رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رمضان شهر الاستجابة

يُعتبر شهر رمضان المبارك موسمًا عظيمًا للدعاء، وربيع المؤمن الذي تتفتح فيه أزهار الأمل. ففيه تتجلى رحمة الله الواسعة، وتُفتح أبواب السماء، وتُستجاب الدعوات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم”. هذه البشرى تحفز كل مسلم على الإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله في كل أوقات الصيام، وعند الإفطار، وفي جوف الليل، وخصوصًا في ليلة القدر. الدعاء هو لب العبادة وجوهر الصلة بين العبد وربه. إنه الحبل المتين الذي يربط المخلوق بخالقه، يعبر فيه المسلم عن حاجاته وتوبته ورجائه في رحمة الله ومغفرته. إنه فرصة لتفريغ الهموم وطلب المغفرة وتحقيق الأمنيات. الدعاء في رمضان يمنح الروح قوة، ويجدد الإيمان، ويغرس في القلب الطمأنينة والسكينة. فلنجعل ألسنتنا رطبة بذكر الله ودعائه، ولنرفع أكف الضراعة بقلوب خاشعة، موقنين بالإجابة. الله يحب العبد اللحوح في الدعاء، الذي يثق بقدرة ربه. الدعاء في رمضان ليس مجرد كلمات، بل هو تعبير صادق عن الثقة المطلقة بقدرة الله ورحمته، وهو سلاح المؤمن الذي لا يخذله في مواجهة مصاعب الحياة. إنه وسيلة لتحويل المستحيل إلى ممكن بإذن الله. فلنغتنم هذه الأيام والليالي المباركة، التي تتنزل فيها الرحمات وتُستجاب فيها الدعوات، لنبني جسورًا قوية من التواصل الروحي مع خالقنا، ولنطلب منه خير الدنيا والآخرة. الدعاء عبادة عظيمة، والله يحب أن يُسأل. فلنكن من الذين يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، ولا ييأسون من رحمته. رمضان هو شهر الأمل والدعاء المستجاب، فلنملأ صحائفنا بالدعوات الصادقة، ولنخرج بقلوب ملؤها اليقين بأن الله سيستجيب لدعواتنا بفضله وكرمه.

288

| 23 فبراير 2026

رمضان شهر التكافل الاجتماعي

يُعد شهر رمضان المبارك فرصة عظيمة لتعزيز قيم التكافل الاجتماعي والعطاء السخي. فالصيام يذكرنا بمعاناة الفقراء والمحتاجين، ويوقظ فينا الإحساس بالآخر، ويغرس الرحمة والشفقة، ويدفعنا لمد يد العون. إنه شهر تتجلى فيه أسمى معاني الإنسانية والتعاون. يتسابق المسلمون في هذا الشهر الفضيل لإخراج الزكاة والصدقات، وإطعام الطعام، وتفطير الصائمين، وكفالة الأيتام، سعيًا لنيل الأجر العظيم. الشعور بالجوع والعطش يوقظ فينا الإحساس بالآخر الذي قد يعيش هذا الشعور دائمًا، ويدفعنا لمشاركة نعم الله مع من حرموا منها، تحقيقًا لمبدأ “ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع”. العطاء في رمضان لا يقتصر على الجانب المادي، بل يشمل أيضًا العطاء المعنوي كالكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والمساعدة في قضاء حوائج الناس، وزيارة المرضى، وصلة الأرحام. إنها دعوة لترميم العلاقات الاجتماعية وتقوية الروابط الإنسانية وبناء مجتمع متراحم ومتعاون. فلنجعل من رمضان شهرًا نعيد فيه بناء جسور المحبة والتراحم، ونُحيي فيه روح الأخوة الصادقة. العطاء في رمضان استثمار حقيقي في الآخرة، وسبب لبركة الأرزاق في الدنيا، وطهارة النفوس من الشح، وسعادة القلوب. فلنكن من المبادرين إلى الخير، ومن الساعين في قضاء حوائج الناس، ولنتذكر أن “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”. رمضان شهر البركة والخير، فلنغتنم كل لحظة فيه لنكون من أهل العطاء والإحسان، ولنترك بصمة إيجابية تجعلنا أقرب إلى الله.

405

| 22 فبراير 2026

رمضان مدرسة الصبر

يُعد شهر رمضان المبارك مدرسة ربانية عظيمة لغرس فضيلة الصبر والاحتساب في قلوب المؤمنين. فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تجسيد لمعاني الصبر المتعددة: صبر على الجوع والعطش، وصبر عن الشهوات، وصبر على الطاعات. إنه تدريب عملي مكثف لتعلم تحمل المشاق ومواجهة التحديات بإيمان راسخ. عندما يمتنع الصائم عن مباحات الحياة استجابة لأمر الله، يدرك أن الحياة الحقيقية هي سعي دائم لنيل رضا الخالق. هذا الصبر يمتد ليشمل الصبر على الأذى، والصبر على أداء العبادات بإتقان، والصبر عن الوقوع في المعاصي. كل لحظة صبر وجهد في هذا الشهر تُسجل بأجر عظيم، مصداقًا لقوله تعالى: “الصوم لي وأنا أجزي به”. فلنستثمر هذه الأيام في تقوية عزيمتنا وتنمية قدرتنا على التحمل، ولنغرس في أنفسنا قيمة الصبر كخلق أصيل. الصبر مفتاح الفرج، والله مع الصابرين. من يخرج من رمضان وقد تعلم الصبر، فقد امتلك مفتاح السعادة والنجاح في الدنيا والآخرة، وأصبح أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الحياة بنفس راضية. مدرسة رمضان تعلمنا أن الصبر قوة وعزيمة، وهو من أعظم الأخلاق التي يتحلى بها المؤمن. فلنكن من الصابرين الشاكرين، ولنجعل من رمضان نقطة انطلاق نحو حياة مليئة بالصبر على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى أقدار الله، لننال بذلك الأجر العظيم ونفوز برضا الله وجنته.

465

| 21 فبراير 2026

رمضان شهر ربيع القلوب

يُعرف شهر رمضان المبارك بكونه شهر القرآن الكريم، ففيه أنزل الله تعالى كلامه المعجز، الذي هو هدى للناس. هذه الحقيقة تمنحه مكانة خاصة، وتجعله فرصة عظيمة لتعميق العلاقة بكتاب الله، ليس فقط بالتلاوة، بل بالتدبر والعمل بما جاء فيه. إنها دعوة مفتوحة للجميع ليعيشوا مع القرآن، يتنفسوا آياته، ويستنيروا بنوره. في هذا الشهر الفضيل، تتضاعف الأجور والحسنات على قراءة القرآن وتدبره، وتُفتح أبواب الفهم لآياته، وتُضاء القلوب بنور الوحي الإلهي. الهدف ليس مجرد قراءة الحروف، بل الغوص في معاني الآيات، واستشعار عظمتها، وتطبيق أحكامها في حياتنا اليومية. القرآن ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل هو منهج حياة ودستور شامل. فلنجعل من كل يوم في رمضان وردًا قرآنيًا لا ينقطع، ولنحرص على تدبر ما نقرأ، ففيه الشفاء لأمراض القلوب والنور الذي يبدد ظلمات الجهل. إن قراءة القرآن في رمضان عبادة تُحيي الروح وتُثري الفكر، وتُقرب العبد من ربه. استغلال هذه الأيام في الإقبال على القرآن يجعلنا من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته. فلنحرص على أن يكون القرآن رفيق دربنا في رمضان وبعد رمضان، نورًا يضيء لنا الطريق، وحجة لنا لا علينا، وشفيعًا لنا يوم القيامة.

201

| 20 فبراير 2026

رمضان شهر التطهير الروحي

يطُل علينا شهر رمضان المبارك كفرصة لا تُقدر بثمن للتطهير الشامل والتجديد الذاتي. إنه يتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، ليكون دعوة لتنقية القلوب والأرواح من شوائب الذنوب، وتطهير العقل من الأفكار السلبية، وتصحيح السلوكيات الخاطئة. رمضان محطة سنوية لإعادة ضبط بوصلة الحياة نحو الخالق سبحانه وتعالى. في هذا الشهر الفضيل، تتجلى رحمة الله، حيث تتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، مما يهيئ بيئة روحانية مثالية للتركيز في العبادة. الصيام مدرسة عظيمة تعلمنا الصبر والانضباط، ويقوي إرادتنا على مقاومة الشهوات، ويغرس فينا الإحساس بالفقراء. إنه تدريب عملي على التحكم في النفس وتوجيه طاقاتها نحو ما يرضي الله. التطهير الروحي في رمضان لا يقتصر على الصيام، بل يمتد ليشمل قيام الليل وتلاوة القرآن وتدبر آياته، التي تُعد ربيعًا للقلوب. إنه شهر لإعادة ترتيب الأولويات وتصحيح المسار وتجديد العهد مع الخالق على الطاعة والاستقامة. الهدف الأسمى هو الخروج بنفوس أكثر صفاءً ونقاءً، وقلوب أكثر خشوعًا، وعزيمة أقوى لمواجهة تحديات الحياة. فلنستثمر كل لحظة في هذا الشهر في بناء شخصية إسلامية متكاملة، تجمع بين قوة الإيمان وجمال الأخلاق، لتكون حياتنا كلها عبادة لله تعالى وسعيًا لنيل رضاه وجنته.

267

| 19 فبراير 2026

المعسكر الداخلي

رمضان ليس مجرد شهرٍ في التقويم، بل هو أشبه بمعسكرٍ داخليٍّ هادئ، تُطفأ فيه ضوضاء الحياة قليلًا، ويُفسَح المجال لصوت النفس كي يُسمَع بوضوح. في هذا المعسكر لا يحمل الإنسان حقيبة سفر، بل يحمل نواياه، ولا يواجه عدوًا خارجيًا، بل يواجه عاداته التي التصقت به طوال العام، تلك العادات التي قد تقوده أحيانًا من غير وعي إلى التقصير أو الغفلة. لذلك يأتي رمضان كفرصةٍ سنويةٍ فريدة، يتوقف فيها الإنسان مع نفسه وقفة مراجعة، ويعيد النظر في طريقه، وكأنه يعيد ضبط البوصلة قبل مواصلة الرحلة. في الأيام العادية، تتسلل العادات السيئة إلى حياتنا كما يتسلل الغبار إلى الأثاث، ببطءٍ ومن دون أن نلاحظ. لكن رمضان يأتي كفترة تنظيفٍ شاملة، يعيد فيها الإنسان ترتيب أولوياته، فيتوقف عن بعض المباحات أصلًا، مثل الطعام والشراب في أوقاتٍ محددة، ليتدرّب على القدرة الأهم، وهي التحكم في النفس. ومن ينجح في ترك المباح المؤقت، يصبح أقدر على ترك الخطأ الدائم، لأن القضية في جوهرها ليست الامتناع عن الطعام، بل اكتساب قوة الإرادة والانضباط الداخلي. ومن أجمل ما في هذا المعسكر أنه لا يكتفي بتعطيل العادات السيئة، بل يزرع بدلًا منها عاداتٍ حسنة. فالصلاة في وقتها تتحول إلى عادةٍ يومية، وقراءة القرآن تصبح رفيقًا ثابتًا، والصدقة تتكرر حتى تألفها اليد، واللسان يعتاد الذكر بدل الشكوى أو الغيبة. ومع مرور الأيام، يكتشف الإنسان أن الخير ليس ثقيلًا كما كان يظن، بل يحتاج فقط إلى بدايةٍ صادقة واستمرارٍ قصير، ثم يتكفّل التكرار بتحويله إلى طبعٍ دائم يستمر حتى بعد انتهاء الشهر. كما أن رمضان يدرّب الإنسان على الصبر، وهو مهارة أساسية في كل نجاح في الحياة. الصبر على الجوع، الصبر على التعب، الصبر على ضبط الانفعال، والصبر على الطاعة والاستمرار فيها. وكأن هذا الشهر يقول لنا إن من استطاع أن يصبر ثلاثين يومًا، يستطيع أن يصبر بقية العام، لأن النفس التي تعودت على الانضباط مرة، يمكنها أن تعود إليه مرات أخرى متى أرادت. ولكن قد يطرح البعض سؤالًا مهمًا: ما هو الجديد؟ كل سنة يأتي رمضان، فما الفرق؟ والحقيقة أن الفرق ليس في رمضان نفسه، بل في الإنسان. فالشهر هو ذاته، لكن القلوب تتغير، والظروف تختلف، والتجارب تتراكم. قد يدخل الإنسان رمضان هذا العام وهو أكثر نضجًا، أو أكثر حاجةً إلى التغيير، أو أكثر وعيًا بأخطائه من السنوات السابقة. الجديد هو الفرصة المتجددة، والبداية التي يمنحها الله للإنسان مرةً أخرى، وكأنها رسالة رحمة متكررة تقول إن باب التغيير ما زال مفتوحًا مهما تأخر الإنسان. إن نجاح هذا المعسكر لا يُقاس بعدد الأيام التي صامها الإنسان فقط، بل بما يبقى معه بعد انتهائه. فإذا خرج من رمضان وهو يحتفظ ببعض العادات الحسنة التي اكتسبها، ويستمر في مقاومة بعض العادات السيئة التي عطّلها، فقد حقق الهدف الحقيقي من الصيام. لأن رمضان لم يُشرع ليكون محطة مؤقتة من الطاعة، بل نقطة انطلاق لحياةٍ أفضل وأكثر توازنًا. وفي النهاية، يمكن القول إن رمضان فرصة سنوية لإعادة برمجة النفس، وصناعة نسخةٍ أقوى وأهدأ من الإنسان. ومن يفهمه على أنه معسكر تدريبٍ روحي، سيدرك أن الثلاثين يومًا ليست غاية بحد ذاتها، بل بداية طريقٍ جديد يمكن أن يمتد أثره طوال العمر.

612

| 18 فبراير 2026

من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر 2022، لم تدخل قطر مرحلة هدوء كما توقع البعض، بل بدأت فصلًا جديدًا أكثر قوة وثباتًا. ما تحقق في المونديال لم يكن قمة المشهد، بل كان فقط الإعلان الكبير عن ولادة مركز رياضي عالمي في قلب الخليج. تعالوا معي نتكلم بلغة الأرقام فقد نظمت قطر بين عامي 2023 ونهاية 2025 فقط، نحو 44 بطولة دولية كبرى، بمعدل يقارب 15 بطولة عالمية سنويًا، شملت ألعاب القوى، السباحة، التنس، الفورمولا 1، وبطولات كرة القدم بمختلف فئاتها. وعلى المستوى القاري والإقليمي، استضافت الدوحة ما يقارب من 65 بطولة آسيوية وعربية وخليجية، لتؤكد أن حضورها ليس موسميًا بل مستمر. أما داخليًا، فقد كان الحراك أوسع وأعمق. فقد تجاوز عدد الفعاليات الرياضية المجتمعية 2000 فعالية خلال ثلاث سنوات فقط، بزيادة سنوية ملحوظة، توزعت بين سباقات جري مفتوحة، مهرجانات لياقة، بطولات للهواة، وأنشطة عائلية في الحدائق والساحات العامة. وعلى مستوى المدارس والأندية، أقيمت عشرات البطولات السنوية ضمن البرنامج الأولمبي المدرسي والدوريات المحلية ونهائيات الكؤوس الوطنية، ما عزز قاعدة المشاركة من النشء حتى المحترفين، وترسيخ مفهوم أن الرياضة حق للجميع وليست حكرًا على النخبة. هذا الزخم لم يكن وليد الصدفة. قبل المونديال بسنوات، اتخذت الدولة في 2012 قرارًا عميق الدلالة حين جعلت اليوم الرياضي للدولة عطلة رسمية مدفوعة الأجر. ذلك اليوم لم يكن مجرد فعالية سنوية، بل كان بذرة وعي وطني بأن التنمية تبدأ من صحة الإنسان. ومن هناك بدأت الحكاية، يوم واحد تحوّل إلى ثقافة، وثقافة تحولت إلى استراتيجية، واستراتيجية صنعت حضورًا عالميًا. اليوم، لا تُقاس قطر بمساحتها الجغرافية ولا بطقسها الصحراوي، بل بقدرتها على تحويل التحديات إلى إنجازات. ملاعب كأس العالم لم تصبح منشآت صامتة، بل منصات نابضة بالحياة تستقبل بطولات جديدة، وجماهير من ثقافات مختلفة، وتُعيد تعريف معنى الاستدامة الرياضية. أكثر من مائة بطولة دولية وقارية، وآلاف الفعاليات المجتمعية، وملايين المشاركات الجماهيرية خلال ثلاث سنوات فقط. هذه ليست أرقامًا عابرة، بل شهادة على رؤية دولة آمنت بأن الاستثمار في الرياضة استثمار في الإنسان، وفي السمعة، وفي المستقبل. قطر اليوم ليست فقط مستضيفة للبطولات، بل صانعة للمشهد. ومن يوم رياضي وطني انطلقت مسيرة جعلت الدوحة عنوانًا دائمًا في أجندة الرياضة العالمية، ومصدر فخر لكل قطري يرى علم بلاده يرفرف في كل حدث وكل منصة وكل إنجاز

771

| 11 فبراير 2026

فريدريك ما زال حياً

حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.

1167

| 04 فبراير 2026

فلسطين ليست قضيتي

في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.

1014

| 20 يناير 2026

وانتهت الفُرص

ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس صدفة، ولا يمكن اعتباره مجرد سلسلة أزمات منفصلة. إنه درس تاريخي يتكرر، له بداية معروفة ونهاية محفوظة في كتب الأمم التي تجاهلت تجاربها السابقة. والفرق هنا أننا نقرأ هذه الدروس، ثم نصرّ على تجاهلها. سقطت الأندلس ليس لأن المسلمين كانوا قلة، ولا لأنهم كانوا أضعف عسكرياً أو علمياً، بل لأنهم انقسموا. دويلات الطوائف لم تسقط بسبب الجيوش وحدها، بل نتيجة صراعات داخلية، واستقواء بعضهم على بعض، واستخدام العدو أداةً لتدمير الأخ والدين. كل مدينة ظنت أن النار ستتوقف عند حدود جارتها، حتى التهمت الجميع. ثمانية قرون من الحضارة والعلم والعمران انتهت لأن الوحدة تآكلت من الداخل قبل أن تُكسر من الخارج. وأعاد التاريخ نفسه في بغداد، حين سقطت عاصمة الخلافة العباسية، لا لقوة التتار وحدها، بل بسبب صراعات داخلية، وخيانات، وعمى سياسي. ثم تكرر المشهد في الشام، وفي فترات متعددة من تاريخ الأمة، حيث كان الانقسام دائماً هو الثغرة الأولى، ثم يأتي الغزو كتحصيل حاصل. ما نراه اليوم في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، وليبيا، والسودان… ليس إلا فصولاً جديدة من القصة ذاتها. الفتن أولاً، ثم التدخل الخارجي، ثم التدمير، ثم البكاء على الأطلال. لا شيء جديد، سوى أننا نعيش النسخة الحديثة من المأساة. الجزيرة العربية اليوم في موقع لا يسمح لها بالحياد ولا بالانتظار. فهي عقدة جغرافية عالمية، تمر من فوقها خطوط الطيران الدولية، وتتحكم مضائقها بالتجارة العالمية، وتملك ثروات من النفط والغاز تمثل شريان طاقة العالم. ومن يظن أن هذه المكانة ستحميه تلقائياً، من دون مشروع وحدة وتكامل، يكرر خطأ الأندلس ولكن بترف أكبر. نحن نتميز عن باقي الأمم: دين واحد لغة واحدة تاريخ مشترك ومقدسات في قلب أرضنا مكة والمدينة لا تختلف عليها قلوب المسلمين. ورغم ذلك، نتصرف وكأن ما يجمعنا أقل مما يفرقنا، بينما اجتمعت أمم أخرى رغم اختلاف لغاتها وأديانها وأعراقها، بعد أن دفعت ثمناً دموياً هائلاً. لم تتحد أوروبا لأنها متجانسة، بل لأنها تعلمت بعد أن فقدت مئات الملايين في حروب داخلية طاحنة. فهل نحتاج نحن أيضاً إلى كارثة بحجمها، أو أكبر، حتى نقتنع؟ الوحدة لا تعني إلغاء الدول، ولا مصادرة السيادة، ولا فرض نموذج واحد، لكنها تعني وضوح العدو الحقيقي، وتعني أن الخلافات الداخلية لا تُدار بأيدٍ خارجية، ولا تُحل بتفكيك الداخل. وتعني أن نختلف بعقل، ونتفق على المصير. الاستمرار على هذا النحو ليس استقراراً، بل تأجيلاً للانهيار والانفجار. فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، والجغرافيا لا تحمي من يرفض فهم موقعه، والثروة لا تنقذ من لا يحسن استخدامها. السؤال ليس هل نريد الوحدة؟ السؤال الحقيقي كم دولة أخرى يجب أن تُدمَّر؟ وكم مدينة يجب أن تُهجر؟ وكم جيلاً يجب أن يُضيَّع مستقبله؟ قبل أن نعترف بأن الوحدة لم تعد حلماً رومانسياً، بل آخر خط دفاع قبل أن تأكل النار ما تبقى منا.

834

| 15 يناير 2026

معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ تحسيني محدود إلى ثقافةٍ عامة مُضرّة، ومن لباقةٍ اجتماعية إلى مرضٍ مزمن ينخر في وعي المجتمع ويشوّه القيم. نحن نعيش في زمنٍ يُكافأ فيه من يُجيد التملّق … أو سمِّه التسلّق إن شئت، ويُبعد من يملك الشجاعة ليقول هذا خطأ أو هذا لا ينبغي. زمنٌ أصبح فيه المجامل أقرب الناس إلى أصحاب المناصب، لا لأنه الأصدق، ولا لأنه الأكفأ، بل لأنه الأكثر استعدادًا لدفن الحقيقة ونفسه معها تحت ركام المديح الكاذب. أيها المسؤول، إن أخطر عدوٍّ لك ليس الناقد، بل ذاك الذي يبتسم لك دائمًا، ذاك الذي يقول لك إنك مُصيب حتى وأنت تُخطئ، والذي يصف الفشل إنجازًا، والخراب تطوّرًا. هو لا يحميك، بل يقودك، ويقودنا معك إلى الهاوية، لأن سفينة المجتمع واحدة. وأيها المواطن، حين تصمت بدعوى الأدب، وحين تُجامِل خوفًا أو طمعًا، فأنت لا تحمي نفسك، بل تُشارك في صناعة الفساد. فالمجاملة هنا ليست حيادًا، بل تواطؤاً، وليست خُلُقًا، بل تخاذلًا مموَّهًا. ألسنا أمة النصح والعدل؟ ألسنا أمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)؟لقد قتلت المجاملة الكفاءة، ورفعت الجهل إلى مواقع القرار. أصبح الجاهل محبوبًا لأنه لا يُحرج أحدًا، ولا يُربك منظومة الفشل بأسئلة محرجة، لأنه وصل إلى موقعه بالطريقة ذاتها بلا كفاءة. أما العالِم، والصادق، والمخلص المتفاني، فقد أُبعدوا لأنهم يُزعجون الضمير، ويكسرون وهم النجاح الكاذب، ويُعرّون الفشل. أيها المجتمع، لا تُبنى الأوطان بالتصفيق، ولا تنهض المؤسسات بالمديح، ولا يُصان المستقبل بالصمت. الحقيقة قد تكون مُرّة، لكنها تُنقذ وتُصلح وتُعمِّر. أما المجاملة، فهي سُمٌّ بطيء يُخدِّر الألم مؤقتًا، ثم يقتل الجسد بلا عودة. قل الحقيقة، وليس شرطًا أن تفقد بها القُرب، كُن حكيمًا، محتسبًا، صافي النيّة. قل الحقيقة، حتى لو وُصفت بالمزعج، فصوت الأذان مزعجٌ للشياطين. قل الحقيقة، لأن المجاملة لم تُنقذ وطنًا، ولم تُصلح مؤسسة، ولم تبنِ إنسانًا. إن المجتمع الذي يخاف من الصدق، مجتمعٌ محكوم عليه بالتيه. والمجتمع الذي يُكافئ المجامل، ويُعاقب الناصح، إنما يختار الهدم بمعوله، ويباشره بيده. هذه ليست دعوةً للفوضى، بل دعوةٌ للوعي. وليست تحريضًا، بل إنذارٌ حكيم.. إما أن نختار الصدق طريقًا، أو نواصل المجاملة … ونحجز مقعدًا في مدرج الفشل، نراقب من بعيد انهيار منظومة الأخلاق.

789

| 12 يناير 2026

حنا السبب

في زمنٍ لم تعد فيه الشوارع أخطر ما يهدد أطفالنا، ولا الغريب المجهول هو العدو الأول، ظهر عدوٌّ أخطر، وأشد فتكًا، عدوٌّ نُدخله نحن بأيدينا إلى بيوتنا، ونضعه بين أيدي أطفالنا، ونتركه يسهر معهم وينام قربهم بعيونٍ مفتوحة دون رقابة. خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي، هذا الخطر لا يصرخ ولا يقتحم الأبواب، بل يعمل بصمت، وبخبث، وبلا رحمة، يسرق الطفولة قطعة قطعة، ويعيد تشكيل العقول الصغيرة وفق منطق الربح، لا التربية، والمشاهدة، لا القيم. لم تعد هذه المنصات تسلية بريئة، بل أصبحت مربيًا بديلاً، ومعلمًا متسلطًا، وصانع وعي منحرف، يزرع ما يشاء، وقتما يشاء، دون أن يُسأل أو يُحاسب. الطفل كائن ضعيف أمام هذا العالم، فضولي مقلّد سريع الانجذاب، لم تتشكل لديه بعد القدرة على التمييز أو المقاومة، وحين نتركه وحيدًا أمام شاشة ذكية، فإننا عمليًا نسلّمه للخوارزميات لتربيه بالنيابة عنا. لا تُقدَّم له الحقيقة، بل ما يضمن بقاءه أطول، ولا يُزرع فيه التفكير، بل الإدمان، ولا تُبنى شخصيته، بل تُفكك. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من الآباء والأمهات يشاركون في هذه الجريمة بصمت، حين يستخدمون الهاتف واللعبة كوسيلة لإسكات الطفل، لا تربيته، للهروب من الإزعاج، لا لتحمل المسؤولية، ثم يتفاجأون لاحقًا بسلوك عدواني، أو برود عاطفي، أو طفل غريب لا يعرفونه. النتائج لم تعد خفية ولا تحتاج إلى دراسات معقدة، فهي تُرى بالعين المجرّدة ضعف التركيز، القلق الدائم، العزلة اجتماعية، التفكك الأسري، وعدوانية متزايدة. والكارثة الأكبر بوجهة نظري ليست في المحتوى نفسه، بل في أن الهاتف أصبح المرجع الأول للطفل في السؤال، والفهم، والتعلم، وحتى التربية. يسأل الهاتف قبل أن يسأل أباه، ويبحث في منصة قبل أن يرجع إلى أمه، ومع الوقت يتحول الوالدان إلى مجرد ممولين للإنترنت، بلا دور حقيقي، بلا حضور، بلا تأثير. ليس لأنهم غير مهمين، بل لأنهم اختاروا الغياب، أو الصمت، أو الراحة المؤقتة على حساب مستقبل أبنائهم. وهنا تتشكل الفجوة القاتلة، طفل يُربّى خارج البيت، بقيم مستوردة وهوية مشوشة ووعي بلا جذور. لسنا هنا أمام نقاش فلسفي، بل أمام مسؤولية أخلاقية وتربوية واضحة. لست أدعو إلى منع التقنية، وإن كنت أؤمن أن ضررها اليوم تجاوز نفعها على الأطفال، لكنني أدعو إلى شيء أبسط وأصعب في آنٍ واحد أن تتحمّل دورك كأب وكأم أن ترافق طفلك، أن تراقب، أن تناقش، أن تكون حاضرًا، أن تكون أنت الخوارزمية الأولى في حياته، لا أن تترك هذا الدور لشركات لا ترى في طفلك سوى رقم وربح وصفر يزيد المعادلة. أطفالنا ليسوا حقل تجارب، وطفولتهم ليست مشروعًا تجاريًا. إن إشغال طفلك بهذه الوسائل لتنال بعض الهدوء اليوم، سيكلّفك غدًا أضعاف ذلك تعبًا ومالًا وندمًا. طفلك هو استثمارك الحقيقي، وما تزرعه اليوم ستجنيه حتمًا غدًا، انتبه … لأن ما تُهمله الآن، ستدفع ثمنه لاحقًا، ولكن بعد فوات الأوان.

561

| 07 يناير 2026

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1557

| 23 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1317

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1116

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1092

| 21 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

741

| 24 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

729

| 20 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

705

| 21 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

642

| 20 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

570

| 22 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

567

| 19 مايو 2026

alsharq
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...

555

| 19 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

549

| 23 مايو 2026

أخبار محلية