رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نبدأ حيثما ختمنا مقالنا السابق حول أهمية توحيد الخطاب والتركيز على التلاحم الذي يجعل من النفوذ المحلي والإقليمي أقوى. ناهيك عن الجانب الاجتماعي والثقافي الذي يعتبر الدافع المحوري والمكمل لتوحيد الخطاب، بل وجعل من الخطاب أداة واضحة من حيث الاستخدام وبناء الذاكرة الجماعية المطلوبة، بداية من صناعة المحتوى والذي يعزز من مبدأ التلاحم، وهذا باختصار موجز لما سيسلط عليه الضوء في هذا المقال. قد تكمن المفارقة في كيفية صناعة المحتوى، ومدى الحاجة للمحتوى ومن خلال أي وسيلة وأي حاضنة للتعزيز بحسب الوسط المطلوب. لا شك أن الأوضاع الجيوسياسية تؤثر بشكل كبير على كافة الأصعدة، ولربما النفسية منها بشكل واضح وعلى مدى بعيد، وقد تصل لمرحلة الركود في معرفة الكيف لإعادة البناء، وهذا الجانب لابد وأن تتداركه المؤسسات من الآن، حيث إن هذه المرحلة على الرغم من صعوبتها على كافة الأصعدة والنفسية منها تحديدا، تسهم في تثبيط العمل بدل من زيادة إنتاجيته، إذ تتطلب هذه المرحلة الاستعداد والتأهب لمرحلة العودة المضمونة، العودة كما اعتدنا عليها، الانفتاح على العالم من حيث التركيز على قوة البنية التحتية، التجمهر والجذب عبر الرسائل التعريفية، الخروج والمعايشة اليومية من دون إنذارات أو إشعارات تأجيل إلى أجل غير مسمى. إذ يأتي الجانب الثقافي في هذه الحال، لينقذ الموقف من خلال البحث عن أسمى الصور والمشاهد الاخراجية التي تنقذ الشخص من الكسل والتبلد ليستمر في الفاعلية، ومن فرضية خاطئة بعدم وجود مشروع واضح المعالم لاستمرار الإنتاجية، وصولا إلى فهم كيفية إعادة تعريف النسق الثقافي وتجديد السردية الوطنية التي تستطيع أن تعود تدريجياً وأن تقاوم هذا الصراع الإقليمي. على الرغم من أن المسألة بشكلها النظري تعتبر ميسورة من حيث الالمام بالمشهد وفهم تنقلات الثقافة على صعيد التغيير الاجتماعي، إلا انها عميقة جدا من حيث التنفيذ، حيث تتطلب الوقت، المركزية، والتغيير الجذري من داخل المؤسسة لاكتشاف من نحن في السابق مقارنة فيمن نحن اليوم، إذ إن التقلبات السياسية على مستوى المنطقة حتى على المستوى المحلي، قدمت طابعا مغايرا لكيف كانت النظرة للعالم الخارجي في السابق، مقارنة بنظرة اليوم وما لها من تأثيرات عميقة بين الضد والـ»مع». إنما يظل الجانب السردي مطلوبا على كافة الأصعدة، حيث بإمكانها مقاومة حدة المراحل والعمل على بناء التفسير أو السردية الملائمة والتي تتزامن مع الوضع الراهن وتعبر عن نفوذ وقوة الدولة السياسية أولاً، واستمداد أساسها المجتمعي المتين والمقاوم للتأثيرات والاضطرابات الخارجية. هذا عمل استراتيجي، يتطلب عدة خطط، والنظر في آلية العودة من أبسط الوسائط كصناعة المحتوى على سبيل المثال، وصولاً إلى أكثر الوسائط والمشاريع تعقيدا، فبناء الوعي الناقد يسهم في الاستثمار الصحيح والتخطيط الواعي. فالتغيير ليس شكلا، ولا هي خطابات مكتوبة، إنما هي قيم راسخة ووعي يبدأ من التغيير المؤسسي، وليس المسايرة لما بات غير صالح للاستخدام اليوم. لذلك، علينا الإقرار أولاً، بأن مرحلة العودة هي مرحلة حتمية، ليست بعيدة، بل متأهبة منذ الأمس، فهي تتطلب العمل والتهيئة للوصول لها بكافة الطرق، بشرط أن تكون السردية حاضرة وسباقة للخطط. الوصف لماهية الانسان والمكان في ظروف متقلبة، يعني أن الأولويات تأتي لبناء الحبكة التي تعتبر جزءا رئيسيا لعملية إعادة التشكيل ومن ثم النظر للمحاور الرئيسية التي من خلالها تتجسد الصور وتبنى عليها عدة أهداف مراد تحقيقها على مر الوقت. وعلى صعيد الظرف الحالي، فهي تتطلب العمل المتفاني، الجهد بلا كلل، والرؤية المطلوبة لعودة أقوى. وكل هذه المحاور لا تتقدم إلا من خلال رسائل رئيسية تؤكد على ماهية قطر في ظل الصمود، وماهية المجتمع المتماسك في ظل التغييرات باستمرارية الولاء، التنمية والبناء.
54
| 31 مارس 2026
بلا مقدمات، فالموقف الجيوسياسي يعتبر الآن محط الاهتمام وبحساسية فائقة باتت بين أطراف تتنافر عند السلم، بل وأصبحت العواقب على التبعات واضحة المعالم أدى إلى مطالب لرسم العلاقات مرة أخرى، إعادة بناء إستراتيجيات بعيدة المدى تعني بشكل جدا صريح وضع الخطوط الحمراء لسيادة الدولة. بالمختصر، ما يحدث هو نداء صارم وصارخ لمجريات جديدة بمقاييس متفاوتة، تدخلات دولية ونداءات لمنع التصعيدات السياسية. وفي هذا المقال ننظر بالمختصر في الركائز كضرورة للتغير الثقافي في المشهد على المستوى الثقافي، الوطني وحتى الخليجي. وفي الحديث عن المقاييس والسيادية، أجد أننا في مرحلة جديدة لا بد أن توضع في الحسبان وبشكل سريع. تأتي المسألة هنا في إعادة النظر في النسق الثقافي وكيفية دراسة ما يحدث الآن لبناء المنظور الجديد، ولا تستغرب من هذه الرؤية والتي يتمرس من خلالها المثقف من الناحية النظرية والتحليلية لما يحدث الآن وكيف من المفترض أن يتم رسم المشهد للمراحل القادمة. إذ يأتي دوره الفكري ليرى الجانب العمومي ومدى الحاجة إلى التغير الثقافي وكيف. تتفاوت السبل في عملية إعادة النظر في بناء الرسالة، كما تأتي الحاجة إلى تحولات في الخطاب. ولا تستهين من قوة تأثير هذه الرسائل التي من المفترض أن تغير من مجريات النظر إلى الأنا وسط من يغير اللعبة الجيوسياسية. وفي ظل هذه الظروف الحساسة والانفعالية، تأتي هذه المراحل وبالذات الأولى منها على أن تكون النداء لعدة عوامل لابد وأن ترى من منظور مختلف وبتصرف مختلف وبنسق ثقافي مغاير عما هو معتاد عليه. إن كانت الأنساق الثقافية على الصعيد المحلي بنيت على أساس تنموي وفكر حضاري، فاليوم يحتم علينا أن نجدد صياغة تلك الأنساق وبناء مفاهيمنا لتعزيز الولاء الوطني أكثر والتأكيد على القيم وبناء المبادئ الجماعية الثابتة برؤى فكرية متجددة. إذ تتغير لغة الخطاب على الصعيد المحلي لتعيد النظر في الآخر، وتبنى المقومات الفكرية بطرق مغايرة أكثر قومية وأكثر نظرة للداخل من حيث بناء القوى المحلية المستدامة. أما على المستوى الإقليمي، يظل التغير الثقافي مطلوباً من خلال بناء سرديتنا الجديدة من حيث أين نحن ومن هم حولنا ومن نحن بالنسبة لهم ومن هم بالنسبة لنا، السردية تعتبر جزءا أساسيا في النسق الثقافي الذي يبني مسارا جديدا وصارما من حيث بناء المقاييس الجديدة، فهو لا يغير الثوابت، ولكن يغير التوجهات والتعامل. أما الركيزة التي تعتبر بالنسبة لي الأهم، توحيد الخطاب. مما لا شك فيه أنه باتت هناك عواقب متفرقة وتبعات اقتصادية شائكة أثرت بشكل مباشر على اقتصاد العالم عموماً مما أدى بشكل واضح إلى إعادة النظر حتى في المشاريع الحالية وإعادة النظر في تفسير الوضع الراهن بحال المشاريع التي أصبحت في محط القوة القاهرة. لذلك، وبناء على التبعات المادية، الثقافية والتفاعلية على المستوى المؤسسي، لابد من توحيد الخطاب وإعادة التوجيه لمسار وخط جديد لوضع أولوية مركزية لتوحيد إعادة بناء المشهد الوطني ووضع الأولويات وبناء المراحل المطلوبة لتجاوز ليس فقط مراحل عصيبة، إنما تغيير النمط الثقافي الفكري لآلية إعادة بناء الصورة من حيث التخطيط، التطلعات، الأولويات والمضي بلغة خطاب مؤسسية واحدة. أما على الصعيد الجغرافي، فالمنطقة الخليجية بلا شك منطقة حساسة من حيث الموقع، واعدة من حيث الفرص ومميزة من حيث البنية والخصوصية. هذه الصفات لا تتكرر في مناطق أخرى بهذا التشابه، ولكن تتميز من حيث درجة التأثير والتأثر بتفاوت مقوماتها الخاصة. لذلك، مثل هذه المواقف الإقليمية والتي تؤثر سلبا على سيادة المنطقة عموماً، يظل توحيد الخطاب السيادي طلبا أساسيا وعاجلا من حيث قدرة التحالف وبناء الشبكة الخليجية المتماسكة، ناهيك عن إعادة بناء النسق الثقافي على المستوى المجتمعي الخليجي وإعادة النظر في استغلال القدرات وبناء اللحمة الخليجية المطلوبة على كافة المستويات، الإستراتيجية، الفكرية والثقافية. كل تلك العناصر في مثل هذه الظروف يجب أن يُنظر لها في الداخل والخارج في آن واحد. السردية الموحدة تظل مطلبا، تتجدد من خلالها الخطط والرؤى للمضي قدماً لفصول جديدة لا تغير المسار الثابت، إنما تمنحه أولويات إستراتيجية بلغة خطاب واحدة.
306
| 24 مارس 2026
حتى أختم بآخر مقال لعام 2025، لم أفكر كثيرا في الموضوع، فلن يكون المقال عن المنجزات عموماً، ولن أتطرق إلى التطلعات. اعتدنا على قلب الصفحات والبدء مع صفحات بيضاء لبدايات متجددة، واعتدنا على الوعود التي تبدأ في ختام السنة. اعتدنا على مثل هذه المقالات التي تعد بالجديد، وتقلب صفحات ماض قديم. ولكن، لهذا المقال بالذات، قررت أن أخصه للنساء، وأن أكون لهن من خلال هذا المقال داء لربما تطيب من خلاله طموحاتهن للسعي دائماَ نحو الأمام. موضوعنا ليس عن التمكين ولا عن المساواة في العمل أو حتى التنظير في القطاع المهني والاجتماعي عموماً. إنما الحديث عن أثر الذهنية السائدة ومدى تأثيرها العميق في دور المرأة وامكانياتها على الصعيد المهني. لا شك بأن دور المرأة أصبح بارزاً على كافة الأصعدة، وعلى الرغم من ذلك ظلت الفجوة موجودة، ليس من الناحية الاقتصادية وإنما من حيث العقلية الذهنية التي تسيطر على توجيه إمكانيات الطرفين، بالأخص المرأة. هناك عدة مفاتيح تعتبر حلولاً لكسر نمطية سائدة لمكانة المرأة في العمل، إذ تختلف المفاهيم في هذه الحال وتتفاوت النمطية بحسب المرأة وباختلاف القبعات التي تلبسها. ولا شك بأن مثل هذه المفاهيم التي سادت اجتماعياً أصبحت عاملاً قد يؤثر سلبا على بناء مفاهيم مغلوطة عن إمكانيات المرأة ولبسها لقبعات مختلفة في نفس الوقت. وهنا تلعب الأبحاث دوراً محوريا في التأكيد على قدرات المرأة الفكرية والتنظيمية في خلق بيئة عمل متكاملة، ناهيك عن تعدديتها في الإمكانيات والمهام، حيث تكون أكثر إلماماً في أنماط العمل، تهتم في التفاصيل وتبني المفاهيم وتقيس المعايير وفقاً لتحقيق أهداف مرجوة. بالتأكيد ما أذكره حتى الآن يظل تعميما وتتراوح الإمكانيات والقدرات، حتى ولو استحضرت الأدلة التي تثبت النسب من حيث التفاوت في التمكين؛ لهذا ما هو مفترض أن يعمل به هو بناء وعي اجتماعي أفضل لمكانة المرأة في العمل، والتعامل معها ليس على أساس من منظور طرفي، إنما كيفما تراه هي أيضا من حيث امكانياتها وقدرتها هي على تحمل كلفة اشراكها في عمل تجد نفسها فيه، لأن باختصار كلفة عدم اشراكها في الحياة الاقتصادية لها تبعاتها السلبية على الصعيد التنموي، وبناء مجتمع قائم على التطور والحداثة والالمام بالمساواة الفكرية والقدرة القيادية. من المواضيع الأخرى والتي لا يتم التطرق لها بصراحة من المنظور الاجتماعي مدى تأثير التفضيلات الشخصية ووضع القيود الاجتماعية لوضع المرأة في زاوية التركيز في محيط عن الآخر. فلا تزال الفجوة موجودة من الناحية الفكرية وكسر المفاهيم النمطية التي تعيق النظر إلى المرأة على انها مكملة وليست فقط قوة ناعمة بالمفاهيم المحدودة. لا يزال الرجل الجزء الآخر من الحل، كما تظل المرأة النصف الثاني المكمل لبناء مجتمع متكامل وتساهم في تنمية اجتماعية متقدمة. هما نصفان لا يقاومون بعضهم البعض من حيث القدرات، ومن حيث المشاركة. تحية للقدرات في ختام 2025، فالمرأة ليست الرقيقة فقط بحسب الفكر النمطي، بل المقاومة، وليست الضعيفة بحسب النظرة الشائعة، بل المتمكنة، وليست المحدودة في المهام، بل المساهمة بامتياز، هي المغيرة لمنطق يكسر الحواجز ويقلل الفجوات. وهي الداعم للرجل، صاحبة الفكرة وخبيرة لأفضل الحلول والعمل بالأسباب. هي المنطق لخطة تحتاج لتمعن واهتمام، وهي القارئة، والمخططة، والاستراتيجية بنظرة، واتزان. من باب التغيير والتأكيد.. فلتكن صفحاتنا هذه المرة التي نقلبها لسنة جديدة صفحات وردية!
342
| 30 ديسمبر 2025
من المبادئ التي أجدها صعبة القياس عندما تكون تشكيلاً وفهماً داخليا، تعني التمعن في الصعيد المحلي من حيث قياس الوعي واللاوعي، بل وحاجة المحلي للتعبير عن نفسه قبل الولوج للخارج والبحث عن الماهية بقياس ما هو متوفر خارج إطاره. المسألة بأسبابها العامة سهلة، وهي صعوبة التعبير وسهولة التقليد. إذ ان السهولة تكمن في البحث عما يعمل بنجاح في الخارج ومحاولة تبنيه مع مراعاة التخلي عما لا يتناسب مع الداخل، والصعوبة تكمن في كيفية تشكيل نمط التعبير بشكل داخلي، عميق وخالص للقصة المراد تقديمها للآخر. الخصوصية في التعبير لا تأتي من الخارج، على قدر ما هي أساسيات محلية تكمن وسط مجتمعي يتنفس التفاصيل التي تجسد النظرة للآخر والتعريف عن نفسه بشكل مغاير. لاحظت الاختلافات التي مرت على العلماء والفلاسفة، ومنهم آخرون ضد محاولة الاستفادة من الغرب، وتختلف الآراء من حيث الانتقاء بحسب ما يتناسب مع الداخل، وهذا بحد ذاته أمر اكتسح المبادئ وتعايش العالم أجمع معه لدرجة أن أصبحنا نتحدث بلغة الحداثة والعصرنة التي أصبحت في متناول الجميع. فالمفاهيم أصبحت موحدة والتكنولوجيا ساهمت في تضييق محيط التعبير والتقيد بأنساق ثقافية متداولة. إلا أن الأمر من حيث مدى الاستفادة الغربية باتت في منطقتها الرمادية من حيث الماهية، التعريف الذي يصنف المجتمع بما يبدع فيه من حيث إمكانيات التعبير والابداع كجزء مهم من القدرة على التعريف بالهوية، والإلمام بأن الاغتراب الفكري لا يساهم في السيادة الفكرية. لهذا وجدت أن مبدأ الاستفادة الغربية لن يكون بالضرورة محط اهتمام إن ما استطعنا أن نقيس أنفسنا، أين نكمن في تاريخنا، تطلعاتنا، مبادئنا وقيمنا، وكيف نستطيع فهم وتشكيل الحداثة هنا في إطارها الثقافي المحلي والمحلي العالمي حتى، وهذا ما أجده أمراً في غاية الأهمية، من حيث اكتشاف المبادئ وابراز صور التقدم والحداثة التي تنبع من تلك المبادئ من الداخل للعالم. خلاصة القول إن مسألة اكتشاف الذات وتحديد إطار الماهية لا يأتي بسبب الاستفادة الغربية، على قدر الولوج للداخل والبحث عن الإطار الذي يعرف عن الحضور الأصلي والبناء الذاتي. لربما ننسى النظر في الداخل والاعتماد على انتقاء ما يليق بنا من الخارج، مع الحفاظ على مبدأ التجديد والتقديم بدلاً من التراجع، والانفتاح بدلاً من التقوقع وأخيرا التفاعل بدلاً من العزلة. يظل التحدي للتجديد خارج الإطار، بينما الحفاظ على المبدأ يكمن في الداخل. هذه عولمة بقياساتها المنفتحة للعالم والعائمة في مفاهيمها الفردية.
297
| 23 ديسمبر 2025
تزامناً مع اليوم الوطني لدولة قطر، لا شك بأن أفضل وأنسب ما يكتب خلال هذه الفترة ما يتعلق بشكل كبير بالهوية الوطنية وأبعادها الثقافية المتجددة والمواكبة. خاصة عندما تكون سمات متفاوتة من خلال كلمات لها صدى عميق، وألحان تدندنها في كل حين، ولربما تعبير يسطر بين الحين والحين، تلخص فيها معان رسمت لك ملامح وطنية وانتماء تميزه عن الآخر الغريب. الشعور بالوطنية يعتبر شعورا استحضاريا لقوة الانتماء والعودة للوراء والتطلع نحو الأمام حيث تتمسك بماضٍ ميزك وتتطلع نحو مستقبل يصقل ماهيتك. ولا يأتي الانتقاء للمواضيع الوطنية عبثاً بالتأكيد، إذ إن تزامنها يأتي مع تلك المشاعر التي تسبق الكتابة والتعبير عن الموضوع، ناهيك عن الأجواء التي تهيئ المهتمين في الحديث أكثر عن مسألة الهوية والتطلعات المرتقبة نحو مستقبل متحضر ومتقدم ونحو بناء أجيال وإن كان لها نظرة محدودة لماضٍ، يكفي اطلاعها نحو المستقبل بنظرة قطري مجدد. ودعنا لا نركز هنا على الأجواء التي تصاحبها الزينة والاحتفالات، ولا ننكر أهمية ومكانة هذه الأجواء الموسمية وسط احتفالات اجتماعية، ولكن قد تكون لنا فرصة قيمة أكثر، في اكتشاف قوة الهوية والاعتزاز الوطني حتى وإن كانت لا تصاحبها تلك الأجواء المزينة والفعاليات الحيوية! فلن تكون للهوية الوطنية قيمة فعلية غير ملموسة، إن لم نفهم أهميتها وإن لم تستوعب الأجيال الجديدة فهم مكانتها وفاءً للوطن، وماذا يعني هذا الوفاء حينما نردده من الأساس، وإخلاص لمبادئ وحماة لثوابت! فكل التحضيرات الاحتفالية على المستوى الاجتماعي لن تفي بالمطلوب في مسألة الاعتزاز، إن كان مفهوم الهوية غير عميق ولا ينعكس على أفعال المواطن في عمله المتقن، تفانيه للوطن وحمايته له أيضاً بالقول والفعل. فالاعتزاز بالوطن يتطلب أبعاداً أساسية تغرس وتدرس وتعزز، فهي الوسيلة الحسية التي نستمد منها كل تلك المشاعر وترسيخ المعاني من منظورنا الشخصي، المحلي، المتجذر والمترابط. فلا بد وأن تكون أبعاد الهوية جزءاً لا يتجزأ من عملية التعزيز تلك. إذ هنا على بعد ثقافي ولو كان غير ملموس ويستدعي استحضار الفن، التعمق والتعبير. إذ إن للبعد الثقافي دوراً اعتبارياً فاعلاً في عملية التلاحم الاجتماعي وتعزيز مفاهيم المواطنة والانتماء. فالكتابة الإبداعية والقدرة الفنية على سبيل المثال كإحدى الوسائل التعبيرية لها دور شعبي وتأثير عميق تجسد الرسائل الإنسانية من خلال إبراز الوطن بما فيه من ملاحم قد تكون المصدر الشعبي والملهم لشريحة كبيرة من المجتمع، إذ تساهم في زيادة الوعي، والعمل المبدع وترسيخ ذاكرة جماعية مستدامة. كما أنها بناء لمشاهد متجددة تجسد نفس هذا الاعتزاز والاعتبار لفهم روابط الهوية عند الأجيال باعتبارات مختلفة. ولا بأس من التنوع في الأبعاد الإبداعية، طالما تصب جميعاً تحت مظلة فهم الاعتزاز، إذ تظل مسألة المشاعر الجزء الباقي من كل تلك الأعمال والكلمات الإبداعية التي تكتب وتحفظ في الأذهان، ومثل هذه المقومات الحسية والتعبيرية لا بد وأن يكون لها دوافع واستمرارية في تجسيد مسألة بناء المشهد الفاعل والمتكرر الذي يرسخ شعور الانتماء ويبني اللحمة الاجتماعية لسنوات. يعتبر كل ما سبق أبعاداً ثقافية، يترتب عليه بناء حسي وروابط اجتماعية تخلد المعاني وترسخ المشاهد لفترات طويلة. هذه هوية الاعتبار، تبنى بمنطق إستراتيجي، وتقاس بنجاح كمي، وتتأثر بقياس حسي. إنها مسألة لا تتطلب جانبا ثقافيا واحدا، إنما هي دائرة تكاملية في الجهود والعمل وبناء المشاهد لاستدامة التأثير.
327
| 16 ديسمبر 2025
من أصعب ما نواجه هذه الأيام الاعتراف بالإشكاليات، حيث ندرك الصعوبات ونتجاهل الحلول لها. ونستيقن الأوضاع غير المرغوبة ولربما نتخاذل عن بناء خطط بديلة لها. نظل نشاهد التغييرات ونظل مكتوفي الأيادي لربما من أجل طرح الحلول أو محاولة تقديم ما يمكن أن يحافظ على المبادئ ضد التيارات. بالمجمل، كل ما سبق يعتبر إشكاليات، تقاس إما بالأبحاث، أو بالاستطلاع، ومن خلال أبسط الحلول حتى، عندما يكون الحل من وجهات نظر مجتمع يضع جهوده في مجلس يتناقش فيه عن تغييرات وأحوال تطرأ على مجتمع. ما سبق ذكره أعتبره قياساً للأبعاد ومدى القدرة على التأثير لطرح التغييرات، كيف يمكن أن نكون جزءا من التغيير عندما تتاح لنا الفرصة ومن المنظور الاجتماعي. وكيف يمكن أن نكون جزءاً فاعلا من نفس التغيير إن كانت حلولنا تتطاير في الهواء كصوت بلا فعل، وكطرح بدون مسار واضح! ولنستغل هذه الفرصة لنركز بشكل واضح عن بعض من الإشكاليات ولو بشكلها البسيط التي نواجهها على الصعيد الاجتماعي والثقافي بشكل مستمر والتي تختص في مسألة ضعف القراءة والكتابة على سبيل المثال، ومسألة اختزال المعاني في حدود التعريف من دون الخروج عن المألوف والانطلاق بالتعريف من منظور متجدد وأوسع. وأود أن أشدد على مسألة محدودية الفهم والمخزون المعرفي للتعاريف في هذه الحال، والذي لطالما كانت سبباً في ثبات من ضمن محيط فكري ضيق. فلنأخذ على سبيل المثال مفهوم الثقافة، أتعجب من أن المفهوم لا يزال عند أفراد فاعلين من المجتمع محدودا من حيث وضع إطار مغلق حول التعريف وصعوبة الخروج منه وكسر الأنماط التقليدية فيه. فكلما كان لدينا مخزون فكري ثابت، وقادر في نفس الوقت أن يتجدد ويواكب طبيعة الزمان والمكان، نستيقن في الأخير بأن المسألة في عملية الفهم ستكون أكثر انسيابية وأكثر تطلعاً لمواكبة المستقبل باحتياج الفئات المستهدفة والمرجوة. عكس الموضوع تماما عندما نتحدث عن الثبات في المبادئ، ولكن يصعب عليه التشعب في الطرح بشكل واسع. هنا ندرك مسألة جدا مهمة، وهي الإدراك. إدراك مسألة التأخير في تطوير مشروع معين مقارنة في مشاريع أخرى، الإدراك بأن هناك نقص مواهب وخلل في استكمال الآخر، والإدراك أيضا بأن الزمن متقدم ومتغير فلا محالة أن يتقبل زمان اليوم جمود الأمس من دون أن يتبنى ما يناسب ظروف اليوم. والإدراك بأن المحاولات تنتج عنها فرص أفضل، وليس الاستمرار في المحاولات التي تنادي للتحسين والتطوير إلى أجل غير محدد معالمه. عندما نتكلم عن المفاهيم المعقدة والتي لا تكون واضحة المعالم من حيث الفهم المباشر، نستدرك أن مسألة الفهم العميق وانعكاسه على غرز مفاهيم متجددة يعتبر تحديا بحد ذاته، ولكنه يساهم في كسر القواعد وتبني قواعد جماهيرية وتفاعلية جديدة ولربما متعطشة لانطلاقات التغيير المرجوة. هي تلك المفاتيح في النهاية التي تحتاج إلى الفهم العميق.. بحسب واقعية المشهد.
318
| 09 ديسمبر 2025
على قدر اهتمامنا فيما نراه، لربما نفتقد الحاسة الأهم التي تعكس ما تراه لواقع تستشعر وترتبط فيه بشدة، فلكل كلمة معنى وأثر، ولكل أثر ذكريات باقية، فلا تظل في الأذهان إلا لأنها استطاعت أن تترك في مخيلتك ما تستطيع رؤيته طالما تتذكر كلمات جسدت سردية خاصة. فهي المشاعر التي تتلاعب في تجسيد الصورة وليس العكس، إنما الصورة تظل ثابتة، طالما أصبحت أكثر رومانسية وارتباطا بحسب ما تعبر عنه من خلال نفس الصورة. تخيل أن لديك هذه الأداة التي تستطيع من خلالها أن تصف وتعبر عن سرديتك، ما تريد أن توصله للآخرين: الماهية والخصوصية والطبيعة والأطباع والانطباع والعادات والتقاليد وحتى الحكايات والخرافات. من المرسل له؟ وهل سيتقبل من أنت، لدرجة أنك أصبحت بالنسبة له محط فضول، حيث أصبح تواقا كي يتعرف أكثر عن مجتمعك، كيف تعيش، ماذا تأكل ومع من تخرج وكيف تمارس يومك خلال الأيام والمناسبات السنوية والوطنية. كل ما سبق يختزل كمعنى في السردية الوطنية، المفهوم الذي لا بداية ولا نهاية له. حيث التعبير قد يكون من الشخص وتفاصيله في لبسه، مأكله، لغته وحتى طريقة عاداته. أو حتى المكان وتفاصيله، بحر وبر وسماء وتفاصيل منسية في المنزل، إلى حين أن تستيقن أمراً مهماً، أن كل ما تم ذكره أصبح جزءا من الماضي، ولكن يظل يستذكر بناء على حاضر يسرد القصة ويجسدها بمختلف الأدوات، حتى تصبح تصوراً سردياً شموليا. تحدينا الأكبر ليس في الإنتاج، إنما في فقدان الأساس المرتكز على الكتابة الإبداعية التي تنعكس على الإنتاج واحتياجاته، بل ونغفل بشكل جداً كبير عن التعبير الصحيح والخالص في هذا المفهوم، لدرجة الخشية حتى من الإجابة على سؤال: كيف تعرف نفسك كمواطن يعيش ويحب هذه الأرض ويتنفس تفاصيلها، قد تشعر بأن هناك إجابات صحيحة، ولكن يظل التيه للإجابة بشكل عميق، محلي وأكثر واقعيا لك عن غيرك. فالسردية الوطنية خاصة من المنظور الاجتماعي من المفترض ألا تظل في رسميتها على قدر التنفيس عنها بشكل أكثر تفصيلاً، من يبحث عن تلك التفاصيل المفقودة وأن يعكسها في جملة من الكلمات، ومن يتمكن في ترجمة تلك الكلمات لتكون مرئية باقية. يمكن هنا جوهر السردية الوطنية في انتاجها من الأساس ومن ثم بناؤها مرئيا بعد قراءة العمق الذي من المفترض أن يكون جوهر الإنتاج.
426
| 18 نوفمبر 2025
نختلف أحياناً كثيرة في مدى الحاجة للمقارنة بين زمنين، حيث نريد أن نسترجع ماضي خلد ما ظل لدينا في الذاكرة، حيث رسخت الصورة وحفظنا مقطوعات وملاحم لا تغيب عن الذاكرة بسهولة. كما نريد أن نواكب زمنا تتسارع فيه المعطيات لدرجة فقدان الشعور بأنها ستكون جزءا من ماضي سيخلد! ونتساءل كثيراً فيما حدث بين الحقبتين، فالأسباب تتعدد في هذه الحال، فعلى ان الموضوع جدا شيق في مدى المقارنات بين الزمنين من حيث الحفاظ على الذاكرة، إلا أنني سأكتفي بالتعقيب على تلك المواضيع البسيطة بتراكماتها العميقة والتي تعكس هذه الفجوة والتطرق في هذه الحال إلى المنظور المجتمعي الخاص، البنيوي الذي يتأسس محلياً بشكله العضوي الذي تلتقي فيه المعاني بتعبير يجسد خصوصية تميز هوية عن غيرها. أولاً، عندما نتكلم عن ماضٍ سابق، نسترجع بشكل فوري أغاني قديمة وملاحم فنية على سبيل المثال، إذ ظلت تسمع بشكل مستمر، فلربما تكون مفضلة وتسمع بشكل متكرر في الإذاعة والتلفاز. فعلى الرغم من قلة الوسائط الإعلامية حينها، إلا ان تلك الشعبيات تظل جزءا بات في كل بيت. وهذا ما كان أساس بناء الجزئية الخالدة، الجزئية التفاعلية المباشرة، حيث المعايشة والتنفيس بحسب ما تتوفر من موارد ومواقع يستطيع من خلالها الفن مع صاحبه التعبير والتنفيس. فليس الأمر بالماهية، ولم يكن الأمر بالتسويق الذي يبرز فنانا على حساب فنان آخر، أو يطمس كلمات على حساب كلمات سطحية صاعدة، إنما المسألة كانت أكثر شعبية من حيث ما يتوفر لدى ذاك الزمن من مقومات اجتماعية تعكس الحاجة أولاً لبناء المحيط بحسب ما هو متوفر، ثم استمرارية التواجد والانخراط والتعايش حول الشيء الذي يجعل من المحتوى عادة ثم ممارسة حتى يصبح فناً. الأمر الشيق في هذا كله، أن المحدودات تصنع الأعمال الفنية، وهذا ما شهدناه في الدوحة القديمة، بوجود نخبة فنية وموسيقية وغنائية كان لها الأثر الكبير في بناء مشهد ثقافي متكامل في حقبة زمنية محدودية.وعلى ان هذه النقلة الفنية كان لها الأثر، إلا أنها تقلصت من دون بناء، أصبحت عولمية تتطلع نحو الخارج بنظرتها العالمية وقصصها البعيدة. وهنا يكمن التساؤل، هل لكثرة الأدوات، وتعددية الوسائط، أم لعدم استكمال ما بدأته نفس الحقبة الفنية. هل تخلد الذكريات بوجود كثرة الوسائط؟ وهذا سؤال تفكري عميق، لربما نجد إجابته بحسب ما نراه اليوم من محتوى سريع، مؤقت بلا محتوى عميق، لربما نلاحظ أن التعددية في كثرة الأعمال لا تساهم في عملية بناء ذاكرة إلا كبناء وقتي، وهذا انعكاس بحد ذاته على ان الذكريات أصبحت متغيرة كالتغير المستمر في المحتوى. يجب أن أقر بأننا ننادي دائماً وندعم التنويع والتجديد لمواكبة زمن يستخدم الحداثة وأساليب التطوير، ولكن في نفس الوقت أجد أن الفراغ لا يزال موجودا بحسب ما تتذكره من السابق وما ظل في ذاكرتك الآن، ما صنعه النخبة بالأمس وكمية التسارع في الأعمال اليوم. هل نجامل كثيراً لدرجة أن أصبح المشهد الثقافي غير قادر على الانتقاء! هل نقدم الفرص لمن لا يستحقها، هل نتغافل عن جودة العمل وبنائها الوقتي ونبحث عن السريع السطحي الشكلي! هل نفضل الأسماء قبل الأعمالَ! هل استطعنا أن نبني جسورا بين الزمنين والنخب لبناء التواصل أم قطعنا الوصل لنستكمل عهدا جديدا بزمن أصبح شيئا فشيئاً فاقد ملاحم فنية سابقة. هل تبنى الخطى باستراتيجية الفكرة بدلا من التمسك واتمام الاستراتيجية ودراسة حاجة تطويرها. أصبحنا اليوم في زمن جداً متسارعا لا يبني ذاكرته إلا على وفرة الوسيط الذي لا يعطي أكثر من دقيقة كملخص لكل شيء، حيث يقاوم محلية المضمون على حساب مواكبة المتطور والمواكب خارج المألوف، ولربما اتسعت القاعدة الشعبوية لتصبح حارسا للوسيط والمسيطر عليه لدرجة أن النخبة أصبحت بمحتواها تبحث عن وسيط يلائم عمق مضمونها! بناء الذاكرة الجماعية تتطلب العمل الذي يبقى، والكلمة التي تخلد. فالأعمال الفنية التي ذكرتها لبناء المشهد الثقافي إنما هي أبسط الأمثلة تعقيدا على الرغم من اتساع فجوتها!.
333
| 04 نوفمبر 2025
من الشيق استرجاع حدث سابق تم تحليل واقعه في لحظتها، أو لربما التعقيب ووضع الفرضيات التي تعكس دراسة الوضع الذي كانت فيه. ففي لحظتها، كل شيء سيكون صحيحا في محله، وتطبيقه دقيق، لتجد أن الانفعال الجماعي على سبيل المثال تراكم في منصة واحدة، أو ترى الدعم لوجهة نظر ضد الأخرى وتشكيل قواعد جماهيرية تسند رأيك وتدعم موقفك. وتلاحظ منصات تطور في خدماتها كي ترفع من صوت المستخدمين، ومنصات أخرى تحدد عدد كلماتها لتحد من عدد المتحدثين. المفارقة واضحة ليس في مستوى الخدمة، بل في وقتية وتأثير الخدمة ومن سيطر على استخدامها لحظياً. لربما يساعدك هذا الأمر في التفكر أكثر عن الحال الذي كانت عليه وسائل التواصل الاجتماعي الى الحال الذي وصلت إليه. فهل أصبح موقف المنصات محدودا في تأثيرها الاصلاحي؟! هل تلاحظ قوة واندفاع وثقة في الردود، ففي فترة ما كان للمنصات صوت عال وقاعدة جماهيرية مؤثرة، ولكن اليوم أصبح هناك مفارقة كبيرة وواضحة بين حقبتين على الرغم من عدم بعد الفترة الزمنية صوتاً مسموعاً ومحركا مندفعا، إلا أن تراكمت التطورات المعاصرة وواكبت جيل يغرب بلا بحث تحليلي، قليل التمعن النظري والقراءة العميقة وإبداء رأيه الشخصي. الميول الموضوعية تغيرت، والتوجهات النقدية قلت، فأصبح هناك جيل معاصر غير مرتبط بالقراءة العميقة، وغير مبالٍ من الأساس بما يدور حوله على قدر خروجه من المنزل في أسرع وقت، والعيش بفردانيته التي لا ترتبط في فهم قضية أو واقع يواكب تطورات تدور حوله. هنا تكمن المفارقة، في الادلاء والتعبير، والمثابرة في الوقوف مع رأي يختلف عن الآخرين، إذا غاب الحضور الذهني هنا، وزاد الوعي في الحضور الشكلي، متوجها نحو اتجاه استهلاكي واحد. أذكر أحد تعقيبات المفكر عبدالله الغذامي حين ذكر عن انقلاب الوضع النخبوي، حيث أصبح الشعبوي نخبويا أكثر من النخبوي نفسه، إذا اتسع نطاق وسائل التواصل الاجتماعي لتصبح قاعدة سمعية بصرية تلعب أدوارا بين التصديق والتكذيب وتؤثر على الوتر حينما تفوق النقد الفكري في ايجاز التأثير، إذ أصبحت السرعة المحور المؤثر في انطلاقات التأثير ثم الانفعال والتحرك، إذ يتغير المشهد الثقافي بأكمله ليكون حصراً على منصة افتراضية بدلاً من واقع فاعل. فهي الوسيلة التي تلعب الدور اليوم باختلاف متغيراتها واختلاف زمانها، ولكن تكمن المسألة فيمن يستخدم تلك الوسيلة وما مدى إلمامه ومواكبته المعرفية، وما هي اهتماماته اليوم ودافعه لاستخدام نفس الوسيلة. فلا تزال الدوافع الاستهلاكية والفردانية القاعدة الأكبر اليوم من ناحية، وبناء العقول وتنويرها لا تزال تبحث عن وسيلتها التي تسهم في عملية التأثير المطلوبة. فالانقلاب النخبوي الشعبوي في هذه الحال يكتسح أغلب المنصات من دون رادع يسهم في تمكين بناء العقول ودفع عطائها النقدي الفعال. فكل ما سبق مسألة وقتية بسرعة عشوائية تدعم ظاهرة نهايتها معروفة بتأثير محدود، إذ ترفع من الشعبوي على وسيلة مؤقتة، وتجعل النخبوي في وضعية التأهب إلى حين العودة له مرة أخرى لدوره الثابت باختلاف الوسائل. فلن يختبئ النخبوي صاحب النقد التراكمي تحت عباءة شعبوي بظاهرته الصوتية لمجرد اكتساحه لوسيلة تواصل نهايتها مسألة وقت وظاهرة تنتهي بانتهاء الحدث.
864
| 28 أكتوبر 2025
أتذكر التعريف الذي يبرز النخبة عن بقية الفئات، بأنها السلعة ذات النوعية الممتازة، وأقف عندها مرات عديدة كي أستيقن ان كان التميز في السلعة أو من هو وراء صناعة هذه السلعة. لربما مسألة النخبة وبحكم أبعادها الثقافية والفكرية والبيروقراطية، قد تكون أكثر عمومية في الوصف في هذه الحال، ولكن إن نظرنا أكثر في سمة التميز فلربما سنجد أن وراء جودة السلع أو الصورة والمشهد الراسخ تكمن الصناعة بشرية، خاصة عندما تتجرد من الاعتياد في بناء الأمور وتخطي الروتين في رسم تصور يتشابه مع صور كثيرة وموجودة. في المقدمة أعلاه وبين الأسطر، لربما نستطيع أن نستيقن سمة الابداع، عندما يستفرد المرء في الشيء، ويصنع منه صورة غير اعتيادية، راسخة في الذاكرة ومحركة لوسائل التعبير. هذا المنظور الذي ترغب أولاً أن تطوره في مرحلة صناعة الابداع، التجرد في الفكرة وبنائها بحسب نظرة فردية تجسد الفن من تعابير خالصة، وترسم التفاصيل بخطوط غير عادية. بل وتصنع الفارق في المبادرات، من خلال صوت جديد يخرج من وسط عمل فني أو مشهد درامي مؤثر او حتى مشروع تكاملي يجسد فكرة شكلت الفارق في مستوى التمثيل، فالمسألة في النهاية لا ترى بالشكل، إنما ينظر لها من خلال تفاصيلها العميقة التي تجسد المعنى المغاير. فكل الصناعات الثقافية باختلاف سبل التعبير عنها واسقاطها فنياً وثقافياً تقف عند مبدأ واحد: التجرد. فكلما أصبحت هناك فكرة ولدت من تراكمات حسية عميقة ومشاعر ترتبط برسائل محددة، سيكون لديك عمل يعبر بصوت ويؤثر على المدى البعيد. الإشكالية في الصناعة الابداعية أنها لا تخرج من باب الاعتياد الثقافي، وليس لها وقفة للحد من التقليد. بل أصبح المجال أكثر استهلاكاُ من ولادته الخاصة في كينونته التي تخرج بهدوء إلى حين استيعابها كفكرة ورسالة حتى تنطلق بقوة. إذ إن المسألة تظل أيضاً وقتية بحكم ظهورها المتجرد والذي يتطلب هضما زمنيا لفكرة لا تحاكي اليوم، بل تعبر إما عن الأمس أو تتقدم معك لتحاكي واقعا لم يحدث للغد بعد. لذلك، فإن الصناعة الإبداعية تظل مسألة زمانكية، يحددها المكان وتعكس الزمان في آن واحد، تخلق الصورة وفي نفس الوقت تجعلك تقرأها من باب أعمق، فتقرأ التفاصيل وترتبط بأبسط المشاهد وتقف عن حقبة الزمان كي ترتبط حتى ولو كنت جيلا لم يتعايش مع نفس الحدث. وحتى على المستوى الحديث، فقراءاتك لمشروع جديد لا يعني تجردك من أطر ثقافية معينة، إنما قدرتك الإبداعية في بناء أبعاد ثقافية جديدة، تواكب أساليب التعبير المعاصرة، وتحاكي أجيالا لها تفضيلات مختلفة مقارنة بالصور والمشاريع التقليدية. فالانطلاقات لمشاريع متجددة، تتطلب عنصرا بشريا يبني تلك السلع ذات النوعية الممتازة والتي تواكب زمانكية المشهد. فلنعد مرة أخرى لتعريف النخبة بأنهم السلعة ذات النوعية الممتازة، لربما قد ندرك وأخيرا أن الصناعة الإبداعية هي ولادة وتجسيد للنخب في هذه الحال باعتبارهم الناتج الذي يعمل على تشكيل السلع، فالهدف صقل الإمكانيات التي تصنع في النهاية التميز الفارق!.
348
| 21 أكتوبر 2025
بناء على كل الظروف وكل الأزمنة وكل التقلبات التي تمر، إلا أننا نجد أنفسنا دائما في محط تساؤل واستفسار في الأين؟ والبحث عن أجوبة يصعب الرد عليها في لحظتها، إنما تظل تعود إما للوراء للنبش في إجابة أو البحث في المستقبل للتنبؤات واسترسال التوقعات قبل حدوثها. هذه دائرة شائكة تقوم على مبدأ بناء الاستفسارات وتراكم الأحداث واختزال الأسباب من عدة أزمنة وكم من الأحداث. نتوجه لعدة استفسارات نحاول أن نطرحها على أنفسنا ونظل نبحث عن اجاباتها دوماً، فمن أنا لنفسي، ومن أنا من بينهم ومن أنا في مجموعة، ومن أنا في عالم كبير. مجرد سؤال واحد يدفعنا للبحث في الذات والتاريخ والحروب والحضارة والصناعة والثقافة والتغييرات الاجتماعية والظروف الحالية التي شكلت الأنا من بعد كل تلك التراكمات السابقة. فلا بد من خلال هذا المنظور ان نتشكل بناء على أنساق ثقافية واردة، ثوابت لا تتغير وتساؤلات تفتح المجال للبحث عن الذات في التاريخ المعاصر والسابق، ولا تغير من مسار الحديث عن الماهية التي تتشكل معك وتتشكل مع غيرك من نفس المجموعة. فهي تلك الخصوصية التي تبقى الذاكرة حية، يقظة من حيث الارتباط بالماضي عندما تكون هناك مشاهد رسخت في الاذهان وسلوكيات لن تتغير مع الزمان، ومتطلعة نحو الحاضر في حين أنها لا تنجرف بعيداً عن التقليد، وتظل متمسكة في مقومات الثبات التي اتفقت عليها نفس المجموعة. فأصبح التشكيل في هذه الحال تشكيلا اجتماعيا متلاحما، يبنى على أساسيات تراكمية تاريخية. وان بان التغيير على تلك الذاكرة، لا يعني في الضرورة التأثير السلبي عليها، إنما أصبح هناك تمثلات حديثة تسمح للانخراط والتأثير. ولا شك ان هناك عدة تيارات خارجية تلعب أدواراً متعددة في مسألة التشكيل، ليست بالضرورة سلبية كلياً ولا إيجابية حرفياً، فالمقومات الغربية سائدة من حيث مستوى التأثير، ولكن تظل المسألة مبنية على أسس مدى الانجذاب وسرعة الاختراق المسببة لما نراه سلوكا وتبعات لمحددات أثرت على التغيير. ما وصفته في الأعلى هو تعريف من زاوية أخرى للهوية، حيث نعبر عن هذا المفهوم على انها تراكمات تاريخية، لا يمكن بناؤها من حقبة زمنية واحدة، أو من حديث تاريخ واحد، إنما هي بناءات للمفهوم، ومعانٍ تجسد السلوك والانفعالات للحفاظ على القيم من وراء هذه الذاكرة المتراكمة. فالهوية ليست مسألة وقتية، إنما هي تشكيل كلي للأنا التي تتعمد أن تضع القيم وكل القيم في المقدمة.
330
| 07 أكتوبر 2025
تعلمنا من الأجداد ألا تستقيم أي علاقة إلا من بعد صبر وبال طويل، وهذا البال لابد أن يكون جوهرا أساسيا لطيلة الانتظار ومواجهة عدة عقبات ولربما العيش تحت ضغط إلى حين الافراج والاستقرار. دائماً نسمعهم يرددون ويناجون، أو يروون قصة سيدنا يونس في بطن الحوت للعبرة واليقين أن كل ضيقة لابد وأن تفرج بأمر من الله. خاصة ونحن نتحدث عن زمان عسير كان يعاني فيه المجتمع من شح كل شيء، وعلى ذلك ظلت تلك العلاقات في مأمن الصبر وانتظار الفرج ولو طال فيهم الدهر. ما ذكرته في الأعلى لا يعتبر مجرد قصة للعبرة، إنما هي قصة بثوابت، وبمبدأ لا يتغير. وهنا تكمن قوة الصمود والمواجهة، تكمن الإمكانيات في تعلم الصبر وعدم الاستعجال في قرارات قد تنقلب في الأخير بشكل كارثي من دون الادراك المسبق، إنما هذه عبرة تشكلت مع ثوابت العادات والتقاليد وما لا تستطيع تغييره في المجتمع، ماهيته التي تميزه عن الآخرين، وخصوصيته التي تتشكل فيها شخوصه ومميزاته التي تستثنى عن البقية. الصمود بحلة البقاء، والهدوء رغم الضجيج. وما يقلق عند هذا الصمود والحفاظ على الثوابت، من لا يراك إلا مستفزا له، خاصة في سلوكياتك الثابتة، راسخ في المبدأ وغير مكترث في التغييرات التي تطرأ حولك والتي لا شأن لها في التأثير على مبادئك، ولكن يظل في وضعية الاستفزاز، وكأنه يشعر أنه لم يستطع أن يحرك مشاعرك نحو الغضب، بل وفشل من كثرة المحاولات، وكأنه يراك خلف حاجز لا تستطيع التأثير عليه، ظنا أنه قادر أن يؤثر عليك بشكل مباشر ومؤلم حتى. ويظل هذا الطرف المستفز مستمرأ في التخطيط الداخلي، محاولا أن يكتشف مكامن ضعفك، ويظل يبحث عن أي مبررات تسمح له بالتضييق عليك على الرغم من كونك ثابتا في مبادئك، وملتزما بمعاييرك. وهذا ما يرعب الطرف المستفز أكثر، بأن النار لا تواجه النار كما يريد، بل ما يراه حاصلا أن النار تواجه بردا حتى لا تهيج. إلى أن يأتي هذا اليوم الذي يرى فيه الطرف المستفز نفسه وحيداً، بينما تستمر تؤثر فيمن هم حولك بنفس تلك المبادئ الثابتة بلا تغيير، منادياً المناصرة والتأييد ضد من حاول أن ينفجر من شدة حقده لفترة باتت طويلة. الوساطة القطرية، هي العبرة الثابتة التي استمرت بلا رادع، والتزمت بأخلاقياتها بلا تأثير. هي المحرك المؤثر الذي بات صداه مسموعا، ودعوته للسلام الشامل مطلبا دوليا. لا شك بأن ما وصل إليه الطرف المستفز ليس إلا اثباتاً على العشوائية وكسر المعايير الدولية، إذ مصطلح السلام لا يندرج لديه في معجم المعاني، إذا باتت مصطلحاته محدودة بحسب ما يفهمه من دمار وقتل وتجويع وتخويف ظنا بأنه يمد ين العون للسلم على حساب طفل يعاني وآخر تنتزع منه الروح ضحية نفس الحاقد الأناني. هنيئاً للثوابت، التي ترى في الوساطة الحل ولو طالت الأزمة والمماطلة في حل النزاعات، وهنيئا للوساطة عندما تظل متزنة وموثوقة. فهي المبادئ.. ثابتة لا تهتز.
345
| 23 سبتمبر 2025
مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...
3129
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل...
2469
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى...
1941
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد،...
1734
| 24 مارس 2026
هناك تجارب لا تُختصر في العناوين، ولا تُفهم...
909
| 25 مارس 2026
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....
729
| 30 مارس 2026
إن التصريحات الأخيرة لمعالي رئيس مجلس الوزراء وزير...
720
| 25 مارس 2026
ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ...
648
| 27 مارس 2026
ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة...
603
| 25 مارس 2026
حين استشعر الصحابي خالد بن الوليد في «معركة...
597
| 25 مارس 2026
أدى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد...
570
| 27 مارس 2026
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساندة،...
546
| 29 مارس 2026
مساحة إعلانية