رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل الدول حتى العظمى منها هي دول وظيفية بالنسبة لأمريكا. وإذا كان الأمريكيون يوظفون دولة كبرى كروسيا كشرطي جديد في الشرق الأوسط، فمن الطبيعي أن كل الأدوار التي أدتها إيران على مدى العقدين الماضيين في المنطقة كانت بضوء أخضر أمريكي. من السخف الاعتقاد أن إيران نافست أمريكا على النفوذ في العراق، فلولا المباركة الأمريكية للتدخل الإيراني في بلاد الرافدين لما حلمت إيران بالهيمنة على بغداد. وكذلك الأمر في سوريا ولبنان. من هو المغفل الذي سيصدق أن إيران وصلت إلى الجولان على حدود إسرائيل مع سوريا بدون ضوء أخضر أمريكي وإسرائيلي؟ هل كان قاسم سليماني وشركاه ليتجولوا في القنيطرة وبعض مناطق حوران على مرمى حجر من إسرائيل لو لم يحصلوا على إيماءة إسرائيلية؟ هل كانت الميليشيات الإيرانية العراقية واللبنانية تحلم بدخول الأراضي السورية لولا الموافقة الإسرائيلية والأمريكية ثانياً؟ بالطبع لا. وكذلك في اليمن المحاذي للقواعد الأمريكية في الخليج. لقد تحركت إيران في عموم المنطقة بناء على التوجيهات الأمريكية وليس بناء على المشروع الإيراني المزعوم. وحتى لو كان هناك مشروع إيراني في المنطقة فعلاً، فهو مستمر بمباركة أمريكية أولاً وأخيراً، ولا شك أنه سينتهي عندما ترى أمريكا أنه استنفد مهامه الموكلة إليه. باختصار، فإن كل ما فعلته إيران في المنطقة على مدى السنوات الماضية كان دوراً وظيفياً أسندته لها أمريكا لفترة محدودة تخدم المشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، ويبدو الآن أن المهمة الأمريكية في الشرق الأوسط أوشكت على الانتهاء بدليل أن الرئيس الأمريكي الجديد بدأ ولايته الرئاسية بالتحريض على إيران وتقليم أظافرها في المنطقة واعتبارها أكبر خطر إرهابي يهدد العالم. هكذا يتصرف الأمريكيون عادة مع أدواتهم يتركونها تتحرك طالما هي تخدم المشروع الأمريكي، لكن عندما يرون أنها استنفدت دورها ينقلبون عليها كما فعلوا مع الجماعات الجهادية من قبل في أفغانستان، حيث كان الأمريكيون يعتبرون المجاهدين مقاتلين من أجل الحرية عندما كانوا يواجهون الخطر الشيوعي، لكن عندما زال الخطر الشيوعي تحول المجاهدون في نظر أمريكا إلى إرهابيين لا بد من ملاحقتهم وسحقهم في كل أنحاء العالم. ويجادل الكاتب ماجد كيالي أنه "لا يمكن إحالة صعود نفوذ إيران في المشرق العربي إلى قوتها العسكرية، إذ إنها أخفقت في حربها مع العراق (1980ـ1988)؛ ولا إلى قوتها الاقتصادية، إذ ثمة دول إسلامية -مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا- أكفأ منها وأفضل اقتصادياً؛ ولا إلى نموذجها في الحكم، إذ هي دولة دينية طائفية ومذهبية منذ قيامها (1979) وفق وصفة الولي الفقيه.. ولا شك أن العامل الرئيس الذي مكن إيران من التغلغل في المنطقة هو قيام الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق واحتلاله عام 2003، والذي تم بالتوافق مع حكام طهران مثلما حصل في الغزو الأميركي لأفغانستان 2001." بعبارة أخرى، كان ثمة عوائد أميركية -وتالياً إسرائيلية من السماح لإيران بالتدخل في المنطقة - أهم وأكبر وأعمق تأثيراً من ضرر تلك الادعاءات أو تلك المقاومة. ويضيف كيالي: لقد ثبت في ميدان التجربة -وليس فقط بالتحليل السياسي- أن ذلك السماح الأميركي والإسرائيلي كانت غايته تحديداً استدراج إيران للتورط والاستنزاف في البلدان المذكورة، وتالياً توظيف هذا التورط في تقويض بنية الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، الأمر الذي قدم خدمة كبيرة لإسرائيل، ففي المحصلة؛ أدت السياسات التي انتهجتها إيران في المنطقة إلى إثارة النعرة الطائفية المذهبية، وشق وحدة مجتمعات المشرق العربي بين "شيعة "و"سنة"، وإضعافها وزعزعة استقرار دولها، وهو الأمر الذي لم تستطعه إسرائيل منذ قيامها.....والأهم من ذلك أنها استطاعت -عبر تلك الإستراتيجية- إفقاد إيران نقاط قوتها بكشـف تغطيها بالقضية الفلسطينية، وفضح مكانتها كدولة دينية ومذهبية وطائفية في المنطقة، بعد أن استنفدت دورها في تقويض وحدة مجتمعات المشرق العربي، وإثـارة النـزعة الطائفية المـذهبية بين السنّة والشيعة، إذ لم يعد أحد ينظر لإيران باعتبارها دولة مناهضة لإسرائيل، أو كدولة يجدر الاحتذاء بها. وفوق ذلك؛ نجحت الولايات المتحدة في تأمين بيئة إقليمية آمنة لإسرائيل عقودا من الزمن، بعد تفكّك الدولة والمجتمع وخـرابهما في أهـم دولتين في المشرق العربي، أي في سوريا والعراق". لاحظوا كيف انقلب الرئيس الأمريكي الجديد على سياسة أوباما تجاه إيران، وفي واقع الأمر هو ليس انقلاباً بقدر ما هو مرحلة أمريكية جديدة للتعامل مع إيران بعد أن أدت مهمتها. وتأتي زيارة ترمب إلى السعودية واجتماعه مع ستة عشر زعيماً عربياً وإسلامياً في إطار الخطة الأمريكية الجديدة للتعامل مع إيران وإعادتها إلى حجمها الطبيعي. هل نجح الأمريكيون في توريط إيران في المستنقعات العربية كما نجحوا من قبل في توريطها في الحرب مع صدام حسين؟ لو فعلاً بدأ الأمريكيون والإسرائيليون العمل على قص أجنحة إيران في المنطقة، فهذا يعني حتماً أن الإيرانيين بلعوا الطعم الأمريكي مرتين، الأولى عندما خاضوا حرباً ضد العراق لثماني سنوات، والثانية عندما تغلغلوا في سوريا ولبنان واليمن وتبجحوا باحتلال أربع عواصم عربية. وعلى ما يبدو؛ فإن تحجيم إيران ليس مطلبا أميركيا وإسرائيليا فقط، بل بات مطلباً دوليا وإقليمياً حسب كيالي؛ فهو يتوافق مع رغبة روسية وتركية أيضاً، لا سيما أن روسيا تعتبر سوريا ورقة في يدها، لا في يد إيران التي تنافسها على ذلك. باختصار ليس هناك دول مقدسة في المفهوم الأمريكي، فالجميع بمن فيهم إيران مجرد أدوات وظيفية تؤدي دورها حسب المصلحة الأمريكية ثم تتنحى جانباً. فهل انتهى الدور الإيراني في المنطقة يا ترى، أم أن الأمريكيين مازالوا قادرين على استغلال البعبع الإيراني لتحقيق مزيد من الأهداف قبل أن يقصوا أجنحته تماماً؟
5905
| 21 مايو 2017
من الواضح تماماً أن الشرق الأوسط مقبل على تحولات كبرى قد تبدو الأحداث التي تجري في سوريا والعراق وبقية المناطق مجرد مقبلات للوجبة الرئيسية، ألا وهو تحريك المنطقة ضد إيران، أو بالأحرى ضرب دول المنطقة مرة أخرى بعضها ببعض كما حدث في بداية ثمانينات القرن الماضي. لا أدري لماذا ذاكرتنا قصيرة إلى هذا الحد البشع؟ بالأمس القريب وصل الخميني إلى إيران، وراح يدق طبول الحرب فوراً ضد العراق وبقية العرب، فاستغلت أمريكا المزاج العام ودخلت على الخط، هذا إذ لم تكن هي نفسها بالتعاون مع فرنسا وغيرها هم من أوصل الخميني إلى السلطة، وأزاح شاه إيران في ثورة بدت وقتها شعبية تمهيداً لإدخال إيران في حرب مع العراق وحلفائه العرب. لاحظوا أنه بمجرد نجاح ما يسمى بالثورة الإيرانية في ذلك الوقت اندلعت حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، فنسي الإيرانيون ثورتهم، وراحوا ينخرطون في حرب لم تكن لا على البال ولا على الخاطر قبل وصول الخميني إلى السلطة عام 1979. فلو صدقنا أن الثورة الإيرانية كانت شعبية فعلاً، فهذا يعني أن أمريكا حرفتها عن مسارها فوراً من خلال إدخال إيران في حرب مع جيرانها كي لا تقوم لإيران قائمة وكي لا تحقق الثورة أهدافها الوطنية هذا إذا كانت وطنية فعلاً. الشرق الأوسط مقبل على تحولات كبرى والأحداث الحالية مجرد مقدمةواليوم وبعد أقل من أربعة عقود على اندلاع حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، ها هي طبول الحرب تدق من جديد في المنطقة مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى السلطة. فجأة تغير المزاج الأمريكي تجاه إيران، واختفت أيام الغزل الأوبامية الإيرانية ليحل محلها التحريض الأمريكي ضد إيران. فجأة صارت إيران في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي أكبر خطر إرهابي يهدد العالم بعد أن نجحت بالأمس في التقارب مع الأمريكيين من خلال الاتفاق النووي التاريخي بين الغرب وإيران. وما أن ارتفعت اللهجة الأمريكية ضد إيران حتى راح حلفاء أمريكا في المنطقة يرفعون أصواتهم ضد الخطر الإيراني، لا بل إن البعض تقدم خطوات على الخطاب الأمريكي، فراح يدعو إلى زعزعة إيران من الداخل واستغلال التناقضات السياسية والمذهبية والاجتماعية والاقتصادية داخل البلاد لضرب مكونات الشعب الإيراني بعضها ببعض على أمل تفكيك الجمهورية الإسلامية. وفجأة ودون سابق إنذار بدأت بعض وسائل الإعلام العربية تتحدث عن الأحواز وبلوشستان المحتلة، وبدأت تصف الجيش الإيراني في الأحواز وبلوشستان بجيش الاحتلال الفارسي. هذا تطور في غاية الخطورة والأهمية، ولا شك أنه مقدمة لأحداث كبرى قد تضرب المنطقة وربما تعيد تركيبها. إذا صحت التهديدات الأمريكية لإيران، وبدأ حلفاء أمريكا يعملون على الأرض لزعزعة استقرار إيران من الداخل بهدف تفكيكها، فهذا يعني أن أمريكا كانت قد نصبت فخاً للإيرانيين عندما أعطتهم الضوء الأخضر للتغلغل في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وسمحت لهم باحتلال أربع عواصم عربية. إذا بدأ المشروع الأمريكي فعلاً باستهداف إيران من خلال حلفائه العرب، فهذا يعني أن أمريكا لم تكن تريد تسليم المنطقة لإيران كما أشيع في السابق، بل كي تستنزفها في حروب خارجية كي يسهل ضربها من الداخل لاحقاً. طبعاً كل هذا الكلام يبقى مجرد تكهنات حتى نرى كيف ستسير الأمور على الأرض قريباً. لكن السؤال المطروح: لماذا لا ننظر كيف كانت نتيجة حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران؟ ماذا استفاد العرب من تلك الحرب؟ وماذا استفادت إيران؟ لقد تورط العراق والعرب في حرب مدمرة لم يستفد منها غير أمريكا والغرب، وانظروا حال العراق الآن وحال العرب بعد أن استنزفوا أنفسهم في حروب خارجية بغض النظر عمن كان المتسبب بها في المقام الأول، ألا وهو الخميني. لكن المهم في الأمر النتائج، والنتائج كانت كارثية على الجميع. هل ستنجح أمريكا في تفكيك إيران في إطار ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد الذي يتولى الإشراف عليه سايكس بيكو الأمريكي رالف بيترز؟ هل سينجح هذا المخطط؟ أو لنقل هل أمريكا تنوي فعلاً تفكيك إيران، أم إنها تريد فقط إشغال العرب والإيرانيين بعضهم ببعض كي تبيع السلاح للطرفين كما فعلت من قبل في الثمانينات بين العراق وإيران، حيث كانت تدعم صدام والخميني بالسلاح لاستنزاف بعضهما البعض وتفريغ الخزائن العربية من ملياراتها؟ هل إذا نجحت أمريكا في تفكيك إيران بالتحالف مع العرب سيترك الأمريكيون حلفاءهم العرب موحدين يا ترى، أم إنهم سيتفككون تلقائياً بفعل الحروب؟
1249
| 14 مايو 2017
ربما يعتبر الجهاديون أنفسهم قدوة للمسلمين، ولا شك أنهم يرفعون شعارات إسلامية عظيمة، لكن من حق بقية العرب والمسلمين أن يتساءلوا بناء على ما وصلت إليه الأوضاع في بلادنا: ماذا استفدنا من التنظيمات الجهادية على مدى عقود؟ ماذا استفدنا من تنظيم القاعدة في أفغانستان؟ ماذا استفدنا من داعش في العراق وسوريا؟ ماذا نستفيد الآن من بقية التنظيمات الأخرى في سوريا وليبيا واليمن، خاصة تلك التي بدأت الآن تتقاتل على الغنائم بشكل مفضوح بعيداً عن أحلام الشعوب بالحرية والكرامة؟ أليس من حق العرب الذين آمنوا بالثورات العربية أن يضعوا ألف إشارة استفهام على ظهور تلك التنظيمات في أخطر مرحلة يمر فيها العالم العربي؟ قد يكون لتلك التنظيمات مشاريعها الذاتية الخاصة، وقد تعتبر نفسها ردة فعل طبيعية على الظلم والطغيان في المنطقة، لكن أليست العبرة دائماً في النتائج؟ ماذا استفاد الحالمون بالحرية في سوريا والعراق واليمن وليبيا في النهاية من الجماعات الإسلامية على أرض الواقع السياسي والدولي؟ ألم تكن تلك الجماعات السبب المباشر في عودة المستعمرين إلى المنطقة بحجة مكافحة الإرهاب؟ ماذا استفادت المنطقة، وخاصة العراق من داعش وغيره مثلاً. هل تراجع النفوذ الأمريكي والإيراني في العراق مثلاً؟ بالطبع لا، فما زالت إيران تتحكم بكل مفاصل العراق، وتتمدد في سوريا ولبنان واليمن والخليج. ومازالت أمريكا تحكم قبضتها على بلاد الرافدين. والسؤال الأهم: هل فعلاً دخل تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق من سوريا، واحتل محافظة الموصل ومحافظات عراقية أخرى رغماً عن الأمريكيين، أم بتسهيل وغض الطرف منهم؟ ألم تكتشف الأقمار الصناعية الأمريكية بضع عربات روسية دخلت أوكرانيا بسرعة البرق؟ هل يعقل أن تلك الأقمار لم تستطع اكتشاف جحافل السيارات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية وهي تدخل الموصل وبقية المناطق العراقية والسورية؟ هل يعقل أنها لم تر جماعات الدولة وهي تتنقل داخل سوريا، وتستولي على مدن ومطارات في أرض مكشوفة؟ هل سيسمح العالم، وخاصة الغرب بقيام دولة جهادية بين العراق وسوريا بالطريقة التي تحلم بها التنظيمات الإسلامية المقاتلة؟ ألا يُخشى أن يكون ظهور الجهاديين بكافة تشكيلاتهم خلال الست سنوات الماضية حلقة جديدة في سلسلة المشاريع الجهنمية الغربية المرسومة لمنطقتنا؟ أليس من حق البعض أن يعتبرها مسمار جحا جديداً في المنطقة تستخدمها القوى الدولية كحجة، كما استخدم جحا مسماره الشهير، لإعادة رسم الخرائط وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ؟ أليس كل الجماعات التي يصفها العالم بـ"الإرهابية" استغلتها القوى الكبرى أفضل استغلال لتنفيذ مشاريعها في أكثر من مكان؟ فعندما أرادت أمريكا تأمين منطقة بحر قزوين الغنية بالنفط، كان لا بد لها من احتلال أفغانستان. وماذا كانت الحجة؟ ملاحقة تنظيم القاعدة في أفغانستان. ذهبوا إلى هناك منذ أكثر من عشر سنوات ومازالوا هناك. ألم تكن القاعدة هي الشماعة لاحتلال أفغانستان؟ حتى في غزو العراق استخدمت أمريكا حجة وجود القاعدة هناك بالإضافة إلى أسلحة الدمار الشامل. ألم تصبح الجماعات المتطرفة شماعة لكل من يريد أن ينفذ مآربه هنا وهناك؟ ألم يوظفوا تلك الحركات جيداً لتحقيق غاياتهم الاستراتيجية؟ فبحجة الجماعات الإرهابية أصبحت كل منطقتنا مستباحة أمام القاصي والداني كي ينفذ كل ما يريد بحجة مكافحة الإرهاب؟ اليوم بإمكان الأنظمة الدولية القيام بكل الجرائم و الموبقات والخطط في المنطقة بحجة محاربة داعش والتنظيمات الجهادية، وبذلك تلقى دعماً كاملاً من شعوبها خوفاً من داعش، ولن يعارض أحد، لأن كل من يعترض يشتبه بصلته بمن يسمونهم الإرهابيين. وحتى لو بقي الجهاديون، وتمددوا كما يتوعد مؤيدوهم، هل سيكون ذلك مجاناً، أم على حساب جغرافية المنطقة وخريطتها؟ ما هي الصفقات الدولية والعربية والإقليمية التي تتم من وراء الستار تحت شعار مكافحة إرهاب الإسلاميين؟ ألا يخشى أنه كلما ازداد تضخيم الجماعات الجهادية إعلامياً كانت المنطقة على موعد مع خازوق تاريخي من العيار الثقيل؟ ألم يتم من قبل تضخيم خطر القاعدة، ثم انتهى قائدها مرمياً في البحر للأسماك؟ أليس من حق الكثيرين أن يخشوا الآن من تكرار السيناريو المعهود في سوريا ودول أخرى مجاورة تحت حجة مكافحة الإرهاب الداعشي؟ ألم يؤد ظهور التنظيمات الإسلامية المقاتلة وأخواتها في عموم المنطقة إلى وأد الثورات العربية وأحلام الشعوب بالتحرر من الطغاة وكفلائهم في الخارج؟ ألا يؤدي إلى إنهاك المنطقة وشعوبها واستنزافها وتمزيقها؟ ليس صحيحاً أبداً أن ضباع العالم لم يكونوا بحاجة للجماعات الإسلامية كي يبرروا تدخلهم في المنطقة، ويعيدوا رسم خرائطها والهيمنة على ثرواتها المكتشفة حديثاً؟ وليس صحيحاً أنهم كانوا قادرين على الدخول إلى المنطقة بهذه الفجاجة لو لم يتحججوا بداعش وأخواتها؟ أليس من حق الشعوب أن تكرر السؤال القديم: هل الجماعات الإسلامية حركات ثورية فعلاً، أم إن سادة العالم يستخدمونها دائماً كشماعة إما لإجهاض التغيير والقضاء على أحلام الشعوب في الحرية والتحرر من الظلم والطغيان، أو كمسمار جحا لإعادة تشكيل المنطقة حسب المخططات الاستعمارية الغربية الجديدة؟ لا شك أن القوى الكبرى كانت تستطيع على مدى التاريخ اختراع الذرائع لاستعمار هذا البلد أو ذاك، وكان بإمكانها أن تجد أي ذريعة أخرى لتدمير بلادنا وتفتيتها واستعمارها غير الإسلاميين، لكن ألم تستخدم هذه المرة ذريعة الإرهاب الإسلامي الذي تمثله الجماعات الجهادية كي تفعل فعلها في هذه المنطقة؟
1063
| 07 مايو 2017
لا ننكر أبداً أنه كانت هناك محاولات خجولة بعد جلاء الاستعمار عن بلادنا لبناء دول وطنية مستقلة وذات سيادة، لكن تلك المحاولات أو مشاريع الدول ظلت ناقصة لأن الطبقات السياسية التي وصلت إلى السلطة بعد رحيل المستعمر لم تكن نخباً وطنية، بل كانت إما استمراراً لعهد الاستعمار بوجوه أخرى، أو أنها اهتمت بدوائرها الضيقة أكثر من الوطن. فهذا بنى نظامه على أساس عسكري ومخابراتي وليس على أساس وطني، فطغت المؤسستان العسكرية والأمنية على الدولة، وحولتها إلى ملك خاص يعربد فيه وبه كبار ضباط الأمن والجيش وأتباعهم من المستفيدين والطفيليين. وذاك بنى نظام حكمه على الطائفة، فسادت النزعة والتسلط الطائفي على كل مناحي الدولة، لا بل إن بعض القيادات التي تشدقت بالوطنية بنت حكمها على أساس عائلي كما حدث في سوريا، فتحولت الجمهورية المعلنة إلى إقطاعية عائلية وطائفية مفضوحة. وقد شاهدنا كيف سيطرت النزعة العائلية على النظام في ليبيا بحيث ارتبطت الفترة التي حكم فيها القذافي ليبيا بعائلة القذافي وأنصاره وتهميش بقية أطياف الوطن الليبي. دعكم من أدبيات حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق. ودعكم من شعارات الاتحاد الاشتراكي في مصر الناصرية. ودعكم من خزعبلات اللجان الثورية في ليبيا، فكل تلك الأحزاب والحركات لم تكن سوى غطاء للحكم الفردي والعائلي والطائفي والعسكري والمخابراتي. لقد غطت الأنظمة العربية التي جاءت بعد الاستعمار عوراتها بأوراق توت حزبية وثورية وعقائدية سرعان ما سقطت عند أول امتحان وطني حقيقي. لقد بنت تلك الأنظمة الساقطة والمتساقطة أشباه دول وطنية، وأبقتها في مراحلها البدائية، ولم تعمل على تحصينها داخلياً، فقمعت الشعوب، وداستها، وحرمتها من أبسط حقوقها بسياساتها العسكرية والمخابراتية الوحشية، فأصبحت الشعوب تنتظر أي فرصة للانقضاض على تلك الأنظمة الدموية التسلطية. وهذا ما حدث فعلاً فيما أصبح يُعرف بالربيع العربي. وبغض النظر عما إذا كانت الثورات مدفوعة من الداخل ضد الظلم والطغيان، أو بتحريض من الخارج لتخريب بلادنا، فإن المسؤول الأول والأخير عما حدث من خراب هي الأنظمة الحاكمة التي أعطت المتآمرين في الخارج كل الأسباب التي تساعد المؤامرات على النجاح. فلو بنت تلك الأنظمة دولاً وطنية حقيقية لكل أبنائها لما حدثت الثورات أصلاً، ولما نجحت المؤامرات إذا كانت الثورات مؤامرات فعلاً. إن المسؤول عن هذا النكوص التاريخي من مرحلة بناء الدولة الوطنية إلى ظهور الدويلات الطائفية والمذهبية والعرقية القميئة الآن هي الأنظمة نفسها. وبدل أن نقوم بتطوير أشباه الدول الوطنية في بلادنا إلى دول وطنية حقيقية، كان مشروع الفوضى الأمريكي الخلاقة بالمرصاد لنا، فاستغل الثورات ومظالم الشعوب والأخطاء الكارثية للأنظمة الديكتاتورية ليعيدنا الآن إلى دويلات مذهبية وطائفية وعرقية بدائية وعصر ملوك الطوائف. ولولا الاستعداد الداخلي الذي وفرته الأنظمة القمعية في غير بلد عربي لما مرت الفوضى الخلاقة بشكلها المدمر الذي نعيشه ونحياه الآن، فعندما يكون صاحب البيت رجلاً يستطيع أن يحل مشكلاته مع عائلاته بنفسه، فلن تتدخل أمريكا لإذكاء نار الصراع بين الشعوب والأنظمة كما في سوريا مثلاً. لقد بُني مشروع الفوضى الخلاقة على دراسات دقيقة للأوضاع العربية ولحال الحكام العرب وتفكيرهم وسلوكهم وردة فعلهم، ولم يُبن على عبث. لقد كان أصحاب المشروع يعرفون جيدآ عقلية الحكام وضباطهم ومخابراتهم العفنة، وكيف سيتصرفون في حال حدوث معارضات ومظاهرات. لقد رفع القومجيون العرب شعار الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، لكنهم فشلوا حتى في توحيد دولهم داخلياً، فزرعوا فيها ألف لغم ولغم طائفي وعرقي واجتماعي وثقافي ومذهبي بحيث تحولت إلى ملل ونحل متناحرة عند أول هزة كما حدث في سوريا. لقد راهن النظام السوري مثلاً على الصراع الداخلي بين الطوائف والمذاهب كي يستخدمه في اللحظة المناسبة عندما ينتفض الشعب عليه. وهذا ما فعله فعلاً، فراح يذكي نار الطائفية والمذهبية بين أطياف الشعب كي يقضي على الثورة ويحول أنظار السوريين من قضيتهم الرئيسية ضد النظام إلى صراع داخلي وحرب أهلية. وقد نجح في ذلك، لكنه هو وأمثاله عاد بسوريا إلى زمن ملوك الطوائف والدويلات والإقطاعيات. والمضحك أنه ما زال حتى الآن يرفع شعار وحدة حرية اشتراكية.
2260
| 30 أبريل 2017
كل المناطق السورية أصبحت منكوبة، لكن كل واحدة بطريقتها الخاصة، حتى معاقل بشار الأسد نفسها. ليس صحيحاً أبداً أن منطقة الساحل السوري التي ينحدر منها بشار الأسد وعائلته ظلت آمنة، بينما تعرضت بقية المناطق السورية للخراب والدمار. لا أبداً، بل يمكن القول إن الخطر الذي يهدد الساحل قد يكون أكبر من المخاطر التي تهدد بقية المناطق. هكذا تقول إحدى الشخصيات العلوية في حديث خاص. وتضيف بأن الخطر الذي يتهدد منطقة الساحل السوري مرعب على المدى المتوسط، فما بالك على المدى البعيد. صحيح أن الساحل لم يتعرض عمرانياً للدمار كبقية المناطق السورية، إلا أنه يواجه محنة ستغيره ثقافياً ودينياً خلال أقل من عشرين سنة أو أقل إذا ظل الوضع على هذا الحال. ومن المعروف أن العلويين رغم أن البعض يحسبهم على الشيعة، إلا أن الشيعة في واقع الأمر يكفّرون العلويين، والعكس صحيح، ناهيك عن أن العلويين معروفون بعلمانيتهم المفرطة أحياناً، فهم يحبون الحياة بحرية بعيداً عن الضوابط الدينية والمذهبية الصارمة، لا بل إن الكثير من مثقفيهم على درجة عالية جداً من الوعي والثقافة، وبعضهم يتفاخر بإلحاده. ورغم التحالف السياسي بين النظام السوري والنظام الإيراني، إلا أن العلويين السوريين لا يجمعهم مع إيران أي روابط دينية أو ثقافية أو اجتماعية، لا بل إنهم يكرهون إيران ربما أكثر من السنة. لكن مع ذلك، فإن إيران بدأت تخترق مناطق الساحل السوري مستغلة الوضع المادي الرهيب للعائلات العلوية التي فقدت أزواجها وأولادها في الحرب الممتدة منذ ست سنوات. فيما يلي ليس تحليلاً، بل معلومات موثقة نقلها لنا مثقفون علويون كبار، ويريدون لها أن تنتشر على نطاق واسع كجرس إنذار خوفاً على مستقبل طائفتهم. ويقول أحد الإخوة المطلعين على وضع الساحل السوري عن كثب: إن إيران باتت تشكل خطراً وجودياً على العلويين في سوريا، فكما تعلمون فإن عدد الأرامل في الساحل السوري لا يقل عن مائتي ألف أرملة فقدت زوجها وربما أيضاً بعض أولادها في الحرب، والعدد في ارتفاع مستمر، كما يقول صاحبنا. والمعروف أن الدولة السورية تركت الأرامل بلا أي دعم أو رعاية تؤمن لهن حياة كريمة، فالراتب الشهري الذي تحصل عليه الأرملة 18 ألف ليرة سورية فقط، وهو لا يكفي العائلة لأسبوع. وحسب دراسة سورية جديدة، فإن العائلة في الساحل السوري تحتاج شهرياً 100 ألف ليرة سورية كي تؤمن أبسط أساسيات الحياة، حيث وصل سعر كيلو البطاطا إلى 600 ليرة، فما بالك بالسلع المعيشية الرئيسية. لهذا وجدت إيران في هذا الوضع المأساوي فرصتها التاريخية لتشييع أهل الساحل الذين يكرهون الأرض التي تمشي عليها إيران. وقد بدأت إيران تستغل محنة الأرامل في الساحل بمنح أي أرملة تقبل بارتداء الشادور الإيراني مبلغ 3 ملايين ليرة سورية مقدماً ومائة ألف ليرة راتباً شهرياً. وبدأ الكثير من الأرامل يقبلن على اعتناق المذهب الشيعي بسبب الإغراءات المالية التي تقدمها إيران، علماً أن العلويين الذكور يرفضون رفضاً قاطعاً التغلغل الإيراني في الساحل، ويرحبون بالروس كي يساعدوهم على صد المد الشيعي في مناطقهم. لكن الوضع المادي الرهيب الذي يعيشه مئات الألوف من العلويين دفع فئة النساء المسكينات تحديداً إلى القبول بالعروض الإيرانية. والخطير في عمليات التشييع الإيرانية في الساحل أنها إذا استمرت على هذا النحو الخطير، فإنها ستحول جيلاً من العلويين إلى شيعة، بحيث سيكون الساحل بعد عشرين عاماً أو أقل شيعياً وليس علوياً بفعل الملايين التي تضخها إيران في الساحل السوري. والأخطر من ذلك أن الساحل سيتحول إلى معقل إيراني ثقافياً واجتماعياً وسياسياً لاختراق بقية المناطق السورية. ويضيف الباحث العلوي الذي أخبرنا بهذه الإحصائيات أن أكبر المتآمرين على الساحل السوري هم المسؤولون السوريون في النظام، فهم دائماً يتسترون على التغلغل الإيراني في الساحل السوري كي لا يزعجوا إيران التي تدعم النظام عسكرياً ومالياً بملايين الدولارات شهرياً. ويتهم الكثير من العلويين النظام بأنه بدأ يبيعهم لإيران كما باع الكثير من المناطق في دمشق دون أن ينظر للمخاطر المستقبلية على سوريا وشعبها اجتماعياً ودينياً وثقافياً. ويتساءل أحد الباحثين العلويين في الساحل السوري: "ألا يكفي أن طائفتنا أصبحت بلا رجال بعد أن خسرت حتى الآن على مذبح آل الأسد حوالي ربع مليون شاب من خيرة شبابها في هذه الحرب المجنونة، فلماذا بات النظام يضحي حتى بنسائنا خدمة لمصالح إيران؟".
1017
| 23 أبريل 2017
أخيراً اكتشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن طائرت الأسد ترمي البراميل فوق رؤوس المدنيين والأطفال في طول سوريا وعرضها لتحولهم إلى أشلاء متناثرة. أخيراً اكتشف ترمب أن تلك البراميل الوحشية تقطع أيدي الأطفال، وتفصل رؤوسهم عن أجسادهم، كما قال في مقابلته الأخيرة مع تلفزيون فوكس نيوز الأمريكي. لقد ذرف الرئيس ترمب في مقابلته آنفة الذكر دموعاً غزيرة على كارثة السوريين وآلامهم ومحنتهم، وشن هجوماً لم يسبق له مثيل على رأس النظام، وكأنه لم يسمع ببشار الأسد وما فعله بسوريا إلا قبل أيام فقط، وكأن الفاجعة السورية حديثة العهد، وأن المخابرات الأمريكية التي تراقب دبيب النمل في العالم من أقصاه إلى أقصاه لم تنتبه لما يحدث في سوريا، ولم تقدم تقاريرها للبيت الأبيض إلا قبل يومين أو ثلاثة فقط. بصراحة ضحكت كثيراً وأنا أستمع للرئيس الأمريكي وهو يكيل الشتائم لبشار الكيماوي، ويتباكى على أطفال سوريا الذين تحولوا إلى هباء منثور بفعل البراميل المتفجرة. كفاكم دموع تماسيح يا سيادة الرئيس وضحكاً على الذقون. أنت تعرف يا رئيس أمريكا أن بشار الأسد لم يكن قادراً على إطلاق رصاصة واحدة على السوريين لولا أنكم أعطيتموه الضوء الأخضر منذ ست سنوات؟ رجاء لا تأكلوا بعقولنا حلاوة. نحن نعرف أن ديوث الشام لم يكن ليتجرأ على تدمير سوريا وتشريد شعبها لولا الضوء الأخضر الإسرائيلي والأمريكي تحديداً، فهو لا يخاف أحداً في العالم بقدر ما يخاف من الكاوبوي الأمريكي. ولو أردتم أن تمنعوه من استخدام البراميل لأوقفتموه بتصريح واحد حقيقي. لا تقل لي رجاء إنكم حاولتم إصدار قرارات دولية في مجلس الأمن لإدانة النظام أو للتحرك ضده، لكنكم واجهتم الفيتو الروسي والصيني. نحن نعرف تماماً أنكم كنتم تختبئون وراء الفيتو الروسي الذي لم يكن بوتين ليستخدمه لو لم يكن يعرف أنكم تباركون كل ما يحدث في سوريا. وقد ذهب البعض أبعد من ذلك ليقول إنكم أنتم الأمريكيين من كان كان يوعز لروسيا كي تستخدم الفيتو في مجلس الأمن لأنكم راضون عما يحدث في سوريا، ولأن بشار ينفذ لكم ولإسرائيل كل ما تتمنونه هناك. وأكبر دليل على كلامي هذا أنكم يا سيادة الرئيس لم تستشيروا مجلس الأمن عندما شكل أوباما حلفاً دولياً لمحاربة داعش في سوريا منذ أربع سنوات ونيف. كذلك أنت يا سيادة الرئيس ترمب لم تعر الروس والفيتو أي اهتمام عندما قصفت مطار الشعيرات السوري بتسعة وخمسين صاروخاً بعد مجزرة الكيماوي الأسدية الأخيرة. لكن مع كل ذلك، سنتعامل معكم يا سيادة الرئيس نحن السوريين المفجوعين على مبدأ: خير أن تأتي متأخراً من أن لا تأتي أبداً. ولا شك أن التفاتتكم الأخيرة للملف السوري، ولو على استحياء، لفتة يقدرها الشارع العربي كله، وليس فقط السوريون، ليس طبعاً تشجيعاً لكم على غزو سوريا، بل كي تخففوا من وطأة القتل والدمار في سوريا. لا تتصور يا سيادة الرئيس ترمب كم هي ثمينة جملتك الأسطورية التي وصفت فيها ديوث الشام بالحيوان. يكفي أن كل وسائل الإعلام الدولية رددت عبارتكم بكل اللغات. وهذا لا يقدر بثمن بالنسبة للسوريين المعارضين على الأقل للنظام الفاشي في دمشق. لا تتصور كم كان السوريون فرحين رغم جراحهم الغائرة بإدانتكم على شاشة أهم تلفزيون أمريكي لوحشية الأسد واعتباره مجرم حرب بالدليل القاطع لأول مرة، بدليل أنكم عاقبتموه على جريمة خان شيخون. ربما لأول مرة منذ ست سنوات يلتفت الإعلام الأمريكي بهذه الكثافة والإنسانية للكارثة السورية. لأول مرة يسمع المواطن الأمريكي البسيط بمحنة أطفال سوريا الذين تتطاير أياديهم وأرجلهم في الجو بفعل البراميل المتفجرة التي يرميها نظام الإجرام في الشام على المشافي والمدارس. لقد كان وصفكم لوحشية الأسد في مقابلتكم مع فوكس نيوز عظيماً جداً، خاصة وأنه يصدر لأول مرة ليس من صحفي أمريكي، بل من رأس أمريكا. صدقني أن غالبية السوريين لا تريد منكم أن تجيشوا الجيوش لمحاربة الأسد في سوريا، ولا تريد توريطكم في الوحل السوري. السوريون بمعظمهم وطنيون ويرفضون أي تدخل عسكري خارجي في بلدهم، لكنهم يعلمون أنكم قادرون على تقليم أظافر هذا النظام لو أردتم. هل تتذكر يا سيادة الرئيس ترمب كيف سحب بشار قواته من لبنان بسرعة البرق كالفأر المذعور عندما أريتموه العين الحمراء في ذلك الوقت فقط ودون أن تطلقوا عليه رصاصة واحدة؟ falkasim@gmail.com
598
| 16 أبريل 2017
ليس هناك أدنى شك بأن كل القوى الاستعمارية والإمبريالية الكبرى عبر التاريخ كانت بلا أخلاق، فلا يمكن للمستعمر أن يكون صاحب مبادئ أصلاً، لكن أعتقد أن أمريكا تفوقت على أغلب المستعمرين عبر التاريخ، فسياساتها ليست بلا أخلاق فقط، بل هي أيضاً نموذج للسفالة والانتهازية والتقلب الخطير، بحيث أصبحت السياسة الخارجية الأمريكية، وخاصة تجاه القضية السورية، أشبه بالأفعى التي تعتقد أنك أمسكت برأسها، فإذ بذيلها هو الذي بيدك وليس رأسها. لاحظنا منذ بداية الثورة السورية تلك الزئبقية غير المسبوقة في الموقف الأمريكي، مما جعل السوريين وخاصة المؤيدين للثورة يهيمون على وجوههم بسبب ضبابية المواقف الأمريكية. لو كان الذين راهنوا على الدعم الأمريكي متمرسين في السياسة والتاريخ، لما انخدعوا بالتصريحات الأمريكية ماضياً وحاضراً، فقد قالها ثعلب السياسة الأمريكية الشهير هنري كسنجر إن "الغموض البناء في السياسة الخارجية الأمريكية هو سياسة بحد ذاته" هدفها إرباك كل الأطراف وتمرير المخططات الأمريكية من تحت أرجل الجميع دون أن يشعروا بها. وقد انطلى الموقف الأمريكي الذي تظاهر بدعمه للثورة السورية على الكثير من السوريين، مع العلم أن كسنجر نفسه قال أيضاً إن :" أمريكا ليست معنية بحل الأزمات الدولية بقدر ما هي معنية بإدارة تلك الأزمات والتحكم بمسارها لخدمة المصالح الأمريكية". ليس هناك مبدأ في السياسة الأمريكية أبداً، وإذا كانت اليوم في أقصى اليمين فلا عجب أن تراها غداً في أقصى اليسار فيما يخص هذه القضية أو تلك حسب المصلحة، حتى لو كان ثمن ذلك ملايين الضحايا من البشر كما هو الحال في سوريا. فقط قارنوا مواقف وتصريحات الرئيس السابق أوباما وتصريحات الإدارة الجديدة بقيادة ترمب. كم مرة دعا أوباما الرئيس السوري للرحيل؟ كما أسمع المعارضين السوريين تصريحات وردية ضد النظام السوري؟ أليست أمريكا نفسها كانت زعيمة مجموعة ما يسمى بأصدقاء الشعب السوري الذين يشبهون أصدقاء الفيسبوك، فلا ترى منهم سوى اللايكات فقط، وإذا انزعجوا منك يقومون بحظرك، فلا تعود ترى حتى لايكاتهم السخيفة. من يعرف السياسة الأمريكية جيداً لن يتفاجأ بالمواقف الأمريكية المتقلبة والضبابية، حتى أنه لا يرى فيها أي تقلب، بل يعتبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة وجوهاً عدة لعملة واحدة، إدارة تتخذ مواقف نارية من هذا النظام أو ذاك، ثم تأتي أخرى لتتحالف معه بطريقة مفضوحة كما بدأ يحصل الآن في إدارة الرئيس ترمب مع نظام الأسد. سبحان مغير الأحوال: بالأمس القريب كانت المخابرات الأمريكية تشرف على إدخال السلاح إلى سوريا وتسليح الجماعات التي تريد أن تقاتل النظام. بالأمس كانت تترأس مجلس إدارة الجماعات التي تعارض النظام، وترشدها استخباراتياً وعسكرياً على الأرض السورية. بالأمس كانت تدير عمليات القتال في سوريا عبر غرفة الموك في الأردن والموم في مكان آخر. بالأمس كانت ترسل صواريخ "تو" المضادة للدروع لسحق الدبابات والمدرعات السورية. بالأمس كانت ترأس مجموعة "أصدقاء سوريا" لمواجهة النظام وحلفائه. بالأمس كانت واشنطن محجاً للمعارضين السوريين وكل الجهات الدولية التي تدعمهم. واليوم بقدرة قادر صارت تدافع عن النظام، وتعتبر بقاء الأسد شأناً سورياً، ولم يعد من أولوياتها. لا بل إن صحيفة لبنانية كشفت عن محاولات أمريكية لعقد اتصالات بين الرئيس ترمب والرئيس السوري. من السخف طبعاً القول إن أمريكا فشلت في إسقاط النظام، كما يتشدق حلف المماتعة والمقاولة، والأرجح أنها تتلاعب بالجميع لتحقيق أهدافها وأهداف إسرائيل في المنطقة عموماً. هل كان النظام السوري يستطيع الصمود حتى الآن لولا منع أمريكا وصول مضادات الطيران للمعارضة؟ وهل كانت المعارضة تستطيع الصمود حتى الآن لولا صواريخ التو الأمريكية المضادة للدروع؟ لعبة حقيرة لإدامة الدمار فقط. والمضحك في الأمر أن نظام السمسرة في دمشق ؛ نسي كل ما سبق وكل ما فعلته أمريكا، وراح الآن يرقص فرحاً لمجرد أن مسؤولاً أمريكياً قال إن إزاحة الأسد لم تعد من أولوياتنا. كل من يبني سياساته على التصريحات الأمريكية المتناقضة حول سوريا والنظام بحاجة لزيارة أقرب مشفى للأمراض العقلية. جماعة النظام فرحوا كثيراً بالأمس بالتصريح الأمريكي الذي قال إن امريكا لم تعد مهتمة برحيل أ، وهم يعرفون إن التصريح لعبة أمريكية لغاية في نفس يعقوب، ولا يمكن الوثوق به، فعندما طالب الأمريكيون برحيل بشار الأسد علناً في الماضي مثلاً كانوا يدعمون بقاءه سراً. والآن يدعمون بقاءه علناً، ألا يمكن إذاً أن يكونوا الآن يعملون على شيء آخر سراً؟ لاحظوا أنه في الوقت الذي بدأت تتساهل فيه أمريكا مع نظام الأسد، بدأت تعمل على فصل المنطقة الجنوبية من سوريا كما عزلت المنطقة الشمالية والشرقية. والأدهى من ذلك أن أمريكا باتت تسيطر الآن على شمال سوريا وشرقها الغني بالنفط والغاز، وهذا يعني أن موضوع رحيل الرئيس السوري لم يعد ذا أهمية بالنسبة لمصالحها في سوريا. دلوني على أي بلد منكوب في العالم أنقذته أمريكا. هل صدق معكم أوباما أيها السوريون كي يصدق معكم ترمب؟ falkasim@gmail.com
4704
| 09 أبريل 2017
هل كانت الثورات الشعبية أسهل بكثير في الماضي؟ هل كانت الشعوب تأخذ حقوقها بأيديها، والآن أصبحت بلا حول ولا قوة حتى لو ضحت بالغالي والنفيس؟ قلناها مراراً على مدى السنوات السبع الماضية من عمر الربيع العربي: الثورات لم تعد أبداً شأناً وطنياً داخلياً يخص الشعوب وحدها، ليس بالنسبة للعرب فقط، بل أيضاً بالنسبة لكل شعوب العالم، بمن فيها حتى شعوب الدول المتقدمة والمتوسطة القوة، فما بالك بالدول الضعيفة والمتخلفة كدول العالم الثالث عموماً والوطن العربي خصوصاً. قالها صحفي عربي مخضرم في بداية الثورات: أيها العرب لا تراهنوا على تغيير أوضاعكم من خلال الثورات، فهذا ممنوع عليكم منعاً باتاً. لن تسمح لكم القوى الكبرى التي تمسك بزمام القيادة والتحكم في العالم أن تكونوا أحراراً ومستقلين. هذا مستحيل حتى لو دفعتم أنهاراً من الدماء. لهذا يجب عليكم أن تعلموا بأنه مسموح لكم فقط أن تحسنوا شروط التبعية في أحسن الأحوال، هذا إذا لم يعيدكم ضباع العالم إلى المربع الأول، ويجعلوكم تترحمون حتى على أيام الطغيان الخوالي، كما هو حاصل الآن في سوريا وليبيا واليمن تحديداً، حيث بات حلم الكثيرين أن يعودوا إلى حظيرة الطاعة القديمة التي كان يديرها ويتحكم بها جنرالات عرب طبعاً نيابة عن القوى الدولية، وليس بقواهم الذاتية، فالطواغيت في بلادنا مثل شعوبهم مجرد أدوات وتابعين، وهم يؤدون وظائف محددة لسادة العالم الحقيقيين. لهذا قلت مراراً إن الديكتاتور العربي ليس المتهم الأول في قضايا القمع والاضطهاد الذي يمارسه بحق شعبه، بل هو أشبه بالسجان في السجون يؤدي وظيفة أوكلتها إليه جهة أخرى. بعبارة أخرى، فإن مهمة الكثيرين في دولنا المزعومة مقررة لهم من الخارج وليست منبثقة من قرارهم الوطني المستقل كما يدعون ويظهرون أمام شعوبهم. لا سيادة أبداً للأنظمة والدول الوظيفية في هذا العالم. كل نظام يتصرف حسب الخطط المرسومة له من الذين وضعوه على رأس السلطة في هذا البلد أو ذاك خدمة للخارج أولاً والداخل ثانياً. بعبارة أخرى، قبل أن تحكم على هذا النظام أو ذاك، انظر إلى التسلسل الهرمي للسلطة في العالم، فهذا العالم مثل شركة كبرى، لها مجلس إدارة، ولها وكلاء وموزعون ومندوبون. لا عجب إذاً أن وصف المفكر التونسي هشام جعيط الكثير من الحكام العرب بأنهم مجرد وكلاء للخارج، تماماً كوكلاء الشركات، كوكيل السيارات ووكيل الساعات ووكيل المشروبات إلى آخر القائمة من الوكالات. وكي لا يظن البعض أن الشعوب في الدول المتقدمة هي أكثر حرية في تقرير مصيرها من العرب يجب أن يعيدوا النظر في آرائهم. ربما يعاملها ضباع العالم بطريقة أفضل منا، لكنها في نهاية المطاف تخضع لشروطهم وقيادتهم. لاحظوا أن شعوب أوروبا الشرقية ثارت ضد الطغيان الشيوعي السوفياتي في بداية التسعينات من القرن الماضي، لكنها لم تقرر مصيرها بنفسها، بل انتقلت فوراً من تحت المظلة السوفياتية إلى تحت المظلة الأوروبية، فوضعتها أوروبا فوراً تحت جناحها، وأدخلتها في الاتحاد الأوروبي طبعاً بإيعاز أمريكي. وهذا شيء إيجابي من الناحية النظرية، ويطمح إليه الكثير من الشعوب المسحوقة في العالم الثالث، لكنه يثبت أيضاً أن ليس كل الشعوب تقرر مصيرها دائماً بنفسها، بل قد يكون الهدف من وراء تحريك هذا الشعب أو ذاك هنا وهناك ضد هذه الجهة أو تلك ليس تحريره فعلاً، بل نقله من معسكر إلى آخر كما كان يحاول الغرب أن يفعل مع دول أوروبا الشرقية على مدى حوالي نصف قرن وهي تحت النظام الشيوعي السوفياتي. لاحظوا أنه في اللحظة التي تخلصت فيها دول أوروبا الشرقية من نير الطغيان السوفياتي، التحقت بالمعسكر الغربي. بعبارة أخرى، لم يساعدها الغرب كي تتحرر، بل كي تنتقل إلى معسكره. وكذلك الأمر بالنسبة للشعوب العربية التي ثارت. فإذا كان ممنوعاً على شعوب دول أوروبا الشرقية الأكثر تقدماً من الشعوب العربية أن تقرر مصيرها بنفسها، ويجب عليها أن تلتحق بالمنظومة الأوربية الغربية، وتخضع لإملاءاتها وشروطها ومتطلباتها، فليس من العجب أبداً أن تمنع القوى المتحكمة بالعالم العرب من تقرير مصيرهم عبر ثوراتهم. لهذا رأينا التدخل الروسي والأمريكي وغيرهما فوراً في المنطقة العربية لهندسة الانتقال أو توجيه دفة الثورات في الاتجاه المطلوب خارجياً وليس داخلياً. ومن سوء حظنا لم يكن حتى مسموحاً لبعض البلدان التي ثارت أن تنتقل إلى مرحلة جديدة، أو أن تقرر مصيرها، فأعادوها إلى نفس الحظيرة القديمة، لكن بوجوه جديدة. وفي سوريا الآن، لن يسمحوا للسوريين بتقرير مصيرهم بعد كل هذه التضحيات، بل يجب أن ينضووا تحت لواء قوة كبرى كروسيا أو غيرها. باختصار فإن وضع الشعوب الضعيفة في هذا العالم لا يختلف عن وضع الحيوانات الضعيفة في الغابة: القوي يُخضِع الضعيف، ويضعه تحت جناحيه. باختصار، هذا العالم تحميه، وتتحكم به قوى كبرى كأمريكا وروسيا وأوروبا وغيرها، وما على الصغار إلا أن ينضموا إلى هذا المعسكر أو ذاك، وألا يحلموا بأن يكونوا مستقلين، حتى لو دفعوا ملايين الشهداء في ثوراتهم. أرجو أن أكون مخطئاً.
838
| 02 أبريل 2017
سأل أحدهم سياسياً بريطانياً مخضرماً قبل أكثر من نصف قرن: "من سيحكم العالم في المستقبل"، فأجاب السياسي البريطاني: "سيحكمه جنرالات التلفزيون". ولا شك أن نبوءة السياسي تحققت تماماً في هذا العصر الذي باتت فيه الصورة التلفزيونية تحكم العالم. لم يعد الإعلام في هذا العصر "السلطة الرابعة" كما سماه إيدموند بيرك وتوماس كارلايل في القرن التاسع عشر، بل أصبح السلطة الأولى، فهو يصنع السياسة ويصنع السياسيين. لكن أين جنرالات التلفزيون العرب المزعومون من أساسيات اللعبة التلفزيونية؟ هل أتقنوها فعلاً، أم إن غالبيتهم مازالوا بعد سنوات وسنوات من الظهور التلفزيوني هواة أكثر منهم محترفين؟ سأحاول في السطور القليلة القادمة أن ألخص أساسيات اللعبة التلفزيونية لمن يريد أن يطور أداءه الإعلامي، ويتوقف عن الأداء العشوائي التجريبي. إن أول أساس يجب أن يمتلكه المتحدث الجيد هو اللغة الجيدة، فاللغة أداة تأثير وإقناع وتوصيل. وهي تعطي صاحبها هيبة وبرستيجاً خاصاً. ولطالما تأثرنا بلغة المتحدثين حتى لو كان المضمون ضعيفاً، فما بالك عندما يكون ثرياً. إن من البيان لسحراً. بعبارة أخرى، فإن اللغة الجميلة تسحر الألباب. فأين الذين يسحرون المشاهدين والمستمعين بلغتهم الرائعة؟ وقد أظهرت دراسة دكتوراه جديدة من خلال بحث ميداني وعملي أن الأشخاص الذين يتحدثون على الشاشات بلغة عربية فصحى هم أكثر قدرة على الإقناع والتأثير والتوصيل حتى في أوساط العامة الذين لا يميزون الفعل من الفاعل أو الجار من المجرور. بعبارة أخرى، حتى الجمهور العام يتأثر أكثر بكثير بالمتحدثين بلغة عربية قوية. أما الأساس الثاني، فهو الثقافة والمعرفة والاطلاع والإلمام. وغالباً ما يتميز المتحدث الجيد عن غيره على الشاشات بثقافته العالية وتحضيره الجيد. إن أسوأ المتحدثين هم المغرورون الذين يظهرون على التلفزيونات دون تحضير جيد معتمدين على معلوماتهم القديمة. مهما كنت مثقفاً ومطلعاً يجب أن تقوم بالتحضير الجيد لكل ظهور جديد على الفضائيات. ودائماً أستشهد أثناء دورات التدريب التي أقدمها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً في معهد الجزيرة للإعلام وغيره من المعاهد العربية والدولية أن بعض المتحدثين في الغرب يأخذ إجازة من العمل لمدة يومين لكي يحضّر لمقابلة طولها دقيقتان. طبعاً لا نطلب من متحدثينا أن يغيبوا عن عملهم لأيام، بل على الأقل لا بد أن يحضّروا جيداً قبل الظهور الإعلامي. ضعوا في أذهانكم دائماً أن الفشل في التحضير لأي شيء هو تحضير للفشل. وأخيراً نأتي إلى الأساس الثالث والأخير، ألا وهي طريقة التوصيل أو ما يسمى بالإنجليزية: “delivery system” ونعني بذلك حركة الجسد والصوت والإلقاء والاستعراض. لا قيمة للغة الجيدة والثقافة الواسعة إذا لم يتمكن المتحدث من توصيلها بلغة جسد وصوت بارع. بعبارة أخرى، ليس المهم أن تقول شيئاً، بل الأهم كيف تقوله. إن المتحدثين الخشبيين المتخشبين الأكاديميين يأخذون علامة الصفر على الشاشة، فالناس تهرب عادة من المحاضرات والدروس التعليمية في المدارس والجامعات، فما بالك أن يشاهدوها على الشاشات. إن الأداء التلفزيوني يحتاج إلى الحركة والاستعراض والاستغلال الجيد للغة الجسد والوجه والعيون والصوت. ويجب أن يكون هناك لكل مقام مقال، فلا يمكن الحديث عن عمليات التعذيب مثلاً بلغة جسد ميتة وصوت هادئ سخيف، وكأنك تتحدث عن شرب الماء. ولا تنسوا أن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الكلمة، والصوت، والحركة. فالكلمة تأخذ سبعة بالمائة فقط من الأهمية، والصوت يأخذ ثمانية وثلاثين بالمائة، والحركة تأخذ خمسة وخمسين بالمائة، وذلك حسب أحدث الدراسات الإعلامية الأمريكية. وتؤكد الدراسات أن الأشخاص الذين يتحدثون بحركة جسد ووجه وعيون بارعة غالباً ما يكونون أكثر تأثيراً وإقناعاً. ومن جهتي أعتقد أن الكلمة جداً مهمة في الحديث، لكن يجب أن ترافقها حركة جسد مناسبة وإلا فقدت الكلمة تأثيرها. ولا ننسى أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان إذا تحدث تلوّن صوته، واحمر وجهه كأنه منذر حرب. العبرة إذاً في الحيوية. ولا قيمة لمتحدث تعوزه الحيوية والحماس، فلا يمكن أن تقنع أحداً بشي لا تبدو أنت مقتنعاً أو متحمساً له. كم من الذين يظهرون على شاشات التلفزيون العربية يتقنون أساسيات اللعبة التلفزيونية يا ترى؟
3802
| 26 مارس 2017
قال لي ديبلوماسي وخبير إيراني قبل أشهر كلاماً مؤلماً جداً. قال: "أنتم العرب تزرعون، ونحن الإيرانيين نحصد. ساهمتم كثيراً مثلاً في تدمير العراق، ثم سقط في حضننا كالثمرة الناضجة". أليس في كلامه الكثير من الحقيقة؟ إذن قبل أن نتباكى على سوريا ولبنان واليمن الآن تعالوا نرى كيف بعنا العراق، وسلمناه لإيران على طبق من ذهب من قبل، وكيف راحت أمريكا تساوم الإيرانيين لا العرب على العراق. والسبب أن السياسة كالطبيعة لا تقبل بالفراغ، وإذا حدث فراغ ما فلا بد أن يملأه أحد، وهذا بالضبط ما فعلته إيران في العراق، فقد وجد الإيرانيون أن بلاد الرافدين أصبحت رزقاً سائباً ينهبه كل من حط بأرض العراق باستثناء العرب طبعاً. لقد كان العرب أول من ذبح العراق، لكنهم أبوّا إلا أن يتركوا الذبيحة للآخرين. ولا أعتقد أن إيران جديرة باللوم أبداً في التهام الذبيحة العراقية، ففي عالم السياسة حلال على الشاطر وليذهب الأغبياء إلى مزبلة التاريخ. إن المتباكين على سوريا ولبنان واليمن الآن، يجب أن يعرفوا كيف خسرنا العراق كقطر عربي. كفانا تعييراً للعراقيين بالانسلاخ عن أمتهم العربية والاتجاه شرقاً. ماذا تتوقع من شعب شارك العرب في ذبحه من الوريد إلى الوريد، وكانوا سباقين إلى التآمر عليه وحصاره ومنع حتى أقلام الرصاص عن تلاميذه؟ هل تريد من ذلك الشعب أن يهتف باسم العروبة ويصيح: أمجاد يا عرب أمجاد، أم من حقه أن يلعن الساعة التي وُلد فيها عربياً؟ لا أدري لماذا ظن البعض أن العراق عربي لمجرد أنه عضو مؤسس في الجامعة العربية. ألم يكن حرياً بهم أن يعلموا أن تلك العضوية عضوية فارغة وغير قابلة للصرف في أي بنك، وأنها ليست ضماناً بأي حال من الأحوال للحفاظ على عروبة بلاد الرافدين؟ لماذا لم ينتبه أدعياء العروبة والإسلام إلى تلك الحقيقة الساطعة وهي أن العراق يقع عند البوابة الشرقية للعالم العربي، وفي اللحظة التي يختفي فيها حراس تلك البوابة فإن الإيرانيين سيدخلونها فوراً، خاصة وأن العراق يمثل للإيرانيين المدخل الأهم على المنطقة العربية لتصدير ثورتهم. ولو لم يقاتل العراق ثماني سنوات ضد إيران لتم تصدير الثورة الإيرانية إلى العرب بعد أيام فقط من هبوط طائرة الخميني في طهران. لماذا نسي العرب أنهم بذّروا مليارات الدولارات لمساعدة العراق في حربه ضد إيران؟ لماذا لم يلحظوا أن العراقيين الذين عادوا على ظهر الدبابات الأمريكية كانوا في معظمهم من الأحزاب التي رعتها إيران لأعوام كحزبي المجلس الأعلى والدعوة، وهم بالتالي سيتحالفون مع الإيرانيين فيما بعد بشكل طبيعي؟ لماذا لم يعوا أيضاً أن إيران استطاعت أن تخلق لها قاعدة قوية متقدمة في لبنان وسوريا واليمن البعيد عنها جغرافياً؟ وبالتالي كان من السهل جداً عليها أن تفعل الشيء نفسه في حديقتها الخلفية، العراق، خاصة وأن التربة والظروف مهيأة لذلك أكثر من بقية البلدان بمائة مرة بسبب التماس الجغرافي والخلفية الدينية والتداخلات التاريخية بين البلدين والأطماع الإيرانية القديمة. هل تستطيع أن تـُبعد أكثر من نصف الشعب العراقي عن إيران لمجرد أن جنسيته عربية في جواز سفره؟ بالطبع لا. لقد كان حرياً بالمهتمين بالأمة العربية، إذا كان هناك مهتمون فعلاً، أن يعوا أن الرابط الطائفي قد يتفوق على الرابط القومي في العديد من الدول العربية، خاصة وأن معظم الأنظمة العربية الحاكمة كرست الطائفية والقبلية والعشائرية بدلاً من خلق دولة المواطنة، وبالتالي فمن السهل جداً أن تستقطب هذه الطائفة أو تلك لصالح دولة أخرى كما شاهدنا في العراق ودول عربية أخرى. إن الاصطفاف الطائفي السريع في العراق أثبت كم هي بعيدة دولنا عن مفهوم المواطنة، وكم هي سهلة على الفرز والاستقطاب! لماذا نلوم المائلين باتجاه إيران في العراق إذا كان الآخرون يميلون باتجاه العرب على أساس طائفي أيضاً، علماً أن القوات الغازية لم تدخل العراق من جهة إيران بل عبر أراض عربية سنية؟ ليس من حق أحد أن يلوم العراقيين على الاحتماء بإيران والإصغاء إلى رجال دينها في العراق. ولا أبالغ إذا قلت إن هناك شرائح عربية كثيرة مستعدة للحاق بإيران والانسلاخ عن الدول العربية لو اتيحت لها الفرصة، ليس فقط بسبب التفرقة ضدها في هذا البلد العربي أو ذاك، بل أيضاً لأن الانتماء إلى إيران أصبح أجدى بكثير من الانتماء إلى ما يُعرف بالأمة العربية. فبينما تتسول الدول العربية جمعاء الحماية الأجنبية، وتبذر ثرواتها على أمور سخيفة، وتتآمر على بعضها البعض بطريقة مفضوحة ودنيئة، وتقمع أي حركة مقاومة حرة، وترفع شعار أنا ومن بعدي الطوفان، ها هي إيران تجمع شتات شيعتها من كل أصقاع العالم ليكونوا صفاً واحداً تحت امرتها، وها هي تنافح الغرب بقوتها العسكرية، مع العلم أنها على حدودنا، وتشترك معنا في إرث إسلامي وشرقي واحد. من يستطيع أن يلوم العراق على الانضواء تحت اللواء الإيراني بعدما نبذه أبناء جلدته الأقربون وتآمروا عليه، وباعوه بالجملة والمفرّق، وجعلوه يكفر بعروبته؟ لقد كان العراق جزءاً مما يسمى بالوطن العربي لثلاثة أرباع القرن، وقد حاول فعلاً أن يحمل مشعل النهضة العربية بعد أن نجح في القضاء على الأمية تماماً، وأسس صناعة حربية عز نظيرها، وبنى مفاعلاً نووياً، واستثمر المليارات في النهضة العلمية، ونافس الغرب بمستشفياته وأطبائه، لا بل كان يستورد البقدونس بطائرات خاصة من شدة البطر والرفاهية، لكن بعض "أشقائه" مثلاً سهـّل للإسرائيليين مهمة قصف مفاعل تموز النووي الذي وصفه صدام حسين ذات مرة بـ"عز العرب". أيها العرب، قبل أن تتباكوا إذن على سوريا ولبنان واليمن الذين تساقطوا في الحضن الإيراني كالثمار الناضجة، عليكم أن تعرفوا أن الذي باع بغداد لن يشتري دمشق ولا بيروت ولا صنعاء. الحقيقة مرة أيها العرب، لكنها كالدواء إذا أردتم أن تعالجوا المرض.
5811
| 19 مارس 2017
ما أن اندلعت الثورة السورية قبل ست سنوات حتى راحت وسائل إعلام ما يسمى بمحور الممانعة والمقاومة وعلى رأسها طبعاً إعلام النظام السوري، راحت تتهم إسرائيل بأنها وراء الثورة السورية، وبأن كل من رفع صوته ضد النظام هو عميل للصهيونية. تهمة يكررها النظام منذ عشرات السنين في وجه كل من يوجه انتقاداً ولو حتى لأسعار الفجل والخس والبطاطا في سوريا الأسد. أسهل تهمة في سوريا تجعلك تختفي وراء الشمس هي تهمة العمالة لإسرائيل. وقد استغل النظام هذه الكذبة استغلالاً بارعاً على مدى عقود، بحيث لم يعد السوريون قادرين حتى على انتقاد رئيس البلدية في القرية لتقصيره في تزويد القرية بالمياه خشية أن يتهمهم النظام بالعمالة للصهيونية والامبريالية. وبالتالي، لم يجد النظام أفضل من الشماعة الإسرائيلية لتشويه الثورة ووصمها بالخيانة والعمالة لإسرائيل. لا شك أن إسرائيل عدوة لسوريا ومن صالحها أن يكون أعداؤها في أسوأ حال على مبدأ نابليون الشهير: إذا رأيت عدوك يدمر نفسه، فلا تقاطعه. ولو كان النظام نفسه مكان إسرائيل لربما تعامل مع الأزمة في أي بلد مجاور معاد له بنفس الطريقة النابليونية الاستغلالية. لكن السؤال الأهم الذي يسأله كثيرون الآن بعد كل ما حصل في سوريا: هل كان من مصلحة إسرائيل التآمر على نظام الأسد وإيصاله إلى هذا الوضع الكارثي؟ ما هو السبب الجوهري الذي يجعل إسرائيل تريد أن تنتقم من النظام السوري الذي يحمي حدودها منذ خمسين عاماً كما يحمي عينيه برموشه؟ هل إذا كان لديك كلب مخلص يحمي بيتك ستقوم بالقضاء عليه؟ مستحيل، فمن عادة الناس أن تعامل كلاب الحراسة معاملة طيبة جداً مكافأة لها على خدماتها الجليلة في توفير الأمن والسلام لها. لو كان الجيش السوري على وشك الهجوم على إسرائيل وتحرير فلسطين أو على الأقل تحرير الجولان السوري المحتل، لربما صدقنا كذبة التآمر الإسرائيلي على نظام الأسد، لكن الإسرائيليين في الجولان تفرغوا على مدى عشرات السنين لكتابة الشعر والاستماع إلى الموسيقى لأن الجولان تحول إلى أجمل وأهدأ منطقة للاستجمام في إسرائيل بعد أن منع النظام حتى العصافير أن تخترق الحدود الإسرائيلية. إن من يسمع الإعلام السوري وهو يتهم إسرائيل بالوقوف وراء الثورة السورية على النظام يأخذ الانطباع فوراً بأن الجيش السوري كان على أبواب القدس عندما اندلعت الثورة، فقامت إسرائيل بتحريض السوريين على رئيسهم كي تبعد خطر الجيش الأسدي عن المسجد الأقصى. أرجوكم أن تجيبوني على هذه الأسئلة التالية لربما أنا مخدوع أو غابت عني حقائق خطيرة. هل كانت سوريا منذ أن حكمها النظام الحالي تشكل خطراً على إسرائيل كي تخشى منها إسرائيل وأمريكا وتتآمرا عليها لتدميرها؟ كل شيء في سوريا كان لمصلحة إسرائيل قبل الثورة. شعب مقموع ذليل لا يمكن أن يرمي حجراً على إسرائيل. وكلنا شاهدنا ماذا حصل للجنود والضباط السوريين الذين صدقوا كذبة المقاومة فحاولوا مهاجمة الحدود الإسرائيلية، فكانت النتيجة أن النظام أخفاهم وراء الشمس عقاباً لهم على مجرد تعكير صفو إسرائيل. ولا ننسى أن الطيران الإسرائيلي يطير أسبوعياً فوق قصر الرئيس دون أن يتجرأ أحد على إطلاق رشة ماء على الإسرائيليين. هل من مصلحة إسرائيل التآمر على بلد محكوم بالحديد والنار والبسطار العسكري والمخابراتي منذ عام 1970 كما تريد إسرائيل تماماً؟ ما مصلحتها في تحريك الشعب السوري الخائف المقموع المستكين الذي لا يستطيع أن يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان؟ هل كانت تخاف من النهضة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية السورية التي تنافس النهضة اليابانية كي تعرقلها وتقضي عليها؟ ألم يعمل النظام على تعطيل أي نهضة صناعية أو تكنولوجية أو حتى زراعية في سوريا تنفيذاً للمطالب الإسرائيلية؟ لو نظرت فقط إلى الشروط التعجيزية المطلوبة لفتح مدجنة دجاج في سوريا لعرفت فوراً أن مهمة النظام الأولى هي حماية إسرائيل من أي نهضة علمية يمكن أن تهدد إسرائيل لاحقاً. لقد تحولت سوريا في عهد القائد الخالد إلى أفسد دولة في العالم من أجل أن تبقى إسرائيل النموذج الأفضل في المنطقة؟ لقد هجرت معظم العقول السورية النابغة إلى الخارج لأن النظام كان يمنعها من تحقيق أحلامها وطموحاتها في البلد خدمة لإسرائيل. هل كان لدى سوريا قبل الثورة اقتصاد عظيم يهدد الاقتصاد الإسرائيلي؟ أم كان اقتصاداً ذليلاً لا يمكن أن ينافس حتى بوركينا فاسو فما بالك أن ينافس اسرائيل هل يمكن أن تخشى إسرائيل من نظام سياسي قذر ومتسلط وطغياني وفاشي يجعل أحقر دول العالم تبدو ديمقراطية بالمقارنة معه؟ ألم يكن النظام السوري مثالياً بالنسبة لإسرائيل كي تبقى إسرائيل في نظر العالم الديمقراطي الأجمل في المنطقة؟ هل تآمرت إسرائيل على نظام الأسد فعلاً، أم إنها سبب بقائه حتى الآن لأنها لم تجد كلب حراسة أفضل منه؟
890
| 12 مارس 2017
هل تذكرون أيام الناصريين والبعثيين واليساريين والقوميين في مصر والعراق وسوريا وليبيا واليمن والجزائرعندما كانت النخب ووسائل الإعلام والمثقفون والسياسيون في تلك البلدان يتشدقون ليل نهار بالتقدمية، ويشتمون الدول التي كانوا يسمونها "رجعية" في المنطقة العربية؟ لقد ظلت الطبقات السياسية والثقافية والإعلامية في البلدان العربية التي كانت تسمي نفسها "تقدمية" تتهم الدول العربية الأخرى التي لا تسير فيما يسمى بالخط القومي واليساري بأنها دول رجعية متخلفة، وبأن الدول التي ترفع شعار القومية والعروبة هي دول تقدمية. وقد استقت تلك الدول شعاراتها "التقدمية" طبعاً من الاتحاد السوفياتي البائد الذي كان يعتبر كل القوى الدولية التي تعاديه قوى رجعية. وكذلك فعلت الأنظمة العربية التي كانت تدور في الفلك السوفياتي في سوريا واليمن وليبيا والعراق والجزائر وحتى مصر قبل مجيء الرئيس أنور السادات إلى السلطة في بداية السبعينات من القرن الماضي. لقد انقسم العالم العربي حسب التصنيف القومي اليساري العربي إلى تقدميين ورجعيين. لكن كما انهارت التقدمية السوفياتية الاشتراكية الشيوعية المزعومة في الكتلة الشرقية، انهار أتباعها في العالم العربي وانهارت مشاريعهم الصناعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والاجتماعية، حتى أننا لم نعد نسمع الشعارات التقدمية في البلدان العربية الاشتراكية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. والمضحك في الأمر أن الدول التقدمية المزعومة في العالم العربي تدهورت أحوالها على كل الصعد السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية والاجتماعية، وأصبحت تعاني من ألف علة وعلة، ولم يعد لديها مشاريع سوى مشروع القمع والقهر وحكم الناس بالحديد والنار. على العكس من ذلك ازدهرت الدول التي كان يسميها القومجيون العرب دولاً رجعية على جميع الصعد. وقد أصبحت دول الخليج العربية التي كان يشتمها التقدميون القومجيون البائسون ازدهاراً كبيراً مقارنة بنظيراتها التقدمية المزعومة. وقد أصبح التقدميون المزيفون رجعيين فعلاً بعد أن تراجعت بلادهم على كل الصعد، وأصبح بالإمكان أن نطلق على تلك الدول التي تشدقت بالتقدمية سابقاً بالدول التراجعية لشدة تقهقرها وتخلفها، بينما ما زالت دول الخليج تحقق تقدماً ملحوظاً في معظم المجالات، بحيث أصبحت مركز الثقافة والفن والاقتصاد والسياسة في العالم العربي. لم تعد لا دمشق ولا بيروت ولا القاهرة ولا بغداد "التقدمية" سابقاً مركز الثقافة ولا حتى الفن، بل أصبحت رمزاً للتخلف السياسي والاقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي. لاحظوا أين أصبحت الدول التقدمية المزعومة وأين صارت الدول الرجعية. العراق انهار تماماً وأصبح من أشهر الدول الفاشلة في العالم. أما سوريا فقد صار حتى الصومال يخجل من وضعها بعد أن تحولت إلى ركام على أيدي حكامها "التقدميين". وحدث ولا حرج عن ليبيا التي عادت إلى زمن ما قبل الدولة. أما اليمن الاشتراكي فصار التخلف نفسه يخجل منه. وحتى الجزائر فهي متماسكة حتى الآن بقوة الحديد والنار وليس بقوة مشاريعها التنموية. وأكبر دليل على أن الجزائر قد تلحق ببقية "الشلة التقدمية" أنها من أكبر أنصار النظام التقدمي السوري المزعوم، وكأنها تحلم بأن تلحق بالنموذج السوري الكارثي. لكن بالرغم من أن الدول العربية التي كانت تسمي نفسها تقدمية صارت مضرباً للمثل في الفشل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، إلا أنها ما زالت تنظر نفس نظرة الازدراء القديمة لدول الخليج. وأكثر ما يضحكني عندما أسمع بعض السياسيين والإعلاميين السوريين القومجيين وهم يشتمون دول الخليج وينعتونها بأبشع الصفات، مع العلم أنهم أصبحوا بعد الصومال من حيث الانهيار والتفكك والفوضى وعدم الاستقرار والتخلف، ويحتاجون إلى سنوات ضوئية كي يصبحوا مثل دول الخليج. ومما يجعلك تقلب على ظهرك من الضحك عندما ترى شبيحاً سورياً أسدياً قومجياً منتوفاً يكاد يموت من الجوع والبرد في سوريا الأسد، ولا يجد لا مازوت ولا كهرباء ولا دواء ولا خبز، ولا مستشفيات ولا مدارس، ويعيش مثل الكلب الأجرب، مع ذلك قال شو قال يهاجم العرب الآخرين، ويتهمهم بشرب بول البعير لعلاج بعض الأمراض، مع العلم أن أهل الخليج يسافرون إلى أمريكا وأوروبا لعلاج أبسط الأمراض، بينما "بتوع" الدول "التقدمية" لا يجدون حبة أسبرين في سوريا مثلاً، ولا يجدون حتى بول الحمير فما بالك ببول البعير. وقد شاهدنا في الآونة الأخيرة كيف أن نظام الأسد يقوم بتعويض عوائل القتلى الذين سقطوا في الحرب من أجله بأقل من مائة دولار عن كل قتيل، بينما ثمن الحمار الواحد في سوريا يساوي مائتي دولار. وهذا يعني أن ثمن الحمار الواحد في سوريا الأسد أصبح يساوي ثمن جنديين نظاميين. وأخيراً نقول للشبيحة الذين يهزأون من الدول العربية الأخرى: فقط انظروا إلى عُملات دولكم "التقدمية" المزعومة كيف صارت بسعر التراب، وكيف صار الدولار يوازي كيساً كبيراً من الليرات السورية بفضل قيادتكم التقدمية. هل تعلمون أن الجامعة العربية الوحيدة التي حصلت على مركز متقدم في تصنيف الجامعات العالمي موجودة في الخليج وليس في بلدانكم يا بتوع التقدم؟ هل تعلمون أن أفضل المشافي في الشرق الأوسط موجودة في الخليج وليس في دول "التقدم" الهُلامي؟ دعكم من بول البعير. والله حتى بول الكلاب أنتم لا تجدونه في سوريا الأسد "التقدمية". وأنا واثق أنكم مستعدون أن تشربوا كل أنواع البول، لكنكم لا تجدونها يا حسرتكم. وقد آن الأوان أن تعترفوا بأنكم حوّلتم الجنة في بلادكم إلى صحراء، بينما الذين كنتم تتهمونهم بالرجعية قد حوّلوا الصحراء في بلادهم إلى جنة. falkasim@gmail.com
900
| 05 مارس 2017
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
6036
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1800
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1311
| 18 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
1179
| 13 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1134
| 14 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...
930
| 16 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
777
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
759
| 13 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
705
| 17 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
690
| 13 مايو 2026
الوعي هو حالة إدراك الإنسان لذاته ولمحيطه، وقدرته...
627
| 14 مايو 2026
في كل مرة تُطرح فيها قضايا الأسرة والتربية...
582
| 14 مايو 2026
مساحة إعلانية