رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للإخلاص علامات لا يجهلها السالكون إلى الله عز وجل، ومن تلك العلامات الحياء من الله عز وجل، إذ علَّمَك وفَهَّمك وأجلسك مجالس الرحمة، أن ترجو غيره، أو تلتمس رضوان أحد سواه، فاجعل تعلّمك خالصاً لله، ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب. فأساس النجاح والظفر بالمطلوب في الدنيا والآخرة هو الإخلاص لله، فهو للعمل بمنزلة الأساس للبنيان، وبمنزلة الروح للجسد، وكما أنه لا يستقر البناء ولا يتمكّن من الانتفاع منه إلا بتقوية أساسه وتعاهده من أن يعتريه خلل فكذلك العمل بدون الإخلاص، وكما أن حياة البدن بالروح فحياة العمل وتحصيل ثمراته بمصاحبته وملازمته للإخلاص، وقد أوضح ذلك ربنا في كتابه العزيز فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. ولما كانت أعمال الكفار التي عملوها عارية من توحيد الله وإخلاص العمل له سبحانه جعل وجودها كعدمها فقال: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}. فالإخلاص أحد الركنين العظيمين اللذين انبنى عليهما دين الإسلام، وهما إخلاص العمل لله وحده وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، قال: "أخلصه وأصوبه"، قيل: "يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنة". وقد قال شارح الطحاوية: "توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما؛ توحيد المرسل سبحانه وتوحيد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما يوحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل". ومحل الإخلاص القلب، فهو حصنه الذي يقطن فيه، فمتى كان صالحا عامرا بسكناه وحده تبع ذلك صلاح الجوارح، ومتى كان خربا سكن فيه الرياء، وليس أدل على ذلك وأوضح بيانا من قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلَحَت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"، وقد أوضح صلى الله عليه وسلم هذا المعنى وبيَّن تبعية الجوارح لما يقوم بالقلب بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
753
| 07 مارس 2012
لا يسمى الجسد جسدا إلا إذا كانت الروح ساكنة فيه، وكذلك العمل لا يصح إلا إذا كان الإخلاص فيه، فالأعمال التي يتقرب المسلم بها إلى الله كثيرة ومتنوعة، فهي ليست محصورة في الفرائض على فضلها وعظمها، وإنما هي شاملة مناحي الحياة كلها، فالمسلم يرجى له أن ينقل محراب مسجده إلى كونه، ليكون الكون محرابا كبيرا يحسن التعبد فيه، بيد أن هذه الأعمال المتنوعة ما هي إلا صورا أو أجسادا أي لا حياة فيها شأنها شأن الميت الذي نزعت روحه وأرواح الأعمال هو الإخلاص، لذا لا تعجب أن يعرفه بعض سلفنا بالإسلام ؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله وحده لا لشيء سواه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إخلاص العمل هو الدين لله، الذي لا يقبل الله ديناً سواه. وقال في موضع آخر: وهو خلاصة الدعوة النبوية، وقطب القرآن الذي تدور عليه رحاه، واستشهد بقول الله تبارك وتعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:1 — 3]. أي: ألا لله العبودية والأقوال والأعمال الخالصة لوجهه. ومدار الإخلاص على النية وفعلها في العمل فعل السحر، فتعظم الصغير وتكبره، ولا عجب فالمصطفى هو القائل: (إنما الأعمال بالنيات). كم من أقوال قليلة عظمتها النية، وكم من أقوال كثيرة محق الله بركتها وعادت وبالاً على أصحابها لما خرجت لغير الله، وأريد بها غيره، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل. إخلاص العمل لله أن يأخذ هذا النور وهو يرجو رحمة الله في كل كلمة يسمعها ويكتبها ويفهمها ويخبر بها، فتكون أشجانه وأحزانه لله جل جلاله، فلا يزال بهذا الإخلاص تُحط به في صحيفة عمله الحسنات، ويُستوجب له بها عند الله رفعة الدرجات، يغدو إلى مجالس العلم فينظر الله في قلبه وهو جالس مع العلماء، ومذاكرة طلاب العلم، وهو لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فلا يزال يحبه الله ويكرمه ويرفعه ويعظم أجره ويحسن العاقبة له في العلم. ومن كمل إخلاصه لله، كان موفقا مسددا، وصار عمله زادا ينتفع به في دينه ودنياه وآخرته. وقد قال بعض السلف: العمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله، والقلب ملك والأركان جنود، والدنيا كلها ظلمات إلا موضع العلم، والعلم كله هباء إلا موضع العمل، والعمل كله هباء إلا موضع الاخلاص. فإذا أراد الله بالعبد خيراً كسر قلبه لخشيته، وبدأت تظهر امارات الإخلاص على عمله وحركاته وسكناته، ويكون أشد ما يكون حرصاً على إخفاء عمله.
3636
| 29 فبراير 2012
النفس بطبيعتها أمارة بالسوء {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} طبيعتها التي فطرت عليها تحتاج معها إلى كبير ترويض، وكثير توفيق، وجهد وعناء، وتحمل للبلاء، فإذا أكرهتها على شيء مما يحبه الله من صلاة أو صيام أو صدقة أو قيام، فلم تستجب لك، وإلى حسن السير لم تطعك، فعاقبها عقاب من يخاف الفوت، ويخشى عدم اللحوق بالركب، وذلك بأن لا تطعها في مباح ما تشتهي، فإن ذلك من أفضل الأدوية لها. ومن أقوى الروادع لكبح جماحها. وقديما قال بعض السلف: "إذا عصتك نفسك في ما كرهت فلا تطعها في ما أحببت ولا يغرنك ثناء من جهل أمرك" ذلك أن النفس تحن إلى من يمدحها ولو كانت على يقين من كذبه، يقول سفيان الثوري رحمه الله: ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك به أجر، إنما عدوك نفسك التي بين جنبيك، فقاتل هواك أشد مما تقاتل عدوك. والعلة في ذلك أن الشيء إنما يفضل ويشرف بشرف ثمرته، وثمرة مجاهدة النفس الهداية من الله وأعظم بها من أجر{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. فيا أيتها النفس أنت على جناح سفر، ودارك هذه دار غرور وكدر، والمسافر إذا لم يتزود صالحا ركب متن الخطر، وخير الزاد التقوى كما أنزل على سيد البشر، فجدي السير، وشدي المئزر، وذاك بتجريد عزم التوبة، والتلبس بلباس الأوبة، وملازمة ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات فلا تتركي عمل اليوم لغد، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. ولا نجاة للمرء معها إلا إذا كان منها في صراع دائم ما بقيت في دنياه حياة، فإذا قويت عليه أو اقتربت، فلينتبه، فهنا بدأ النزال: صلت عليه سوط العزيمة، فإنها إن عرفت جدك اِستأسرت لك، وامنعها ملذوذ مباحها، ليقع الاصطلاح على ترك الحرام، فإذا صبرت على ترك المباح (فَإِما مناً بَعدُ وَإِما فِداء) واعلم أن الدنيا والشيطان خارجان عنك، والنفس عدو مباطن، ومن أدب الجهاد (قاتِلوا الَّذَينَ يَلونَكُم) إِن مالَت إٍلى الشَهوات فاكبِحها بِلِجامِ التَقوى، وإِن أعرضت عن الطاعات فسقها بسوط المجاهدة، وإن استحلت ثوب البطالة فصح عليها بصوت العزم. وإن رمقت نفسها بعين العجب فذكرها خساسة الأصل، فإنك والله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك، لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك، وقد اجتمعت عندك جنود الهوى في بيت النفس، فأحكم الحصن، ونادي بأعلى صوت: يا حزب التقى جردوا سيوف العزائم، وادخلوا عليهم من كل باب. واعلم أن نيل العلا بالكدح، وأن ارتقاء درج المجاهدة بالصبر، أتروم الحصاد ولم تبذر؟؟؟ لولا إيثار يوسف عليه السلام في قوله (رب السِجنُ أَحبُ إِليّ) ماخرج إلى راحة (وَكَذلِكَ مَكَنَّا). وليس كل الناس يقدر على الصمود أمام كل حيلها، وأعظم حيلها على الإطلاق تنفذ وتنجح ساعة الغضب، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يملك نفسه عند الغضب من القوة والشدة ما ليس للذي يغلب الناس ويصرعهم فقال: "ليس الشديد بالصرعة. قالوا: فمن الشديد يا رسول الله؟ قال: الذي يملك نفسه عند الغضب " - رواه مسلم في الصحيح. وعندما سأل البصري حسن أي الجهاد أفضل؟ فقال: جهادك نفسك وهواك.
4756
| 21 فبراير 2012
ما كان الاعتدال في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، تلك قاعدة اجتماعية هامة وأول ما ينبغي أن تصرف إلي المحبة والأخوة في الله فقد وضع الإسلام ميزان قسط يحفظ للعلاقات بين الناس توازنها؛ أمنا لضمان استمرار الحب ودوام الألفة، وكذلك ليصون النفس من صدمات تقلب أحوال المسرفين في مشاعرهم، لذا وجه المرءَ إلى الاعتدال في المحبة، والاقتصاد في المديح، والإنصاف في المعاملة، والتوسط في المعاشرة، والالتزام بالشرع في المخالطة. ولقد قال عمر بن خطاب - رضي الله عنه - لأحد أصحابه: لا يَكْن حُبُّك كَلَفاً ولا بُغْضُك تلفاً. والكلف شدة التعلق بالشيء، والتلف هو الإهمال. فأول ما ينبغي لفت النظر إليه: أن على المرء أن يعتدل في حبه وبغضه، وأن يقتصد في مديحه لغيره، كما أرشد إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف حين قال: "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما". رواه الترمذي في سننه وصححه الألباني. فاذا أحببت أو أبغضت فبقدر، وإذا اقتربت فلغاية، وإذا هجرت فلحكمة، فليس وراء كل هجر عتاب، كما قال الأولون: قد يكون ترك العتاب عتابا إني ليهجرني الصديق تجنيا**** فأريه أن لهجره أسبابا وأخاف إن عاتبته أغريته**** فأرى له ترك العتاب عتابا وإذا بليت بجاهل متعاقل**** يدعو المحال من الأمور صوابا أوليته مني السكوتَ وربما**** كان السكوت عن الجواب جوابا من هنا ننبه على أنه لا ينبغي أن يفرط الرجل في محبة أخيه، ولا يتجاوز في عداوة عدوه، فإنه لا يدري متى تنتقل صداقة الصديق عداوة، ولا متى تنتقل عداوة العدو صداقة. ومن أمثال أكثم بن صيفي: الانقباض من الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة للملال. والتوسط بين الأمرين خير الأحوال. يقول أبو عبيدة: يريد أن الاقتصاد أدنى إلى السلامة. وكن معدناً للحلم، واصفح عن الأذى... فإنك راءٍ ما علمت وسامع وأحبب، إذا أحببت، حباً مقارباً... فإنك لا تدري متى أنت نازع وأبغض إذا أبغضت غير مباعد... فإنك لا تدري متى أنت راجع وفي ذلك يقول ابن القيم: من أحب شيئا سوى الله عز وجل فالضرر حاصل له بمحبوبه: إن وجد وإن فقد، فإنه إن فقده عذب بفواته وتألم على قدر تعلق قلبه، وإن وجده كان ما يحصل له من الألم قبل حصوله، ومن النكد في حال حصوله، ومن الحسرة عليه بعد فوته: أضعاف أضعاف ما في حصوله له من اللذة: فما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكيا في كل حال مخافة فرقة، أو لا شتياق فيبكي إن نأوا، شوقا إليهم ويبكي إن دنوا، حذر الفراق فتسخن عينه عند التلاقي وتسخن عينه عند الفراق. ومع كل هذه النداءات الإيمانية والتحذيرات الهامة فإنا نقول الوقاية من البداية أوفق، ثم أمر أخير ذا صلة على السائر أن ينتبه إليها إذا رام المرء تحصينا لنفسه، وهو في بداية أمره عليه ألا يكثر من القرناء سيما الذين لا يعرف عنهم ما يستروح له قلبه ويهنأ بمعرفتهم فؤاده. عدوك من صديقك مستفاد... فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه... يكون من الطعام أو الشراب
9329
| 08 فبراير 2012
الكلام كله منطوق، غير أن البشاشة واللين مع التودد للإخوان يعتبر كلاما تظهر معانيه بل ومبانيه في تلك الابتسامة أو الكلمة الصامتة التي ترتسم على وجه المرء وإن كان بعيدا عن محيط الرؤيا، فليست حواجز تستطيع أن تحجز هذه المشاعر إذا أراد صاحبها إيصالها، فإذا ارتسمت جسدت كل معاني الإخاء والمودة. وهذا من حق المسلم على أخيه إذا قابله، أن يقابله: بوجه طلق، وثغر باسم. أن يهش ويبش في وجهه كلما لاقاه أو رآه. هذا أدب فطري وفوق ذلك مأجور عليه المرء، فعن أبي ذر — رضي الله عنه — قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:" لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق " وصاحب المعروف مأجور على ما يفعل كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جابر — رضي الله عنه —:" كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلق أخاك بوجه طلق...". ويؤكد النبي على هذا المعنى قائلاً: " إفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فى إناء أخيك صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وتَبَسُّمُك فى وجه أخيك صَدَقَةٌ". وهذا بدوره يستولد اللين والرفق والتودد وحسن العشرة والرفق بين الناس، والله يحبه ويعطي عليه ما لا يعطي على غيره، كما روي عنه صلى الله عليه انه قال: " إن الله يحب الرفق في الأمر كله ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لايعطي على ما سواه ". وأولى بالجماعة المسلمة والأمة الموحدة أن يكون هذا ديدن التعامل بينهم، فهو أحرى وأولى أن يرفق بعضهم ببعض، وأن يلين بعضهم لبعض. روى ابن مسعود — رضي الله عنه — قال: قال صلى الله عليه وسلم:" حُرم على النار كل هينٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناس". والله تعالى قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيما أوصاه به من الرفق بالرعية: "ولو كنت فظاً غليظ لانفضوا من حولك". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير كله، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير كله. إنه أمر — وإن كان في ظاهره بسيط — إلا أن تأثيره في النفس جد عميق، ابتسامة صغيرة ضعها على وجهك وأنت تخاطب غيرك، ستجد تغيرا في الحديث له أثره في نفسك، فلن تستطيع أن تسع الناس بمالك فليسعهم منك وجه طلق وخلق حسن وبشر وبشاشة.
1316
| 01 فبراير 2012
لا يخلو عصر من لصوص وقطاع طرق، يريدون سلب خيراتنا ونهب ممتلكاتنا، والسطو على ما نكنزه طيلة عمرنا، هذه المهنة الخسيسة باقية وستظل وان تغيرت مسمياتها وتبدلت ألقابها. وان أعظم السرقات فى عصرنا على الاطلاق: سرقة العقول والقلوب، هؤلاء الذين يريدون السطو المسلح على ثوابت ديننا وعقيدتنا وتقاليدنا التى تربينا عليها، لقد استطاعوا أن يحتلوا الاعلام والتعليم، وبدأوا منذ سنين فى تغريب العقلية العربية المسلمة، وما زالوا الى اليوم رغم الثورات العربية المباركة، ما زالوا الى يومنا يكيلون الاتهامات تلو الاتهامات ويرهبون الناس لا أقول بالتلميح بل وبالتصريح. منذ أيام قليلة خرج أحدهم على شاشة قناة الجزيرة ليعلن وبكل جرأة: أن القرآن مصدر روحى للمسلمين لا يجوز أن يكون مصدرا من مصادر التشريع! عوضا عن أن يقول كما يقر كل مسلم أنه مصدر التشريع، يرفض — سعادته — أن يكون أحد مصادر التشريع، وزاد الطين بلة حين يرى الأستاذ أن القرآن كتاب روحى مهمته أن يعالج الروح من مشاكلها النفسية! ولا دخل له البتة بأمور الحياة وتسييرها! ولا أريد أن أجيب على هذا الكلام الفج، فلو قرأ القرآن أو فهمه ما قال ذلك ولا تفوه به. ولكنى وقفت أمام بعض المتحمسين الصادقين فيما نحسب الذى ردوا على الرجل ردا أهانوه وبعضهم قال: ينبغى عليه أن يتوب فقد كفر! وبعضهم اتهمه بكل قبيح، ونال منه نيلا شديدا، وفريق آخر رأى أن مثل هذا الكلام لا يحتاج الى نقاش ولا الى حوار. وهنا لابد من وقفة، هل بمثل هذا الخطاب يستقيم الأمر، وهل حديثنا الى بعضنا وأغلاق حوار معهم هو الأولى؟ اننا بهذ المنهج نرتكب خطأ بل خطيئة، فلا عداوته نافعة ولا تركه وعدم فتح حوار معه صالحا. بل الحل هو مد الجسور والذهاب الى أرضيتهم الفكرية والتحاور معهم وتبين الحقائق، الى متى سنظل ندافع عن حصوننا من داخل بيتنا؟، متى تنقلب المعادلة فنسمعهم بالحوار المحكم الخالى من التعصب والتشنج فى أماكنهم وتواجدهم ما يريده الاسلام، نزيل بذلك الشبه عنهم ونبين لهم خطأ ما يعتقدون. ان سرقة هؤلاء أولى من عداوتهم، وان استيعابهم أولى من اقصائهم، وان احترام عقولهم وان أنتجت الخطأ المحض أولى من ازدرائهم أو الابتعاد عن محاورتهم، لقد كتب الكاتب الاسلامى الأستاذ خالد محمد خالد كتابا نال فيه من الاسلام أسماه: من هنا نبدأ، وهنا انبرى بعض الاسلاميين للدفاع عن دينهم ولكن بمهاجمة واضحة للأستاذ فما ازداد الا ثباتا وتأييدا لمنهجه، ولكن العلامة الغزالى رحمه الله لم ينح هذا المنحى، بل مدح خالدا وقال: أرجو له خيرا، وكتب كتابا يرد عليه، أسماه: من هنا نعلم. وكانت المفارقة أن ينقلب الأستاذ على أفكاره القديمة الرجعية، وكتب كتابا يرد فيه على نفسه أسماه: الحكومة الاسلامية نقض فيه الأوهام التى كتبها بنفسه، وكان من بركات هذا المنهج أن صار الأستاذ أحد أشهر الكتاب الاسلاميين. لابد من سرقة عقولهم وسرقة قلوبهم، ولن يكون ذلك بالبعد ولا بالسب جاء فى (سير أعلام النبلاء) للذهبى فى ترجمة مالك بن دينار: وَقِيْلَ: دَخَلَ عَلَيْهِ لِصٌّ، فَمَا وَجَدَ مَا يَأْخُذُ، فَنَادَاهُ مَالِكٌ: لَمْ تَجِدْ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا،فهل تَرغَبُ فِى شَيْءٍ مِنَ الآخِرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَوَضَّأْ، وَصَلِّ ركْعَتَيْنِ. فَفَعَلَ، ثُمَّ جَلَسَ، وَخَرَجَ اِلَى المَسْجِدِ، فَسُئِلَ: مَنْ ذَا؟ قَالَ: جَاءَ لِيَسرِقَ، فَسَرَقْنَاهُ. فلنشمر أيها الأحباب عن سواعد الجد باللين وعن لسان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة لنسرق من يحاول سرقتنا.
833
| 19 يناير 2012
حادث أليم ذهب فيه طالب في الجامعة مخلفا جرحا غائرا في قلب أبويه، حضرنا العزاء وأحببت أن أخلو قليلا بوالد الشاب أواسيه وأصبره بما يستوجب المقام وما يليه الدين وقد كان، خلونا بالرجل الذي حاول جاهدا أن يبدو متماسكا في غالب الحديث، وبعفوية تحدث عن حبه لهذا الولد وفي غفلة من مثابرته سقطت دمعته التي ما كان يتمني أن يراها الحاضرون (كأنها عورة ينبغي أن تستر)، الشاهد أن الوالد حين وقعت دمعته ذهب إليه أخوه ليخبره أن هذا لا يصلح وما ينبغي أن يراك الناس تبكي! فقلت متعجبا منه: يا أخي إن ما فعله أخوك هي فطرة الله التي فطر الله الناس عليها، وغير ذلك هذا الذي ينبغي أن يتعجب منه، العجب ليس في بكائه على فراق فلذة كبده، العجب منك أنت الذي تحاول أن تحارب فطرتك، باسم العيب أو الرجولة أو الفحولة أو أي الأسماء زعمت، وليس هذا من ديننا في شيء، إن البكاء لا ينافي الرجولة البتة، وإذا كنا نتفق على أن القدوة المثلى والأسوة المتبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعني أحدثك عنه، لقد اشتكى يوما سعد بن عبادة من مرض ألم به، فأتى إليه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله — فظن أنه مات — فقال صلى الله عليه وسلم (قد قضى) أي أجله. قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا.. فقال: ألا تسمعون: إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم — وأشار إلى لسانه —. وانس بن مالك رضي الله عنه يروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال له قبيصة بن المخارق، فقال له النبي: يا خالاه أتيتني بعدما كبرت سنك، ورق عظمك واقترب أجلك. فقال: يا نبي الله أتيتك بعدما كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وافتقرت فهنت على الناس قال فبكى النبي لقوله افتقرت فهنت على الناس". إنها الرحمة أخي التي أودعها الله قلب عباده، بل أحدثك أكثر من ذلك، لقد كان العرب يفتخرون بما تدعيه أنت عيبا ينبغي أن يستر ويرون أن حسن العاطفة من المكارم التي ينبغي أن تنشر فهذا الطرطوسي يقول: لو كان يدري الابن أية غصة يتجرع الأبوان عند فراقه أمٌ تهييج بوجده حيرانة وأب يسح الدمع من آماقه يتجرعان لبينة غصص الردى ويبوح ما كتماه من أشواقه لرثى لأم سلّ من أحشائها وبكى لشيخ هام في آفاقه ولبدل الخلق الأبي بعطفه وجزاهما بالعطف من أخلاقه. إنها الرحمة والرأفة التي وضعها الله في قلوبنا فلا تحارب فطرتك يا أخانا.
857
| 12 يناير 2012
المواساة خلق إسلامي رصين غائب عند بعض المسلمين، لكنه حاضر وبقوة في التصور الإسلامي، فالمواساة كما يقول علماء العربية: أن ينزل المرء غيره منزلة نفسه في النفع له والدفع عنه، والإيثار أن يقدم غيره على نفسه فيهما، وهو النهاية في الإخوة. وهذا الكلام النظري وجد تطبيقاً عملياً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته.. ثم تضاءلت - المواساة - في العصور المتأخرة بيد أنها لم تختف. لقد شرعت المواساة في ديننا ولها صور متعددة: فهناك المواساة بالمال، وهناك بالبدن، وهناك بالجاه، وهناك بالكلمة الطيبة. وهي وإن كانت لازمة من الغني إلى الفقير أو الصحيح إلى المريض أو القوي إلى الضعيف فإنها أحيانا تكون من المفضول إلى الفاضل، ومن ذلك ما فعله سيدنا أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم حين واساه بماله فقال النبي عنه: {آمن بي إذ كذبتموني، قلت لكم: أنا رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وبماله}. والقرآن الكريم أظهر جوانب من المواساة للفقراء والمساكين فقد قال الله في شأن الضعفاء لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54]. يواسى الفقراء كما واسى المهاجرون الأنصار؛ وطبق الأنصار هذا المبدأ مع إخوانهم المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم وأهليهم لله ورسوله قال تعالى فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الحشر:9] وبلغ الأمر من التطبيق مبلغاً يدل على صفاء قلما تعرفه البشرية، وذلك في موقف سعد بن الربيع حين قال لعبد الرحمن بن عوف: يا عبد الرحمن! انظر إلى أي زوجتي هاتين أعجبتك حتى أنزل لك عنها فتتزوجها! وقال: يا عبد الرحمن! إني رجل كثير المال فهلم أقسم مالي بيني وبينك نصفين! وإن كان موقف سعد رضي الله عنه بلغ المرتبة العليا في المواساة والوفاء فإن موقف عبد الرحمن بن عوف لا يقل نبلا عنه حين قال له بارك الله لك في مالك وأهلك وزوجك دلني على السوق. ومدح النبي صلى الله عليه وسلم قبيلة أبي موسى الأشعري لمواساتهم مع بعض فقال (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو - أي قل زادهم - أو قل طعام عيالهم، جمع كل منهم ما عنده من طعام، ثم طرحوه، ثم اقتسموه بينهم بالسوية فأنا منهم وهم مني). وهذه الخصيصة والميزة لا تقتصر على قبيلة دون قبيلة بل اللفظ هنا عام يدل على الفعل لا الفاعل، ولعلنا نسلط الضوء في المقال القادم إن شاء الله على ذلك.
2218
| 05 يناير 2012
الوقوع في الخطأ سمة طبيعية من سمات الشخصية الإنسانية بوصفها البشري، إنها تخطئ وتصيب، وهذا شأن طبيعي، لكن غير الطبيعي — وهو ملاحظ بصفة ليست بالضئيلة — عدم الاعتذار عن الخطأ بل بعضهم يعتقد أن اللجاج والخصومة على الخطأ الذي وقع فيه أفضل من أن ينزل على رأي أخيه ومن ثم يعتذر إليه. ولقد انتقل هذا الخلق السييء من المحيط العام إلى المحيط العائلي؛ فقلما تجد زوجا يعتذر إلى زوجه عن خطأ أخطأه أو وقع فيه والعكس كذلك. مع أننا نؤمن بأن تفادي الوقوع في الخطأ أولى من الاعتذار. إن البعض يعتقد أن الاعتراف بالذنب أمر صعب ومستبعد؛ لأسباب يتوهم أنها تربوية، فهو يعتقد أن الاعتذار أمام الزوجة أو الأبناء يفقده درجة القوامة التي منحها الله له،وهذا خطأ. إن السبب الرئيس في هذه الحالة يعود إلى تقاليد نمطية متوارثة؛ لم تتنور بما شاع من علم ودين، أو بما بدأ ينتشر من وعي في مجتمعنا. فما زال المخطئ يخطئ، ثم يخطئ، ولا يزال — أباً كان أو أماً أو أخاً كبيراً — متحفظاً بتلك الصفات (الاجتماعية) التي تعطي (المخطئ) حصانة اجتماعية ضد النقد. هذا في الدور الاجتماعي، ناهيك عن الأدوار الأخرى في الحياة والتي تعطى انطباعا مرا عن ذهنية الحياة الاجتماعية في الشرق. وسبب آخر لهذه الظاهرة هو عدم تربية الناشئة في الصغر عليه، والتربية هنا لا تقف عند حد القول النظري بل ينبغي أن يرى الناشئة هذا السلوك أمامهم، يرى الناشئة أن المخطئ أبا أو أما أو أخا أو مدرسا أو طبيبا الكل في ميدانه إذا أخطأ اعتذر ؛ ساعتها تجد هذا السلوك يحيا من جديد. وسبب ثالث لعله أيضا من الأسباب التي أدت إلى اضمحلال وتضاؤل هذا الخلق، هو عدم التماس الأعذار من البعض، فتجد الأخ ربما يرهق نفسه وكأنه يحمل على ظهره جبلا ثقيلا ليرضي أخاه، مما يدفع البعض إلى تحمل مشقات المراوغة في الحديث عن الاعتذار الذي سيكلفه من الوقت والجهد الشيء الكثير قيل لي: قد أَسَاءَ فيكَ فلانٌ... وسكوتُ الفتى على الضيم عارُ قلتُ: قد جاءني فأَحْسَنَ عُذرا... دِيَةُ الذَّنبِ عندنا الاعتذار ولله در محمد بن زنجي البغدادي — إِذا اعتذرَ الصديقُ إِليكَ يوماً... من التقصيرِ عذرَ أخٍ مقرِّ — فصُنْهُ عن جفائكَ واعفُ عنه... فإِن الصفحَ تشمةُ كل حرِّ ومن قبله قال الشافعي — اقبلْ معاذيرَ من يأتيكَ معتذراً... إِن برَّ عندكَ فيما قال أو فجرا — لقد أعطاكَ من يرضيكَ طاهرُهُ... وقد أجلكَ من يعصيكَ مستترا
1788
| 28 ديسمبر 2011
أحد أهم أساب ضعف البنيان الأسري في مجتمعنا الإسلامي: ضعف تناقل الإرث الاجتماعي — الذي يعني رصيد الخبرة الحياتية المنضبط بالكتاب والسنة من الآباء إلى الأبناء —، وخطورة هذا الأمر واضحة غير محجوبة خاصة مع الأسر الوليدة التي تبحث لها عن عش آمن أو مستقر ثابت! في التاريخ العربي امرأة تدعى أسماء بنت خارجة الفزارية أهدت ابنتها ليلة زفافها وصية غالية بل أهدتها حياة هادئة وكانت تتغني بذلك وكانت تردد دائما (لو أطاعتني النساء ما طلقت امرأة) ذلك أنها امرأة خبرت الحياة الزوجية وفهمت طبيعة الرجال لا عن طريق خوض تجربة مبتورة من نصائح وتوجيهات، بل عن طريق إرث هائل ورثته عن أمها وجدتها وأهدته لابنتها لتهديه بالتبعية إلى صغيرتها، وبهذا تنتظم الحياة الهادئة التي تبحث عنها كل امرأة، فلنستمع إلى تلك الوصية ثم نعلق عليها قليلا، تقول أسماء لابنتها: "يا بنية: إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تألفيـه وقرين لم تعرفيه، فكوني له أرضاً يكن لك سماء، وكوني له مهاداً يكن لك عماداً، وكوني له أمة يصر لك عبداً، الصحبةُ بالقناعة، والمعاشرةُ بحسن السمع والطاعة، تعهدي لموقع عينيه فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلاّ أطيب ريح، تفقدي لوقت طعامه والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة، واتقي الفرح إن كان حزيناً والكدر عنده إن كان فرحاً، ولا تفشي له سراً ولا تعصي له أمراً، فإنك إن أفشيت له سراً لم تأمني غدره وإن عصيت له أمراً أوغرت صدره.." هذه الكلمات الضاربة في عمق الحياة الزوجية تنبئ عن خطة متكاملة تخطها أسماء لابنتها حتى تفوز بمعركة استقرار الحياة الزوجية، خطة لا تحتاج إلى كبير تنظير بقدر ما تحتاج إلى التطبيق، المرأة بفطرتها الممزوجة بالحكمة الواضحة أبرزت عن بعد نظر عجيب، ولئن أعجبتك دقة الصياغة فإنه ليطير عجبي من تلك الخبرة الهائلة لتلك المرأة بطبيعة النفس البشرية التي هي نتاج لخبرات أمهات شتى سبقنها، لقد سبرت أغوار النفس البشرية لتخرج لنا دررا لو أحسن تطبيقها من الرجال والنساء على حد سواء ما تعست امرأة ولا شقي رجل. فمع مطالبتها لابنتها أن تكون أرضا لزوجها ألمحت لها أن الغاية من ذلك أن يكون هو لها سماءً. فالبيت لا يسير أبدا بتنازل طرف واحد في غيبة الطرف الآخر، بل هي عملية متكاملة بين شريكي الحياة، لا يستأسد فيها طرف على طرف، بل تنازل فيها كل زوج لزوجه، ويتفهم كل منهما طبيعة الآخر ويعتذر له ما أمكن، ويتجنب ما أمكنه إغضاب زوجه أو المساس بما يعكر صفاء حياتها، فإن حدث عن غير قصد أو عن ضعف بادر إلى زوجه فأصلح ما أفسد واعتذر عما أخطأ، وحاور وناقش وتفهم، ولم يخلد إلى النوم إلا وقد تراضيا واصطلحا، وهذا المنهج لا ينقص من رجولة الرجل ولا من كبرياء المرأة بل إنه من دلائل رضا الله على المرأة فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْوَلُودُ الْوَدُودُ الَّتِي إِذَا غَضِبَتْ أَوْ غَضِبَ قَالَتْ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَكْتَحِلُ بِغِمْضٍ حتى ترضى". ما يهمنا الآن وما يحتاج أن نخلص منه وأن نركز عليه أن الأبناء في الماضي كانوا يتعلمون من آبائهم إدارة الحياة القادمة عن طريق جلسات تعليمية تربوية نفسية، وهذا يفتقده الأبناء في عصورنا حتى صار بعضنا يقذف بأبنائه في لجة البحر الهائج دون تعليمه كيفية السباحة!!
1152
| 21 ديسمبر 2011
يطلق الوطن في معاجم اللغة على "المكان الذي وطنه الإنسان واستقر فيه"، قرر ذلك كل من: الخليل الفراهيدي في كتاب العين، والجوهري في الصحاح وابن منظور في لسان العرب والزبيدي في تاج العروس وغيرهم، واتفقوا على أن منزل الإقامة والمكان والمحل هو وطنه الذي يسكنه أو يسكن هو فيه. ومن عظيم أن أطلق العرب جمع هذا الاسم (الوطن وجمعه مواطن) على أقدس الأمور عندهم وهي ساحة الوغى والمعارك الحربية، فمشاهد الحرب عندهم أطلقوا عليها مواطن،. وفي التنزيل: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ}.. ومنه الحديث "أصدق الناس من صدق في المواطن" وقد قال طرفة قديما: على موطن يخشى الفتى عنده الردى * * * متى تعترك فيه الفوارس هذا الموطن الذي يعيش المرء فيه جعل الله حبه فطرة جبل هو عليها، وإذا قرأت التاريخ تجد أن الحنين إلى الأوطان ربما لم يخل من أحد، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما صح عنه أنه وقف يُخاطب مكة المكرمة مودّعاً لها وهي وطنه الذي أُخرج منه.. روى الترمذي من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: "ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ". ولا أدل على عمق هذه الغريزة من أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم أن يرزق حب المدينة كما أحب مكة بل أكثر، أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. و(أو) هنا كما يقول علماء العربية بمعنى (بل) كما في قوله تعالى: "وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ" سورة الصافات: 147. فالوطن يمثل التاريخ عراقة الماضي وأصالة الحاضر وغده المشرق، والقرآن الكريم أثبت مبدأ هذه المحبة من خلال معادلة بين الوطن والحياة في قوله تعالى:"ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً" فجعل الخروج من الوطن كقتل الإنسان وفقدانه أعز ما يملكه وهو حياته. وليس هذا الحنين ساعة الرخاء بل وفي ساعات الشدة يحن المرء إلى بلده، حتى وإن جارت عليه كما قال الشاعر: بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلى وإن ضنوا علي كرام وأثر أن الأصمعي أيضاً قال: ثلاثة أصناف في ثلاثة أصناف من الحيوان: الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بها بعيداً، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدباً، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعاً. وفي الأثر ما يوضح لنا مراعاة الإسلام لهذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فقد أخرج الأزرقي في "أخبار مكة" عن ابن شهاب قال: قدم أصيل الغفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فدخل على عائشة رضي الله عنها فقالت له: يا أصيل!كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يلبث أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (يا أصيل! كيف عهدت مكة؟) قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق اذخرها، وأسلت ثمامها، وأمشّ سلمها، فقال: "حسبك يا أصيلا تحزنا" وأخرجه باختصار أبو الفتح الأزدي في كتابه "المخزون في علم الحديث"، وابن ماكولا في "الإكمال". وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويهاً يا أصيل!دع القلوب تقر قرارها). ومما أنشده رفيق بن جابر وهو من شعراء الأندلس في تنبيه الغير من الكلام في أوطان من ينزل عندهم، وأنهم لا يقبلون في أوطانهم قدحاً: لا تعاد الناس في أوطانهم قلَّما يُرعى غريب الوطن وكان بلال ينشد ويقول: ألاَ لَيْتَ شَعْرِي هَلْ أبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وجَلِيلٌ وهَلْ أرِدَنْ يَوْما مِياهَ مَجَنَّةٍ وهَلْ يَبْدُونْ لِي شَامَةٌ وطَفِيلُ اللهم احفظ هذا البلد ومن فيه على ما هم فيه من خير وسداد في الرأي ورفعة في المقام، واصرف عنا شر كل ذي شر وكيد كل ذي مكر وحسد كل حاسد.
506
| 14 ديسمبر 2011
مع بداية عام هجري جديد لا خيار لنا في وداعه ولا فراقه، ينبغي أن نقف عدة وقفات محاسبة أمام النفس، نعتبر فيها بما مضى من أخطاء وبمن مضى من أخلاء، واضعين في الأذهان أن من لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره، فهذه أول وقفة ينبغي أن نقفها جميعا. وقد قال قس بن ساعدة في خطبة بليغة يعظ فيها قومه، فكان من جملة ما قال: في الغابرين الأولين من القرون لنا بصائر.. لما رأيت موارد للناس ليس لها مصادر، أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم.. إنها رحلة الحياة التي لها مبتدى ومنتهى، والتي يتذكر المرء فيها عاماً مضى من عمره متنزعا بذلك من شجرة عمره أفرعاً وأوراقا إلى أن يأتي يوم تبتر فيه الشجرة ويجد المرء نفسه أمام الله مسؤولاً ومحاسباً. يقول الله عزَّ وجلَّ: "يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْـرَةً لِأُولِي الْأَبْصَـارِ" وقد كان سلف هذه الأمة يدركون جيداً تلك الحقيقة ويعدون لمثل هذا اليوم عدته، قيل لـمحمد بن واسع، عليه رحمة الله: كيف أصبحتَ؟ قال: كيف أصبح من دنا إلى قبره مرحلة. إنها تجعل كل وقت يمر عليه إنما هو سائقه إلى قبره وقائده، وقد قال الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله: يا ابن آدم! إنما أنت أيام مَجموعة، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضُك. وقال أيضاً: "يابن آدم! إنما أنت بين مطيتين تضعانك، تضعك مطية الليل إلى النهار، ويضعك النهار إلى الليل، حتى يُسلماك إلى قبرك". فمن أشد منك خطراً يا ابن آدم؟! وقد مر الفضيل بن عياض عليه رحمة الله، على رجل كبير طاعن في السن، غارق في معصيته، فقال له: يا هذا! كم مضى من عمرك؟ قال: ستون سنة، فقال الفضيل: رجل يسير إلى ربه منذ ستين سنة، يوشك والله أن يصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: كذبت! لو علمتَ أنك عبد لله لعلمتَ أنك إليه راجع، ولو علمتَ أنك إليه راجع لعلمتَ أنك موقوف بين يديه، ولو علمتَ أنك موقوف لعلمتَ أنك مسؤول، ولو علمتَ أنك مسؤول لأعددتَ للسؤال جواباً، فقال له: يا فضيل! ما الحيلة؟ قال: الحيلة يسيرة، أن تحسن فيما بقي، فإن مَن أحسنَ فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أُخذ بما مضى وبما بقي. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: وإن امرأ قد سار خمسين حجة *** إلى منهل، من وِرده لقريبُ الوقفة الثانية: النَعيم الحقيقي لا يكون إلا في الجنة، فهل أعددنا العدة، يقول أحد الشعراء واعظا أحد الأثرياء: أما قصورك في الدنيـا فواسعةٌ : فليت قبرك بعد الموت يتسعُ. إن نعيم الدنيا مهما كثر لا يساوى ساعة من ساعات يوم القيامة وفي الحديث: "والذي نفس محمد بيده لرؤية ملك الموت أشد على أحدكم من ضربة بالسيف ستين مرة". وقال أحد الشعراء في ذلك: لو عُمِّر الإنسان طيلة دهـره : ألفاً من الأعوام مالك أمره متنعماً فيها بكل مراده : مترفهاً مترفعاً في قدره ما كان ذلك كله بمكافئٍ : لمبيت أول ليلة في قبره إنها دعوة لأن نغتنم ما بقي من أعمارنا لنعمر آخرتنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال الصالحة سبعاً: هل تنتظرون إلا فَقراً مُنسياً، أو غنىً مُطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو موتاً مُجْهزاً، أو هرماً مُفْنِداً، أو الدجال فشر غائب يُنتَظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر". نسأل الله أن يختم لنا بصالح الأعمال. آمين.
13232
| 29 نوفمبر 2011
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...
2529
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
2283
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...
1188
| 11 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
1080
| 14 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
1032
| 15 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...
678
| 12 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
597
| 13 أكتوبر 2026
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...
579
| 11 أكتوبر 2026
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...
483
| 11 أكتوبر 2026
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...
465
| 15 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
453
| 15 أكتوبر 2026
قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...
420
| 12 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية