحرير الضغوط التي كانت تمارس على اللجنة التأسيسية، خاصة ما يتعلق بضرورة إقرار الوضع المتميز للمؤسسة العسكرية في الدستور الجديد، والتي حاولت قيادة المؤسسة متمثلة في المجلس العسكري، العمل على الوصول إليها منذ اللحظة الأولى لتوليه السلطة عقب تنحي الرئيس المخلوع. وكان من نتيجة محاولاته المتكررة لإقرار هذا الوضع المتميز، الدخول في صدامات سياسية مع القوى السياسية، ترتب عليها تأجيل عملية نقل السلطة إلى المؤسسات المنتخبة، بل وحل هذه المؤسسات كما حدث مع مجلس الشعب، بسبب عدم التوافق مع هذه القوى السياسية خاصة جماعة الإخوان المسلمين وفصائل التيار الإسلامي الأخرى، التي رفضت رفضا قاطعا أية مميزات للمؤسسة العسكرية في الدستور الجديد. وقد وصلت هذه المعارضة إلى حد الدعوة لتظاهرات مليونية في الميادين العامة يوم 18 نوفمبر 2011 ردا على وثيقة أصدرها نائب رئيس الوزراء الأسبق علي السلمي، عرفت بوثيقة المبادئ فوق الدستورية. وتم تقديمها على أنها استرشادات للدستور الجديد. وكانت تعطي المؤسسة العسكرية ميزات كبيرة تجعل منها دولة فوق الدولة، وهو ما يتناقض مع مبادئ الديمقراطية ومع ما سعت إليه الثورة المصرية التي أرادت بناء نظام ديمقراطي حقيقي تتكامل فيه مؤسسات الدولة ولا تتصارع من أجل تحقيق نهضة حقيقية للوطن. وحتى بعد انتخاب مجلسي الشعب والشورى المنوط بهما اختيار أعضاء اللجنة التأسيسية وفقا للتعديلات الدستورية التي تم إقراراها بعد نجاح الثورة، فإن المجلس العسكري عمل على عرقلة هذه اللجنة ومنعها من تأدية عملها عبر العمل على استصدار حكم قضائي بحلها. وقد حدث ذلك بالفعل وذلك بسبب سيطرة التيار الإسلامي الرافض للوضع المتميز للجيش في الدستور، على هذه اللجنة. وبعد تشكيل اللجنة الثانية الموجودة حاليا، استمرت محاولات المجلس العسكري لحلها بعد استمرار رفض جماعة الإخوان التوافق معه حول وضع المؤسسة العسكرية، وتم تحديد أكثر من توقيت للحكم بحلها، لكن الحيل القانونية التي لجأت إليها الجماعة، فضلا عن التغييرات السياسية التي شهدتها الساحة بعد انتخاب أحد قادة الجماعة في منصب الرئيس، أدى إلى تأجيل إصدار حكم بحل اللجنة. وهو ما منحها القدرة على استمرار عملها ومحاولة إنجازه قبل الموعد الجديد للحكم بحلها في شهر سبتمبر المقبل. لكن هذا لم يمنع المجلس العسكري من الاستمرار في ممارسة ضغوطه بأشكال أخرى عبر ممثله في اللجنة التأسيسية، الذي كان دائم الاعتراض على أية محاولة لوضع مواد بالدستور تضع المؤسسة العسكرية في موازاة باقي مؤسسات الدولة، حتى وصل الأمر إلى انسحابه من أحد اجتماعاتها لرفض أعضائها ضم القضاء العسكري إلى مؤسسة القضاء العادية. حيث رأى الأعضاء أن القضاء العسكري هو قضاء خاص بالعسكريين دون غيرهم، فضلا عن أن الضوابط الحاكمة له تختلف عن تلك الحاكمة للقضاء العادي. وتأتي التطورات الأخيرة المتمثلة في قرارات الرئيس، لتزيل كافة الضغوط التي كانت تمارس ضد اللجنة، سواء تلك التي كانت تسعى لحلها أو تلك التي تسعى إلى إقرار وضع متميز للجيش في الدستور. ومن المؤكد أن تحرير اللجنة التأسيسية لوضع الدستور من كافة هذه الضغوط سيؤدي إلى خروج دستور ديمقراطي حقيقي يؤسس لدولة دستورية حديثة، تستطيع اللحاق بركب الدول المتقدمة.

324

| 21 أغسطس 2012

مرسي والتحول من الثورية إلى المؤسساتية

جاءت القرارات التاريخية التي اتخذها الرئيس محمد مرسي يوم الأحد الماضي 12 أغسطس، بمثابة الإعلان الرسمي لنجاح الثورة المصرية وتحولها من الفعل الثوري الذي استمر لفترة طويلة تجاوزت العام ونصف العام إلى الفعل المؤسساتي. وهو التطور الذي نادت به جماعة الإخوان المسلمين منذ اللحظات الأولى لسقوط رأس النظام السابق، حينما طالبت بضرورة إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية من أجل خلق المؤسسات السياسية التي تعبر عن الثورة وتسعى إلى تحقيق أهدافها. ورغم نجاح الخطوة الأولى التي اتخذتها الجماعة بمساعدة باقي فصائل التيار الإسلامي عبر الدعوة إلى التصويت بنعم على التعديلات الدستورية التي أقرت هذا التوجه، إلا أن الصراع السياسي الذي حدث بعد ذلك بين الإسلاميين والتيار العلماني بشقيه الليبرالي والماركسي، واستغلال المؤسسة العسكرية لهذا الصراع في توجيه دفة الأمور إلى وجهة أخرى تطيل بها الفترة الانتقالية وتمنع انتقال السلطة إلى هذه المؤسسات المنتخبة، أدى إلى ضياع الكثير من الوقت والجهد من قبل القوى الثورية من أجل إعادة الحياة إلى المسار الصحيح مرة أخرى. ورغم أن النتيجة التي ترتبت على ذلك كانت وقوع الكثير من الأحداث وسقوط مزيد من الشهداء، إلا أن قوى التيار العلماني استمرت في محاولتها عرقلة المسار الذي دعا إليه التيار الإسلامي، بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك من خلال التحالف مع المؤسسة العسكرية وذلك لمواجهة الإسلاميين خاصة الإخوان ومنعهم من السيطرة على الحكم، حتى لو أدى ذلك إلى فشل الثورة وعودة النظام الديكتاتوري مرة أخرى. هنا كان لا بد لجماعة الإخوان أن تأخذ قرارا استراتيجيا تسعى من خلاله إلى قلب الطاولة على الجميع من أجل الاستمرار في المسار الذي دعت إليه. فقامت بترشيح أحد قادتها في الانتخابات الرئاسية. ورغم تحالف جميع القوى السياسية فيما عدا بعض القوى الثورية مع المؤسسة العسكرية من أجل إفشاله، إلا أن الثقل الكبير للجماعة في الشارع المصري وخبرتها الطويلة في العملية الانتخابية، فضلا عن وقوف باقي فصائل التيار الإسلامي إلى جانبها في الجولة الثانية للانتخابات أدى إلى نجاح مرشحها. وكان على هذا المرشح الذي أصبح رئيسا للجمهورية أن يتحرك سريعا من أجل تحقيق عملية تحويل الفعل الثوري إلى فعل مؤسساتي. فجاءت أول قراراته بإعادة مجلس الشعب للعمل بعد أن قامت المحكمة الدستورية بالتواطؤ مع المجلس العسكري بحله. ورغم الهجمة الشرسة التي تعرض لها من قبل بعض القضاة الفاسدين والإعلام التابع للنظام السابق، إلا أن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في طريقه، حيث استغل الأحداث الإرهابية التي وقعت في مدينة رفح المصرية في سيناء ليبدأ حملة تطهير شاملة في مؤسسات الدولة، بدأها بالمؤسسة العسكرية وقيادتها التي كانت تتقاسم معه السلطة بموجب إعلان دستوري غير شرعي، فقام بإقالة مدير المخابرات العامة الذي كانت لديه المعلومات الكاملة عن العملية الإرهابية ولم يقم بتقديمها للرئيس بل قام بتقديمها لقيادة الجيش التي تجاهلتها من أجل استخدام تلك الأحداث في الضغط على الرئيس تمهيدا للقيام بانقلاب عسكري ضده. وبعد أيام قلائل وبعد أن تأكد الرئيس أن هناك مخططات فعلية للانقلاب عليه واغتياله، اتخذ تلك القرارات التاريخية التي بموجبها أقال كافة قيادات القوات المسلحة، وقام بتعيين قيادات جديدة، ولاؤها الحقيقي للدولة المصرية ورئيسها المنتخب من الشعب. ويتجه الرئيس الآن إلى مؤسسة القضاء من أجل تطهيرها، وكانت أولى قراراته تعيين أحد قضاة تيار الاستقلال الذي كان ينادي دائما بضرورة تطهير القضاء، وزيرا للعدل. وقد اتخذ هذا الوزير عددا من القرارات من أجل البدء في عملية التطهير كان أولها تعيين أحد قضاة التيار في منصب مدير إدارة التفتيش القضائي المسؤولة عن محاكمة القضاة الفاسدين، ثم اتخذ قرارا آخر بتحويل هذه الإدارة إلى مجلس القضاء الأعلى بدلا من وزارة العدل، والتي كانت تعتبر الأداة الأساسية في يد السلطة التنفيذية للسيطرة على مؤسسة القضاء. وبعد أن يتم تطهير مؤسسة القضاء من الفاسدين، سيكون الرئيس وجماعته قد قطعا شوطا كبيرا في عملية تطهير مؤسسات الدولة المصرية. وسيتم ذلك بالتوازي مع عملية وضع الدستور الجديد التي تجري الآن. وحينها ستكون أركان النظام السياسي الجديد الذي أرادته الثورة المصرية قد تحقق بالفعل، وستصبح مصر دولة ديمقراطية حديثة.  

266

| 17 أغسطس 2012

أحداث سيناء وأصوات العبيد

هل هي مصادفة أن تكون الأصوات التي نادت من قبل بضبط النفس وعدم الاندفاع أمام كل جريمة كانت ترتكبها إسرائيل ضد جنود وضباط القوات المسلحة المصرية على الحدود المشتركة بين البلدين أثناء حكم نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.. أن تكون هذه الأصوات هي نفسها التي ترتفع الآن من أجل المواجهة، ولكن ليس ضد إسرائيل بل ضد الشعب الفلسطيني المجاهد المصابر في قطاع غزة، بعد الجريمة الأخيرة التي ارتكبتها جماعات متطرفة مدفوعة من جانب إسرائيل لتحقيق أهداف متعددة؟ هذه الأصوات التي لم تكن تجرؤ على الخروج عن الخط العام الذي كان يرسمه النظام السابق في مواجهة إسرائيل والذي كان يقوم على التنازل عن حقوق المصريين أيا كان حجم الجرم في حقهم.. تأتي اليوم لتطرح نفسها في صيغة وطنية، وتزايد على المواقف الرسمية لرئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسي.. ليس لأنهم بالفعل وطنيون، لكن لأنهم يريدون إحراج الرئيس وإظهاره بمظهر أقل وطنية منهم. هذه الأصوات لم تحترم دماء الشهداء وأدخلتها في آتون الصراع السياسي الدائر في البلاد بين الرئيس الشرعي الذي جاء بأصوات المصريين، ومجموعة من الشخصيات والقوى السياسية الرافضة لهذه الشرعية، والتي تسعى إلى الانقضاض عليها من أجل استمرار حالة عدم الاستقرار التي يمر بها الوطن، على اعتبار أن وجودهم واستمرارهم السياسي سوف يزيد بزيادة هذه الحالة، وينقص بنقصانها. لذلك لم تتورع هذه الأصوات عن استخدام الجنازة العسكرية والشعبية التي أقامتها القوات المسلحة من أجل توجيه السباب والشتائم للرئيس ولجماعة الإخوان المسلمين التي ينحدر منها. بل واستخدام العنف ضد بعض رموز وقوى الثورة المصرية التي حضرت الجنازة، في دليل واضح على المخطط الواضح التي تريد هذه القوى إدخال مصر فيه. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى توجيه تهديدات صريحة ومباشرة للرئيس مرسي عبر وسائل الإعلام، حينما أعلن الإعلامي توفيق عكاشة، وهو أحد تلك الشخصيات في برنامج تلفزيوني يقدمه، عن إهداره لدم الرئيس وأنه لن يسكت حتى تندلع الحرائق السياسية والطائفية في كل ربوع مصر حتى يتنحى هذا الرئيس الذي لا يعترف بشرعيته. وكانت هذه القوى قد أعلنت عن قيامها بتنظيم مظاهرات حاشدة يومي 24 و25 أغسطس الجاري من أجل إسقاط الرئيس وحل جماعة الإخوان المسلمين. وأكدت أن هذه المظاهرات لن تتوانى عن استخدام كل ما تملكه بما في ذلك العنف من أجل تحقيق هدفها. وقد ظهرت بوادر هذا العنف في قيامها بحرق بعض مقرات حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك في إطلاق النار على أحد حراس المقر الرئيسي للجماعة. كل هذا يحدث، بل ويتم الإعلان عنه دون أن تستطيع السلطات تقديم هؤلاء المخربين للعدالة للقصاص منهم حماية للمجتمع من المخططات التي ينفذونها لجهات داخلية وخارجية، تسعى إلى استمرار حالة عدم الاستقرار واستخدامها من أجل إسقاط الرئيس الجديد الذي يمثل التيار الإسلامي. والحقيقة أن هذه الشخصيات التي ما كانت تجرؤ في الماضي على مجرد الحديث فضلا عن رفع صوتها، أصبحت تستخدم العنف وبشكل علني من أجل تحقيق أهدافها في ظل وجود من يحميها من قصاص العدالة. ذلك أن تلك القوى هي مجرد أدوات تستخدمها المؤسسة العسكرية وقوى خارجية وتضفي عليها الحماية من أجل منع الإسلاميين خاصة جماعة الإخوان من الاستمرار في حكم البلاد، خوفا على مصالحهم التي باتت مهددة بوجود هذا الحكم. ويكفي أن نعلم أن الإعلامي توفيق عكاشة يحصل على حماية مباشرة من المجلس العسكري، حتى أن النائب العام المصري لم يستطع التحقيق في أي من البلاغات التي تم تقديمها ضده بسبب هذه الحماية. من هنا فإن مواجهة هذه القوى التي تريد ليس فقط القضاء على حكم الإخوان بل على الثورة المصرية التي جاءت بهذا الحكم، يكون من خلال مواجهة القوة التي تحميهم.. فقطع الرأس كفيل بموت الذيل.

317

| 10 أغسطس 2012

حكومة مرسي الأولى .. وسياسة تبريد الصراع

منذ اليوم الأول لدخول الرئيس المصري الجديد الدكتور محمد مرسي القصر الجمهوري، بدأ في تطبيق إستراتيجية ذات شقين: أولهما ترضية جميع الأطراف، فيما يتمثل الشق الآخر في تبريد الصراع مع المجلس العسكري. وذلك لمواجهة الجبهات المتعددة التي فتحت ضده نيران العداء منذ لحظة إعلان فوزه بمنصب رئيس الجمهورية، والتي بدأت بالتشكيك في استمرار انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، وصولا إلى التشكيك في ولائه للدولة المصرية. حيث راح كثير من السياسيين والإعلاميين يتحدثون عن ارتباط مرسي بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، والذي تتعدى أهدافه حدود الدولة المصرية إلى تخوم العالم الإسلامي كله. ولم يتوقف الأمر عند حدود التشكيك في الولاء، وإنما تعداه إلى وضع العراقيل أمام الرئيس لإفشاله، خاصة ما يتعلق بتعهداته بتطبيق برنامج المائة يوم لحل مشاكل الأمن والمرور والخبز والوقود والقمامة. ولعب الجهاز الإداري للدولة بمساندة من أجهزة الإعلام والكثير من السياسيين دورا كبيرا في مواجهة كل خطوة يخطوها الرئيس في هذا الإطار. فحينما أعلن عن مبادرة "وطن نظيف" لإزالة القمامة من الشوارع، تكاسل الجهاز الإداري للدولة المنوط به تنفيذ الحملة بالتعاون من المواطنين والقوى السياسية الداعمة للرئيس. كما قامت وسائل الإعلام بشن حملة إعلامية شرسة ضد المبادرة، مؤكدة أنها مجرد دعاية إعلامية الغرض منها تلميع صورة الرئيس. في ظل هذه الأجواء، سعى الرئيس إلى تفادي الصدام مع القوى المعارضة له، فضلا عن القوى التي أيدته في الجولة الثانية من الانتخابات، والتي بدأت في الحديث عن ضرورة تشكيل الحكومة ومؤسسة الرئاسة بحيث تضم عناصرها إضافة إلى عناصر من القوى السياسية الوطنية الأخرى. لذا كان قرار الرئيس بتأخير تشكيل الحكومة من أجل التوافق على شكل الحكومة الجديدة، إضافة إلى الالتفاف على محاولات الجهاز الإداري للدولة بقيادة حكومة الجنزوري لصنع أزمات حياتية تزيد المشاكل التي سوف تواجهها الحكومة الجديدة بغرض إفشالها وإسقاط الرئيس معها. وحينما جاء أوان تشكيل الحكومة بعد مرور شهر كامل، وقع اختيار الرئيس على رئيس وزراء بعيد تماما عن الشخصيات التي طرحتها كافة القوى السياسية، ثم اختيار وزراء يمثلون كافة ألوان الطيف السياسي، مع إبعاد جماعة الإخوان التي ينتمي إليها من المشاركة فيها سوى بثلاثة وزراء فقط، لتجنب حرق قياداتها في هذه الحكومة التي ستكون مؤقتة، حيث سيتم تغييرها مع بداية العام الجديد بعد إقرار الدستور وإجراء انتخابات مجلس الشعب، حيث سيكون تشكيل الحكومة بالتوافق بين الرئيس والبرلمان. وبالتوازي مع ذلك، عمل الرئيس على تبريد الصراع مع المجلس العسكري عبر الامتناع عن اتخاذ قرارات تؤدي إلى استعادة صلاحياته التي منحها المجلس العسكري لنفسه عبر إصداره الإعلان الدستوري المكمل قبل ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية، لمنع الرئيس الجديد من السيطرة على مفاصل الدولة، وحتى يمكن إفشاله وبالتالي إسقاطه عبر وضع العراقيل أمامه. وحتى القرار الوحيد الذي حاول الرئيس من خلاله استعادة بعض من صلاحياته، والمتعلق بإعادة مجلس الشعب المنحل للعمل مرة أخرى، قوبل برد فعل شديد من المجلس العسكري عبر أدواته القضائية والإعلامية. فقد قامت المحكمة الدستورية العليا بإبطال قرار رئيس الجمهورية رغم أنه عمل من أعمال السيادة لا ولاية للقضاء عليه، وفي الوقت نفسه قام الإعلام بشن حملة شرسة ضد الرئيس بحجة أنه لا يحترم أحكام القضاء. هنا كان على الرئيس ومن وراءه جماعة الإخوان، تبريد الصراع من أجل تحقيق نجاح إستراتيجي يتمثل في تمرير عمل اللجنة التأسيسية للدستور التي من المتوقع أن تنتهي منه في شهر أغسطس الجاري وعرضه للاستفتاء في شهر سبتمبر المقبل. وحينها سيستعيد الرئيس صلاحياته وفقا للدستور الجديد كما سينتهي دور المجلس العسكري. عندها يمكن أن يشكل الرئيس حكومة جديدة وفقا لموازين القوة التي ستصنعها الانتخابات البرلمانية والتي لن تختلف كثيرا عن تلك التي كانت موجودة في البرلمان المنحل من حيث وجود أغلبية عددية لجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس. وهو ما يعني تشكيل حكومة تكون أغلبيتها من الجماعة دون أن تكون هناك اعتراضات كبيرة من القوى السياسية ومن المجلس العسكري الذي سيكون حينها قد فقد كل أدواته السياسية والقانونية في مواجهة الرئيس.

392

| 03 أغسطس 2012

هل يجب التوقف عن الاحتفال بثورة يوليو؟

ثار لغط شديد مع حلول ذكرى ثورة 23 يوليو التي قام بها ضباط من الجيش المصري في عام 1952، حول ضرورة استمرار الاحتفال بهذه الذكرى أو التوقف عن ذلك، خاصة بعد ثورة 25 يناير التي قامت أصلا ضد النظام الذي أتت به ثورة يوليو. كما هو معروف، فقد جاءت ثورة يوليو من أجل مواجهة الاستعمار البريطاني لمصر، وكذلك لمواجهة الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي كان يجتاح المجتمع المصري آنذاك، رغم وجود حياة ديمقراطية مقيدة. وتبنت الثورة ستة مبادئ أساسية تتمثل في: القضاء على الاستعمار والإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم، وبناء حياة ديمقراطية سليمة وإقامة عدالة اجتماعية وبناء جيش وطني قوي. واستطاعت أن تحقق الكثير من الإنجازات في بعض من هذه المجالات. فقد نجحت في توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، لكن بثمن باهظ تمثل في السماح بضياع ثلثي مساحة مصر من خلال الموافقة على انفصال السودان. وفي المجال السياسي، استطاعت أن تسقط النظام القائم وتقضي على الإقطاع وسيطرة رأس المال. أما في المجال الاقتصادي والاجتماعي فقد قامت بعملية إعادة توزيع للثروة من خلال توزيع الأراضي الزراعية بين الأغنياء والفقراء. كما قامت بتنفيذ العديد من المشروعات القومية التي كان لها الأثر الكبير في تغيير شكل الحياة في مصر، مثل مشروع السد العالي الذي كان له الفضل في تحديث مصر من خلال استخدامه في توليد الكهرباء النظيفة والرخيصة التي تم استخدامها في تشغيل المصانع التي تم إنشاؤها وأيضا في إنارة المدن والقرى. لكن في مقابل هذه النجاحات التي حققتها فشلت في تحقيق الهدف الأهم الذي لو تحقق لتحولت مصر إلى دولة من دول العالم الأول، وهو المتعلق بإقامة حياة ديمقراطية سليمة. إذ إن قادة ثورة يوليو عملوا ضد هذا الهدف منذ اللحظة الأولى التي تسلموا فيها الحكم. فقد قام جمال عبد الناصر بإقالة الرئيس الأول لمصر بعد الثورة، محمد نجيب، لأنه كان يطالب بتحقيق هذا الهدف. كما قام بحل جميع الأحزاب وإلغاء الدستور والبرلمان. وحرص طوال فترة حكمه على القضاء على أي بادرة نحو وجود معارضة حقيقية لحكمه. فانتشرت المعتقلات وقام بإعدام كل من حاول انتقاده حتى لو كان من منطلق الحرص على النظام الذي يمثله. وبعد تولي أنور السادات السلطة، لم يتغير الأمر كثيرا، رغم قيامه بإطلاق سجناء التيار الإسلامي خاصة من جماعة الإخوان المسلمين، حيث كان الهدف هو مواجهة الشيوعيين والاشتراكيين والناصريين الذين كانوا يسيطرون على الحياة السياسية.. فقد استمرت مواجهة النظام لكل من يعارضه. وبرغم الإعلان عن قيام الأحزاب في أواخر حكمه، إلا أن ذلك لم يكن سوى محاولة لتجميل شكل النظام أمام الولايات المتحدة التي تحول النظام ناحيتها للتحالف معها بعد أن كان متحالفا مع الاتحاد السوفييتي إبان حكم عبدالناصر. ومع تولي مبارك الحكم، زاد الاستبداد والفساد حتى أصبح هو المسيطر على كافة المجالات، فكانت النتيجة وصول الدولة والمجتمع المصري إلى درجة من الانحطاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والأخلاقي، لم تصل إليها من قبل. حينها انفجرت ثورة 25 يناير التي قام بها الشعب للقضاء على ذلك الانحطاط الذي وصل إليه نظام ثورة يوليو، ولتصحيح طريقها الذي قامت من أجله وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة باعتبارها الأساس لأي نهضة اجتماعية واقتصادية وسياسية. فبدونها لن تكون هناك نهضة في أي من هذه المجالات. وما حدث مع ثورة يوليو خير دليل. حينما حاولت أن تقيم هذه النهضة في ظل استبداد سياسي، فكانت النتيجة انهيار كامل في كل شيء. يقول الرئيس الراحل محمد نجيب في مذكراته بعد أن تم العفو عنه: "رأيت بعد خروجي من الحبس، أنات ضحايا الثورة الذين خرجوا من السجون والمعتقلات.. ضحايا القهر والتلفيق والتعذيب. وحتى الذين لم يدخلوا السجون ولم يجربوا المعتقلات، ولم يذوقوا التعذيب والهوان كانوا يشعرون بالخوف، ويتحسبون الخطى والكلمات. وعرفت ساعتها كم كانت جريمة الثورة في حق الإنسان المصري بشعة. وعرفت ساعتها أي مستنقع ألقينا فيه الشعب المصري. لقد فقد حريته.. وكرامته.. وأرضه.. وتضاعفت متاعبه.. المجاري طفحت.. المياه شحت.. الأزمات اشتعلت.. الأخلاق انعدمت.. والإنسان ضاع". لكن يبقى السؤال: هل يستمر الشعب المصري في الاحتفال بثورة يوليو أم يتوقف؟ رغم كل الخطايا التي ارتكبها قادة ثورة يوليو في حق الشعب المصري، خاصة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أنها تبقى جزءا من التاريخ المصري الذي لا يمكن محوه، والذي يمثل صورا للنجاح كما أنه يمثل صورا للإخفاق، شأنه شأن كل أحداث التاريخ الكبرى. وأعتقد أنه يجب الاستمرار في الاحتفال بها كثورة فشلت في تحقيق النهضة الحقيقية عبر بناء ديمقراطية سليمة، ليكون ذلك عبرة وتذكيرا لقادة النظام الجديد الذي أتت به ثورة يناير حتى لا يقعوا في نفس الخطأ الذي وقع فيه قادة ثورة يوليو.

584

| 27 يوليو 2012

حرب الدستور في مصر

الحرب الأساسية الآن في مصر تدور حول الدستور الجديد الذي استطاعت اللجنة التأسيسية المنوطة بكتابته إنجاز أكثر من 60% منه حتى الآن، ومن المتوقع أن يتم الانتهاء منه تماما قبل نهاية شهر رمضان ثم الدعوة للاستفتاء عليه خلال خمسة عشر يوما. ولأن اللجنة التأسيسية استطاع أعضاؤها تحقيق التوافق فيما بينهم حول كل المواد المختلف عليها، خاصة المادة الثانية المتعلقة بهوية الدولة وكذلك المواد المتعلقة بالحقوق والحريات، إضافة إلى اتفاقهم على رفض إعطاء المؤسسة العسكرية أية ميزات تجعلها فوق مؤسسات الدولة، فقد سعى المجلس العسكري من خلال بعض المحامين إلى تقديم طعون لدى القضاء الإداري من أجل حل اللجنة كما حدث في المرة السابقة. وإذا ما استطاع تحقيق ذلك، فإنه وفقا للإعلان الدستوري المكمل الذي يعطيه حق تشكيل اللجنة الجديدة، سيقوم بتعيين أعضاء مقربين منه يضعون دستورا يحقق له أكثر مما يريد. حيث سيتم وضع مواد، بالإضافة إلى المواد الخاصة بالمؤسسة العسكرية، تطالب رئيس الجمهورية بالاستقالة بعد إقرار الدستور، من أجل إجراء انتخابات جديدة سيتم السيطرة عليها هذه المرة لتأتي بإحدى الشخصيات العسكرية أو القريبة من العسكر لإعادة إنتاج النظام السابق مرة أخرى. وفي ظل تواطؤ بعض القضاء مع المجلس العسكري من أجل التحايل على تسليم السلطة إلى المدنيين، كما جاء على لسان تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا التي أكدت في حوار لها مع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية على أنها وكثير من القضاة ومنهم بالطبع قضاة المحكمة الدستورية، تحالفوا مع المجلس العسكري من أجل هذا الغرض عبر استخدام الأحكام القضائية كما ظهر في حكم حل مجلس الشعب الذي أصدرته المحكمة وكذلك حكمها بوقف قرار رئيس الجمهورية بإعادة المجلس حتى يتم إجراء انتخابات برلمانية جديدة.. في ظل هذا التواطؤ كان من المتوقع أن تصدر محكمة القضاء الإداري حكما بحل اللجنة التأسيسية يوم الثلاثاء 17 يوليو الجاري، خاصة في ظل ما قامت به المحكمة من تقديم ميعاد النظر في القضية من شهر سبتمبر القادم إلى شهر يوليو. لكن رئيس الجمهورية وأعضاء اللجنة التأسيسية استبقوا الحكم وقاموا بخطوات من شأنها تحصين اللجنة ضد أية أحكام من قبل محكمة القضاء الإداري. فقد قام رئيس الجمهورية بالتصديق على القانون الذي أصدره مجلس الشعب قبل حله والذي يحدد فيه معايير اختيار أعضاء اللجنة التأسيسية. وبهذا لا يستطيع القضاء الإداري نظر الطعون المقدمة ضد اللجنة لأنه مختص بالرقابة على القرارات الإدارية وليس على القوانين التي يصدرها البرلمان، إذ إن ذلك من اختصاص المحكمة الدستورية العليا التي ستأخذ وقتا أطول في النظر في أية طعون تقدم أمامها الآن بسبب الإجراءات المطلوبة لرفع دعاوى أمامها. كما قام أعضاء اللجنة الذين يحملون عضوية مجلس الشورى بالاستقالة منها وذلك من أجل إغلاق الطريق أمام القضاء الإداري إذا ما أصر على نظر الطعون رغم تصديق رئيس الجمهورية على القانون آنف الذكر، وذلك بسبب تواطؤ هذا القضاء كما أشرنا. حيث إن الحكم الذي صدر بحل هذه اللجنة في المرة الأولى استند إلى وجود أعضاء من مجلسي الشعب والشورى فيها، وهو ما يخالف ما طالبت به المادة 60 من الإعلان الدستوري التي حددت قواعد وإجراءات اختيار هذه اللجنة. من المؤكد أن هذا الجهد الذي يبذله أعضاء اللجنة التأسيسية لإنهاء الدستور في وقت قياسي، ومحاولات رئيس الجمهورية وبالطبع التيار الإسلامي من خلفه، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، يهدف إلى قطع الطريق على المجلس العسكري الذي يمثل رأس حربة النظام القديم، في محاولاته لاستعادة السلطة مرة أخرى من الجماعة التي استطاعت اقتناصها منه بلعبة سياسية شديدة الذكاء. ذلك أن الانتهاء من الدستور وإقراره خلال شهر ونصف الشهر من الآن، مع النص على مواد تتيح لرئيس الجمهورية الحالي البقاء في منصبه حتى نهاية مدته القانونية التي سيحددها الدستور وهي خمس سنوات، ثم إجراء انتخابات برلمانية خلال ستين يوما من إقرار الدستور، سيعني القضاء تماما على أية قدرة لدى المجلس العسكري من أجل استعادة السلطة مرة أخرى، خاصة في ظل الأنباء المتواترة عن اعتزام رئيس الجمهورية استبعاد رئيس المجلس العسكري من التشكيل الوزاري الجديد. حيث من المتوقع أن يسند وزارة الدفاع إلى قائد الحرس الجمهوري، الذي سيبدأ عمله باستبعاد الجزء الأكبر من أعضاء المجلس وتحويلهم إلى المعاش.

328

| 20 يوليو 2012

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

6210

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

3807

| 09 مارس 2026

alsharq
حين جار الجار

في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...

2520

| 04 مارس 2026

alsharq
لسان «مكسّر».. هل نربي «أجانب» بملامح خليجية؟

المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...

1074

| 04 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1035

| 11 مارس 2026

alsharq
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران

-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...

1011

| 07 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

930

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

792

| 09 مارس 2026

alsharq
العقول قبل الألقاب

في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...

654

| 05 مارس 2026

alsharq
رسالة إلى الوزير الصالح

رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...

642

| 05 مارس 2026

alsharq
نفحات ينتظرها الجميع

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...

603

| 04 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

549

| 08 مارس 2026

أخبار محلية