رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أزمة التخلف

يقول ابن خلدون رحمه الله: "كلما زادت المنتجات في جودتها ارتفعت قيمتها، وأصبحت حياة البشر أيسر، وزاد الرزق، وعندها سيزداد تحسّن الإنتاج، وتستمر هذه الدائرة صعوداً بالأمة، وكلما ازدادت المنافسة، زادت مهارة العمال، وزاد التنافس على أفضلهم، وازدهرت الأسواق وتحسن دخل الدولة، وعاش الناس في رفاهية " بتصرف. الهدف الرئيسي من وجود الدول، ووجود الحكومات العمل على إسعاد الناس في الدنيا، وأن يعينوهم على النجاة والنجاح في الآخرة، من خلال نشر الدين وحماية الدولة، والنهوض بالإنسان، وهذا الهدف لا يتحقق إلا بتكامل أدوار جهات عدة، فالدولة من جهة، ومن جهة أخرى هناك أدوار منوطة بالأحزاب والجماعة المنظمة، وهناك أدوار منوطة بالمنظمات والشركات والمؤسسات، وللأسرة والبيت والأهل دور لا يقل أهمية، وكذا الإنسان نفسه عليه واجبات، وله دور في تحقيق الهدف. فالتكامل هو ما يحقق السعادة للإنسان وللدولة، ولا يجوز أن نلقي باللائمة كلها على الدولة، وكذا لا يجوز أيضاً أن نقول إن الفرد هو السبب. يتحدث ابن خلدون عن التطور الذي يحدث للمجتمعات والدولة كنتيجة للمردود الإيجابي للعمل الإنتاجي، فعندما يجتهد العمّال في العمل والإنتاج، فإن الاقتصاد سيصعد ويتطور، وتدور عجلته مبشرة بالخير، وإذا قوي الاقتصاد وتطور ازداد الطلب على الأيدي العاملة، مما يدفع هذه الأيدي العاملة إلى تعلم الجديد في مجال عملها، وزيادة مهاراتها، حتى تنافس في ظل وجود فرص متكافئة. هناك ارتباط وثيق بين ضعف الفاعلية وبين التخلف، فكلما ضعفت الفاعلية زاد التخلف، وإذا زاد التخلف أصبح من العوامل المعيقة للفاعلية، وسنبدأ بالحديث عن أزمة التخلف لنتبعها الحديث عن الفاعلية. ويعرف التخلف بأنه مستوى التراجع في المنافسة مع الآخرين، فعندما نتراجع في مؤشرات التنافس نكون قد تخلفنا، وغيرنا سبقنا وتقدم علينا، وإن كنا في المجمل – كعالم عربي وإسلامي- نعاني من التخلف إلا أن هناك نماذج مشرقة، لا يمكن إغفالها أو التجاوز عنها، فأنا أتحدث عن مستوى العالم العربي والإسلامي، ولا أتحدث على مستوى دولة معينة. والتخلف في أمتنا العربية والإسلامية، يأخذا أشكالاً وصوراً وأبعاداً مختلفة؛ كالتخلف العلمي، ومن مظاهره الإنفاق على البحث العلمي. ففي دراسة أجريت على متوسط نسبة الإنفاق على البحث العلمي في الدول من عام (2000- 2007)م، في سبع دول عربية (السعودية، مصر، الجزائر، السودان، الأردن، الكويت، المغرب) كان متوسط الإنفاق على البحث العلمي فيها مجتمعة (1/4) من (1%) أي (0.25%)، بينما دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) تنفق وحدها (4.58%) على البحث العلمي، أي يزدادون عنا بمقدار حوالي (18) ضعفا، ثم نتساءل لماذا هم متقدمون علينا؟! وتعد براءات الاختراع من المؤشرات التي يقاس بها التخلف العلمي، حيث تشير إحصاءات (2007)م إلى أن مجموع براءات الاختراع التي حصلت عليها الدول العربية بلغ (147) براءة اختراع، بينما سجّلت دولة الكيان الصهيوني وحدها (1683) براءة اختراع، والسبب في هذا التباين الكبير هو اهتمام أعدائنا بقضايا البحث العلمي، والإنفاق عليه. كما تأتي الجوائز العالمية مؤشرا يقاس به التخلف العلمي، فمثلاً حصلت دولة الكيان الصهيوني على (80) جائزة من جوائز نوبل، بينما حصل مجموع المسلمين في العالم على (10) جوائز فقط، وهذا مؤشر يدلّ على حجم التخلف العلمي الذي تعاني منه أمتنا العربية والإسلامية. ويقاس التخلف العلمي كذلك بعدد ومستوى المراكز المتخصصة بالبحث العلمي، ويقاس أيضاً بمدى تشجيع الدولة للمخترعين والباحثين.

1457

| 23 نوفمبر 2011

من أزماتنا الحضارية

تحدثنا في المقال السابق عن أزمة السلوك في حياتنا وحتى في عبادتنا، وسنكمل عن باقي الأزمات المهمة في حياتنا. ثانياً: النظام والنظافة وحسبك لتعرف أن لدينا مشكلة في النظام والنظافة، أن تتأمل حال مساجدنا المخصصة لعبادة الله تعالى ومناجاته، على بوابة المسجد ترى الأحذية المبعثرة هنا وهناك، مع أن هناك أماكن مخصصة لوضع الأحذية، في الأماكن المخصصة للوضوء نرى الإسراف في الماء بشكل واضح. وإذا دخلت المسجد أصبح أمراً طبيعياً أن ترى من يأتي إلى الصلاة وهو يرتدي ملابس رثّة، أو ملابس النوم " البيجامة "، وهو الذي يخجل أن يقابل بها إنساناً عادياً. وأصبح أمراً طبيعياً أن تفقد خشوعك وروحانيتك بسبب الموسيقى والرنات التي تصدر من هواتف المصلّين دون حياء أو خجل. ويكفيك أن تحجّ مرة لترى تلك المخلفات التي يتركها الحجاج خلفهم، حتى وصل الأمر بنا لأن نكتب هنا وهناك عبارة (دع المكان أحسن مما كان، قدر الإمكان، فإن لم يكن بالإمكان فكما كان) وكأن أمر النظافة ليس جزءاً من ديننا، وقيمة من القيم التي ينادي بها. أزمة في النظام ومما يدلك على أننا نعاني من أزمة في النظام أن تراقب أزمات المرور الخانقة، ومخالفة المسلمين لكثير من اللوائح المحددة لتنظيم المرور، وعدم التزام كثير من السائقين بقواعد المرور إلا بوجود شرطي. ولعل ذاكرتي وذاكرتك لا تنسى مشهد سائق متهور، يسوق بسرعة وبعكس السير، مخالفاً بذلك قواعد المرور، ومعرضاً حياة الآخرين وممتلكاتهم للخطر. وفي بعض بلداننا العربية خاصة الخليجية يوجد هناك في الشوارع "حارات الأمان " وهي مخصصة للطوارئ مثل مرور سيارات الإسعاف أو الدفاع المدني، وليست مخصصة للسيارات العادية، ومع ذلك فإن الكثيرين لا يراعون الهدف الذي من أجله جُعلت هذه الحارات، فعند حدوث أزمة خفيفة ترى الكثير من السائقين يسيرون في هذه الحارات فيغلقونها. اذهب إلى دائرة حكومية لإنجاز معاملة ما، قطعاً ستضيق ذرعاً بمماطلة الموظفين المختصين، وسترى تقاعسهم عن تقديم أحسن الخدمات، وسيزعجك تأخرهم في تحقيق مطالب المراجعين. وهذه السلوكيات وغيرها ما هي إلا انعكاس لأزمة التخلف الفكري الذي نعاني منه. ثالثاً: احترام الوقت من الأزمات السلوكية التي تعاني منها أمتنا عدم احترام الوقت، حتى أصبحت ظاهرة يُعرف بها العرب، إلا من رحم ربي، مع أن ديننا الإسلامي يعلمنا احترام الوقت، بل ويتعامل بالثانية وليس بالساعات، ففي شهر الصيام مثلاً هل يجرؤ أحد منا على أن يمدّ يده إلى طعام الإفطار قبل أن يسمع الأذان، مع أن ما يفصله عن الأذان مجرد ثوانٍ. وكذا الصلاة هل يسقط الفرض عن مسلم نوى الصلاة قبل دخول الوقت بثوانٍ، لا لأن الله تعالى جعل له وقتاً فقال جلّ وعلا (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (أي أن الصلاة لها وقت، لا يجوز أن تتقدم عليه أو أن تتأخر عنه في الأحوال العادية. وكان رستم قائد الجيوش الفارسية في العراق، يتحرّق غيظاً إذا رأى صفوف المسلمين في الصلاة فيقول " أكل عمر كبدي يعلم الكلاب الآداب " أي يعلم العرب النظام والأدب. مواعيد عرقوب وهذا مثل عربي يطلق على من يعد الناس ويخلف الوعد، ولا يفي بوعده، وللمثل قصة، فيحكى أن رجلاً اسمه عرقوب أتاه أخ له يسأله شيئاً، فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت أتاه فقال: دعها حتى تصير بلحاً، فلما أبلحت أتاه فقال له: دعها حتى تصير زهواً، فلما أزهت قال له: دعها حتى تصير تمراً، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب من الليل فجذها ولم يعط منها شيئاً، فصار مثلا للإخلاف بالموعد، وعدم الوفاء بالوعد. وكثير منا ينطبق عليه مثل " مواعيد عرقوب "، الذي يعكس مدى أزمة احترام الوقت في المواعيد الشخصية، والمواعيد الأسرية، ومواعيد الدوام في الدوائر الحكومية، فبعض الدوائر لا تعمل بعد الساعة العاشرة صباحاً، وفي أحسن الأحوال ينتظرون حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً. مواعيد عرقوب أخاه بيثرب رابعاً: السلوك الاجتماعي وأعني بالسلوك الاجتماعي: برّ الوالدين وأول هذه السلوكيات وأهمها هي بر الوالدين، فما قيمة الشهرة وسعة العلاقات الاجتماعية لشخص لا يبرّ والديه، بل هو عاق لهما، ومسألة برّ الوالدين مسألة مُجْمَع عليها بين الأديان، فكل الأديان جاءت توصي ببر الوالدين والإحسان إليهما، لاسيَّما وقت الكبر، حيث الضعف والخور، والحاجة إلى المساعدة، والقرآن كان صريحاً وواضحاً في هذا المسألة، وجاء الأمر بلفظ القضاء، بمعنى أي أمر وألزم وأوجب وحكم، فقال الله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) (الإسراء وبر الوالدين ليست قبلة على الرأس، ولا مجرد دقائق نجلسها معهم على مضض، ولا هي كذلك اتصال بالهاتف لدقيقة تزيد أو تنقص، بل هو أعمق من ذلك وأبعد، بر الوالدين يعني أن نبدع ونتفنّن في إرضائهما وكسب ودّهما. أسرنا تستغيث العلاقات المادية المبنية على النفع والمصلحة قتلت الدفء العائلي الذي كانت تُعرف به العائلة المسلمة، وتأثرنا كثيراً بالقيم الغربية التي سلبتنا حلاوة الجلوس مع العائلة، والقيام بنشاطات مشتركة، وأصبح الشيء الوحيد الذي يجمعنا هو وجبة الطعام، هذا إن اجتمعنا عليها. فقدنا كثيراً من الخيرات والخبرات عندما فقدنا " العائلة الممتدة " التي يجمعها بيت واحد، فيه الجد والجدة والأبناء والأحفاد. انظر إلى علاقة الأب مع أولاده تجدها فاترة، وعلاقة الزوج وزوجته متوترة، وهناك من يتزوج بالسرّ، وكم هي القضايا المسجلة في المحاكم بين الجيران، وخلافات محتدمة بين الأخوة والأقارب. سلوك راقٍ حتى عند الطلاق إسلامنا دين عظيم، يحض على السلوك الراقي، حتى عندما يفارق الزوج زوجته، وضع ضوابط رائعة تدل على ذوق وجمال، وقمة في السلوك الاجتماعي، فمثلاً لم يجعل للرجل حرية الطلاق بغض النظر عن الزمان الذي يقع فيه الطلاق، فعلى الرجل أن يطلق زوجته في طهر لم يمسها فيه، وتحدث الفقهاء عن الطلاق البدعي المخالف لهدي النبي (زمناً أو عدداً، فقالوا: يحرم الطلاق البدعي وهو الواقع في الحيض ونحوه كالنفاس وطهر وطئ فيه، وأنا أزعم أن نسبة الذين يلتزمون الشرع عند ممارسة حقهم في الطلاق لا تتجاوز (5%)، والباقي كله طلاق يخالف هدي النبي (، ويخالف أبسط قواعد السلوك الاجتماعي الراقي. تربية الأولاد أيضاَ على مستوى التربية لدينا أزمات ومشكلات، فكثير من الآباء والأمهات يخلطون بين التربية والتثقيف، فيظنون أنهم ناجحون في تربية أبنائهم بمجرد أنهم اختاروا له مدرسة نموذجية، ثنائية اللغة، عالية التكاليف. ولا زلنا نسمع ونرى من يطبق على أبنائه ما طبقه عليه والداه، وكأن تربية الأجيال عملية استنساخ، بغض النظر عن الزمان والمكان واختلاف البيئات. وهنا لا بد من التأكيد على أن التربية لم تعد تعتمد على الاجتهادات الشخصية، بل لا بد من القراءة والاطلاع على نظريات التربية، وسؤال المختصين. الانحرافات الأخلاقية كثرة الانحرافات الأخلاقية هي أكبر دلالة على معاناتنا من أزمة في السلوك، فأصبحنا لا نبالي بانتشار المفاسد الأخلاقية بين شبابنا وصغارنا، بين أبنائنا وبناتنا، وأحياناً نتقبل الوضع باسم المعاصرة والواقع، وتبدل الأحوال والعادات. المفاسد الجنسية آخذة بالازدياد، ونار المخدرات تحرق كل يوم المزيد من البيوت، والتدخين بدأ ينتشر بين الصغار والمراهقين بسرعة كانتشار النار في الهشيم، ولم أرّ عادة سيئة ومنتشرة مثل التدخين، ولقد اطلعت على بعض الإحصاءات التي تقول: إن بعض الدول تصل نسبة التدخين فيها إلى (71 %) من فئة الشباب، والنسب في باقي الدول في ازدياد، مع إجماع الفقهاء والعقلاء على الضرر العظيم الذي يخلف التدخين على الإنسان من ناحية دينية وصحية ومالية وسلوكية واجتماعية. حظر التدخين نلاحظ هنا أن معظم بلدان العالم العربي فيها قرار بمنع التدخين في الأماكن العامة، ولكنه في الغالب مجرد حبر على الورق، فقلة من الناس المدخنين من يلتزم بقرار المنع، وهناك تلكؤ من الحكومات والأجهزة المختصة في تنفيذ هذا القرار، رغم أهميته.

1197

| 16 نوفمبر 2011

أزمة السلوك

بداية أقول لكل محب ولكل مسلم ولكل قارئ: كل عام وأمتنا بخير وحرية وأمان وأمن، وكل عام وأنتم أفضل حالا من الذي قبله، وكل عام وأعيادكم تملؤها الفرحة والبهجة، ثم أعود لأكمل ما بدأناه في هذه الزاوية. يقول ابن خلدون رحمه الله: "حينما ينعم الحاكم في أي دولة بالترف والنعمة، تلك الأمور تستقطب إليه ثلة من المرتزقين والوصوليين، الذين يحجبونه عن الشعب، ويحجبون الشعب عنه، ويوصلون له من الأخبار أكذبها، ويصدّون عنه الأخبار الصادقة، التي يعاني منها الشعب". يتحدث ابن خلدون هنا عن قضية سلوكية، لطالما كانت سبباً في استبداد الحكام وانتشار الظلم، وكره رعيتهم لهم، وكانت كذلك السبب وراء اشتعال الثورات العربية المباركة، وانتفاض الناس على حكامهم، والقضية باختصار أن الشخص الذي يصل إلى سدة الحكم، سرعان ما يبدأ يفكر بالترف والتنعّم والرفاهية، ويكون الشعب ومشكلاته وما يحتاجه من آخر ما يفكر فيه هذا الحاكم الجديد. استئثار ومرتزقة عندما يصل إلى سدة الحكم يستأثر بأموال الشعب، ومقدرات الدولة فالمال العام يصبح ماله والنفط تحت الأرض ملك له وأراضي الدولة مسرحاً له ولأبنائه وحاشيته، ثم تأتي الخطوة التالية حيث يحيط نفسه بفئة من الناس يشبهونه، لا دور لهم إلا تثبيت دعائم هذا الحاكم، والثناء عليه، والمبالغة في مدحه بالحق والباطل، مقابل الأعطيات والامتيازات. وهؤلاء الفئة لا أستطيع إلا أن أسميهم "المرتزقة"، لأن المال هو الذي يحركهم، وولاؤهم دائماً لمن يدفع أكثر، فهم بلا مبادئ ولا قيم، وإنما دينهم الدينار والدرهم. ولهم دور كبير في عزل الحاكم عن الشعب وهمومه، ودور آخر في منع الشعب من التواصل مع الحاكم، وإذا استيقظ ضمير الحاكم للحظات وسأل عن أخبار الناس، غيروا الحقائق وزوّروا الواقع، وقالوا "كله تمام يا فندم". ما هو السلوك..؟ السلوك (Behavior) بالنسبة لي: هو مدى تطابق الأقوال والأفعال مع القيم والمبادئ. فإذا تطابقت الأقوال والأفعال مع القيم والمبادئ اعتبر السلوك راقياً، وإن تعارضت الأقوال والأفعال مع القيم والمبادئ اعتبر السلوك ناقصاً أو منحطاً. والسلوك هو الترجمة الحقيقية عن مدى تمكن القيم والمبادئ في الوجدان، ومع أن ديننا يحتوي كماً هائلاً من النصوص المليئة بالقيم والدعوة إلى محاسن الأخلاق، وفضائل السلوك، إلا أن المتأمل في حال المسلمين، يجد انفصاماً بين ما يُعتَقد وبين ما يُمارس، وانفصام آخر بين الالتزام في مجال العبادات، والالتزام في مجال التعالم مع الخلق، فكم رأينا ممن هو في غاية التعبد، وقمة الروحانية، ولكنه يسيء معاملة الآخرين. عابدة في النار قد يؤثر سوء التعامل مع الآخرين على أعمالنا الصالحة، والأخلاق السيئة قد تمنعنا من الانتفاع من الأعمال الصالحة يوم القيامة، والنبي (كان واضحاً في هذه القضية، فتروي كتب السنة أن رجلاً جاء إلى النبي مستفهماً فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ هِيَ فِي الْجَنَّةِ.. رواه أحمد. السلوك الحسن ينفع صاحبه يوم القيامة بل إن الأمر يتجاوز حدود الإساءة للإنسان، ليصل إلى الإساءة للحيوان، فقد تكون الإساءة للحيوان سبباً في دخول النار، وسبباً في عد الانتفاع من الأعمال الصالحة يوم القيامة، وفي هذا يخبر النبي عن امرأة دخلت النار بسبب قطّة فيقول: عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ.. رواه مسلم. وعلى العكس من ذلك قد يكون الإحسان إلى الحيوان سبباً في دخول الجنة يوم القيامة، يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ.. البخاري. تقرير الشفافية الدولية هناك منظمة عالمية مستقلة تسمى "منظمة الشفافية الدولية" (Transparency International) وهي من منظمات المجتمع المدني العالمية الرائدة في مجال مكافحة الفساد، تصدر هذه المنظمة تقريراً سنوياً حول الشفافية في بلدان العالم. والخارطة التالية تبين حجم انتشار الفساد المالي والإداري في بلادنا العربية، حيث البلاد الأسوأ هي الملوّنة باللون الأحمر، ثم تليها ذات اللون البرتقالي، ثم البنفسجي. وإني أعجب من التناقض الذي تعيشه منطقتنا العربية، لأن الدساتير التي وضعت تشير إلى أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام، ثم ترى الفساد بكل صوره وأشكاله ينخر في جسم الدولة، في مؤسساتها وشركاتها بين موظفيها ومديريها. ولست أدري أي نموذج إسلامي سنقدمه للعالم، وهل سننجح في إقناع الآخرين بأن إسلامنا عظيم وهذا حالنا يخبر عنا، إننا لن ننجح في الدعوة إلى الله تعالى، ولن نسود العالم إن لن نغير ونبدل نحو الأفضل، ومما يساعدنا على بلوغ درجة (الشفافية العالية)، أن يُفتتح فرع لمنظمة الشفافية العالمية في كل دولة عربية لمحاكمة الحكومات، ومراقبة سلوك الموظفين، ومحاربة مظاهر الفساد الإداري والمالي. الدين المعاملة لن نكون دعاة حقيقيين ما لم تتحول النصوص التي نحفظها إلى سلوك راقٍ، وما لم تتشكل في شكل تعامل حسن، لأن السلوك الإيجابي يؤثر في الآخرين أكثر من مجرد الكلام الوعظي، ومن يقرأ التاريخ فسيرى كيف أن بلاداً فتحها المسلمون بالأخلاق وحسن التعامل، ولم يفتحوها بحرب أو سيف، ومن تلك الدول "إندونيسيا" التي انتشر فيها الإسلام بسبب صدق التجار المسلمين آنذاك، وبسبب السلوك الراقي الذي كانوا يعاملون به أهل البلد، وبسبب الذوق الجميل في الكلام وحسن المظهر والهندام. ولا أنسى إجابة أحد القساوسة الألمان بعد أن أسلم، واسمه داوود، سألته عن سبب إسلامه فقال: اقتنعت بالإسلام بسبب الأخلاق الحسنة التي كان يتّصف بها صديقي المسلم، فعرفت أن هذه الأخلاق الحسنة سيكون من ورائها دين رائع وجميل وعظيم.

2375

| 09 نوفمبر 2011

القوانين التاريخية للحضارات

الحضارات المؤمنة الموحِّدة قد تضعف وقد تمرض لكنها لا تموت يقول ابن خلدون رحمه الله " كثيراً ما وقع المؤرخون في المغالطات، لأنهم اعتمدوا على مجرد النقل، بينما قواعد التمحيص واضحة، العرض على الأصول، والقياس بالأمور الشبيهة، والعرض على معيار الحكمة، والحكم بناءً على طبيعة البشر، والتدقيق في الأخبار ". إن كثيراً من الخلافات التي تقع بين المسلمين، مردها إلى سوء النقل للتاريخ، أو التدليس والكذب واصطناع الحكايات والقصص، وكذلك سوء استقبال الأخبار، من حيث قبولها كما هي دون تمحيص أو تدقيق، لذا فكم نحتاج إلى إعادة كتابة التاريخ وفق القواعد العلمية، وكم نحن بحاجة إلى تأصيل الفكر التاريخي، وكم نحتاج أكثر إلى تحليل التاريخ. ويخبرنا القرآن الكريم أن التاريخ مليء بالقوانين، ويدعونا إلى اكتشافها، فقيام الحضارات واستمرارها، أو اندثارها يقوم وفق قوانين تاريخية وليس عشوائيا كما يظن البعض. ومن أهم قوانين التاريخ،، القانون الأول: الحضارات تحكمها القوانين هذا هو القانون الأول من القوانين التاريخية، وخلاصته أنه لا يوجد هناك قوانين خاصة لكل أمة، ولا مكان للصدفة في بناء الحضارات أو انهياراها، بل الأمر محكوم بقوانين، فالحضارات تقوم وتسقط، وتنشأ وتنهار وفق قوانين تاريخية، وهذا القانون يبث الأمل في نفسي وفي نفس كل مسلم متحرّق على أمته، لأنه يقول لنا ببساطة واختصار: إن النهضة التي تسعون إليها محكومة بقوانين تاريخية، فمتى عرفت الأمة قوانين التاريخ، وأحسنت الاستفادة منها، نهضت من جديد، وعادت كما كانت أمة السيادة والريادة. القانون الثاني: تنهار الحضارات بسبب الانحطاط الأخلاقي، والقوى الخارجية تأملت في الحضارات التي سقطت، فوجدت أن أسباب سقوطها تنحصر في سببين رئيسيين: السبب الأول: الانحطاط الأخلاقي فالكثير من الدول سقطت وانهارت بسبب الانحطاط الأخلاقي، وتفشي الظلم والاستبداد، ومن تلك الدول والحضارات الحضارة الفارسية، الحضارة الرومانية، الحضارة الإسبانية، حتى في تاريخنا الإسلامي، كان الانحطاط الأخلاقي، وتفشي الظلم والاستبداد، سبباً رئيسياً في انهيار الدول، وخير شاهد على ذلك ما كان من أمر الخلافة العباسية في أواخر أيامها. السبب الثاني: المواجهة مع قوة خارجية أحياناً لا يكفي الانحطاط الأخلاقي كسبب لانهيار حضارة ما، بل ربما استمرت وطال بقاؤها، حتى يتوفر السبب الثاني، وهو أن تحدث مواجهة مع قوة خارجية، فإذا كانت القوة الخارجية أقوى وأسمى أخلاقياً من الحضارة المنحطّة أخلاقياً، فإنها ستُضعف الحضارة القائمة ( المترنحّة) وتُسقطها لتحل مكانها، حتى وإن كانت أقل عدداً، وهذا ما حدث مع المسلمين عندما فتحوا بلاد الأرض بالإسلام، كانت أعدادهم قليلة. القانون الثالث: المدنية لا تساوي الحضارة، والعلم وحده لا يسعد البشرية نعني بالمدنية: الإنتاج المادي والمعنوي لأمة من الأمم، وهذه المدنية لا تسمّى حضارة، ولا تساويها إلا إذا كانت نابعة من منهج فكري، فالفكر والإنتاج معاً يساويان الحضارة لشعب من الشعوب. فكم من دولة عربية وإسلامية تملك شبكة رائعة وضخمة من الطرقات ( هذه مدنية ) لكنها لا تملك شعباً يحترم قواعد المرور على هذه الطرقات. وكما تتفاخر بعض الدول بمكتباتها الكبيرة، والزاخرة بالمراجع والكتب والمخطوطات النادرة، ولكنها ابتليت بجيل لا يقرأ، وأمّية بلغت نسباً عالية ومتقدمة. وكم من دولة تنفق مئات الملايين على السلع الاستهلاكية، ولا تنفق عشر هذه الملايين على الأبحاث العلمية. السعادة في العلم والأخلاق معاً أما الجزء الآخر من القانون فيخبرنا أن العلم بلا أخلاق أو قيم نقمة على البشرية، ولن يجلب العلم المجرد من الأخلاق السعادة لأمة أو حتى لإنسان، لأن سعادة البشرية لن تتم حتى تجمع بين العلم والأخلاق. أسلحة الدمار الشامل وللتوضيح نقول: هل من الممكن أن يقوم - من يحمل أخلاقاً - بصنع أسلحة دمار شامل تنشر الموت بين الناس، قطعاً لا . وحسبك أن تعلم أن الرؤوس النووية التي تملكها روسيا (12,000) وأمريكا (9,000) كفيلة بتدمير العالم لمرات وليس لمرة واحدة، فالعالم كله، والبشرية كلها في خطر محدق، بسبب أسلحة الدمار الشامل، التي تملكها دول لا تجمع بين العلم والأخلاق، ولا تلتفت كثيراً إلى القيم والمبادئ، فالعلم موجود، لكنه لم يُسخّر لإسعاد البشرية، بل لم يجلب إلا الشقاء والتعاسة، بسبب غياب الجانب الأخلاقي، ويكفي أن نفكر بمصير العالم حينما تقع هذه الأسلحة بيد فئة مجنونة أو مجرمة أو حتى حينما تستخدم من قبل حكومات متحاربة كما حصل في اليابان حين دمرت هيروشيما. التجربة الشيوعية الاتحاد السوفييتي خير مثال على انهيار الدول بسبب الاعتماد على المدنية دون الفكر، بمقاييس المدنية كانت تجربة الإتحاد السوفييتي ضخمة وعظيمة، فهو أول من أرسل إنساناً إلى الفضاء، وكانت له مساهمات فاعلة في تطوير الطاقة النووية على مستوى العالم، وما لبثت أن انهار الاتحاد السوفييتي، وانهارت معه التجربة الشيوعية، التي لم تصمد إلا (70) سنة في صراعها مع الرأسمالية، لأنها حضارة قامت على الإلحاد والطغيان، وأُسست على منهج منحرف، ولم تجمع بين العلم والأخلاق. القانون الرابع: الحضارة قد تمرض وقد تموت هناك وجه شبه بين الحضارات والإنسان، فكما أن الإنسان يولد ويكبر، ويقوى ويضعف، ويمرض ويموت، كذلك هي الحضارات، وتولد وتكبر، تقوى وتضعف، وتمرض وقد تموت. ولابد أن نفرق بين المرض والعَرَض، فالحرارة التي تصيب الإنسان تسمى " العَرَض " أما سبب هذه الحرارة فيسمى " المَرَض "، فنحن نريد أن نعالج الأمراض وليس الأعراض. نهاية الحضارات قد تصل الحضارة إلى إحدى نهايتين إما أن تموت، وهذا مصير غالبية الحضارات، وإما أن تمرض مرضاً شديداً يؤدي إلى ركود وشلل، يشبه الغيبوبة التي تصيب الإنسان فتشل حركته. وتنقسم الأمراض التي تصيب الحضارات إلى قسمين: _ أمراض مزمنة : وتشمل الأمراض التي تصيب المنهج الفكري للحضارة، أو في الأسس الأخلاقية التي قامت عليها تلك الحضارة، وهذه الأمراض إن لم تُستدرك كانت سبباً في الوهن الشديد، وربما سبباً مباشراً لانهيار تلك الحضارة وموتها. _ أمراض عَرَضية : وتشمل الأمراض البعيد عن المنهج الفكري والأسس الأخلاقية التي قامت عليها الحضارة، وغالباً ما تصيب الأشكال المادية والمعنوية فيها، كحدوث خلل في عجلة الاقتصاد، أو تخريب للبنى التحتية، وهذا من شأنه أن يُضعف تلك الحضارة، لكنها غالباً لا تموت، ولكنها قد تتحول إلى أمراض مزمنة إذا تمّ تجاهلها، أو التباطؤ في علاجها. فالخلاصة أن الحضارات لا تموت إذا كانت أمراضها ومشكلاتها مادية، ولكنها قد تموت إذا أصابت الأمراض فكرها، لأنها تكون قد أصيبت في مقتل. مرض الوهن الحضارات المؤمنة القائمة على التوحيد، لا تموت طالما بقيت على توحيدها، لأن الإيمان والتوحيد يشكلان مناعة قوية في مواجهة عوامل الاندثار، التي تؤدي إلى الموت والانهيار، فالحضارة الموحِّدة قد تضعف وقد تمرض لكنها لا تموت. وللتوضيح نقول: إن التوحيد لا يزال قائماً في أمة الإسلام اليوم، ومع ذلك فقد أصيبت الأمة بمرض الوهن، الذي أخبر عنه النبي ( (( .. لَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )) أبو داود فأمتنا اليوم مريضة بمرض الوهن، وهو مرض قد يُضعفها ويبطئ من حركتها لكنه لا يقتلها، لكن قد يقتلها الظلم إذا تفشى وانتشر، وغاب من يتصدى له، ويقيم العدل بين الناس. ولعل الثورات اليوم تتغلب على وهننا وضعفنا وتنتقل بنا إلى حالة القوة من جديد، فأنا كنت ولم أزل متفائلا بها جدا.

5976

| 02 نوفمبر 2011

قوانين الحضارة الأخرى

فصلنا القول في أول قانون منها وهو قانون التداول في المقال السابق، ومن القانونين الأخرى للحضارات التي ذكرها القرآن الكريم قانون التدافع، وعلى أساس هذا القانون يقع قانون التداول الذي تكلمنا عنه، وقانون التدافع هذا مستمد من قول الله تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)البقرة/251 وقوله تعالى (...وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)الحج/40 والدفع في لغة العرب الإزالة بقوة، وخلاصة هذا القانون أن الله تعالى هيأ أسباب التدافع بين البشر، وبين الحضارات، ولولا هذا التدافع لانتهت القيم بين البشر، وسيطر الفساد على الأرض، وانتهت الأديان، ولهدّمت وأزيلت دور العبادة بكل أشكالها، المساجد والصوامع وغيرها. لولا التدافع يقول لنا قانون التدافع: إذا تراخى المؤمنون وضعفوا كانت الغلبة والسيطرة لأعدائهم، ولولا قانون التدافع لسيطرت الهمجية والوحشية على عالم البشرية، ولاحتكموا إلى قانون الغاب، حيث يأكل القوي الضعيف، ولولا التدافع لاختُطف الدين لتمثله زمرة من الأشخاص الذين باعوا دينهم وضمائرهم لحاكم مستبد، وفي نهاية التدافع " يكون الصلاح والخير والنماء.. يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي بينه الله لها، وتعرف طريقها إليه واضحاً، وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض، وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه". من صور التدافع هناك صور للتدافع أجملها في الآتي:

2285

| 26 أكتوبر 2011

مبشرات على طريق النهضة

الدول الغربية تطلعت إلى حماية نظامها المالي والاقتصادي بالقوانين الإسلامية في المقال السابق تكلمنا عن القوانين القرآنية للحضارات وذكرنا أهم تلك القوانين دون أن نفصل فيها، وحينما أكتب في هذه القوانين فإنني أحاول أن أجمع ما ذكره القرآن منها خلال استعراضه وحديثه عن الأمم السابقة، فهذه القوانين ليست نظرية من نظرياتي ولا شيئا جديدا أطرحه من رؤاي وأفكاري، إنما الجديد فيها استخلاصها وجمعها وترتيبها على هذا النحو وطرحها بشكلها المفصل. أولاً: قانون التداول وهو مستمد من قول الله تعالى (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) آل عمران/ 140 لقد نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد، ونستفيد من هذا القانون أنْ لا خلود لحضارة، فمهما تعاظمت قوة حضارة ما وسيطرت على غيرها، فلابد من يوم تضعف فيه هذه السيطرة، بل وربما اندثرت تلك الحضارة عن بكرة أبيها كأن لم تكن، لأن الأمر كما يصفه الله تعالى (دُوْلَة) ومعناها " تحوُّل الشيءٍ من مكان إلى مكان، يقول أهل اللغة: انْدَالَ القومُ، إذا تحوَّلوا من مكان إلى مكان، ومن هذا الباب تداوَلَ القومُ الشّيءَ بينَهم: إذا صار من بعضهم إلى بعض". حضارة حتى نهاية التاريخ صاحب هذه النظرية هو " فرانسيس فوكوياما " مفكر أمريكي الجنسية من أصول يابانية، وهي نظرية مناقضة لقانون التداول، فيرى " فوكوياما " أن الحضارات تطورت وظلت تتطور، حتى وصلت إلى القمة المتمثلة في الحضارة الغربية، لأنها - من وجهة نظره – قامت على العلم والديمقراطية والمساواة، لذا فالحضارة الغربية ستسيطر على غيرها من الأمم والشعوب، وستبقى مسيطرة حتى نهاية التاريخ، والحضارة الغربية هي " منتهى التطور الأيديولوجي للإنسانية، والشكل النهائي لأي حكم إنساني" هي أقصى ما يمكن أن تصل إليه البشرية، ونظرته هذه تناقض في طرحها قانون التداول الذي نطق به القرآن الكريم، ويؤمن به المسلمون، ويحتكم إليه أهل العقل والفكر والتاريخ. صحيح أن هناك جزءا من نظريته لا يخالف قانون التداول، فهو لم ينكره كليا لكنه يحاول أن يلغيه حاليا، فحضارة الإسلام كانت أكثر عدلا ومساواة وأقل دماء وضحايا من حضارة اليوم، ومع ذلك فقد مرضت وضعفت وقامت بعدها حضارات، بل إننا اليوم نرى مؤشرات على انهيار حضارة الغرب بداية من الأزمة المالية التي فرخت أزمات عدة وما نشاهده هذه الأيام من حملة (احتلوا وول ستريت) من حملات ومظاهرات ضد الجشع الرأسمالي والحضارة الغربية القائمة على مصالح الأغنياء وتوفير الرفاهية لهم بعيدا عن النظر إلى حقوق الطبقات الفقيرة. نظرية صدام الحضارات صاحب هذه النظرية هو " صامويل هنتنغتون " (ت 2008م) الذي يرى أن الصراعات في المستقبل " ستكون أكثر وأعنف ما يكون على أسس ثقافية (غالباً حضارية. مثل الحضارات الغربية، الإسلامية، الصينية، الهندوكية...) بدلاً من الأسس العقائدية كما كان الحال خلال الحرب الباردة ومعظم القرن العشرين ". ولقد أثارت نظرية " صدام الحضارات " جدلاً واسعاً بين المفكرين، وانقسم الناس بين مؤيد لها، وبين معارض لها، فذهب بعض المفكرين إلى حتمية الصراع والصدام بين الحضارات، وأن هذا أمر لا مفرّ منه، بينما ذهب البعض الآخر إلى نفي وجود مثل هذا الصدام. العلاقة بين الحضارات أنا أعتقد أن العلاقة بين الحضارات ليس لها شكل ثابت، بل تأخذ أشكالاً مختلفة ومتعددة منها: 1. علاقة صدام وصراع بين الحضارات: فهناك حضارة تنتصر وأخرى تنهزم، وتسعى الحضارة المنتصرة إلى إزالة بقايا الحضارة المنهزمة، كلما جاءت أمة لعنت أختها، وهذا أمر لا يمكن لعاقل أن ينكره، لكن التاريخ ليس مطرداً على هذه الشاكلة. 2. علاقة اندماج بين الحضارات: فهناك حضارات ضعيفة سيطرت عليها أخرى قوية، لكن الضعيفة لم تنتهِ، بل اندمجت في الحضارة الجديدة المنتصرة، وامتزجت ثقافتها وعاداتها وتقاليدها بثقافة وعادت وتقاليد الحضارة المنتصرة، ونتيجة لهذا الاندماج بين الحضارتين ينشأ شكل جديد من الحضارة. 3. علاقة حوار وتعايش بين الحضارات: وغالباً ما يحدث هذا التعايش عندما تكون موازين القوى متكافئة بين الحضارات، فلا تجرؤ حضارة على محاربة الأخرى أو النيل منها، ويكون التعايش هو الحل الأمثل بالنسبة للطرفين. 4. علاقة التنافس بين الحضارات: كالتنافس في المجالات التي ينتفع بها البشر، خاصة البحوث العلمية التي تعالج مشكلات الناس، ويبقى الأمر مطمئناً طالما بقي التنافس بعيداً عن التسلّح وعن القدرات العسكرية، لأن هذا التنافس سينتهي غالباً إلى صراع وصدام. 5. علاقة التكامل بين الحضارات: وهذا من أرقى وأسمى أشكال العلاقة بين الحضارات، فكل حضارة بغض النظر عن قوتها أو ضعفها تقدم شيئاً لا تملكه الحضارات الأخرى، وهذا التكامل ينفع البشر جميعاً، وهو ما حدث في الحضارة الإسلامية، التي احترمت خصوصية الحضارات التي وصلها الإسلام، ولم تسعَ إلى إلغاء وجودها أو تهديد هويتها. الإسلام هو الحضارة القادمة كل المفكرين الواعين، من مسلمين وغير مسلمين، يؤكدون أن الإسلام سيكون الحضارة القادمة لهذه البشرية، ولا أنسى زيارتي لـ " ألمانيا " في العام (2010)م، وقبل الثورات العربية بأربعة شهور تقريباً، حيث التقيت هناك بمدير مركز (ASP) الذي يعتبر أهم مركز دراسات تعتمد عليه الحكومة الألمانية، وكان مديرها يتقن سبع لغات، منها اللغة العربية، فجرى بيني وبينه حوار موسع باللغة العربية حول مستقبل العالم العربي، فقلت له متسائلاً: ألا تعتقد أن المستقبل يقول إن العالم العربي سيُحكم بالإسلام المعتدل؟ تبسم ثم همس في أذن شخص كان بجانبه، قام هذا الشخص وأحضر كتاباً مطبوعاً، كان عبارة عن دراسة أجراها المركز، وقدمها للحكومة الألمانية والبرلمان الألماني، وكان خلاصة الدراسة أن " المنطقة العربية ستُحكم بالإسلام المعتدل، لذا لابد من التفاهم معهم من الآن ". كما أن كثيرا من الدول الغربية خاصة فرنسا وعقب الأزمة المالية العالمية في 2008 تطلعت إلى حماية نظامها المالي والاقتصادي بالقوانين الإسلامية وعقدت عدة مؤتمرات وندوات للاستفادة من خبرة الاقتصاديين الإسلاميين والعلماء الذين لهم باع في الاقتصاد. مبشرات على طريق النهضة نتيجة الدراسة التي أجراها المركز الألماني (ASP) متوافقة تماماً مع مبشرات النبي (لهذه الأمة، فلقد أخبرنا رسولنا الكريم)أن الإسلام سيعود من جديد، وسيدخل كل بيت فقال (( لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأمر مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ)) أحمد. وقد بشّرنا النبي (بأننا سنفتح " الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ " في تركيا، وسنفتح " رُومِيَّةُ " في إيطاليا، ونحن نؤمن بهذا البشارة، ولا نشك أنها ستتحقق، لذا لا نجد أحداً من الصحابة الذين سمعوا هذه البشارة قد سأل سؤال المتشكك، بل جلّ ما سألوه يَاْ رَسُولُ اللَّهِ أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا، يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ. وهذه المبشرات وإن تحقق بعضها أو أغلبها فإن مجمل التبشيرات النبوية وحركة التاريخ وسنة الكون تعطينا مؤشرات أن هذا العز سيكتمل وأن بلوغ الإسلام أطراف الأرض سيتحقق بمشيئة الله تعالى.

677

| 19 أكتوبر 2011

القوانين القرآنية للحضارات

كم مر على هذه الدنيا من حضارات؟ وكم تعاقبتها من أمم وشعوب؟ كيف بنيت تلك الحضارات؟ وكيف سادت الدنيا؟ وكيف انتهت وبادت؟ هل كان هذا بمحض الصدفة؟ أم بقوانين تحكم صعودها وهبوطها وبناءها واندثارها؟ إن القرآن الكريم يزخر بالحديث عن الأمم السابقة وعن حضاراتها، يفصل أحيانا ويوجز أخرى، لكنه يعرج عليها بين الفينة والأخرى فلا تكاد تخلو بضع آيات من مرور على ذكر قوم سلفوا أو حضارة بادت أو عهد مضى، والقرآن إن كان من وجوه إعجازه وإخباره عن مغيبات ستحصل فإن إخباره عن الأمم والحضارات السابقة وطريقة صعودها وهبوطها ليس ببعيد أيضا عن ذلك الإعجاز إعجاز القرآن يقول ابن خلدون رحمه الله تعالى: " إن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد (لأن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه والقرآن هو بنفسه الوحي وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح دلالة، فهو الوحي وهو المعجزة " جميع العلم في القرآن لكن تقاصر عنه أفهام الرجال القرآن مصدر الفكر قلنا في مقالات سابقة إن الحضارة تتكون من فكر وإنتاج، والقرآن الكريم بالنسبة لنا هو المصدر الرئيسي للفكر، إضافة إلى السنة النبوية الصحيحة، ولقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم وتحدّى به كل البشر، في كل زمان ومكان، ولا يزال التحدي قائماً أن يأتوا بمثل القرآن الكريم، أو بعشر سور من مثله أو حتى بسورة واحدة. ولقد حوى القرآن الكريم كثيراً من وجوه الإعجاز غير الإعجاز البياني واللغوي الذي تحدى الله تعالى به البشر جميعاً، ومن تلك الوجوه إعجاز القرآن الكريم في كشف قوانين الحضارة. تحدث القرآن الكريم عن بعض القوانين التي تحكم حركة الحضارات، والقرآن الكريم لا يستعمل كلمة " قوانين " بل يستعمل كلمة " سنن " نحو قول الله تعالى (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) آل عمران/137 السنن جمع سنّة، والسنّة تعني القانون الثابت الذي لا يتغير، كما قال ربنا تبارك وتعالى (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) فسنن الله تعالى ليست نظريات تحتمل الصواب والخطأ، بل هي صائبة صادقة ثابتة، وضعها اللطيف الخبير، الذي هو أعلم بما يصلح لخلقه. تنوع السنن تتنوع السنن والقوانين في القرآن الكريم، فمنها سنن كونية، تحكم حركة الكون، مثل قانون الجاذبية، وقوانين الفيزياء والرياضيات. ومنها سنن أخروية: ترتبط بالفلاح أو الخسران يوم القيامة، ومن ذلك قول الله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) فكل إنسان مسؤول عن تصرفاته، وكل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد يوم القيامة. ومنها سنن تحكم علاقات الأمم بعضها ببعض، وسنن تحكم نشوء الحضارات ونهضتها وانهيارها وسقوطها، وهذا ما سنتناوله بعمق وتحليل وبيان. هذه السنن أو القوانين تأتي – أحياناً- في القرآن الكريم تعقيباً على قصة حدثت في الماضي، خاصة قصص الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، وأحياناً تأتي في نهاية آيات الأحكام والتشريعات، وربما جاءت بعد الحديث عن مصير الإنسان يوم القيامة، من باب التوجيه لما هو مطلوب منا في هذه الحياة الدنيا. وسنن الله تعالى تتسم بالثبات والاطراد والعموم، فهي تنطبق على كل الحضارات، أنّى وجدت، وفي أي زمان وأي مكان. القوانين القرآنية للحضارات قرأت القرآن الكريم آية آية، باحثاً عن القوانين القرآنية المرتبطة ارتباطاً مباشراً بمشروع التغيير الحضاري، فوجدته لا يذكر الحضارات السابقة ذكرا خاليا من عبرة أو مجردا من قوانين ثابتة ترتبط بصعود وهبوط حضارة كل أمة، فتمر على الآيات من ذكر الأمم السابقة تجد فيها أو في ختامها قانونا يؤكد عليه الله سبحانه بأنه قانون لا يختل وسنة لا تتخلف، ومن القوانين التي مررت بها: 1) قانون التداول 2) قانون التدافع 3) قانون الغلبة والنصرة 4) قانون التغيير كل قانون من هذه القوانين له أدلته الشرعية، وله تطبيقاته الواقعية، وسيحتاج إلى مقال كامل وربما أكثر، وأنا حينما أتناول هذه القوانين أتناولها من رؤية إسلامية أصيلة وحكم قرآني واثق، وسأضم إليه فكراً علمياً دقيقاً يثبت الرؤية الإسلامية ويساندها، كل ذلك بلغة سلسلة بسيطة تفهمها غالبية الناس، العامي منهم والمفكر، فليس مشروع التغيير الذي نطرحه مشروعا خاصا بالمفكرين، ولا بأصحاب القرار وأرباب السياسة، بل هو مشروع كل فرد في قلبه ألم على هذه الأمة، ومسؤولية كل مؤمن يتمنى أن يرى حضارة الإسلام ترتفع وتعود مرة أخرى، ولعلنا في المقالات القادمة سنتناول كل قانون من قوانين الحضارة بتفصيل وبيان بمشيئة الله تعالى.

6520

| 12 أكتوبر 2011

معادلة التغيير

ذكاء أبي حنيفة في حادثة لطيفة ومعبرة جرت وقائعها مع الإمام أبي حنيفة النعمان تقول هذه الحادثة: أتى جماعة من الدهريين (الذين يقولون بأن الطبيعة والدهر يمشون بشكل عشوائي وانتقائي وهم الذين يتصرفون في الأشياء والمخلوقات فما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر كما يقولون) جاء هؤلاء ليناقشوا أبا حنيفة في وجود الله سبحانه، فواعدهم في اليوم التالي بعد صلاة العصر على ضفة نهر دجلة، فجاءوا في الموعد المحدد لكن أبا حنيفة لم يأت!! انتظروه طويلا حتى كادت الشمس تغرب، فإذا به يأتي مسرعا، قالوا: كيف وأنت إمام المسلمين لا تف بوعدك ولا تلتزم بموعدك؟ قال: لقد جرى لي عجب فاسمعوا حتى تعذروني، وقفت على ضفة النهر الأخرى أريد أن آتيكم في موعدكم فلم أجد قاربا ولا مركبا يحملني فانتظرت وانتظرت فلم أجد أحدا، وبينما أنا أنتظر إذا بلوح خشب يأتيني لوحده ثم جاء لوح آخر فانضم إليه ثم تجمعت ألواح معهم فصنعوا قاربا دون أن يمسسهم أحد، فركبت فإذا القارب يمشي لوحده حتى وصلت إليكم فهذا ما أخرني، قالوا: أتهزأ بنا يا إمام أم تستخف بعقولنا؟ قال أبو حنيفة: إن كنتم لا تصدقون أن قاربا من خشب لا يجتمع لوحده ولا يسير من غير قائد، فكيف بهذه الأرض وفجاجها وهذه السماء وأبراجها وهذه البحار وأمواجها كيف صنعت من غير خالق أم كيف تسير من غير إله؟ هذه القصة اللطيفة والدليل العملي والنظري الصاعق ينطبق على كثير من مجريات حياتنا ولعل محور هذه الزاوية أيضا هو من الأمور الواضحة التي يصح أن نقول فيها ما نقول في غيرها من أن هناك أمورا يستحيل أن تأتي بشكل عشوائي أو تتم بطريقة اعتباطية أو من تلقاء نفسها، فمن يفكر بالتغيير فلا بد له من محرك ورؤية وخطة، وهذا ما نسميه معادلة التغيير، فإذا أردنا – أفرادا أم مجتمعات ودولا وأمما – أن نغير حالنا وموقعنا ومكانتنا فلا بد أن تتم المعادلة بطريقتها الصحيحة وخطواتها الملموسة، فالثورات التي قامت وتقول مبادرة رائعة وتطور عظيم من شبابنا، لكنها إن لم تتبع بمخططات واضحة للتطوير والتغيير فلربما تعود الأمور كما كانت وذهبت تضحيات شبابنا، صحيح يكفي أننا أزلنا طغاة وأنظمة فاسدة لكن الصواب أن نكمل المسيرة بخطة واضحة ورؤية كاملة. معادلة التغيير تتكون معادلة التغيير من أربعة أشياء غاية في الأهمية: أولاً- دراسة الواقع: وتجيب دراسة الواقع وتحليله على سؤال أين نحن اليوم؟ ثانياً- الرؤية: وتجيب الرؤية على سؤال إلى أين نريد أن نصل؟ ثالثاً- الخطة: وهي تمثّل عملية الانتقال من الواقع إلى الرؤية، وتجيب على سؤال كيف نصل إلى ما نريد؟ رابعاً- المقاومة: وتجيب المقاومة على سؤال ماذا يمنعننا من تحقيق أهدافنا؟ دراسة الواقع ووضع رؤية والخطة، هذه الثلاث مجتمعة تسمى التخطيط، فإذا أضفنا إليها عنصر المقاومة أصبح لدينا خطة تغيير، أو نموذج تغيير، أو معادلة تغيير، فالتخطيط جزء من عملية التغيير، ومرحلة من مراحلها المهمة. أولاً- دراسة الواقع: قلتُ: إن دراسة الواقع وتحليله تجيب على سؤال أين نحن اليوم؟ ما هو موقعنا بين الأمم وما هي إمكاناتنا وكيف ندير أمورنا؟ ولدراسة الواقع طرق كثيرة، منها طرق تقليدية، والتي من أشهرها طريقة: (SWOT) التي تبحث في معرفة وتحليل نقاط القوة، نقاط الضعف، الفرص، المخاطر، وهي طريقة تقليدية لا تصلح للتخطيط الاستراتيجي، وإنما مجالها التخطيط التشغيلي، فلو أردنا مثلاً أن نسجّل نقاط القوة ونقاط الضعف في أمتنا، لاستغرقنا وقتاً طويلاً، وربما عجزنا عن إحصائها لكثرتها. في دارسة الواقع سأستعمل آخر ما توصل إليه علم التخطيط الحديث من طرق ونظريات، لذا سأبحث في أمرين اثنين: (1) الأزمات الرئيسية: ونعني بها أكبر السلبيات، وأقصى نقاط الضعف التي تعاني منها الأمة، وسنعرض خمس أزمات وجدت بالتحليل أنها أكبر المشكلات التي تعاني منها الأمة، سنحدد الأزمات ثم نقترح مشاريع عملية لعلاجها. (2) القدرات الأساسية (core competence): وهي شيء أكبر بكثير من نقاط القوة، وأنا أزعم أن أي شخص، أو شركة، أو جمعية، أو جماعة أو أمة تستطيع أن تكتسح منافسيها إذا استطاعت أن تحدد قدراتها الأساسية. في المقالات القادمة سنحدد الأزمات الرئيسية التي تعاني منها الأمة، وسنذكر شرحاً وافياً لمفهوم " القدرات الأساسية " وكيفية تحديد هذه القدرات. والمهم في دراسة الواقع ألا نجمل لأنفسنا ولا نصنع مشكلات من أوهامنا أي نكون واقعيين وموضوعيين وهذا أساس النجاح في دراسة الواقع. ثانياً- الرؤية (vision) في علم التخطيط الاستراتيجي هناك مستويان للرؤية: - غاية إستراتيجية (intent strategic): ما الذي نريد أن نصل إليه على المدى الطويل، خلال خمسين أو مائة سنة، والإجابة باختصار هي أننا نريد بناء واستعادة حضارتنا من جديد، حضارة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم كانت له غاية وهي نشر الدين وإيصاله للعالم وقد استغرق هذا عشرات السنوات. - رؤية إستراتيجية (strategic vision): ما الذي نريد أن نصل إليه على المدى المتوسط والقصير، خلال ثلاث أو خمس سنوات (فالمراحل مطلوبة في كل أمر كبير أو تغيير عميق لنقسم الرحلة الطويلة ولنعلم أننا نسير في الاتجاه الصحيح فهي مرحلة شحن للمعنويات ومرحلة تقويم للمسار) في المقالات القادمة سنتحدث عن توصيف حضارتنا الإسلامية التي نريد، كما سنتحدث عن الأهداف التنافسية التي نستطيع أن نحققها – بإذن الله تعالى – في أقل من عشرين سنة، أهداف على مستوى الأمة، وأخرى على مستوى البلدان. ثالثاً- الخطة وهي تمثّل عملية الانتقال من الواقع إلى الرؤية، وتجيب على سؤال كيف نصل إلى ما نريد؟ وهنا سنقوم بأمرين: - سنقسم العشرين سنة إلى أربع مراحل (خطط خمسية)، وسنحدد أهداف كل مرحلة، وما يجب أن نحقق فيها من أهداف. - سنتحدث عن تقسيم الأدوار، بدءاً بدور الفرد مروراً بدور الجماعات والمنظمات، انتهاءً بدور الأمة المسلمة. رابعاً- المقاومة (Resistance) سنتحدث عنها تباعا بشكل موسع أكثر لكن ما أود أن أبينه أن المقاومة هي لكل تغيير هي سنة كونية وفطرة إنسانية فالإنسان يخاف المجهول ولا يتحمس لغير المألوف والمعروف ويخشى المستقبل وهذه كلها تجعل التغيير عنيفا عند أهله بل إن كثيرا من محاولات التغيير تفشل لوجود المقاومات والتعنت. خاتمة ربما يقرأ البعض ويشعر أن ما أطرحه هو مجرد أفكار نظرية أو أحلام وردية لكنني أرد على هذا بأمرين: أولهما إن كل إبداع يبدأ بفكرة وكل تغيير يبدأ بخطة وكل محاولة تبدأ بحلم فما يضيرنا أن نفكر ونخطط ونحاول بل إن الذي يعيبنا ألا تكون لنا خطة ولا يكون عندنا طموح، ولو أن بعضا مما أقوله ممكن وبعضه صعب فلماذا لا نحاول الممكن ونتقدم ولو خطوات؟ ولماذا نستكثر على أنفسنا حتى مجرد التفكير والطرح والتخطيط؟ وثانيهما: إني على يقين أن من يحاول سيصل في نهاية المطاف وهذه أيضا سنة كونية، ومن يخطط بطريقة صحيحة لابد وأن يتقدم وهذا مالا ينكره عاقل. بل أقول أكثر من هذا، يكفي أن نعرف كيف نفكر وأن نتعود طرح التغيير والرؤى والأفكار بشكلها ومسارها الصحيح، والله الموفق.

7670

| 05 أكتوبر 2011

مفهوم الحضارة

بدأت هذه الزاوية في المقالة السابقة عن التغيير وضرورته ورياحه التي بدأت تهب علينا، لكن لماذا التغيير وما هي دواعيه وضروراته؟ ألسنا نعيش - على اختلاف نمط الحياة في كل بلد عربي - بشيء من الرفاهية وقدر معقول من التمدن؟ أليست الحضارة تتمثل في بناء جميل وطرق معبدة طويلة ورفاهية ممكنة وإمكانية الحصول على كل شيء؟ أم أن الحضارة شيء آخر؟ أود بداية قبل أن نتكلم عن مفهوم الحضارة أن يكون كل قارئ منكم - وأنا أعتز بكم جميعا - مشاركا إيجابيا بالطريقة التي يحسنها، وأن نتشارك جميعا في وضع الرؤى وتبادل الأفكار وصنع التغيير، فهذا ما دعاني للكتابة وهذا ما جعلني أطلق برنامج رياح التغيير والذي سيكون عنوانا شاملا لمقالاتي في هذه الزاوية. تعريف الحضارة الحضارة كلمة جديدة بلفظها، وهي نادرة الاستخدام في الأدب والشعر العربي القديم، وحتى في الماعجم اللغوية القديمة مثل" لسان العرب " لا تكاد تجد لها ذكراً، ولم ترد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية المطهرة، ولعل أقرب مرادف لها في القرآن الكريم (التمكين في الأرض) و(الاستخلاف في الأرض). ولما تأملت ما كتبه المفكرون حول مصطلح الحضارة خلصت إلى أن حضارة أمة ما في حقبة زمنية معينة يُقصد بها " المنهج الفكري للأمّة، المتشكل في إنتاج معنوي ومادّي ". بهذا التلخيص الموجز أستطيع أن أقول إن الحضارة ليست فقط بناء مزدهرا ولا عمرانا متألقا أو حياة سهلة جميلة مزدهرة - وإن كان هذا كله علامات ونتيجة طبيعية للحضارة - لكنها تبدأ بالفكر والمنهج المنير والبحث العلمي والتفكير الإبداعي والحر وإعمال العقل في كل مناحي الحياة، إذا كان كل هذا موجودا في أمة ما فإنها تبدأ حضارتها وستعلن عنها من خلال الإنتاج المعنوي المتمثل بالقيم والقوانين والأخلاق ومن خلال الإنتاج المادي المتمثل بالاختراعات والاقتصاد والرفاهية والتطور والبناء وغيره. الفكر أساس الحضارات إن أيّ أمة لا تملك فكراً منهجياً واضحاً فإنها لن تستطيع بناء حضارة، وإن بنت فلن تعمّر طويلاً، فهذا النبي (لما توفي تاركاً الدنيا، لم يخلّف وراءه قصوراً فارهات، ولا مباني شاهقات، ولم يكن حريصا على أن يكدس الأموال، لم يورّثهم سوى الفكر، فترك من خلفه رجالاً يحملون فكراً، وبه انطلقوا ليفتحوا العالم، وينشروا نور الإسلام وضياء الحق، ويضيئوا مواطن الظلمة من هذا العالم، لذا كان الفكر الإسلامي الأصيل سبباً من أسباب بقاء أمة الإسلام، وامتداد أثرها، وعدم انهيارها مع كل ما تعرضت له من مكائد على يد أعدائها وخيانة على يد أهلها ومصائب وانهزامات. وفي المقابل نجد المغول، تلك الأمة الطاغية الشرسة التي بنت أمجادها على غيرها من الأمم، سيطرت على غيرها بالقوة والجبروت، ولأنها لا تملك فكراً سرعان ما ذاب أبناؤها في عقيدة الإسلام وشريعته، لمّا تعرفوا عليهما عن قرب. ولهذا أقول: إننا اليوم نحاول أن نعيش على اختراعات الغرب ونتمتع بتقليد حضارتهم، وليس في هذا ضير طالما أننا نستفيد مما لا حرمة فيه، لكن الضير أن نكون متطفلين على حضارات الأمم، فلا نحن أفلحنا أن يكون لنا نهجنا الخاص ولا نحن استطعنا أن نقدم إنتاجا ماديا نفتخر به ويكون نتيجة لفكرنا وبحثنا ورؤيتنا. الحضارة فكر وإنتاج فالحضارة فيها جزءان (فكر وإنتاج)، والفكر يشمل المبادئ والقيم والطموحات، وفهم الحياة، فبدون الفكر لا توجد حضارة، والفكر وحده لا ينتج حضارة، بل يجب أن يكون هناك إنتاج معنوي ومادي، يعبر عن روح هذه الحضارة، ويميزها عن غيرها من الحضارات. فلا يسمى حضارة ما كتبه العلماء والمفكرون، وبقي حبيس الكتب ولم يطبّق عملياً، لا يسمى حضارة بل هو فكر، وأي إنتاج مادي من مبانٍ ومصانع وفنون، أيضاً لا يسمى حضارة، طالما أنه لم يستند إلى فكر. من أمثلة الإنتاج المعنوي: الشعر، الفن بأشكاله وأنواعه، الأدب، الاقتصاد، الذوق..إلخ ومن أمثلة الإنتاج المادي: المباني، التكنولوجيا، القوة العسكرية، المصانع.. إلخ. مقومات الحضارة الإسلامية ما مقومات الحضارة الإسلامية العظيمة..؟ هل اندثرت هذه المقومات..؟ أم أنها باقية ما بقي الإسلام..؟ هل يمكن أن تعود حضارة الإسلام من جديد..؟ أسئلة تراودني وتراود الكثير، بل لعل البعض يصل به التفكير إلى أن الإسلام هل يستطيع أن يكون صالحا لبناء حضارة في هذا العصر المتسارع دائم التغير؟ إن هذا التفكير نابع من أمرين، أولهما: غياب حضارة إسلامية حقة في هذا الزمن وسرعة تطور الحضارات الأخرى مما لا يعطي البعض فسحة للتفكير بشيء اسمه حضارة إسلامية. والثاني: أن البعض يظن أن مقومات الحضارة الإسلامية هي مقومات بسيطة جاءت في زمن ما وواكبت تغيرا مرحليا لكنها لا تجاري التغير الهائل والتطور المدهش الذي تشهده الحياة اليوم. ربما يطول الجواب عن السبب الثاني لكنني ألخص الرد بأن من يظن هذا فإنه لا يملك دراية كافية وعميقة لطبيعة الأحكام والمنهج والرؤية في الإسلام، وإن الإسلام إذا هيئت له الظروف كان سيدهش العالم رغم تطوره الهائل كما أدهشه سابقا رغم تخلف الكبير. خلافة آخر الزمان على منهاج النبوة روى الإمام أحمد في مسنده من حديث حذيفة (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ)). بشرى وأمل هزني هذا الحديث لمـا قرأته أول مرة، هزّني لأن كل ما حولي يشير إلى الظلمة والظلام، ويبعث على الحسرة والإحباط، ويدعو إلى اليأس من التغيير، فلّما قرأت هذا الحديث انبعث في نفسي شعاع الأمل من جديد، فالحديث صريح في أن الأمة ستمر بمراحل ومنعطفات، ولكن في نهاية الحديث يبشرنا النبي (أن الإسلام قادم، وأن حضارة الإسلام ستعود من جديد، وأن الخلافة الراشدة سترجع من جديد، بعد فترة الحكم الجبري، الذي يحكم فيه الساسة بالحديد والنار، وتصادر فيه كرامة الإنسان وحريته. والسؤال المطروح بقوة، هل ننتظر مجيء المخلّص الذي سيعيد مجد الإسلام..؟ وهل سنجلس منتظرين خروج المهدي الذي سينشر العدل في الأرض..؟ هل سنفعل ذلك أم نأخذ بالأسباب ونجتهد في إيجاد وإعادة هذه الخلافة الراشدة. ثورات سياسية.. ومبادرات ناقصة لقد غيرت الثورات العربية تغييراً سياسيا محضاً، وربما يكون هذا التغيير السياسي أيضا دون المطلوب لكنه رائع مقارنة بما كانت عليه الحال ومبشر في أمله ومستقبله، إلا أننا لم نصل إلى التغيير الحضاري الشامل الذي ننشده، ونتطلع إليه. لقد اطلعت على كثير من المبادرات التغييرية المطروحة في الساحة العربية، فلمست صدق النية، والرغبة الشديدة في التغيير، لكنني اكتشفت فيها نقصاً متشابهاً، وعيباً مشتركاً، ومن ذلك: 1- لا تسير على نسق واحد، ولا تصب في هدف واحد. 2- نقص المنهجية العلمية الواضحة عن تلك المبادرات. 3- غياب علم الإدارة الحديث، الذي من شأنها أن يجعلها أكثر منهجية وواقية. وحتى يكتمل الكلام ونفصل الفكرة سيكون المقال القادم في هذا الاتجاه بمشيئة الله تعالى. أسأل الله أن يجعل رياح التغيير تنبت ربيعا حضاريا.

10296

| 28 سبتمبر 2011

بسم الله نبدأ..

لعل من أسباب حماسي للبدء في المساهمة بزاوية أسبوعية هنا أنني أكتب في دولة قطر الحبيبة، والتي كانت لها ريادة فاعلة في تغيير مسار الإعلام والفكر من حكومي باهت وميت استشرى في الدول العربية إلى إعلام حر وفكر مضيء ومتقدم ومنافس، ولست أخص جهة معينة في قطر، بل لعلها كانت رؤية عامة وحركة أسهمت بها جهات عدة، هذا علاوة على حماسي لمشروع وفكرة رياح التغيير، وتوج هذا كله استضافة لطيفة ومبادرة رقيقة من جريدة الشرق ومن رئيس تحريرها صاحب الخلق الدمث الأخ الفاضل والأستاذ الكريم جابر الحرمي حفظه الله تعالى. فيسرني أن ألتقي بكم كل أسبوع عبر هذه الزاوية وأن أستمع إلى اقتراحاتكم ومساهماتكم من خلال الإيميل الذي سيكون آخر كل مقال، لنتشارك جميعا في توجيه رياح التغيير نحو الأمان والازدهار. ضرورة التغيير لو لم يغير الشجر أوراقه لما أخرج لنا ثمرا زاهيا ناضجا ولو لم يغير الماء مكانه وجرى لأصبح آسنا لا يصلح للشرب ولو لم يجدد جلد الإنسان نفسه وتتغير خلاياه لأصبح جيفة ولو لم يتغير حالنا من ليل إلى نهار كل يوم لفقدت الحياة متعتها وحيويتها كل ما حولنا يتغير، ونحن أيضا نتغير شئنا أم أبينا، فأنت بالأمس لست كحالك اليوم، ومنذ كنت طفلا لست كحالك في الشباب، وفي الشباب لست كما في المشيب أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت أيام الشباب؟ فالتغيير سنة كونية لتبقى الحياة سارية في هذا الكون، وهي كذلك مطلب بشري وشرعي ليظل الإنسان مواكبا لكل جديد ومتأقلما مع بيئته المتجددة، وكذلك مطلب حضاري لتظل الأمة حية متوقدة متحضرة مواكبة للزمن. وهو كذلك ضرورة عقلية تحث عليها الفطرة، إني رأيت وقوف الماء يفسده إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب هذا كله إن كان التغيير فضيلة وميزة وفضلا، فكيف إذا أصبح ضرورة ملحة وحاجة ماسة تمليها علينا الظروف التي تعيشها الأمة، وتؤكدها دركات التخلف التي وصل إليه واقعنا العربي؟! ولعل ابن خلدون المتوفى سنة (808)هـ خير من يصف المشهد العربي الحالي، إذ يقول رحمه الله " الظلم بداية انهيار الأمم، وأخذ أموال الناس بالباطل يجعلهم يزهدون في العمل والإنتاج، لأن حقوقهم تسلب منهم، وعندئذ تبدأ حركة الأسواق بالضعف، ويبدأ سكان البلد بالهجرة طلباً للرزق، فتخلو الدولة من أفضل كفاءاتها، وبذلك يختل أمر الدولة ". وكل منصف ومحايد يعترف بريادة " ابن خلدون " في علم الاجتماع، حتى قال فيه فيلسوف التاريخ الانجليزي " أرنولد توينبي": لقد ابتكر ابن خلدون وصاغ فلسفة للتاريخ هي من دون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم ". رياح التغيير رياح التغيير هو الاسم الإعلامي لمشروع التغيير الحضاري الذي أنادي به منذ زمن، ومن يتتبع تاريخ أمتنا يلحظ بشكل واضح حجم التحولات التي وقعت لها، خاصة في القرن العشرين، الذي فيه تم إسقاط الخلافة العثمانية الإسلامية، وفيه وقعت البلاد العربية تحت الاستعمار الذي سامها سوء العذاب، وسرق خيراتها، وبسط نفوذها على مقدراتها، ثم تلتها فترة التحرر من قبضة الاستعمار الأجنبي، مع بقاء الأنظمة المستبدة، التي تُستبدل كل فترة بفعل الانقلابات العسكرية، وبقيت الأمة ترزح تحت الظلم والاستبداد، مع ضعف التنمية واتساع رقعة التخلف في كافة المجالات (الإدارية والسياسة والمالية والتربوية..)، ونتيجة لهذه العوامل فقد الإنسان العربي حريته، وهدرت كرامته، وعاش جسداً بلا طموح أو روح أو هدف، حتى منّ الله تعالى على الأمة بثورات شعوبها التي استيقظت بعد سبات طويل، وانتفضت على الظلم والاستبداد، وارتفع صوتها عالياً مطالباً بالحرية وكرامة العيش، وهنا أريد أن أكد أن سبب هذه الثورات ليس معيشيا ولا خدماتيا ولا حتى اقتصاديا أو اجتماعيا، سببها هو الكرامة المفقودة، كرامة الحرية وكرامة العيش وكرامة القرار، هي باختصار كرامة الإنسان، وهذا ما جعل الناس تقدم فيها أرواحها وتثبت ثبات الجبال الرواسي أمام جرائم الأنظمة المستبدة واستخدامها لكل أنواع التنكيل والتعذيب، لأن الكرامة والحرية إذا سلبت لم يبق للإنسان شيء يحزن عليه. إن أوراق الشجر اليابسة تنتظر رياحا تطير بها لتخرج مكانها أوراق خضراء متجددة يانعة، وكذلك أمتنا كانت تنتظر هذه الثورات لتبدأ رحلة الخضار والثمر اليانع إن هي أحسنت توجيه دفة القيادة. ماذا بعد الثورات؟ هذا السؤال هو الأكثر إلحاحاً، ماذا بعد التغيير..؟ فبعض الثورات العربية انتصرت، والبعض الآخر مازال ينتظر، وشعوب عربية أخرى بدأت تتململ لتأخذ زمام المبادرة، فماذا نريد.. وماذا تريد تلك الثورات العربية..؟ هل نريد التغيير السياسي..؟ وعلى أيّ أساس نبني واقعنا الجديد..؟ وكيف يمكن تجنب تكرار مأساة الشعوب من تسلط الساسة وظلمة الأقليّة للأكثرية..؟ ما سأطرحه في هذا الكتاب مشروع تخطيط استراتيجي للأمة، مشروع تغيير حضاري، يضع أهدافاً واضحة قابلة للقياس، ويمكن أن نحققها في (20) سنة، بإذن الله تعالى. ما سأطرحه ليس مجرد مقالات أو خواطر أو نظريات حالمة بل هو عملية تحريك شاملة للأمة بدأتها الثورات ويجب أن تكون لنا معها مبادرات ووقفات لتسير بالمسار الصحيح وليقدم كل منا ما يستطيع ويقوم بدوره ويعرف إلى أين ينبغي أن تتجه السفينة.. قضية التغيير الحضاري..همّي الأول منذ فترة طويلة وقضية الحضارة تشغل فكري، وكانت أول محاضرة ألقيتها في عام (1986م)، وكانت في أمريكا تحت عنوان " صناعة الحضارة " فمنذ الثمانينيات وأن أفكر في نهضة الأمة وكيفية استعادة حضارتها، ورغم انشغالي به كثيراً، إلا أني كنت قليل الكلام حوله، لأنه موضوع خطير يحتاج إلى مؤسسات ودراسات ومنظمات، وليس إلى جهد فرد قد يعتريه النقص والخطأ والشطط أحياناً. وكنت دائماً ما أسأل نفسي، ما بال أمتنا باتت في ذيل الأمم؟ ولماذا ينتشر كل هذا التخلف في بلدانها وبين شعوبها..؟ ما الذي جرى..؟ ما الذي حصل..؟ كيف ولماذا ومتى ومن المسؤول..؟ لماذا لا نعود من جديد ونقود الأمم كما قدناها من قبل، ماذا نريد حتى نعود سادة الأمم والشعوب..؟ ما الذي يعيقنا عن التقدم نحو الهدف المنشود..؟ وأسئلة كثيرة تدور حول فكرة التغيير الحضاري، ونهضة الأمة الإسلامية. انتظار وملل ولأن مسألة التغيير الحضاري تحتاج إلى متخصصين، وإلى دراسات وأبحاث، وجهد جماعي كبير، فقد لبثت طويلاً أنتظر أن يأخذ بعض المفكرين زمام المبادرة، أو تطرح بعض المؤسسات مشروعاً للنهوض الحضاري من جديد، لكني انتظرت حتى سأمت الانتظار، ومللت من كثرة التلفّت. وزادني بؤساً أني وجدت أكثر المفكرين يحسنون عندما يتكلمون عن الماضي، فإذا تلكموا عن الحاضر أبدعوا وبهروا العقول، ولكن إذا تكلموا عن المستقبل اقتصر حديثهم على الشعارات الرنانة، والأحلام والأمنيات، التي لا ينهض بها تخطيط واعٍ، ولا تقودها منهجية واضحة، وإذا بحثت في طياّت حديثهم لم تجد خطة واضحة توصلنا للنهضة، ولم تجد حلولاً ناجعة لمشكلات التخلف وضعف التنمية وغيرها.. الشعارات لا تصنع الحضارة الشعارات الرنانة لا تقدّم خطة، ولا تضع بين يدي النخبة مشروعاً عملياً يقود إلى التغيير الحضاري، لذا فهي لا قيمة لها من الناحية العلمية والعملية، لأنها مجرد شعارات، لا تقدم ولا تؤخر. العقل والشرع يوجبان علينا أن ندرس الماضي.. وقد درسناه وتعلمنا منه الكثير، كما يوجبان علينا أن ندرس بتعمق واقعنا ونحلله جيداً، وربما يفعل بعضنا ذلك، وكذلك يوجبان علينا أن نخطط للمستقبل ونبدع في التخطيط للنهوض من جديد، وهذا ما ننتظره من المفكرين والقادة وأصحاب الرأي، ننتظر منهم خطة طريق واضحة، ومنهجية علمية، وخطوات عملية تحقق لنا التغيير الحضاري المنشود، أما الشعارات وحدها فلن تغيّر الواقع، ولن تصنع المستقبل. فالهدف المنشود من هذا المشروع الذي سيتوزع على مقالات هو النهوض بأمة عظيمة حضارية تقود البشرية من جديد. وهذا الهدف لا يتحقق بالآمال والأماني المجردة، بل لابد من وجود خطة واضحة. مشروع التغيير الحضاري يطرح مشروعاً متكاملاً يجيب على جملة من التساؤلات، كيف نعيد حضارتنا من جديد..؟ كيف نعيد بناء أمتنا من جديد..؟ هذا المشروع لا يتكلم كثيراً عن الماضي، ولا يستعرض إلا القليل من مشاهد الحاضر، استعراض تحليل لا نقد، أما جلّ الحديث فسيكون عن المستقبل المنشود، والأمل الموعود، من خلال طرح خطة واضحة الأهداف والمعالم، خطة قابلة للتنفيذ والقياس، وسنقدم مشاريع ومقترحات عملية للعشرين سنة القادمة، وسأضع بين أيديكم نموذجاً يساعد على التطوير النهضوي لما بعد مرحلة الثورات، وهذا النموذج التغييري يصلح أن يكون للأمة الإسلامية كلها، كما يصلح أن يكون نموذجاً لبلد واحد، ويصلح كذلك أن تطبقه جماعة أو منظمة أو مؤسسة. في مشروعي هذا سأدمج بين علم التخطيط الاستراتيجي وبين علم التغيير، لتكون النتيجة خطة عملية متكاملة للنهوض بالأمة والاستفادة من التغييرات الكبيرة الحاصلة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. هذه أفكار سريعة وممهدة لمقالات كثيرة قادمة بمشيئة الله تعالى.

1370

| 21 سبتمبر 2011

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

5502

| 23 سبتمبر 2026

كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟
كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟

قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...

4926

| 22 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3060

| 24 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2217

| 23 سبتمبر 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

1137

| 29 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1044

| 27 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

897

| 28 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

732

| 23 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

612

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

579

| 29 سبتمبر 2026

هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟
هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟

في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...

525

| 22 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

471

| 25 سبتمبر 2026

أخبار محلية