رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتابعت التطورات على الساحة السياسية المصرية بسرعة شديدة خلال اليومين الماضيين، حتى ظن البعض أن هناك انقلابا جديدا في الخريطة السياسية الخاصة بالانتخابات الرئاسية بعد إعلان ترشح اللواء عمر سليمان نائب الرئيس المخلوع. وجاءت ردود الأفعال السياسية والشعبية الغاضبة متسقة مع هذه المفاجأة التي كان كثيرون لا يتوقعونها، حيث رأت قوى سياسية مختلفة التوجهات أن دخول سليمان سباق الرئاسة هو إهانة كبيرة للثورة المصرية، لأنه لا يعقل أن يقوم الشعب بالإطاحة به وبرئيسه، ثم يأتي ليعلن عودته إلى السلطة بواسطة هذا الشعب في أول انتخابات تجرى بعد الثورة. لكن القراءة المتعمقة لهذا المشهد سوف تقودنا إلى أن هناك أهدافا خفية أراد المجلس العسكري، الذي دفع بعمر سليمان إلى سباق الانتخابات، أن يحققها من وراء ذلك. يتمثل الهدف الأول في تحويل الأضواء بعيدا عن المرشح الحقيقي للعسكر وهو عمرو موسى، وتوجيه غضب الشعب ضد سليمان الذي يعلم الجميع وعلى رأسهم العسكر، أنه المرشح الخاسر. وبالفعل فقد تحقق هذا الهدف بنجاح. فإذا ما تتبعنا ما نشرته وسائل الإعلام المصرية خلال اليومين الماضين سوف نجد أن التركيز الأساسي انصب على قرار ترشيح سليمان وردود الفعل عليه ما بين مؤيد من فلول النظام السابق وما بين معارض من قوى الثورة المختلفة. فيما اختفى الحديث تماما عن عمرو موسى والمعركة الكلامية التي كانت تجري بينه وبين مرشحين آخرين والتي ظهرت خلالها بعض الأسرار المتعلقة بموسى من قبيل أن له أخا يحمل الجنسية الفرنسية وربما يكون يهوديا كما ردد البعض. كما سعى المجلس العسكري من خلال هذه الورقة إلى سحب الأضواء بعيدا عن خيرت الشاطر مرشح الإخوان، حيث أدت الحملة الإعلامية ضده بعد إعلان ترشحه إلى نتائج عكسية. فقد زاد تعاطف الناس معه كثيرا، خاصة وأن كافة وسائل الإعلام المؤيدة للعسكر أو تلك التي يسيطر عليها التيار العلماني اتبعت خطا هجوميا ضد الشاطر يقوم على أساس أن الإخوان ليس من حقهم الدفع بمرشح لهم دون الاهتمام بمناقشة برنامج الشاطر أو الإمكانيات التي يملكها والتي شهد بها أعداءه قبل أصدقاءه، من قبل. أما الهدف الثاني والأكثر أهمية فيتمثل في تهيئة الأجواء لتزوير الانتخابات في حال استطاع التيار الإسلامي أن يتوحد خلف مرشح وحيد يتوقع أن يكون مرشح الإخوان، وهو ما يعني عدم قدرة موسى على مواجهته. هنا سيقوم العسكر بالتدخل من أجل تمرير وصول موسى إلى مرحلة الإعادة مع مرشح الإسلاميين ثم إعلان فوزه. وحينها لن يستطيع التيار الإسلامي إثبات تزوير الانتخابات لأن المجلس العسكري سيتحجج بأنه لو أراد تزويرها لقام بذلك لصالح عمر سليمان مرشحه الرسمي. هذا السيناريو دفع التيار الإسلامي إلى السعي لكشف مخطط العسكر عبر التركيز على مرشحه الحقيقي وهو عمرو موسى، من خلال إدارة الصراع السياسي والإعلامي على أساس أن المواجهة هي بين الإسلاميين والفلول المتمثلين في عمر سليمان وعمرو موسى وأحمد شفيق. فضلا عن العمل على توعية الشعب بضرورة التصدي لعملية تزوير الانتخابات التي سوف يلجأ إليها العسكر، من أجل ممارسة ضغوط شعبية وسياسية متزايدة تدفع المجلس إلى التفكير كثيرا قبل اللجوء إلى هذا السيناريو. ويسعى الإسلاميون إلى الاستفادة من اتساع نطاق الغضب ضد ترشح سليمان وتوجيهه نحو المجلس العسكري، مستعينة بالمناخ السلبي الذي أحاط بلعبة المجلس الخاصة باستبعاد بعض مرشحي التيار الإسلامي مثل الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل. والهدف النهائي هو إجبار العسكر على الدخول في مفاوضات حقيقية لتسليم السلطة يقوم على أساس الموافقة على حصول المؤسسة العسكرية على موقع متميز في الدستور الجديد يحافظ على خصوصيتها كجزء من الأمن القومي لمصر وكذلك استمرار سيطرتها على المؤسسات الاقتصادية التي تملكها، فضلا عن استمرار الامتيازات التي يحصل عليها ضباط الجيش، مقابل عدم قيامهم بتزوير الانتخابات ووصول مرشح الإسلاميين إلى رئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة دون تدخل منهم. وفي حال تم التوصل إلى هذا الاتفاق فسوف تتم عملية تسليم السلطة بشكل سلس دون مشاكل قد تتحول إلى كوارث كبرى تفوق تلك التي حصلت وما زالت تحصل في دول مثل ليبيا وسوريا، إذا ما أصر العسكر على السير حتى النهاية في مخططهم لتزوير الانتخابات لصالح عمرو موسى.
432
| 13 أبريل 2012
تزامنا مع الأحداث التي شهدتها الكاتدرائية في الأيام الماضية، أعلن المرشح الرئاسي الخاسر أحمد شفيق أنه على وشك العودة إلى مصر بعد هروبه منذ أكثر من ثمانية أشهر بعد تولي الرئيس محمد مرسي مقاليد السلطة، مؤكداً أن الأيام القادمة ستشهد أحداثا سوداء شبيهة بتلك التي شهدتها الكاتدرائية، داعيا الرئيس إلى الاستقالة. في الحقيقة لم أستغرب هذا الربط بين عودة أحمد شفيق ووقوع أحداث الكاتدرائية كمقدمة لتلك الأحداث الإجرامية التي بشر بها شفيق، في إطار إستراتيجية نشر العنف التي تتبعها جبهة الإنقاذ في سعيها لإسقاط حكم الرئيس مرسي. ورغم أنه ليس هناك رابط رسمي بين الجبهة وبين كل من أحمد شفيق والكاتدرائية، إلا أن الواقع يكشف لنا ليس فقط عن وجود روابط بينهم، بل عن وجود تحالف يجمع كل هذه الأطراف التي اجتمعت على تحقيق نفس الهدف باستخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة. ولفهم ذلك علينا الرجوع قليلا إلى الوراء، ربما إلى ما قبل ثورة 25 يناير، لندرك العلاقة التي ربطت بين الكنيسة والطائفة المسيحية وبين نظام مبارك، حيث كان بينهما اتفاق غير مكتوب يقوم على تجييش الكنيسة للمسيحيين لتأييد النظام ومشروعاته، خاصة تلك المتعلقة بتوريث الحكم مقابل الحصول على امتيازات طائفية غير مسبوقة، جعلت الكنيسة دولة داخل الدولة، بدءا من ذمة مالية مستقلة لا تخضع لأية رقابة، وليس انتهاء بسيطرة كاملة على المسيحيين الذين أصبح يطلق عليهم "شعب الكنيسة". وحينما وقعت ثورة يناير، شعرت الكنيسة أنها بدأت تخسر كل هذه الامتيازات لأن قيام نظام ديمقراطي يعني سحب البساط من تحت قدميها وإنهاء سيطرتها على المسيحيين وتحولها إلى مجرد مؤسسة من مؤسسات الدولة التي تخضع لرقابتها. فكان الحل من وجهة نظر القائمين عليها هو العمل بكل السبل على وقف مشروع التحول الديمقراطي من خلال التحالف مع فلول النظام. ولذا كانت الكنيسة توجه المسيحيين دائما للتصويت ضد تصويت التيار الإسلامي الذي قاد هذا المشروع. حدث هذا في الاستفتاء على التعديلات الدستورية وفي انتخابات البرلمان الأولى وفي الانتخابات الرئاسية وأخيرا في الاستفتاء على الدستور الجديد. وعند تشكيل جبهة الإنقاذ التي تولت تنفيذ مخطط إسقاط حكم الرئيس مرسي، كانت الكنيسة جزءا أصيلا من الجبهة، حتى وإن لم يتم الإعلان عن ذلك رسميا. فقد تم الاتفاق على أن تبقى الكنيسة في الظل لتقوم بعملية الحشد التي تحتاجها الجبهة التي تعاني من ضعف شعبيتها في الشارع. ومن هنا رأينا كيف أن الجزء الأكبر من الحشود التي كانت تحاصر قصر الاتحادية خلال أزمة إقرار الدستور، كانت تنتمي إلى الطائفة المسيحية. وكذلك الأمر خلال مظاهرات الاحتفال بالذكرى الثانية للثورة وفي كل الفعاليات التي استخدمتها الجبهة كوسيلة للصدام مع النظام الحاكم، بما فيها أحداث المقطم الأخيرة. وكان تمويل هذا المخطط يأتي من دبي عبر أحمد شفيق الذي أصبح جزءا من فريق عمل يسمى "خلية أزمة" تضم بعض المسؤولين في الإمارات، والتي تعمل على إسقاط حكم الرئيس مرسي والإخوان المسلمين، حيث يعتبرون أن استمرار هذا الحكم ورسوخه سيؤدي إلى توترات كبرى في منطقة الخليج والدول العربية الأخرى. ومن هنا كان شفيق في كل مرة يتم فيها تفجير العنف في الشارع وتوهم جبهة الإنقاذ والكنيسة أنهم على وشك إسقاط حكم مرسي، كان يعلن أنه سوف يعود إلى مصر قريبا، ليقود البلاد مرة أخرى بعد أن يتم إزاحة حكم الإخوان. فعل ذلك خلال أزمة إقرار الدستور وكذلك خلال العنف الذي شهدته البلاد في الذكرى الثانية للثورة. وهذه الأيام يكرر نفس الكلام، مؤكداً عودته القريبة بعد أن تشهد البلاد أحداثا سوداء. وهو ما يعني أن أحداث الكاتدرائية، التي بدأت باعتداء مسيحيين على معهد ديني إسلامي وصولا إلى استخدام بعض الشباب المسيحيين للسلاح الناري من فوق مباني الكاتدرائية باعتراف أحدهم على قناة الجزيرة مباشر مصر ومن خلال النقل المباشر للقنوات التلفزيونية التي أظهرت هؤلاء الأشخاص وهم يستخدمون تلك الأسلحة في الرد على بعض المتظاهرين الذين جاءوا للتظاهر ضد عنف هؤلاء الشباب المسيحيين، كل هذا يعني أن تلك الأحداث مدبرة من قبل جبهة الإنقاذ ورعاتها في من أجل خلق أحداث فتنة جديدة يمكن أن تسهم في إسقاط النظام.
322
| 12 أبريل 2012
كنت أحد المدعوين في حفل الاستقبال الذي أقامه سفير إحدى الدول الإسلامية في مصر والقريب من جماعة الإخوان، يوم الأحد 25 مارس الماضي، والذي شهد حرب البيانات بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحزب الحرية والعدالة (الإخوان). وقد لاحظت رد فعل السفير على هذا التصعيد بين الجانبين، خاصة بعد أن أعلن الحزب عن اعتزامه الدفع بمرشح في الانتخابات الرئاسية القادمة وكان مطروحا بقوة اسم خيرت الشاطر نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما جعل السفير يقول: "إن هذا خطر.. فهو يعني سقوط عمرو موسى". وكانت تعبيرات وجهة تمثل هذا القلق العميق الذي يشي بأن هناك خطاً أحمر تم تجاوزه بهذا الطرح الجديد لجماعة الإخوان وذراعها السياسية. كنت أعرف منذ فترة ليست بالقصيرة بأن عمرو موسى هو مرشح المجلس العسكري في الانتخابات الرئاسية الذي يريد به الاحتفاظ بالسلطة، كما أنه هو مرشح الغرب أيضا الذي توافق عليه الولايات المتحدة وبالطبع إسرائيل. لكن ما لم أكن أعلمه أن هذا الأمر أصبح خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه، إذ ستكون العواقب وخيمة. وقد رأينا مؤشرات تلك العواقب في بيان المجلس العسكري الذي وجه فيه تهديدات مباشرة للإخوان بأن التاريخ قد يعيد نفسه وتقوم المؤسسة العسكرية بالانقلاب على الثورة كما حدث في عام 1954. كما ظهرت أيضا في المعلومات التي بدأت في التدفق حول السيناريو الذي وضعه المجلس لإنجاح عمرو موسى بكل الطرق بما فيها تزوير الانتخابات. ذلك أن المجلس كان قد بنى سيناريو لاستمرار سيطرته على المؤسسة الرئاسية من خلال الدفع بعمرو موسى الذي كان متأكدا من نجاحه من دون تزوير اعتمادا على عدم وجود مرشح للإخوان، فضلا عن تفتت أصوات التيار الإسلامي بين المرشحين الإسلاميين: حاز صلاح أبو إسماعيل وعبد المنعم أبو الفتوح وسليم العوا. هذا في الوقت الذي ستكون فيه أصوات التيار الآخر غير مقسمة بعد انسحاب العديد ممن أعلنوا الترشح لزيادة حجم الأصوات التي سيحصل عليها عمرو موسى، مع العمل فيه على زيادة شعبيته خاصة بين الفئات الشعبية غير المسيسة. وضع المجلس العسكري هذا السيناريو منذ اللحظة الأولى لتوليه السلطة عقب تنحي الرئيس المخلوع، لكن التطورات التالية للانتخابات البرلمانية التي شهدت تنفيذ مخطط يشارك فيه المجلس بالتنسيق مع قوى التيار العلماني وقوى خارجية، لإفشال تجربة حكم الإسلاميين في مصر، من خلال حكومة الجنزوري التي راحت تضع العراقيل أمام عمل البرلمان لإظهاره بمظهر الضعيف غير القادر على فعل شيء من أجل التخفيف عن كاهل المواطنين، فضلا عن العمل على الالتفاف على أهداف الثورة خاصة في مجالي الأمن والاقتصاد.. هذه التطورات دفعت جماعة الإخوان إلى العمل على إسقاط الحكومة والإعلان عن الاستعداد لتشكيل حكومة بقيادتها وبمشاركة بقية الأحزاب الممثلة في البرلمان. لكن المجلس العسكري لم يوافق على ذلك، حتى لا يعطي الإخوان الفرصة للانقضاض على وسيلته الأساسية في تنفيذ مخطط إفشال حكم الإسلاميين، ما دفع الجماعة إلى تغيير موقفها بشأن عدم الدفع بمرشح لها في الانتخابات الرئاسية، فزاد تمسك العسكري بحكومة الجنزوري أكثر حتى يستطيع استخدامها في تنفيذ سيناريو تزوير الانتخابات لصالح عمرو موسى، لأنه يعلم جيدا أن مرشح الإخوان أو من ستؤيده الجماعة من المرشحين الآخرين، ستكون فرصته هي الأكبر في الحصول على المنصب الرئاسي. وحينما قامت الجماعة بفضح المخطط عبر بيانها الذي اتهمت فيه البعض بالسعي لتزوير الانتخابات، جاء بيان المجلس سابق الذكر. لكن الجماعة وعبر حزبها أصرت على إقالة الحكومة، حيث أكد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الحرية والعدالة حسين إبراهيم في مؤتمر صحفي أن كل الخيارات مفتوحة لإسقاط الحكومة، مطالبا المجلس العسكري بالإنصات لصوت البرلمان الممثل للإرادة الشعبية. وبدأ البرلمان بالفعل في إجراءات سحب الثقة من الحكومة من خلال مناقشة إعلان رفض بيان الحكومة. وتأتي هذه التطورات في ظل صراع آخر بين المجلس والجماعة على اللجنة التأسيسية للدستور التي سيطرت عليها بالتنسيق مع حزب النور السلفي، من أجل العمل على وضع نظام سياسي يؤدي في النهاية إلى التخلص من حكم العسكر وهو ما دفع المجلس إلى الإيعاز للقوى العلمانية بالانسحاب من اللجنة حتى تفقد شرعيتها. لكن إصرار الجماعة على المضي قدما في عمل اللجنة دفع المجلس للتراجع بعد اجتماع رئيسه المشير طنطاوي مع الأحزاب والاتفاق على اعتماد وثيقتي الأزهر والتحالف الديمقراطي (التي وضعتها الجماعة قبل الانتخابات التشريعية) كأساس للدستور الجديد.
538
| 01 أبريل 2012
منذ اللحظة الأولى التي نزلت فيها قوات الجيش المصري إلى شوارع القاهرة يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011، الذي شهد سقوط المنظومة الأمنية للنظام السابق، كانت المؤسسة العسكرية تسعى إلى حجز موقع لها في النظام السياسي القادم. وكانت تعلم أن القوة السياسية الأساسية التي سوف يكون لها نصيب الأسد من هذا النظام هي جماعة الإخوان المسلمين. ولذا فقد لجأ المجلس العسكري إلى إتباع استراتيجية المزاحمة مع الجماعة والتي تقوم على منع الجماعة من الاستحواذ على النظام الجديد. واعتمدت المؤسسة العسكرية في تنفيذ استراتيجيتها تلك على أدوات عديدة، كان أبرزها إرباك الجماعة عبر أمرين أساسين، أولهما دفع التيار العلماني إلى الدخول في صراعات متعددة مع الجماعة تحت عناوين مختلفة مثل الطريق الذي يجب سلوكه في الفترة الانتقالية وهل يبدأ بوضع الدستور أم بإجراء الانتخابات، وكذلك ما يتعلق بكيفية اختيار اللجنة التأسيسية لوضع الدستور. وكان الأمر الثاني هو محاولة دفع الشعب المصري بعيدا عن التيار الإسلامي خاصة الإخوان، من خلال العمل على استمرار المشاكل التي يعاني منها مثل الانفلات الأمني والمشاكل الاقتصادية. وحينما فشلت كل هذه الأدوات في تحقيق أهدافها واستطاعت جماعة الإخوان والتيار السلفي الحصول على مكاسب كبيرة، سواء خلال الاستفتاء على التعديلات الدستورية أو خلال الانتخابات التشريعية، لجأ المجلس العسكري إلى أداة جديدة تتمثل في محاولة عقد اتفاق مع الجماعة يقوم على الحصول على نصيبه من السلطة الجديدة عبر الدفع بأحد الأشخاص المقربين من المؤسسة العسكرية إلى منصب رئيس الجمهورية. لكن هذه الأداة لم تحقق نتائج أيضا مع إصرار المجلس على أن تكون شخصية الرئيس القادم إما عسكرية أو محسوبة بشكل واضح على المؤسسة العسكرية، وهو ما يعني استبعاد المرشحين ذوي الخلفيات الإسلامية، ما يجعل الأمر من الصعوبة بمكان على التيار الإسلامي أن يساند شخصا بعيدا عن المبادئ التي يؤمن بها. كما أن الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها المجلس العسكري خلال الفترة التي سبقت وتلت الانتخابات التشريعية، خاصة أعمال القتل التي ارتكبها ضد شباب الثوار ومشاركته في مخطط محاولة إفشال حكم الإسلاميين في مصر، فضلا عن رفضه القاطع تشكيل الإخوان لحكومة تحل محل حكومة الجنزوري التي ثبت فشلها في مواجهة مشاكل الوطن.. كل هذا جعل المجلس يفقد كثيرا من مصادر شرعيته وقوته في مقابل زيادة قوة التيار الإسلامي. وهنا جاء التحول في موقف التيار الإسلامي، خاصة جماعة الإخوان على لسان مرشدها الدكتور محمد بديع الذي أعلن فيه أن الجماعة وضعت شروطا للمرشح لمنصب الرئيس، أبرزها أن يكون ذا خلفية إسلامية وألا يكون شخصية عسكرية. وهو ما يعني غلق الباب أمام تحول الجيش لمؤسسة مسيطرة على مؤسسات الدولة الأخرى، لكن دون أن يعني ذلك استبعاد المؤسسة العسكرية من تفاعلات العمل السياسي. وقد تأكد هذا التوجه الجديد للجماعة مع التصريحات التي أطلقها الدكتور محمد البلتاجى، عضو مجلس الشعب عن حزب الحرية والعدالة (الإخوان)، والتي أكد فيها أن "هناك معايير مهمة لاختيار الرئيس القادم، أهمها ألا يكون محسوبًا على النظام السابق وألا يكون محسوبًا على المؤسسة العسكرية، وأن يكون قادرًا على تحقيق التواصل والتوافق بين مختلف التيارات السياسية في مصر، فضلا عن كونه قادرًا على تحقيق الاستقلال الوطني أمام الخارج وبعض الجهات السيادية في الداخل". هذا الموقف الجديد للإخوان جاء أيضا على خلفية معلومات وصلتها عن سعي المجلس العسكري إلى تزوير الانتخابات الرئاسية خلال مرحلة فرز الأصوات من أجل إنجاح عمرو موسى أو أحمد شفيق في مواجهة أي مرشح إسلامي. وهو ما دفع الجماعة إلى إصدار بيانها الذي كشفت فيه هذه التوجهات وربطتها بتمسك المجلس بحكومة الجنزوري من أجل تنفيذ هذا المخطط. وجاء رد المجلس سريعا في صورة بيان يحمل تهديدا شديد اللهجة ضد الإخوان مذكرا إياهم بأحداث 1954 التي انقلب فيها الجيش على الإخوان وإلقائهم في السجون والمعتقلات. ورغم قوة البيان اللفظية إلا أنه كان دليلا على مدى الضعف الذي ينتاب المجلس العسكري في مواجهة الإخوان. ذلك أن تهديداته تؤكد عدم امتلاكه لأوراق قوة حقيقية يواجه بها الإخوان، فضلا عن أن هذه التهديدات تضع المجلس في مواجهة الشعب بأكمله لأنها تعني الانقلاب على ثورة يناير وهدفها في بناء دولة ديمقراطية كما حدث في عام 1954. وهذا يعني أن المجلس العسكري يخسر ما تبقى له من شعبية وشرعية ولن يجد له سندا إلا في القوى التي تمثل الأقلية الساعية إلى مواجهة الأغلبية بأية طريقة حتى لو كانت دفع المجلس إلى القيام بانقلاب عسكري سيؤدي إلى صدام مباشر مع الشعب ستكون نتيجته انقسام المؤسسة العسكرية.
376
| 30 مارس 2012
منذ اللحظة الأولى لتنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك، بدأت معركة الدستور المصري الجديد، لأن كل القوى السياسية تعلم أن مسألة وضع الدستور هي الخطوة الأهم في تحديد شكل الدولة المصرية الجديد، فعلى أساسها تتحدد كافة الخطوات الأخرى الخاصة بالعلاقات بين سلطات الدولة المختلفة وكذلك قوى المجتمع المتنوعة. كانت البداية مع التعديلات الدستورية التي حددت كيفية اختيار اللجنة التأسيسية المنوط بها وضع الدستور، التي ثار حولها لغط كبير بين أغلبية مؤيدة لما ذهبت إليه بحق أعضاء مجلسي الشعب والشورى المنتخبين في اختيار أعضاء هذه اللجنة، وبين أقلية معارضة لمبدأ تأخير وضع الدستور لما بعد الانتخابات التشريعية التي ستأتي بأعضاء البرلمان الذين سيختارون أعضاء اللجنة. واستمرت المعركة بين الطرفين طوال العام الماضي حتى تم انتخاب البرلمان، حيث بدأت مرحلة جديدة من الصراع حول المبادئ التي على أساسها سيتم اختيار أعضاء اللجنة، وهل تحق لأعضاء البرلمان المشاركة فيها أم أنه من الضروري أن يتم اختيار كافة أعضائها من خارج البرلمان، حتى يتسنى تمثيل كافة قوى المجتمع كما ادعت الأقلية. المستشارة تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، وأحد من يعبرون عن فكر القلية، رأت أن هناك معايير ثابتة في كل دول العالم لتشكيل الهيئات التأسيسية لوضع الدساتير، منها ضرورة استقلال هذه اللجنة بعضويتها تمامًا، بحيث تشترط عدم قبول أعضائها أي مناصب تشريعية أو تنفيذية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، إضافة إلى معيار الكفاءة، أي أن يكون الأعضاء من ذوي الخبرة والقدرة على إدارة حوار وطني منظم، ثم صياغته في إطار دستوري. ويوافقها في ذلك الدكتور ثروت بدوي الفقيه الدستوري الذي أشار إلى أن القاعدة الأصولية التي لا تقبل أي مناقشة، أنه ليس لأي برلمان في بلد ديمقراطي أن يضع دستورًا؛ لأن الدستور هو الذي يخلق وينشئ البرلمان وليس العكس، لافتًا إلى أن الإعلان الدستوري سقط في خطأ جسيم، حينما أعطى مجلسي الشعب والشورى سلطة انتخاب أعضاء اللجنة التأسيسية؛ لأنه أمر يناقض المنطق والقانون والذوق. وهناك أيضا من تحدث عن اللغط الذي يدور حول شرعية البرلمان ذاته في ظل القضية المنظورة الآن أمام المحكمة الدستورية بشأن طريقة الانتخاب التي تمت على أساسها الانتخابات التشريعية وهو ما يشي بإمكانية حل البرلمان في حال صدور حكم بعدم دستورية قانون الانتخابات. الأمر الذي سيؤدي إلى الدخول في دائرة بطلان عمل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور وفقا للقاعدة القانونية التي تقول بأن "ما بني على باطل فهو باطل". لكن كل هذه الانتقادات التي يوجهها أنصار الأقلية تجد من يرد عليها عند الطرف الآخر الذي يرى أن حديث الأقلية ليس منطقيًا وعارٍ تمامًا من الصحة، ويهدف إلى بلبلة الرأي العام، كما يقول صبحي صالح وكيل اللجنة التشريعية بمجلس الشعب، الذي أشار إلى أن النص الدستوري المتعلق بتشكيل اللجنة التأسيسية صريح وواضح وعام ومطلق، ويُسمح لجمعية الناخبين من النواب أن تختار ما تراه مناسبًا، موضحًا أن إطلاق النص مقصود في حد ذاته لعدم تقييد الدستور، وكذلك وضع المعايير بهذا الشكل يكون لمهمة مَن يصلح لها. ويتفق معه الفقيه الدستوري الدكتور عاطف البنا الذي أكد عدم وجود أي شبهة دستورية حال اختيار أعضاء اللجنة كاملة من أعضاء مجلسي الشعب والشورى، كما أنه لا توجد أي شبهة تلاحق أعضاء اللجنة حال الحكم ببطلان عضوية أي من أعضاء البرلمان المنضمين إليها، كما أن الحكم ببطلان المجلس كاملاً وحله لا يؤدي إلى بطلان قرارات المجلس السابقة، مشيراً إلى أن الأحكام في مثل هذه الأمور تبطل المجالس، لكنها لا تبطل قراراتها السابقة، لافتًا إلى أن قاعدة "ما بني على باطل فهو باطل" ليست القاعدة الوحيدة في القانون، وقد حُكم قبل ذلك ببطلان المجلس وكان هو الذي رشح رئيس الجمهورية، ولم يُحكم ببطلان ترشيح الرئيس، فكل ما صدر من أحكام سابقة بهذا الشأن ينص على عدم بطلان القرارات السابقة. ولا يزال الجدل مستمرا بين الطرفين، ويبدو أنه سيستمر لأن الصراع بينهما، والذي بدأ مع إقرار التعديلات الدستورية في مارس من العام الماضي، لن ينتهي بتشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور. ذلك أن الصراع أبعد بكثير من إشكالية اختيار أعضاء اللجنة، فهو يتعلق بالاختيارات الكبرى لشكل الدولة والمجتمع والقيم التي ستحكمهما خلال العقود القادمة.
362
| 17 مارس 2012
تعد التظاهرات المليونية أحد أبرز ملامح الثورة المصرية لتحقيق أهدافها وتوصيل الرسائل السياسية للداخل والخارج، سواء خلال أيام الثورة ذاتها أو بعد نجاح مرحلتها الأولى بتنحي الرئيس المخلوع. حيث شهد ميدان التحرير والميادين المصرية تظاهرات مليونية شبه أسبوعية طوال العام الماضي، والتي انتهى بعضها بأحداث دامية راح ضحيتها العديد من الشهداء والجرحى. ورغم ذلك استمرت الدعوة إليها من قوى سياسية ترى فيها الوسيلة الأقوى لتحقيق أهدافها. كانت المليونية الأولى يوم جمعة الغضب 28 يناير التي حولت الانتفاضة التي بدأها شباب مصر إلى ثورة حقيقية شارك فيها الشعب المصري بكافة فئاته. ثم توالت التظاهرات المليونية بعد ذلك حيث جاءت المليونية الثانية يوم الثلاثاء الأول من فبراير والتي كانت بمثابة التأكيد على استمرار الشعب في ثورته رغم كل محاولات النظام السابق للتأكيد على أن هذه التظاهرات تقودها فئة محدودة غير مؤثرة من أجل القضاء على الزخم المتصاعد لها. ثم توالت التظاهرات المليونية لتكون بمعدل ثلاث مرات كل أسبوع حتى يوم 11 فبراير الذي شهد أكبر تظاهرة في مصر شارك فيها حوالي 20 مليون مواطن وهو ما دفع المؤسسة العسكرية للضغط على الرئيس المخلوع لإعلان تنحيه. بعد ذلك بدأت المليونيات الأسبوعية من أجل الضغط على المجلس العسكري لتحقيق باقي أهداف الثورة المتمثلة في تطهير البلاد من فلول النظام ومحاكمة رموزه وهو ما تحقق بعضه من خلال تحويل الرئيس المخلوع ورجاله إلى المحاكمة. كما تم تسريع محاكمات قتلة الثوار وكذلك المتهمون في الفساد المالي والإداري حيث صدرت ضدهم أحكام متتالية. بعد ذلك تحولت التظاهرات المليونية من وسيلة لتحقيق أهداف الثورة إلى وسيلة لتحقيق أهداف قوى سياسية بعينها، كانت ترى أن الأحداث تجاوزتها ولم يعد لها دور مهم في العملية السياسية التي بدأت بالاستفتاء على التعديلات الدستورية، حيث وجدت أن التيار الإسلامي أصبح هو المسيطر على تلك العملية وكذلك على الميدان نفسه في حال إذا دعت الضرورة إلى النزول إليه لرفض قرارات المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو لتسجيل موقف تجاه قضية ما، كما حدث في التظاهرة المليونية التي جرت يوم 18 نوفمبر 2011 لإعلان رفض المبادئ فوق الدستورية التي أعلن عنها نائب رئيس الوزراء وقتها الدكتور علي السلمي. وفي بعض الأحيان كانت تنتهي تظاهرات مليونية تدعو لها القوى التي تسمي نفسها بالتيار المدني بمشاهد دموية يسقط فيها قتلى وجرحى كما هو الحال في أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء. كانت تلك القوى تدعو الشعب المصري إلى المشاركة بقوة في تلك التظاهرات بحجة الضغط لتحقيق أهداف الثورة وأهمها إسقاط بقايا النظام وتسريع المحاكمات وتحقيق العدالة الاجتماعية وكرامة الوطن والمواطن. لكن رغم ذلك لم نشهدها تدعو إلى تلك التظاهرات حينما أهينت كرامة الوطن في قضية مؤسسات المجتمع المدني التي تم توجيه الاتهام فيها لـ 19 أمريكيا إضافة إلى عدد من المصريين، سواء في بداية الإعلان عن القضية لتأييد تحويلهم إلى محاكمة عاجلة أو حينما تم التدخل في شؤون القضاء وإلغاء قرار سفرهم بشكل مهين لكرامة الدولة المصرية. بل وجدنا أكثر من ذلك، أن هذه القوى أعلنت عن ارتياحها لسفر الأمريكيين لأن ذلك يؤكد أن القضية منذ البداية غير حقيقية وهو ما يعني أن الاتهامات التي تم توجيهها لهؤلاء الأمريكيين وكذلك للمصريين الذي ينتمون لهذه القوى، غير حقيقية. لقد أظهرت تلك القضية أن الجزء الأكبر من هذه القوى التي تستقوي بالمال والنفوذ الأجنبي لا تهمها كرامة الوطن أو المواطن كما لا يهمها بناء دولة قوية تقوم على مقومات الحداثة والديمقراطية لأن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى توقف الدعم الذي تتلقاه من الخارج.
324
| 10 مارس 2012
منذ نجاح التيار الإسلامي في تحقيق أغلبية كبيرة في الانتخابات التشريعية والسيطرة على 75% من مقاعد مجلس الشعب، ومحاولات إفشال تجربة حكم الإسلاميين، التي لا تزال في بدايتها، تجري على قدم وساق. ورغم أن هذه المحاولات كانت سابقة على نتيجة الانتخابات التشريعية، إذ إنها بدأت مع نجاح المرحلة الأولى للثورة مع تنحي الرئيس المخلوع والدخول في المرحلة الانتقالية التي بدأت بمعركة الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي جاءت لصالح الإسلاميين بنفس النسبة التي حصلوا عليها في الانتخابات البرلمانية تقريبا.. رغم ذلك إلا أن هذه المحاولات اشتدت وتوسعت بشكل كبير بعد هذه الانتخابات، حيث سعت كل القوى المعارضة لوصول التيار الإسلامي لحكم مصر إلى التخطيط وفي بعض الأحيان التنسيق من أجل إفشال هذه التجربة. كانت البداية مع توجيه الاتهامات للتيار الإسلامي بأنه لم يكن ضمن القوى التي فجرت الثورة وأنه التحق بها بعدما تأكد من نجاحها حيث سعى للسيطرة عليها وإبعاد القوى الحقيقية التي فجرتها.. ووصل الأمر إلى اتهام الإخوان المسلمين بأنهم خانوا الثورة وباعوا دماء الشهداء لأنهم كانوا يرفضون المشاركة في بعض التظاهرات التي تطالب المجلس العسكري بالتنحي كما حدث مع الرئيس المخلوع بعد الأحداث التي وقعت في الشهور الأخيرة من العام الماضي في ميدان التحرير وأمام مجلس الوزراء، وكذلك الأمر بعد أحداث بورسعيد التي راح ضحيتها العشرات من مشجعي النادي الأهلي. وبعد الانتخابات البرلمانية، بدأت مرحلة أخرى من هذه المحاولات عبر السعي لنزع الشرعية عن حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال اتهام الحزب بأنه يشبه الحزب الوطني المنحل، من حيث سعيه للسيطرة على لجان مجلس الشعب ورفضه التوافق مع الأحزاب والقوى السياسية الممثلة في المجلس لحصولها على أنصبة متساوية بحجة أن البلاد في مرحلة استثنائية.. وتواصل الأمر كذلك مع بدء تشكيل اللجنة التأسيسية المختصة بوضع الدستور الجديد للبلاد، حيث تبارى كثيرون في إظهار المخاطر الجمة التي ستقع إذا شارك أعضاء البرلمان في هذه اللجنة التي يجب أن تشمل عضويتها كافة فئات المجتمع باستثناء أعضاء مجلسي الشعب والشورى.. أي أعضاء الإخوان المسلمين والتيار السلفي. لكن محاولات نزع الشرعية لم تقتصر على أعضاء حزب الحرية والعدالة فقط، بل وصلت إلى أعضاء حزب النور ممثل التيار السلفي، وذلك من خلال استغلال قيام أحد أعضاء الحزب (أنور البلكيمى) بعملية تجميل لأنفه ثم ادعائه أن ما حدث له إنما نتيجة عملية سطو تعرض لها من 5 ملثمين على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، سرقوا منه 100 ألف جنيه بعد ضربه بمؤخرات أسلحة آلية ورشاشات وحطموا أنفه.. وتبين كذبه حينما قام مدير أحد مستشفيات التجميل بإبلاغ أجهزة الأمن أن النائب دخل مستشفاه وأجرى عملية تجميل في أنفه قبل ساعات من الوقت الذي قال إنه تعرض فيه للاعتداء، وأحضر 8 شهود ليشهدوا على ذلك. ورغم أن الحزب أعلن اعتذاره وقام بإقالة النائب من عضويته إلا أن وسائل الإعلام استغلت تلك الحادثة من أجل إظهار نائب حزب النور على أنه كاذب ومخادع وأن الحزب الذي يمثل المرجعية المتشددة للفكر الإسلامي يقوم نوابه بعمل المحرمات متمثلة في عمليات التجميل.. والهدف من كل ذلك نزع الشرعية عن الحزب لتكتمل محاولات نزع الشرعية عن التيار الإسلامي بأكمله، وبالتالي سيكون من السهل عندها تنفيذ ما تبقى من مخطط إفشال تجربة الإسلاميين في حكم مصر.
414
| 08 مارس 2012
منذ اندلاع ثورة يناير راحت مواقع النفوذ الأمريكية في مصر تظهر يوما بعد يوم لتكشف عن المستويات العميقة التي وصلت إليها، ليس فقط داخل النخبة السياسية بشقيها الحاكم والمعارض، لكن أيضا داخل فئات واسعة من المجتمع المصري أصبحت مصالحها مرتبطة بهذا النفوذ الذي يكبل حركة الدولة المصرية بشكل لم يسبق له مثيل حتى أثناء الاحتلال العسكري المباشر الذي تعرضت له مصر طوال العصر الحديث. وظهرت مواقع النفوذ تلك والقوى التي تحميها بشكل أكبر خلال قضية مؤسسات المجتمع المدني التي يحاكم فيها 19 أمريكيا بتهمة استخدام منظمات غير مرخص لها للقيام بأعمال تخريب في المجتمع.. بدءاً من ردود الفعل الأمريكية المتساهلة مع محاكمة مواطنين أمريكيين والتي لم تزد على التهديد بقطع المعونة دون تحويل هذه التهديدات إلى أفعال، مرورا بالهجوم الشرس الذي تعرض له الداعية الإسلامي محمد حسان بعد مبادرة "المعونة المصرية" التي اقترحها للرد على التهديدات الأمريكية بقطع المعونة التي تتلقاها مصر سنويا وتقدر بحوالي 1.3 مليار دولار، وكذلك الحملة التي تتعرض لها الدكتورة فايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي التي وقفت وراء تحويل المتهمين الأمريكيين للقضاء.. وصولا إلى القرار المفاجئ بالسماح لهؤلاء الأمريكيين بالسفر إلى خارج البلاد رغم عدم إسقاط التهم عنهم. هذا الهجوم الشرس الذي قامت به الشخصيات والجهات التي تحمي النفوذ الأمريكي في مصر يعني أن واشنطن لن تتخلى عن مواقع نفوذها في مصر بسهولة.. لأنها ببساطة تعني القضاء على النفوذ الأمريكي في كل منطقة الشرق الأوسط.. فمصر دائما هي البداية سواء إذا تعلق الأمر بالممانعة والوقوف أمام النفوذ الأجنبي في المنطقة أو إذا تعلق بالانبطاح أمام هذا النفوذ كما هو الحال خلال الثلاثين عاما الماضية التي كانت بمثابة الفرصة الكبرى التي لم تهدرها الولايات المتحدة حيث استطاعت خلالها بناء هذه المنظومة القوية من الجهات والمؤسسات والشخصيات التي تمثل هذا النفوذ. ويكفي أن نعرف بعضا من مؤشرات هذا النفوذ ومنها القواعد والتسهيلات العسكرية التي تحصل عليها القوات الأمريكية داخل الأراضي والأجواء المصرية. يقول الأستاذ فهمي هويدي، في مقال له عام 2009: إن الدكتور علي الدين هلال، الذي كان أمين الإعلام بالحزب الوطني الحاكم حينها في مؤتمر شباب الجامعات، الذي عقد بالإسكندرية في أغسطس من ذلك العام، تناول بحديثه وجود 3 قواعد عسكرية لطائرات أجنبية على أرض مصر. وهو يقصد بذلك قاعدة رأس بناس التي عرضها الرئيس الراحل أنور السادات على وزير الدفاع الأمريكي هيرالد براون عام 1979، ومنحها لهم الرئيس المخلوع مبارك عام 1983، فأنفقوا عليها وعلى مينائها البحري 750 مليون دولار لاستقبال الطائرات الإستراتيجية بعيدة المدى، وحاملات الطائرات. وأيضا قاعدة قنا الجوية، التي عرضها السادات أيضًا، وأتاحها مبارك في عهده ليقوم سلاح الجو الأمريكي من خلالها بدوريات استطلاع في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي. وعن ذلك يقول القائد العسكري الأمريكي ريتشارد سكند نائب مساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأدنى وشمال آسيا في اجتماع لمجلس الأمن القومي عام 1983: "إن القوة الجوية الأمريكية أكملت بناء قاعدة سرية يتمركز فيها ما يقارب 100 عسكري، وتم تخزين معدات وأجهزة تنصت ومراقبة مهمة جدًا في هذه القاعدة، ذات الأهمية الكبيرة للعمليات الاستخباراتية والعسكرية السرية جدًا، إضافة لكونها تستعمل للسيطرة ومتابعة عمل الأواكس في الشرق الأوسط.. لقد حافظنا على سرية القاعدة بطلب من الرئيس مبارك". ويؤكد ذلك ما نقله فهمي هويدي عن وثيقة لمحاضرة "افى ديختر"، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق في معهد أبحاث الأمن القومي عام 2008، "أن الولايات المتحدة وإسرائيل تنشران نظامًا للرقابة والرصد والإنذار قادر على تحليل الحيثيات، التي يجري جمعها وتقييمها ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن والقدس والقاهرة.. ومن الركائز أيضًا، الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة بالقاهرة، ومرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر وبجوارها.. في الغردقة والسويس ورأس بناس". من هنا يمكن أن نفهم أسباب الحرب الشرسة التي تشنها واشنطن وحلفاؤها على الثورة المصرية لوأدها والقضاء على أي محاولة للمساس بنفوذها الكبير في البلاد. لكن هل تنجح الثورة في الانتصار في هذه الحرب والقضاء على النفوذ الغربي عامة والأمريكي خاصة، وتحويل مصر إلى دولة مستقلة ذات سيادة فعلا وليس قولا؟
667
| 03 مارس 2012
أعلنت جماعة الإخوان المسلمين بعد نجاح ثورة يناير وتنحي المخلوع حسني مبارك أنها لن تتقدم لشغل منصب الرئيس في إطار سياستها العامة القائمة على منطق المشاركة وليس المغالبة مع القوى السياسية الأخرى. وكانت الجماعة بهذا الإعلان تستبق أية محاولة للتخويف من سيطرة التيار الإسلامي على الحياة السياسية في ظل المؤشرات التي كانت تؤكد حينها أنه في حال إجراء أية انتخابات فإن الإسلاميين سيحصلون على الأغلبية فيها مقارنة بالتيار العلماني بشقيه الليبرالي والاشتراكي، الذي لن يحصل سوى على نسبة ضئيلة جدا. كما أن إعلان الجماعة هذا كان رسالة موجهة للمؤسسة العسكرية التي آلت إليها السلطة بعد نجاح الثورة، حتى لا تقف حجر عثرة أمام عملية التحول الديمقراطي كما حدث في تجربة الجزائر في تسعينيات القرن الماضي وهو ما أدى إلى دخول البلاد في حرب أهلية راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء. وجاء الرد سريعا من المجلس العسكري الذي أخذ يتقرب من الجماعة ويستطلع آراءها في كيفية الخروج من المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد بأقل الخسائر الممكنة. ورغم أن هذا التقارب لم يدم طويلا بسبب محاولات المجلس العمل على ترتيب الساحة السياسية بالشكل الذي يسمح له باستمرار دوره في العملية السياسية حتى بعد تسليمه السلطة للمدنيين، إلا إنه عمل على إبقاء خيط رفيع يساعده على استعادة هذا التقارب في اللحظة التي يراها مناسبة لبدء مفاوضات تسليم السلطة إذا ما تحققت النبوءات التي تتحدث عن إمكانية حصول التيار الإسلامي على أغلبية كبيرة في البرلمان الجديد. وهو ما حدث بالفعل بعد الانتخابات التشريعية التي حصل خلالها الإسلاميون على حوالي %75 من مقاعد البرلمان. فبدأ المجلس العسكري في التقارب مرة أخرى مع جماعة الإخوان من أجل الدخول في مفاوضات تسليم السلطة للاتفاق على دوره المستقبلي ونصيبه في هذه السلطة الذي حدده بمنصب رئيس الجمهورية الذي يجب أن يكون عسكريا أو في أقل الأحوال موال للمؤسسة العسكرية. وجاءت تصريحات الجماعة لتعطي إشارات متوافقة مع ما يريده المجلس العسكري باعتبار أن هذا يحقق عدد من الأمور المطلوبة لعبور مرحلة بناء الدولة الديمقراطية. فهو أولا سيحمي مصر من إمكانية حدوث انقلاب عسكري يقضي على الثورة ونتائجها، كما أنه ثانيا سيدفع عن التيار الإسلامي تهمة محاولة السيطرة على الحياة السياسية، فضلا عن الحصول على مساعدة المؤسسة العسكرية في عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يتوافق وبنية الدولة الجديدة، وهو من الأمور المهمة للغاية، إذ أن بقاء هذه الأجهزة بنفس الثقافة الحاكمة لها سيؤدي إلى فشل أية محاولة لبناء الديمقراطية كما أكدت أحداث الشهور التالية للثورة. في هذا الإطار جاءت تصريحات قيادات الجماعة وحزبها الحرية والعدالة عن الرئيس التوافقي وفق عدة شروط أبرزها ألا يكون محسوبا على التيار الإسلامي، وهو ما يعني عدم صلاحية أهم ثلاثة مرشحين للمنصب، وبالتالي الاستعداد لطرح مرشح جديد يكون متوافقا عليه بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية. لكن الأيام الأخيرة شهدت تراجعا في موقف الجماعة تمثل في التصريح الذي أدلى به مرشدها العام الدكتور محمد بديع الذي أكد أن الإخوان سيؤيدون مرشحا ذي جذور إسلامية، مع تواتر الأنباء التي تتحدث عن الدفع بشخصية إسلامية جديدة. ويتزامن هذا التغيير مع تغيير الجماعة لموقفها الرافض لتشكيل حكومة بقيادتها، وذلك من أجل محاولة إنقاذ البلاد من الحالة المتردية التي وصلت إليها. ورغم أن هذا التغير في موقف الجماعة ارتبط بتغير في موقف المؤسسة العسكرية التي ترفض حتى الآن تحديد ميعاد واضح لانتخابات رئيس الجمهورية رغم إعلان فتح باب الترشيح، والذي يمكن قراءته على أنه تعثر في المفاوضات الجارية بين الإخوان والجيش كانت نتيجته عدم الإعلان عن موعد الانتخابات فردت الجماعة بتغيير موقفها.. إلا إنه يدخل في إطار الموقف الجديد للجماعة الساعي إلى حصول الإسلاميين على السلطة التنفيذية من أجل الوقوف أمام المحاولات الجارية لإفشال تجربة الحكم الإسلامي في مصر. حيث يسعى الإخوان إلى وصول أحد الإسلاميين إلى منصب رئيس الجمهورية مع توليها لقيادة الحكومة الجديدة. وبالتالي السيطرة على جناحي السلطة التنفيذية وفقا للدستور الجديد الذي سيأخذ بالنظام السياسي المختلط القائم على إيجاد رئيس قوي وبرلمان قوي وبينهما حكومة مشتركة مسؤولة. ولن يكون أمام المؤسسة العسكرية إلا القبول بالموقف الجديد للإخوان والتيار الإسلامي وتقديم مزيد من التنازلات فيما يتعلق بانتخاب الرئيس الجديد، خاصة أن المجلس العسكري لم يعد لديه الكثير من الأوراق التي يمكن أن يلعب بها في مواجهة الإخوان، في ظل الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها من الشارع.
318
| 26 فبراير 2012
دخلت العلاقات المصرية الأمريكية مرحلة الأزمة الفعلية في الأسابيع الماضية على خلفية قضية التمويل الأمريكي لمؤسسات المجتمع المدني المصرية والأمريكية العاملة في مصر، والتي وجهت لها القاهرة عددا من الاتهامات أقلها السعي إلى إفساد الناحية السياسية ومحاولة إيقاف عملية التحول الديمقراطي التي تشهدها البلاد بعد ثورة يناير، وأكبرها العمل على تقسيم الدولة المصرية إلى أربع دويلات، حسبما كشف قاضي التحقيقات المشرف على عملية التحقيق مع هذه المنظمات، والذي أكد توصل جهات التحقيق إلى أدلة ثبوتية تم العثور عليها خلال تفتيش مقرات هذه المؤسسات. ورغم أن المخططات الأمريكية للتدخل في الشؤون الداخلية المصرية ومحاولة تقسيم الدولة، ليست جديدة حيث لها جذور تاريخية بعيدة، إلا أن وصولها إلى مرحلة متقدمة في التنفيذ دفع السلطات المصرية إلى التدخل بحسم لمواجهتها عن طريق تحويل الأمر للقضاء من أجل فضح أنشطة هذه المؤسسات وبالتالي ممارسة ضغوط أكبر على الإدارة الأمريكية لإيقاف تنفيذ المخطط والحصول على ثمن مناسب منها. وجاء رد الفعل الأمريكي قاسيا في البداية من خلال التهديد بأن تلك القضية سوف تؤثر على العلاقات الراسخة بين البلدين وصولا إلى قطع المعونة التي تقدمها واشنطن للقاهرة منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية لتشجيعها على الاستمرار في عملية السلام مع الدولة الصهيونية. لكن رد الفعل المصري على التهديدات الأمريكية بقطع المعونة جاء مفاجئا لواشنطن التي كانت تظن أن التهديد بهذا الأمر سيدفع القاهرة إلى التراجع تحت ضغط الأزمة الاقتصادية الشديدة التي تمر بها. حيث أعلنت الحكومة المصرية أنها لن تتراجع عن مواجهة التدخلات الأمريكية في شؤون البلاد، وقرنت القول بالفعل من خلال إحالة المتهمين في هذه القضية ومنهم 19 أمريكيا أحدهم نجل وزير النقل الأمريكي إلى القضاء لمحاكمتهم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تصاعدت القضية على المستويات السياسية والشعبية المختلفة. فقد أعلنت كافة القوى السياسية عن رفضها للتهديدات الأمريكية ومطالبتها الحكومة المصرية بالمبادرة بالاستغناء عن المعونة الأمريكية التي تكبل البلاد وتمنعها من القيام بدورها الريادي في المنطقة. كما تم الإعلان شعبيا عن عدة مبادرات للاستغناء بشكل كامل عن هذه المعونة، كان أبرزها المبادرة التي تقدم بها أحد قيادات التيار السلفي الشيخ محمد حسان الذي أعلن عن إمكانية جمع المعونة الأمريكية في ليلة واحدة من خلال التبرعات التي يقدمها الشعب المصري والتي لن تزيد عن سبعين جنيها لكل مصري يمكن دفعها مرة واحدة أو خلال عام كامل. وكان من نتيجة هذا التصعيد المصري السياسي والشعبي، تراجع واشنطن عن تهديدها وإعلان الرئيس الأمريكي في خطاب حالة الاتحاد عن ضرورة الحفاظ على المعونة التي تقدمها بلاده للقاهرة، بل وزيادتها بحجة "المساعدة على عملية التحول الديمقراطي التي تشهدها البلاد". لكن هذا التراجع الأمريكي قوبل بتصميم شعبي مصري على المضي قدما في عملية الاستغناء عن هذه المساعدات، حيث أعلنت فعاليات شعبية ودينية عن الترتيب لاجتماعات مقبلة من أجل وضع تصور دائم لكيفية جمع قيمة هذه المساعدات من التبرعات الشعبية من خلال إنشاء مؤسسة تقوم على هذا الأمر وتكون هي المسؤولة عن عملية إنفاقها في إنعاش الاقتصاد والتخفيف من المشاكل الملحة مثل الفقر والبطالة. يبدو أن المعونة الأمريكية، التي كانت حجر الزاوية في العلاقات المصرية الأمريكية طوال الثلاثين عاما الماضية، قاربت على أن تكون من الماضي، هي أو الآثار التي أنتجتها، في ظل إصرار القوى السياسية والشعبية المصرية على التخلص منها باعتبارها قيدا كبل حركة البلاد طوال هذه السنوات وحان الوقت لقطعه لأنه لم يعد يتناسب مع مرحلة ما بعد الثورة التي تستهدف وضع مصر في مكانها الصحيح داخليا وخارجيا. والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا ما تم قطع تلك المعونة بالفعل سواء من القاهرة أو واشنطن، فما هي النتائج المتوقعة لمستقبل العلاقات.. ليس فقط بين القاهرة وواشنطن بل أيضا بين القاهرة وتل أبيب؟
400
| 17 فبراير 2012
تتواتر التصريحات الصادرة عن قيادة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حول ضرورة إقالة الحكومة الحالية بقيادة الدكتور كمال الجنزوري وتشكيل حكومة جديدة يقودها حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية للجماعة بمشاركة عدد من الأحزاب الأخرى. وكان آخر هذه التصريحات تلك التي صدرت عن نائب مرشد عام الجماعة، المهندس خيرت الشاطر. وقد أثارت تصريحات الشاطر عددا من التساؤلات عن الأسباب التي تدفع الإخوان إلى المطالبة بتشكيل حكومة إنقاذ وطني بقيادتها الآن في حين أنها رفضت الانضمام إلى الحكومات الثلاث التي تشكلت بعد الثورة. ربما يمكن القول إن هناك أسبابا دفعت الجماعة إلى عدم المشاركة في الحكومات السابقة، كان أبرزها الحالة التي سيطرت على المجتمع المصري بعد الثورة، والتي اتسمت بالضبابية وعدم اليقين فيما يخص عملية إدارة المرحلة الانتقالية. وهو ما جعل الجماعة تخشى الدخول في لعبة تجهل أبعادها الكاملة في ظل سيطرة تامة من قبل المؤسسة العسكرية التي آلت إليها السلطة بعد تنحي الرئيس مبارك. فضلا عن دخول القوى السياسية في صراع حول الطريق الأمثل لعبور تلك المرحلة، حيث كان السؤال الكبير: الدستور أولا أم الانتخابات؟ وقد خشيت الجماعة من المشاركة في ظل هذا الصراع الذي سيدفع القوى السياسية المتنافسة إلى عدم التعاون مع أية حكومة يشارك فيها الإخوان، خاصة أن أحجام تلك القوى لم تكن قد تحددت بعد عبر آلية واضحة مثل الانتخابات. يضاف إلى ذلك أن محدودية الصلاحيات التي كانت تتمتع بها تلك الحكومات، فيما عدا حكومة الجنزوري التي أصبحت تتمتع بصلاحيات رئيس الجمهورية، جعل القوى السياسية التي تشارك في هذه الحكومات غير قادرة على تنفيذ أية برامج سياسية تساعدها على إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة أكبر وبقدر أقل من التضحيات. وهو ما جعل الجماعة تخشى على نفسها من دفع أثمان تلك المشاركة إذا لم تستطع تقديم ما ينتظره منها الشعب المصري. ولعل التطورات التي شهدها المجتمع خلال الشهور الماضية دليل على بعد نظر الجماعة، حيث وقعت سلطة الأمر الواقع، الممثلة في المجلس العسكري، في أخطاء كبيرة دفعت ثمنها من ثقة وحب الشعب المصري للمؤسسة العسكرية، فضلا عن الرفض الكبير لحكم هذه المؤسسة، حيث تحول الوضع الذي نشأ بعد الثورة من حب وتقدير لها إلى كراهية ورفض لسياساتها ومطالبتها بالتخلي عن الحكم لسلطة مدنية تستطيع إدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية بشكل أفضل. لكن إذا كانت هذه هي الأسباب التي دفعت الإخوان إلى عدم المشاركة في السابق، فما الذي يدفعهم إلى السعي ليس فقط للمشاركة، ولكن لقيادة الحكومة الجديدة؟ لعل أول هذه الأسباب هو تغير كثير من الظروف التي منعتهم من المشاركة في السابق. وأبرزها تلك المتعلقة بالسيطرة الكاملة للمؤسسة العسكرية على الحكم، خاصة بعد الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها المجلس العسكري وأجبرته تحت ضغط الشارع والقوى السياسية إلى تفويض سلطاته لرئيس الحكومة. ما يعني أن حكومة الإخوان في حال تشكيلها ستكون قابضة على هذه السلطات، وبالتالي ستكون فرصتها أكبر في تحقيق نتائج جيدة على صعيد تنفيذ برنامجها السياسي لتحويل مصر إلى دولة ديمقراطية، فضلا عن إنقاذ البلاد من محاولات فلول النظام السابق لإثارة الفوضى فيها. كما أن الفوز الكبير الذي حققه الإخوان في الانتخابات التشريعية وظهور الحجم الحقيقي لهم مقارنة بالقوى السياسية الأخرى، أعطى شرعية أكبر للجماعة في المطالبة بتشكيل الحكومة دون خشية من رفض باقي القوى السياسية لذلك، حتى وصل الأمر بتلك القوى السياسية ذاتها إلى مطالبة الإخوان بتشكيل الحكومة لإنقاذ البلاد من حالة التردي التي تعيشها. تؤكد القراءة الجيدة لسلوك الإخوان طوال الشهور الماضية، فضلا عن التجربة التاريخية للجماعة منذ نشأتها، أنها تعمل وفق إطار مؤسسي دقيق لا يتوافر لباقي القوى السياسية الأخرى في مصر، ولعل هذا ما دفع البعض إلى القول إن المؤسستين الباقيتين الآن في مصر هما المؤسسة العسكرية ومؤسسة الإخوان. وهذه المؤسسية هي التي وفرت للإخوان القدرة على اختيار التوقيت الصحيح للمطالبة بتشكيل الحكومة الجديدة من أجل البدء في تنفيذ البرنامج الشامل الذي أعدته للانطلاق بمصر إلى مرحلة جديدة من التقدم والازدهار الذي وعدت به الشعب المصري. والسؤال: هل تنجح في تحقيق الهدف كما نجحت في اختيار التوقيت؟
412
| 14 فبراير 2012
منذ اليوم الأول للثورة المصرية دخلت مصر في أتون فوضى أمنية غير مسبوقة، بدأت مع انسحاب قوات الأمن بعد انكسارها أمام الحشود الغاضبة يوم 28 يناير، ثم إخراج المساجين وتفعيل دور البلطجية الذين يعتبرهم النظام السابق جزءا من منظومته الأمنية التي لطالما استخدمها ضد خصومه سواء لتزوير الانتخابات أو لتأديب خصومه. وبعد أن كانت هذه الفوضى الأمنية تأخذ أشكالا بدائية غير منظمة في الأيام الأولى للثورة، تحولت إلى الشكل الممنهج بعد تنحي الرئيس المخلوع وتولي المجلس العسكري قيادة البلاد في الفترة الانتقالية. وقد تفاقمت الأمور بشكل كبير مع دخول بعض الأجهزة الأمنية التي لم يستطع المجلس العسكري السيطرة عليها بشكل كامل إلى المسرح ومحاولة التأثير في تطورات الأمور، خاصة أن هذه الأجهزة لا يزال ولاؤها لقادتها السابقين رغم خروجهم من السلطة. بدأت الأحداث الأمنية تأخذ منحاها الجديد مع انطلاق جيش البلطجية، التابع لوزارة الداخلية المصرية والذي تفرق بعد ذلك بين بعض الأجهزة الأمنية الأخرى فضلا عن قيام بعض قادة هذا الجيش للعمل لحسابهم الشخصي بشكل مباشر، في ترويع المجتمع المصري، في محاولة لوقف تطور الثورة والطريق الذي سلكته نحو تأسيس نظام جديد يكون مقدمة لمجتمع ديمقراطي حقيقي. ولم تضع هذه المخططات أي خطوط حمراء حيث وصلت إلى كافة مفاصل المجتمع الحساسة، خاصة ما يتصل منها بالفتنة بين مكوناته الدينية وكذلك السياسية والاجتماعية من أجل ممارسة مزيد من الضغوط عليه ودفعه للكفر بالثورة والديمقراطية. بعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من مخططات الفوضى الأمنية تقوم على استغلال المظالم التاريخية للشعب المصري من خلال دفعه إلى القيام باحتجاجات فئوية من أجل القضاء على هذه المظالم، لكن دون الأخذ في الاعتبار المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد، خاصة في مجالها الاقتصادي المنهار بفعل السياسات الاقتصادية للنظام السابق، ثم جاءت الثورة وتوقفت عجلة الإنتاج لتزيد الأمر سوءا. بعدها بدأت مرحلة أخرى تقوم على استغلال الانشقاقات التي وقعت بين القوى السياسية على كيفية عبور المرحلة الانتقالية بين من ينادون بوضع الدستور أولا قبل إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وبين من ينادون بإجراء هذه الانتخابات قبل وضع الدستور وفقا للتعديلات الدستورية التي وافق عليها الشعب يوم 19 مارس. وكان في أحيان كثيرة يسقط قتلى وجرحى جراء هذا الصدام السياسي بيد البلطجية، الأمر الذي زاد من اشتعال هذا الخلاف أكثر خاصة بعد أن اعتبر البعض أن المجلس العسكري هو المسؤول عن هذه الأحداث. وقد تزايدت الاتهامات الموجهة للمجلس العسكري مع تزايد الحوادث التي سقط فيها الشهداء، خاصة في الشهور الأخيرة، حيث شاركت الشرطة العسكرية في قتل هؤلاء الشهداء أثناء محاولتها فض الاعتصامات والاحتجاجات التي كانوا يقومون بها للمطالبة بإنهاء حكم العسكر والتسريع بعملية نقل السلطة للمدنيين. ودائما ما كان المجلس العسكري يذكر الثوار والشعب بأنه من حمى الثورة وكان قادرا على وأدها كما حدث في بعض الدول العربية، إلا إنه آثر الانضمام إلى الشعب وحماية ثورته في مواجهة النظام القديم. وهو ما يعني أنه من غير المنطقي أن يقوم الآن بقتل المتظاهرين بعد نجاح الثورة. ويبدو أن المجلس العسكري صادق في جزء من حجته، خاصة ما يتعلق بحمايته للثورة ليس عن طريق امتناعه عن مواجهتها لكن عن طريق اتخاذ جانب الحياد حتى تتضح الصورة، فإن استطاع النظام مواجهتها والقضاء عليها كان سيقف إلى جانبه وإن حدث العكس فكان سيعلن وقوفه إلى جانب الشعب، وهو ما حدث بالفعل. لكن بعد ذلك، حاول المجلس إدارة الفترة الانتقالية بشكل يحقق له الهدف الذي من أجله وقف إلى جانب الثورة وهو ضمان نصيبه في السلطة الجديدة من أجل حماية المكاسب التي حققها طوال الستين عاما الماضية منذ ثورة 1952. وقامت إدارته على أساس ما يمكن تسميته (لعبة الفوضى المنظمة) التي تقوم على استغلال أحداث العنف التي يعرف بعض أبعادها مسبقا قبل وقوعها مع امتلاك القدرة على ضبطها في الوقت المناسب من أجل إيصال رسائل للقوى السياسية وللمجتمع في آن واحد. رسالة القوى السياسية تتعلق بأن ضمان نصيبه في السلطة الجديدة هو السبيل للاستمرار في طريق التحول الديمقراطي بقدر أقل من المشاكل. أما رسالته للمجتمع فتشير إلى أنه الوحيد القادر على ضبط الأمن وهو ما يعني تعزيز موقفه في مواجهة القوى السياسية. وفي إطار هذه اللعبة شهد المجتمع المصري الأحداث الأمنية المختلفة وآخرها أحداث بورسعيد التي قتل فيها أكثر من سبعين شخصا فضلا عن جرح المئات. والذي لن يكون الحادث الأخير طالما أن المجلس العسكري لم يحصل على ما يريد أو بعضا منه.
646
| 07 فبراير 2012
مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
2625
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
2130
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...
1425
| 01 مارس 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
1023
| 26 فبراير 2026
رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...
813
| 27 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
786
| 25 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...
669
| 24 فبراير 2026
استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...
618
| 24 فبراير 2026
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...
570
| 02 مارس 2026
لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...
561
| 26 فبراير 2026
-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...
534
| 01 مارس 2026
اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...
534
| 01 مارس 2026
مساحة إعلانية