رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رمضان ليس مجرد شهرٍ في التقويم، بل هو أشبه بمعسكرٍ داخليٍّ هادئ، تُطفأ فيه ضوضاء الحياة قليلًا، ويُفسَح المجال لصوت النفس كي يُسمَع بوضوح. في هذا المعسكر لا يحمل الإنسان حقيبة سفر، بل يحمل نواياه، ولا يواجه عدوًا خارجيًا، بل يواجه عاداته التي التصقت به طوال العام، تلك العادات التي قد تقوده أحيانًا من غير وعي إلى التقصير أو الغفلة. لذلك يأتي رمضان كفرصةٍ سنويةٍ فريدة، يتوقف فيها الإنسان مع نفسه وقفة مراجعة، ويعيد النظر في طريقه، وكأنه يعيد ضبط البوصلة قبل مواصلة الرحلة. في الأيام العادية، تتسلل العادات السيئة إلى حياتنا كما يتسلل الغبار إلى الأثاث، ببطءٍ ومن دون أن نلاحظ. لكن رمضان يأتي كفترة تنظيفٍ شاملة، يعيد فيها الإنسان ترتيب أولوياته، فيتوقف عن بعض المباحات أصلًا، مثل الطعام والشراب في أوقاتٍ محددة، ليتدرّب على القدرة الأهم، وهي التحكم في النفس. ومن ينجح في ترك المباح المؤقت، يصبح أقدر على ترك الخطأ الدائم، لأن القضية في جوهرها ليست الامتناع عن الطعام، بل اكتساب قوة الإرادة والانضباط الداخلي. ومن أجمل ما في هذا المعسكر أنه لا يكتفي بتعطيل العادات السيئة، بل يزرع بدلًا منها عاداتٍ حسنة. فالصلاة في وقتها تتحول إلى عادةٍ يومية، وقراءة القرآن تصبح رفيقًا ثابتًا، والصدقة تتكرر حتى تألفها اليد، واللسان يعتاد الذكر بدل الشكوى أو الغيبة. ومع مرور الأيام، يكتشف الإنسان أن الخير ليس ثقيلًا كما كان يظن، بل يحتاج فقط إلى بدايةٍ صادقة واستمرارٍ قصير، ثم يتكفّل التكرار بتحويله إلى طبعٍ دائم يستمر حتى بعد انتهاء الشهر. كما أن رمضان يدرّب الإنسان على الصبر، وهو مهارة أساسية في كل نجاح في الحياة. الصبر على الجوع، الصبر على التعب، الصبر على ضبط الانفعال، والصبر على الطاعة والاستمرار فيها. وكأن هذا الشهر يقول لنا إن من استطاع أن يصبر ثلاثين يومًا، يستطيع أن يصبر بقية العام، لأن النفس التي تعودت على الانضباط مرة، يمكنها أن تعود إليه مرات أخرى متى أرادت. ولكن قد يطرح البعض سؤالًا مهمًا: ما هو الجديد؟ كل سنة يأتي رمضان، فما الفرق؟ والحقيقة أن الفرق ليس في رمضان نفسه، بل في الإنسان. فالشهر هو ذاته، لكن القلوب تتغير، والظروف تختلف، والتجارب تتراكم. قد يدخل الإنسان رمضان هذا العام وهو أكثر نضجًا، أو أكثر حاجةً إلى التغيير، أو أكثر وعيًا بأخطائه من السنوات السابقة. الجديد هو الفرصة المتجددة، والبداية التي يمنحها الله للإنسان مرةً أخرى، وكأنها رسالة رحمة متكررة تقول إن باب التغيير ما زال مفتوحًا مهما تأخر الإنسان. إن نجاح هذا المعسكر لا يُقاس بعدد الأيام التي صامها الإنسان فقط، بل بما يبقى معه بعد انتهائه. فإذا خرج من رمضان وهو يحتفظ ببعض العادات الحسنة التي اكتسبها، ويستمر في مقاومة بعض العادات السيئة التي عطّلها، فقد حقق الهدف الحقيقي من الصيام. لأن رمضان لم يُشرع ليكون محطة مؤقتة من الطاعة، بل نقطة انطلاق لحياةٍ أفضل وأكثر توازنًا. وفي النهاية، يمكن القول إن رمضان فرصة سنوية لإعادة برمجة النفس، وصناعة نسخةٍ أقوى وأهدأ من الإنسان. ومن يفهمه على أنه معسكر تدريبٍ روحي، سيدرك أن الثلاثين يومًا ليست غاية بحد ذاتها، بل بداية طريقٍ جديد يمكن أن يمتد أثره طوال العمر.
507
| 18 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر 2022، لم تدخل قطر مرحلة هدوء كما توقع البعض، بل بدأت فصلًا جديدًا أكثر قوة وثباتًا. ما تحقق في المونديال لم يكن قمة المشهد، بل كان فقط الإعلان الكبير عن ولادة مركز رياضي عالمي في قلب الخليج. تعالوا معي نتكلم بلغة الأرقام فقد نظمت قطر بين عامي 2023 ونهاية 2025 فقط، نحو 44 بطولة دولية كبرى، بمعدل يقارب 15 بطولة عالمية سنويًا، شملت ألعاب القوى، السباحة، التنس، الفورمولا 1، وبطولات كرة القدم بمختلف فئاتها. وعلى المستوى القاري والإقليمي، استضافت الدوحة ما يقارب من 65 بطولة آسيوية وعربية وخليجية، لتؤكد أن حضورها ليس موسميًا بل مستمر. أما داخليًا، فقد كان الحراك أوسع وأعمق. فقد تجاوز عدد الفعاليات الرياضية المجتمعية 2000 فعالية خلال ثلاث سنوات فقط، بزيادة سنوية ملحوظة، توزعت بين سباقات جري مفتوحة، مهرجانات لياقة، بطولات للهواة، وأنشطة عائلية في الحدائق والساحات العامة. وعلى مستوى المدارس والأندية، أقيمت عشرات البطولات السنوية ضمن البرنامج الأولمبي المدرسي والدوريات المحلية ونهائيات الكؤوس الوطنية، ما عزز قاعدة المشاركة من النشء حتى المحترفين، وترسيخ مفهوم أن الرياضة حق للجميع وليست حكرًا على النخبة. هذا الزخم لم يكن وليد الصدفة. قبل المونديال بسنوات، اتخذت الدولة في 2012 قرارًا عميق الدلالة حين جعلت اليوم الرياضي للدولة عطلة رسمية مدفوعة الأجر. ذلك اليوم لم يكن مجرد فعالية سنوية، بل كان بذرة وعي وطني بأن التنمية تبدأ من صحة الإنسان. ومن هناك بدأت الحكاية، يوم واحد تحوّل إلى ثقافة، وثقافة تحولت إلى استراتيجية، واستراتيجية صنعت حضورًا عالميًا. اليوم، لا تُقاس قطر بمساحتها الجغرافية ولا بطقسها الصحراوي، بل بقدرتها على تحويل التحديات إلى إنجازات. ملاعب كأس العالم لم تصبح منشآت صامتة، بل منصات نابضة بالحياة تستقبل بطولات جديدة، وجماهير من ثقافات مختلفة، وتُعيد تعريف معنى الاستدامة الرياضية. أكثر من مائة بطولة دولية وقارية، وآلاف الفعاليات المجتمعية، وملايين المشاركات الجماهيرية خلال ثلاث سنوات فقط. هذه ليست أرقامًا عابرة، بل شهادة على رؤية دولة آمنت بأن الاستثمار في الرياضة استثمار في الإنسان، وفي السمعة، وفي المستقبل. قطر اليوم ليست فقط مستضيفة للبطولات، بل صانعة للمشهد. ومن يوم رياضي وطني انطلقت مسيرة جعلت الدوحة عنوانًا دائمًا في أجندة الرياضة العالمية، ومصدر فخر لكل قطري يرى علم بلاده يرفرف في كل حدث وكل منصة وكل إنجاز
684
| 11 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
1107
| 04 فبراير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
873
| 20 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس صدفة، ولا يمكن اعتباره مجرد سلسلة أزمات منفصلة. إنه درس تاريخي يتكرر، له بداية معروفة ونهاية محفوظة في كتب الأمم التي تجاهلت تجاربها السابقة. والفرق هنا أننا نقرأ هذه الدروس، ثم نصرّ على تجاهلها. سقطت الأندلس ليس لأن المسلمين كانوا قلة، ولا لأنهم كانوا أضعف عسكرياً أو علمياً، بل لأنهم انقسموا. دويلات الطوائف لم تسقط بسبب الجيوش وحدها، بل نتيجة صراعات داخلية، واستقواء بعضهم على بعض، واستخدام العدو أداةً لتدمير الأخ والدين. كل مدينة ظنت أن النار ستتوقف عند حدود جارتها، حتى التهمت الجميع. ثمانية قرون من الحضارة والعلم والعمران انتهت لأن الوحدة تآكلت من الداخل قبل أن تُكسر من الخارج. وأعاد التاريخ نفسه في بغداد، حين سقطت عاصمة الخلافة العباسية، لا لقوة التتار وحدها، بل بسبب صراعات داخلية، وخيانات، وعمى سياسي. ثم تكرر المشهد في الشام، وفي فترات متعددة من تاريخ الأمة، حيث كان الانقسام دائماً هو الثغرة الأولى، ثم يأتي الغزو كتحصيل حاصل. ما نراه اليوم في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، وليبيا، والسودان… ليس إلا فصولاً جديدة من القصة ذاتها. الفتن أولاً، ثم التدخل الخارجي، ثم التدمير، ثم البكاء على الأطلال. لا شيء جديد، سوى أننا نعيش النسخة الحديثة من المأساة. الجزيرة العربية اليوم في موقع لا يسمح لها بالحياد ولا بالانتظار. فهي عقدة جغرافية عالمية، تمر من فوقها خطوط الطيران الدولية، وتتحكم مضائقها بالتجارة العالمية، وتملك ثروات من النفط والغاز تمثل شريان طاقة العالم. ومن يظن أن هذه المكانة ستحميه تلقائياً، من دون مشروع وحدة وتكامل، يكرر خطأ الأندلس ولكن بترف أكبر. نحن نتميز عن باقي الأمم: دين واحد لغة واحدة تاريخ مشترك ومقدسات في قلب أرضنا مكة والمدينة لا تختلف عليها قلوب المسلمين. ورغم ذلك، نتصرف وكأن ما يجمعنا أقل مما يفرقنا، بينما اجتمعت أمم أخرى رغم اختلاف لغاتها وأديانها وأعراقها، بعد أن دفعت ثمناً دموياً هائلاً. لم تتحد أوروبا لأنها متجانسة، بل لأنها تعلمت بعد أن فقدت مئات الملايين في حروب داخلية طاحنة. فهل نحتاج نحن أيضاً إلى كارثة بحجمها، أو أكبر، حتى نقتنع؟ الوحدة لا تعني إلغاء الدول، ولا مصادرة السيادة، ولا فرض نموذج واحد، لكنها تعني وضوح العدو الحقيقي، وتعني أن الخلافات الداخلية لا تُدار بأيدٍ خارجية، ولا تُحل بتفكيك الداخل. وتعني أن نختلف بعقل، ونتفق على المصير. الاستمرار على هذا النحو ليس استقراراً، بل تأجيلاً للانهيار والانفجار. فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، والجغرافيا لا تحمي من يرفض فهم موقعه، والثروة لا تنقذ من لا يحسن استخدامها. السؤال ليس هل نريد الوحدة؟ السؤال الحقيقي كم دولة أخرى يجب أن تُدمَّر؟ وكم مدينة يجب أن تُهجر؟ وكم جيلاً يجب أن يُضيَّع مستقبله؟ قبل أن نعترف بأن الوحدة لم تعد حلماً رومانسياً، بل آخر خط دفاع قبل أن تأكل النار ما تبقى منا.
747
| 15 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ تحسيني محدود إلى ثقافةٍ عامة مُضرّة، ومن لباقةٍ اجتماعية إلى مرضٍ مزمن ينخر في وعي المجتمع ويشوّه القيم. نحن نعيش في زمنٍ يُكافأ فيه من يُجيد التملّق … أو سمِّه التسلّق إن شئت، ويُبعد من يملك الشجاعة ليقول هذا خطأ أو هذا لا ينبغي. زمنٌ أصبح فيه المجامل أقرب الناس إلى أصحاب المناصب، لا لأنه الأصدق، ولا لأنه الأكفأ، بل لأنه الأكثر استعدادًا لدفن الحقيقة ونفسه معها تحت ركام المديح الكاذب. أيها المسؤول، إن أخطر عدوٍّ لك ليس الناقد، بل ذاك الذي يبتسم لك دائمًا، ذاك الذي يقول لك إنك مُصيب حتى وأنت تُخطئ، والذي يصف الفشل إنجازًا، والخراب تطوّرًا. هو لا يحميك، بل يقودك، ويقودنا معك إلى الهاوية، لأن سفينة المجتمع واحدة. وأيها المواطن، حين تصمت بدعوى الأدب، وحين تُجامِل خوفًا أو طمعًا، فأنت لا تحمي نفسك، بل تُشارك في صناعة الفساد. فالمجاملة هنا ليست حيادًا، بل تواطؤاً، وليست خُلُقًا، بل تخاذلًا مموَّهًا. ألسنا أمة النصح والعدل؟ ألسنا أمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)؟لقد قتلت المجاملة الكفاءة، ورفعت الجهل إلى مواقع القرار. أصبح الجاهل محبوبًا لأنه لا يُحرج أحدًا، ولا يُربك منظومة الفشل بأسئلة محرجة، لأنه وصل إلى موقعه بالطريقة ذاتها بلا كفاءة. أما العالِم، والصادق، والمخلص المتفاني، فقد أُبعدوا لأنهم يُزعجون الضمير، ويكسرون وهم النجاح الكاذب، ويُعرّون الفشل. أيها المجتمع، لا تُبنى الأوطان بالتصفيق، ولا تنهض المؤسسات بالمديح، ولا يُصان المستقبل بالصمت. الحقيقة قد تكون مُرّة، لكنها تُنقذ وتُصلح وتُعمِّر. أما المجاملة، فهي سُمٌّ بطيء يُخدِّر الألم مؤقتًا، ثم يقتل الجسد بلا عودة. قل الحقيقة، وليس شرطًا أن تفقد بها القُرب، كُن حكيمًا، محتسبًا، صافي النيّة. قل الحقيقة، حتى لو وُصفت بالمزعج، فصوت الأذان مزعجٌ للشياطين. قل الحقيقة، لأن المجاملة لم تُنقذ وطنًا، ولم تُصلح مؤسسة، ولم تبنِ إنسانًا. إن المجتمع الذي يخاف من الصدق، مجتمعٌ محكوم عليه بالتيه. والمجتمع الذي يُكافئ المجامل، ويُعاقب الناصح، إنما يختار الهدم بمعوله، ويباشره بيده. هذه ليست دعوةً للفوضى، بل دعوةٌ للوعي. وليست تحريضًا، بل إنذارٌ حكيم.. إما أن نختار الصدق طريقًا، أو نواصل المجاملة … ونحجز مقعدًا في مدرج الفشل، نراقب من بعيد انهيار منظومة الأخلاق.
675
| 12 يناير 2026
في زمنٍ لم تعد فيه الشوارع أخطر ما يهدد أطفالنا، ولا الغريب المجهول هو العدو الأول، ظهر عدوٌّ أخطر، وأشد فتكًا، عدوٌّ نُدخله نحن بأيدينا إلى بيوتنا، ونضعه بين أيدي أطفالنا، ونتركه يسهر معهم وينام قربهم بعيونٍ مفتوحة دون رقابة. خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي، هذا الخطر لا يصرخ ولا يقتحم الأبواب، بل يعمل بصمت، وبخبث، وبلا رحمة، يسرق الطفولة قطعة قطعة، ويعيد تشكيل العقول الصغيرة وفق منطق الربح، لا التربية، والمشاهدة، لا القيم. لم تعد هذه المنصات تسلية بريئة، بل أصبحت مربيًا بديلاً، ومعلمًا متسلطًا، وصانع وعي منحرف، يزرع ما يشاء، وقتما يشاء، دون أن يُسأل أو يُحاسب. الطفل كائن ضعيف أمام هذا العالم، فضولي مقلّد سريع الانجذاب، لم تتشكل لديه بعد القدرة على التمييز أو المقاومة، وحين نتركه وحيدًا أمام شاشة ذكية، فإننا عمليًا نسلّمه للخوارزميات لتربيه بالنيابة عنا. لا تُقدَّم له الحقيقة، بل ما يضمن بقاءه أطول، ولا يُزرع فيه التفكير، بل الإدمان، ولا تُبنى شخصيته، بل تُفكك. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من الآباء والأمهات يشاركون في هذه الجريمة بصمت، حين يستخدمون الهاتف واللعبة كوسيلة لإسكات الطفل، لا تربيته، للهروب من الإزعاج، لا لتحمل المسؤولية، ثم يتفاجأون لاحقًا بسلوك عدواني، أو برود عاطفي، أو طفل غريب لا يعرفونه. النتائج لم تعد خفية ولا تحتاج إلى دراسات معقدة، فهي تُرى بالعين المجرّدة ضعف التركيز، القلق الدائم، العزلة اجتماعية، التفكك الأسري، وعدوانية متزايدة. والكارثة الأكبر بوجهة نظري ليست في المحتوى نفسه، بل في أن الهاتف أصبح المرجع الأول للطفل في السؤال، والفهم، والتعلم، وحتى التربية. يسأل الهاتف قبل أن يسأل أباه، ويبحث في منصة قبل أن يرجع إلى أمه، ومع الوقت يتحول الوالدان إلى مجرد ممولين للإنترنت، بلا دور حقيقي، بلا حضور، بلا تأثير. ليس لأنهم غير مهمين، بل لأنهم اختاروا الغياب، أو الصمت، أو الراحة المؤقتة على حساب مستقبل أبنائهم. وهنا تتشكل الفجوة القاتلة، طفل يُربّى خارج البيت، بقيم مستوردة وهوية مشوشة ووعي بلا جذور. لسنا هنا أمام نقاش فلسفي، بل أمام مسؤولية أخلاقية وتربوية واضحة. لست أدعو إلى منع التقنية، وإن كنت أؤمن أن ضررها اليوم تجاوز نفعها على الأطفال، لكنني أدعو إلى شيء أبسط وأصعب في آنٍ واحد أن تتحمّل دورك كأب وكأم أن ترافق طفلك، أن تراقب، أن تناقش، أن تكون حاضرًا، أن تكون أنت الخوارزمية الأولى في حياته، لا أن تترك هذا الدور لشركات لا ترى في طفلك سوى رقم وربح وصفر يزيد المعادلة. أطفالنا ليسوا حقل تجارب، وطفولتهم ليست مشروعًا تجاريًا. إن إشغال طفلك بهذه الوسائل لتنال بعض الهدوء اليوم، سيكلّفك غدًا أضعاف ذلك تعبًا ومالًا وندمًا. طفلك هو استثمارك الحقيقي، وما تزرعه اليوم ستجنيه حتمًا غدًا، انتبه … لأن ما تُهمله الآن، ستدفع ثمنه لاحقًا، ولكن بعد فوات الأوان.
477
| 07 يناير 2026
يشتعل العالم، يُسفك الدم، يطحن الفقر الملايين، والحروب تلتهم الأوطان، بينما الناس – وخصوصًا الشباب – غارقون في شاشات هواتفهم، يتنقلون بين صور إنستغرام ومقاطع فارغة وترندات تضر ولا تنفع. أصبحنا نعيش في زمنٍ غريب، زمنٍ تمرّ فيه الجرائم والفظائع وكأنها أخبار طقس لا تستحق التوقف. لا أحد يكاد يعير اهتمامًا لما يحدث من حوله، وكأن المآسي صارت عبئًا ثقيلًا على المزاج يجب الهروب منه. وهنا سؤال يفرض نفسه بقسوة… هل تبلدت مشاعر الناس؟ هل ملّوا من الأخبار؟ أم أن الضمائر فعلًا بدأت تموت بصمت وبلا جنازة؟ لم يعد مشهد الدمار صادمًا، ولا صور الجوعى توقظ الغضب، ولا صرخات الضحايا تحرّك شيئًا في الداخل. أصبح الألم مألوفًا، والظلم مُعتاداً، حتى فقد قيمته في سوق التفاعل. نمرّ على الأخبار كما نمرّ على الإعلانات، بنظرة سريعة ثم نكمل التمرير، وكأننا تعودنا على القبح إلى درجة أنه لم يعد يؤلم الروح قبل العين. الخطر هنا ليس في كثرة الجرائم وحدها، بل في اعتيادنا عليها، وفي قدرتنا المخيفة على التعايش معها. فمثلاً ما يحدث في فنزويلا خبر خطير وصادم، خُطف فيه رئيس دولة وزوجته أمام العالم، حدث يمسّ سيادة دولة كاملة ويكشف حجم الفوضى والاستخفاف بالقانون الدولي، ومع ذلك مرّ وكأنه لم يكن. لا أحد يكتب، لا أحد يغرد، لا منشورات ولا نقاشات حقيقية. صمتٌ جماعيّ يثير الرعب أكثر من الحدث نفسه. كيف يمكن أن يُخطف رئيس دولة، رمز السيادة والقرار، ولا تهتز المنصات ولا ترتجف الضمائر؟ الإجابة المؤلمة الناس مشغولة بجمع ما تبعثر من حفلة رأس السنة، وبتزيين الصور، وبمتابعة أخبار تافهة. وفي الوقت نفسه، نرى كيف تراجعت أخبار غزة أو لنقل تلاشت تدريجيًا من الصفحات، لا لأن المأساة انتهت، بل لأن الاهتمام مات. وكأن معاناة الشعوب لها تاريخ صلاحية، وبعده تصبح ذكرى ثقيلة لا يريد أحد حملها. ما يحدث اليوم ليس مجرد انشغال أو إرهاق نفسي، بل أزمة ضمير حقيقية. عالمٌ لا يتألم ولا يغضب ولا يسأل هو عالم فقد بوصلته الأخلاقية. السؤال الأخطر ليس لماذا كل هذا الشر، بل لماذا لم نعد نراه شرًا أصلًا، ولم نعد نسأل من أين يأتي وكيف يتكرر. فحين نصبح غير مبالين، لا نكون قد خسرنا إنسانيتنا فجأة، بل نكون قد سلّمناها قطعةً قطعة، ونحن نمرّر الشاشة إلى الأعلى.
822
| 05 يناير 2026
لا تمثّل نهاية العام مجرد انتقال زمني، بل تشكّل محطة فكرية واجتماعية تتقاطع فيها الذاكرة مع التطلعات، وتُستعاد فيها التجربة كاملة قبل الانتقال إلى صفحة جديدة. ففي مثل هذه اللحظات، لا تكون المراجعة مضيعة للوقت، بل ضرورة؛ لأن المجتمعات والأفراد الذين لا يتوقفون للتأمل، غالبًا ما يكررون الأخطاء ذاتها بأشكال مختلفة. إن ختام العام بصورة واعية لا يقوم على استدعاء الندم أو تضخيم الإخفاقات، بل على قراءة متزنة لما تحقق، وما كان ممكنًا ولم يكن مهيّأً بعد. فكل تجربة، مهما بدت قاسية، تحمل في جوهرها قيمة معرفية. ومن يحسن التقاط هذه القيمة، يحوّل نهاية العام من لحظة حساب عاطفي إلى خطوة إعداد عقلاني لما هو قادم. أما الدخول إلى عام جديد، فلا ينبغي أن يُبنى على اندفاع مؤقت أو قرارات عجولة سرعان ما تتلاشى مع ضغوط الواقع، بل على رؤية واضحة تستند إلى فهم الذات وحدودها، وإدراك السياق الذي يتحرك فيه الفرد أو المؤسسة على حد سواء. فالتخطيط الحقيقي لا يعني التنبؤ بكل التفاصيل، بل امتلاك اتجاه واضح محدد الزمن والكيفية، يسمح بالمرونة دون فقدان الهدف. وفي هذا الإطار، تصبح جودة القرارات أهم من كثرتها، كما يغدو الوضوح عنصرًا حاسمًا في الاستمرارية. ويفرض الواقع المعاصر معادلة مختلفة للنجاح؛ فالموارد وحدها لم تعد كافية، بل باتت القدرة على التعلم المستمر، وتحديث المهارات، وإدارة الوقت والجهد، ومعرفة توظيف الذكاء الاصطناعي، من أبرز عناصر التقدم. فالعام الجديد فرصة لإعادة النظر في الأولويات، وفي نوعية الجهد المبذول، لا في حجمه فقط. كما أنه مناسبة لإعادة تقييم العلاقات المهنية والشخصية، والتمييز بين ما يعزز النمو وما يستنزفه بصمت. ولا تكتمل البدايات الجيدة دون مصالحة داخلية حقيقية؛ فالدخول إلى عام جديد بعقلية مثقلة بالاستياء أو التردد يعيد إنتاج الإرباك ذاته، حتى وإن تغيّرت الظروف. إن إغلاق الملفات العالقة، وتصفية النوايا، والتخلي عن عادات لم تعد تخدم الأهداف، يمنح الزمن الجديد معنى مختلفًا، ويجعل الانطلاق أكثر توازنًا وثباتًا. ختامًا، لا يحمل العام الجديد حلولًا جاهزة ولا وعودًا تلقائية، لكنه يفتح مساحة جديدة للمبادرة، ويمنح فرصة مجانية للتغيير، لمن يدرك أن التغيير يبدأ بالوعي، ويستمر بالالتزام، ويكتمل بالفعل الجاد. فالبدايات القوية لا تصنعها الصدف، بل يصنعها التخطيط الواعي لما نريد أن نكون عليه. كما أن النهايات الناضجة لا تتحقق دون مراجعة متزنة. وبين نهاية عام وبداية آخر، تتجدد الفرصة لبناء مسار أكثر وضوحًا، وأكثر انسجامًا مع الطموح والواقع معًا.
579
| 31 ديسمبر 2025
لماذا تقاعست دول عربية وإسلامية عن إنجاز مثل هذا العمل قبل قطر؟ لأن المعجم التاريخي للغة العربية ليس مشروعًا سهلًا، ولا سريع النتائج. فهو يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وصبرٍ مؤسسي طويل، وتمويلٍ مستدام، وفِرق علمية تعمل سنواتٍ متواصلة دون ضجيج إعلامي أو مكاسب سياسية مباشرة. وكثير من الدول، رغم إمكاناتها المالية الضخمة، فضّلت المشاريع سريعة الأثر، أو انشغلت بأولويات آنية تحقق عوائد مادية، فأُهملت المشاريع المعرفية العميقة التي لا تُؤتي ثمارها فورًا. في هذا السياق، اختارت قطر أن تستثمر في مشروع لا يدرّ أرباحًا، ولا يبرز في صورة عابرة أو مؤتمر احتفالي، بل يقوم على سنوات من العمل الصامت، والبحث الدقيق، والصبر الطويل. وهذا الاختيار بحد ذاته رسالة حضارية واضحة، مفادها أن بناء الإنسان يبدأ ببناء أدوات معرفته، وأن اللغة ليست سلعة، بل أساس للوعي والهوية والتواصل. واليوم، يخدم معجم الدوحة التاريخي للغة العربية القارئ العادي حين يقرأ نصًا تراثيًا فيفهمه كما أُريد له أن يُفهم، لا كما توحي به معانٍ أخرى أو معانٍ معاصرة طارئة. وكذلك يخدم الطالب حين يدرس، والباحث حين يكتب، والقاضي حين يفسّر نصًا، والمُشرِّع حين يصوغ قانونًا، والمفكّر حين يناقش مفهومًا، والإعلامي حين يُعد خطابًا عامًا لا يلتبس معناه بين بلد وآخر. والأهم أن المعجم يسهم عمليًا في توحيد المصطلحات في العالم العربي، وهي مشكلة تعاني منها الجامعات ومراكز البحث منذ عقود، حيث يختلف معنى المصطلح الواحد بين دولة وأخرى، بل أحيانًا بين مؤسسة وأخرى. وعندما تتوحّد دلالة المصطلح، يصبح الحوار العلمي أكثر دقة، ويقلّ الخلاف القائم على سوء الفهم اللغوي لا على الاختلاف الحقيقي في الرأي. ولتقريب المعنى إلى القارئ أكثر، يمكن مقارنة هذا المشروع بمعاجم عالمية راسخة، مثل Oxford English Dictionary، الذي لا يُعدّ مجرد قاموس، بل مرجعًا حضاريًا تعتمد عليه الجامعات، والمحاكم، ووسائل الإعلام، والباحثون لفهم تطوّر اللغة الإنجليزية وتحول معانيها بدقة. وكذلك الحال مع المعاجم التاريخية الفرنسية والألمانية، التي تُعد ركائز أساسية في البحث العلمي والفكري. واليوم، وبفضل هذا المشروع، تمتلك اللغة العربية للمرة الأولى في تاريخها المدوّن، وبعد أكثر من ألف عام من التأليف المعجمي، معجمًا تاريخيًا يربط اللفظة بزمنها، ويؤرّخ لمسار معناها، ويكشف تحوّلات دلالتها عبر العصور، لا أن يكتفي بشرحها كما استقرّت في زمن واحد. والفضل في ذلك، بعد توفيق الله، يعود إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدّى، الذي تبنّى هذا المشروع الحضاري ووقف خلفه لسنوات طويلة، إيمانًا بأن خدمة اللغة العربية استثمار في الإنسان، وأن المشاريع المعرفية العميقة هي التي تصنع أثرها الحقيقي مع الزمن. لقد أصبح بين أيدينا اليوم مرجع تاريخي يُحتكم إليه، ويُبنى عليه، ويمنح اللغة العربية المكانة التي تستحقها بين لغات العالم الحيّة. فكما لا يمكن دراسة الفكر الغربي دون الرجوع إلى معاجمه التاريخية، لن يكون ممكنًا مستقبلًا دراسة التراث العربي، أو فكره، أو لغته، دون العودة إلى معجم عربي جامع أنجز ما أنجزه معجم الدوحة التاريخي. ومن هنا، تتجلّى قيمة ما أُنجز؛ فمعجم الدوحة التاريخي لم يأتِ ليسدّ نقصًا لغويًا فحسب، بل ليقدّم نموذجًا لما تصنعه الإرادة حين تلتقي المعرفة بالرؤية الحضارية. إنه مشروع يخدم الحاضر، ويؤسّس للمستقبل، ويؤكد أن اللغة العربية قادرة، متى وُجد من يرعاها علميًا، أن تكون لغة معرفة دقيقة في زمن التحديات الكبرى.
822
| 24 ديسمبر 2025
في اليوم الوطني، كثيرًا ما نتوقف عند ما قدّمه الوطن لمواطنيه ومقيميِه من أمنٍ واستقرار وفرص. غير أن السؤال الأعمق، والأكثر صدقًا، يظل حاضرًا بإلحاحه الهادئ: ما حقُّ الوطن علينا؟ حين قال الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إنه حوّل قطر إلى جنة إلى دولةٍ حقيقية، لم يكن الحديث عن رفاهٍ عابر أو منجزٍ مرحلي، بل عن رؤيةٍ تؤمن بأن الوطن لا يُبنى بالحجر وحده، بل بالإنسان؛ إنسانٍ محفوظ الكرامة، واعٍ بدوره، مدرك أن السيادة الحقيقية تبدأ من الداخل، من الشعور بالمسؤولية قبل المطالبة بالحقوق. ثم جاء دور حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى حفظه الله، ليُترجم هذه الرؤية في لحظاتٍ كانت فيها المعاني تُختبر لا تُقال. فالدولة الحقيقية لا تُقاس بما تملكه في أوقات الرخاء، بل بما تحمله من ثباتٍ ووحدة حين تضيق الخيارات. وقد أثبتت قطر، بقيادته، أن الوطن القوي هو الذي يثق بشعبه، ويستمد قوته من تماسك مجتمعه، وهدوء قراره، ووضوح بوصلته. الدولة الحقيقية لا تكتفي بأن تعطي، بل تُذكّر أبناءها بأن العطاء مسؤولية متبادلة. حقُّ الوطن على المواطن أن يشعر أن كل موقع يشغله هو موقع تمثيل، وأن كل عمل يؤديه هو رسالة. أن يُتقن لا خوفًا من رقابة، بل وفاءً لانتماء. فالمواطنة ليست صفة تُكتب في الوثائق، بل سلوكٌ يومي يُمارَس في العمل، والشارع، والكلمة، والموقف. وحقُّ الوطن على المقيم لا يقل عمقًا؛ فالإقامة في وطنٍ اختار أن يكون كريمًا وعادلاً ليست علاقة عابرة أو منفعة مؤقتة، بل شراكة أخلاقية وإنسانية. احترام القانون، وصون القيم، والإسهام الإيجابي، ليست واجبات مفروضة، بل ردٌّ طبيعي على وطنٍ منح الأمان والفرصة. فالمقيم، كما المواطن، جزء من صورة هذا البلد أمام نفسه وأمام العالم. الوطن لا يطلب المستحيل. يطلب الصدق. يطلب أن نختلف دون أن نُسيء، وأن ننتقد بدافع الإصلاح لا الهدم، وأن نفهم أن القانون ليس قيدًا، بل عقد ثقة يحفظ الحقوق ويصون الكرامة للجميع. في اليوم الوطني، لا يكفي أن نفتخر بما كانت عليه قطر، ولا بما أصبحت عليه، إن لم يصاحب ذلك سؤالٌ صريح نوجهه لأنفسنا: هل نحن اليوم على قدر هذا الوطن؟ فالأوطان القوية لا تقوم فقط على حكمة قيادتها، بل على وعي أهلها، وعلى شعورهم بأن هذا الوطن أمانة في أعناقهم. هكذا أُسِّسَت قطر وهكذا تُدار اليوم وهكذا تبقى دولةً حقيقية، حين يتحوّل حبّها في قلوبنا إلى مسؤولية رد الجميل.
561
| 18 ديسمبر 2025
لم يكن ما فعلته منصة (إكس) مؤخرًا مجرّد تحديثٍ تقني أو خطوةٍ إدارية عابرة، بل كان دون مبالغة لحظةً كاشفة. فحين سمحت منصة (إكس) بقرارٍ مباشر من مالكها إيلون ماسك، بظهور بيانات الهوية الجغرافية للحسابات، لم تنكشف حسابات أفرادٍ فحسب، بل انكشفت منظوماتٌ كاملة، دولٌ وغرف عمليات، وشبكات منظمة وحسابات تتحدث بلسان العرب والمسلمين، بينما تُدار من خارجهم. تلك اللحظة أزاحت الستار عن مسرحٍ رقميٍّ ظلّ لسنوات يُدار في الخفاء، تُخاض فيه معارك وهمية، وتُشعل فيه نيران الفتنة بأيدٍ لا نراها، وبأصواتٍ لا تنتمي لما تدّعيه. وحين كُشفت هويات المستخدمين، وظهرت بلدان تشغيل الحسابات ومواقعها الفعلية، تبيّن بوضوحٍ لا يحتمل التأويل أن جزءًا كبيرًا من الهجوم المتبادل بين العرب والمسلمين لم يكن عفويًا ولا شعبيًا، بل كان مفتعلًا ومُدارًا ومموّلًا. حساباتٌ تتكلم بلهجة هذه الدولة، وتنتحل هوية تلك الطائفة، وتدّعي الغيرة على هذا الدين أو ذاك الوطن، بينما تُدار فعليًا من غرفٍ بعيدة، خارج الجغرافيا. والحقيقة أن المعركة لم تكن يومًا بين الشعوب، بل كانت ولا تزال حربًا على وعي الشعوب. لقد انكشفت حقيقة مؤلمة، لكنها ضرورية: أن كثيرًا مما نظنه خلافًا شعبيًا لم يكن إلا وقودًا رقميًا لسياسات خارجية، وأجندات ترى في وحدة المسلمين خطرًا، وفي تماسكهم تهديدًا، وفي اختلافهم فرصةً لا تُفوّت. فتُضخ التغريدات، وتُدار الهاشتاقات، ويُصنع الغضب، ويُعاد تدوير الكراهية، حتى تبدو وكأنها رأي عام، بينما هي في حقيقتها رأيٌ مُصنَّع. وما إن سقط القناع، حتى ظهر التناقض الصارخ بين الواقع الرقمي والواقع الإنساني الحقيقي. وهنا تتجلى حقيقة أعترف أنني لم أكن أؤمن بها من قبل، حقيقة غيّرت فكري ونظرتي للأحداث الرياضية، بعد ابتعادي عنها وعدم حماسي للمشاركة فيها، لكن ما حدث في قطر، خلال كأس العرب، غيّر رأيي كليًا. هنا رأيت الحقيقة كما هي: رأيت الشعوب العربية تتعانق لا تتصارع، وتهتف لبعضها لا ضد بعضها. رأيت الحب، والفرح، والاحترام، والاعتزاز المشترك، بلا هاشتاقات ولا رتويت، بلا حسابات وهمية، ولا جيوش إلكترونية. هناك في المدرجات، انهارت رواية الكراهية، وسقط وهم أن الشعوب تكره بعضها، وتأكد أن ما يُضخ في الفضاء الرقمي لا يمثل الشعوب، بل يمثل من يريد تفريق الأمة وتمزيق لُحمتها. فالدوحة لم تكن بطولة كرة قدم فحسب، بل كانت استفتاءً شعبيًا صامتًا، قال فيه الناس بوضوح: بلادُ العُرب أوطاني، وكلُّ العُربِ إخواني. وما حدث على منصة (إكس) لا يجب أن يمرّ مرور الكرام، لأنه يضع أمامنا سؤالًا مصيريًا: هل سنظل نُستدرج إلى معارك لا نعرف من أشعلها، ومن المستفيد منها؟ لقد ثبت أن الكلمة قد تكون سلاحًا، وأن الحساب الوهمي قد يكون أخطر من طائرةٍ مُسيّرة، وأن الفتنة حين تُدار باحتراف قد تُسقط ما لا تُسقطه الحروب. وإذا كانت بعض المنصات قد كشفت شيئًا من الحقيقة، فإن المسؤولية اليوم تقع علينا نحن، أن نُحسن الشك قبل أن نُسيء الظن، وأن نسأل: من المستفيد؟ قبل أن نكتب أو نشارك أو نرد، وأن نُدرك أن وحدة المسلمين ليست شعارًا عاطفيًا، بل مشروع حياة، يحتاج وعيًا، وحماية، ودراسة. لقد انفضحت الأدوات، وبقي الامتحان. إما أن نكون وقود الفتنة أو حُرّاس الوعي ولا خيار ثالث لمن فهم الدرس والتاريخ.. لا يرحم الغافلين
1104
| 16 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...
2913
| 01 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...
1668
| 04 مارس 2026
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا...
1071
| 02 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...
1044
| 04 مارس 2026
-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...
930
| 01 مارس 2026
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...
858
| 02 مارس 2026
انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...
708
| 02 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
627
| 05 مارس 2026
رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...
606
| 05 مارس 2026
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...
588
| 04 مارس 2026
اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...
579
| 01 مارس 2026
لقد حدث الاحتمال الصعب الذي ظلت تحذر منه...
567
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية