رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقصد بمعيار التداول العمليات التي تحرك المنتجات من مصدرها الأول إلى مستقرها الأخير. ولقد جاءت المواد (4)و(5)و(6) من القانون التجاري القطري بتطبيقات عدة على أعمال يمكن أن تستمد صفتها التجارية بناء على معيار التداول، كما سنبين لاحقًا، ومنه شراء السلع بقصد بيعها لاحقاً أو تأجيرها، كذلك عمليات البنوك، والوكالات التجارية، ونقل البضائع بحرًا أو برًا. وكان من أوائل من نادوا بهذا المعيار الفقيه هو تالير. ووفقًا لهذا المعيار، يعد العمل تجاريًا طالما كان المنتج في حالة حركة وغير راكد، في حين يعد العمل مدنيًا عندما يكون المنتج في حالة ركود وسكون؛ أي رحلة البضاعة من يد المنتج الأول إلى يد المستهلك الأخير، فعمل الحطاب هو قطع الأخشاب والأشجار، وما يبذله من مجهود بدني، واعتماده على فعل الطبيعة، واستخدام بعض الأدوات، يعد عملًا مدنيًا، ويظل بهذه الصورة حتى يبيع منتجاته -أي الأخشاب- إلى صانع قطع الأثاث أو إلى مصنع أثاث، ويقصد الأخير الشراء من أجل البيع، فيخرج المنتج هنا من حالة السكون إلى حالة الحركة والتداول، وبالتالي تكتسب هذه العملية الصفة التجارية، وقس على ذلك؛ حيث يتعاقد المصنع مع شركة لنقل البضائع إلى تاجر الجملة، ويتعاقد الأخير مع تاجر التجزئة إلى نحو ذلك، فتكتسب جميع العقود والعمليات المبرمة أثناء فترة الحركة الصفة التجارية، ويظل الأمر حتى يستقر المنتج في حالة سكون أي في يد المستهلك الأخير. وتقوم فكرة التداول على أساس اقتصادي؛ حيث تعد التجارة في القانون والاقتصاد عبارة عن تداول الثروات والنقود، وذلك إذا استثنينا الأعمال التجارية الشكلية (الأوراق التجارية والشركات)، فكل عمل يهدف إلى تحريك المنتجات ويساعد عليها، يعد عملًا ذا طبيعة تجارية. واستنادًا إلى ما سبق، نجد أن القانون التجاري يحكم السلع خلال فترة خروجها من يد المنتج لحين وصولها إلى يد المستهلك، أما في أثناء استقرارها في يد المنتج أو المستهلك، فهي راكدة، وتكون خاضعة للقانون المدني. وهذا المعيار ما هو إلا تعبير حقيقي وصادق عن التجارة وحركتها. فهو يعتمد أمراً مادياً ملموسًا - أي حركة المنتجات - وذلك بخلاف معيار المضاربة الذي يعتمد على أمر نفسي - نية تحقيق الربح - وهو يصعب التحقق منه، إلا أنه معيار رغم وضوحه، قد طالته أيادي النقد، ومنه فإن أعمال الاستخراج من باطن الأرض فهي وفقاً لهذا المعيار تعد مدنية لأنه لم يسبق تداولها على الرغم من أن القانون وبصريح النص قد عدها أعمالاً تجارية لتحقيق الربح فيها، وكذلك الجمعيات التعاونية، إذ وفقاً لهذا المعيار تعد تجارية لتداول السلع مع أنها لا تهدف منها الجمعيات إلى تحقيق الربح، لكنه صار معياراً ضيقاً؛ إذ إنه يلغي تجارية بعض الأعمال على الرغم من تجاريتها، وذلك وفقًا للقانون، مثل الفعل الضار الذي يقع من التاجر بمناسبة ممارسته تجارته، وعمل مكاتب الوكالات. وإذا كان معيار التداول يمثل جزءًا من الحقيقة؛ حيث تخضع كثيراً من الأعمال التجارية لفكرة التداول، إلا أنه لا يمثل الحقيقة كاملة، فهذا المعيار يأخذ في حكمه حكم معيار المضاربة الذي يمثل عنصرًا جوهريًا للعمل التجاري.
1116
| 09 مايو 2024
اعتمد المشرع القطري معيار المضاربة كمعيار عام لبيان مدنية العمل أو تجاريته، وهو ما استهله وسلم به في القانون التجاري، وذلك في نص المادة (3) منه، والتي تنص على أن «الأعمال التجارية بصفة عامة هي الأعمال التي يقوم بها الشخص بقصد المضاربة ولو كان غير تاجر. والمضاربة هى تَوَخي الربح بطريقة تداول المعاملات». ومن أوائل من نادى بهذا المعيار الفقيه الفرنسي باردسو وتبعه الأستاذ ليون كان والأستاذ رينو، كما عوّل القضاء في بعضٍ من أحكامه على هذا المعيار للتمييز بين الأعمال المدنية والأعمال التجارية. ويقصد بالمضاربة بصفة عامة السعي والقصد إلى تحقيق الربح. ووفقًا لهذا المعيار يعد العمل تجاريًا إذا كان التصرف الذي يبتغيه الشخص يهدف إلى تحقيق الربح، أما إذا كان العمل الذي يقوم به الشخص خاليًا من هذا القصد، فلا يعد عملًا تجاريًا. وأبرز مثال لمعيار المضاربة، عملية الشراء من أجل البيع بغية تحقيق الربح، كالأشخاص المضاربين في البورصة وتجار الجملة والتجزئة. ولتوضيح ذلك، فإن فكرة المضاربة تقوم على أساس السبب أو الباعث وراء العمل التجاري، والذي يتمثل في تحقيق الربح؛ وهو ما يضفي الصفة التجارية على العمل، ومعنى ذلك أنه إذا كان السبب أو الباعث هو تحقيق الربح عد العمل تجاريًا، أما إذا كان السبب أو الباعث مدنيًا خاليا منه عد العمل مدنيًا، ومثاله الجمعيات التعاونية؛ إذ تقوم بشراء البضائع لبيعها على أعضائها وغيرهم بسعر التكلفة، وهي بذلك لا تستهدف الربح، إلا إذا خرجت عن هدفها الأساسي وهو ما يحدث في بعض الدول، بأن تحيد عن هدفها وتلهث وراء تحقيق الربح. إلا أن هذا المعيار يشوبه بعض المثالب، فهو واسع من جهة وضيق من جهة أخرى؛ فهو واسع لأنه يبسط نطاقه على أعمال يسبغ عليها المشرع الصفة التجارية على الرغم من أن القانون لا يثبت لها تلك الصفة ويصنفها من الأعمال المدنية، مثل عمل المحاسبين والمحامين والمهندسين والأطباء والمهن الحرة عمومًا؛ حيث يسعون جميعهم من جراء أعمالهم إلى تحقيق الربح، أو بالأحرى الحصول على أجر أو أتعاب، كذلك المزارع الذي يقوم باستئجار الأرض الزراعية ويضارب بين أجرة الأرض وثمن بيع المحاصيل. بناء على ما سبق، إذ طبق هذا المعيار بشكل مطلق لأدخلنا في القانون التجاري أعمالًا مدنية صريحة. بينما يعد هذا المعيار ضيقًا، لأنه يقصر النظر عن أعمالٍ ومن ثم يستبعدها، ولا شك في أنها تجارية، كتحرير الأوراق التجارية، أو التاجر الذي يتعمد الخسارة وذلك من أجل القضاء على منافسيه أو من أجل الدعاية والإعلان، وكذلك التاجر الذي يبيع بضاعته بسعر التكلفة، فجميع ما سبق أعمال لا تهدف إلى تحقيق الربح، وبالتالي تخرج من نطاق الأعمال التجارية، وذلك وفقًا لمعيار المضاربة، على الرغم من أنها أعمال تجارية وفقًا لصريح نصوص القانون. إضافة إلى ما سبق يتعارض هذا المعيار مع المفهوم الحديث للقانون التجاري؛ إذ إنه لا يفسر تجارية أعمال المشروعات الاقتصادية العامة التي تقوم بها الدولة عن طريق شركات المساهمة العامة؛ لأن أغلبها تسعى وراء تحقيق المصلحة العامة، سواء كانت تقصد إلى تحقيق الربح أم لا. ولابد أن ننوه أنه لا يمكن أن نعوّل فقط على معيار المضاربة الذي يقوم على قصد تحقيق الربح؛ حيث إنه يعد أمرًا نفسيًا يصعب تبينه. ولذا؛ بدأ الاتجاه الحديث يعول على مجرد توفر النية في الربح ولو لم يتحقق فعلاً، ولكن ما زالت الإشكالية في معرفة القصد من العمل، وعليه من الممكن أن يبين ذلك من خلال الكمية المشتراة، أو مدى توفر وصف التاجر من عدمه، افتتاحه محلاً تجاريا، إلى غير ذلك مما تساعد على وضوح القصد من العمل. ختامًا، لا يمكن أن ينفرد معيار المضاربة كضابط للتفرقة بين الأعمال المدنية والأعمال التجارية، وذلك لما يحتويه من مثالب. ومع ذلك يجب أن نبين أن هذا المعيار يمثل جزءًا من الحقيقة؛ لأن العمل التجاري يقوم على فكرة تحقيق الربح، «فإذا لم تكن المضاربة وحدها ضابطًا للعمل التجاري، فما من شك في أنها أحد عناصره الجوهرية».
3219
| 03 مايو 2024
عند تخلف المدين حسن النية سييء الحظ عن تنفيذ التزامه، يُغلب القانون المدني طابع الرحمة والرأفة في التعامل معه، وذلك في حالات استثنائية، حيث يجوز للقاضي ما لم يقيد بنص أن يمنح المدين أجلًا ومهلة للوفاء بالتزامه أو تقسيط الدين عليه إذا لزم الأمر، شريطة ألا يلحق بالدائن ضرر جسيم، وهذا ما يعرف بنظرة الميسرة، أو بالأجل القضائي، وتمثل استثناءً من قاعدة فورية الوفاء أو السداد، التي تجيز تغير الموعد المتفق عليه للوفاء بالالتزام لموعد متأخر بناء على سلطة تمنح للقاضي (375/1 مدني). ونظرة القانون للمدين تختلف بحسب المسألة، ففي المسائل المدنية تتسم النظرة بالليونة والشفقة بينما في المسائل التجارية تتصف بالخشونة والقسوة. ونظرة الميسرة أو الأجل القضائي هي سلطة تمنح للقاضي بتحديد موعد متأخر للوفاء بالتزام أو تقسيطه، وذلك بعد حلول أجل الدين؛ بغية تيسير الوفاء. وهي دارجة العمل ومتكررة الوقوع في المسائل المدنية، إلا أن القاضي يتشدد أو يتردد في منحها في المسائل التجارية في كثير من الحالات، فهي قليلة الوقوع عملًا؛ وذلك لأهمية الوقت والسرعة في الميادين التجارية، وما ينتج من ضرر يصيب الدائن من ضياع الفرص أو الخسائر التي يتكبدها بعد تقرير الأجل لمصلحة المدين. وقد جاءت المادة (79) من القانون التجاري لتأكد على عدم منح المدين أية مهلة قضائية أو تقسيطه إلا كاستثناء؛ حيث نصت على أنه «لا يجوز للمحكمة منح المدين بدين تجاري مهلة للوفاء به أو تقسيطه إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون. أو إذا اقتضت ذلك ضرورة قصوى، وبشرط عدم إلحاق ضرر جسيم بالدائن». وكمبدأ عام، فإن منح المدين الآجال والمهل القضائية للوفاء بديونه التجارية وتقسيطها، غير جائز ما لم يسمح بها القانون بنصوص استثنائية، أو كانت هناك حالة ضرورة قصوى، شريطة عدم إلحاق ضرر جسيم بالدائن. وبناء عليه يشرط لمنح الأجل أو تقسيط الديون التجارية، توافر شرطين هما: 1- وجود نص يجيز ذلك أو حالة ضرورة قصوى. 2- ألا يصيب الدائن ضرر جسيم جراء منح الأجل أو تقسيط الدين التجاري. وهو ما أتناوله تفصيلاً: أولًا: وجود نص يجيز ذلك أو وجود حالة ضرورة قصوى: قد ينص القانون على جواز منح الآجال أو تقسيط الديون، وإذا لم تستند المحكمة إلى نص يكون حكمها قابلًا للطعن به ما لم تر أن الحالة تندرج تحت الضرورات القصوى. ىويجب الوفاء بالالتزام في الموعد المحدد له، إلا أن الأثر الفوري للوفاء قد يرد عليه استثناءات، ومنها اقتران الوفاء بأجل قضائي أو اتفاقي، وهو ما يجيزه القانون، كما جاء في المادة (819) من القانون التجاري التي نصت على أنه «يجوز أن يتضمن الصلح منح المدين آجالًا لوفاء الدين». وتجدر الإشارة إلى أن المشرع منع منح المدين الأجل للوفاء بقيمة الكمبيالة والسند لأمر، وذلك في المادة (534) من القانون التجاري؛ حيث نصت على أنه «لا يجوز للمحاكم أن تمنح مهلة للوفاء بقيمة الكمبيالات أو للقيام بأي إجراء متعلق بها، إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون». وبناء عليه، نجد أن المشرع قد انتزع كل سلطة تقديرية ممنوحة للقاضي ولو كانت هناك ضرورة قصوى في منح أو تقسيط سداد قيمة الكمبيالة أو السند لأمر. وبالنسبة لتقسيط الدين التجاري، فالأصل أن يفي المدين بكل الالتزام ولو كان الحق قابلًا للتجزئة، وذلك وفق قاعدة عدم جواز تجزئة الوفاء، ولا يجبر الدائن على القبول الجزئي؛ أي أنه إذا التزم شخص بدفع مبلغ 100.000 ريال قطري، فإنه يجب عليه الوفاء به كاملًا غير مقسط. والاستثناء من الأصل هو تقسيط أو تجزئة الوفاء، ومن النصوص التي أكدت على جواز تقسيط الديون التجارية، ما نصت عليه المادة (511) من قانون التجارة بقولها «...ولا يجوز لحامل الكمبيالة الامتناع عن قبول الوفاء الجزئي...». تطبيقًا لذلك، عندما يحل ميعاد الاستحقاق ويعرض المسحوب عليه (المدين) في الكمبيالة الوفاء بجزء من قيمة الكمبيالة، فلا يحق للحامل (الدائن) أن يمتنع عن قبول الوفاء الجزئي.
5970
| 25 أبريل 2024
أشرنا في مقالات سابقة إلى أن القانون التجاري يتضمن ثمة قواعد تنظم الأعمال التجارية، كما يتضمن بعض القواعد التي تنظم حياة التجار ولا تسري على غيرهم، ولذلك يجب بيان صفة الشخص القائم بالعمل لتحديد إذا ما كان تاجرًا أو غير تاجر لكي يتسنى إخضاعه لأحكام القانون التجاري. وحتى يكتسب الشخص صفة التاجر، يجب عليه احتراف أحد الأعمال التجارية، وحينئذ تبرز الأهمية في التفرقة بين الأعمال التجارية والأعمال المدنية؛ حيث إن تحديد الصفة يستند إلى بيان طبيعة العمل، فإذا اشتغل أو احترف الشخص عملًا تجاريًا واتخذه حرفة له اكتسب الصفة، وإذا كان العمل الذي يحترفه الشخص مدنيًا، فبالطبع لن يكتسب تلك الصفة. ونتيجة لما سبق نجد أن المدينين في البيئة التجارية دائمًا ما يحاولون نفي الصفة التجارية للأعمال التي قاموا بها تلافيًا لعدم خضوعهم لنظام الإفلاس. وصفة التاجر لا تتوقف فقط على طبيعة العمل – كما ذكرنا سلفًا – بل يجب أن يحترف الشخص العمل التجاري باسمه ولحسابه، وهو ما يعرف بشرط الاستقلال، كما يجب أن تتوفر فيه الأهلية المطلوبة في القانون التجاري، وذلك وفقًا لنص المادة (12) من القانون التجاري القطري؛ حيث تنص على أنه «يكون تاجرًا كل من يزاول باسمه عملًا تجاريًا، وهو حائز للأهلية الواجبة، ويتخذ من هذا العمل حرفة له». وهو ما يؤدي إلى أنه إذا اقتصر الشخص على ممارسة العمل بصفة غير متكررة بل على وجه الاعتياد من حين لآخر، فلا يعد تاجرًا. فإذا توافرت هذه الشروط صدق على الشخص صفة التاجر، ولا يحول دون ذلك أن يكون موظفًا عامًا، أو شخصًا من الأشخاص الذين حظر المشرع عليهم العمل بالتجارة. ويترتب على اكتساب هذه الصفة، ثمة مركز قانوني متفرد عن الباقين في المجتمع؛ حيث يخضع لالتزامات مميزة لا يخضع لها غيره، كإمساك الدفاتر التجارية، والقيد في السجل التجاري، وفي بعض الدول لشهر النظام المالي للزواج، واتخاذ عنوانٍ تجاري، وعدم القيام بأعمال المنافسة غير المشروعة، والخضوع لنظام الإفلاس، والحق في الترشح لعضوية الغرفة التجارية إلى غير ذلك. ويخضع إثبات صفة التاجر للإثبات الحر؛ إذ يمكن إثباتها بكافة الطرق، وهي بذلك تخضع لسلطة قاضي الموضوع.
1749
| 17 أبريل 2024
أينما يولي التجار وجوههم، فإنهم يسعون للحصول على امتيازات من المحاكم؛ وذلك حتى يخضعوا لأعرافهم التي يميلون لها، ولاختصاص زملائهم فتطمئن قلوبهم. ويقصد بالاختصاص في هذا الصدد بصفة عامة تحديد المحكمة المختصة بالفصل في النزاع، وهو ما يعني تخصيص أنواع معينة من الدعاوى بالنظر إلى طبيعتها التي تميزها إلى جهة قضائية معينة. والغاية من ذلك تكمن في التحقق من أهلية المحكمة للنظر في الدعوى. وقد انقسمت الدول في هذا الصدد إلى اتجاهين؛ دول تأخذ بمبدأ الفصل بين القضاء المدني والقضاء التجاري؛ كأثر لاستقلال القانون التجاري عن القانون المدني، فتصبح هناك محاكم مختصة في المنازعات المدنية ومحاكم مختصة في المنازعات التجارية دون غيرها. ويساعد الفصل إلى تعود القضاة على فهم طبيعة البيئة التجارية؛ لما له من خصوصية تختلف عن البيئة المدنية، أيضًا توجد بعض المنازعات التجارية التي تحتاج إلى خبرات سابقة. وبالتالي، فإن تخصيص القضاء يؤدي إلى تحقيق كلتا الغايتين. وقد كانت أولى الدول المتصدرة في الأخذ بهذا المبدأ، فرنسا وتلتها الدول الأخرى. بينما لم تأخذ أغلب التشريعات بنظام الفصل بين القضائيين المدني والتجاري؛ والعلة في ذلك أن تخصيص القضاة في المسائل التجارية لا يؤدي إلى إنشاء قضاء تجاري مستقل. أما دولة قطر فلم تلتفت إلى هذا المبدأ إلا مؤخرًا، ولم تأخذ بنظام المحاكم التجارية المستقلة، حيث اعتادت المحاكم على الفصل في المنازعات المدنية، بينما توجد دوائر تجارية في المحاكم الابتدائية للفصل في المنازعات التجارية. والدوائر ما هي إلا تقسيم إداري داخلي بحت للعمل داخل المحكمة؛ وذلك حتى تتيح لبعض القضاة اكتساب الخبرة في نوع معين من المنازعات، كالمنازعات التجارية أو المنازعات الإدارية. وهي بذلك لا تعدّ محاكم مستقلة، وبالتالي لا يمكن الدفع أمام الدوائر المدنية بعدم الاختصاص بناء على أن النزاع تجاري، والعكس صحيح، فلا يمكن الدفع أمام الدوائر التجارية بعدم الاختصاص بناء على أن النزاع مدني. تأسيسًا على ما سبق، نجد أن الدوائر في المحاكم الابتدائية قائمة على فكرة التخصيص الإداري الداخلي، فلا يمكن الدفع بعدم الاختصاص أمام الدائرة التجارية حال طرح نزاع مدني والعكس صحيح، ويقتصر الأمر في هذه الحالة إلى إحالة الدعوى إداريًا إلى الدائرة المعنية للفصل في النزاع. وقد جاء المشرع القطري وأصدر القانون رقم (21) لسنة 2021 بإصدار قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، ونص في المادة (7) من القانون أعلاه، على أنه «فيما عدا الدعاوى والمنازعات التي تختص بالفصل فيها الدوائر الإدارية بالمحكمة الابتدائية واللجان ذات الاختصاص القضائي، تختص الدائرة الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة، دون غيرها، بالحكم ابتدائيًا في الدعاوى والمنازعات التجارية التالية: المنازعات المتعلقة بالعقود التجارية، بما في ذلك عقود التمثيل التجاري والوكالات التجارية، الدعاوى الناشئة بين التجار المتعلقة بأعمالهم التجارية إلى غير ذلك مما ورد في المادة سالفة الذكر». وهكذا نجد أن محكمة الاستثمار والتجارة تنظر بوجه عام في الدعاوى المتعلقة بالأعمال التجارية ولو وقعت من غير التجار، وسنذكر في مقالات لاحقة تفاصيل وإضاءات عن المنازعات المذكورة أعلاه. ويقوم النزاع دائمًا أمام المحاكم التجارية والمحاكم المدنية جنبًا إلى جنب على موضوع تحديد طبيعة العمل في النزاع القانوني المعروض أمام القاضي، وفي هذه الحالة، يجب منذ البداية تحديد فيما إذا كان العمل مدنيًا أو تجاريًا حتى تتحدد المحكمة المختصة، وكما أسلفنا فإن محكمة الاستثمار والتجارة تختص في النزاعات المتعلقة بالأعمال التجارية، وعليه فإذا رُفعت دعوى متعلقة بعمل تجاري من غير الأعمال المذكورة سابقا أمام محكمة الاستثمار والتجارة، فإنه يتوجب أن تقضي المحكمة بعدم الاختصاص، وذلك لتعلق الأمر بالنظام العام، والعكس صحيح، فلو رُفعت دعوى متعلقة بعمل تجاري من غير الأعمال المذكورة أمام المحاكم المدنية، فحينئذ يكون لها أن تتصدى لهذه الدعوى.
2535
| 03 أبريل 2024
إذا كانت السرعة تمثل شطرًا من مقتضيات القانون التجاري، فإن الائتمان يمثل الشطر الآخر وهو المسيّر للحياة الاقتصادية، وقلما تجد مشروعًا اقتصاديًا يعتمد في تمويله على القدرة الذاتية لعجزها في الغالب لمحدودية قدرتها مهما أوتيت من أوجه الثراء؛ بل غالب الظن أن يموّل المشروع ويسيّر عن طريق الائتمان الذي يحصل عليه من الغير. والائتمان لا يمنح إلا بوجود ضمان كافٍ، ومن أبرز صور الضمان في العصر الحديث، نظام الرهن؛ بسبب المميزات التي يقدمها لأطرافه، سواء كان ذلك للمدين الراهن بحصوله على مبتغاه عن طريق توفير السيولة من خلال الاقتراض من الدائن المرتهن، أو بالنسبة إلى الدائن المرتهن ذاته والذي يمكنه من إقراض الغير بضمان، فالقانون يضمن له؛ أولًا: حق التقدم على جميع الدائنين عند استيفاء ديونه من ذمة المدين، فتكون له الأولوية على ثمن العقار أو ما يحل محله، وثانيًا: حق التتبع، فيجري وراء الشيء المرهون في أيدي من يكون. والمميزات لا تقتصر على الأطراف بل تمتد إلى الغير؛ إذ يستطيع أن يتحرى أمره، سواء كان مبيعًا أو عينًا مؤجرة أو شيئًا مرهونًا إلى نحو ذلك. وذلك بحسب طبيعة الشيء، فإذا كان عقارًا، فعن طريق السجل العقاري، وإذا كان منقولًا معنويا كالأسهم، فيكون عن طريق شركة قطر للإيداع المركزي للأوراق المالية. ونضرب مثالًا على ما سبق حتى يتسنى لنا فهم الصورة: تسعى شركة طيران لتوسيع مجالها عن طريق إبرام صفقة لشراء مجموعة من الطائرات، ولكن لا تتوافر لديها السيولة المالية الكافية حتى تبرم الصفقة، بالتالي تتجه الشركة إلى رهن الطائرات التي لديها للحصول على تلك السيولة؛ لتتحصل على المبالغ المطلوبة من البنك أو الجهة المعنية بمنح الائتمان مقابل تقديم ضمانات – الطائرات – للوفاء بالتزاماتها. ونجد أن القانون الخاص – بوصفه الميدان الذي يسعى الفرد فيه لضمان تنفيذ التزامه – قد اهتم بنظام الرهن، ونص عليه في أكثر من موضعٍ، كالقانون المدني الذي يمثل الشريعة العامة لهذا النظام، والقانون التجاري، والقانون البحري. وبذلك كفل المشرع القطري وعلى غرار مثيله في الدول الأخرى، حماية الأشياء المختلفة من الأخطار التي تنقص المال من خلال نظام الرهن؛ فحمى الدائن من إعسار المدين في الميدان المدني، ومن إفلاسه في الميدان التجاري. وقد نظم المشرع القطري أحكام الرهن التجاري في المواد 233-247 من قانون رقم (27) لسنة 2006 بإصدار قانون التجارة. والمعيار الفاصل في كون الرهن مدنيًا أو تجاريًا، هو طبيعة الالتزام الأصلي؛ فإذا كان الرهن ضامنًا لدين تجاري فيعد رهنًا تجاريًا، وقس؛ تطبيقًا لقاعدة الفرع يتبع الأصل. وهذا ما أكدت عليه المادة (233) من القانون السابق؛ حيث نصت «الرهن التجاري هو الذي يتقرر على مال منقول ضمانًا لدين تجاري بالنسبة إلى المدين». ولا عبرة لصفة أطراف العقد – الدائن والمدين – فقد يكون كلاهما أو أحدهما تاجرًا، أما إذا كان محل الرهن دينًا مختلطًا؛ أي تجاريًا لطرف ومدنيًا لطرف آخر عُدّ الرهن تجاريًا دائمًا. والقاعدة العامة في الرهن المدني، أنه إذا حلّ أجل الدين ولم يقم المدين بالوفاء حُق للدائن مباشرة إجراءات التنفيذ على المال المرهون، وذلك بعد الحصول على حكم قضائي لمباشرة تلك الإجراءات، ومن ثم توقيع الحجز على المال المرهون، ويلي ذلك الإعلان عن البيع، وهذا – مما لا شك فيه – يخالف طبيعة المعاملات التجارية وقوامها. أما الرهن التجاري، فإذا لم يفِ المدين الراهن عند حلول أجل الوفاء، جاز للدائن المرتهن التنفيذ على المال المرهون بشروط وإجراءات أبسط وأيسر وأسرع؛ حيث لا حاجة للحصول على حكم قضائي، فيكون من خلال تقديم أمر على عريضة إلى رئيس المحكمة بعد مرور سبعة أيام من إعذار المدين بالوفاء، وذلك بمقتضى المادة ( 241) من القانون التجاري القطري والتي تنص على أنه «إذا لم يدفع المدين الدين المضمون بالرهن في ميعاد استحقاقه، كان للدائن المرتهن، بعد انقضاء سبعة أيام من تاريخ التنبيه على المدين بالوفاء تنبيهًا رسميًا أو بكتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول، أن يتقدم بعريضة إلى رئيس المحكمة بطلب الأمر ببيع الشيء المرهون كله أو بعضه». والعلة من الاختلاف الواضح بين القانونين على الرغم من وحدة الموضوع، تكمن في أن المشرع قد وضع خصائص المعاملات التجارية نصب عينيه – السرعة والائتمان – وهي ما تتطلب تبسيط إجراءات التنفيذ، وحاول الموازنة بين الأطراف دون أن يجور على أي منهما، فأعطى المدين الراهن المهلة والمجال لحماية سمعته وحفظ ماله عن طريق الوفاء وتلافى البيع الجبري الذي يؤدي إلى اضطراب أعماله وثقة من حوله، وراعى مصلحة الدائن المرتهن في تعجيل الحصول على الوفاء نظرًا لحاجته الدائمة للسيولة النقدية لوفاء التزاماته. فضلًا عن أن الرهن التجاري ينصب على منقولات وسلع معرضة لتقلبات الأسعار والهلاك، فإذا أسقطنا الصبغة المدنية على طبيعة المعاملات التجارية، فلن يحصل الدائن المرتهن على حقه كاملًا، فإن الأخير يحتاج إلى سرعة التنفيذ.
2607
| 27 مارس 2024
يعد التقادم المسقط إحدى الوسائل القانونية التي تنهي الالتزام، فبمجرد مرور مدة معينة حددها القانون، يسقط الحق في سماع الدعوى، وعندئذ يصبح حق الدائن عاريًا من أية دعوى تحميه، ويتحول من التزام عادي إلى التزام طبيعي يقوم على المسؤولية دون المديونية، فلا يجبر المدين على الوفاء به لصيرورته خاليًا من وصف الإلزام. وقد عالج المشرع القطري هذا الموضوع في الباب الخامس من القانون رقم (22) لسنة 2004 بإصدار القانون المدني، والمتعلق بأسباب انقضاء الالتزام. ويعرف التقادم بأنه مرور فترة زمنية محددة وفق القانون لا يطالب بها الدائن حقوقه، وتؤدي إلى منع سماع الدعوى وعدم قبولها ولا ينتج عنها أي أثر. والأصل العام أن مدة تقادم الدعوى هي خمس عشرة سنة من يوم استحقاق الالتزام – وهو ما يعرف بالتقادم الطويل –، وذلك وفقًا لنص المادة (403) من القانون المدني القطري؛ حيث تنص على أنه «تتقادم دعوى المطالبة بحق من الحقوق الشخصية بمضي خمس عشرة سنة، وذلك فيما عدا الأحوال التي يعين فيها القانون مدة أخرى، والأحوال المنصوص عليها في المواد التالية». وبناء على ما سبق نجد أن جميع الالتزامات كقاعدة عامة تتقادم دعواها بمرور خمس عشرة سنة ما لم يرد نص خاص يقضي بمدة أخرى. وهنا يثور التساؤل: هل تخضع المسائل التجارية لمدة التقادم نفسها التي تخضع لها المسائل المدنية، فهل تتقادم الدعوى التي تحمي المعاملات التجارية بمرور خمس عشرة سنة؟ الإجابة في الحقيقة تكون بالنفي، فالمسائل التجارية تخضع لتقادم خاص يسري في شأنها، وتقل مدته عن التقادم العام. والقاعدة العامة أن مدة التقادم بالنسبة إلى الديون والالتزامات التجارية هي عشر سنوات، وهذا ما نصت عليه المادة (87) من القانون التجاري بقولها: «تتقادم التزامات التجار المتعلقة بأعمالهم التجارية قِبَل بعضهم البعض بمضي عشر سنوات من تاريخ حلول ميعاد الوفاء بهذه الالتزامات، إلا إذا نص القانون على مدة أقل»، فالمبدأ العام أن التزامات التجار تجاه بعضهم البعض تتقادم بمضي عشر سنوات من الوقت الذي يصبح فيه الالتزام مستحق الأداء، ما لم ينص القانون على مدة أقل. وهذه المدة لا تطبق إلا إذا توافرت الشروط التالية: أولًا: تكون العلاقة بين تاجرين أو أكثر. فإذا كان أحدهم غير تاجر، فإن المسألة تخضع للتقادم وفق القواعد العامة، وهو السائد في القانون المدني (خمس عشرة سنة). ثانيًا: أن يكون الالتزام متعلقًا بأعمالهم التجارية. فإذا كان الالتزام متعلقًا بأعمال مدنية، فأيضًا تخضع المسألة للتقادم العام وهو خمس عشرة سنة. ومن الاستثناءات التي تقل فيها مدة التقادم عن عشر سنوات، تقادم الدعاوى المتعلقة بالأوراق التجارية، وهو ما يعرف بالتقادم الصرفي؛ إذ تتراوح فيه المدد من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، بالإضافة إلى تقادم الدعوى التي تنشأ عن المسائل المتعلقة بعقود نقل الأشياء، أو عقود نقل الأشخاص، أو الوكالة بالعمولة للنقل، بمرور سنة، كذلك تتقادم – كقاعدة عامة – الدعاوى المتعلقة بضمان العيوب في البيوع التجارية بمرور سنة من يوم التسليم الفعلي للمبيع، وأيضًا تتقادم الدعاوى المتعلقة بالحساب الجاري بمضي خمس سنوات، إضافة إلى ما سبق تتقادم دعاوى دائني الشركات على الشركاء بمرور ثلاث سنوات على انقضاء الشركة، أو خروج أحد الشركاء، وذلك بخصوص الدعاوى الموجهة إلى الشريك المتخارج، كما توجد أمثلة عدة على مدد تقادم تقل عن عشر سنوات في القانون البحري، نرصد منها على سبيل المثال: تقادم الدعاوى الناشئة عن عقود العمل البحري وذلك بمرور سنة من تاريخ انتهاء العقد، وكقاعدة عامة تتقادم جميع الحقوق المتعلقة بعقود نقل البضائع بحراً بمرور سنة من تسليم البضائع، أو من التاريخ الذي يستوجب أن تسلم فيه. والجدير بالذكر أن القانون المدني قد أورد بين نصوصه بعض المسائل التجارية التي تقل مدد تقادمها عن عشر سنوات، حيث تنص المادة (407) من القانون المدني على أنه «تتقادم الدعوى بمضي سنة واحدة إذا كانت المطالبة بحق من الحقوق التالية: أ- حقوق التجار والصناع عن أشياء ورّدوها لأشخاص لا يتجرون فيها. وحقوق أصحاب الفنادق والمطاعم عن أجر الإقامة وثمن الطعام وكل ما صرفوه لحساب عملائهم». وبإمعان النظر نجد أن اختلاف التقادم في المسائل المدنية والمسائل التجارية هو اختلاف جزئي، بمعنى أن التقادم التجاري تسري عليه القواعد العامة من كيفية حساب مدته، والعوائق التي تصيبه، مثل الوقف والانقطاع، فالفارق فقط بينهما في المدة. والغاية من تقليل مدد تقادم المسائل التجارية واضحة وجلية؛ حيث غالبًا ما يجري التجار وراء حقوقهم ويطالبون بها؛ لأنهم بحاجة دائمة إلى المال، كما أن المشرع حاول الموازنة بين قساوة معاملة الملتزمين بالديون التجارية بما قرره من قواعد، كحرية إثبات الأعمال التجارية، وافتراض التضامن في الديون التجارية، وتقييد منح المهل القضائية، وشمول الأحكام التجارية بالنفاذ المعجل، كذلك راعى المشرع مصلحة المدينين من خلال جعل أحكام التقادم قصيرة في المسائل التجارية؛ بحيث لا يظل المدين تحت رحمة الدائن لفترة طويلة.
2799
| 18 مارس 2024
تضمنت المادة (245) من القانون المدني القطري مقتضيات التنفيذ الجبري؛ كما أوردت شروطه، ومن هذه الشروط شرط الإعذار؛ حيث جاء في نص المادة المذكورة، «يجبر المدين، بعد إعذاره، على تنفيذ التزامه تنفيذًا عينيًا، متى كان ذلك ممكنًا». واشترط الإعذار كذلك عند التنفيذ بمقابل (التعويض)؛ حيث تنص المادة (260) من القانون ذاته على أنه «لا يستحق التعويض إلا بعد إعذار المدين، ما لم يتفق الطرفان أو ينص القانون على غير ذلك». والإعذار هو إجراء يوجهه الدائن للمدين بصدد تنفيذ التزامه عينًا أو بطريق التعويض، بحيث يوضع المدين موضعًا متأخرًا أو في موضع التقصير في تنفيذ الالتزام. وبناء على النصوص السابقة، فإن الإعذار شرٌط للتنفيذ العيني أو بمقابل؛ إذ يجب على الدائن طالب التنفيذ الالتزام بإعذار المدين. والغاية من الإعذار تكمن في وضع المدين موضع التقصير في تنفيذ العلاقة العقدية، وإثبات هذا التأخير قانونًا، لأن المدين لا يوصف بالمتقاعس دائمًا إذا لم يقم بتنفيذ التزامه عند حلول أجل الوفاء؛ فقد يحمل ذلك على سبيل التسامح والتكرم من قبل الدائن، أو قد لا يصر الدائن على إتمام التنفيذ. وعلى هذا، فإن «القاعدة العامة أن الإخلال بالالتزامات العقدية لا يثبت إلا بعد أن يقوم الدائن بإعذار المدين بضرورة تنفيذ التزاماته». وتبين وتبرز الاختلافات بين القانونين المدني التجاري في شكل الإعذار وطريقته؛ فالقانون المدني استلزم شكلًا معينًا لإعذار المدين عند تأخره في التنفيذ، يتمثل في شكل الإنذار، أو في ورقة رسمية تقوم مقام الإنذار، أو أية وسيلة يتفق الأطراف عليها، وهذا ما نصت عليه المادة (261) من القانون المدني القطري، بقولها «يكون إعذار المدين بإنذاره، أو بورقة رسمية تقوم مقام الإنذار. ويجوز أن يتم الإعذار عن طريق البريد المسجل أو بأية وسيلة أخرى يتفق عليها». أما في القانون التجاري، فلم يقيد المشرع الدائن في آلية الإعذار وشكله، فنصت المادة (81) منه على أن «يكون إعذار المدين أو إخطاره في المسائل التجارية بكتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول، وفي حالة الاستعجال، يكون الإعذار أو الإخطار ببرقية أو ما يقوم مقامها». وهنا نجد أن شق المادة (81) يتضمن عرفًا تجاريًا، فهي من الأعراف التي تم تقنينها، فأصبح لها أثر إلزامي، وبناء على نص المادة المذكورة، يجوز أن يعذر المدين بإحدى الوسائل التالية: 1- كتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول؛ ومن العجيب أن يستلزم القانون الكتاب المسجل كطريقة من طرق الإعذار، فذلك يتنافى مع طبيعة المعاملات التجارية التي تقتضي السرعة والاستعجال، وان كنا نرى أنه ليس استلزامًا بقدر ما هو طريق له الأولوية في سلوكه. 2- البرقيات: وهو ما يعرف بالتلغراف، وتعد من الطرق التي أصبحت قديمة، وعفا عليها الزمن، وتستخدم للتواصل بين طرفين يبعد كل منهما عن الآخر؛ إذ يقوم المرسل بتنسيق الورقة وإرسالها إلى المرسل إليه في شكل ورقة مكتوبة، فيستلمها الأخير يدويًا. بل في القوانين القديمة يقصد بها التي ترسل بالبريد العادي الذي مازالت بعض الدول تتبعه وتعرف الجهة بهيئة البريد. 3- الوسائل الأخرى التي تقوم مقام وسائل الإعذار السابقة: وهذا الجزء من النص هو الذي يضفي المرونة والتحرر من الشكليات ويواكب العصر الحديث مما يتميز به من وسائل تكنولوجية. ووفقًا لذلك يمكن الإعذار عن طريق البريد الإلكتروني أو الهاتف أو الفاكس أو التطبيقات الحديثة. وما سبق يتماشى مع موقف المشرع القطري الأخير، حينما أصدر القانون رقم (24) لسنة 2017 بشأن العنوان الوطني، ونص في المادة (5) منه على أنه «تُعتبر الإعلانات القضائية والإخطارات الرسمية التي تتم على العنوان الوطني صحيحة ومنتجة لكافة آثارها القانونية». وتجدر الإشارة إلى أن الأطراف يمكن لهم استبعاد الإعذار، والاتفاق على عدم الحاجة إليه عند حلول أجل الوفاء، فيعد المدين معذورًا؛ لأن الإعذار مقرر لمصلحة المدين، وهذا ما نصت عليه المادة (262/1) بقولها أنه «لا ضرورة للإعذار في الحالات التالية: - إذا اتفق على اعتبار المدين معذرًا بمجرد حلول أجل الدين». إلا أننا نرى أنه يحبذ أن يكون الإعذار مكتوبًا ولو عن طريق الكتابة الإلكترونية درءًا للنزاعات وتسهيلًا لعملية الإثبات. وكما بينا سابقًا، أن علة التحرر من القيود الشكلية في الإعذار بالنسبة إلى المسائل التجارية، يكمن فيما تقتضيه الحياة التجارية من سرعة ومرونة وتبسيط، وذلك خلاف الإعذار في الحياة المدنية؛ حيث تعد الشكلية من الأمور المقبولة فيها، وتتناسب مع طبيعة تلك المعاملات.
2550
| 07 مارس 2024
وفقًا للقاعدة العامة في المسائل المدنية، أن الأحكام القضائية لا تكون قابلة للتنفيذ طالما كانت قابلة للطعن بالمعارضة أو الاستئناف، أو طُعن فيها فعلًا؛ لأن قوة التنفيذ تظل معطلة حتى يحوز الحكم قوة الأمر المقضي؛ أي إنها تقبل التنفيذ عندما تصير نهائية، وذلك وفقًا للمادة (374) مكرر من قانون المرافعات القطري؛ حيث نصت على أنه «لا يجوز تنفيذ الأحكام جبرًا، ما دام الطعن فيها بالاستئناف جائزًا». وهذه القاعدة وإن كانت توائم الحياة المدنية فإنها لا تتوافق مع الحياة التجارية. لذلك راعى المشرع بعض الحالات الاستثنائية التي قد يضر بها الدائن نتيجة تأخر التنفيذ حتى يتصف الحكم بقوة الأمر المقضي، فاستطرد في المادة (374) مكرر من القانون أعلاه ونص على هذا الاستثناء بقوله: «إلا إذا كان النفاذ المعجل منصوصًا عليه في القانون أو مأمورًا به في الحكم، ومع ذلك يجوز بمقتضاها اتخاذ الإجراءات التحفظية». ولهذا أجاز المشرع استثناءً تنفيذ الأحكام دون حيازتها قوة الأمر المقضي، وهذا ما يعرف بالنفاذ المعجل، بالتالي يتضح أن الأحكام الابتدائية لا تكون محلًا للتنفيذ ما لم تشمل بالنفاذ المعجل. والنفاذ المعجل هو تنفيذ الحكم على الرغم من قابليته للطعن فيه بالاستئناف، أو طعن فيه فعلًا. وقد يستمد الحكم قوته التنفيذية من نصوص القانون (النفاذ المعجل بنصوص القانون)، وقد يستمد قوته التنفيذية بناء على سلطة تقديرية من القاضي (النفاذ المعجل القضائي). وما يهمنا هنا هو النفاذ المعجل بنصوص القانون؛ لأنه أورد حالة تمس الحياة التجارية. حيث نصت المادة (374/2) معدل من قانون المرافعات القطري على أن «النفاذ المعجل واجب بقوة القانون للأحكام الصادرة في المواد التجارية بشرط تقديم كفالة يحددها القاضي، وذلك مع عدم الإخلال بأحكام قانون التجارة». من هنا نجد أن الأحكام تصدر في المسائل التجارية مشمولة دائمًا بالنفاذ المعجل بقوة القانون ولو كان قابلًا للطعن فيه بالاستئناف أو مطعونًا فيه بالفعل، بشرط تقديم كفالة، ودون تقديم الكفالة إذا كانت المسألة صادرة في دعوى الإفلاس وفقًا للمادة (616) من القانون التجاري القطري التي نصت على أنه «تنظر دعاوى الإفلاس على وجه الاستعجال، وتكون الأحكام الصادرة فيها واجبة النفاذ المعجل بدون كفالة، ما لم ينص على خلاف ذلك». والحكمة من شرط الكفالة لإقرار النفاذ المعجل، هي ضمان تسوية المراكز القانونية وذلك عند الاستجابة لطعن المستأنف فيلغى الحكم أو يعدل. والغاية من جعل تنفيذ الحكم التجاري معجلًا وبقوة القانون، يكمن في عدة أسباب أولها: الطابع المميز لهذا النوع من المعاملات والذي تعد السرعة أحد مقتضياته، ولا يناسبها انتظار الفصل في الاستئناف لتنفيذ الحكم خلافًا للمعاملات المدنية، ثانيًا: منع تسويف المحكوم عليه ومماطلته في الوفاء؛ من خلال الطعن على الحكم الصادر ضده، ثالثًا: قد يولد التأخّر حتى يحوز الحكم قوة الأمر المقضي أو حتى يطعن بالحكم في الاستئناف ضررًا جسيمًا يصيب الدائن، كأن يفوت فرصة رابحة، أو يعتمد على هذا الحكم من أجل سداد دين عليه.
3369
| 28 فبراير 2024
لا تمس ذمة الإنسان طالما كان قادرًا على الوفاء بديونه، وبذلك تكف يد الدائنين من التنفيذ على أمواله، وتستمر هذه المنعة حتى يعجز المدين عن سداد ديونه، فمتى ثبت عجزه جاز للدائنين استيفاء حقوقهم عن طريق التنفيذ على أمواله. وأنظمة التنفيذ عديدة ومختلفة، فيتسم بعضها بالليونة والمراعة، بينما تتسم الأخرى بالقسوة والمهانة، ومن تلك الأنظمة نظام الإفلاس الذي يتسم بالغلظة والذلة في معاملة التاجر، خاصة في حالة الإفلاس بالتقصير أو بالتدليس؛ لأن العلاقات التجارية ما هي إلا عبارة عن حلقات مترابطة ومتشابكة، فيصبح التاجر دائنًا ومدينًا في آنٍ واحد، وبتخلفه عن سداد ديونه تكسر الحلقات ويعجز الآخرون معه. ولذلك يقوم نظام الإفلاس باجتثاث التاجر الذي لا يواكب الحياة التجارية ويحدد نشاطه، حينئذٍ يصبح التاجر حريصًا على الوفاء بديونه في مواعيد استحقاقها. وقد تناول المشرع القطري الإفلاس في قانون رقم (27) لسنة 2006 بإصدار قانون التجارة في الباب السادس منه. الإفلاس هو نظام يصيب التاجر عند عجزه عجزًا حقيقيًا عن دفع ديونه الحالة ولو كانت أمواله كافية للوفاء بديونه كلها، بغية تحقيق المساواة بين الدائنين والمدين التاجر، عن طريق تصفية أمواله تصفية جماعية وفقًا لقسمة الغرماء. وفي معنى الفلس يقول الصغاني في العباب الزاخر واللباب الفاخر: الشخص عندما لا يبقى له مالٌ، مثل من صارت دراهمه وفلوسه زيوفًا، ويقال فلسه القاضي تفليسًا أي حكم عليه القاضي بالإفلاس ونودي بأنه مفلس. ويقتصر نظام الإفلاس على التجار الذين توقفوا عن دفع ديونهم التجارية، فنصت المادة (606) من القانون التجاري القطري على أنه «كل تاجر توقف عن دفع ديونه التجارية في مواعيد استحقاقها»، ويعد جزاءً عتيدًا وقاسيًا تجاه كل تاجر يشق عصا الائتمان التجاري، ويخرق الثقة التي تعد أساس المعاملات التجارية، ومن ثم لا يجوز شهر إفلاس غير التاجر؛ أي عندما يمتنع المدين عن دفع ديونه فلا يطبق عليه نظام الإفلاس بل نظام الإعسار الذي لم يأخذ به المشرع القطري؛ وعلة هذه التفرقة تكمن في أن الامتناع عن الوفاء بدين مدني لا يمس المشروع التجاري، ولا يترتب عليه الأثر الذي يترتب على عدم الوفاء بالدين التجاري، كذلك خطر إفلاس التاجر لا ينصب عليه وحده بل يصيب الدائنين، والقوة العاملة لديه، والقوة الاقتصادية للبلاد. ونتيجة لما سبق، نجد أن نظام الإفلاس لا يمتد إلا للتاجر الذي توقف عن دفع ديونه التجارية، فإذا كان غير تاجر لا يشمله النظام، وإذا كان الدَّين غير تجاري فلا يؤدي توقف التاجر في هذه الحالة إلى إفلاسه. ولذلك لا بد من الوقوف على طبيعة الدين الذي توقف التاجر عن دفعه لمعرفة شرعية طلب شهر الإفلاس. ونضع في الحسبان استثناء المشرع بجواز شهر إفلاس التاجر بسبب تخلفه عن الوفاء بدين مدني حال الأداء، وذلك بشرط أن يقدم الدائن ما يثبت أن المدين التاجر قد توقف عن دفع ديونه التجارية الحالّة لدائنين آخرين. ولا بد من التنويه هنا بأن نتائج الإفلاس خطرة؛ حيث تتمثل في غل يد المفلس عن إدارة أمواله، وإحالة إدارة المال إلى شخص يسمى مدير التفليسة، وألا تنفذ جميع التصرفات التي قام بها أثناء فترة الريبة، وما ذاك إلا تقييد لحريته الشخصية، كما تسقط عنه بعض الحقوق المدنية والسياسية؛ بل إذا نتج الإفلاس عن سوء نية، فقد تترتب عليه عقوبات جنائية.
1005
| 16 فبراير 2024
الأصل أن يكون الالتزام بسيطًا، وهو عبارة عن علاقة بين دائن واحد ومدين واحد، بينما الاستثناء يكون حين تتعدد أطراف الالتزام، سواء أكان تعددًا إيجابيًا (تعدد الدائنين)، أم سلبيًا (تعدد المدينين). وعند التعدد يظل أداء المدينين مقسمًا بينهم، فكلٌ يلتزم بمقدار حصته من الدين، ما لم يقضِ القانون أو الاتفاق بوجوب التضامن، والتضامن يعد من أهم وسائل الضمان وأبرز صور التأمينات الشخصية. وكما يعبر العلامة السنهوري عن مدى قوة هذه المسألة في أنه يفوق الكفالة في الضمان؛ إذ إنه في الكفالة لا يحق للدائن الرجوع على الكفيل إلا بعد الرجوع على المدين الأصلي – الدفع بالرجوع على المدين ثم تجريده من أمواله – بينما في التضامن للدائن الحق في الرجوع على أي المدينين بكل الدين. وهنا نجد أن من أبرز صور التفرق بين الأعمال التجارية والأعمال المدنية، هى فكرة التضامن، وذلك لأن «القاعد المدنية والقاعدة التجارية على طرفي نقيض». والتضامن هو تعدد المدينين بالتزام واحد مع مسؤولية كل واحد منهم عن الدين كله في مواجهة الدائن بناء على اتفاق بين الأطراف أو نص في القانون، وهو ما يعرف بالتضامن السلبي. والأصل أن التضامن غير مفترض في المعاملات المدنية، وينشأ إما بالاتفاق وإما بنص القانون؛ أي عند تعدد المدينين في المعاملات المدنية، فيكون كل منهم مسؤولًا عن حصته من الدين، فيطالب الدائن كل مدين بقدر حصته في الدَّين، كذلك يتحمل الدائن إعسار المدين، ولا يحق له الرجوع على المدينين الآخرين بحجة الإعسار. وإذا قضت محكمة الموضوع بوجود التضامن دون وجود نص في القانون أو اتفاق بين الأطراف، فعندئذ يخالف حكمها الصواب ويشوبه العيب ويقبل الطعن. وهنا نجد أن المشرع القطري قد قنّن العرف المستقر قديمًا بين التجار والذي يقضي بوجود مصلحة مشتركة بين المدينين عند افتراض التضامن في الدين التجاري، وذلك في المادة (74) من القانون التجاري القطري؛ ونصها: «الملتزمون معًا بدين تجاري، يسألون على وجه التضامن، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على خلاف ذلك». ويتبين من هذا النص أن التضامن بين المدينين في المعاملات التجارية مفترض، ما لم يثبت العكس بنص القانون أو باتفاق الأطراف. ونتيجة لذلك، يمكن للدائن بدين تجاري مطالبة جميع المدينين أو أحدهم بكل الدين، ولا تؤدي مطالبة أحدهم إلى براءة ذمة الباقين، كما لا يحق للمدين أن يدفع بالتقسيم؛ أي أن يدفع كل مدين نصيبه من الدين، أو بالتجريد؛ أي بمطالبة أحد المدينين أولًا. وقد يتفق الأطراف صراحة على عدم التضامن، وذلك بصريح العبارة «المدينون غير متضامنين»، أو «كل مدين مسؤول عن دينه»، أو أي صياغة تدل على عدم التضامن، وقد يتفق الأطراف ضمنًا على عدم التضامن إلا أنه يجب أن تكون هناك قرائن ودلائل على عدم التضامن بشكل واضح، ويخضع الأمر في هذه الحالة لسلطة القاضي؛ إذ يستخلص ذلك من وقائع النزاع. وتكمن الغاية من جراء افتراض التضامن في المعاملات التجارية في دعم الائتمان، فالتضامن ما هو إلا انضمام ذمة إلى جانب ذمة، وبالتالي يكون للدائن أن ينفذ على الذمة المالية لأحد المدينين عند إعسار الآخر أو إفلاسه، فتسهل عملية استيفاء الدين، كذلك لا ينحصر دعم الائتمان على الدائنين، بل يشمل المدينين كذلك؛ إذ يعين ويسهل لهم التضامن الحصول على الائتمان الذي يعد القلب النابض للمعاملات التجارية. ومن جهة أخرى، من المعلوم غلبة طابع السرعة على المعاملات التجارية، وبذلك لا يتوافر الوقت الكافي للدائن بأن يبحث عن ملاءة كل مدين ويساره، أيضًا حين يتم الوفاء من قبل أحد المدينين بالدين كله إلى الدائن، فإن ذلك يؤدي إلى تسوية المعاملات بسرعة ويفضي إلى اختصار العديد من الإجراءات؛ وذلك بفضل الميزات التي يقدمها افتراض التضامن. وهنا يثور التساؤل، أين التضامن الإيجابي – تضامن الدائنين – هل نص عليه المشرع في القانون التجاري، وإذا لم ينص عليه هل يعني ذلك أنه غير مفترض إلا بنص القانون واتفاق الأطراف، فيأخذ حكم المادة (302) من القانون المدني، أم أنه مفترض ما لم يثبت العكس بنص القانون أو اتفاق الأطراف، فيأخذ حكم المادة (74) من القانون التجاري؟ والواقع أن المشرع في القانون التجاري قد سكت ولم ينص على تضامن الدائنين، غير أن ذلك لا يعني أنه غير مفترض، بل بخلاف ذلك، فتضامن الدائنين مفترض ما لم يوجد نص قانوني أو اتفاقي مخالف لذلك، وذلك استنادًا إلى العرف السائد؛ لأن الأخير يعد مصدرًا ثانيًا في حالة خلو التشريعات التجارية.
2649
| 08 فبراير 2024
تعد مسألة الإثبات بصفة عامة من أهم الموضوعات العملية والتي يبين أثرها على وجه الخصوص في القضايا التجارية؛ لما للإثبات من أثر في حماية الحقوق وصيانتها، فلا جدوى من وجود ونشأة حقوق مكتسبة يعجز صاحبها عن إثباتها، فالحق يتجرد من قيمته ما لم يقم الدليل على الحادث المبدئ له؛ سواء كان هذا الحادث قانونياً أو ماديًا، والواقع أن الدليل هو قوام حياة الحق ومعقد النفع منه. وقد وضع المشرع القطري قيودًا عديدة بخصوص الإثبات في الأعمال المدنية، ومن أبرزها وجوب كتابة التصرفات القانونية التي تزيد قيمتها عن خمسة آلاف ريال قطري، أو عندما يكون التصرف غير محدد القيمة؛ لكن تلك القيود لم تطل أو تلحق الأعمال التجارية، فالإثبات فيها حر مطلق غير مقيد كأصل عام، ويعني ذلك أن العمل التجاري يمكن إثباته بكافة طرق الإثبات، كشهادة الشهود والقرائن والدفاتر التجارية والمراسلات، وما سبق يوافق المادة(86) من القانون التجاري القطري، والتي نصت على أنه «يجوز الإثبات في المواد التجارية أيًا كانت قيمتها بجميع طرق الإثبات، ما لم ينص القانون على غير ذلك». كما يتماشى مع المادة (260) من قانون المرافعات المدنية والتجارية، والتي تضمنت مبدأ حرية الإثبات في المواد التجارية، فنصت على أنه «في غير المواد التجارية، إذا زادت قيمة التصرف على خمسة آلاف ريال، أو كان غير محدد القيمة، لم يجز إثبات وجوده أو انقضائه إلا بالكتابة، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك». وبناء على ما سبق، فإن الأعمال التجارية تخضع لمبدأ «حرية الإثبات»، ومفاد ذلك عدم تقيّد المدعي بالحق بالصفة التجارية بإحدى وسائل الإثبات بعينها، بل يجوز له إثبات الحق في دعواه بكافة طرق الإثبات. وتبرز الغاية من إقرار حرية إثبات الأعمال التجارية في لزوم السرعة والمرونة في إبرام تلك المعاملات وتنفيذها من خلال تبسيط الإجراءات؛ ولذلك يستطيع التاجر إبرام الصفقات دون تردد، كما أنه يستهدف الربح من جراء تلك الصفقات. في حين تتسم المعاملات المدنية بالشكليات والبطء، فتراها تقع في فترات متباعدة؛ إذ تعد الكتابة من ضمن الأسباب المفضية إلى تأخير أو تعطيل المعاملات التجارية. فلا يتصور أن يقوم التاجر بكتابة كل عقد يبرمه خشية من ضياع حقه، ولا سيما وأنه يقوم بالعديد من التصرفات في فترات وجيزة، فيعول على ذاكرة الأطراف. كما أن مبدأ حرية الإثبات في المواد التجارية، يقوم بدور داعم للائتمان الذي يعد من أهم خصال القانون التجاري، فالثقة تسود البيئة التجاري؛ وهذا بفضل خبرة التجار ويقظتهم، بالتالي لا حاجة عندهم لتلك الحماية المقررة للأعمال المدنية.
1266
| 01 فبراير 2024
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية،...
3732
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من...
1143
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو...
762
| 27 أبريل 2026
جبل الانسان بالفطرة على نبذ العنف وكره الظلم...
747
| 25 أبريل 2026
بدأت ملامح التحولات التي قد تُحدثها الحرب الأخيرة...
717
| 26 أبريل 2026
أبارك لشبكة الجزيرة إطلاق قناة الجزيرة 2-المخصصة للبرامج...
663
| 25 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات...
627
| 29 أبريل 2026
ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم،...
594
| 28 أبريل 2026
يتصل المواطن بالوزارة فيُحال إلى جهة أخرى، يتصل...
585
| 28 أبريل 2026
في زمن تتسارع فيه التحولات، لم تعد المعرفة...
489
| 27 أبريل 2026
أتساءل أحيانًا: كيف كان يمكنني مواجهة هذا كله...
474
| 26 أبريل 2026
لكل منظومة هيكل تنظيمي يحدد الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات...
441
| 29 أبريل 2026
مساحة إعلانية