رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

من سلم العراق لإيران لن يحاربها في سوريا

ظن البعض مؤخراً أن الحرب ين إيران وإسرائيل قد تندلع بين لحظة وأخرى بعد أن ادعت إسرائيل أنها أسقطت طائرة استطلاع إيرانية داخل الأجواء الإسرائيلية كانت قادمة من قاعدة إيرانية في سوريا. ومما زاد في تأزم الوضع بين طهران وتل أبيب أن النظام السوري أسقط طائرة إسرائيلية في اليوم نفسه لأول مرة منذ واحد وثلاثين عاماً. هذه الأجواء المحمومة جعلت الكثيرين يتوقعون أن تشتعل الحرب بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى. لكن السياسة علمتنا أن لا نأخذ أبداً بظاهر الأمور مهما كانت مشتعلة إعلامياً، فالحقيقة لا تجدها في وسائل الإعلام ولا في التصريحات السياسية النارية، بل تجدها على أرض الواقع. وقد أخبرنا الفلاسفة الإغريق أن لا نركز على ما يقوله الساسة، بل على ما يفعلونه على الأرض. ولو نظرنا إلى ما فعلته إسرائيل وإيران على الأرض نجد أن الطرفين حلف واحد يتقاسم العالم العربي بالمسطرة والقلم.  قالها لي باحث سوري كبير يعيش في أمريكا منذ الأيام الأولى للثورة السورية. وهو مؤيد للنظام بطريقة ذكية قال: "لا تتفاجأوا بالتغلغل الإيراني المتزايد في المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً: فهناك اتفاق بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى يسمح لإيران بالتمدد واستعداء العرب للتخفيف من العداء العربي لإسرائيل. بعبارة أخرى هناك اتفاق بين إسرائيل وإيران على تقاسم العداء مع العرب، فبدلاً من أن تظل إسرائيل البعبع والعدو الوحيد للعرب في المنطقة تتقاسم العداء مع إيران بحيث يخف الضغط على إسرائيل. ولو نظرنا الآن لوجدنا ثمرات هذا الاتفاق على الأرض. ألم يصبح غالبية العرب ينظرون الى إيران على أنها أخطر عليهم من اسرائيل؟ وبالتالي، فإن كل العداء هذا الظاهر بين الصفيوني والصهيوني مجرد ضحك على الذقون. أما الخوف الإسرائيلي من الوجود الإيراني في سوريا ولبنان فقد أصبح نكتة سمجة لم تعد تنطلي على تلاميذ المدارس. تعالوا نشاهد كيف سهّلت أمريكا وإسرائيل لإيران الخمينية أن تتمدد حتى تصل إلى حدود إسرائيل . ألم يرفع الإمام الخميني عند وصوله إلى السلطة في إيران في نهاية سبعينات القرن الماضي قادماً من بلاد الغرب «اللعين»،  شعار محاربة الشيطان الأكبر، ألا وهي أمريكا وكل الجهات المتحالفة معها في الشرق الأوسط؟ ألم تكن إسرائيل على رأس قائمة الجهات التي استهدفتها القيادة الإيرانية الجديدة التي استلمت مقاليد الحكم بعد الثورة؟ ألم نسمع وقتها كيف بدأ الإيرانيون الجدد يرفعون شعار تحرير القدس وإغراق الصهاينة بالماء؟  ألم تنتبه إسرائيل وأمريكا لكل تلك التهديدات الإيرانية الصارخة؟ لماذا لم  تتخذ واشنطن وتل أبيب كل الاحتياطات، وترصد كل التحركات الإيرانية الجديدة لحظة بلحظة خوفاً من حملة الثأر الإيرانية الرهيبة التي أطلقها الخميني ضد الشيطان الأكبر وربيبته إسرائيل؟ على العكس من ذلك نجد أن التغلغل الإيراني في المنطقة بعد سنوات قلائل على الثورة الإيرانية، فقد وصلت إيران فوراً إلى الحدود الإسرائيلية بلمح البصر بعد تهديداتها النارية للإمبريالية والصهيونية. وفي بداية الثمانينات، وبعد ثلاث سنوات أو أقل، ظهر فجأة إلى الوجود «حزب الله اللبناني» كأول طليعة وذراع عسكري لإيران في المنطقة. ولو ظهر ذلك الحزب مثلاً في بلد عربي بعيد عن إسرائيل، لبلعنا القصة. لكن الذي حصل أن إيران أسست حزب الله على الحدود مباشرة مع ما تسميه وسائل الإعلام الإيرانية «الكيان الصهيوني» بعد أن قضت بالتعاون مع النظام السوري على كل الفصائل اللبنانية والفلسطينية والوطنية واليسارية والإسلامية وغيرها في لبنان التي كانت تخوض حرب العصابات ضد إسرائيل. فجأة ظهر حزب الله ليرفع شعار تحرير القدس من على الحدود مع إسرائيل مباشرة، وليس من طهران.  والسؤال هنا بعد تولي الخميني مقاليد الحكم في إيران ورفعه شعارات تقطر عداء لإسرائيل وأمريكا: كيف سمحت إسرائيل وأمريكا لذراع عسكري إيراني ضارب أن ينشأ على حدود إسرائيل مباشرة مع لبنان بعد فترة قصيرة جداً من وصول الخميني إلى السلطة، وبالتالي أن يهدد «الصهاينة» من على مرمى حجر؟  بعض الساخرين يتهكم قائلاً: يبدو أن أمريكا وإسرائيل اللتين تراقب أقمارهما الاصطناعية دبيب النمل في المنطقة، كانتا نائمتين في تلك اللحظات التي ظهر فيها حزب الله على الحدود مع إسرائيل أو كانت الكهرباء مقطوعة في إسرائيل، فنشأ الحزب ونما، ودجج نفسه بالسلاح الإيراني والسوري بلمح البصر، وعندما استفاقت أمريكا وإسرائيل وجدتا أن هناك قوة عسكرية إيرانية ضاربة على الحدود الإسرائيلية، فأسقط في أيديهما، وندمتا على الساعة التي أخذتا فيها غفوة، فاستغلتها إيران في إنضاج حزب الله، وجعله سيفاً مسلطاً على رقبة إسرائيل بين ليلة وضحاها. وبما أن النظام الإيراني الجديد رفع منذ بداية الثورة شعار القضاء على الصهيونية، فكيف سمحت له إسرائيل وأمريكا أن يتغلغل في سوريا جارة «الصهيونية» المباشرة بهذا الشكل الرهيب، بحيث أصبحت سوريا على مدى عقود بعد الثورة الإيرانية (عدوة الامبريالية والصهيونية)، أصبحت مربط خيل إيران في المنطقة؟ يبدو أيضاً أن الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أثناء التغلغل الإيراني في سوريا والهيمنة عليها كانت نائمة، ربما بسبب التعب، أو بعد تناول وجبة ثقيلة من الأسماك، فاستغلت إيران الغفوة أيضاً، ووصلت إلى حدود «الكيان الصهيوني» لتهدده مباشرة. وها هو الحرس الثوري الإيراني الذي يريد أن يدمر الصهاينة يصول ويجول الآن في سوريا حتى وصل إلى تخوم الجولان، وإسرائيل «المسكينة» غافلة عنه. يا سلام! يا حرام!  لو كانت إسرائيل تخشى من إيران وميليشياتها الطائفية في سوريا، لما سمحت هي وأمريكا لتلك الميليشيات بدخول سوريا أصلاً، ومن سلم العراق لإيران على طبق من ذهب، لا يمكن أن يعرقل التغلغل الفارسي في سوريا، ومن يخشى من حزب الله في لبنان، لا يمكن أن يسمح لإيران بإنشاء ألف حزب الله في سوريا. مش كده ولا أيه؟

9921

| 18 فبراير 2018

ما أوجه الشبه بين المزبلة والسياسة؟

كان في قريتنا أيام الطفولة أشخاص يسمونهم "شيوعيين"، ولم أعرف وقتها ماذا يقصدون بالشيوعيين، لكن الحديث عنهم بالسوء في غالب الأحيان بين أهالي القرية جعل الكثير من الأميين من أمثالي آنذاك يخافون منهم، ويبتعدون عنهم، ويحذرون من خطرهم. والغريب حينها أن النظام السوري كان متحالفاً حتى العظم مع الاتحاد السوفييتي الشيوعي، مع ذلك كان يلاحق الشيوعيين، ويصورهم للعامة على أنهم خطرون جداً على المجتمع، ومن الأسماء التي كانت تبعث فينا الخوف والقشعريرة اسما كارل ماركس ولينين، مع أنني لم أعرف عنهما شيئاً في ذلك الوقت، لكنني كنت أظن دائماً أنهما شخصان سيئان لا تحاول أن تقرأ عنهما أو تتعرف على كتاباتهما.  ذات يوم منحوس خرجت من باب بيتنا المتهاوي، فوجدت أمامه مجموعة من الكتب القديمة، لا أدري من هو الشرير الذي وضعها أمام البيت بقصد أو بغير قصد، بدأت بتقليب الكتب لأقرأ عناوينها سريعاً، فإذ بها كلها تحمل كلمات شيوعي وشيوعية وماركس وماركسية ولينين واللينينية وما شابهها من مفردات يسارية مرعبة. لم أفكر كثيراً ماذا أفعل بتلك الكتب، فأدخلتها إلى البيت بسرعة البرق وأنا أرتعد خوفاً من أن يكون أحد قد شاهدها أمام بيتنا، أو شاهدني وأنا أطلع عليها. ماذا أفعل بها يا ترى؟ وجدتها، وجدتها، حملتها فوراً إلى الحمام الخارجي في بيتنا (كان على الهواء مباشرة) وأشعلت فيها النيران ودقات قلبي أكثر من مائة وخمسين دقة بالدقيقة وربما أكثر، أحرقت الكتب ورقة ورقة، وكنت أرى الصفحات التي عليها لحيتا ماركس ولينين تفرقع بين ألسنة النار،  لقد كنت في أيام الشباب الأولى مرعوباً من مجرد القراءة عن شيء يسمونه سياسة، خاصة إذا كانت ذات صبغة شيوعية أو يسارية عامة. ومع أننا كنا مجندين قسراً في حزب البعث منذ المدرسة الإعدادية، إلا أننا لم نفهم بالسياسة شيئاً، وكانت كلمة سياسة تسبب لنا حساسية مخيفة. وظللت بعيداً عن السياسة، لأنني لا أفهم شيئاً عنها، وكنت أيام الجامعة أشعر بخوف شديد عندما كان بعض الطلاب الذين أسكن معهم في المدينة الجامعية يرددون اسم تشي جيفار أو لينين أو ماركس. كان هؤلاء دائماً يمجدون جيفارا، ويستشهدون بأقوال لينين، لكن بعيداً طبعاً عن أعين المخابرات. لقد كان هؤلاء ثوريين حتى النخاع وقتها، لكن عندما اندلعت الثورة السورية اختفوا كالجرذان، ولم يسمع لهم أحد صوتاً، وبدل أن يكتبوا كلمة يتيمة لصالح الثورة كونهم تلاميذ جيفارا المزعومين، اكتفوا بملء صفحاتهم على مواقع التواصل بالحكم والأقوال المأثورة والقصص الاجتماعية. في السنة الثالثة والرابعة في الجامعة أتذكر أنني في ذلك العام سألت زميلي في الغرفة في المدينة الجامعية سؤالاً هاماً: قلت له يا زلمي أسمع في الراديو دائماً كلمة سياسة وكلمة سياسي. شو معناتها، فبدأ الزميل، وكان أشقاؤه وقتها ضباطاً كباراً في الجيش السوري، يشرح لي المعنى، لكنني بصراحة لم أفهم شيئاً. ثم شاءت الأقدار أنني تخرجت في الجامعة، وعندما ذهبت إلى بريطانيا لدراسة الدكتوراه في الأدب الانجليزي عام 1984، كان أمامي اختصاص المسرح السياسي، فاخترت ذلك الاختصاص، مع العلم أنني لا أعرف عن السياسة شيئاً. لكن المضحك في الأمر أنني عندما قابلت البروفيسور المشرف على دراستي في جامعة (هل) في بريطانيا، أتذكر أنه اقترح علي أن أدرس التأثير الماركسي على الكتاب المسرحيين البريطانيين في النصف الثاني من القرن العشرين، فشعرت بخوف شديد، وقلت له بسذاجة صارخة: أرجوك يا دكتور: لا أريد أن أقترب من ماركس والماركسية أبداً، فالويل لمن اقترب منهما في سوريا، فلو فعلت ذلك، لذبحوني عندما أعود إلى هناك بعد الدراسة، فتفاجأ الدكتور من هذا الرد الصبياني، لكنه كان ذكياً جداً، فبدأ يستدرجني أسبوعاً بعد أسبوع إلى الفكر الماركسي واليساري شيئاً فشيئاً، فوجدت نفسي بعد فترة غارقاً في البحث والقراءة في الفكر الماركسي واليساري عموماً. وصرت أضحك على أيام حرق الكتب في حمامنا الخارجي، وكيف كنت أرتعب من سماع اسم اليساريين. وبدأت أبحث وأقرأ عن أقصى الأفكار التحررية من أجل أطروحة الدكتوراه. ومن شدة شغفي بالموضوع ذهبت إلى أقاصي الفكر اليساري الذي يدعو إلى تحطيم الأساطير والمقدسات الاصطناعية ليكون موضع أطروحتي.  واليوم بعد مرور الأيام اكتشفت أن السياسة مثل المزبلة كلما تعمقت فيها أكثر فاحت منها رائحة أقذر.  

2006

| 11 فبراير 2018

عندما تغيب الوطنية تكثر الأغاني الوطنية!

لا أدري لماذا نحن العرب ربما أكثر شعوب الأرض إنتاجاً واستهلاكاً لما يُسمى بـ"الأغاني الوطنية. لماذا لا تنتشر الأغاني الوطنية إلا في بلادنا العربية تقريباً؟ هل سمعتم في حياتكم بأغنية وطنية أوروبية أو أمريكية أو حتى أفريقية؟ ربما لا. كل ما نسمعه في الغرب مثلا النشيد الوطني لهذا البلد أو ذاك قبل البدء بمباراة كرة قدم مع فريق أجنبي، أو عند الاحتفال بمناسبة قومية كبيرة حقاً كذكرى الانتصار على النازية خلال الحرب العالمية الثانية. لماذا لا تبث وسائل إعلام أعدائنا القريبين والبعيدين أي مواد وطنية عاطفية حتى أيام الحروب؟ أما نحن، فكل أيامنا أعياد وطنية..ما شاء الله! لعل الطراز الأكثر شيوعا وبثاً عبر وسائل إعلامنا المرئية والمسموعة هو تلك الأناشيد التي تتغنى بحب الزعماء، ففي كل بلد عربي تقريباً تتحفك الإذاعات والتلفزيونات بوجبة دسمة من تلك الأغاني " عمّال على بطال "، فقد تفتقت قرائح شعرائنا عن أجمل الشعر وأبدعه في " حب القادة ". ولو صدقت أشعار هؤلاء "الشعراء" لكنا أكثر سكان المعمورة ولعاً وهياماً بحكامنا. وهذا طبعاً ليس صحيحاً بأي حال من الأحوال، لكن هذه الأغاني كما هو معروف للجميع كالواجب المدرسي مقررة على وسائل الإعلام شاء من شاء وأبى من أبى، واللي مش عاجبو يشرب من مية البحر الأصفر، ومفروض على الكل تحمل تلك الأغاني، حتى لو كانت مؤلمة كالآم الأسنان أو الرقبة، إذا لم نرد تشبيهها بالآم عضوية أخرى. فلا أدري لماذا يريدوننا زعماؤنا أن " نذوب في دباديبهم " رغماً عن أنوفنا وحلوقنا؟ ألا يمكن في هذه الحالة أن يكون الهدف من مثل هذه الأغاني هو إخفاء أو التغطية على الشعور الشعبي الحقيقي تجاه الحكام، ألا وهو الكره في كثير من الأحيان؟ أما النوع الثاني من الأغاني الوطنية فهي تلك التي تسترسل في التغني بعشق الوطن على علاته على غرار " وطني وطني" أو "بلادي بلادي" أو " يا ديرتي". إن المتمعن في تركيبة تلك الأغاني يرى بأنها، كالنوع الأول، تحض، لا بل تأمر " المواطن" بأن يتعلق بالوطن. لكن كما نعلم فإن الحب ليس شيئاً إجبارياً، بل طوعي. فإذا أردت أن أحب شيئاً ما، فلن أكون بحاجة إلى جارنا أو ابن خالتي أو بائع البطانيات الكورية كي يقول لي إن ذلك الشيء جدير بحبي. كذلك الأمر بالنسبة لحب الوطن. إنها فكرة سخيفة فعلاً أن يعتقد جهابذة الإعلام والسياسة في عالمنا العربي أن عشق الوطن يمكن أن يُزرع في نفوس الشعب عن طريق الأغاني والأهازيج والأناشيد أو على طريقة التعبئة العامة.، فأسلوب غوبلز وزير إعلام هتلر التعبوي القائم على مبدأ " اكذبوا ثم اكذبوا فلا بد أن يعلق شيء في أذهان الجماهير" قد ولّى ولم يعد يجدي نفعاً في هذا العالم المتطور، ووسائل الدعاية العربية التقليدية أصبحت نكتة ممجوجة لا تثير إلا القرف والغثيان في أحسن الأحوال. فعقول الناس كبرت كثيراً، ونضجت، ولم تعد تنطلي عليها تلك الألاعيب السخيفة القديمة القائمة على غسل الأدمغة ولي العقول بطريقة سمجة. متى يتعلمون أن الإنسان لا يمكن أن يحب وطنه إلا إذا وطنه أحبه وحقق له الإنجازات الحقيقية، وليس الوهمية التي نجدها فقط في الأغاني الوطنية، فالحب شعور متبادل، وليس من طرف واحد حتى وان كان العاشق والمعشوق هو المواطن والوطن. فالوطن ليس شيئاً مقدساً يجب أن تعبده حتى وإن داسك ليل نهار. ألم يقل سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: " ليس هناك بلد أحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك ". أي ان أحسن الأوطان هي التي تحترم مواطنيها، وتحافظ عليهم وتتحملهم بدلاً من أن يتحملوها. وهناك مثل إنكليزي شهير يقول إن " الوطن حيث القلب". أي أنه طالما أن قلبك يحب مكاناً ما، حتى لو لم يكن مسقط رأسك، فهو وطنك. فما الفائدة أن يعيش الإنسان في مكان وقلبه في مكان آخر؟ ما الفائدة أن يعيش الإنسان غريباً، أو يعاني الغربة في وطنه، وتريده في نهاية النهار أن يتغنى بحب الوطن؟ كيف تطلب من إنسان أن يحب وطنه إذا كان وطنه يكرهه، أو يعذبه ليل نهار كما تفعل معظم الأوطان العربية مع مواطنيها؟ الحب العادي يا جماعة الخير لا يمكن أن يكون عذرياً، فالإنسان يحب شخصاً لشيء ما. ليس هناك حب شخصي مجرد، فما بالك بحب الوطن الذي ينطوي على منافع مادية متبادلة، فهو لا يمكن أن يكون عذرياً، إلا عند الغارقين في الرومانسية الخيالية؟ دعوني أقول للحكومات العربية والإعلاميين والموجهين والمخططين إن حب الوطن لا يمكن أن يتولد في نفس الإنسان العربي من خلال الاستماع إلى أغنية وطنية عاطفية. ربما لهذا السبب أصبح بعض الأناشيد الوطنية مدعاة للسخرية والتهكم. إن حب الوطن لا يُفرض فرضاً بالقوة الغاشمة، فإذا أردنا من الشعب العربي أن يحب ربوع بلاده فلنجعل من هذا الوطن العربي الكبير شيئاً محبوباً فعلاً. فهناك ملايين الأشياء في هذا الوطن تبعث على الحقد والاشمئزاز والنفور والبغضاء وليس على الحب. فإذا أرادت الأنظمة العربية أن تجعل مواطنيها يعشقون وطنهم فعلاً فليكن هذا الوطن جديراً بالحب من خلال ما يقدمه للمواطن من حريات وخدمات ورفاه واحترام. وعندما تتوافر مثل هذه الأمور في أي وطن لا أعتقد عندئذ أننا سنكون بحاجة إلى الأغاني والأناشيد الوطنية الحماسية. والدليل على ذلك ان الإذاعات والتلفزيونات الغربية لا تبث أي أغنيات وأهازيج وطنية حتى في المناسبات الوطنية. لماذا؟ لأنها تعرف أن الشعب الغربي يحب الوطن من خلال ما يقدمه له ذلك الوطن، وليس من خلال الأغاني الوطنجية المفروضة. لا أبالغ إذا قلت إن الإنسان الغربي قد يكون أكثر تعلقاً وإخلاصاً لوطنه من معظم المواطنين العرب بألف وتسعمائة وتسعة وتسعين ألف مرة، مع أنه لم يستمع في حياته إلى أغنية وطنية واحدة.

3499

| 04 فبراير 2018

هل لدينا طغاة أم أدوات؟

قبل أن تبدأ بتحليل ظاهرة أو قضية أو شخصية ما، يجب أولاً أن تضعها في سياقها الحقيقي كي يكون التحليل مطابقاً للموضوع، وإلا كان الموضوع في واد والتحليل في واد آخر. نقول هذا الكلام لأننا أخطأنا كثيراً في تحليل ظواهر كثيرة بناء على فرضيات خاطئة من أصلها. فقد كنا نعتقد لعقود أن هناك استبداداً ومستبدين وديكتاتورية وديكتاتوريين في عالمنا العربي، وبناء على هذا الطرح رحنا ندعو إلى الثورة على الطغاة والمستبدين في بلادنا، ظناً منا أن الطغيان ظاهرة عربية وإسلامية حصراً، وأن العرب والمسلمين قرروا الخروج على أقانيم العصر، وراحوا يحكمون شعوبهم بطريقة ديكتاتورية على طريقة الطواغيت. كم كنا مغفلين وساذجين في طرحنا هذا! لقد اعتقدنا خطأً أن هناك استبداداً في بلادنا يجب استبداله بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن العائق الوحيد أمامنا هو الدول البوليسية القمعية والوحشية التي بناها هذا الحاكم العربي أو ذاك منذ عقود وعقود. ولطالما أعطينا هذا الحاكم أو ذاك أكبر من حجمه بكثير. ولا شك أن الكثير من هؤلاء الحكام الذين تعرضوا على مدى سنوات للهجوم والانتقاد بسبب بطشهم وقمعهم، لا شك أنهم كانوا يضحكون في سرهم علينا لأننا ظنناهم مستبدين وطغاة، بينما لم يكونوا كذلك مطلقاً. الآن وبعد أن ذاب الثلج وبان المرج بعد الثورات العربية، وبعد أن انكشف المستور، تبين أن من كنا نعتقدهم طواغيت كانوا في الواقع مجرد طراطير وجلادين وأدوات قذرة ووكلاء صغار لقوى خارجية مقابل منافع معينة. كم أخطأنا في تشبيه الحكام العرب الذين بطشوا بشعوبهم على مدى العقود الماضية بستالين أو بهتلر أو غيرهما. لا شك أبداً أن هؤلاء الجلادين والجنرالات العرب الصغار الذين كنا نشبههم بسفاحين عالميين كبار كانوا سعداء جداً بانتقاداتنا وأوصافنا الخرافية التي كنا نغدقها عليهم زوراً وبهتاناً. لا ريب أبداً أن بعضهم كان ينتفخ فرحاً، وينفش ريشه عندما كان يسمع بعض المنتقدين وهم يشبهونه بهتلر أو جنكيز خان أو تيمور لنك، لأنهم في واقع الأمر لا يصلون إلى شسع نعل هؤلاء الطغاة الكبار، بل هم مجرد أجراء ونواطير صغار لا يملكون من أمرهم شيئاً. شتان بين ستالين وأي حاكم عربي تشبه به. لماذا؟ لأن ستالين كان فعلاً طاغوتاً دموياً مجرماً، لكنه في الوقت نفسه، كان صاحب مشروع ورؤية، وكان، اختلفنا أو اتفقنا معه، قائداً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى رغم جرائمه الكبرى ودمويته وطغيانه السافر. لم يكن ستالين أداة صغيرة لا في يد الغرب ولا الشرق، بل كان قائداً رغم تعامله البربري أحياناً مع شعبه وجرائمه النكراء بحقه التي سجلها التاريخ. لقد كان ستالين رجلاً بغض النظر عن أفعاله وطريقة حكمه الهمجية. لم يفعل ما فعله نيابة عن هذه الجهة أو تلك، ولم يصل إلى السلطة أصلاً بأوامر ومباركة خارجية، ولا أحد يستطيع أن يتهمه بأنه مجرد طرطور أو أداة قذرة في أيدي الآخرين لتنفيذ مشاريع ومخططات خارجية في وطنه. على العكس من ستالين وغيره من الطواغيت الحقيقيين، نرى أن غالبية الحكام العرب الذين تشبهوا به أو شبههم البعض به هم ليسوا طغاة ولا طواغيت بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كانوا مجرد كلاب صيد حرفياً. ومن المعروف أن كلب الصيد يفعل الأفاعيل بالطرائد ليس لحسابه الخاص، بل لحساب الصياد. وكذلك الحكام العرب الذين كنا نظنهم طغاة. لا يمكن أن يكون الحاكم الذي وصل إلى السلطة بإيماءة خارجية وبضوء أخضر غربي، لا يمكن أن يكون قائداً وطنياً، ولا حتى طاغية، فالطاغية الحقيقي ينفذ مشاريعه الخاصة حتى لو كانت إجرامية، بينما الحاكم العربي ينفذ منذ وصوله إلى السلطة مشاريع خارجية في بلده، وهو أشبه بالسجان الذي يقهر السجناء ويعذبهم ليس بناء على رغبته الشخصية، بل تنفيذاً للمهام الموكلة إليه من أسياده ومديريه. لقد أظهرت الثورات العربية أن الكثير من حكامنا مجرد وكلاء، بدليل أنه عندما فشل الوكيل في القضاء على الثورات، تدخل الكفيل الخارجي فوراً. وبالتالي فإن معركة الكثير من الشعوب العربية ليست مع الوكيل الداخلي بل مع الكفيل الخارجي. وصدق الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي عندما قال "مازلنا بعيدين عن الاستقلال الحقيقي ولا بد أن نناضل طويلاً كي نحقق الاستقلال الثاني".

2359

| 28 يناير 2018

لا حاجة للأخلاق في هذا العصر!

آه كم فكرت برفع دعوى قضائية مجلجلة ضد والدي سامحه الله ! آه كم خطرت على بالي ملاحقته وجرجرته في المحاكم والحصول منه على تعويضات لها أول وليس لها آخر. آه كم فكرت بالانتقام منه بشتى الوسائل كما انتقم منا في صغرنا وزرع في نفوسنا قيماً وخصالاً وفضائل بائدة أكل عليها الدهر وشرب وعادات مندثرة لا تناسب العصر الذي نعيش فيه هذه الأيام بأي حال من الأحوال. آه كم جنيتم علينا يا آباءنا الأعزاء! آه كم كنتم مخطئين وبريئين ! آه كم أضعتم من أعماركم ووقتكم وأنتم تحاولون أن تغرسوا فينا الأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية الطيبة التي لا محل لها لا من الإعراب ولا من الصرف في هذا الزمان العربي القبيح! آه وألف آه ! لا شك أنكم «خجلانون» منا و«مكسوفون» أعلى درجات الكسوف لأنكم أخطأتم في تربيتنا. لماذا يا آباءنا الطيبين لم تقرؤوا كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» للمصلح العظيم عبد الرحمن الكواكبي كي تتعلموا منه كيف تربون أولادكم كي يستطيعوا العيش في عصور الطغيان والفساد العربية اللاحقة؟ لو فعلتم ذلك لما كنتم نادمين الآن على ما صنعت أياديكم بأبنائكم المساكين.  يقول الكواكبي في الفصل المعنون «الاستبداد والتربية» في كتابه المذكور الشهير: «إن الاستبداد المشؤوم يسطو على النفوس فيفسد الأخلاق ويضغط على العقول... وبناء عليه تكون التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، فكل ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته.. فالاستبداد ريح صرصر فيه إعصار يجعل الإنسان كل ساعة في شأن، وهو مفسد للدين في أهم قسميه، أي الأخلاق. وأما العبادات منه فلا يمسها، لأنها تلائمه في الأكثر، ولهذا تبقى الأديان، في الأمم المأسورة، عبارة عن عبادات مجردة صارت عادات، فلا تفيد في تطهير النفوس شيئاً، فلا تنهي عن فحشاء ولا منكر، وذلك لفقد الإخلاص فيها، تبعا لفقدها في النفوس التي ألفت أن تلتجئ وتتلوى بين يدي سطوة الاستبداد في زوايا الكذب والرياء والخداع والنفاق، ولهذا لا يُستغرب في الأسير الأليف في تلك الحال أن يستعمل كل هذه الرذائل أيضا مع ربه ومع أمه وأبيه ومع قومه وجنسه وحتى مع نفسه». بعبارة أخرى فإذا أردت أن تعيش سعيداً في زمن الاستبداد فعليك أن تكون كذاباً ومرائياً ومخادعاً ومنافقاً وغداراً من الطراز الأول. آه يا آباءنا لماذا لم تستبقوا هذا الزمن العربي المنحط وتعلِّمـونا طبائع الغدر والخداع وبيع الضمير كي تسهّلوا علينا مهمة العيش لاحقاً بسهولة ويسر! هل كنتم تريدون أن تعذبونا؟ فقد كادت جهودكم أن تضيع سُدىً! اسمعوا ما يقوله الكواكبي:  «الاستبداد يُضطر الناس إلى إباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق والتذلل ومراغمة الحس وإماتة النفس إلى آخره، وينتج عن ذلك أنه يربي الناس على هذه الخصال. بناء عليه، يرى الآباء أن تعبهم في تربية الأبناء، التربية الأولى، لا بد أن يذهب يوماً عبثاً تحت أرجل تربية الاستبداد، كما ذهبت قبلها تربية آبائهم لهم سدى. ثم أن عبيد السلطة التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم، ولا هم آمنون على أنهم يربون أولادهم لهم، بل هم يربون أنعاما للمستبدين وأعواناً لهم عليهم. وفي الحقيقة إن الأولاد في عهد الاستبداد سلاسل من حديد يرتبط الآباء بهم على أوتاد الظلم والهوان والخوف والتضييق، فالتوالد من حيث هو، زمن الاستبداد، حمق، والاعتناء بالتربية حمق مضاعف». اسمعوا جيداً يا آباءنا الأقدمين واتعظوا: «لماذا يتحمل الآباء مشاق التربية؟ فهم إن نوّروا أولادهم جنوا عليهم بتقوية إحساسهم فيزيدونهم شقاء، ويزيدونهم بلاء، ولهذا لا غرو أن يختار الآباء الذين فيهم بقية من الإدراك ترك أولادهم هُملاً تجرفهم البلاهة إلى حيث تشاء». لا شك أن ضميركم بدأ يؤنبكم بقوة يا آباءنا المساكين. لماذا لم تتركوا أولادكم "هُملاً" بلا أخلاق وضمير؟ لماذا ربيتموهم على الغيرة والحمية ونصرة المظلوم وقول الحق حتى لو أدى ذلك إلى قطع رقابهم وأرزاقهم؟ لماذا، لماذا؟ لماذا لم تعلمونا أن نكون سميكي الجلد وفاقدي الإحساس وعديمي الوفاء؟ لماذا لم تعلمونا أن نجابه التجبـّر بالتذلل والتصاغر؟ لماذا لم تعلمونا مجابهة الشدة بالتلاين والمطاولة؟ لماذا لم تعلمونا التصامم عن سماع ما يُحكى عنا والتظاهر بفقد الحس؟ لماذا لم تعلمونا ستر العلم بالتجاهل والعقل بالتباله؟  لماذا لم تنتبهوا يا آباءنا الأكرمين إلى أن التربية الصحيحة غير «مقصودة ولا مقدور عليها في ظلال الاستبداد»؟ وحسبُ الآباء أن يزرعوا الخوف في قلوب أبنائهم من «شر الظالمين»، وهذا النوع من التربية يستلزم «انخلاع القلوب لا تزكية النفوس». هل تعلمون يا آباءنا أن أنظمتنا العربية قد وضعت سياسات إفساد منظم لحكم المجتمعات العربية، والويل كل الويل لمن لا يسير على هديها؟ هل علمتم أن النظام العربي الفاسد لا يستطيع العيش في مجتمع فاضل، وبالتالي كان لا بد له من إفساد المجتمع حتى يتمكن النظام من الاستمرار؟ لماذا غابت عنكم يا آباءنا حقيقة أن أولادكم مقبلون على عالم متخم بالوساخة والقذارة بكافة أشكالها؟ وطوبى لمن أتقن فن المداهنة والقوادة واللف والدوران والتضرع والخنوع وتخريب بيوت الناس والسمسرة ولعق الأحذية والطعن في الخلف وحفر الحفر لإخوته وتدبير الخوازيق وتأليف التقارير وامتهان التزوير وأكل الحرام وهتك أعراض الأنام وسرقة أموال اليتامى والمساكين والوشاية بأقرب المقربين والانقلاب على النازلين والصعود مع الصاعدين وبيع الأقربين بحفنة من تين !  آه لو تعلمون يا آباءنا المخدوعين كم يعاني أولادكم الذين انطلت عليهم الخصال الحميدة والأخلاق الإنسانية النبيلة! لقد انقلبت القيم ليصبح الخيّرون مُدانين والأوغاد واللصوص هم الشرفاء الميامين. ألا تعلمون أن شعار مجتمعاتنا العربية غير المعلن غدا: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؟ فالمعروف أصبح جزاؤه في عصرنا الراهن أحياناً، للأسف الشديد، نكران الجميل. آه لو استمع أبناؤكم إلى النصيحة الذهبية: «اتق شر من أحسنت إليه». فكم من أعمال الخير ذهبت أدراج الرياح لدى أناس تربوا على السفالة والنذالة وخيانة الخبز والملح. آه يا زمن الخيانات الصغيرة والكبيرة! لقد انقلبت الموازين، ومحظوظ كل من يُعطي ضميره إجازة مفتوحة كي يستطيع التأقلم مع زماننا هذا...!  لكن لا تحزنوا يا آباءنا الورعين ولا تندبوا حظكم العاثر المسكين! صحيح أن المعيشة البشرية في عهود الاستبداد «محض نماء يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات والأحراج يسطو عليها الحرق والغرق وتحطمها العواصف والأيدي القواصف، ويتصرف في جذوعها وفروعها الفأس الأعمى، فتعيش تحت رحمة الحطابين». إلا أن الكواكبي لم يكن متشائماً تماماً، فظل يحدوه أمل بانتصار الخير على الشر في النفس البشرية، ففي الوقت الذي يعترف فيه بأن الحياة الإنسانية في زمن الطغيان تبقى تحت رحمة الصدفة، إلا أنها برأيه قد «تعوجُّ أو تستقيم، تثمر أو تعقم». بعبارة أخرى فإمكانية الاستقامة والإثمار تبقى قائمة رغما عن أنوف المستبدين والمتلاعبين بمصائر الشعوب وضمائرها وأخلاقها. وهناك مثل شعبي بسيط يقول: لو «خليت بليت»، أي أن الدنيا لن تخلو أبداً من الناس الخيرين والطيبين، «وبفضل نفس صالحة واحدة تعمر جزيرة» كما يقول أهلنا البسطاء. ولهذا أحضكم يا آباءنا ألا تقعوا فريسة للندم والقنوط وأطمئنكم أننا سنبقى أوفياء لتعاليمكم الطيبة وموضتكم الأخلاقية المندثرة مهما عضنا الزمن، فلن نعلم أبناءنا ألا يسعفوا جريحاً أو يغيثوا ملهوفاً أو يطعموا جائعاً أو يروا ظمأ عطشان أو يساعدوا محتاجاً أو يدافعوا عن مظلوم أو يناصروا قضايا الشعوب المغبونة حتى لو كان فيها الكثير من السفلة والغدارين والأنذال والساقطين!  

3440

| 14 يناير 2018

لماذا نلوم الانفصاليين ولا نلوم من أجبرهم على الانفصال؟

لا شك أن كلمة انفصال كلمة ملعونة في القاموس السياسي العربي. لكن أليس حرياً بالذين يوجهون التهم لأي جماعة عربية تطالب بالاستقلال أو حتى الانسلاخ في هذا البلد أو ذاك أن يعودوا إلى رشدهم قليلاً لا لكي يباركوا النزعات الفيدرالية والانفصالية، بل على الأقل لتفهم دواعيها ومسبباتها وسد ذرائعها وعدم الانجرار وراء التخوين المجاني للمطالبين بها؟ ما الذي يدفع البعض إلى التهديد بالانفصال أو الانسلاخ عما يُسمى بالحكومة المركزية في البلاد العربية؟ هل تهوى بعض الجماعات الانزواء لمجرد الانزواء، أم أنها تدق ناقوس الخطر للأنظمة العربية الحاكمة التي تـعتبر المسؤول الأول والأخير عن دفع بعض الحركات إلى البحث عن الانفصال، مع العلم أنه قد يكون حلاً كارثياً على الانفصاليين قبل غيرهم بحكم أن أقنوم العصر هو التجمعات والوحدات الكبرى، وليس الكيانات القزمية والدويلات الممسوخة؟ إن محاولة هذه الجماعة أو تلك الانفصال عن الدولة الأم ما هي إلا تأكيد فشل ستة عقود من "استقلال" الدول العربية في تحقيق النقلة النوعية المطلوبة من مرحلة الولاءات القبلية والمذهبية إلى مرحلة الولاء للدولة المركزية. لقد فشلت معظم الأنظمة العربية على مدى أكثر من ستين عاماً في بناء دولة لكل مواطنيها. وبالتالي، كما يجادل أحد الباحثين، فإن ما يسمى بالدول العربية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن "تشويه صورة الدولة المركزية " إلى حد جعل شرائح واسعة من مجتمعاتها تتطلع إلى صيغ حكم بديلة قاسمها المشترك تقليص دور السلطة المركزية أو حتى الانفضاض من حولها. صحيح أن الدول العربية حصلت بعد خروجها من تحت النير العثماني واستقلالها عن الاستعمارين الفرنسي والبريطاني على لقب "دولة"، إلا أن هذه النقلة لم يرافقها تحول مواز في مفهوم "الولاءات"، فبقدر ما كانت الكيانات المركزية مفروضة فرضاً بحكم لعبة تقاسم النفوذ بين بريطانيا وفرنسا كانت فاقدة لشرعيتها الشعبية بداعي ولادتها "سفاحاً"، فتمخض استقلال مجتمعات الشرق الأوسط عن كيانات سياسية هشة" و"أقلوية" حافظت على تماسكها بالحديد والنار لا بالإرادة الجماهيرية". وهذا الأمر ينسحب على كل الدول العربية تقريباً دون استثناء، فكلها فشلت في خلق دول بالمعنى الكامل للكلمة مما جعلها دائماً مهددة بالتفكك والانهيار كما يحدث الآن في أكثر من مكان. فبفضل طريقة الحكم القائمة على الدوائر الضيقة والمقربين جداً وحرمان الناس من المشاركة السياسية حتى في إدارة البلديات تمكنت بعض الأنظمة بشقيها العسكري والإسلامي من تفتيت مجتمعاتها وقطع كل الروابط البسيطة التي كانت تجمع بينها. إن آفة ما يسمى بالدولة العربية الحديثة كما لا يخفى على أحد هو أنها هي التي تدفع بمكوناتها العرقية والطائفية والاجتماعية إلى خيار الانفصال. وكما يقول المثل الشعبي فإن "الثلم الأعوج من الثور الكبير"، بعبارة أخرى فإن تلك الأنظمة المسماة دولاً زوراً وبهتاناً لم تضرب "لرعاياها" مثلاً يُحتذى في بناء الدولة والحفاظ عليها وجعلها قبلة جميع العرقيات والطوائف والمكونات التي تتشكل منها.  ماذا تتوقع من أي شعب عربي إذن عندما يرى نظامه يحكم على أسس قبلية وطائفية ومناطقية؟ هل تريده أن ينزع باتجاه الاندماج أم باتجاه الانتماء الضيق وربما الانفصال والانسلاخ؟ لقد قال الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف ذات مرة: "لو لم يكن الاتحاد السوفييتي جاهزا للانهيار داخلياً لما انهار ولو تكالبت عليه كل أمم الأرض". بعبارة أخرى فإن النظام الذي كان يقوده هو الذي دمره في نهاية المطاف وليس التآمر الغربي بعدما تحول المكتب السياسي إلى عصابة أو مافيا لا يهمها سوى مصالحها الضيقة. وكذلك الأمر بالنسبة للكثير من الأنظمة العربية التي تشتكي من المؤامرات الخارجية بينما هي المتهم الأول في دفع البلاد إلى حافة التفكك والتشرذم من خلال مافيوزيتها وفشلها في أن تكون حكومات لكل مواطنيها وانجرارها وراء مصالحها الخاصة الضيقة على حساب الدول والأوطان والشعوب. وبما أن عملية الوقوف على حاجات المجتمعات بشرائحها ومكوناتها المختلفة عملية صعبة للغاية حتى في ظل النظام الديمقراطي النيابي، فما بالك أن يقوم بها الجهاز الحاكم في الدولة العربية المركزية، فقد غدا من المحتوم أن يقع الغبن والظلم على هذه المنطقة أو تلك أو محاباة هذا الإقليم أو ذاك على أسس مناطقية أو قبلية أو عشائرية أو طائفية أو عرقية أو مصلحية. بعبارة أخرى فإن المواطن العربي لا يحصل على حقوقه كونه مواطناً، بل على أساس أصله وفصله والجهة التابع لها وقربها مما يسمى بالدولة. ولا داعي إلى الإشارة إلى أن بعض المناطق التي تسكنها طائفة أو أناس من مذهب منبوذ معين تبقى مناطق فقيرة معدومة لا تصلها التنمية أو التطوير، ويكون نصيبها من الثروة الوطنية يسيراً جداً وتكون فيها نسبة الفقر والبطالة في أعلى مستوياتها. إنه تمييز قبيح على أساس مذهبي أو طائفي أو عرقي أو جهوي. وكم من المناطق فيها ينابيع مائية عظيمة بينما يشرب سكانها ماء ملوثاً لأن ليس هناك من يدافع عنها ويطالب بحقوقها في دوائر الدولة. وهناك مناطق تنتج الكم الأكبر من القمح لكنها تعاني من الجوع والفقر المدقع "كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول". لقد صدّع البعض رؤوسنا وهو يتهم إسرائيل بأنها دولة ليست لكل مواطنيها على اعتبار أنها تحابي المواطنين اليهود على حساب المواطنين العرب. لكن ألا ينطبق هذا الاتهام الخطير بحذافيره على الكثير من الحكومات العربية؟ هل يستطيع أحد أن ينكر أن هناك "خياراً وفقوساً" فيما يسمى بالدولة العربية؟ فالمناطق غير المغضوب عليها والأخرى التي ينحدر منها مثلاً رئيس الدولة وكبار المسؤولين فيها تكون في أحسن حال وغالباً ما تكون خدماتها العامة أفضل من غيرها بمائة مرة. هل بعد كل ذلك نلوم الانفصاليين والمتمردين على الدولة المركزية العربية ونتهمهم بالخيانة؟ من هو الخائن الحقيقي بربكم، الذي يطالب بالانفصال كصرخة ضد التهميش والعزل والاهمال والظلم والغبن والمحاباة والأبارتيد العرقي والطائفي والمناطقي، أم أولئك الذين دفعوه إلى الكفر بالوحدة الوطنية المزعومة؟  

1522

| 07 يناير 2018

العربية لغة مفعول بها!

في كل مرة أستمع فيها إلى حديث، أو خطاب لبعض الزعماء العرب أشعر بقشعريرة، لكن ليس تحمسًا لفيض أفكارهم، أو روعة بيانهم، أو حلاوة لسانهم، بل حنقًا وغضبًا على براعتهم وتفننهم بإيذاء اللغة العربية، والإساءة إليها، و"شرشحتها" شر "شرشحة". قلما تجد حاكمًا عربيًا متمكنًا من لغة الضاد، أو محترِمًا لها، أو آبهًا بها، إلا من رحم ربي، فمعظمهم من قبيلة "المفعولن بوهو"، فهذا يرفع المجرور، وذاك ينصب المكسور، وغيره يجر المفعول، وآخر يكسر الفاعل، وذاك يضم الماضي، وبعضهم يفتح المضارع، والبعض الآخر يسكـن المبتدأ، ويكسر الخبر، وكأن هناك مخططا عربيًا رسميًا لتكسير اللغة العربية، والنصب عليها، وجرها إلى أقرب حفرة، لتصبح في محل مقبورة، وعلامة قبرها الكسرة الظاهرة على خاطرها.  لا أدري لماذا لا يهمس مستشارو القادة العرب في آذانهم بعد إلقائهم للخطابات، أو إجراء لقاءات مع وسائل الإعلام ليقولوا لهم: "تخنتوها" يا أصحاب الفخامة والجلالة والسيادة، والله فضحتمونا بين خلق الله بألسنتكم المعوّجة وتشكيلكم البيكاسي (نسبة إلى بيكاسو)، الذي لا يمكن أن تعرف لرسوماته رأسًا من رجل، أو أنفًا من أذن. إن لغتكم العربية فضيحة، وليست فصيحة، لفظًا، ونطقًا، ونحوًا، أيها القادة الأجلاء! فلو سمعكم سيبويه لتململ في قبره. لقد مات الرجل وهو يقول: "أموت وفي نفسي شيء من حتى".. أما أنتم فقد تموتون وفي أنفسكم حسرة، لأنكم لم تتمادوا بما فيه الكفاية في الإجهاز على تراثه اللغوي العظيم "حتة حتة".  متى توقنون يا حكامنا الأعزاء أن هيبتكم من هيبة لغتكم؟ متى تعرفون أن "اللغة المكسّرة" التي أدمنتم على معاقرتها تسيء إلى مقاماتكم، وتعطي عنكم انطباعات مُخجلة على أقل تقدير، لا بل تجعلكم تبدون في عيون المستمعين والمشاهدين جاهلين؟ ألا يقولون إن اللغة وعاء الفكر؟ فأين الفكر إذا كان وعاؤه عندكم لغة معطوبة نحوًا وإلقاءً؟ كيف يستطيع البعض أن يستوعب الإسترتيجيات الكبرى وتشعبات السياسة والاقتصاد إذا كان لا يقدر على استيعاب أحرف الجر والنصب والجزم؟  لا نطالبكم أبدًا بأن تكونوا خطباء مفوهين كونستون تشيرتشل، بل على الأقل بأحرف الجر، والممنوع من الصرف، والمضاف إليه، والمبني للمجهول ملتزمين.. هل يرضيكم أن «تئن» أحرف العلة تحت صرير أسنانكم؟ هل يسعدكم أن يصبح الفاعل المغوار في نحوكم مفعولًا به، والمجرور المسكين فاعلًا بضمتين، والمفعول العنــين فحلًا بواوين صغيرتين؟  ألم يلفت أحد انتباهكم أنكم تقترفون مجازر رهيبة بحق اللغة العربية في تصريحاتكم وخطبكم غير العصماء؟ ألم يقل لكم أحد إنكم تجعلون الكثيرين يقفزون من مقاعدهم هلعًا من أخطائكم القواعدية الفظيعة؟ لماذا يتكلم بعضكم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية ببراعة متناهية أحيانًا دون أن يلحن بكلمة واحدة، بينما يلحن "عمــال على بطــال" عندما ينتقل للتكلم بلغة الضاد، وكأنه يقول لمستمعيه: أنا أحترم اللغات الأجنبية وأحتقر لغتي العربية؟ أليس تعلم لغتكم الأم أسهل من تعلم اللغات الأجنبية التي تتباهون بتكلمها وكتابتها؟ ما الذي يمنعكم من أخذ دروس لبضعة أشهر لتعلم أبجديات النحو العربي المبسط ومخارج الحروف، خاصة أن كلكم قادر على دفع أجور الدروس الخصوصية، أو شراء كتب تعليم اللغة العربية المبسطة؟  لماذا أيها السادة الكرام لا تتعلمون من نظرائكم الغربيين؟ هل بربكم سمعتم يومًا زعيمًا غربيًا يقترف خطأً نحويًا واحدًا في مقابلاته مع وسائل الإعلام أو خطاباته أمام الجماهير؟ لا أتذكر أنني اكتشفت خلال إقامتي في بريطانيا لأكثر من عقد من الزمان "دجة" لغوية واحدة لرئيس وزراء أو مسؤول بريطاني. وكنت أتساءل دائمًا: "لماذا يتقن هؤلاء لغتهم من ألفها إلى يائها، قواعدَ، ولفظًا، ونطقًا، بينما يضرب حكامنا عرض الحائط بأبجد هوز اللغة العربية؟" أليس من المخجل أن يقتل العرب لغتهم الحية، بينما يُحيي الإسرائيليون لغة ميتة؟ هل سمعتم يومًا مسؤولًا إسرائيليًا يتحدث بعبرية ركيكة ونحو مهترئ، ينصب، ويجر، ويرفع على هواه؟ ألا تعلمون أيها السادة أن تشجيع اللهجات المحلية في وسائل إعلامكم العربية المسموعة والمرئية في الآونة الأخيرة مقدمة تمهيدية لـ"سايكس بيكو" الجديدة التي تريد تقسيم المقسّم وتجزئة المجزأ؟ ألا يُخشى أن يضيع دم اللغة العربية بين القبائل والطوائف والكانتونات وزواريب الشرق الأوسط الجديد؟  لقد ذكرني سلخكم للغة العربية أيها الزعماء العرب بكاريكاتير في صحيفة الجارديان البريطانية قبل بضع سنوات يظهر فيه مجموعة من التلاميذ يعملون بجد، باستثناء واحد فقط لا يأبه بالدراسة، فسأله المعلم: "لماذا أنت كسول ومهمل في دراستك؟" فأجابه التلميذ:"أريد أن أصبح رئيسًا للوزراء"، على اعتبار أن رئيس الوزراء البريطاني وقتها كان جون ميجر الذي لم يكمل تعليمه الثانوي. وأرجو ألا يجيبنا الطلاب العرب إذا سألناهم عن تخلفهم في اللغة العربية بأنهم يريدون أن يصبحوا زعماء!  ويسألونك لماذا أصبح وضع لغة الضاد في الحضيض في مدارسنا ووسائل إعلامنا؟ هل نلوم تلاميذ المدارس وطلاب جامعاتنا إذا كانوا لا يتقنون لغتهم الأم، ويلحنون بها، ولا يستطيعون تأليف جملة مفيدة واحدة، إذا كان كبار القوم في بلداننا في محل مخربين للغة ومتفننين في التصرف خبط عشواء بقواعدها ونطقها؟ هل يُعقل أن تعرض ألمانيا على الجزائر المساعدة في حماية لغة الضاد؟  ألا تعتقدون أيها القادة الموقرون أنكم بدوسكم قواعد اللغة العربية وعدم احترامها تشجعون النشء الصاعد على الإجهاز عليها، فإذا كان رب البيت بالدف ضاربًا، فشيمة أهل البيت كلهم الرقص؟  

1908

| 31 ديسمبر 2017

عشرة ملايين أرنب وغزال لا يستطيعون مواجهة وحش كاسر

مائة وثمان وعشرون دولة صوتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد القرار الأمريكي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل. وقد اعتبره البعض نصرًا مؤزرًا للمجتمع الدولي ضد الجبروت الأمريكي، لكن متى اهتمت أمريكا لجعجعة العالم؟ متى يدرك المحتفلون بتصويت الجمعية العامة بأن هذا العالم نسخة طبق الأصل عن الغابة، وأن شريعة الغاب هي الحاكمة شاء من شاء وأبى من أبى؟  لا شك أن الكثير منا تساءل، وأمعن في التساؤل: لماذا لا تتجرأ دولة عربية واحدة على مقاومة أمريكا والتصدي لها عمليًا، وليس كلاميًا على طريقة التنديد والشجب والاستنكار العربية المعهودة؟ لماذا لم يُقدم نظام عربي للدفاع عن نظام عربي آخر في وجه أمريكا؟ لماذا تتبرع الدول العربية بضرب بعضها البعض والتآمر على بعضها البعض نزولًا عند الرغبة الأمريكية؟ لماذا تكتفي الدول العربية بمجرد التفرج على الجبروت الأمريكي في أحسن الأحوال؟ كم من الصحفيين عزا ذلك الصمت العربي الرهيب إلى نوع من التواطؤ بين الحكومات العربية والبيت الأبيض، فيما ذهب آخرون إلى الزعم بأن معظم دولنا هي مجرد عتلات في أيدي الأمريكان، لا أكثر ولا أقل، إلى آخر القائمة المملة والمكررة من التساؤلات والتكهنات والتخمينات. لا شك أننا، بالاشتراك مع إعلامنا العربي، طرحنا مثل تلك الأسئلة المبتذلة والساذجة أعلاه مئات المرات، ولا نزال نطرحها بنفس السذاجة. لكن القليل منا حاول أن يجد أجوبة مقنعة لتلك الأسئلة تستطيع أن تزيل الأوهام من رؤوس السائلين والمتسائلين، وتجلي الأمور. لا أريد أن أبدو هنا وكأنني أبرر الموقف العربي الرسمي المسالم والراكع جدًا في تعامله مع الإدارة الأمريكية، لكن لماذا لم يدر في بالنا أن الدول الأقوى من الدول العربية بعشرات المرات سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا لم تنبس يومًا ببنت شفة ضد السياسات الأمريكية بشكل عملي، لا بل إنها مستعدة لمسايرة التحركات الأمريكية أينما توجهت؟ هل سمعتم أن بريطانيا أو ألمانيا أو فرنسا أو الصين أو روسيا تحركت عمليًا لمواجهة الغزو الأمريكي للعراق أو أفغانستان، أو غيره من التصرفات الأمريكية؟ هل تدخلت روسيا في سوريا من دون ضوء أخضر ومباركة أمريكية؟ ربما حاولت أن تشاغب بكثير من الدبلوماسية في الأمم المتحدة على التحركات الأمريكية، وحتى استخدام الفيتو الروسي في مجلس الأمن لم يأت دون تنسيق أمريكي، فمن المعلوم أن الأمريكيين لا يلجأون إلى مجلس الأمن إذا كانوا مصممين على فعل شيء. وقد لجأوا للمجلس بخصوص التدخل في سوريا لأنهم لا يريدون أن يتدخلوا، وبالتالي أرادوا أن يظهروا أنهم ملتزمون بالقرارات الدولية. وهم ليسوا كذلك طبعًا. وكي لا نكابر، لا أحد يستطيع أن يــقدم على أي خطوة ملموسة لمواجهة الجبروت الأمريكي عمليًا، وكأن الدول تقول: من حقنا أن نعارض كلاميًا، ومن حق أمريكا أن تفعل ما تشاء. تلك هي طبيعة مواقف الدول الكبرى والصغرى بالأساس من السياسة الأمريكية حتى هذه اللحظة. وربما دفعتنا السذاجة لطرح مزيد من التساؤلات: لماذا لا تتحد الدول الكبرى أو حتى الصغرى، وتتخذ موقفًا حازمًا من البيت الأبيض وسياساته البلطجية وحروبه الاستعمارية، وعندها تستطيع أن تواجه المارد الأمريكي؟ ألا يستطيع حتى الأقزام فيما لو توحدوا أن يشكلوا كتلة تواجه المارد، فكيف إذا توحدت مواقف ثلاث أو أربع دول كبرى؟ سؤال وجيه، لكنه أقرب إلى الخيال والتمنيات منه إلى الواقع، ولن يحدث لأسباب يصعب إحصاؤها. ماذا تستطيع أن تفعل الدول العربية المسكينة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا في وجه العملاق الأمريكي الكاسر إذن؟ فإذا كان الأقوياء غير قادرين على التحرك عمليًا، بسبب ضعفهم النسبي، للوقوف في وجه الوحش الأمريكي، فكيف نطلب من دول هزيلة أن تتحرك؟ مستحيل. لقد رحم الله امرأ عرف قدر نفسه. والذين لا يُقدمون على مواجهة اليانكي الأمريكي من الدول لا يفعلون ذلك بدافع التواطؤ، كما قد يتبادر لأذهان السذج، بل بناء على شعور سياسي غريزي كالذي تتصرف على أساسه الحيوانات في الغابة تماشيًا مع قانون الغاب. مليون أرنب وغزال وحمار وجاموس وثعلب لا يستطيعون التصدي لأسد واحد. لا أبالغ إذا قلت إن سياسة الدول، صغيرها وكبيرها، تشبه إلى حد كبير سياسة الحيوانات. هل رأيتم يومًا نمرًا، أو فهدًا، أو ذئبًا، أو ضبعًا يتصدى للأسد كي يصده عن افتراس غزال، أو أرنب، أو حمار وحشي؟ بالطبع لا. ليس أمام الحيوانات المفترسة الأقل قوة من الأسد إلا أن تبارك سياسته دون أي تعليق أو معارضة، أو تغض الطرف عنها. ثم هل رأيتم يومًا الذئاب والنمور والكلاب والضباع تشكل جبهة لمواجهة الأسد ووقفه عند حده؟ أبدًا لا، هل شاهدتم أرنبًا يتصدى للثعلب كي يمنعه من افتراس أرنب آخر، أم إنه يلوذ بالهرب خوفًا على جلده؟ إنها سياسة الطبيعة والغريزة. جميل أن يتوحد الضمير العالمي ضد الجبروت الأمريكي، لكن يجب ألا نضحك على أنفسنا، فالذي يحكم العالم ليس قانون الضمير بل قانون القوة. والمثل الشعبي يقول: الكيلو بدو كيلو ونص. يعني لا يمكن أن يرجح الكفة ضد الكيلو سوى كيلو ونصف. وإذا كنتم تحلمون بظهور قوى جديدة تواجه الهيمنة الأمريكية، فلا تحلموا، فأي قوى جديدة ستتصرف كالأمريكان وربما أسوأ على طريقة شريعة الغاب. ليس هناك وحوش طيبة ووحوش كاسرة، الوحوش وحوش.. وسلامتكم.

4343

| 24 ديسمبر 2017

متى تتعلم الأقليات أن العالم يستخدمها ولا يحميها..؟

قال الرئيس الأمريكي الراحل إبراهام لينكون: "تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت".. لكن مع الاحترام للينكون، فإن مقولته التاريخية لا تنطبق أبدًا على الأقليات في العالم العربي. لماذا؟ لأن التاريخ أثبت أنك تستطيع أن تخدعها، وتضحك عليها، وتستخدمها لأغراضك الرخيصة كل الوقت، وهي مستعدة أن تصدقك، وتتحالف مع الخادعين دائمًا وأبدًا. لو عدنا إلى التاريخ قليلًا، لوجدنا كيف كان الاستعمار يتاجر بموضوع الأقليات، ويستخدمها كمخلب قط، ومسوغات لتدخله في البلدان التي كان يريد أن يستعمرها.. لقد أخبرنا التاريخ بأن المستعمرين كانوا بالإضافة إلى استخدام أكاذيب حقوق الإنسان، وهمروجة عبء الرجل الأبيض، ونشر الحرية والديمقراطية، وتحرير الشعوب من العبودية، والتنوير، كانوا أيضًا يبررون تدخلهم في هذا البلد أو ذاك بأنهم قادمون لحماية الأقليات من ظلم الأكثرية.. ولطالما تشدقت روسيا بحماية المسيحيين الأرثوذوكس، وتشدق غيرها من المستعمرين الغربيين كفرنسا بحماية هذه الأقلية أو تلك. والمحزن في الأمر أن ألاعيب الاستعمار كانت تمر بسهولة في أوساط الأقليات، فبدل أن تتعايش تلك الأقليات مع الأكثريات كانت تقع فريسة سهلة في شباك المستعمرين، وتتحول إلى شوكة في خاصرة أبناء جلدتها من الأكثريات بحجة أن المستعمر جاء لحمايتها، مع العلم أن المستعمرين كانوا على الدوام يستخدمون الأقليات كحصان طروادة للهيمنة على هذا البلد أو ذاك ونهب خيراته واضطهاد أكثريته. ورغم أن الأكثريات في عالمنا العربي عانت كثيرًا من تصرفات الأقليات وقبولها بأن تكون أدوات في أيدي المستعمرين لتحقيق مخططاتهم الشيطانية في بلداننا، إلا أنها عادت واستوعبتها في المجتمعات العربية، وضمنت حقوقها رغم خيانة بعضها لأوطانها وسقوطها في الحضن الاستعماري. ومن الواضح أن الكثير من الأقليات في عالمنا العربي لم يتعلم من التجربة الاستعمارية الحقيرة، بل ظل يطمح للعب دور الخنجر المسموم في صدر البلدان العربية بعد تحررها من الاستعمار. فما أن خرج الاستعمار من بلادنا وحل محله أذنابه من الطواغيت والجنرالات، حتى راح الكثير من الأقليات يعيد نفس الأسطوانة، وذلك بالتحالف مع الطغاة ضد الأكثريات. لقد تمكن أذناب المستعمر من الأنظمة القومجية وغيرها من تمرير نفس اللعبة مع الأقليات، فراح بعض الأنظمة يقدم نفسه للعالم على أنه حامي الأقليات، وذلك كي يدغدغ عواطف المستعمر القديم. لم لا؟ وقد أثبتت لعبة حماية الأقليات أنها لعبة ناجحة، وبإمكان من يلعبها أن يحقق الكثير من الأهداف من خلالها. لقد جاء الربيع العربي ليكشف أن الأقليات لم تتعلم أبدًا من الحقبة الاستعمارية، لا بل هي متشوقة لتعيد كافة فصولها، لكن هذه المرة بالقبول أن تكون مجرد ألعوبة في أيدي الطواغيت الذين ثارت عليهم شعوبهم بعد عقود من الطغيان.. فبدل أن تنضم الأقليات إلى ثورات الأكثرية من أجل الحرية والكرامة، راح الكثير منها يتحالف مع الأنظمة الساقطة والمتساقطة بطريقة تذكرنا بتحالفاتها الوضيعة مع المستعمر ضد أبناء جلدتها. لم تعِ الأقليات أن الزمن الأول تحول، وأن الأكثريات ستنال حقوقها من الطواغيت أذناب المستعمر عاجلًا أو آجلًا، وأنه من الأفضل للأقليات أن تتحالف مع الأكثريات لا مع من كان يدوسها ويضطهدها، لأن المستقبل للأكثريات مهما طال الزمن. والمؤلم أكثر أن بعض الأقليات أكل الطعم، وصدق أن الطواغيت الذين ثارت عليهم الشعوب هم حماة للأقليات. لا أدري لماذا لا يرى زعماء الأقليات كيف يتم التلاعب بالأقليات واستغلالها بطريقة مفضوحة رخيصة من قبل الأنظمة الساقطة والمتساقطة، ليس من أجل خير الأقليات، بل فقط من أجل إطالة عمر هذا النظام المتداعي أو ذاك لا أكثر ولا أقل.. مغفل من يعتقد أن الأنظمة المحاصرة بالثورات تحمي الأقليات، لا بل هي تحتمي بالأقليات، وتستخدمها كفزاعة لاجترار عواطف المستعمر القديم لعله يساعدها في البقاء في السلطة. لقد نجح بعض الطواغيت في الإيقاع بين الأكثريات والأقليات، وذلك باقتراف الكثير من الجرائم بحق الأقليات، وتحميل المسؤولية للأكثريات. ليس هناك أدنى شك بأن معظم الجرائم التي وقعت ضد الأقليات هي من صنع مخابرات الأنظمة الساقطة والمتساقطة. ولو كنت مكان أي أقلية الآن لوجهت أصابع الاتهام بعد أي تفجير هنا وهناك لا للأكثرية الثائرة، بل للأنظمة المحاصرة بالثورات، فهي تقوم بمجازر مروعة من خلال السيارات المفخخة بحق الأقليات، وتنسبها للعناصر التكفيرية، كي تقول للعالم: لسنا وحدنا المستهدفين من قبل التكفيريين، بل أيضًا الأقليات. وللأسف الشديد، إن هذه الألاعيب "الوسخة" والمفضوحة ما زالت تمر على الأقليات، مما يزيد من ارتمائها في أحضان المجرمين الذين يستخدمونها كعتلة قذرة لتحقيق غاياتهم الإجرامية. أما آن الأوان لأن تدرك الأقليات في العالم العربي، أن مستقبلها ليس مع هذا الطاغية أو ذاك الجنرال، بل مع الأكثريات من أبناء جلدتها؟.. متى تدرك أنهم يستخدمونها للظهور بمظهر حسن أمام العالم الخارجي فقط لا غير، بينما هم ينظرون إليها في أعماق أعماقهم كأدوات قذرة وخناجر مسمومة لمواجهة الأكثريات بها؟ متى تعلم الأقليات أنها ستكون الخاسرة حتى لو بقيت الأنظمة التي تحالفت معها، وهو كحلم إبليس بالجنة طبعًا؟ فتلك الأنظمة ستحاول (إذا) بقيت إرضاء الذين ثاروا عليها، وإهمال الذين وضعتهم في جيبها كالأقليات؟ والمثل الإنجليزي يقول: "غالبًا ما يعطون الحليب للأطفال الذين يصرخون".. وبما أن الأقليات صمتت وتواطأت ضد الثورات، فإنها في كل الأحوال ستخرج من المولد بلا حمص، لا مع كفلائها بخير، ولا مع الأكثريات بخير.

2963

| 17 ديسمبر 2017

هل الرأي العام فعلاً كالبغل؟

من الظلم الشديد أن نصف "الرأي العام" بالبغل، كما يفعل بعض العاملين في الإعلام. ففي ذلك إساءة بالغة ليس للرأي العام، بل للبغل، فمن المعروف أن البغل، ابن الحمار والفرس، حيوان مشهور بالعناد وكبر الرأس وصعوبة المراس، أي أنه ليس من السهل التحكم به وقيادته حيث تريد، فغالباً ما يحرن بسرعة، وفي أحيان كثيرةً يركل صاحبه ركلات موجعة ودامية. وكل هذه الصفات البغلية ليست من خصال الإنسان. وإذا أراد أحدكم التعرف على سهولة التحكم بالناس وسوقهم كقطعان فعليكم بكتابي "سيكولوجية الجماهير" للمفكر الفرنسي الشهير غوستاف لوبون، وكتاب "بروبوغاندا" للداهية الأمريكي الشهير إيدوارد بيرنيس. وبالمناسبة كلا الكتابين كانا الكتابين المفضلين للزعيم النازي أدولف هتلر ووزير إعلامه الشهير جوزيف غوبلز. فقد كان هتلر يضع الكتابين المذكورين وراء مكتبه لشدة تعلقه بهما. لقد كشف لنا لوبون في كتابه كيف بإمكانك التحكم بالحشود في الشوارع، وكيف بإمكانك سوقها حيث تريد ببساطة متناهية. وجاء بيرنيس ليؤطر ذلك إعلامياً من خلال كتابه الشهير الذي أصبح المرجع الأول والأخير لوسائل الإعلام الأمريكية خاصة، والغربية عامة. ولا ننسى أيضاً كتاب "المتلاعبون بالعقول" لهيربيرت شيلر". الكثير منا يعتقد أن الديمقراطيات الغربية محكومة بالرأي العام، وأن الحكومات هناك لا تستطيع أن تقوم بشيء إلا إذا كان الرأي العام موافقاً وقابلاً بالسياسات والإستراتيجيات المطروحة. وهذه طبعاً كذبة كبيرة لا أساس لها من الصحة. فالأصل ليس رأي الشعب، بل من يصنع رأي الشعب، ويوجهه في الاتجاه الذي يريد. وقد سخر أحد الإعلاميين قبل فترة عندما برر أحد المتحدثين تقاعس الرئيس الأمريكي على مدى أكثر من عامين عن القيام بإجراء حازم ضد النظام السوري بأنه نتيجة لرفض الرأي العام الأمريكي لأي حروب أمريكية خارجية جديدة بعد أفغانستان والعراق. ليس صحيحاً أبداً أن الإدارة الأمريكية تخشى ردة فعل الشعب فيما لو كانت تريد القيام بإجراء عسكري ضد النظام السوري، بل هي في هذه الحالة، كما يقول معارضوها من الصقور، تبرر تقاعسها وترددها بإلقاء اللوم على الشارع الأمريكي. وهي كاذبة في ذلك حسب رأيهم، فمن عادة الحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية أن تفعل ما تريد عندما يكون لها مصلحة في تحرك ما، وعندما لا يكون لها مصلحة تبرر صمتها بأكذوبة الرأي العام. من أسهل ما يكون أن تصنع رأياً عاماً في الديمقراطيات الغربية، خاصة في الزمن المعاصر حيث أصبحت وسائل الإعلام السلطة الأولى وليس الرابعة كما كانت في القرن التاسع عشر. العملية حسب تعليمات الداهية الكبير إيدوارد بيرنيس في غاية السهولة، فإذا كان بيرنيس قادراً بوسائله الإعلامية المتواضعة أن يوجه المجتمع الأمريكي في أي اتجاه تريده الحكومة في بداية القرن العشرين، فما بالك الآن، وقد أصبحت وسائل الإعلام وحشاً كاسراً أقوى من كل الترسانات الحربية، وهي التي تحسم المعارك الكبرى على الشاشات قبل أن تحسم على الأرض. عندما فكرت أمريكا بالمشاركة في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان على نطاق واسع في العقد الرابع من القرن الماضي مثلاً، بدأت تبحث عن أعذار وحجج للالتحاق بالحرب على نطاق واسع، فطلبت من بيرنيس أن يضع لها إستراتيجية إعلامية لإقناع الأمريكيين، فبعد أيام ظهرت الصحف وعلى صفحاتها الأولى كاريكاتير صممه بيرنيس. الكاريكاتير كان عبارة عن رسم لطائرات يابانية تقصف تمثال الحرية في نيويورك. وما أن شاهد الأمريكيون الصورة حتى ثارت ثائرتهم، وبدؤوا يتوعدون اليابان بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويدفعون حكومتهم للتدخل أكثر فأكثر في الحرب. لقد جاء الكاريكاتير كالقشة التي قصمت ظهر البعير، خاصة وأن الصراع احتد وقتها كثيراً بين الطرفين عسكرياً. من الخطأ الاعتقاد أن الشعوب الغربية أكثر ذكاء وفطنة من شعوب العالم الثالث، فعلى العكس من ذلك، فهي سهلة الانقياد، وبإمكانك أن توجهها بسهولة. ولو نظرنا إلى الطريقة التي أدار فيها الإعلام الأمريكي الحملة لغزو العراق لوجدنا كيف نجح بسهولة في توجيه الأمريكيين دفعة واحدة لتأييد القضاء على صدام حسين. وقد ذكرت الإعلامية الأمريكية الشهيرة أيمي غودمان أن بعض الصحف الأمريكية الكبرى مثلاً كانت يومياً تنشر ما نسبته خمسة وتسعين بالمائة من الآراء المؤيدة للغزو على صفحاتها الأولى، وخمسة بالمائة فقط من الآراء المعارضة في صفحات أخرى. ويحدثونك عن الموضوعية والمهنية. ولو نظرنا إلى تعامل وسائل الإعلام الغربية مع المسألة السورية لوجدنا أنها كانت تعكس فعلاً الموقف الغربي الرسمي البارد والمتردد. وبالرغم من البشاعات التي شهدها الوضع السوري من مجازر رهيبة، إلا أن الشعوب الغربية لم تتأثر كثيراً بما يحدث من الناحية الإنسانية، لأن وسائل الإعلام صانعة الرأي العام كانت تريد الشعوب الغربية بعيدة عن الشأن السوري كي تبرر تقاعس الحكومات الغربية، كما يرى منتقدوها. ولو كان هناك رغبة غربية حقيقية في الدخول على خط الأزمة السورية لصنعت رأياً عاماً يبرر لها تدخلها خلال أيام فقط، كما يرون. ولعلنا شاهدنا كيف تحرك الشارع الغربي فجأة لمجرد نشر بعض صور ضحايا الهجوم الكيماوي على غوطة دمشق في ذلك الوقت. فعندما فكرت الحكومات الغربية بالتدخل في سوريا، غدا الخبر السوري فجأة الخبر الأول في نشرات الأخبار التلفزيونية الغربية، وبدأ الناس يدعون لوضع حد لمحنة الشعب السوري. لا أحد يحاول أن يضحك علينا بالرأي العام، فالرأي العام مجرد لعبة مفضوحة تلعبها الحكومات متى أرادت أن تفعل شيئاً، وتتحجج به عندما تريد أن تتهرب من فعل شيء. صحيح أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى منابر وبرلمانات شعبية يمكن أن تنافس الرأي العام الرسمي، لكن الحكومات في السنوات القليلة الماضية بدأت تصنع جيوشها الإلكترونية الجبارة لمواجهة الزخم الشعبي لمواقع التواصل. ولا شك أن الحكومات بإمكاناتها الضخمة تستطيع أن تنافس رواد المواقع الذي يعملون فرادى. بكل الأحوال المعركة بين الرأي العام الرسمي والرأي العام الشعبي في مواقع التواصل ما زالت في أولها. وسنعرف لاحقاً من ستكون له اليد الطولى في صناعة الرأي العام.

3658

| 10 ديسمبر 2017

انتصر الرئيس وانهزمت سوريا!

لو استمعت إلى التلفزيون السويسري أو السويدي أو الألماني ذات يوم، وهي بلاد معروفة على مستوى العالم بأنها رموز للتقدم والتحضر، لأخذت الانطباع أن تلك البلاد في حالة يُرثى لها. لماذا؟ لأن وسائل الإعلام الحرة لا تترك مشكلة مهما كانت صغيرة إلا وتضخمها وتركز عليها حتى يتم إصلاحها، بينما في بلادنا التعيسة لا تسمع في وسائل إعلامنا المهترئة إلا عن الإنجازات والانتصارات التاريخية، مع العلم أن كل المؤسسات معطلة في بلادنا باستثناء مؤسسة المخابرات التخريبية، وأن الخراب يعم كافة المجالات. بالأمس القريب حرقت إسرائيل في عدوانها على لبنان الحرث والنسل والبشر والحجر، لكن مع ذلك خرج بتوع "المقاومة" ليحتفلوا بالنصر الإلهي العظيم على إسرائيل. ولا ننسى أنه عندما سقط الجولان قال قيادي بعثي كبير وقتها، لا مشكلة في سقوط الجولان طالما أن القيادة بخير. فهم لا شيء يهمهم في الوطن سوى الكراسي، وليذهب الوطن والشعب أدراج الرياح. واليوم بعد تدمير ثلاثة أرباع سوريا وتهجير نصف الشعب السوري وتحويل سوريا إلى بلد متعدد الاحتلالات، لا هم للنظام وحلفائه إلا الحديث عن الانتصارات التاريخية. قال تاريخية قال. لا أدري، هل نضحك أم نبكي عندما نسمع وسائل إعلام "المماتعة والمقاولة" وهي تتشدق بصمود نظام الأسد والانتصار على "المؤامرة الكونية" وإفشالها. فإذا كانت المؤامرة قد فشلت، وأدت إلى دمار سوريا وتهجير شعبها، فكيف لو نجحت، لا سمح الله؟ كيف كان سيكون وضع سوريا؟ ربما انتصار آخر ويختفي بلدنا عن الخارطة! يا من تتفاخرون بصمود النظام وانتصار الدولة السورية: لو عرفتم الحقيقة، لبكيتم دمًا على "صموده" المزعوم حتى الآن، فلو سقط رئيسكم، كما سقط حسني مبارك وزين العابدين بن علي، لما وصلت سوريا إلى هنا. بشار الأسد، أيها المغفلون، لم يصمد، بل أراده أعداء سوريا أن يبقى كل هذا الوقت كي يدمروا بلدنا من خلاله وبواسطته، ونجحوا. لاحظوا أن سقوط مبارك وزين العابدين بن علي في مصر وتونس خلال أسابيع أنقذ مصر وتونس من الخراب والدمار الذي حل بسوريا بسبب عدم سقوط الأسد. ولو بقي مبارك وبن علي في الحكم، لكانت مصر وتونس الآن في وضع مشابه لسوريا، لا سمح الله. لكن سقوطهما أنقذا تونس ومصر، وكان نعمة عليهما، بينما كان "صمود" بشار المزعوم نقمة على سوريا والسوريين. لقد عمل أعداء سوريا، بمن فيهم روسيا وإيران، على تطويل أمد المحنة السورية ودعم النظام ورفض أي محاولة لتنحي رئيسه عن السلطة منذ اللحظات الأولى. لقد تمثلت المؤامرة الكونية الحقيقية على سوريا في الإبقاء على الأسد، لأن بقاءه يضمن المزيد من الدمار والانهيار خدمة للأعداء. بشار الأسد كنز إستراتيجي لإسرائيل وأمريكا من الناحية العملية، فقد نفذ كل ما تريدانه، وربما أكثر بكثير. هو المغناطيس العظيم الذي جذب إلى سوريا كل أنواع الأشرار ليحولوها إلى أنقاض. ماذا يريد أعداء سوريا أجمل من ذلك؟ المنطقة بأكملها على كف عفريت بفضل خدمات النظام. إنه القائد لمشروع الفوضى "الهلاكة". ولو تخلوا عنه في بداية الأزمة السورية، لما استطاع ضباع العالم إيصال الشرق الأوسط إلى ما هو عليه الآن من فوضى واضطرابات وكوارث وقلاقل؟ ولو أرادت أمريكا وإسرائيل لتكافئانه، لشيدتا لبشار تماثيل من ذهب. ومما يؤكد ذلك أن إحدى العواصم شهدت مؤتمرًا هامًا مغلقًا حول سوريا قبل مدة، حضره كبار الإستراتيجيين والمسؤولين الغربيين والدوليين: فسأل أحد الحضور مسؤولًا كبيرًا: "لماذا لا تتدخلون في سوريا"، فأجاب المسؤول: "الوضع في سوريا مثالي جدًا بالنسبة لنا، فكل السيئين الذين نكرههم يخسرون، ويهلكون في سوريا. كان بإمكاننا أن ننهي بشار الأسد بسهولة، لكن لو أنهيناه، لتوقف الدمار المطلوب. نحن نريد بقاءه مرحليًا، لأنه أشبه بالمغناطيس الذي يجتذب السيئين إلى المحرقة السورية، فيحرقهم، ويحترق معهم". أيها المتشدقون بصمود نظامكم: لا تتفاخروا إذًا، بل ابكوا على وطن تمزق، وانهار، وشعب تشرد بسبب "صمود" أسدكم. وهو ما يريده أعداء سوريا بالضبط. أمريكا تدعو إلى تنحي بشار، وروسيا ترفض. لعبة مفضوحة منذ سنوات هدفها تمديد فترة الدمار. يومًا ما ستندمون على التصفيق للصمود "المسموم" الذي كلفنا وطنًا، وجعل شعبنا طعامًا للأسماك في عرض البحار. صمود النظام حتى الآن أشبه بالشجرة التي تحجب الغابة، يستخدمونه ستارًا وذريعة مكشوفة للإجهاز على ما تبقى من وطن كان اسمه سوريا. والأنكى من ذلك، أن الرئيس الروسي جمع كبار الضباط الروس عندما استدعى الرئيس السوري إلى موسكو قبل أيام وقال لبشار الأسد أمام الضباط: "هؤلاء هم من أنقذوك، أي أن ما آلت إليه الأحداث في سوريا كانت بالدرجة الأولى بفضل التدخل الروسي، ولا فضل للنظام وحلفائه في شيء. ولا ننسى أن إيران تنافس الروس في تجيير "الانتصار" في سوريا إلى نفسها، لكن مع ذلك فالنظام يحتفل بشيء صنعه غيره لمصلحة استعمارية خاصة، تمامًا كالصلعاء التي تتفاخر بشعر جارتها. مبارك للسوريين الذين خسروا وطنًا وربحوا طرطورًا. falkasim@gmail.com

1478

| 03 ديسمبر 2017

ديموخراطية روسية لسوريا!

هل تعلمون أن كل دول أوروبا الشرقية التي كانت تنضوي تحت لواء الاتحاد السوفياتي انتقلت فعلياً من المرحلة الشيوعية إلى المرحلة الديمقراطية، باستثناء روسيا نفسها التي لم يتغير فيها سوى الاقتصاد من الاشتراكي إلى الرأسمالي المتوحش، بينما ظل النظام السياسي ديكتاتورياً؟ بعبارة أخرى، فإن وكر الشيوعية الأصلي الذي كان يتمثل بالاتحاد السوفياتي لم يفارق عهد الطغيان إلا شكلياً. على عكس كل الدول الأوربية الشرقية التي كانت تدور في الفلك الروسي، انتقلت روسيا بعد ثورتها، أو لنقل بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، انتقلت من الديكتاتورية الشيوعية إلى عصر المافيا، حيث حكمت المافيا هناك لفترة من الزمن ريثما يتشكل نظام جديد يحكم البلاد بعد سقوط النظام الشيوعي. وبعد طول انتظار، لم يحظ الشعب الروسي بحكم ديمقراطي على غرار بقية دول أوروبا الشرقية التي انتقلت فعلياً إلى النظام الديمقراطي الحقيقي. لا شك أن النظام الروسي الجديد راح ينافس الرأسمالية المتوحشة اقتصادياً، حيث تحولت موسكو إلى واحدة من أغلى العواصم في العالم، لكن النظام السياسي الجديد ظل نظاماً سوفياتياً بواجهة ديمقراطية زائفة. صحيح أن الدولة الروسية الجديدة تظاهرت باتباع النظام الديمقراطي والانتخابات والتعددية الحزبية وغيرها من مظاهر الديمقراطية، إلا أنها في الواقع كانت وما زالت بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية بعد الأرض عن الشمس. انظروا فقط إلى لعبة التداول على السلطة المزعومة في روسيا منذ سنوات طوال. لقد تحولت روسيا إلى لعبة في أيدي الثنائي الشهير ميدفيديف-بوتين. مرة يكون ميدفيديف رئيساً للجمهورية وبوتين رئيساً للوزراء، ومرة يكون العكس، مع الانتباه طبعاً إلى أن الحاكم الحقيقي الوحيد في روسيا هو بوتين، بينما يلعب مدفيديف دور الكومبارس الديمقراطي. ولسنا بحاجة أبداً لأي برهان كي نرى كيف أصبحت روسيا العظمى كلها مرتبطة باسم بوتين، بينما ينظر حتى الروس أنفسهم إلى ميدفيديف شريك بوتين في السلطة على أنه مجرد ديكور ديمقراطي، بينما السلطة الحقيقية للقيصر بوتين، وهو الاسم الذي تطلقه عليه وسائل الإعلام الغربية، لأنه الحاكم بأمره بقوة الجيش وأجهزة الأمن الروسية الشهيرة التي ورثت أساليب الكي جي بي من ألفها إلى يائها. وبما أن روسيا أصبحت صاحبة الكلمة العليا في سوريا بعد احتلالها المباشر للبلاد بغطاء شرعي زائف اسمه بشار الأسد، فهي لا شك ستنقل للسوريين تجربتها "الديموخراطية" الكوميدية، بحيث ستعمل على إجراء انتخابات يفوز فيها عميلها في دمشق سواء كان بشار أم عميل آخر من نفس الطينة. ويجب أن ننوه هنا إلى أن روسيا تغلغلت عميقاً داخل المؤسستين العسكرية والأمنية السورية، وتعرف أيضاً كيف تتلاعب بأتباعها داخل المؤسستين. وبالتالي، فيما لو حصل تغيير في سوريا، فلا شك أنه سيكون على الطريقة الروسية، بحيث سيبقى الأمن والعسكر مسيطرين على البلاد بنفس الطريقة التي يدير بها بوتين روسيا "الجديدة". بعبارة أخرى، فإن الثورة السورية ستفرز واقعاً مشابهاً للواقع الذي أفرزته الثورة الروسية المسكينة التي انتقلت ظاهرياً من العهد السوفياتي الشيوعي إلى العهد الديمقراطي الزائف، بينما ظلت اليد العليا فيها عملياً للجيش والاستخبارات. ولا ننسى طبعاً أن الرئيس الروسي بوتين نفسه هو أحد رجالات المخابرات الروسية "الأشاوس". وهذا يؤكد أن روسيا شذت عن باقي ثورات أوروبا الشرقية. وفي أحسن الأحوال، إذا ظلت روسيا ممسكة، بزمام الأمور في سوريا، فلن يحصل السوريون إلا على نسخة مشوهة من "الديموخراطية" الروسية، بحيث سيكون لدينا رئيس من فصيلة المخابرات والعسكر حاكم بأمره يتناوب على السلطة مع شخصية أخرى من وزن "الطرطور" كي يقنع العالم بأن سوريا تغيرت وأصبحت ديمقراطية، بينما هي في الواقع انتقلت من سيء إلى أسوأ. ولا شك أن "الديموخراطية" السورية ذات النكهة الروسية ستكون مناسبة جداً لإسرائيل، لأنها تطمئنها بأن الشعب السوري سيبقى تحت ربقة العسكر والمخابرات الذين حموا إسرائيل من الشعب السوري على مدى نصف قرن من الزمان. ولعل أكثر ما يثير الضحك في التصريحات الروسية حيال الوضع السوري أن الكرملين يكرر باستمرار أن السوريين وحدهم سيقررون مصير النظام والرئيس، مع العلم أن من يقرر كل شيء في سوريا الآن هم الروس بآلتهم العسكرية الجبارة. لا أدري لماذا "يستحمر" الروس السوريين وبقية العالم بهذه التصريحات الهزلية القميئة. قال شو قال: مصير الأسد بيد السوريين. طيب، ألا تقدم روسيا كل أنواع الدعم للنظام السوري؟ ألا تستخدم كل أنواع أسلحتها الجديدة للقضاء على معارضي النظام بالحديد والنار؟ هل تركت فصيلاً معارضاً على الأرض إلا واستهدفته طائراتها؟ ألم تتدخل في سوريا بحجة محاربة داعش ثم اكتشفنا أنها جاءت حصراً لمحاربة كل من يعارض النظام؟ ألم تستخدم الفيتو في مجلس الأمن إحدى عشرة مرة لحماية النظام؟ ثم يخرج علينا الكرملين بكل صفاقة ليقول إن الشعب السوري سيقرر مصير النظام؟ وماذا كان جيشكم الروسي وطائراتكم وقواتكم تفعل في سوريا على مدى سنتين؟ هل كنتم توزعون الأزهار والحلوى على أطفال سوريا، أم كنتم تقتلون وتشردون الأكثرية في سوريا، بينما تعملون على إعادة تأهيل النظام والطوائف المتحالفة معه لتفرضوه على ما تبقى من السوريين المكلومين وعلى العالم مرة أخرى ككلاب حراسة لمصالحكم واستثماراتكم وقواعدكم الجديدة في سوريا؟ حتى الدستور السوري وضعته موسكو! قال شو قال: مصير الأسد يقرره الشعب السوري.... ليش خليتو دور لحدا منشان يقرر أي شي في سوريا؟

5063

| 26 نوفمبر 2017

alsharq
من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...

4530

| 06 مايو 2026

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

4143

| 07 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

975

| 11 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

780

| 07 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

768

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

729

| 08 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

720

| 12 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

606

| 09 مايو 2026

alsharq
كيفية قراءة السياسة الأمريكية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...

573

| 07 مايو 2026

alsharq
قطر تكثف جهود الوساطة لخفض التصعيد

في إطار دعم دولة قطر الكامل للمساعي الرامية...

486

| 11 مايو 2026

alsharq
البحث عن السكينة.. «العقيدة» الملاذ لمواجهة الألم النفسي؟

في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد...

468

| 06 مايو 2026

alsharq
قبل أن تلهث وراء المفقود

زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى،...

456

| 07 مايو 2026

أخبار محلية