رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لماذا يعد تأجير العقار عملا تجاريا؟

مسايرةً مع الاتجاهات الحديثة، اتخذ المشرع القطري موقفًا مغايرًا عن موقفه السابق في القانون رقم (16) لسنة 1971 بإصدار قانون المواد المدنية والتجارية الذي لم ينص على تجارية التعاملات التي تقع على العقارات، فنص في المادة (4/4) من القانون التجاري القطري على أنه «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 4- شراء العقار، بقصد بيعه بحالته الأصلية أو بعد تجزئته، وبيع العقار الذي اشْتُرى بهذا القصد». وهكذا يتبين لنا، أن المشرع القطري قد أضفى الصفة التجارية على شراء العقار أو بيعه بقصد تحقيق الربح، وبغض النظر عن صفة القائم سواء كان تاجرًا أم لا، وسواء تم العمل مرة واحدة أو بشكل متكرر، وتعد عملية شراء العقار أو بيعه بقصد تحقيق الربح عملًا تجاريًا؛ سواء بقي العقار على حالته الأصلية، كمنزل سكني تم شراؤه بقصد بيعه، أو بعد تجزئته كقطعة أرض تم شراؤها ثم تم تقسيمها لبيعها. ونضع في عين الاعتبار أن النص جاء مقصورًا على الشراء من أجل البيع ولم ينص على الشراء أو الاستئجار من أجل التأجير، وذلك خلافًا لبعض القوانين العربية المقارنة التي تشترط – حتى يتصف الشراء أو البيع بالتجارية، كالقانون المصري واللبناني والسوري – أن يتم العمل بوجه الاحتراف والتكرار؛ سواء كان الهدف من الشراء هو البيع أو التأجير. صحيح أن المشرع لم ينص صراحة على القصد أو الباعث من شراء العقار أو بيعه. إلا أنه إذا تمت هذه العملية دون توافر قصد المضاربة تبقى العملية في مستقرها وتعد من قبيل الأعمال المدنية. وتأسيسًا على ذلك، ثار الخلاف الفقهي فيما يتعلق بالإشكالية التي تدور حول فيما إذا ما كان يعد شراء العقار أو استئجاره بغاية تأجيره عملًا تجاريًا، وذلك استنادًا إلى نص المادة (8/1) من القانون التجاري القطري التي تقول «يعتبر عملًا تجاريًا كل عمل يمكن قياسه على الأعمال المذكورة في المواد السابقة للتشابه في الصفات والغايات»، أم أنه يعد من قبيل الأعمال المدنية بحجة أن المشرع لم ينص على هذه الحالة كما فعل في المنقول؟ انقسم الفقه إلى اتجاهات، وكل منهم يرى الموضوع من زاويته: الاتجاه الأول: يرى أن شراء العقار أو استئجاره من أجل تأجيره يعد من الأعمال التجارية، استنادًا إلى نص المادة (8/1) أعلاه التي تجيز القياس، فالعمل وفقًا لهذا الرأي يخرج من نطاق الأعمال المدنية قياسًا على شراء المنقول أو استئجاره بقصد تأجيره، وفقًا للمادة (4/2) من القانون التجاري القطري؛ لعدم اختلاف طبيعة كل من العملين، فلا فارق بين شراء العقار من أجل بيعه وشراء العقار أو استئجاره بغاية تأجيره. الاتجاه الثاني: في المقابل، يرى الاتجاه المعاكس أن شراء العقار أو استئجاره من أجل تأجيره يعدّ من قبيل الأعمال المدنية، بناءً على نص المادة (4/4) من القانون التجاري القطري، فالنص قصر العمل على الشراء بقصد البيع ولم يمده إلى الشراء أو الاستئجار بغاية التأجير، مبررين ذلك بأن العملية الأخيرة – التي لم ينص عليها المشرع – تنافي المضاربة، وما هي إلا احتفاظ برأس المال وتوظيفه بطريقة آمنة، منافية لمفهوم العمل التجاري القائم على المخاطرة. والحجة قائمة على صراحة النص ولا يجوز اللجوء إلى القياس؛ حيث إنه «لا اجتهاد مع النص»، فالأمر لا يتعارض مع الصياغة التشريعية التي حصرت العمليات فقط في الشراء بقصد البيع دون الشراء أو الاستئجار بقصد التأجير، وذلك لأن جميع الأعمال المذكورة في القانون التجاري القطري قد جاءت على سبيل المثال لا الحصر، بحيث يجوز إضافة أعمال أخرى في حال إذا كانت متشابهة في صفاتها وغايتها مع الأعمال التي نص عليها المشرع القطري؛ بل إن الحكمة تظهر جليًا في هذا الموضع، فما الغاية من وضع نص المادة (8/1) إن لم نطبقها في هذه الفروض؟ أما الحجة القائمة بالصياغة التشريعية، بحيث لو أراد المشرع أن يضفي الصفة التجارية على عمليات تأجير العقار لفعل كما فعل في المنقول، فهي حجة بعيدة عن المنطق الحاضر؛ لأن المشرع عندما قام بصياغة النص كان هذا القول؛ أي بمدنية عمليات تأجير العقار، صحيحًا في السابق وله وجاهته التاريخية، إلا أن الفكرة قد تغيرت، ويصعب قبولها في الوقت الحالي. والدفع باختلاف المحل مما يؤدي إلى عدم منطقية عملية القياس لاختلاف الصفات والغايات، هو أمر يُقدح في صحته؛ لأن عمليات القياس يجب أن تنصب على ما تتسم به جميع الأعمال التجارية من صفات وغايات، فلا يكون القياس على العمل بعينه وذاته، بل على التعداد التشريعي، فهو منهج قياس جامع لا متفرد. وبالبحث في الصفات والغايات التي من أجلها أسبغ المشرع الصفة التجارية على التعاملات الواردة في المادة (4) من القانون التجاري القطري، نجد أن الصفات والغايات هي ذاتها المتوفرة في التعاملات الواقعة على العقار؛ لوحدة طبيعة الأعمال المنصوص عليها، وتتمثل في المضاربة على فروقات الأسعار بقصد تحقيق الربح وتداول الأشياء، فنتنقل من يد إلى يد. صحيح أن المنقول يختلف عن العقار، لكن الغاية التي من أجلها اعتبر شراء المنقول أو استئجاره بقصد تأجيره عملًا تجاريًا موجودة ومتوافرة في شراء العقار أو استئجاره بقصد تأجيره، والغاية في المسألتين هي المضاربة لتحقيق الربح عن طريق التداول.

1644

| 28 نوفمبر 2024

شراء العقارات وبيعها بين الحاضر والماضي

كانت النظرة إلى العقارات في عهود الإقطاع في ظل القانون الفرنسي القديم وغيرها من القوانين السابقة أن يغلب عليها طابع التقديس والتنزيه؛ بحجة أن من يمتلكها يصنف من طبقة ذوي الأعراق النبيلة، فيستمد منها مركزه الاجتماعي، مما جعل العقار قاب قوسين أو أدنى من أن يخرج عن التداول، وأصبح السبيل الوحيد لانتقال ملكية العقار هو الإرث، وانعكست هذه الاعتبارات الخاصة للعقار على التشريعات، فكان العقار من قبيل الأشياء المقدسة. وندلل على ذلك بما ذهب إليه المشرع القطري أخذًا عن المشرع المصري الذي اعتبر كل شيء ثابت عقارًا، وما عداه منقولًا، وبذلك عرّف العقار تعريفًا مباشرًا، وترك تعريف المنقول يُستنبط بطريق الاستبعاد، وكان بوسعه أن يعرف كلًا منهما تعريفًا مباشرًا، كما فعل المصدر الأساس للتشريعات اللاتينية (القانون الفرنسي)؛ إلا أنه آثر هذا التعريف لما للعقار من خصوصية. وقد جاء المشرع القطري وأضفى الصفة التجارية على شراء العقار بقصد بيعه والعكس صحيح، وبغض النظر عن صفة القائم عليها، وسواء تم العمل مرة واحدة أم بشكل متكرر، وهذا ما نصت عليه المادة (4/4) من القانون التجاري القطري بقولها «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية:... 4- شراء العقار، بقصد بيعه بحالته الأصلية أو بعد تجزئته، وبيع العقار الذي اشْتُرى بهذا القصد». وفي هذا الصدد، عرف المشرع القطري العقار في المادة (59/1) من القانون المدني أنه «1- كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه لا يمكن نقله منه دون تلف أو تغيير في هيئته فهو عقار. وكل ما عدا ذلك من شيء فهو منقول». وبناء على ذلك، يشمل العقار ما يلي: الأرض، وهي الأساس في العقار بغض النظر عن شكلها؛ سواء كانت فضاءً، أم مبنية. والمباني ويقصد بها المنقولات التي اتصلت بالأرض اتصالًا لا ينفك منه إلا بتلفها، وأخيرًا النبات. تأسيسًا على ما سبق، فإن التشريعات العربية المقارنة قد خالفت بخجل وتردد – ومنها المشرع القطري – العديد من التشريعات القديمة الملغاة التي كانت تعد هذه التعاملات من قبيل الأعمال المدنية، وتؤمن بالقاعدة الشهيرة التي ترى أن القانون المدني هو قانون العقارات، بينما القانون التجاري هو قانون المنقولات؛ وكان تبريرهم في ذلك قائمًا على الاعتبار التاريخي والعملي وهي حجج غير منطقية، ولذلك سنورد كل حجة من جانبها ودحضها. الجانب التاريخي: ورد في الأعمال التحضرية للتقنين المدني الفرنسي ما يفيد إقصاء العقارات من نطاق التجارة، وهي عبارة جاءت على لسان الفقيه «لبورتاليس» في خطابه التمهيدي لمشروع القانون المدني الفرنسي؛ حيث قال: «ان التفرقة بين العقارات والمنقولات تتضمن المقياس الذي يفصل الأموال المدنية عن عروض التجارة، فالثروة المنقولة هي موضوع التجارة، أما الثروة العقارية فمن خصيص القوانين المدنية». وهذه الحجة مردودة؛ حيث لم ترد في موضوع تحديد الأعمال التجارية، بالإضافة إلى أنها تتسم بالعموم، مما يؤدي إلى فقدها للدلالة القانونية المحددة. الجانب العملي إضفاء الصفة التجارية على عمليات شراء العقار بقصد بيعه تتضارب مع طبيعة الملكية العقارية التي تتسم بالتقيد وطول الإجراءات المعقدة، وينصبّ التضارب في تطبيق مبدأ حرية الإثبات التي تضفي المرونة والسرعة على المعاملات المبرمة في الميدان التجاري، مما يقرر جواز إثبات الملكية بالطرق التجارية كالبينة والقرائن، وهو ما يخالف القواعد المنظمة للملكية العقارية التي تخضع في إثباتها لقانون التسجيل العقاري. وهنا نجد أن الاستناد إلى نظام التسجيل العقاري الذي يتضارب مع مبدأ حرية الإثبات في المعاملات التجارية لتقرر مدنية شراء العقار وبيعها، هو أمر مردود عليه؛ حيث توجد بعض الأعمال التجارية المستثناة من مبدأ حرية الإثبات، كعقود تأسيس الشركات، باستثناء شركة المحاصة، وبيع المتجر ورهنه، والوكالات التجارية، والأوراق التجارية المكتوبة، والتصرفات التي ترد على ملكية السفينة، وعقد العمل البحري، وعقد إيجار السفينة؛ سواء كانت مجهزة أم غير مجهزة، وسند الشحن. فما المانع من ضم الأعمال الواردة على العقار مع هذه الأعمال؟. ولذلك عَدَلت أغلب التشريعات العربية عن فكرة استبعاد العقارات من نطاق القانون التجاري؛ نتيجة ضعف التبريرات والأسس التي بنوا عليها عملية الإقصاء، وكل ما في الأمر، هو تفرقة تقليدية بين العقار والمنقول، وقد بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا؛ حيث لا فارق اليوم، نتيجة التطورات الاقتصادية بين المضاربات التي تقع في المنقول والعقار، فهي متساوية من حيث القيمة، إن لم تكن المضاربة التي تقع في العقارات في وقتنا الحاضر أكبر بكثير مما يرد على المنقولات.

543

| 21 نوفمبر 2024

متى تكون الأعمال الزراعية تجارية؟

كانت الزراعة سابقًا في دولة قطر لا تلقى الرواج والزخم الذي تحصده اليوم، ومع توالي الليل والنهار زاد الاهتمام بالأعمال الزراعية بجانبيها النباتي والحيواني، وصار هذا القطاع يحظى بالمتابعة الحثيثة والدعم اللامحدود من قبل الدولة والقيادة الرشيدة، خاصة أن هذه الأعمال تمثل ركيزة أساسية من ركائز التنمية. ونتيجة لهذا الدعم، تطور القطاع الزراعي في دولة قطر إلى مراحل لم تكن في الحسبان؛ حيث زادت نسبة الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية المحلية، وفي هذا الصدد احتلت دولة قطر المركز الأول عربيًا والرابع والعشرين عالميًا في مؤشر الأمن الغذائي لعام 2021. وقد اتفقت جلّ التشريعات، والفقه بأجمعه، على اعتبار الزراعة وما يتعلق بها من عمليات مساعدة من قبيل الأعمال المدنية، ولا تدخل ميدان تطبيق القانون التجاري، وهذا ما أكدت عليه المادة (12) من القانون التجاري القطري؛ حيث نصت على أنه "لا تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية:... 4- بيع المُزارع الحاصلات الناتجة عن الأرض المملوكة له، أو التي يزرعها، ولو بعد تحويلها بالوسائل المتاحة في استغلاله الزراعي. أما إذا أسس المزارع متجرًا أو مصنعًا بصفة دائمة لبيع حاصلاته بحالتها أو بعد تحويلها، فإن البيع في هذه الحالة يعد عملًا تجاريًا". يتضح من ذلك أن بيع المزارع لمحاصيله لا يعد من الأعمال التجارية، وهي مسألة تقليدية؛ ويعود السبب في استبعاد الزراعة وما يتعلق بها من عمليات من نطاق القانون التجاري، إلى أن الاستغلال الزراعي أسبق في الظهور من الناحية التاريخية على الاستغلال التجاري؛ ولذلك جاء القانون المدني – وهو الأسبق في النشأة – ليحكم العلاقات الناشئة منه، فلا يمكن أن يسلب قانون التجارة هذا العمل من نطاق القانون المدني الذي يعد قانون الأعمال الزراعية. ومن المعلوم أيضًا أن القانون التجاري جاء ليقنن أعرافا وتقاليد خاصة بفئة من المجتمع ألا وهم التجار، والآخرون يختلفون تمامًا في طريقة عيشهم عن تلك التي يعيش عليها المزارعون. وبالرغم مما ذكر من أهمية العمليات الزراعية، إلا أنه ما زالت لم تحظ بالاهتمام اللازم، وبشكل أخص الاستغلال الزراعي الصغير القائم على الاجتهاد الشخصي للمزارع وعائلته؛ بيد أن هذه الصورة القديمة للاستغلال الزراعي، قد بدأت تتلاشى نتيجة ظهور المشروعات الزراعية الضخمة التي تحتم عليها اللجوء إلى الاقتراض من البنوك بغاية توفير الائتمان، والمضاربة على جهد الغير، وفتح المحال والفروع. ونتيجة لذلك، بدأت القوانين الحديثة تتدارك هذا التطور الكبير، الذي يكون مؤداه إخراج الأعمال الزراعية من ميدانه – القانون المدني – إلى ميدان التجارة. وهذا ما فعله المشرع القطري حقيقة؛ حيث نص في المادة (5/15) من القانون التجاري القطري على أنه "تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف:... 15- الصناعة وإن كانت مقترنة باستثمار زراعي، والتعهد بالإنشاء والصنع". وهو أمر منطقي، فبعد أن تأخذ الأعمال الزراعية صورة المشاريع الضخمة التي تهدف إلى تحقيق الربح وتداول الثروات الطبيعية، يتحتم أن يعد العمل تجاريًا؛ لتوافر المعيارين الأساسيين (المضاربة والتداول)، بالإضافة إلى أن العمل يمارس بطريق الاحتراف عن طريق مشروعات. وأخيرًا، لا يعد عمل المزارع تجاريًا في حال قيامه بتربية بعض الإبل والأبقار والخرفان وتركها تهيم وترعى في أرضه، ومن ثم باعها أو باع ألبانها أو قام بتحويل ألبانها [أي إلى منتجات أخرى]. وفي جميع الأحوال، ينقلب العمل من عمل مدني إلى عمل تجاري إن أخذ العمل صورة مشروع أو تمت ممارسته بطريق الاحتراف، كأن يؤسس المزارع مصنعًا أو متجرًا بشكل دائم. وتثور الإشكالية عند قيام المزارع بشراء محصول الغير وبيعه مع محاصيله، فهل يعد العمل تجاريًا – نتيجة تحقق الأسس العامة لبيان طبيعة العمل؛ أي المضاربة والتداول – في هذا الفرض أم يعد مدنيًا بما أنه عمل ثانوي ومكمل للعمل الأصلي؟ وهنا يجب أن نفرق بين فرضين؛ حتى يتسنى لنا معرفة طبيعة العمل: الفرض الأول: إذا كانت المحاصيل المشتراة من الغير أكثر من المحاصيل المحصودة، ففي هذا الفرض يعد الشراء عملًا تجاريًا؛ لتوافر عنصر المضاربة، إذ يوجد هنا شراء بقصد البيع، ويعد المزارع المشتري وسيطًا في هذا الفرض بين المنتج – المزارع البائع – والمستهلك، وهو بذلك يحقق الكسب من فروق الأسعار بغية تحقيق الربح، وعندما نمعن في المسألة نجد أن العمل الثانوي هو العمل الزراعي، بينما العمل الأصلي هو شراء محصول الغير. الفرض الثاني: إذا كانت المحاصيل المشتراة أقل من المحاصيل المحصودة، وهنا يعد الشراء من قبيل الأعمال المدنية؛ فهو يمثل عملًا ثانويًا بالنسبة إلى العمل الأصلي، وبذلك يعد عملًا مدنيًا بالتبعية.

2457

| 13 نوفمبر 2024

المهن الحرة ليست بأعمال تجارية

لم يضع المشرع القطري قانونا أو نظاما عاما للمهن الحرة؛ بل شرع قوانين مستقلة بذاتها ومحددة لكل مهنة على حدة، ومنها: مهنة الطب، والمهن الهندسية، ومهنة المحاماة، ومهنة المحاسبة والتدقيق، إلا أن المهن كثيرة ومتعددة، ويصعب حصرها، ولذلك توجد هناك العديد من المهن التي لم تنل اهتمام المشرع كالمهن الفنية أو التدريسية. والمهن الحرة تحتاج إلى قدر كبير من النشاط الذهني والتعلم القائم على الأسس التي يمتاز بها كل علم ومهنة، فالمحامي مثلًا يحتاج أن يتعلم القانون ويحيط بأهم القواعد الأساسية لكي يتسنى له أن يدافع بها عن موكليه، ومن ثم يذيع صيته بأنه محامٍ فذ، والمحاسب لا بد له أن يدرس علم المحاسبة والاقتصاد ويمارس هذا العلم حتى يستطيع أن يطبقه على أرض الواقع فيحوز على ثقة عملائه، وقس على ذلك غيرها من المهن. ويقصد بالمهن الحرة العمل الذي يستغل فيه الفرد مهاراته وقدراته وخبراته –الملكات الذهنية – العلمية والعملية لإتمام عمل يشكل فائدة له أو لغيره وغالبًا ما يكون بأجر، وهو ما يعرف بالأتعاب أو الأجر، ومباشرة المهن الحرة تعدّ من قبيل الأعمال المدنية؛ لأن الطابع الغالب فيها هو الإنتاج الذهني والجهد العلمي والخبرة الفنية التي لم يسبق شراؤها أو استئجارها؛ بل هي وليدة الفكر والخبرة والممارسة، ومن ثم يسخرون ملكاتهم الذهنية والفكرية وما يمتازون به من قدرات فنية لاستغلاله. إضافة إلى أن الأسس العامة لتحديد تجارية العمل لم تتوافر، والقائمة على كل من عنصري المضاربة والتداول، وبالتالي لا يكتسب المهني عند ممارسته المهنة صفة التاجر. والحكم سواء، فلا يقدح في الصفة المدنية، كم الأتعاب التي يتقاضاها صاحب المهنة؛ لأنها تعد بمثابة مكافأة على عمله وليست من قبيل الأرباح. ولكن في بعض الأحيان قد يقترن مع ممارسة المهن الحرة، بعض من الأعمال التجارية كالشراء أو الاستئجار من أجل البيع، مما يؤدي إلى توافر عنصري المضاربة والتداول، كالطبيب الذي يبيع الأدوية على عملائه، أو الطبيب الذي يملك مشفى وتعهد بالإضافة إلى الرعاية الطبية، تقديم العلاج والإقامة وغيرها من الخدمات، أو المهندس الذي لا يقتصر عمله على وضع الرسومات والنماذج الهندسية، وقس على ذلك المهن الأخرى. وبالتالي يثور التساؤل: هل يعد هذا الخليط من العمل الفني والتجاري من قبيل الأعمال المدنية أم الأعمال التجارية؟ الحقيقة أن المعيار الفاصل في جميع هذه الفرضيات هو الطابع الغالب، وهي بذلك تخضع للقاعدة الشهيرة «الفرع يتبع الأصل»، وبناء على ذلك، يجب على القاضي أن يرى العمل المهيمن، ومن ثم يُتبع به الفرع. وسنبين – فيما يلي – أمثلة لمجموعة من الأعمال المهنية التي تعد تارة مدنية وطورًا تجارية، وذلك على النحو الآتي: أولا: المهن الطبية: الأصل أن الأعمال التي يقوم بها الأطباء هي من قبيل الأعمال المدنية لهيمنة العمل القائم على الخبرة العملية في نشاطه، وهي بذلك تخضع لقانون المهنة المنظم لها؛ وهو القانون رقم (2) لسنة 1983 في شأن مزاولة مهنتي الطب البشري وطب وجراحة الأسنان، وإن لم يرد نص نعود إلى الشريعة العامة – أي القانون المدني – إلا أنه في بعض الأحيان قد يمارس الطبيب بعضًا من الأعمال التي تضفي الصبغة التجارية على المهنة الطبية. ثانيا: المهن الهندسية:القيام بالأعمال الهندسية بشتى فروعها لا يعد من قبيل الأعمال التجارية؛ لأن قوامها العلم والخبرة لا التربح والكسب، ولا يوجد هناك فارق بين المهن الطبية والهندسية من حيث تحديد طبيعة النشاط، فإذا اقتصر عمل المهندس على وضع التصاميم والرسومات والنماذج عُدّ العمل في هذه الحالة مدنيًا؛ نتيجة طغيان الجانب الفني على العمل التجاري، أما إذا اتسع نطاق عمله، فباشر أعمال التشييد والبناء، وأشرف على التنفيذ، بالإضافة إلى توريد المواد أو توفير الأيدي العاملة والفنيين، أو تعاقد مع المقاولين من الباطن، دخل العمل نطاق الدائرة التجارية، وفقد الوصف الأساسي؛ نتيجة هيمنة العمل التجاري على الجانب الفني. ونضع في عين الاعتبار أنه في حال إذا ما امتد عمل المهندس إلى التشييد والبناء بنفسه، أو افتتح مكتبا هندسياً لتقديم الرسوم الهندسية للغير مقابل أجر أو أتعاب يحصل عليها، فإنه يستوجب أن يمارس عمله بطريق الاحتراف – أي بشكل متكرر ومتصل – حتى يتصف بالتجارية، وهذا ما جاءت به المادة (5) من القانون التجاري، وبناء على ذلك يكتسب المهندس صفة التاجر. ثالثا: مهنة المحاماة والتدقيق والمحاسبة (مدقق الحسابات): الأمر نفسه ينطبق على مهنة المحاماة والتدقيق والمحاسبة؛ فالأعمال التي يقومون بها تعد من قبيل الأعمال المدنية، سواء كان الأمر بالنسبة إلى المحامي متعلقًا بتمثيل الموكلين أو الدفاع عنهم، أو تقديم الطعون، أو الترافع أمام المحاكم، أو بالنسبة إلى المحاسب أو المدقق، أو كان متعلقًا بتنظيم حسابات الأفراد أو الشركات أو الإقرارات الضريبية أو المشروعات، ونكتفي بذلك منعًا للتكرار. بيد أن هناك بعضًا من الأعمال المهنية التي أجاز فيها المشرع أن تتخذ شكل مشروع منظم يمارس من خلال العمل المهني، فيجوز لمدققي الحسابات تأسيس شركة مهنية يزاولون من خلالها أعمال المهنة، وهذا ما نصت عليه المادة (7) من قانون مهنة تدقيق الحسابات القطري بقولها «يجوز لمدققي الحسابات القطريين تأسيس شركات تضامن لمزاولة المهنة بالاشتراك مع مدققي حسابات قطريين أو غير قطريين...».

3840

| 07 نوفمبر 2024

ثمار القريحة الذهنية... أهي مدنية أم تجارية؟

أشرنا في مقالات سابقة إلى أن شراء المنقول من أجل بيعه أو تأجيره أو الاستئجار بقصد التأجير يعد عملًا تجاريًا؛ وذلك في حال توافر الشروط التي سبق أن أوضحناها، ومن ثم جاء المشرع وانتزع الصفة التجارية من مجموعة من الأعمال، وفي هذا الصدد تنص المادة (11) من القانون التجاري القطري على أنه "لا تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 1- إنتاج الفنان لعمل فني، بنفسه أو باستخدامه عمالًا، وبيعه. 2- طبع المؤلف مؤلفه وبيعه إياه. 3- ممارسة أصحاب المهن الحرة لمهنهم، كالطبيب والمهندس والمحامي ومن في حكمهم. 4- بيع المزارع الحاصلات الناتجة عن الأرض المملوكة له، أو التي يزرعها، ولو بعد تحويلها بالوسائل المتاحة في استغلاله الزراعي. أما إذا أسس المزارع متجرًا أو مصنعًا بصفة دائمة لبيع حاصلاته بحالتها أو بعد تحويلها، فإن البيع في هذه الحالة يعد عملًا تجاريًا". وبناء على ذلك، يخرج من نطاق الأعمال التجارية بعض من صور البيع التي لا يسبقها شراء، كالإنتاج الذهني مثل بيع المؤلف لإنتاجه الذهني أو الرسام لرسوماته، وقس على ذلك. بالإضافة إلى أنه لا يعد عملًا تجاريًا ممارسة أصحاب المهن الحرة لمهنهم كاستغلال المواهب والقدرة العملية، خذ مثلًا المحامين والمحاسبين. علاوة على ذلك، يخرج من نطاق الأعمال التجاريةـ بيع الحاصلات الزراعية المملوكة للمزارع. وجميع هذه العمليات تسبغ بالصفة المدنية نتيجة انتفاء شرط الشراء المسبق للبيع، كما أن المعيارين الأساسيين لتمييز الأعمال التجارية عن المدنية غير متوافرين، وهما المضاربة والتداول، وتبعًا لذلك سنتناول كل عمل في مقال منفرد بذاته. بدءًا بالإنتاج الذهني أو الأعمال الذهنية، ومن ثم المهن الحرة، وأخيرًا الأعمال الزراعية. الإنتاج الذهني: يقصد به التجسيد الواقعي للحق المعنوي الذي يقوم به الفرد؛ سواء كان رسامًا أو أديبًا أو قارئًا أو عالمًا أو كاتبًا إلى نحو ذلك، لثمرة الفكر العقلي والإبداع الفني المبتكر المتصل به. ولذلك لا يعد بيع الإنتاج الذهني من قبيل الأعمال التجارية أيًا كانت صورته؛ سواء كان بحثًا أو مؤلفًا أو رسمةً أو كتابًا أو تسجيلًا صوتيًا وما إلى ذلك من إنتاجات فنية؛ لأن هذا الإنتاج من ثمار القريحة والذهن الذي لم يسبقها شراء. ولا يقدح في طبيعة العمل، فتتغير طبيعته إلى الصفة التجارية، أن يتحمل المؤلف نفقات الطباعة، كشراء الأوراق ودفع الأجور اللازمة للطباعة، أو قيام الرسام بشراء الريش والألواح الزيتية والعدة اللازمة لإتمام الرسمة، أو قيام القارئ بشراء أجهزة التسجيل والمونتاج ليعد تسجيله، أو شراء العالم أو الباحث للكتب والمراجع أو المواد الخام حتى يقوم بالتجارب اللازمة، والعلة تكمن في أن هذه الأعمال ثانوية وليس لها الدور الأساس كالإنتاج الذهني، ويعدّ بذلك عملًا مدنيًا بالتبعية. أيضًا، الباعث للشراء أو الاستئجار، يمثل في مباشرة العمل الذهني، والأخير لم يسبقه شراء؛ بل هو من إبداع الملكوت العقلي الذي يتمتع به كل فرد على حدة، كما أن صفة المدنية تبقى متصلة بالإنتاج الذهني ولا يتغير الحكم في حال ما إذا استعان المؤلف ببعض المساعدين لمعاونته في إنهاء عمله. أما دور النشر فإن أمرها يختلف كلياً، حيث يعد عملها تجاريًا، والسبب يعود إلى أن الدور تأخذ دور الوسيط في تداول الإنتاج العملي والأدبي والفني بين المنتج والمؤلف. فمثلًا عندما يقوم ناشر بشراء حقوق الملكية لمؤلفات كاتب شهير من أجل طباعتها وبيعها، فإن عمله يعد تجاريًا؛ إذ يهدف إلى تحقيق الربح ويضارب على الأسعار. نخلص إذًا إلى أن بيع المؤلف حقوقه لدار النشر يعد عملًا مدنيًا بالنسبة له، وفي الجانب الآخر شراء دار النشر لحقوق المؤلف بغاية تحقيق الربح جراء طباعتها وبيعها يعد عملًا تجاريًا لها. وقد عالج المشرع أعمال دور النشر وعدّها من الأعمال التجارية بطريق الاحتراف؛ حيث نصت عليها المادة (5/14) من القانون التجاري القطري التي تقول "تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف: الأعمال المتعلقة بالطباعة، والنشر والصحافة، والإذاعة والتليفزيون، ونقل الأخبار أو الصور، والإعلانات وبيع الكتب".

897

| 31 أكتوبر 2024

الشراء والبيع والإيجار في القانون التجاري

أول ما يتبادر إلى الأذهان عند ذكر لفظ «التجارة» هو عملية الشراء من أجل البيع، وهي العملية الدارجة والأكثر انتشارًا. وهي تشمل عمليات الشراء من أجل البيع أو التأجير وكذلك الاستئجار بقصد إعادة التأجير، ولذلك تعتلي عمليات شراء المنقولات بقصد بيعها أو تأجيرها واستئجارها بقصد تأجيرها سعيًا لتحقيق الربح قمة الأعمال التجارية؛ إذ تعد أكثر الأعمال التجارية وقوعًا وأمسها لروح التجارة، وهي تجسيد صريح يضرب صميم معيار المضاربة والتداول. وتطبيقًا لما سبق، تنص المادة (4) في فقراتها (1-3) على أنه «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 1- شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد بيعها، سواء بيعت على حالتها أو بعد تهيئتها في صورة أخرى. شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد تأجيرها، أو استئجارها بقصد إعادة تأجيرها. 3- البيع، أو الإيجار، أو إعادة التأجير للسلع المشتراة، أو المستأجرة على الوجه المبين فيما تقدم». يتبين لنا من هذا النص أنه يلزم توافر ثلاثة شروط لاعتبار هذا العمل تجاريًا، وهي: أن يكون هناك شراء أو استئجار. أن ينصب الشراء أو الاستئجار على منقول. أن يكون تحقيق الربح الغاية المبتغاة. ويترتب على اجتماع هذه الشروط في أي عمل توافر الصفة التجارية ولو وقعت مرة واحدة، بصرف النظر عن صفة القائم بها تاجرًا أو غيره، ويترتب على تخلف أحدها نزع هذه الصفة. وفيما يلي سنتناول تلك الشروط بالشرح والبيان: أولًا: أن يكون هناك شراء أو استئجار: يستهدف التاجر حال قيامه بالشراء أو الاستئجار تحقيق الربح من خلال المضاربة على فروق الأسعار وتداول الثروات، وهو بذلك لا يتوخى من جراء القيام بهذا العمل الاستهلاك والاستعمال الشخصي كما يقوم الفرد العادي. ويقصد بالشراء الحصول على شيء بمقابل؛ سواء كان مبلغًا من النقود أم عينًا كما هو الحال في عقود المقايضة، فالعبرة تكون في أداء المقابل لا صورته، ولا يمنع من أن يطال مفهوم الشراء في هذا الصدد، جميع عقود المعاوضة الناقلة للملكية، وبذلك يكون هذا هو المعنى الواسع للشراء، لا الضيق المعروف في القانون المدني. وبمفهوم المخالفة، إذا انتقلت ملكية شيء بغير مقابل، كما هو الحال في الوصية أو الهبة أو الإرث، عُد هذا العمل مدنيًا، ويجب استبعاده من نطاق الأعمال التجارية؛ لمعارضته مفهوم المضاربة وتداول الثروات، كذلك يعد مدنيًا قيام وارث ببيع مال آل إليه عن طريق الميراث لعدم سبق شرائه. إضافة إلى ما سبق، تنزع الصفة التجارية من بعض الأعمال وتدخل في نطاق وميدان الأعمال المدنية، مثل البيوع التي لم يسبق شراؤها كبيع المزارع لمحصول أرضه أو بيع الفنان لعمله. أما الاستئجار فهو الانتفاع بشيء معين لمدة محدودة في مقابل عوض مالي، والغالب أن تكون الأجرة نقودًا، وقد تكون أي عوض مالي آخر كالبضائع، أو عملًا يلتزم به المستأجر أو شيئًا غير النقود، كما أن الأجرة قد تدفع مرة واحدة أو مجزأة على فترات متتالية. ثانيًا: أن ينصب الشراء أو الاستئجار على منقول: لكي يعد الشراء أو الاستئجار تجاريًا، يجب أن يرد على منقول، وبذلك يكون محل التصرف هو المنقولات. والأموال المنقولة هي كل شيء متحرك يمكن نقله من مكان إلى آخر دون تلف يصيبه فيغير من شكله أو هيئته. وحسنًا فعل المشرع القطري بذكره المنقولات بشكل عام دون تخصيص، فلم يحصرها في المنقولات المادية فقط حيث جاء النص بعبارة «السلع وغيرها من المنقولات». وبذلك قضى على أي خلاف فقهي قد يرى استبعاد الشراء أو الاستئجار الذي يرد على المنقولات المعنوية من نطاق النص التشريعي. وتنقسم المنقولات إلى نوعين، هما: المنقولات المادية، كالسيارات، والساعات، وسبح الكهرمان، والمجوهرات، والمحاصيل الزراعية، والمواشي، وما إلى ذلك. المنقولات المعنوية، كالأسهم، والسندات، والديون، والعلامات التجارية، وحقوق الملكية الأدبية والفنية، وبراءات الاختراع، وغيرها. وقد أكدت المادة (4) من القانون التجاري القطري على أنه «سواء بيعت على حالتها أو بعد تهيئتها في صورة أخرى». وبناء على ذلك يعد عملًا تجاريًا شراء السيارة لبيعها بعد تزويدها بأجزاء تزيد من قوتها، أو شراء الكتب ومن ثم تجليدها لبيعها لقارئيها. ثالثًا: أن يكون تحقيق الربح هو الغاية المبتغاة من وراء البيع أو التأجير: يجب أن تكون الغاية المبتغاة من وراء شراء المنقولات من أجل بيعها أو تأجيرها، أو استئجار المنقولات من أجل تأجيرها، هي تحقيق الربح، وبالتالي لا يكون القصد من جراء هذه العملية، الاستعمال أو الاستهلاك الشخصي، وبذلك يتحقق مفهوم المضاربة وتضفي الصفة التجارية على التصرف. فتاجر الساعات يشتري ساعة الرولكس أو الباتك فيبلب من أجل بيعها بسعر أعلى مستهدفًا الربح المؤمل من خلال جني الفارق بين سعر الشراء والبيع، وقس على ذلك الشراء أو الاستئجار من أجل التأجير، كمن يأجر السيارات أو الدرجات. ولا تهم صفة القائم بعد ذلك سواء كان تاجراً أو لا، وسواء قام بالعمل مرة واحدة أو من باب أولى بشكل متكرر.

2607

| 08 أكتوبر 2024

ملاحظات على المادة (4) من القانون التجاري

جعل المشرع القطري معيار المضاربة الممزوجة بفكرة التداول للمعاملات المحور الأساسي لبيان تجارية العمل، سواء كان الشخص القائم بالعمل تاجرًا أو غير تاجر، وذلك من خلال السعي لتحقيق الربح عن طريق المضاربة على الأسعار عن طريق تحريك المنتجات والسلع من مصدرها الأول إلى مستقرها الأخير. وهذا ما جاءت به المادة (3) من القانون التجاري القطري التي تنص على أن «الأعمال التجارية بصفة عامة هي الأعمال التي يقوم بها الشخص بقصد المضاربة ولو كان غير تاجر. والمضاربة هي تَوَخي الربح بطريقة تداول المعاملات». وقد أوردت المادة (4) من القانون التجاري القطري، تطبيقات على وجه الخصوص لأعمال تجارية بناء على معيار المضاربة الممزوج بالتداول؛ حيث نصت على أنه «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد بيعها، سواء بيعت على حالتها أم بعد تهيئتها في صورة أخرى. شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد تأجيرها، أو استئجارها بقصد إعادة تأجيرها. البيع، أو الإيجار، أو إعادة التأجير للسلع المشتراة، أو المستأجرة على الوجه المبين فيما تقدم. شراء العقار، بقصد بيعه بحالته الأصلية أو بعد تجزئته، وبيع العقار الذي اشْتُري بهذا القصد. تأسيس الشركات التجارية. مقاولات الأعمال». يلاحظ من هذا النص عدة أمور هامة يجب التنويه عليها: أولًا: أن هذه الأعمال تعد أعمالًا تجارية منفردة دون اعتبار لصفة القائم بها، أي أنها تتسم بالصفة التجارية وإن وقعت من تاجر أو غيره، وسواء وقعت مرة واحدة أو بصورة عارضة وهذا كاف من باب أولى، أم بشكل متكرر وبصورة مستمرة من خلال احترافها عن طريق مشروع تجاري، وهي بذلك تعد أعمالًا تجارية بناء على القصد من إجرائها؛ أي المضاربة عن طريق تداول الثروات والمعاملات، لا عن صفة القائم بها، كمحامٍ أو طالب يشتري سيارة بقصد بيعها ساعيًا من ورائها لتحقيق الربح، أو محاسب أو مدرس يشتري مجموعة من سبح الكهرمان راجيًا الربح من بيعها. ونبرهن على ما سبق، بأن المشرع القطري فرّق بين الأعمال التجارية عن طريق المضاربة والأعمال التجارية بوجه الاحتراف من خلال ذكر عبارة «تعد، بوجه خاص» في هذه المادة، ويعني ذلك، أن هذه الأعمال بالأخص تعد أعمالًا تجارية وفقًا للمعيار العام المذكور في المادة التي تسبقها، وهي المادة (3)، إضافة إلى أنه جاء في المادة (5) من القانون التجاري القطري ما نصه «تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف...». ولا مانع من أن تمارس الأنشطة والأعمال المذكورة في نص المادة (4) على سبيل الاحتراف كالشركات العقارية. ثانيًا: أن التعداد الوارد للأعمال في المادة (4) من القانون التجاري القطري أراد المشرع به التمثيل لا الحصر، وهو ما يفهم من نص المادة (8/1) من القانون التجاري القطري بقولها «يعتبر عملًا تجاريًا كل عمل يمكن قياسه على الأعمال المذكورة في المواد السابقة للتشابه في الصفات والغايات». وحسنًا فعل المشرع القطري بإيراده هذا النص؛ لأن الأعمال التجارية لا تقبل الحصر، فما هو محدود لا يستطيع أن يحصر غير المحدود، مهما بلغ من استشراق. فإن ديمومة التطور من الصفات التي تنطبع بها الحياة التجارية، ولا شك في أن الأعمال التجارية تستجد تبعًا لتطورات الحياة. ولذلك فإن حصر الأعمال التجارية ينافي ويخالف طبيعة الأشياء، فهي غير قابلة للحصر خاصة مع التطور الذي يلحق الحياة التجارية. ونستدل أيضًا بمطلع المادة (4) من القانون التجاري القطري الذي يؤكد على أن هذه الأعمال قد جاءت على سبيل المثال لا الحصر؛ حيث جاء فيها: «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية...». وتماشيًا مع ما سبق، تجعل المادة (8/1) باب الاجتهاد والقياس مفتوحًا للقاضي لتقرير صفة التجارية على الأعمال التي تطرأ في ميدان التجارة، ويكون ذلك من خلال الحكم على عمل تجاري مستحدث لم ينص عليه المشرع القطري بناءً على عمل تجاري ورد به نص بسبب اشتراك العملين – المنصوص والمستحدث – بذات الخصائص والصفات. تطبيقًا لذلك لو سمعنا يوما عن شركة تقوم ببيع الأراضي أو المباني في الفضاء إذا صح ذلك، ولما لا يوجد نص في القانون القطري لهذا الفرض، فعن طريق القياس، يصطبغ بالطابع التجاري. ثالثًا: حسم المشرع القطري النزاع والجدل الفقهي الذي كان يسعى لوضع حلول تقليدية لإسباغ الصفة التجارية على عمليات بيع العقارات وشرائها، وذلك خلاف لما استقرت عليه بعض القوانين المقارنة باعتبار أن شراء العقار بقصد بيعه عمل مدني إلا إذا أخذ شكل المشروع المنظم.

606

| 01 أكتوبر 2024

ملاحظات على المادة (4) من القانون التجاري

جعل المشرع القطري معيار المضاربة الممزوجة بفكرة التداول للمعاملات المحور الأساسي لبيان تجارية العمل؛ سواء كان الشخص القائم بالعمل تاجرًا أو غير تاجر، وذلك من خلال السعي لتحقيق الربح عن طريق المضاربة على الأسعار عن طريق تحريك المنتجات والسلع من مصدرها الأول إلى مستقرها الأخير. وهذا ما جاءت به المادة (3) من القانون التجاري القطري التي تنص على أن "الأعمال التجارية بصفة عامة هي الأعمال التي يقوم بها الشخص بقصد المضاربة ولو كان غير تاجر. والمضاربة هي تَوَخي الربح بطريقة تداول المعاملات". وقد أوردت المادة (4) من القانون التجاري القطري، تطبيقات على وجه الخصوص لأعمال تجارية بناء على معيار المضاربة الممزوج بالتداول؛ حيث نصت على أنه "تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد بيعها، سواء بيعت على حالتها أم بعد تهيئتها في صورة أخرى. شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد تأجيرها، أو استئجارها بقصد إعادة تأجيرها. البيع، أو الإيجار، أو إعادة التأجير للسلع المشتراة، أو المستأجرة على الوجه المبين فيما تقدم. شراء العقار، بقصد بيعه بحالته الأصلية أو بعد تجزئته، وبيع العقار الذي اشْتُرى بهذا القصد. تأسيس الشركات التجارية. مقاولات الأعمال". يلاحظ من هذا النص عدة أمور مهمة يجب التنويه إليها: أولًا: أن هذه الأعمال تعد أعمالًا تجارية منفردة دون اعتبار لصفة القائم بها، أي أنها تتسم بالصفة التجارية وإن وقعت من تاجر أو غيره، وسواء وقعت مرة واحدة أو بصورة عارضة وهذا كاف من باب أولى، أم بشكل متكرر وبصورة مستمرة من خلال احترافها عن طريق مشروع تجاري، وهي بذلك تعد أعمالًا تجارية بناء على القصد من إجرائها؛ أي المضاربة عن طريق تداول الثروات والمعاملات، لا عن صفة القائم بها، كمحامٍ أو طالب يشتري سيارة بقصد بيعها ساعيًا من ورائها لتحقيق الربح، أو محاسب أو مدرس يشتري مجموعة من سبح الكهرمان راجيًا الربح من بيعها. ونبرهن على ما سبق، بأن المشرع القطري فرّق بين الأعمال التجارية عن طريق المضاربة والأعمال التجارية بوجه الاحتراف من خلال ذكر عبارة "تعد، بوجه خاص" في هذه المادة، ويعني ذلك، أن هذه الأعمال بالأخص تعد أعمالًا تجارية وفقًا للمعيار العام المذكور في المادة التي تسبقها، وهي المادة (3)، إضافة إلى أنه جاء في المادة (5) من القانون التجاري القطري ما نصه "تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف...". ولا مانع من أن تمارس الأنشطة والأعمال المذكورة في نص المادة (4) على سبيل الاحتراف كالشركات العقارية. ثانيًا: ان التعداد الوارد للأعمال في المادة (4) من القانون التجاري القطري أراد المشرع به التمثيل لا الحصر، وهو ما يفهم من نص المادة (8/1) من القانون التجاري القطري بقولها "يعتبر عملًا تجاريًا كل عمل يمكن قياسه على الأعمال المذكورة في المواد السابقة للتشابه في الصفات والغايات". وحسنًا فعل المشرع القطري بإيراده هذا النص؛ لأن الأعمال التجارية لا تقبل الحصر، فما هو محدود لا يستطيع أن يحصر غير المحدود، مهما بلغ من استشراق. فإن ديمومة التطور من الصفات التي تنطبع بها الحياة التجارية، ولا شك في أن الأعمال التجارية تستجد تبعًا لتطورات الحياة. ولذلك فإن حصر الأعمال التجارية ينافي ويخالف طبيعة الأشياء، فهي غير قابلة للحصر خاصة مع التطور الذي يلحق الحياة التجارية. ونستدل أيضًا بمطلع المادة (4) من القانون التجاري القطري الذي يؤكد على أن هذه الأعمال قد جاءت على سبيل المثال لا الحصر؛ حيث جاء فيها: "تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية...". وتماشيًا مع ما سبق، تجعل المادة (8/1) باب الاجتهاد والقياس مفتوحًا للقاضي لتقرير صفة التجارية على الأعمال التي تطرأ في ميدان التجارة، ويكون ذلك من خلال الحكم على عمل تجاري مستحدث لم ينص عليه المشرع القطري بناءً على عمل تجاري ورد به نص بسبب اشتراك العملين – المنصوص والمستحدث – بذات الخصائص والصفات. تطبيقًا لذلك لو سمعنا يوما عن شركة تقوم ببيع الأراضي أو المباني في الفضاء إذا صح ذلك، ولما لا يوجد نص في القانون القطري لهذا الفرض، فعن طريق القياس، يصطبغ بالطابع التجاري. ثالثًا: حسم المشرع القطري النزاع والجدل الفقهي الذي كان يسعى لوضع حلول تقليدية لإسباغ الصفة التجارية على عمليات بيع العقارات وشرائها، وذلك خلاف لما استقرت عليه بعض القوانين المقارنة باعتبار أن شراء العقار بقصد بيعه عمٌل مدنٌي إلا إذا أخذ شكل المشروع المنظم.

795

| 24 سبتمبر 2024

خطة المشرع القطري نحو تنظيم الأعمال التجارية (2)

لم يسترشد المشرع القطري بمعيار واحد عندما حدد الأعمال التجارية وعددها، ولا نبالغ عندما نقول إنه كان خال الذهن من أي مذهب سواء كان مذهبًا شخصيًا أو موضوعيًا أو معيارًا يلجأ إليه في سرد النصوص، وندلل على ذلك بأنه بدأ بذكر الشراء من أجل البيع، وهو في القانون من الأعمال التجارية المنفردة القائمة على معيار المضاربة، وبعد ذلك أردفها بأعمال لا تعد تجارية إلا إذا تم ممارستها بطريقة الاحتراف (معيار المشروع)، ثم عاد إلى الأعمال التجارية المنفردة من خلال ذكر الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية (معيار المضاربة). إلا أنه حاول أن يدخل بعضًا من التنظيم في تعداده، فبدأ بتقسيم عام يتمثل أولا في الأعمال التجارية بطبيعتها، وذلك في المواد (4-7) من القانون التجاري القطري، ومن ثم انتقل إلى الأعمال التجارية على سبيل القياس وذلك في المادة (8/1)، وأردفها بالأعمال التجارية بالتبعية وذلك في المادة (8/2)، وأخيرًا الأعمال المختلطة، وهو ما نص عليها في المادة (10). وبناء على ذلك، تنقسم الأعمال التجارية وفقًا للقانون القطري إلى: الأعمال التجارية بطبيعتها أو بحكم ماهيتها الذاتية، وهي الأعمال التي تمثل الوساطة في تحريك المنتجات والثروات بغاية تحقيق الربح، وقد نص عليها المشرع في المواد من (4-6) بالإضافة إلى المادة (7) من القانون التجاري. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الفقهاء درج على تسمية هذه الأعمال بالأعمال التجارية بطبيعتها، والمصطلح منتقَد عند بعض من الفقه، فهي تسمية أخطأت التعبير وأساءت التفسير في نظرهم؛ حيث توحي بأن هناك أعمالًا تجارية في جوهرها ومكنونها محصورة في هذا النطاق – كأنها خلقت تجارية وليس لها أصل مدني – بحيث لا يمكن أن تكون مدنية، ولا تخضع لقواعد القانون المدني، والحقيقة أنه لا يوجد اختلاف في «الطبيعة» بين العلاقات المدنية والتجارية، فالأخيرة قد تخضع لحكم الأولى باعتبارها الشريعة العامة لكافة العلاقات والروابط. ونتيجة لما سبق، لا يمكن القول بأن العمل الواحد له طبيعتان؛ والأصح أن نقول إن العمل الواحد له صفتان. وتنقسم الأعمال التجارية بطبيعتها إلى: الأعمال التجارية المنفردة، وهي الأعمال التي تتسم بالصفة التجارية ولو وقعت مرة واحدة وبغض النظر عن صفة القائم بها سواء كان تاجرًا أم غير ذلك، وقد نص المشرع القطري على مجموعة من الأعمال التجارية المنفردة في المادتين (4) و(6) من القانون التجاري. وتقسم إلى: الأعمال التجارية البرية المنفردة، وتختص المادة (4) من القانون التجاري القطري بهذا النوع من الأعمال. الأعمال التجارية البحرية والجوية المنفردة، وقد تناولتها المادة (6) من القانون التجاري القطري. الأعمال التجارية بطريق الاحتراف، وهي الأعمال التي تعد تجارية إذا تمت على وجه من التكرار، مستندة إلى قدر من التنظيم، فتأخذ شكل المشروع، وجاء المشرع بصور لهذه الأعمال في المادة (5) من القانون التجاري القطري. ولا بد أن ننوه بأن المشرع القطري لم يذكر الأوراق التجارية في المادة (4)، ومن ثم جاء في المادة (7) وأكد على أن جميع الأعمال المتعلقة بالأوراق التجارية، كالشيك والكمبيالة، تعد أعمالًا تجارية. والسؤال يثور: هل قصد المشرع القطري استبعاد الأوراق التجارية من طائفة الأعمال التجارية بطبيعتها وبذلك لا تعد من هذه الطائفة؟ إن عدم ذكر المشرع القطري الأوراق التجارية في المادة (4) لا يعني عدم تجارية هذه الأعمال وفقًا لطبيعتها؛ بل على العكس من ذلك، حيث إنها تخضع في شأن تجاريتها للأحكام الواردة في الباب الخامس – وحسب ما درج عليه الفقه في تسميته بقانون الصرف – من قانون التجارة، وذلك بغض النظر عن سبب سحبها أو صفة من وقعها، وتنص المادة (448) من القانون التجاري القطري، على أنه «تشمل الأوراق التجارية الكمبيالة والسند لأمر والسند لحامله والشيك وغيرها من الأوراق التجارية الأخرى أيًا كانت صفة ذوي الشأن فيها أو طبيعة الأعمال التي أنشئت من أجلها». الأعمال التجارية على سبيل القياس، وهي الأعمال التي لم ينص عليها المشرع وتظهر نتيجة اجتهاد من قبل الفقه والقضاء، وتعد أعمالًا تجارية، قياسًا على أعمال مذكورة في القانون، نتيجة تشابه في الصفات والغايات والخصائص. وقد أكد المشرع القطري على هذا النوع من الأعمال في المادة (8/1) من القانون التجاري.

1971

| 11 سبتمبر 2024

خطة المشرع القطري نحو تنظيم الأعمال التجارية (1)

من الصعوبة وضع معيار أو تعريف جامع مانع للعمل التجاري؛ وذلك لاستحالة وضع حدود واضحة تميز الأعمال التجارية عن الأعمال المدنية، وترسم الحدود الفاصلة بينهما، فكثير ما نجد أعمالًا متشابهة في طبيعتها إلا أن المشرع يفرق بينها؛ فتارة يعدها تجارية وتارة أخرى يعتبرها مدنية، كالشراء بقصد البيع؛ حيث يعد الفيصل في هذا النوع من الأعمال، هو النية الدافعة لإبرام التصرف، ومن خلالها يمكن أن نعلم إذا كان هذا العمل تجاريًا أو مدنيًا، كذلك مثل عقود النقل؛ حيث إن التكرار من عدمه يحدد طبيعة العمل في كونه تجاريًا أو مدنيًا إلى نحو ذلك. وإزاء ذلك، حاول الفقه وضع معايير تكون نبراسًا يُسترشد بها لتحديد طبيعة العمل، وقد تناولنا هذه المعايير الفقهية بشكل مفصل – فيما سبق – في محاولة لتحديد حدود طبيعة العمل التجاري وتمييزه عن العمل المدني، ومن ثم بينا موقف المشرع القطري من هذه المعايير؛ حيث لم يقتصر المشرع على التسليم بمعيار واحد لبيان تجارية العمل، وإنما تضمنت المواد (3) و(4) و(5) و(6) و(8) من القانون التجاري القطري كل المعايير التي سلم بها الفقه، ومنها مثلًا: كل من معياري المضاربة والتداول كمعيارين أساسيين للتمييز بين الأعمال التجارية والمدنية، وذلك في المادة (3)، إضافة إلى أن أغلب البنود في المواد السابقة قد اشتملت على هذين المعيارين، وبوجه خاص المادة (4) التي تعد تطبيقًا صريحًا للمعيارين. أو مثل معيار المشروع في المادة (5) التي تنص على أنه «تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف...»، أو معيار الحرفة المرتبط بالعمل التجاري في المادة (8) والتي تنص على الأعمال التجارية بالتبعية. وإن كان أقرب الأفكار إليه فكرتى المضاربة والتداول؛ حيث عدها محورًا أساسيًا لبيان طبيعة العمل، وذلك في المادة (3) من القانون التجاري القطري التي نصت على أن «الأعمال التجارية بصفة عامة هي الأعمال التي يقوم بها الشخص بقصد المضاربة ولو كان غير تاجر. والمضاربة هي تَوَخي الربح بطريقة تداول المعاملات». ومن ثم جاء بتطبيقات خاصة على هذين المعيارين على وجه الخصوص في المادتين (4) و(6) من القانون التجاري القطري. ولا يعني ذلك أنه أهمل المعايير الأخرى كمعياري الحرفة أو المشروع، فالأول جاء به في المادة (8) كما أسلفنا، بينما نص على المعيار الثاني في المادة (5).

774

| 05 سبتمبر 2024

الفقيه فيفانتي ومعيار المشروع

تقوم بعض الأعمال المذكورة في القانون التجاري على فكرة المشروع أو المقاولة؛ حيث استند المشرع إلى تلك الفكرة في تفسير تجارية بعض الأعمال، ويستدل على ذلك بنص المادة (5) من قانون التجارة القطري، والتي ذكرت مجموعة من الأعمال تمارس على سبيل الاحتراف، كعمليات النقل البري وأعمال مشروعات الصناعة والنشر وغيرها. وقد جاء بهذا المعيار الفقيه الإيطالي فيفانتي وأردفه الفقيه الفرنسي إسكارا؛ وذلك بعد انتقاد المعايير الموضوعية، حيث إنها تقوم على سند اقتصادي وليس قانونياً. ويقصد بمعيار المشروع أو المقاولة، التكرار المهني للأعمال التجارية المستندة إلى قدر من التنظيم؛ حيث يصبح العمل تجاريًا إذا أخذ شكل مشروع، أما إذا لم يأخذ شكل المشروع وقتئذ يكون العمل مدنياً. بناء على ما سبق نجد أن العمل الواحد قد يكون مدنياً من جهة وتجارياً من جهة أخرى، وذلك بحسب ما إذا كان قد تم من خلال مشروع أو قام به شخص لمرة واحدة، فمثلًا عقد النقل عندما تقوم به شركة يصنف بأنه عمل تجاري، أما إذا قام به شخص عادي، فإنه يصنف بأنه عمل مدني. ووفقاً لهذا المعيار، يُعَد القانون التجاري قانون المشروعات، وهي التي تحتاج إلى غايات القانون التجاري المتمثلة في السرعة وتبسيط الإجراءات وتشجيع الائتمان، وبالتالي تستفيد من خصائصه، في حين لا يتوافر في الشخص العادي الذي يقوم بالعمل التجاري لمرة واحدة. والمشروع عادةً يحاط بمظاهر خارجية تنبئ عنه كفتح المكاتب وجلب العمال وتعيين الإداريين وتكرار العمل وغيرها من المظاهر الأخرى. ومعيار المشروع يقترب جداً من معيار الحرفة، خاصة أن أساسهما واحد، وهو طريقة مزاولة العمل، وذلك بخلاف معياري المضاربة والتداول اللذين يقومان على فكرة طبيعة العمل. ولذا؛ يرى البعض أن المشروع هو الحرفة والحرفة هي المشروع، في حين يرى آخرون أن الأمر فيه اختلاف بسيط يكمن في مسألة التنظيم المادي المسبق – شكل المشروع – حيث يمكن للفرد ممارسة العمل دون أن يأخذ شكلا ماديا مسبقا، مثل البائع المتجول الذي يزاول الحرفة التجارية دون أن يكون له محل موجود. فالمعياران يتحدان في فكرة التكرار ويختلفان في طريقة مزاولة الحرفة. والمثالب والنقد الذي لحق أو أصاب معيار الحرفة هو ذاته الذي أصاب معيار المشروع؛ حيث لا يفسر المعيار الأعمال التجارية التي تكتسب صفتها ولو وقعت مرة واحدة، بالإضافة إلى صعوبة تحديد معنى المشروع، كما يعاب على معيار المشروع، أنه يضفي الصفة التجارية على جميع المشروعات ولو كانت مدنية، كالمشروعات الزراعية وعمل الأطباء والمحامين والمحاسبين الذين يمارسون نشاطهم بصورة مستمرة أو من خلال مكاتب. خلاصة الأمر أن معيار المشروع يمثل جزءاً من الحقيقة؛ حيث يذكر القانون بعضاً من الأعمال التجارية التي لا تتصف بتجاريتها ما لم تمارس في شكل مشروع، إلا أنه لا يمكن أن نستند إليه كمعيار متفرد للتفرقة والتمييز بين الأعمال التجارية والمدنية. وبناء على ذلك نرى أن المشرعين في الدول المختلفة لم يعولوا على معيار واحد لتحديد تجارية أو مدنية العمل، وإنما يجوز الاستناد إليها معا مع الرجوع لنصوص القانون التجاري والتي أوردت الكثير من الأعمال التجارية تسهيلاً لبيان طبيعة العمل، مع تسليم المشرع بجواز القياس على الأعمال المذكورة للتشابه في الصفات والغايات.

1092

| 22 مايو 2024

الفقيه ريبير ومعيار الحرفة

يذهب الفقه الحديث إلى صعوبة الاعتماد كلياً على معياري المضاربة والتداول لتحديد تجارية العمل؛ إذ لا يصلح كلاهما بمفرده أساسًا لتحديد نطاق القانون التجاري، ويرى وجوب اللجوء بالقانون التجاري إلى طابعه الشخصي، فيحتكم إلى طريقة مزاولة العمل، وليس إلى طبيعته، ولذلك يرى الفقيه ريبير أن المعيار المناسب لتحديد مدنية أي عمل أو تجاريته، يكمن في معيار الحرفة. ويقصد بمعيار الحرفة الأعمال التي تقع بمناسبة مزاولة حرفة ما. وبالتالي يكون العمل تجاريًا إذا كان مرتبطاً أثناء القيام به بمزاولة حرفة تجارية. نضرب لذلك مثلًا لنفهم طبيعة هذا المعيار. عندما يبيع صاحب محل تجاري المنتجات التي لديه تكون عملية البيع حينئذ عملًا تجاريًا؛ لأن عملية البيع قد وقعت أثناء ممارسته حرفة تجارية. وبمفهوم المخالفة إذا قام الشخص نفسه في المثال السابق بإبرام عقد قرض لزواج ابنه أو اشترى منزلًا بغرض السكن، عُدّ هذا العمل مدنيًا؛ لاتصاله بحياته المدنية. وهو ما مفاده، أنه وحتى يمكن الفصل بأن العمل تجاري أو مدني، فإنه يتعين النظر إلى مدى اتصاله بحرفة تجارية من عدمه، فإذا كان العمل الذي يقوم به الشخص متصلًا بحرفة تجارية عد العمل تجاريًا، وإذا كان العمل الذي يقوم به الشخص متصلًا بحرفة مدنية، صار مدنيًا. فالحرفة التجارية هي من تسبغ على صاحبها صفة التاجر؛ ونتيجة لما سبق تستمد الأعمال التي يقوم بها التاجر الصفة التجارية ولكن بشرط تعلقها بحرفته التجارية. أي إذا كانت الحرفة التي يمارسها الشخص تجارية، اكتسبت جميع الأعمال التي تقع من خلالها صفة التجارية، أما إذا كانت الحرفة التي يمارسها الشخص مدنية، فجميع الأعمال التي تقع في نطاقها، تأخذ الصفة المدنية. وهو ما يفضي إلى عدم الاعتراف كلياً بنظرية الأعمال التجارية بالتبعية. وصاحب هذه النظرية يرى أن هناك أعمالًا تعد تجارية وإن وقعت من غير تاجر؛ وذلك بسبب طبيعتها، كعمليات البنوك، أو بسبب شكلها كالأوراق التجارية وتأسيس الشركات، إلا أنها توهم بأن من يقوم بها يكتسب صفة التاجر، وبالتالي يحق للغير إخضاعه لنطاق القانون التجاري. وعلى الرغم من أن نظرية الحرفة لها نصيب كبير من اهتمام المشرع؛ حيث توجد بعض الأعمال التي لا تكتسب الصفة التجارية إلا إذا تمت ممارستها بطريقة الاحتراف، إلا أن هذه النظرية يصيبها بعض العور والعيب؛ حيث إن التساؤل ما زال مطروحًا حول تحديد ماهية العمل التجاري! فالحرفة التجارية تعني مباشرة الشخص للأعمال التجارية بشكل مستمر ومعتاد. بالتالي يتعين علينا، حتى نبين مفهوم الحرفة، أن نعين بشكل مسبق ماهية الأعمال التجارية، فكأننا في حلقة مفرغة. نستنتج من ذلك أن تحديد الحرفة التجارية ليس بالأمر اليسير، فهو لا يقل صعوبة عن تحديد الأعمال التجارية. فضلًا عن كون هذا المعيار لا يفسر الأعمال التي تكتسب صفتها التجارية ولو وقعت لمرة واحدة، كالأوراق التجارية، علاوة على أن بعضًا من الحرف المدنية تتشابه مع الحرف التجارية، مما يصعب التفرقة بينهما. أخيرًا، ووفقًا للقانون القطري، تثبت الصفة التجارية أولًا للعمل ثم تنتقل إلى صاحبها وذلك عند احترافه للعمل، ومن هنا يمكن القول إن هذا المعيار لا يصلح للتشريعات التي تضع العمل التجاري أساسًا تقوم عليه قواعد القانون التجاري، بل يصلح في التشريعات التي يكون أساسها التاجر أو الحرفة. ولكن ذلك لا يعني جحد هذا المعيار واستبعاده. كل ما هناك أنه لا يمكن إفراده والتعويل عليه وحده، بل توجد هناك معايير أخرى يتكامل معها ويتعاضد في سبيل تحديد نطاق العمل التجاري.

3018

| 20 مايو 2024

alsharq
من سينهي الحرب؟                

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

15207

| 16 مارس 2026

alsharq
الشيخ عبدالرشيد صوفي وإدارة المساجد

* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...

1227

| 18 مارس 2026

alsharq
ليست هذه سوى بتلك!

ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال...

900

| 17 مارس 2026

alsharq
حين تشتد الأزمات.. يبقى التعليم رسالة أمل

التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل...

849

| 15 مارس 2026

alsharq
رمضان والعشر الأواخر

تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا...

843

| 16 مارس 2026

alsharq
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...

816

| 17 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

804

| 15 مارس 2026

alsharq
وداعاً أيها الراقي المتميز

يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة...

717

| 17 مارس 2026

alsharq
لا تهاون في حماية أمن وسيادة قطر

رغم إعلان دولة قطر نأيها بنفسها منذ بداية...

681

| 19 مارس 2026

alsharq
نكون أو لا نكون

لم يعد الاعتماد على استيراد السلاح خيارًا آمنًا...

636

| 18 مارس 2026

alsharq
حلت السعادة بحسن الختام

مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان...

633

| 19 مارس 2026

alsharq
تقييم الأداء الحكومي

أخطر ما يواجه الأنظمة الإدارية ليس ضعف الأداء…...

597

| 16 مارس 2026

أخبار محلية