رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ضج ما يعرف بالمجتمع الدولي خلال الأيام الماضية رافعا صوته عاليا منددا بالانقلاب الذي حدث في دولة النيجر إحدى دول غرب أفريقيا، والمجتمع الدولي في عمومه هو المستعمر السابق لدول أفريقيا الذي ما لبس أن استعمرها مرة أخرى بطرق غير تقليدية. وفرنسا إحدى رموز المجتمع الدولي، استعمرت النيجر حيث كانت تلك البلاد ملكية استعمارية فرنسية لمعظم أراضيها، بالإضافة إلى أجزاء من مالي وبوركينا فاسو وتشاد. وأصبحت تسمى مستعمرة النيجر من 1922 إلى 1960. بعد الاستقلال لم تعرف النيجر الانقلابات إلا عبر التدخل الفرنسي في شأنها الداخلي؛ ويعزى ذلك لامتعاض النيجر من الاستنزاف الفرنسي لثروات البلاد، وحينذاك طالب رئيس النيجر الأسبق حماني ديوري -عقب قرار فرنسا الاعتماد على الطاقة النووية على خلفية أزمة النفط العالمية عام 1973- بزيادة حصة بلاده من عائدات اليورانيوم التي تستخرجها الشركات الفرنسية. وحاول ديوري وهو في طريقه إلى حفل تأبين الرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو، ترتيب لقاء مع رئيس الوزراء الفرنسي لاستئناف التفاوض بخصوص هذا الموضوع، بيد أن فرنسا ردّت على ذلك المسعى بتدبير أول انقلاب عسكري في البلاد في منتصف أبريل 1974، قاده الجنرال سيني كونتشي المقرب من الفرنسيين قبل 72 ساعة فقط من موعد ذلك الاجتماع. ومنذ ذلك التاريخ الذي شهد أول انقلاب عسكري في البلاد، سيطر الفرنسيون على اليورانيوم في النيجر التي هي من بين أكبر منتجي هذا المعدن في العالم الذي يدر لها 96 % من النقد الأجنبي. وسخّرت فرنسا المناجم لصالح المفاعلات النووية، لدرجة أن يورانيوم النيجر كان في وقت من الأوقات مسؤولًا عن إضاءة ثلث الأنوار في فرنسا، فيما ظلت النيجر تعيش في ظلام دامس واقتصاد هشّ جعلها واحدة من أفقر البلدان على وجه الأرض، إذ يعيش أكثر من 60 % من سكانها البالغ عددهم 17 مليون نسمة على أقل من دولار واحد في اليوم. إن أكثر من نصف قرن من التنقيب الفرنسي عن معدن اليورانيوم الذي يُطلق عليه كذلك «الكعكة الصفراء» للونه الأصفر، أصبحت فرنسا بفضله في مصافّ أقوى اقتصادات العالم وأحد أكبر مصدري الطاقة الكهربائية، لكن وفقا لموقع فرنسي فإنّ نشاط التنقيب ترك النيجر غارقةً في 20 مليون طن من النفايات المشعّة دون معالجة. اليوم تعصف بقارة أفريقيا مشاكل عظيمة تقعُد بها عن أي محاولات لاستشراف المستقبل، وتُمسك بأجنحتها مهما حاولت التحليق في آفاق التنمية، واللحاق بركب التقدم. والسبب الاستعمار التقليدي قديما والاستعمار الحديث بأدوات مبتكرة حاليا، وتتنوع مُشكلات القارة لتشمل الصراعات السياسية والعرقية، والنظرة الغربية الاستعلائية، واللجوء، والديون، وتاريخيا الرّق، وعلى الرغم من أن جزءًا من هذه المشاكل يرجع لعوامل طبيعية فرضتها ظروف القارة الجغرافية والمناخية، إلا أن باقي المشاكل تكاد تكون إفرازاً لمشكلة أشمل عانت منها القارة قرونا عدة؛ وهي الاستعمار الذي أذاق أبناءها الويلات والثبور، مخلفا الصراعات السياسية والعرقية الناتجة مباشرة عن التقسيم السياسي. لقد كان التوسّع في أفريقيا، والسيطرة على مناطق التحكم الإستراتيجي، والمعابر المائية القابضة، على طرق التجارة الدولية أحد الأهداف الاستعمارية في أفريقيا، وبرزت في الأفق الإمبراطوريات البريطانية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، وكانت تتصارع بعنف وتتسابق بنشاط لاقتسام مناطق النفوذ، وتوزيع الإرث وخاصة ما كان يُطلق عليه وقتها «أرض بلا صاحب»، وما أكثر تلك الأراضي التي وضعها الاستعمار الأوروبي تحت هذا الشعار خاصة في أفريقيا. وجاء مؤتمر برلين 1884- 1885م ليضع خريطة تقسيم أفريقيا، وليقنن السباق الاستعماري الأوروبي، ويحدّد لكل دولة من الدول حدود مستعمراتها الجديدة. وشمل الظلم الذي وقع على شعوب القارة التخطيط المصطنع لحدود دولها أثناء مرحلة التنافس الاستعماري على القارة مما أدى إلى وجود التعدد العرقي داخل الدولة الواحدة بعد الاستقلال نظراً لأن تخطيط هذه الحدود لم يأخذ في اعتباره الحدود العرقية، ونتيجة لذلك فإن أية محاولة للتوحيد العرقي للمجموعات العرقية المتماثلة عبر الحدود السياسية القائمة أصبح يسبب العديد من الصراعات الداخلية، كما أنه أدى ولا يزال إلى الصراع بين الدول الأفريقية، وإضافة لما تقدم فإن التخطيط الحديث لحدود بعض الدول قد عقّد كثيرا من مهمة تعزيز الوحدة الوطنية والاندماج الوطني. وكان التغيير الجذري الهائل في أفريقيا عقب فرض الاستعمار لقيمه الثقافية ومبادئه السياسية، وقد طال هذا التغيير منظور السلطة وطبيعتها في المؤسسة السياسية الأفريقية، حين حقنها بقيم فضفاضة في جوانبها النظرية خاوية في أبعادها التطبيقية كما أنها لم تكن تتناسب مع البنية الثقافية الأفريقية نظراً لتعقيد آليات تشغيلها. فقد رفض الاستعمار استعلاءً الاعتراف بوجود الممارسات الديمقراطية في الحياة السياسية التقليدية التي ربطها تلقائيا بالتخلف والبدائية، والاستقراطية، والديكتاتورية في الحكم، كما لم يمارس الاستعمار الديمقراطية المُدعاة في تعامله مع المجتمعات الأفريقية، وإن ادعى نشر قيمها والسعي لتوطيدها. لاحقا جاء إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية ومن ثم الاتحاد الأفريقي في محاولة من دول القارة لتطوير أهدافها الوطنية المتمثلة في التنمية الشاملة. ولاحقا كان الهدف تطوير المنظمة إلى اتحاد إقامة ولايات مُتحدة أفريقية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، والسماح بتنقل الجماعات العرقية عبر الحدود والتدخل لفض أي نزاع بمجرد أن يطلب البرلمان الأفريقي الموسع ذلك. غير أنه اتُّفق في النهاية على قيام اتحاد أفريقي على غرار الاتحاد الأوروبي له من الأجهزة والمؤسسات تمكنه من تنفيذ الأهداف الموكلة إليه. لكنه رغم تلك الأطر المؤسسية النظرية، ظل بئرا معطلة وقصرا مشيدا بسبب ارتباط قادة دوله بالقوى الخارجية. فالقادة الأفارقة وكذا موظفو الاتحاد الأفريقي لا يتمتعون بالحد الأدنى للثقة ولا تتعدى أدوار معظمهم دور الوكالة المخلصة للاستعمار الجديد. وفي موضوع السودان - على سبيل المثال - كالوا بمكيالين ولم يدينوا انقلاب مليشيا الدعم السريع وعجزوا عن إدانة جرائمها وفظائعها التي سارت بها الرياح في كل أرجاء العالم.
1137
| 29 يوليو 2023
ربما كانت المنطقة العربية في ظل الاستقطاب العالمي الحاد وتحت ضغط التطورات العالمية المتسارعة وحافة حرب عالمية ثالثة، أحوج ما تكون إلى تمحور إقليمي جديد بدخول ظهير إقليمي قوي تشدد به الأمة أزرها وتشركه في أمرها، فينتج عن ذلك كيان قوي عريض ممتد، يتخطى حدود التكتيكات السياسية العابرة التي لا تقوى على دعم الأهداف الإستراتيجية كذلك كيان لا تكبله الأيديولوجيا المُقعدة. وقد تعم فوائد هذا الكيان هذا العالم الذي يغلي كالمرجل، فيحدث فيه توازنا مفقودا ويسهم في الاستقرار وينقذه من حافة الهاوية. عندما أمر فرعون مصر أن يُذبح المواليد الذكور من أطفال بني إسرائيل سنة ويتركوا سنة، ولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها، وموسى في السنة المقرر فيها الذبح وقد نجاهما الله بقدرته وحكمته، وتربى موسى في قصر فرعون بينما تربى هارون في أسرته. وهارون أخو موسى ورفيقه في دعوة فرعون إلى الإيمان بالله لأنه كان فصيحاً ومتحدثاً، ولا يذكر الكثير عن سيرته، إلا أن المعلوم أن الله أيد به أخاه في دعوته لأنه كان أفصح لساناً. وجعل الله قصتهما قرآنا يتلى: ( قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري). لقد شهد الأسبوع الماضي جولة مهمة للرئيس التركي رجب طيب أردوعان في دول الخليج العربية استأثرت باهتمام إعلامي كبير وشملت 3 دول خليجية هي، المملكة العربية السعودية ودولة قطر والإمارات العربية المتحدة؛ وبدا من طبيعة الوفد المرافق للرئيس التركي أن الجولة تركز على الاستثمار والتجارة بغرض الحصول على المزيد من الاستثمارات الخليجية وتعزيز الصادرات التركية للخليج. وتقول وكالة رويترز عن مسؤولين أتراك إن أنقرة تهدف إلى جذب استثمارات خليجية مباشرة بقيمة 10 مليارات دولار خلال هذه الجولة بما في ذلك استثمارات تتراوح ما بين 25 مليار دولار و30 مليار دولار إجمالا على المدى البعيد. ولعل تركيا بالإضافة إلى ذلك تنظر إلى ما أبعد من الفوائد الاقتصادية، فهي تعلم أن المنطقة العربية مجتمع غني بتأثيرات عديدة، ومختلفة، تقطنها عدة جماعات مختلفة الأعراق، واللغات، والأعراف. ويمثّل الإسلام المعتدل واللغة العربية الظاهرتين، الثقافيتين، السائدتين فيها. والشعوب العربية تعيش على مساحة واسعة، ويستمتعون بروابط تاريخية، وتقليدية موحدة، وبالرغم من أنهم ينتشرون في بضع وعشرين قُطراً مختلفاً، لكنهم جزء من أمةٍ واحدةٍ. وتركيا من جانبها ماضية في سعيها من أجل الاندماج الإقليمي، على شكل تعاون أمني واقتصادي يجعلها واحدة من أهم عشرة اقتصادات في العالم، فكل ذلك يفضي بها لأداء دور مؤثر في حلّ الصراعات الإقليمية. وفي ذات الوقت فإن (الشرق الأوسط الجديد) مشروع أمريكي، يخدم إسرائيل، وليس خافيا أن الولايات المتحدة الأمريكية ترى من الناحية الإستراتيجية في إسرائيل الوريث "الشرعي" لعرش الشرق الأوسط أو العالم العربي. وهذا أمر يصطدم بالضرورة بالأمن الإستراتيجي لكل من الأمتين العربية والتركية على حد سواء. ويشكّل العالم العربي إحدى المرايا العاكسة لعلاقات القوى والمتغيرات الهيكلية في النظام العالمي ككل، بالإضافة إلى أنه يمثل واحدا من أهم المتغيرات فيه والتي لعبت أدوارا في تغييره ودفعه نحو آفاق جديدة. ومما لا شك فيه أن هناك مسؤولية عربية مباشرة وكبيرة في كلّ ما يحدث من تداعيات خطيرة حبلى بالمؤشرات التي تصبّ في عملية إعادة تشكيل هذه المنطقة المهمة بيد أن غالب الدول العربية تقف وقفة الصامت المتفرّج العاجز. وفي سبيل تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد المصمم لخدمة إسرائيل تنتهج واشنطن رؤية تقوم على مواجهة الإسلام الوسطي الغالب بالأقليات المذهبية التي يؤخر ضربها لوقت لاحق. وفي ذات الوقت إبعاد تركيا وإشغالها وتحييدها في أحسن الأحوال، إذ تكمن خطورتها على هذا المشروع الأمريكي في أنها لا تعتمد أيدلوجية مذهبية متطرفة وإنما تبدو دولة إسلامية وسطية ولا تستند إلى تعاليم وفتاوى وفقه يعتمد على روايات تاريخية مبتدعة تقسم المقسم وتثير الفتن المجتمعية. وفي التاريخ القريب أدى الدعم الأمريكي للمليشيات المذهبية في المنطقة إلى ظهور نسخة مطورة من تنظيم القاعدة ممثلة في تنظيم الدولة الإسلامية وهو التنظيم الذي يظهر صورة الإسلام التي يريدها الغرب الأمر الذي يوفر مسوغات ومبررات أخلاقية لضربه. وقد رفضت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لأي شراكة حقيقية مع من يمثلون الإسلام الوسطي لطرد تنظيم الدولة. في المقابل سعت تركيا في الملف السوري - على سبيل المثال - للتعاون مع قوى الثورة المعتدلة للإطاحة بتنظيم الدولة الإسلامية وترويض النظام في دمشق في ذات الوقت. وقد احتضنت أنقرة السوريين الفارين من رصاص وبراميل وصواريخ نظام سوريا، ووفقا لأرقام الأمم المتحدة، هناك 1.8 مليون لاجئ سوري، بل منحت أنقرة المواطن السوري حق البقاء والدخول إلى تركيا حتى بدون وثائق رسمية أو منتهية الصلاحية. أما رؤيتها المتعلقة بالعراق فإنها تقوم على إعادة التوزان بين مكونات الدولة وضمان حقوق كل منها ضمن دولة عراقية موحدة. وبما أن الظروف الموضوعية للحالة العربية المأزومة لا تسعف دول المنطقة لمدافعة ندية قوية ضد المتربصين بالمنطقة؛ فإن المخرج والحل يقتضي اتفاقا عربيا حول إستراتيجية للتعاون مع تركيا، لاسيما أن تركيا تحمل مشروعا إستراتيجيا يعتبر العرب شركاء في المنطقة لا خصوما، ويمكن أن يؤسس التاريخ المشترك لمستقبل تعاون قد يرقى لمستوى تجربة أفضل من تجربة الاتحاد الأوروبي.
1164
| 22 يوليو 2023
لو أن عصابة دموية هجمت هجمة غادرة على قرية كانت تبيت آمنة مطمئنة، ومضت فيها قتلا واغتصابا وترويعا ونهبا، ثم قبل أن يتمكن رجال القرية وصناديدها وفتيانها من رد الظلم والعدوان وإعادة الأمن والطمأنينة للقرية وسكانها والاقتصاص لهم ودحر المعتدين، يتدخل آخرون بعضهم بحسن نية وأكثرهم بسوء نية ويطلبون من الضحية وقف جهود صد العدوان والجلوس للتفاوض مع المعتدين، بما في ذلك الدخول في مساومات مجحفة تتغاضى عن جرائم المعتدي وشرعنة الهروب من العدالة. إن قمة الخذلان تجاهل أنات المغتصبات وصرخات الاطفال والثكالى والارامل وحسرات المنهوبين والقفز على كل هذه الآلام والانتهاكات وتجاهلها ومكافأة المليشيا المجرمة وانقاذها والدعوة لإيقاف الحرب (وعفا الله عما سلف)، فإن وافق الجيش على ذلك فإن الشعب السوداني المكلوم الذي يطأ الجمر لن يوافق أو يسامح مطلقا. اليوم تتداعى المبادرات الخارجية وتتزاحم للتوسط في الأزمة السودانية رافعة شعار (وقف الحرب)، ومساواة المعتدي بالمعتدى عليه ووصفهما بطرفي الصراع. هذه المبادرات تتجاهل أن يعطى كل ذي حق حقه، ليس كرامة من أحد بل لأنه حق انساني واجب، كما تتجاهل أنه عندما يتصدى أحد لأمر اعتداء أن يكون عادلاً، وأن أي فضاء يزدهر بوجود العدل، ويموت حين يغيب أو يغيّب، فحين يسود القانون يسود العدل، فلا أجمل من مكان يكون فيه القانون هو السلطة العليا، ويكون القانون سائداً فيه كي لا يظلم أحد. بعيدا عن سرديات العدالة والمثل والقيم التي يشوهها عالم الغاب والمصالح المتضاربة والنفاق السياسي، فإن الجيش السوداني حامي حمى البلاد لن يقبلوا خسارة مكاسبهم في الميدان ولن يبيعوا دماء شهدائهم بدون ثمن أو بثمن بخس، خيانة معلومة، ولن ينجوا من غضبة شعبية عارمة ضدهم. ميدانيا فقد كبد الجيش السوداني مليشيا الدعم السريع المعتدية خسائر فادحة في الأفراد والمعدات خلال جهود دحر العدوان على المواطنين والدولة، فقد بلغت أعداد قتلى وجرحى المعتدين أكثر من 46 ألف مقاتل، فضلا عن فقدانهم نحو 80 % من معداتهم وتجهيزاتهم القتالية مع ملاحظة أن نقص الآليات دفع المليشيا إلى استخدام السيارات والدراجات النارية المسروقة من المواطنين في القتال. وحتى قائد المليشيا محمد حمدان دقلو الشهير بـ(حميدتي) والمتواري عن الأنظار لقرابة الشهرين، ترددت أنباء ومعلومات عن مقتله أو تعرضه لإصابة خطيرة، خضع على إثرها لعملية جراحية معقدة فهو في أحسن الأحوال حي لكن بدون قدرة على التعاطي مع الوضع الميداني. علاوة على ذلك فإن نحو نصف القوة المتبقية للمليشيا تتمركز في منازل المواطنين وقد استولت على أموال ضخمة من نهب البنوك والأسواق والمؤسسات العامة والخاصة. فكيف لمنتصر رد عن نفسه عدوانا جهيرا أن تفرض عليه مساومات مجحفة تتضمن عملية سياسية تعيد انتاج المعتدي وحلفائه السياسيين للمشهد السياسي السوداني وتكرار الفوضى والمماحكات السياسية لما قبل 15 ابريل يوم غدرت المليشيا بتحريض من حلفائها بالجيش فاندلع هذا القتال الدامي؟. ولعل تلك المبادرات والوساطات المتزاحمة على أبواب الخرطوم تمثل الأداة أو حصان طروادة لتسوية سياسية ظاهرها إيقاف الحرب وإعادة السلام وباطنها انقاذ مليشيا الدعم السريع من الهزيمة الماحقة ومنع الجيش من قطف ثمار انتصاره وتصحيح مسار الانتقال الديمقراطي على أسس عادلة تضمن اشراك جميع القوى السياسية السودانية ومنع نشوء فاشية مدنية أو دكتاتورية عسكرية. ومنذ تفجر الصراع في البلاد قبل 3 شهور ظهرت 4 مبادرات خارجية أي بمعدل مبادرة كل 3 أسابيع، بيد أن معظمها تحوم حول الحمى، وتغفل أن تضع إصبعها في الجرح فتمضي المليشيا ومؤيدوها ترتع في حرمات الناس فتأتي بما لم يأت به المغول والتتار. وقد أقرت أول مبادرة أكثر من 10 هدن قصيرة لوقف اطلاق النار تعرضت كلها للخرق وعدم الالتزام وبقيت المليشيا على موقفها من احتلال المستشفيات والمرافق الصحية بل زادت اعتداءاتها على المواطنين في فترات الهدن، بيد أن الوساطة لم تفشل في منع ذلك فحسب، بل حتى لم تستطع مجرد ادانتها وظلت تردد أن طرفا من الطرفين فعل وفعل. فأدى ذلك الموقف الضبابي إلى فشل المبادرة تماما. أما مبادرتا الاتحاد الإفريقي ودول مجموعة الايغاد فقد غرقتا في الانحياز الصارخ لجانب المليشيا المتمردة فقفزتا للتلويح بالتدخل العسكري وحظر الطيران ولم تستجب الايغاد لطلب الخرطوم بتغيير رئاسة كينيا للجنة الرابعة المكلفة بقيادة الوساطة. ورأت الخرطوم أن كينيا غير محايدة وتؤوي قيادات من مليشيا الدعم السريع، ولرئيسها علاقات ومصالح مع حميدتي، الذي وفقا لمصادر سودانية كان قد دعّم حملة الرئيس الكيني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. لكن كان غريبا ومثيرا للشك أن تمسكت دول الايغاد برئاسة كينيا مما حدا بالسودان أن يهدد بتعليق عضويته في الاتحاد الأفريقي كما فعلت إريتريا من قبل، فكان مصير المبادرة الموت السريري. ربما قدمت المبادرة الأخيرة في خواتيم الأسبوع الماضي مقاربة نظر إليها الكثيرون بمن فيهم الخرطوم نظرة ارتياح وهي مبادرة قمة دول جوار السودان التي استضافتها القاهرة بحضور رؤساء مصر، وليبيا، وتشاد، وأفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وأثيوبيا. ولعل أبرز ما تضمنته مخرجات هذه القمة التأكيد على الاحترام الكامل لسيادة ووحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم التدخل في شئونه الداخلية، والتعامل مع النزاع القائم باعتباره شأناً داخلياً، والتشديد على أهمية عدم تدخل أي أطراف خارجية في الأزمة بما يعيق جهود احتوائها ويطيل أمدها. وكذلك الحفاظ على مؤسساته الشرعية ولعل الجيش السوداني يمثل قمة المؤسسات الشرعية في الدولة السودانية. ولعل أهم عامل وأساس لعودة الأمن والاستقرار للبلاد أن يكمل الجيش السوداني مهمته العادلة في بسط الأمن وتخليص البلاد من جرائم المليشيا وعلى من بقي من أفراد المليشيا تحكيم العقل ووقف الانتهاكات وتدمير مؤسسات الدولة والتوبة النصوح.
978
| 15 يوليو 2023
فيما ظلت القوتان العظميان في العالم تتقاتلان بشراسة على مسرح الأرض الأوكرانية، ظلتا في أماكن أخرى في حالة عدم يقين مما يجري هنا وهناك من بقاع العالم الملتهبة. ففي الأزمة السودانية المستعرة اليوم اتسم موقف الولايات المتحدة الأمريكية بالضبابية من طرفي الصراع هناك، وانتهت جهودها للوساطة بالفشل الكبير الذي لا يتناسب مع قوة ووزن وفعالية دولة مثل الولايات المتحدة في العالم. بينما بدت روسيا أكثر وضوحا في مواقفها رغم دخولها متأخرة جدا على خط الأزمة. فقد اعتبر وزير الخارجية الروسي أن الأزمة السودانية شأن داخلي وأن حلها بيد السودانيين، وزاد أن موسكو تقف مع الشعب السوداني ومؤسساته الشرعية القائمة. فالجيش السوداني الذي يخوض حربا ضد مليشيا الدعم السريع المتمردة عليه يعتبر من أهم المؤسسات الشرعية في البلاد، فهذا أوضح وأقوى موقف خارجي لصالح الجيش السوداني في ظل الصراع الحالي. مع الإشارة إلى أن السفارة الروسية لا تزال في الخرطوم، بينما السفارة الأمريكية مغلقة وغادرت بعثتها البلاد ولم تُبق أي دبلوماسيين حتى في مدينة بورتسودان وهي مدينة كبيرة بها مطار دولي يعمل وقد اتخذتها العديد من البعثات الدبلوماسية مقرا مؤقتا لها. ولقد ظل الجيش السوداني غاضبا من كل الوساطات الأخيرة وكلها بقيت تحت النفود والتأثير الأمريكي، وهي بالإضافة إلى منبر جدة، ومبادرتي دول الإيغاد، والاتحاد الإفريقي. فتلكم المبادرات رفضتها الخرطوم لأنها لم تعلن بوضوح إدانة التمرد على الجيش ومحاولته الاستيلاء على السلطة بالقوة العسكرية الدموية باستخدام قوات مرتزقة متعددة الجنسيات؛ فهي فشلت في تشخيص وتوصيف الأزمة إبداءً ومن ثم كان فشل تلك المبادرات قائما على ذلك المحور الأساسي. على سبيل المثال فإن الاتحاد الأفريقي كان قد جمّد عضوية السودان منذ أكتوبر 2021، بعد إقالة الجيش لحكومة عبد الله حمدوك باعتبار ذلك انقلابا عسكريا بينما لم يقل شيئا عن تمرد مليشيا الدعم السريع الأخير على الجيش. كما أن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي كان قد اعتبر حرب إقليم تيغراي الإثيوبي في عام 2021 مشكلة تمرد بين حكومة فيدرالية و»جبهة تحرير شعب تيغراي»، تحل داخل الدولة، بالمقابل اعتبر تمرد قوات الدعم السريع نزاعا بين طرفين، ولم يتدخل الاتحاد الأفريقي في حرب تيغراي، رغم وجود مقر المفوضية في العاصمة الإثيوبية. وبادرت واشنطن رفقة الرياض منذ تفجر الصراع منتصف أبريل الماضي بالوساطة، ونجح منبر جدة في حمل الطرفين على الاتفاق بشأن أكثر من عشر هدن للأغراض الإنسانية وحماية المدنيين. ولم تدن وساطة جدة مليشيا الدعم السريع لخرقها اتفاقات وقف اطلاق النار وعدم الالتزام الكامل بمقتضيات الهدن وعدم الانصياع لمطالبات خروج قواتها من المستشفيات والمرافق الصحية. واعترفت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية للجنة فرعية للشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي بأن اتفاقات وقف إطلاق النار لم تكن فعالة بشكل كامل لكن دون الاشارة إلى الطرف المتسبب في ذلك. غير أن الولايات المتحدة أدانت أخيرا مليشيا الدعم السريع تحت ضغط الفظائع البشعة التي ارتكبتها بدم بارد في ولاية غرب دارفور، من بينها عنف جنسي وعمليات قتل على أساس عرقي. وهذه جرائم ليست جديدة على هذه المليشيا فقد ظلت ترتكب جرائم مماثلة وما زالت في قلب الخرطوم منذ تفجر الصراع لكن واشنطن كانت تغمض عينها ولا تسمي الأشياء بأسمائها ولذا كان من الطبيعي أن تفشل في وساطتها وتخسر سمعتها باعتبارها قوة دولية مؤثرة. بيد أنه ومع الوضوح الروسي، لا يبدو أن موسكو قادرة على بذل الوقت اللازم لقيادة مبادرة تعمل على وقف جرائم وتعديات مليشيا الدعم السريع لكونها غارقة تماما في حربها في أوكرانيا. لكن الموقف الروسي قد رفع الضغط الكبير على الجيش السوداني وأنبأ بفشل أي تحركات سياسية في مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرارات تدين الجيش السوداني أو تضع البلاد تحت طائلة البند السابع والتدخل العسكري الدولي. وأصبح الطريق ممهدا للجيش السوداني للمضي قدما في خطته لحسم التمرد عسكريا ثم السير إلى عملية سياسية تخرج البلاد من وهدتها وتعيد الأمن والاستقرار لربوعها المنهكة. كما أن مصير البعثة الأممية برئاسة فولكر بيرتس هو مغادرة البلاد بعد تحفظات الخرطوم على أداء رئيسها والمشجع لتمرد مليشيا الدعم السريع رفقة قوى سياسية سودانية معلوم، وكونه البعثة كذلك جاءت بطلب من رئيس الوزراء المستقيل أو المقال عبد الله حمدوك دون علم مجلس السيادة برئاسة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تحت البند السادس. فإن كان مصير بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي تحت البند السابع الخروج من البلاد بعد طلب مالي إنهاء مهمتها، فإنه من باب أولى أن تغادر بعثة فولكر غير مأسوف عليها. وجاء التصويت بالاجماع في مجلس الأمن على انهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في مالي بعد أسبوعين من وصف وزير الخارجية المالي مهمتها بأنها «فاشلة»، وطلب أمام مجلس الأمن الدولي إنهاءها فورا. على الأمم المتحدة ومجلس الأمن أن يركزا جهودهما على محاربة ظاهرة المليشيات العسكرية حول العالم ابتداءً من فاغنر الروسية مرورا بقوات خليفة حفتر في ليبيا وانتهاءً بمليشيا الدعم السريع السودانية، عوضا عن اضعاف المؤسسات الشرعية. وقد ثبت اضرار هذه المليشيات بأمن واستقرار كثير من الدول واستخدامها لأغراض سياسية من أطراف عديدة في مهمات عسكرية مدفوعة الثمن. واليوم موسكو وقد احبطت مؤخرا تمردا من مليشيا فاغنر فقد شربت من ذات الكأس التي تشرب منه الخرطوم اليوم وهو ما تسبب في الأزمة الحالية. ولطالما اعتبرت واشنطن وجود مجموعة فاغنر في القارة الأفريقية يمثل قوة مزعزعة للاستقرار لأي دولة تسمح بنشر موارد المجموعة على الأراضي الخاضعة لسيادتها، فعليها كذلك أن تكيل بمكيال واحد وتعتبر مليشيا الدعم السريع بذات الاعتبار.
2058
| 08 يوليو 2023
تؤكد حادثة حرق نسخة من القرآن الكريم في السويد الأسبوع الماضي، بعلم وتشجيع الدولة وحمايتها، على استمرار الانفصام البيّن بين أدبيات ومواثيق منظمة الأمم المتحدة ومزاعم الحضارة الغربية، وبين واقع العلاقات بين الدول والشعوب. فمنذ عقود مضت، نادى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالمساواة التامة بين كُلّ أفراد العائلةِ الإنسانيةِ، مشددا على أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ. وقبل نحو عقدين من الزمان أصدرت الأمم المتحدة تقريرا بعنوان «الحريَّة الثقافية في عالمِ اليومِ المتنوّعِ»، والذي تم الاعتراف فيه للمرّة الأولى في تاريخ تقارير برنامج التنمية البشرية بالحريَّة الثقافية بوصفها «جزءا حيويا في عملية التنمية البشرية»، وأَكّدَ التقرير على «عمق الأهمية التي يمثلها الدينِ لهويات الشعوب. بيد أن هذه القيم الرائعة يحيلها الواقع الأليم في السويد وفي العديد من دول الغرب إلى خرافة، ألم يقل الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون قبل نحو 3 سنوات أنه ينوي محاربة ما أسماه بـ»النزعة الانفصالية الإسلامية»، واصفا الدين الإسلامي بأنه «في أزمة في جميع أنحاء العالم اليوم. في عام 2015 عكست حادثة مجلة «شارلي إيبدو» في فرنسا مثالا شاخصاً لمآلات التصرفات الشاذة للمؤسسات الاعتبارية في الغرب «المتحضر». وظلت مجلة «شارلي إيبدو» الأسبوعية الساخرة تفتخر باستفزاز الدين الإسلامي بزعم أن ذلك حرية تعبير. ومنذ تأسيس الصحيفة في 1970 بقيت على هذا النهج المدمر مجتمعياً دون وازع قانونق أو أخلاقي؛ ففي يناير 2013، نشرت بتشجيع رسمي من قيادة الدولة، إصدارا مؤلفا من 64 صفحة، ووصفت ذلك العدد بأنه الجزء الأول لسلسلة من الرسوم الكاريكاتيرية الصادمة التي تزعم أنها تصور حياة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم. وعلق رئيس التحرير بمناسبة نشر ذلك العدد قائلاً: «إنه إذا أراد الناس الشعور بالصدمة فإنهم سيشعرون بالصدمة عند تصفح هذا الإصدار من الصحيفة». نعم إن ما يعظم الإشكال الذي يعتري المنظومة الغربية أن تلك التصرفات ليست صادرة من دهماء القوم فحسب وإنما تتبناها الدولة وتشرّعن لها قوانينها وسوابقها القضائية. ولعل اللوثة العلمانية في الغرب كانت قد ظهرت في أوروبا قبل قرنين من الزمان وكانت نتاج الصراع المرعب الذي عاشه الأوروبيون مع الكنيسة بسبب اضطهادها للفكر والعلم، وطالب العلمانيون الغربيون آنذاك بإقصاء الدين عن واقع الحياة وقد تحقق لهم ذلك، لكن نشأت فوبيا شديدة الأوار ضد الدين. بيد أن ذلك يبقى شأنا غربيا قام على أحداث تاريخية بعينها، ولكن ليس من المقبول أن ينسحب ذلك على مجتمعات وديانات أخرى لم تكن جزءا مما دار في أوروبا خاصة والغرب عموما. غير أنه ولأغراض استعمارية تعمد الغربيون نقل هذا الصراع وافتعاله في الجوار الإسلامي فنقل الصراع إلى بلاد المسلمين تحديدا تركيا حيث الخلافة الإسلامية حينها. فافتعل صراع بين العلمانية والإسلام منذ القرن التاسع عشر حتى الوقت الحالي. وهو صراع أدى إلى إسقاط السلطان عبدالحميد عام 1909 بدعم من اليهود والحركة الماسونية، وإلى إلغاء ومحو السلطنة والخلافة عامي 1922 و1924، وتطبيق علمانية مضادة للدين وممهدة لسيطرة استعمارية عسكرية واقتصادية وثقافية. وامتدت الحرب في الغرب على الإسلام لتشمل حتى صورة السيدة مريم العذراء حتى لا تكون حجة للمسلمين في ارتداء الحجاب. فقد قاد غلاة العلمانيين في ايطاليا قبل نحو 15 عاما عبر تيار ثقافي جديد يطالب بتعديل اللوحات التي تُظهر السيدة مريم العذراء وهي تضع الحجاب على رأسها، بل طالبوا بنشر لوحات بديلة لها وهي سافرة بدون الحجاب. والقصة في أصلها كانت محاولة للوقوف ضد تيار انتشار الحجاب بين المسلمين في ايطاليا. وزاد غضب العلمانيين المتطرفين عندما تعجب وزير الداخلية الإيطالي آنذاك قائلا: «إنه لا يمكنه معارضة ارتداء المرأة المسلمة في بلاده للحجاب، وذلك لسبب واضح وبسيط وهو أن السيدة مريم العذراء والدة نبينا عيسى عليه السلام كانت تضع الحجاب على رأسها أيضا». اليوم يعجب الكثيرون من الخلط الغربي بين مفهوم فصل الدين عن الدولة وبين وجود دولة الفاتيكان في ايطاليا؛ ووجه العجب في الجمع بين القداسة الدينية وبين حكم مدني كامل الدسم يفترض أنه علماني. فالفاتيكان هي أصغر دولة في العالم مساحتها لا تتعدى 0.44 كم مربع في قلب العاصمة الإيطالية روما. وقد كانت جزءا من الدولة الإيطالية حتى العام 1929م، ووفقا للنظام السياسي في الفاتيكان فإن البابا الذي هو رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، هو رأس الدولة ويتم انتخابه من قبل مجلس الكرادلة لمدى الحياة وهو أمر يتعارض مع مبدأ تداول السلطة. ونظام الحكم في الدولة قائم على ممارسات تعتبر ديكتاتورية إذا ما قيست بمبادئ الديمقراطية الغربية. فالبابا يتمتع بسلطات مطلقة تشتمل على كل حِزم السلطات التنفيذية، والتشريعية والقضائية. لقد كان من المفترض بعد الحرب العالمية الثانية الاعتراف بالتعددية الدينية بمعنى الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء الديني في المجتمع الدولي. لكن عكس ذلك غدت العلمانية والفلسفة المادية بكل تجلياته النظرية والتاريخية المختلفة، تشكل البنية الفكرية التحتية للفلسفات الحديثة الطاغية والمتحكمة، واعتبار ذلك مرجعية مفروضة لرؤية للتاريخ والتقدم وللعلاقات الدولية. إن الزعم بأن الإسلام وقوانينه تجافي المدنية مردود عليه في اعتراف المؤرخ الإنجليزي هربرت ويلز الذي يقول: «كل دين لا يسير مع المدنية في كل أطوارها فاضرب به عُرض الحائط، وإن الدين الحق الذي وجدته يسير مع المدنية أينما سارت هو الإسلام. ومن أراد الدليل فليقرأ القرآن وما فيه من نظريات ومناهج علمية، وقوانين اجتماعية، فهو كتاب دين وعلم واجتماع وخُلُق وتاريخ، وإذا طُلب مني أن أحدد معنى الإسلام؛ فإني أحدده بهذه العبارة: الإسلام هو المدنية». لذلك كله نستنتج لماذا ظل القرآن الكريم مستهدفا وما دروا أنه محفوظ إلى يوم الدين لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر: 9.
1689
| 01 يوليو 2023
ظل الإعلام العربي في مجمله ومنذ نشوء الدولة الوطنية العربية المعاصرة يتطور نحو السالب؛ فمن إعلام يتجاوب باستحياء مع تطلعات وهموم الأمة مرورا بغياب كامل عن آلام وانشغالات الأمة ثم إلى تحول بالكامل إلى مدفعية في أيدي الأعداء تدك كل يوم قيمه ومعتقداته وتحرث الأرض وتعدها لاستعمار جديد بطرق مستحدثة وخبيثة. اليوم بؤر الأزمات على امتداد الوطن العربي تقع تحت وطأة ضغط الإعلام العربي الذي يخدم بإخلاص الأجندة الدولية المعادية والمسخرة في نهاية المطاف لصالح المشروع الصهيوني في المنطقة. السودان أحدث البؤر الملتهبة في الجسم العربي، ويجد هذا البلد من القنوات الفضائية العربية، ظلما أشد مضاضة من ظلم القنوات الدولية الأخرى؛ فظلت تصب الزيت على نار الأزمة وتلعب دور الفصيل المتقدم في جيش الغزو الأجنبي للبلاد متعدد الجنسيات. وليس من شكٍ في أن المستعمر الطامع في ثروات المنطقة يعلم تماما أن الإعلام لا سيما الفضائي، أصبح يتبوأ مكانةً محوريةً، وفي بعض الأحيان خطيرةً، سواء كان دعايةً أم تثقيفاً أو معلومات، في مختلف المجالات الحياتيّة، وقد يكون دوره حاسماً في نجاح أي مشروع سياسي، حزبي أو شخصي، أو اقتصادي، بل إنه الوحيد القادر على قولبة الفكر العام أو الاتجاه الفكري والمواقف لعموم المواطنين في أي مجتمع. ويشكّل الإعلام مع القوة العسكرية أهم مصدرين للقوة في المجتمعات والدول فيما تبقى القوة الاقتصادية رهينة بقبولها لدى أي من القوتين لتشكّل ثالوث القوة المهيمنة في المجتمعات والبلدان. وهذا يؤكد تأكيدا على كونه كيف أصبح أهم أدوات الصراعات الدولية الماثلة. وقد سبق للسياسات الإعلامية للدول الاستعمارية منذ الحرب العالمية الأولى ثم الثانية أن سعت إلى استخدام وسائل الاتصال سياسياً بهدف الوصول إلى نتائج محددة تهدف إلى التأثير على الرأي العام محليا ودوليا. والدّور المتعاظم لأجهزة الإعلام قد لا ينحصر في تشكيل الرأي العام فحسب وإنما في صياغة حياة أفراد المجتمع بأكملها صياغة كاملة؛ تماشياً واستجابةً لنظم سياسية واقتصادية واجتماعية تنتظم المجتمع محليا وإقليميا ودوليا، ومع اتساع دائرة العولمة أصبح هذا الدور أكثر وضوحاً في صهر اتجاهات أفراد المجتمع وتشكيلها وصياغتها. والغرب السياسي الجغرافي، في عمومه وحدة ثقافية واحدة ذات مصالح وأهداف مشتركة، من قبل قال توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق بكل وضوح ينبغي أن تنتصر القيم والمبادئ الغربية على ما يُسميه بالتشدد في العالم الإسلامي مؤكدا أن النزاع في الشرق الأوسط والقضايا الأخرى المتعلقة «بالمتطرفين المسلمين» تدور حول التحديث وما إذا كان من الممكن أن يعتنقوا النظام الغربي للمبادئ والقيم على حد قوله. وتساءل بلير خلال إلقائه كلمة أمام مجلس لوس انجلوس للشؤون العالمية عما إذا كان في مقدور القيم الغربية أن تكون أكثر قوة للمواجهة والتغلب على قيمهم ومبادئهم على حد تعبيره. والبثُ المباشرُ في هذا العصر المأزوم بالأطماع واستضعاف الآخر، يمثّل غزوا يصعُب التصدي له، وهو يعتبر من أخطر الهجمات في العصر الحديث لأنه يستطيع أن يتحكم في قيم ومفاهيم شعب من الشعوب، أو دولة من الدول لأنه يفرض سيادته عليها. وتدخل الفضائيات في إطار ما يعرف بالإعلام الدولي، حيث يُشير مصطلح الإعلام الدولي إلى تداول الإعلام عبر الحدود، بحيث يتعدى المستهدفين من قبل هذا النوع من الإعلام نطاق الدولة الواحدة، أو الشعب الواحد، فهو عبارة عن اتصال بين أمم ودول مختلفة عبر الحدود؛ فهو تحرك الرسائل الإعلامية عبر الحدود بين اثنين أو أكثر من الأنظمة الثقافية المختلفة. وتستطيع الفضائيات خلق صور فورية عبر الحدود من الصعب تقييمها، ومن المستحيل السيطرة عليها، بيد أنها تكفل أوسع محيط ثقافي، يتم فيه حل شفرات الرسائل السياسية المعقدة بصورة صحيحة أو غير صحيحة. فقد زاد تعقيد العلاقات الدولية، لدرجة أن بعض الدبلوماسيين التقليديين يرون أن الأمواج المتلاطمة للسياسة العالمية، قد أصابها الخبل بواسطة تدخل البث الفضائي. المدهش أن قنوات الكفيل الاستعماري الرئيسية والناطقة بالعربية تتقمص دورا (موضوعيا أو مهنيا) أكثر من قنوات المقاول العربي من الباطن، فتترك لها الخوض في مستنقع الفسوق الإعلامي بينما تحتفظ هي بشكل مخادع يتناسب مع خدعة الحضارة الغربية التي يراد لها أن تستأصل الحضارات الأخرى لاسيما الحضارة العربية الإسلامية. وليس خافياً أنه عندما يطلق الآخر - الغرب - تعبير «الحضارة» فهو حتما يقصد به الحضارة الغربية. كما أنه يحتقر كافة الحضارات - باستثناء اليونانية والرومانية - ولا يُقيم لها وزنا، ويشجع أفراده على التعالي والتكبر، بل هو يتطرف فيصم كل معتزٍّ بحضارته بأنه يعادي الغرب وحضارته. وهو يعلم أن الحضارة العربية الإسلامية حضارة أصيلة ضاربة الجذور، ويسعى إلى أن يُكافح كل إعلام وطني يحاول إحداث تغيير إيجابي في الرأي العام سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. ينبغي أن تتحمل القنوات الفضائية العربية مسؤولية استعادة المشروع القومي، وألا تتعامل مع الواقع المحلي تعاملاً تقليدياً تطغى عليه الممارسات الدعائية السياسية، فمن شأن ذلك أن يفسح المجال واسعاً أمام الخطاب الإعلامي الغربي وما يندس فيه من تزييف للواقع العربي، لذلك فإن الفلسفة القائمة على فكرة ستر القبيح وإبراز الحسن لم تعد ذات جدوى في زمن الاختراق الإعلامي لأن «الحقيقة» مهما كانت مرة أضحت اليوم عابرةً للحدود. كما من واجب هذه الفضائيات إزالة الغبار عن صورة العروبة التي تعرضت للتشويه، بينما هي حالة ثقافية وقيم وأسلوب تفكير وليست حالة عنصرية لا يوجد بينها وبين الإسلام انفصام، بل هي متلازمة معه، وهذا التلازم هو السبيل الناجع لمواجهة العولمة الاستعمارية. فالعروبة في مفاهيمها القومية قد بعُدت عن العنصرية وأصبحت أُسسها ثقافية لغوية تضُم أعراقاً شتى فيهم الأبيض والأسود وما بينهما من ألوان، واكتسبت مضامين اجتماعية وتحررية ولاسيما إبان حركة القومية العربية.
1668
| 24 يونيو 2023
تضمنت مقاربة الأزمة السودانية الماثلة عوامل ومتغيرات مهمة وهي تصب في صالح تضاؤل فرص نجاح مخططات تفكيك الدولة السودانية وهزيمة جيشها الوطني؛ فقد انتقل الجيش السوداني لمرحلة الهجوم والعمليات النوعية وصولا للقضاء على جيوب مليشيا الدعم السريع التي تحولت لعصابات سرق ونهب واغتصاب، وفي موازاة ذلك دخل المواطنون السودانيون ميدان المعركة دفاعا عن ممتلكاتهم وأعراضهم نفيرا وفزعة. ووسط صمت دولي مريب ودعم إقليمي آثم واصلت مليشيا الدعم السريع المتمردة على الدولة السودانية فظاعاتها وجرائمها ضد الإنسانية، آخرها اغتيال والي ولاية غرب دارفور المتاخمة للحدود مع تشاد، حين اقتادته إلى مقر قيادتها وقتلته بأبشع صورة ومثّلت بجثته. والمدهش أن كل ذلك كان موثقا بهواتف منسوبيها وهم يحتفلون بنصر (مؤزر) على رجل أعزل وهو يقوم بمسؤولياته تجاه ولايته المأزومة بانتشار عصابات المليشيا المتمردة. وكشفت الادانات الدولية والإقليمية الاجندات والتحيزات لصالح استمرار الفوضى المفضية لتحقيق هدف تفكيك الدولة الوطنية في السودان. فقد التزمت الولايات المتحدة الأمريكية موقفها المريب واكتفت بالقول بأن طرفي النزاع مستمران في انتهاكاتهما، بينما أضافت البعثة الأممية في السودان برئاسة فولكر بيرتيس الذي اعتبرته الخرطوم شخصا غير مرغوب فيه، في معرض تعليقها على اغتيال الوالي تعبير (المليشيات العربية) بجانب (قوات الدعم السريع) وفي ذلك استمرار لمحاولات ما يسمى بالمجتمع الدولي لتغبيش الواقع فليس من فاعل مجرم غير مليشيا الدعم السريع وهي من أعترف على نفسه دون أن يتكلف أي طرف آخر لإثبات الجرم عليها. ولعل اقحام مصطلح (المليشيات العربية) مقصود منه زرع وتأجيج الفتنة بين مكونات الاقليم، فالمجرم هي مليشيا الدعم السريع وهي بالضرورة لا تمثل العرب ولا تمثل حتى قبيلة قيادتها، وافعالها مدانة من كافة المكونات. كما لا يمكن الجزم بأن أي مليشيا مسلحة اخرى بأنها تمثل عرقية بعينها وتتحمل أفعالها. كما كشف هذا الاغتيال البشع هشاشة الاتفاقات السياسية التي يتم التعويل عليها للحفاظ على الأمن والسلام والاستقرار في الدولة السودانية؛ إذ أن الوالي المغدور كان رئيسا لإحدى الفصائل المتمردة السابقة والموقعة على اتفاق سلام جوبا وتولى منصب الوالي بناءً على هذا الاتفاق والمدهش أن من وقع الاتفاق كان قائد مليشيا الدعم السريع الشهير بـ»حميدتي». اليوم تتزاحم على أبواب الخرطوم وساطات ومبادرات دولية وإقليمية تحمل في مجملها شرا وكيدا للدولة السودانية وتتفق في مجملها على هدف انقاذ مليشيا الدعم السريع ومحاولة إعادتها للمشهد السوداني؛ إذ ظلت تمثل مخلبا للانقضاض على الجيش الوطني الذي ظل حاميا وحافظا لكيان الدولة السودانية واستهدافه بالضرورة استهداف للدولة في مجملها. وتتسارع هذه المبادرات الملغومة مع تسارع خطى الحسم التي يخطوها الجيش السودان على أرض المعركة. وتعلم القوى المتربصة الدافعة لهذه الوساطات بأن التفاوض مسار مغلق وأنه ليس أكثر من فخ وصناعة بيروقراطية بهدف تعطيل تقدم الجيش السوداني، ومنعه من قطف ثمار الانتصار العسكري التي بانت مؤشراته. ولم تتوان الخارجية السودانية في إبلاغ الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) التي تقود مبادرة إفريقية، رفضها بشكل رسمي رئاسة كينيا للجنة أزمة السودان باعتبارها طرفا غير محايد وله علاقة مصلحية قوية بمليشيا الدعم السريع التي بذلت من قبل أموالا طائلة في شراء ذمم بعض القادة في دول أفريقية عدة. مع تعقد الموقف الدولي واستمرار الحرب في أوكرانيا يجد الجيش السوداني نفسه وسط بحر متلاطم من الذئاب الصغيرة والكبيرة، بدون ظهير إقليمي أو دولي ولذلك بدا ما حققه من تقدم كبير على أرض المعركة نوعا من المعجزة وهو قادر على الصمود في ظل هذه الظروف لعدة سنوات قادمة فهو يعد ثالث جيش في افريقيا مكتفٍ ذاتيا من التسليح بفضل منظومة التسليح الحربي التي أنشئت مع بدايات القرن الحالي. فلولا دخول تركيا بقوة ظهيرا للحكومة الشرعية في ليبيا لاكتسحت القوات المتمردة بقيادة خليفة حفتر كل الأراضي الليبية ولولا أن حشدت أريتريا قواتها شمال إقليم التغراي لما حققت الحكومة الأثيوبية نصرا على جبهة تحرير شعب التغراي بعد حرب استمرت عامين ولم تضع أوزارها إلا في نوفمبر الماضي. إنه يعوّل على الجيش السوداني بعد انجلاء غبار المعركة أن يطلع بادارة فترة انتقالية بماونة شهصيات مدنية مستقلة على غرار ادارة الفترتين الانتقاليتين ما بعد أكتوبر 1964 وأبريل 1985 ولا مجال لتكرار خطأ اشراك القوى الحزبية فيما بعد ابريل 2019 الأمر الذي أحدث كل هذا الاضطراب في المشهد السياسي السوداني مما قاد إلى الأزمة الحالية. لقد أثبتت التجارب أن كثيرا من العلمانيين الداعين زورا للديمقراطية، لا يمثلون سوى أحزاب ممارسة السياسية عندها ممارسة استبدادية، وأن جل همهم رفض وقمع الآخر المخالف في الفكر السياسي، والعلمانيون الشرقيون على سبيل المثال في تركيا في عقود سابقة، استعملوا فوهات المدافع صوب الصناديق التي رشَّحت مناوئيهم. ونفس الحال في ممارسات حكومات دول عربية ومسلمة تتبنى النهج العلماني، فإنها لا تقبل بوجود تعددية إذا كان خصومهم طرفاً فيها، بل هناك أحزاب علمانية لم تصل إلى السلطة بعد، تدعو إلى منع قيام أحزاب بصيغة تخالف توجها المعادي للدين، وعدم إعطاء الشرعية القانونية والمظلة الدستورية لها. على الرغم من أن في الغرب العلماني أحزابا دينية لها هياكل ومؤسسات ديمقراطية واضحة من القمة إلى القاعدة في داخلها، وفي ممارسة السلطة خارج إطارها، مثل الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، والحزب المسيحي الديمقراطي الإيطالي. إن من يريد معرفة حقيقة مأساة الوضع العربي، كفي به التأمل بحسرة في عجز المنظومة العربية ليس عن القيام بفعل إيجابي فحسب، بل بغياب تام عن المسرح إقليميا قبل أن يكون دوليا. فالجامعة العربية اليوم أبعد ما تكون عما يجري في السودان العضو الأصيل فيها.
1209
| 16 يونيو 2023
لا تمثل المناطق المتأثرة بالحرب في السودان إلا أقل من 3% من المساحة الكلية للقطر المترامي الأطراف، وهي محصورة في العاصمة الخرطوم وبعض المناطق المحدودة في ولايتي كردفان ودارفور المتجاورتين في غرب البلاد، ويصل مجمل السكان المتأثرين بالحرب إلى نحو أقل من 10 ملايين من 40 مليونا هم مجمل تعداد سكان البلاد. ومن بين 10 ملايين بلغ عدد النازحين إلى مناطق أخرى داخل القطر نحو مليونين منهم نحو أقل من نحو 300 ألفا من الفارين إلى خارج البلاد. ومع هذه الأعداد القليلة من ميسوري الحال والتي فضلت الفرار خارج البلاد إلى أن تنقشع سحابة الحرب، إلا أن كثيرا من ذوي القربى من الدول المجاورة والبعيدة نسبيا قد صدت أبوابها في وجوههم إما بفعل مباشر أو بتعقيد إجراءات الدخول إليها بل يتم إرجاع من وصلوا لمنافذ الدخول. وغدا السودانيون الفارون كغرائب الإبل تضرب ضربا موجعا ويحال بينها وبين ورود أحواض السقاية. ويحدث ذلك وهذه الدول على علم ودراية بميثاق اللاجئين الذي يمنع طرد أو إرجاع لاجئ إلى حدود أو مناطق قد تكون حياته فيها عرضة للخطر. لقد ظل السودان عبر عقود طويلة ملجأ لملايين الناس من دول الجوار ومن غيرها من أقاصي الدنيا، ولم يكن هذا الاحتضان بسبب قدرة اقتصادية ووفرة مادية ولكن كان أساسه المتين الأخلاق السودانية المرحبة بالضيف والآوية برفق لكل مكلوم ومحسور ومكسور. ولذلك نجد أن الملايين التي نزحت إلى الداخل في بقية أجزاء السودان لم تقم لهم مخيمات معزولة وإنما شاركوا أهاليهم وإخوانهم في الوطن مساكنهم وأكلهم وشربهم. أما ضجيج المساعدات الخارجية المرسلة إلى البلاد لم يصل أسماع المتضررين دعك من أن يصلهم طحينها الذي لا أثر له. فعلى سبيل المثال لن تصل المساعدات الطبية إلى مستحقيها والمستشفيات والمرافق الصحية محتلة من قبل مليشيات الدعم السريع الإرهابية. وما دام الوسطاء غير قادرين على اقناعهم بالخروج منها وإدانة هذا السلوك الهمجي. تقول كارلا درايسديل المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية إن أرقام وزارة الصحة السودانية تفيد بمقتل 705 أشخاص وإصابة 5287 بجراح منذ اندلاع القتال. ووثـّقت منظمة الصحة العالمية وقوع 34 هجوما على المرافق الصحية مما أدى إلى وقوع 8 قتلى بين العاملين في المجال الصحي. وأفادت كارلا درايسديل بأن أكبر عوائق توفير الرعاية الصحية ما زال يتمثل في نهب الإمدادات الطبية واحتلال المرافق الصحية من أفراد عسكريين. لقد ظلت أعداد اللاجئين في السودان تتزايد باستمرار خلال العقود القليلة الماضية من دول الجوار ومن غيرها بسبب الصراعات والحروب والنزاعات والفقر والبطالة وطلب الهجرة، مما حمّل البلاد أعباءً كبيرة انعكست على مستوى معيشة المواطن السوداني ومستوى الخدمات المقدمة له. ونتج عن ذلك ارتفاع معدلات الجريمة ولعل أعمال النهب المستمرة التي تعقب نهب المليشيا المتمردة للمؤسسات والبيوت تستمر لتقضى على ما تبقى، بواسطة اللاجئين من دول الجوار فضلا عن أن أعدادا مقدرة من أفراد المليشيا هم أجانب استغلت حاجتهم المليشيا وجندتهم في صفوفها. لا تستطيع الأمم المتحدة ومنظماتها تجاوز ما ظل يقدمه السودان للاجئين إليه؛ حيث تقول المفوضية السامية للاجئين بأن للسودان تاريخا راسخا على صعيد حسن ضيافة اللاجئين وطالبي اللجوء. وسبق أن نوّه المفوض السامي والمبعوث الخاص للأمين العام للشؤون الإنسانية منذ سنوات بكرم السودان في استقبال لاجئين من دول الجوار. وقال بعد زيارة لمواقعهم المختلفة: «نحن ممتنون للغاية لحكومة وشعب السودان على كرم الضيافة». وللشعب السوداني مواقف ايجابية مشهودة تجاه اللاجئين السوريين والفلسطينيين الذين اعتبرهم السودان ضيوفا وليسوا لاجئين خلافا لباقي الدول ولم تفرض السلطات السودانية عليهم تأشيرة دخول مسبقة، بل كفلت لهم حق الإقامة والتعليم والعمل. المفارقة أن مليشيا الدعم السريع التي تتسبب في الكارثة الحالية كان قد اختارها الاتحاد الأوروبي ووقع معها اتفاقا في 2016 عبر الحكومة السودانية لمساعدته في منع المهاجرين من الوصول إلى شواطئ أوروبا انطلاقا من الحدود الشمالية الغربية للبلاد قبالة الحدود السودانية الليبية التي تعد المعبر الأساسي للمهاجرين غير الشرعيين القادمين من السودان ودول القرن الأفريقي، وذلك مقابل ملايين الدولارات التي ساعدت في تضخمها وتزودها بالأسلحة المختلفة. والمدهش أن هذه المليشيا ظلت تقوم بانشطة غير قانونية تمتد من التهريب نفسه إلى تجارة المخدرات مرورا بأنشطة أخرى متعددة منها الارتزاق بالبندقية في مهام خارج البلاد على طريقة مجموعة فاغنر الروسية. والعالم الغربي الذي يعتمد النهج الميكافلي في تحقيق مصالحه بغض النظر عن المبادئ والقيم التي يرفعها شعارات براقة ويغنيها أناشيد طروبة، لا يتوانى في التعاطي مع دول يصفها بالمارقة ويصنفها إرهابية، ومن ضمن العجائب تحذير دائرة السياسة الخارجية بالمفوضية من الإضرار بسمعة الاتحاد الأوروبي، بسبب ذلك الإتفاق لأن المحكمة الجنائية الدولية تلاحق قيادات سودانية بتهمة الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور وقد يكون من بينهم قائد مليشيا الدعم السريع الشهير بـ»حميدتي». إن للأزمة السودانية نصيبا وافرا من أزمة الضمير العالمي والنفاق الدولي، ففيما تخاطب الولايات المتحدة الجيش السوداني الذي يتحمل صابرا تحدى إنهاء التمرد والفوضى في الخرطوم، وتقول له ان الحرب لن تحسم الصراع، بينما تدعو من جهة أخرى إلى حسم الصراع في أوكرانيا عسكريا وظلت تغذي لهيب الحرب هناك بمزيد من صب الزيت عليها بتزويد أحد طرفيها بكل أشكال الأسلحة الفتاكة والمميتة. أما مسؤولو الأمم المتحدة ومنهم المبعوث الأممي للسودان فولكر بيرتيس الذي طردته ظلوا يلعبون على مسرح نفاق السياسة الدولية، بينما تستمر الأزمات الدولية والحروب المستعرة تطحن الشعوب المستضعفة. فإن كانت المنظمات الدولية تمثل الضمير العالمي وأهمها الأمم المتحدة؛ فهي لم تعد سوى قصر مشيد وبئر معطلة.
1401
| 10 يونيو 2023
رغم أن سلاح العقوبات الأمريكية الذي بدأت واشنطن في استخدامه منذ العام 1807 حين أصدرت ما عرف بقانون الحظر، أصبح يفقد قوته الفتاكة؛ إلا أن واشنطن مازالت تصر على استخدامه بكثرة، فلا يمضي شهر أو شهران وإلا يسمع العالم بضحية جديدة للعقوبات الأمريكية، وليست الضحايا هي الحكومات والأنظمة الحاكمة وإنما هي الشعوب المسكينة المكتوية بنار حكامها ونار العقوبات. فالأنظمة والحكومات تعود إلى واشنطن لتصالحها وتتبادل القبلات معها، فها هو الرئيس السوري يعود للمجتمع الدولي بالاحضان عبر البوابة العربية بضوء أخضر أمريكي. اليوم وفي المسرح السوداني تفرض واشنطن عقوبات جديدة على الخرطوم، فيما يبدو أن زيادة الضغط الأمريكي على السودان تحكمه علاقة طردية مع تقدم الجيش السوداني واقترابه من حسم المعركة مع مليشيات الدعم السريع المتمردة عليه. فقد أعلن البيت الأبيض أمس الأول الخميس عقوبات اقتصادية وقيودا على التأشيرات على جهات سودانية شملت الجيش السوداني وهو الجهة المعتدى عليها من قبل المليشيا بل هو الجهة المسؤولة عن حماية أمن واستقرار البلاد. وقال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن واشنطن فرضت عقوبات على شركات سودانية لدورها في دعم شركات إنتاج أسلحة ومركبات للجيش السوداني، كما فرضت عقوبات على هيئة التصنيع الحربي التي تديرها الدولة وتنتج معدات وأسلحة للجيش. وغضبت واشنطن من تعليق الجيش السوداني للهدنة بسبب عدم انصياع مليشيا الدعم السريع لشروط الهدنة ومنها خروجها من المستشفيات التي اتخذتها ثكنات عسكرية، وفيما تقول الوساطة التي تشارك فيها الولايات المتحدة أن الهدنة معنية بايصال المساعدات الانسانية لا سيما الأدوية والمستلزمات الطبية وتساءل الجيش السوداني عن كيفية ايصال المساعدات الطبية والمستشفيات مازالت محتلة تماما؟. ولعل السودان سبق له أن بقي يرزح تحت عقوبات أمريكية زهاء ربع قرن من الزمان ثم رفعت مؤخرا قبل نحو 3 سنوات غير أن المفارقة المدهشة أن البلاد شهدت خلال فترة العقوبات تطورا في شتى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية لا سيما في مجالات الصناعات الحربية، بينما شهدت الثلاث سنوات الأخيرة تدهورا مريعا في كل المجالات مع تدخل أجنبي سافر في شؤون البلاد أدى في نهاية المطاف إلى تحريض مليشيا الدعم السريع على الجيش عبر محاولة فاشلة للاستيلاء على الحكم بالقوة. وليس من المنتظر أن تشكل العقوبات الأخيرة ضغضا كبيرا على الخرطوم خاصة في ظل التجاذب الدولي بين القوتين الأعظم في العالم روسيا والولايات المتحدة، حيث يتوفر هامش من المناورة لدى الدول المستضعفة. ويعتقد الجيش السوداني أن العقوبات الأمريكية لن تؤثر كثيرا على مقدراته كون الجيش يقوم بتصنيع ما يحتاجه داخل البلاد منذ عقود مضت ويصدر ما يفيض عن حاجته. فيما قد تؤثر بشكل كبير على مليشيا الدعم السريع، كونها تستهدف الإمبراطورية المالية لأسرة محمد حمدان حميدتي قائد المليشيا. لقد تحدثت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية قبل فترة عن «نهاية عصر العقوبات الأمريكية، وكيف استطاع المتضررون منها حماية أنفسهم منها واجتراح بدائل تجنبهم الآثار السالبة للعقوبات. وأشار تقرير المجلة إلى إفراط الولايات المتحدة في استخدام العقوبات، وكيف أدّى ذلك إلى فقدان هذا السلاح لقيمته وفعاليته على الصعيد الدولي، وخلص إلى أنّ الأيام الذهبية للعقوبات الأمريكية قد تنتهي قريباً. ويشير تاريخ العلاقات السودانية الأمريكية القريب إلى أن واشنطن فرضت أول عقوبات على نظام الرئيس السابق عمر البشير في نوفمبر 1997 حين أصدر الرئيس الأسبق بيل كلينتون قراراً تنفيذياً بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية له، وألزمت الشركات الأمريكية، والمواطنين الأمريكيين، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان. وبعد نحو عقدين من الزمان ومع سريان الضعف في نظام البشير ثم سعيه عبثا خطب ود واشنطن، ارتفع سقف التفاؤل السوداني بعد شهادات براءة متواترة من قبل مسؤولين أمريكيين تؤكد التزام السودان بالبنود التي تضمنتها خارطة رفع العقوبات والمتمثلة في إحلال السلام، ومواصلة جهود مكافحة الإرهاب، وتقديم تسهيلات في وصول المساعدات الإنسانية لمناطق يسيطر عليها متمردون في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، والإسهام في إحلال السلام في دولة جنوب السودان والتوقف عن دعم جيش الرب في أوغندا. في ذات الوقت لا تتأخر واشنطن عن اعتماد براغماتية انتهازية حينما تتطلب مصالحها التعامل مع نظام تصفه بالإرهابي. ففي العام 2016 يوليو وبدون مواربة أعلن القائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم عن استئناف واشنطن للتعاون الأمني مع الخرطوم وفتح فرص تدريب لعناصر جهاز الأمن والمخابرات السوداني باشراف خبراء من وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA). وقبل ذلك وفي اطار سياسة العصا والجزرة مع الخرطوم، قدمت واشنطن عرضا للخرطوم في يناير 2011 برفع العقوبات عليها إذا ما وافقت على نتائج الاستفتاء الذي أدى إلى فصل جنوب البلاد، وذكر حينها المبعوث الأمريكي للسودان برنستون ليمان، أن السودان قد يزال من لائحة الدول التي تعتبرها واشنطن راعية للإرهاب اعتباراً من يوليو من نفس العام، في حال احترام الخرطوم لنتائج استفتاء الجنوب ووافقت الخرطوم على نتائج ذلك الاستفتاء الكارثي، بيد أن واشنطن نكصت عن وعدها. وظلت مماطلات الولايات المتحدة مستمرة مع رغبتها في فرض نفوذها على الخرطوم واستغلال سعي الأخيرة المضني لرفع العقوبات لأقصى درجة ممكنة، وصولا لتنفيذ كل الشروط الأمريكية المعلنة وغير المعلنة. فالعقوبات فرضت لتحقق أهدافها ولن ترفع إلا إذا تحققت تلك الأهداف، والتي تتلخص في إضعاف السودان أيّا كان نظام الحكم الذي يحكمه خدمة لإستراتيجية أمن إسرائيل التي تقوم على القضاء على كل عناصر القوة في الأمة العربية والاسلامية. كذلك إسقاط نظام حكم البشير أو احتواؤه لتبنيه طرحا وطنيا استقلاليا، فضلا عن ضمان السيطرة على ثروات السودان وابعاد روسيا والصين عنها واستغلالها عند الحاجة إليها.
927
| 03 يونيو 2023
ليست الأزمة السودانية وتفاعلاتها ببعيدة عن الصراع الدولي الرئيس، بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية حول مراكز النفوذ الإستراتيجية حول العالم. ومن المؤكد أن السودان يقع في قلب أتون الصراع الإستراتيجي الدولي، وهو صراع يدور حول الطاقة والمياه والأراضي الزراعية والموقع الإستراتيجي. فالسودان يحتل مكانة محورية في التفكير الإستراتيجي الأمريكي والروسي على حد السوداء، بالنظر إلى مخزونه من الثروات النفطية والمعدنية لا سيما الذهب في الوقت الحالي واليورانيوم في المدى المتوسط، فضلا عن امتلاكه مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ومصادر مُتنوِعة من الموارد المائية وإطلالته الإستراتيجية على البحر الأحمر. وفيما تقف روسيا عبر مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة مع مليشيا الدعم السريع التي تخوض اليوم صراعا مع الجيش السوداني بعد محاولتها الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب فاشل في 15 أبريل الماضي؛ فإن الولايات المتحدة تتحفظ على الوقوف بوضوح مع الجيش السوداني بسبب مزاعم سيطرة الإسلاميين عليه، فوقع القرار الأمريكي في الحالة التأرجح بين مؤسستين سياسية وتمثل وزارة الخارجية والكونغرس من جهة، وبين البنتاغون والمخابرات المركزية من جهة أخرى. وتحاول واشنطن عبر وساطته المشتركة التحكم في المآلات السياسية بقيادة الجيش فيما بعد عملية دحر مليشيا الدعم السريع نهائيا. وتشير تقارير صحفية أمريكية نقلا عن وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن مجموعة فاغنر تزود مليشيا الدعم السريع بصواريخ أرض جو لمواجهة الجيش السوداني. وقبل نحو عام نشرت نيويورك تايمز الأمريكية تقريرا ذكرت فيه أن شبكة فاغنر حصلت على الكثير من الأموال والذهب من السودان، ورسخت أقدامها هناك وأصبحت مساهمة في سحق الحركة الديمقراطية في البلاد. وقالت إن فاغنر مورّد «للبنادق المأجورة»، بهدف التوسع الروسي بالقوة في رقعة واسعة من أفريقيا تتمدد في السودان وليبيا ودول الساحل وموزمبيق وتنزانيا وأفريقيا الوسطى وغيرها. وتخشى واشنطن من حصول روسيا على امتيازات تعدين في السودان مربحة بمساعدة قائد مليشيا الدعم السريع الشهير بحميدتي، تنتج سيلا من الذهب، يعزز مخزون الكرملين البالغ 130 مليار دولار، الأمر الذي يمكن من استخدام ذلك في تخفيف تأثير العقوبات الاقتصادية في حرب أوكرانيا، من خلال دعم الروبل. وتابعت واشنطن بقلق شديد ما تعتبره تعطشا شديدا للسلطة والثروة من جانب محمد حمدان دقلو (حميدتي)، خاصة بعد زيارته لموسكو في الأيام الأولى لحرب أوكرانيا الحالية. وتسيطر عائلة حميدتي على تجارة الذهب السوداني الذي يُهرّب حوالي 70 % منه، وفقا لتقديرات بنك السودان المركزي. وتطمع روسيا بالإضافة للذهب في إنشاء قاعدة عسكرية لها على الشاطئ السوداني المطل على البحر الأحمر، قادرة على استيعاب سفن تعمل بالطاقة النووية. ويعتبر الاهتمام الأمريكي بالسودان أقدم من الاهتمام الروسي؛ إذ يعود تاريخ اهتمام الولايات المتحدة بالسودان إلى العام 1910، حين قام الرئيس الأمريكي الأسبق تيدور روزفلت بزيارة رسمية للخرطوم. كما زار السودان في أواخر خمسينيات القرن الماضي ريتشارد نيكسون نائب الرئيس الأمريكي في عهد الرئيس دوايت ايزنهاور. في عهد الرئيس جعفر نميري (1969 - 1985) بدت العلاقات السودانية الأمريكية حسنة في ظاهرها حيث قامت شركة شيفرون الأمريكية بالتنقيب عن البترول، ولكن قبل أن تبدأ الشركة مرحلة استخراجه توقفت وجمدت عملها بضغوط من البيت الأبيض وجماعات الضغط الأمريكية بسبب تطبيق نميري قوانين الشريعة الإسلامية في العام 1983م وقد تم رهن استئناف العمل في استخراج البترول بإلغاء تطبيق قوانين الشريعة. ولم ير استخراج البترول النور إلا في عهد نظام الرئيس السابق عمر البشير، الذي قيل إن الخرطوم قامت من خلال طرف آخر بشراء حق التنقيب والاستخراج من شيفرون وانطلت الحيلة على شركة شيفرون وواشنطن. وفي أواخر عهد الرئيس نميري زار السودان جورج بوش الأب نائب الرئيس الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، وكان من نتائج الزيارة تنفيذ عملية ترحيل اليهود الفلاشا من إثيوبيا عبر السودان إلى إسرائيل باشراف المخابرات الأمريكية. كما قام النميري في ذات الوقت بالإطاحة بحلفائه الإسلاميين بزعامة حسن الترابي وأصدر أحكاما بالإعدام على عدد من قياداتهم، ولم تنفذ بسبب تسلم وزير الدفاع الفريق عبد الرحمن سوار الذهب السلطة في أبريل 1985 إثر ثورة شعبية أطاحة بالنميري نفسه. ولعل نظام الرئيس البشير شكَّل أكبر تحدٍّ أمام المخططات الأمريكية في السودان ولذا تخشى واشنطن من عودة ما للإسلاميين وتصدر المشهد السوداني ربما عبر الجيش السوداني، ولذلك تعول في هذا الوقت على عدم حسم النصر لصالح الجيش واستمرار الفوضى وحالة السيولة الأمنية عبر أداة المفاوضات والعقوبات، فقد عمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال عقود طويلة مضت إلى خلق أزمات في عدة مناطق من العالم تنفيذا لإستراتيجية الهيمنة الأمريكية. ومعلوم أن واشنطن فرضت أول عقوبات على نظام البشير في نوفمبر 1997، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية له، وألزمت الشركات الأمريكية، والمواطنين الأمريكيين، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان. وقبل ذلك أدرج واشنطن الخرطوم في قائمة الدول الراعية للإرهاب في 1993 زاعمة إيواءه جماعات تعتبرها إرهابية بعد الهجوم على سفارتها في العاصمة الكينية نيروبي. ومع ذلك كله بادرت واشنطن في العام 2001 إلى احتواء السودان في موقف اعتبر تحولاً عن سياسة المواجهة، حيث نقل القائم بأعمال السفارة الأمريكية في السودان رسالة إلى الرئيس البشير يهنئه فيها بفوزه في الانتخابات الرئاسية. كما قامت في 2009 بافتتاح أكبر سفارة لها في أفريقيا بمساحة 40 كيلومترا مربعا. ونقل عن الإدارة الأمريكية خططها لأن تكون السفارة الأمريكية في السودان مركز وثقل العمل الدبلوماسي الأمريكي في أفريقيا، وأنها تعتبر الثانية في الشرق الأوسط بعد العراق من حيث التجهيزات.
1155
| 26 مايو 2023
لا شك أن فكرة جامعة الدولة العربية بقيت فكرة حالمة تتأسس على أشواق تعتمل في نفس كل عربي، لتحقيق الوحدة والتضامن والرخاء الاقتصادي وقيام تجمع قوي ومؤثر إقليميا ودوليا ويعكس الثراء الثقافي والقيمي للمنطقة وشعوبها فضلا عن ثرائها الطبيعي بموارد الطاقة والمياه والثروات الحيوانية. غير أن الجامعة العربية بتركيبتها الهيكلية ونسق قراراتها التقليدي الذي يتخذ من المنطقة الرمادية سكنا وموئلا، لم تتمكن البتة من اتخاذ قرارات قادرة على تحقيق الأحلام العربية. القمة العربية رقم 32 التي انعقدت أمس الجمعة حملت رؤية رغائبية لحل المشاكل العربية، تقوم على «تصفير الأزمات»، بغرض صياغة خريطة للمنطقة خالية من الاضطرابات تستشرف تحديات المستقبل في ظل تعقيدات متسارعة وتهديدات ماثلة تواجه المنطقة. ولو أنزلنا فكرة «التصفير» على الأزمة السورية، لوجدنا أنها تعني التعاطي مع قمة جبل الجليد أو دفن الرؤوس في الرمال. وما بين قرار طرد سوريا في 2011 وإعادتها في 2023 تبدو رؤية التصفير اعتباطية أو رغائبية في أحسن الأحوال؛ فقد سبق أن قرر وزراء الخارجية العرب في اجتماع طارئ عقدوه في القاهرة بتعليق عضوية سورية في الجامعة اعتبارا من 16 نوفمبر 2011 وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية عليها بسبب الابادة التي تقوم بها حكومة دمشق ضد الشعب السوري الأعزل الذي طالب بتداول سلمي للسلطة، الأمر الذي ما جلب استنكارا وادانات دولية قبل الجامعة العربية. وفي السابع من مايو الجاري، أعلنت جامعة الدول العربية إنهاء تجميد مقعد دمشق لنحو 12 عاما مع تحفظ دول عربية مهمة، حيث يشارك في هذه القمة الرئيس السوري تأكيدا لقرار إنهاء المقاطعة التي لم تنطفئ خلالها نيران الأزمة السورية المشتعلة حتى اليوم. وإن لم تنه المقاطعة العربية والعقوبات الاقتصادية الأزمة فإنه من المشكوك فيه أن تنهها عودة النظام الحاكم المتسبب فيها، لمقعد سوريا في الجامعة العربية. المفارقة أن الجامعة كانت قد دعمت الشعب السوري المنتفض ضد النظام الحاكم حتى أن الرئيس الأسبق للائتلاف السوري المعارض كان قد حضر القمة العربية في عام 2013 وجلس مكان الرئيس السوري، لكن بعد 10 أعوام تعود الجامعة لتدعم النظام الذي لم يغير سياسته ضد شعبه. وظلت الجامعة العربية في حالة غياب عن دائرة الفعل السياسي في سوريا وغدت مسرحا لصراعات الكبار؛ ففي 2018 قامت ثلاث دول أعضاء في مجلس الأمن الدولي (للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا)، بتوجيه ضربة صاروخية إلى سوريا بدون تفويض من المجلس. واستنكرت روسيا الضربة، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ للمبادئ الأساسية للقانون الدولي. بيد أن روسيا نفسها فعلت الكثير في سوريا ودكت قواتها وطائراتها المدن والقرى السورية ومكنت للنظام في دمشق. والواقع أن الكبار ظلوا يتبادلون الاتهامات والتهديدات ثم يتفقون على اقتسام الكعكة السورية وبقاء نظام الأسد بينما ظلت معاناة الشعب السوري تتفاقم وسط عجز عربي كامل لم يحدث له مثيل. عموما لا يُعلم كيف ستتعامل الجامعة العربية مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 بتاريخ 18 ديسمبر 2015، والذي ينص على دعم عملية سياسية بقيادة سورية، تيسرها الأمم المتحدة، وتقيم في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولاً زمنياً وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة، تجرى عملاً بالدستور الجديد، في غضون ثمانية عشر شهراً تحت إشراف الأمم المتحدة. إن محاولة معالجة الأزمة السورية بنهج «التصفير» لا يرسي حلا مستداما بل يبقي عليها مشتعلة تحرق ما تبقى من الشعب السوري. اليوم تبحث القمة قضايا رئيسية عدة، منها القضية الفلسطينية والأزمة السودانية، بالإضافة إلى ملفات اقتصادية أخرى. في الأزمة السودانية لا يكفي أن تعتبر الجامعة الأمر شأنا داخليا فهو كذلك لكن التمرد العسكري الذي يواجهه الجيش السوداني هناك يتطلب دعما صريحا ضد مشاريع تفكيك الأقطار العربية لاسيما الكبيرة منها والغنية بالموارد الطبيعية النادرة. على المستوى الدولي تبدو روسيا سعيدة بعودة دمشق للجامعة العربية ويهمها كذلك أن تتخذ قرارات لا تضر بحليفها في السودان محمد حمدان قلو (حميدتي) قائد قوات مليشيا الدعم السريع المتمردة على الجيش السوداني والتي بادرت بتفجير الوضع سعيا لاستلام السلطة بالقوة وتفكيك الجيش الوطني. في ذات الوقت تبحث الولايات المتحدة الأمريكية عن أنظمة عربية تجيد فن الواقعية السياسية؛ فمعظم الأنظمة الحالية لم تعد تلك الأنظمة كما كانت عشية انعقاد القمة العربية في عام 1967م في الخرطوم التي عرفت بعاصمة اللاءات الثلاث: لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف باسرائيل. إن مؤسسة الجامعة العربية لا تتعامل مع القضايا العربية وفق نهج واضح يقوم على الكيل بمكيال واحد وترتيب صارم للأولويات؛ ففي حين تتناول الأزمة السودانية الحالية وهي تصفها بالشأن الداخلي، كانت قد غضت الطرف عن القصف الإسرائيلي لمصنع اليرموك جنوب العاصمة الخرطوم في 25 أكتوبر 2012، فبينما ناقش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية بالقاهرة في 18 نوفمبر من ذات العام، 4 قضايا وصفت بأنها رئيسية لم يكن من بينها قصف (إسرائيل) لمصنع اليرموك. فلم يحرك قصف اليرموك في الجامعة العربية ساكناً ولم تتداع له وتعقد اجتماعاً طارئاً لمناقشة العدوان ليس بالطبع لمعاقبة (إسرائيل) فذاك حلم بعيد المنال ولكن فقط للشجب والادانة. المشكلة أنها لم تفشل في عقد اجتماعاً طارئاً فحسب، بل أن أجندة اجتماعها العادي الذي صادف انعقاده مرور 18 يوماً على الاعتداء الإسرائيلي على الخرطوم لم تتضمن مناقشة ذلك الاعتداء.
897
| 19 مايو 2023
إن لم تحسم المعارك العسكرية حسما يحدد بوضوح الطرف المنتصر والآخر المنهزم، فإن ما يعلن عنه من هدن واتفاقات لا يعدو كونه فصلا من فصول المعارك واستجماعا للأنفاس ما بين الأكرار والفُورات. ولا تعكس بنود الاتفاق إلا نقاط التقدم للطرف المسيطر على الأرض وكذلك نقاط التراجع للطرف المتراجع. فما لم يكن هناك طرف ثالث ربما وسيط يمتلك سلطة تنفيذية أعلى فإن قرار وقف الحرب يبقى في يد المنتصر؛ لأن افتقار الوسيط في غالب الأحوال للقوة التنفيذية التي تكفل تطبيق نصوص الاتفاقات والهُدن بالقوة الجبرية يجعلها حبرا على ورق ونشاطا من أنشطة العلاقات العامة. وحتى ما يعرف بأحكام القانون الدولي لا تزال أقرب ما تكون إلى الأحكام الأخلاقية التي تحدد ما ينبغي أن يكون، وليس إلى القواعد القانونية الملزمة التي تضمن توجيه المعنيين بأحكامها إلى ما ينبغي الالتزام به من وجهة النظر القانونية، بل لابد أن تتجاوز ذلك إلى إكراههم على الامتثال لمضمون أحكامها. ربما الطرف الأقرب للانتصار لا يكون أفضل حالا بما يملكه من عتاد وقوة ورباط خيل فحسب، إذ لابد من أساس أخلاقي وقانوني يرتكز عليه. فما هو الطرف الذي يخوض حربا عادلة في الحرب التي تدور اليوم في الخرطوم؟ ولا نقول السودان إذ إن أحد الأطراف مسيطر على بقية أطراف البلاد وإنما الخرطوم هي ساحة معركة الطرفين وهما الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع. يصف الفليسوف الأمريكي مايكل وولزر(1935)، الحرب العادلة في كتابه «الحروب العادلة وغير العادلة»، بأنها «الحرب المحددة والمقننة والمتوافقة مع مجموعة من المعايير والضوابط التي تهدف إلى الحد من العنف أو الانتقام أو العدوان على الساكنة المدنية». وهذا االتعريف والتعريفات الأخرى تهدف في المحصلة، إلى التأكيد على أن الحرب العادلة تستقي مشروعيتها، من مصدر قانوني أخلاقي أساسه مسؤولية إنسانية، راسخة في منظومة القيم، تنأى بها على أن تكون حربا عدوانية، أو انتقامية لنسف العدو. ولم يغفل الفليسوف الإسلامي أبو نصر محمد الفارابي الاهتمام بقضية الحرب العادلة، والنظر في مسوغاتها، ونواميسها وأساسها الأخلاقي الفلسفي. وبدا ذلك في أكثر من موضع، لاسيما حين أكد أن الحرب الدائرة بين أي طرفين تستقي مشروعيتها لأحدهما من حالة العدوان ودفع الضرر. فكيف نسلم للطرف الذي يدعي عدالة الحرب التي يخوضها؟، فالادعاء سهل، فكل طرف يمكن أن يدعي ما يشاء. إن من ينظر في تفاصيل رؤية الفارابي يستطيع الحكم على كل مدعٍ ولعل هذا الفليسوف قد خلُص إلى 7 نقاط مهمة تبين مشروعية وعدالة حرب من الحروب؛ أولا هذه النقاط هي السبب العادل، وهو يحمل على معنى المسوغ العادل لشن الحرب. ثانيا: الملاذ الأخير، والمقصود منه، أن تكون الحرب الأداة الأخيرة التي تلجأ إليها الدولة، بعد استنفاد كل الآليات السلمية لشن الحرب أولا. ثالثا: التناسب، وأساسه أن المنافع الحاصلة من شن الحرب على نحو معقول أكبر من الخسائر الناجمة عن شنها. رابعا: التيقن من النصر، ومفاده أن يكون هناك قدر من النجاح من وراء كسب الحرب. خامسا: الوسائل المشروعة، وتفيد عدالة ومشروعية الوسائل المستخدمة في الحرب من بدايتها إلى نهايتها. سادسا: حصانة غير المقاتلين، وهي احترام المدنيين وعدم استهدافهم أثناء الحرب. سابعا وأخيرا: السلام العادل، وهو أن يكون السلام الذي ستسفر عنه الحرب عادلا. يقول الجيش السوداني وهو من بيده قيادة البلاد خلال فترة الانتقال، بأن طرفا عسكريا تابعا له بحكم القانون قد تمرد عليه ونسق مع طرف أو أطراف خارجية للاستيلاء بالقوة على السلطة بمزاعم سياسية لم تكن إلا غطاء غير محكم الصنع لتبرير الاستيلاء على السلطة. واستدل الجيش على ذلك بالتحركات العسكرية لمليشيا الدعم السريع واعادة التموضع قبيل الحرب دون اخطار قيادة الجيش حسب ما يمليه عليها قانونها. كما أعد قائد المليشيا وسجل بيانا يذاع حال نجاح انقلابه وهو أمر تسرب وشاع في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. ولعل الدليل الأكبر المبادرة بالهجوم المباغت على مقر قائد الجيش تلته هجمات متزامة على قوات الجيش في عدد من المواقع الاستراتيجية، ومن ثم انطلقت شرارة الحرب. وهناك أدلة لاحقة مستمرة تسجلها وقائع الأرض وهي الاعتداء على المدنيين وترويعهم ونهب ممتلكاتهم واحتلال المستشفيات واتخاذها مراكز عسكرية. وهذا مما أشاع الفوضى والنهب والسلب خاصة مع تعمد قوات المليشيا فتح عدد من السجون وخروج نحو 14 ألف سجين ومعتقل من مرتكبي الجرائم الخطيرة. إن إعلان الهدنة الأخير تضمن من الناحية النظرية، الالتزام بفترات التوقف والهدوء حسب الحاجة، والالتزام بحماية العاملين في المجال الطبي، والامتناع عن تجنيد الاطفال، والسماح بالمرور السريع للمساعدات الانسانية، وكذلك الالتزام الراسخ بسيادة السودان والحفاظ على وحدته. ولعل نصوص الاتفاق قد ركزت بشكل واضح على حقوق الانسان وحمايتها والالتزامات الإنسانية وفق القانون الدولي الانساني وهو التزام ظل الجيش السوداني يقوم به. المدهش أن الاتفاق لم يبد أنه معني بوقف القتال ولا وقف العدائيات وانما تحدث عن هُدن قصيرة لوقف إطلاق النار لتسهيل المساعدات الانسانية. وهذا ما يتيح للطرف الذي يقود حربا عادلة مواصلة العمليات الحربية لتحقيق أهدافها. ويرى عدد من المراقبين أن نصوص ذلك الاتفاق تعتبر مرجعا يوثق جرائم الحرب التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع مثل استخدام المدنيين دروعا بشرية، واتخاذ الأحياء السكنية ملاذات ومنطلقا لشن هجمات عسكرية، وأن موافقته اخلاء هذه الأحياء دليل يوثق انتهاكهم حقوق المدنيين العزل. ولعل الأمر المزعج لطرف الجيش أن معظم العمل الانساني يعتبر غطاءً استخباراتيا تستغله الدول الأجنبية ذات الأجندة المعادية في جمع المعلومات وفبركة التقارير والترويج السياسي والاعلامي عبر المنظمات التي ترفع يافطات انسانية. ولذلك لابد من مراقبة هذه المنظمات ومرافقة العاملين فيها، حتى لا تُوظف لصالح المليشيا المتمردة.
1458
| 13 مايو 2023
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8958
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4869
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
4230
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
2826
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2193
| 23 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1347
| 20 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
741
| 21 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
684
| 23 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
504
| 22 سبتمبر 2026
الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل...
438
| 20 سبتمبر 2026
اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...
417
| 23 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
405
| 25 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل