رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نسخة الزمن سنة كونية فرضت على البشرية

الزمن سنة كونية فُرضت على البشرية، فلا يوجد شيء إلا وكان خاضعاً لها، إذ يقول تعالى: (مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى..). وبذلك فإن الأشياء جميعها تخضع لآجال مسمَّاة، ومن تلك الأشياء: العقود القانونية التي نظمها المشرّع، ومن أشهر العقود التي تقع على عاتق الزمن هي: (عقد الإيجار). ويرتبط عقد الإيجار بمدة محددة، وذلك من خلال قياس الانتفاع الذي سيحصل عليه المؤجر خلال وحدة زمنية، ونتيجة لهذا الاقتران والارتباط بعنصر الزمن الذي يصعب معرفة نهايته، يستمر العقد لأجل غير مسمى، خاصة إذا عمد طرفا العقد على ألَّا يضعا حداً ينتهي به، وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة لمنع التأبيد والديمومة هي تفرد كل طرف في التعبير عن إرادته للآخر بإنهاء العقد، وذلك في حالة عدم وضع المشرع للحلول. لا تثور أي إشكالية عندما يتفق الأطراف على مدة معينة للعقد، بل إنها تثار عندما يتم غض الطَّرف من قِبل الطرفين عن تحديد هذه المدة أو أنهما قد اتفقا على مدة محددة ولكن بعبارة غير واضحة، أو أنه قد تعذر إثبات هذه المدة التي اتُّفق عليها، فكيف وضع المشرع الحلول لتفادي هذه النزاعات التي تنشأ بهذا الخصوص؟ وهل رسم المشرع حدود هذا العقد عن طريق وضع حد أدنى أو أقصى لمدة الإيجار؟ أكد المشرع على توقيت عقد الإيجار في أكثر من موضع، ومن تلك المواضع نص المادة 588 من القانون المدني القطري حيث نصت على أنه: 1 - «إذا عقد الإيجار دون تحديد مدة، أو عقد لمدة غير معينة، أو تعذر إثبات مدته، اعتبر الإيجار منعقداً للمدة المحددة لدفع الأجرة. 2 - ينتهي الإيجار بانقضاء هذه المدة إذا نبه أحد المتعاقدين على الآخر بالإخلاء قبل نصفها الأخير على ألا يزيد ميعاد التنبيه على ثلاثة أشهر». لا يمكن أن نتطرق إلى الاستثناء قبل بيان الأصل، وقد أورد المشرع تعريف عقد الإيجار، وذلك بنص المادة 582 من القانون المدني التي نصت على أن: «الإيجار عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه أن يمكِّن المستأجر من الانتفاع بشيء معين لمدة محدودة في مقابل عوض مالي». فالأصل هو اتفاق المتعاقدين على مدة معينة لعقد الإيجار، كأن تكون سنةً أو شهرًا أو أسبوعًا أو يومًا أو ساعةً، وهذا ما يجري عمله دائمًا، ولا سلطان عليهم في هذا وذلك فيما لم يرد به نص، ونجد أن المشرع لم يعين حدًا أدنى لعقد الإيجار في القانون المدني، ولذلك فإنه يجوز للمدة أن تكون ساعةً، كتأجير الدراجات النارية، أو يومًا، كتأجير الشقق السكنية. إلا أن المشرع جاء في نصوص خاصة ونص على حد أدنى كما في المادة 640 من القانون أعلاه، حيث نصت على أنه: «إذا ذكر في العقد أن الإيجار قد عقد لسنة أو لعدة سنوات، كان المقصود من ذلك أنه عقد لدورة زراعية سنوية أو لعدة دورات»، ونستخلص من ذلك أن الحد الأدنى لإيجار الأراضي الزراعية هو الدورة الزراعية السنوية -متوسط الدورة الزراعية سنتان، والمراد من ذلك هو أن نعلم: هل الأرض صالحة للاستزراع أم لا؟ وبالنسبة للحد الأقصى، فنجد أن المشرع قد قام بتقييد التأبيد كقاعدة عامة بمدة معينة في المادة 589 من القانون أعلاه، حيث نصت على أنه: « لا يجوز أن تتجاوز مدة الإيجار خمساً وعشرين سنة. فإن كان عقد الإيجار لمدة أطول أو كان مؤبداً ردت مدته إلى هذا القدر، ما لم يكن الإيجار معقوداً لمدة حياة المؤجر أو المستأجر، فيستمر العقد لهذه المدة ولو زادت على خمس وعشرين سنة»، واستنادًا الى ما سبق، فإن عقد الإيجار ليس من العقود المؤبدة، ولذلك قد وُجد حد أقصى يتمثل في خمسٍ وعشرين سنة، فإذا زاد عن ذلك ارتد إلى المدة القصوى المسموح بها، وهي خمسٌ وعشرون سنة، فلو اتفق المستأجر على تأجير منزل المؤجر لمدة خمسٍ وثلاثين سنة، فإن المدة ترتد إلى الحد الأقصى، وتصبح مدة العقد خمسًا وعشرين سنة، أي أنه يبطل ما زاد عن ذلك، ويأخذ الحكم نفسه في حالة تم التأجير على سبيل الـتأبيد، كأن يؤجر المؤجر منزله وينص على أن المدة دائمة مؤبدة. ولا يعد العقد مؤبداً إذا اتفق أطرافه على أن يعقد طوال حياة المؤجر أو المستأجر، وبناء على ذلك فإنه يجوز أن يزيد على خمسٍ وعشرين سنة؛ «لأن حياة الإنسان مهما طالت هي مؤقته بطبيعتها»، وكما لا يمنع أن يشترط الأطراف على أن يكون العقد مبرمًا طوال حياة أي منهم، فبوفاة أحدهم ينقضي العقد، والعكس كذلك، فيظل العقد سارياً طوال مدة حياتهم، أي أنه عند وفاتهم ينقضي العقد، وأيضاً فإنه يجوز أن يعلق عقد الإيجار على حياة شخص ثالث. واستثناءً لما سبق، فقد يحدث جدلًا أن يتفق المتعاقدان على عقد من عقود الإيجار ولكن دون تحديد مدة له، أو أنه قد تم الاتفاق على مدة غير محددة، أو أن يعجز من عليه عبء الإثبات عن بيان مدة العقد، فتتحدد المدة بنص القانون، وعليه فإن العقد الذي لا تحدد به مدة ليس باطلاً، في حين أنه لو لم يتفق الأطراف على مدة محددة من الأساس، فالعقد يعد باطلاً لتخلف ركن المحل. جاءت المادة 588 بثلاثة فروض: 1 - عندما يهمل أطراف العقد ذكرَ مدة العقد. 2 - عندما تكون المدة غير معينة، كأن يتفق الأطراف على أن مدة العقد هي المدة المناسبة، أو عند تجديد عقد الإيجار فيتم عقده لمدة غير محددة. 3 -عند تعذر إثبات المدة. في جميع الأحوال السابقة، يعد عقد الإيجار منعقداً، ومدته هي المدة المحددة لدفع الأجرة، فرضاً لو اتفق الأطراف على إبرام عقد إيجار إلا أنهم أهملوا ذكر مدته، فالحاكم هو موعد دفع الأجرة، ولذلك عندما تدفع أجرة السيارة مشاهرة، يصبح هنا العقد مبرماً لمدة شهر، أو عندما يكون موعد دفع أجرة الشقة هو كل ستة أشهر، تصبح مدة العقد ستة أشهر، وقس على ذلك. وإذا أراد أحد الأطراف إنهاء العقد في الفروض السابقة قبل انتهاء المدة فيمكن ذلك بشرط وهو: إخطار الطرف الآخر قبل نصف المدة الأخير على ألا يزيد ميعاد التنبيه على ثلاثة أشهر، ومثال على ذلك: عقد إيجار لم يُتفق على مدته، واتفق الأطراف على أن تدفع الأجرة كل ستة أشهر، فإن مدة العقد في هذا الفرض تكون ستة أشهر، فإنه وفي هذه الحالة يجوز لأحد الأطراف إنهاء العقد بإخطار الطرف الآخر قبل ثلاثة أشهر من تمام الشهر السادس.

2658

| 04 يناير 2024

القانون المدني كمصدر أساسي للقانون التجاري

حدّدت المادة (2) من القانون التجاري القانون المدني مصدرًا ثالثًا، نعود إليه في حالة غياب النص التجاري الذي يحكم الواقع أو النص المتعلق بالمسائل التجارية، وليس هنا فقط، بل غياب الأعراف التجارية كذلك. وتكمن الأهمية البالغة للقانون المدني كمصدر من مصادر القانون التجاري في أنه الشريعة العامة المنظمة لنشاط الأفراد في المجتمع، فهو المرجع الجامع والمصدر المانع، وما قواعد القانون التجاري إلا فرعٌ اقتضته طبيعة الحياة التجارية من هذا الأصل. يعود السبب في وجوب الرجوع إلى القانون المدني واعتباره المصدر الأخير إلى أن القانون التجاري قد سكت عن الأحكام والقواعد العامة، ولم يأت إلا بالأحكام الخاصة التي تقتضيها طبيعته، ومعنى ذلك أنه لا يستبعد القواعد الأصولية التي جاءت في القانون المدني، بوصفها المرجع العام في الالتزامات والعقود. وتطبيقًا لما سبق ذكره، حين يفتقد القانون التجاري بعض القواعد التي تنظم علاقتها التجارية، نرجع إلى الأصل، فتكون الولاية للقانون المدني، بوصفه دعامة القوانين الخاصة وشريعة الفروع المنبثقة. ولكي نؤكد على حقيقة كون القانون المدني المرجع العام، وذلك في حالة عدم وجود نص أو عرف تجاري، فإن النص التجاري قد يرتد أحيانًا، وبشكل صريح إلى قواعد القانون المدني، كما هو الحال في قواعد الحوالة، وهذا ما نصت عليه المادة (171/1) «يجوز أن تحرر وثيقة النقل باسم شخص معين أو لأمره أو لحاملها. وتتداول الوثيقة طبقًا لقواعد الحوالة المنصوص عليها في القانون المدني إذا كانت اسمية، وبالتظهير إذا كانت لأمر، وبالمناولة إذا كانت للحامل». ويرى جانب من الفقه أنه ليس كل أحكام القانون المدني تطبق على المعاملات التجارية، بل يشترط حتى تطبق أحكام القانون المدني هنا بأن تلائم تلك الأحكام المعنية في التطبيق، مع خصائص البيئة التجارية التي تتمثل في السرعة والائتمان، فإذا كانت القاعدة المدنية لا تتسم بالخصائص سالفة الذكر فتستبعد من التطبيق. وهذا الاجتهاد مردود لعدة أسباب، أولًا: المشرع استنفد جميع المصادر التي يرجع إليها القاضي من أجل إيجاد حكم، ولا خير أمامه إلا القانون المدني الذي يعد الشريعة العامة، ثانيًا: جاءت المادة الثانية من القانون المدني بعدة مصادر نستقي منها في حالة غياب النص المدني، كالشريعة الإسلامية، والعرف وقواعد العدالة، ما سبق مصادر غنية يصعب غياب الحكم بها. وعند وجود تعارض بين نص آمر في القانون التجاري، والقانون المدني يأخذ كل منهم نفس الدرجة، وتكون الأولوية للنص التجاري وذلك تطبيقًا للقاعدة الفقهية (الخاص يقيد العام)، أما إذا كان أحدهم آمرًا والآخر مكملًا وجب الأخذ بالآمر؛ لأنه لا يجوز الاتفاق على خلافه.

5451

| 27 ديسمبر 2023

العادة التجارية

يعرف الفقه العادة بأنها: «قاعدة تواتر التجار على اتباعها باضطراد وانتظام، ولكنها تفتقد لعنصر الإلزام»، وبالرجوع إلى المادة (2) من القانون التجاري، نجد أنها لم تنص على العادة الاتفاقية، فلم يعدها القانون مصدرًا رسميًا على خلاف ما ذهبت به التشريعات الأخرى، إلا أنه قد جاء ذكر العادة التجارية مرة واحدة في القانون التجاري القطري في المادة (138)؛ التي نصت على أنه «تخضع البيوع التي يستحدثها العرف والعادات التجارية والتعامل الدولي للقوانين والقواعد والأحكام التي تصدر بشأنها». لتوضيح ماهية العادة بشكل مبسط نقول: إن العادة التجارية عبارة عن شروط يضعها التجار في عقودهم بانتظام وبمداومتهم عليها لفترة طويلة من الزمن، من بعد ذلك تصبح تلك الشروط متفقًا عليها ضمنًا دون الحاجة إلى التنصيص عليها في العقد، وإذا اتضح عدم علم أحد أطراف التعاقد بهذه العادة فلا نطبقها. عندما تصبح العادة واضحة وعُمل بها لفترة طويلة من الزمن، وانتقلت من تاجر إلى تاجر ومن حقبة إلى حقبة ولم تخالف النظام العام، فتصبح هنا جزءًا من ضمير المجتمع، ومن ثم تنقلب إلى عرف وتكون له قوة قانونية، وأصل الأعراف عادات. ومن الأمثلة الشهيرة للعادة التجارية إنقاص الثمن بدلًا من الفسخ، وذلك في حالة ما كانت البضاعة سليمة، أو جاءت بصنف أقل أو على غير الوزن المتفق عليه. وتكمن أهمية العادة التجارية في أمرين: - أولًا: إن الحياة التجارية تتسم بالسرعة، وذلك يؤدي إلى عدم توافر الوقت اللازم، من أجل النص على جميع الشروط، ومن ثم تتجه إرادة المتعاقدين بشكل ضمني لإحدى العادات التجارية. - ثانيًا: من يعيش في الحياة التجارية هم التجار، وهم على دراية بالعادات التجارية، ولذلك لا حاجة لهم في أن يضعوا كل الشروط المألوفة داخل العقد. ويلاحظ في النهاية، أن التفرقة بين العرف والعادة التجارية تدب في عدة جوانب، فمن حيث طبيعة المصدر، العرف يلي التشريع على خلاف العادة التجارية، التي لم ينص عليها المشرع كمصدر رسمي؛ ومن حيث الأركان، العرف يشترط توافر الركنين المادي والمعنوي، أما العادة التجارية فتحتاج فقط إلى الركن المادي؛ ومن حيث درجة الإلزامية، العرف يطبقه القاضي من تلقاء نفسه، وذلك على خلاف العادة التجارية، التي يشترط فيها أن يطلبها الخصوم ولا يطبقها القاضي من تلقاء نفسه؛ ومن حيث علم القاضي، العلم بالعرف مفترض من قبل القاضي، أما العادة التجارية فيقع عبء إثباتها على من يدعيها؛ ومن حيث علم الخصوم، العرف لا يمكن الادعاء بالجهل به، على خلاف العادة التجارية التي يمكن عدم العلم بها؛ أما من حيث الرقابة، فالعرف يخضع لرقابة محكمة التمييز، أما العادة التجارية فلا تخضع لرقابة تلك المحكمة.

3486

| 21 ديسمبر 2023

الأعراف التجارية من حيث ما تشملها من نطاق

كان العرف في الماضي عرفاً شاملاً يحكم جميع العلاقات بغض النظر عن صفاتهم أو أقاليمهم، ومع مرور الزمان بدأت تتكون الطوائف والأقاليم، فظهر عرف خاص بطوائف معينة وعرف خاص تتميز به المناطق عن آخرها. وتطبيق لذلك، ينقسم العرف من حيث ما يشمله من نطاق إلى العرف العام والخاص أو يقسم إلى عرف وطني (محلي) أو دولي. العرف التجاري العام والعرف التجاري الخاص (المهني)، هذا النوع بالأخص هو ما يهمنا؛ لأن المادة (2) سالفة الذكر قد أشارت إليه ووضعت أحكامًا خاصة به، ولذلك سنفصل ونبين معنى كل منهما، ثم نسرد الأحكام التي وضعها المشرع لهذا النوع من الأعراف. يقصد بالعرف التجاري العام، ما ساد بين تجار في البلاد كلها وتعارفوا عليه. أما العرف التجاري الخاص، هو العرف السائد في منطقة أو جزء معين من إقليم الدولة، كأن يكون هذا العرف مقصورًا على مدينة أو ميناء معين، وقد يكون سائدًا بين طائفة معينة بين التجار أو نوع من أنواع التجارة. والمثال الأبرز للعرف السائد في نوع من أنواع التعاملات التجارية، أو نوع من أنواع التجارة، هي الأعراف في بيع الغنم أو السيارات، والعرف يكون سائدًا بين طائفة معينة من التجار وهو كما بين تجار الذهب. تثور الإشكالية في حالة تصادم العرف العام مع العرف الخاص، لمن تكون الأولوية؟ هل يقدم العرف العام؛ لأنه أعم ويمثل القاعدة العامة وأنه السائد في المجتمع، أم تكون الغلبة للعرف الخاص تقديما لقاعدة (الخاص يقيد العام)؟ نجد أن المادة (2) قد كفّت يد الاجتهاد في هذه المسألة، ونصت على أنه "... ويقدم العرف الخاص أو العرف المحلي على العرف العام...". فعند تعارض الأعراف وتصادمها، ترجح كفة العرف الخاص على العرف العام، وما هذا إلا تطبيقٌ لقاعدة (الخاص يقيد العام). العرف التجاري الدولي والعرف التجاري الوطني، العرف التجاري الدولي، هو العرف الذي يطبق على العلاقات التجارية الدولية، فلا يقتصر تطبيق هذا النوع من الأعراف على دولة واحدة، بل يمتد إلى دول أخرى، ونجد هذا العرف شائعًا بصفة خاصة في المسائل البحرية، وقد أشارت أيضًا المادة (399) من القانون التجاري إلى أنه "تسري فيما لم يرد بشأنه نص في هذا الفرع، القواعد الموحدة للاعتمادات المستندية الصادرة عن غرفة التجارة الدولية". والعرف التجاري الوطني، هو العرف الذي يطبق على العلاقات التجارية الوطنية، ويمكن القول هنا إن كل دولة تستقل بعرفها الخاص بها، وتتغير هذه الأعراف بحسب طبيعة الدول. وعند تعارض العرف التجاري الوطني مع العرف التجاري الدولي، تكون الأولوية في التطبيق للأعراف التجارية الدولية، فيسمو العرف التجاري الدولي على العرف الوطني، وذلك تطبيقًا لمبدأ (سمو القاعدة الدولية على الوطنية)، وتماشيًا ما سبق ذكره، فما هذا إلا مبدأ دستوري، ونص عليه المشرع في المادة (6) من الدستور، التي تقول: "تحترم الدولة المواثيق والعهود الدولية، وتعمل على تنفيذ كافة الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية التي تكون طرفًا فيها"؛ حيث يلاحظ أن المشرع أكد على احترام الاتفاقيات الدولية.

5685

| 14 ديسمبر 2023

الأعراف التجارية المكملة والمعاونة

يعد العرف آلية مناسبة لزيادة الدعامة التشريعية لما يتميز به من خصائص، فهو يتطور بتطور المجتمع، فيلبي حاجاتهم وطلباتهم، ولذلك يلعب العرف دوراً فعالاً من خلال تقديم الإعانة للتشريع وفي حين آخر يكمل نواقص التشريع. ينقسم العرف من حيث مدى ما يقدمه من آليات معاونة أو مكملة للقانون التجاري، إلى عرف تجاري مكمل، وفي الجهة الأخرى، عرف تجاري معاون. العرف التجاري المكمل، أبرز وظيفة للعرف هي تكميلها لنواقص التشريع، ولعل دور العرف بارز لدينا هنا، وبالأخص في القانون التجاري، كأداة تشريعية مكملة، فالمشرع مهما بلغ من الكمال لن يقدر على إحاطة جميع جوانب الحياة ويغطيها، ما بالك في مواجهة طبيعة القانون التجاري، الذي يتسم بالتطور المستمر والحركة السريعة لنشاطها، ناهيك عن أن المحدود لا يستطيع أن يحتوي ما هو غير محدود، مهما بلغ من استشراق. وهذا ما دلت عليه المادة (2) سالفة الذكر من القانون التجاري. ومن هذا المنطلق، لا يتجه القاضي إلى العرف التجاري إلا إذا تأكد من خلو التشريع من الحكم المعني، وهنا يأتي العرف ويكمل نواقص التشريع. مثال ذلك، ما يقضي به العرف في أغلب النصوص الخاصة بعمليات البنوك؛ مثل خطاب الضمان والاعتماد المستندي، والحساب الجاري، وما على شاكلتها من أحكام. العرف التجاري المعاون: هو الإحالة التي ينص عليها المشرع في صلب المادة، والغاية من ذلك عدم ترك المسألة دون تنظيم، إنما يحيط جوانبها بشكلٍ عام، ويحيل إلى العرف حتى يساندها، أيضًا للعرف قدرة كبيرة على تنظيم تلك الجوانب. ومثال ذلك، تحديد أجر الوكيل؛ حيث نصت المادة (273) على أنه «تكون الوكالة التجارية بأجر، إلا إذا اتفق على خلاف ذلك، وعلى الوكيل أن يبذل في تنفيذ الوكالة التجارية عناية التاجر العادي، وإذا اتفق على أجر الوكيل التجاري فلا يخضع هذا الأجر لتقدير المحكمة، فإذا لم يحدد هذا الأجر في الاتفاق، عين بحسب الأجر السائد في المهنة أو بحسب العرف، فإذا لم يوجد فبحسب ما تقدره المحكمة...».

3696

| 06 ديسمبر 2023

الأعراف التجارية من حيث تقنينها

في السابق كان الناس يتعاملون وفق عاداتهم وينقلونها من جيل إلى جيل، ولهذا يعد العرف الطريق الطبيعي الذي تخرج منه القواعد القانونية، والعرف ليس نوعًا واحدًا، بل هو أنواع متعددة، تختلف بحسب الزوايا التي ينظر إليها، فينقسم العرف من حيث مصدره، إلى أعراف قانونية وأعراف تعاقدية. الأعراف التجارية القانونية: هي الأعراف التي تم تقنينها فأصبح لها أثر إلزامي، مثل أثر النصوص الآمرة على الأفراد، فأخذت شكل مواد قانونية؛ حيث قنن التشريع الأعراف، وأصبحت نصوصًا قانونية بعد ما كانت عبارة عن سلوك إلزامي جرى عليه التعامل. ومن الأمثلة لتلك الأعراف التي أُدخلت في القانون التجاري، افتراض تضمان المدينين عند تعهدهم بالدين التجاري، وهذا ما جاءت به المادة (74)؛ حيث نصت "الملتزمون معًا بدين تجاري، يسألون على وجه التضامن، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على خلاف ذلك"، إضافة إلى ما سبق، قنّن المشرع القطري مسألة الاكتفاء بإنذار المدين بورقة عرفية دون الحاجة إلى إعذاره بورقة من أوراق المحضرين، وهذا ما ثبت عليه العرف، حيث نصت المادة (81) على أن "يكون إعذار المدين أو إخطاره في المسائل التجارية بكتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول، وفي حالة الاستعجال يكون الإعذار أو الإخطار ببرقية أو ما يقوم مقامها". الأعراف التجارية التعاقدية: هي عبارة عن الاتفاق الضمني أو الشرط الضمني الذي يفرض وجوده، بسبب اتباعه فترة طويلة من الزمن دون أن ينص عليه المشرع، فمصدره المجتمع نفسه، وذلك على خلاف الأعراف القانونية التي أصبح مصدرها القانون بذاته. والأعراف التعاقدية يحيل إليها المشرع في حالة عدم بيانه حكمًا خاصًا لمسألة معينة، أو تحل عندما تظهر حاجتها عند تطور أمور تجارية لم يضع المشرع حكمًا لها، فيأتي العرف ويجيب عنها بدل المشرع. ونضرب أمثلة لنصوصٍ أحال فيها المشرع إلى العرف، ومنها المادة (116)؛ حيث نصت على أنه "يكون الثمن مستحق الوفاء في المكان الذي سلم فيه المبيع، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضي بغير ذلك...". ويحدد العرف السوق الذي تكون أسعاره سارية، وهذا ما جاءت به المادة (97/2)؛ حيث نصت على "... وإذا اتفق على أن الثمن هو سعر السوق، كان المقصود هو سعر السوق في المكان والزمان اللذينِ يجب فيهما تسليم المبيع للمشتري. فإذا لم يكن في مكان التسليم سوق. وجب الرجوع إلى سعر السوق في المكان الذي يقضي العرف بأن تكون أسعاره هي السارية". قد يتفق التاجران، أو المتبايعان على أن سعر السوق هو الذي يحدد ثمن البضاعة، فيثور السؤال، ما المقصود بالسوق المعنية هنا؟ جاءت المادة وحددت السوق الذي يقدر الثمن بناء عليه، وهي السوق الذي يكون في زمان التسليم ومكانه، أما إذا لم يكن في مكان التسليم أية سوق، فيجب الرجوع إلى سعر السوق في المكان الذي يقضي العرف بأن تكون أسعاره هي السارية. وتوجد أمثلة كثيرة وخصبة في القانون التجاري القطري قد أحال فيها المشرع إلى العرف لتحديد الحكم.

3372

| 29 نوفمبر 2023

ما تعارف عليه التجار

يأخذ العرف المركز الثاني من مصادر القانون التجاري، فلا يلجأ إليه القاضي إلا في حالة عدم توافر نص قانوني تجاري أو نص قانوني متعلق بالمسائل التجارية، وهذا ما نصت عليه المادة (2) من القانون التجاري، بقولها «... فإن لم يوجد نص يطبق العرف التجاري...»، إذًا، من حيث المكانة فالعرف يلي التشريع، ومن حيث الأهمية فهو مصدر تكميلي خصب وغني، ويهتم بالمسائل التفصيلية التي لم يتطرق إليها القانون. ومن المنطق تقديم المُشرع العرف على القانون المدني، ومنطقية هذا القول تعود إلى كون العرف أكثر تلاؤما مع الحياة والبيئة التجارية ويواكب السرعة التي فيها. إلا أن هناك العديد من التساؤلات التي يستلزم علينا الإجابة عنها، ومنها، ما هو العرف عمومًا؟ وهل للتاجر والنشاط التجاري أعراف خاصة بهم؟ وكيف ينشأ عرفهم؟ ما علاقة القانون التجاري بالأعراف التجارية؟ العرف هو «مجموعة من القواعد التي تعارف عليها الناس واحترمها فيستخدموها في معاملاتها دون أن ينص عليه قانون معين أو اتفاق الأطراف، فتصبح عند المجتمع كأنها قاعدة ضمنية حتى ولو لم يتفق على أنها ملزمة». ما سبق يعد تطبيقًا للقواعد الشهيرة (المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا)، و(التعيين بالعرف كالتعيين بالنص)، و(المعروف بين التجار كالمشروط بينهم). وإذا كنا قد وضحنا مفهوم العرف إلا أن ذلك على وجه العموم، فلقد جاء النص بمصطلح العرف التجاري، والأخير يعني مجموعة من القواعد التي تداولت بين التجار في اتباعها لفترة طويلة من الزمن حتى تنظم حياتهم التجارية، فأصبحت كأنها قاعدة ملزمة مثل النصوص التشريعية. لشرح ما سبق في صورة مثال، ينشأ العرف عندما يتفق اثنان من التجار أو الأشخاص الذين يتعاملون في النشاط التجاري على تنظيم تصرف معين، كأن يحددوا طريقة لوزن البضاعة أو طريقة تسلمها، يلي ذلك أن ينتهج باقي الأشخاص نفس ما انتهجه هذان الاثنان لفترة زمنية طويلة، حتى يتولد الشعور بأن هذا التصرف الذي قام به الاثنان في بادئ الأمر، أصبح ملزمًا للجميع دون الحاجة إلى نص قانوني. والشعور بإلزاميته نتج من إيمان الجميع به، فيصبح حكمًا عامًا مثل التشريع، بيد أن ذلك لا يمنع بأن تتفق الأطراف على استبعاده. والقانون التجاري هو عبارة عن مدونة من الأعراف التي استقر عليها التجار، ومعظم نصوص القانون التجاري قد نشأت من الأعراف والعادات التي مارسها التجار خلال نشاطهم التجاري، ثم تم تقنين وتدوين تلك الأعراف إلى نصوص تشريعية. وأدى ذلك إلى عجز العرف، وهيمنة باقي المصادر التشريعية عليه مما أدى إلى نزوله إلى مرتبة أدنى من التشريع، وهذا لا ينفي كونه مصدرًا خصبًا، ويعاون النصوص التشريعية فيما لم تتطرق إليه، بل إنه يواكب التطورات التجارية.

1704

| 22 نوفمبر 2023

التشريع التجاري كمصدر أول

تنظم القوانين مواضيع متباينة، وكل منها يهتم بفئة معينة من الأفراد في المجتمع أو بسلوك بذاته. إذ ينصبّ تطبيق القانون التجاري على طبقة التجار والأعمال التجارية، وكل ما في هذا النطاق يعد من موضوعات القانون التجاري، بينما قانون العمل مثلاً يرتب الحقوق الناشئة للعامل ورب العمل، والواجبات التي يجب أن يقوموا بها، والالتزامات التي تقع على عاتق كل منهم، ويأتي القانون المدني - الذي يعد الشريعة العامة للقوانين أجمعها ودعامة القوانين الخاصة - فينظم سلوك الأفراد في المجتمع بشكل عام ومجرد، أما قانون العقوبات فيجمع بين دفتيه جميع الأفعال المجرّمة، وعقوبة تلك الأفعال، فيركز هذا القانون على الفرد المجرم بشكل عام. ونضرب مثلًا أدق حتى نبين أن القانون يهتم بفئات معينة من المجتمع، نجد أن قانون مدقق الحسابات هو قانونٌ ينظم مهنة علم المحاسبة والتدقيق، فيهتم هذا القانون بالمحاسب والمدقق المهني، ويبين ما له وما عليه. الخلاصة؛ تتعدد القوانين فتتباين اهتماماتها، ومن أجل ذلك يختلف مصدر كل قانون عن الآخر، فمصادر القانون المدني تختلف عن مصادر القانون التجاري، والأخير يختلف عن مصادر قانون العمل وهكذا. ومن المسلم به أنه توجد للقانون التجاري مصادر رسمية ومصادر استرشادية؛ أما الرسمية فتتمثل في القانون التجاري والقوانين المكملة له، وقواعد العرف التجاري ونصوص القانون المدني، بينما الاسترشادية أو كما يطلق عليه البعض بالمصادر التفسيرية، فهي الفقه والسوابق القضائية. وهذه تكون مثل النبراس الذي ينير طريق القاضي، من أجل حل أي نزاع أمامه. وعليه إذًا نقسم تلك المصادر إلى مصادر رسمية ومصادر استرشادية. المصادر الرسمية: نصّ المشرع في المادة (2) من قانون التجارة على أن «تسري على المسائل التجارية الأحكام الواردة في هذا القانون أو في غيره من القوانين المتعلقة بالمسائل التجارية، فإن لم يوجد نص يطبق العرف التجاري، ويقدم العرف الخاص أو العرف المحلي على العرف العام، فإن لم يوجد عرف تجاري، تطبق أحكام القانون المدني». يتبين لنا من هذا النص أن مصادر القانون التجاري الرسمية هي القانون التجاري، أو غيره من القوانين التي تنظم المسائل التجارية، ثم العرف التجاري، ويليه القانون المدني. يحتل القانون التجاري المرتبة الأولى، كمرجع يعود إليه القاضي في حالة عرض نزاع تجاري عليه، ولا يحق للقاضي الرجوع إلى مصدر آخر، في حالة وجود حكم النزاع التجاري المثار أمام القاضي في القانون ذاته، إذًا فهو الأصل الذي نستقي منه أحكام النشاط والمعاملة التجارية. وعند غياب النص في القانون التجاري، حينئذٍ يلجأ القاضي إلى القوانين المنظمة للمسائل التجارية، وقد سبق أن ذكرنا ماهية تلك القوانين. وعند تعارض نص من القانون التجاري مع هذه القوانين، تكون الأولوية للقوانين المنظمة للمسائل التجارية، وذلك تطبيقًا لقاعدة الخاص يقيد العام. ويثار التساؤل هنا، أين اتفاق الأطراف من هذه المصادر، وهل يلعب الاتفاق دورًا في مصادر القانون التجاري؟ بداية يلاحظ أن نصوص القانون التجاري ليست كلها نصوصًا آمرة، بل يوجد بها نصوص مكملة مما يجعل اتفاق الأطراف واردًا في هذه الحالة، ومن هذه النصوص نص المادة (74) التي تنص على أن «الملتزمين معًا بدين تجاري، يسألون على وجه التضامن، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على خلاف ذلك». وقس عليه العديد من النصوص. وعلى الرغم من أن المشرع لم ينص على اتفاق الأطراف في المادة (2)، ولم يعده مصدرًا رسميًا، إلا أن ذلك لا يعني أنه غير ملزم، فالقاضي ملتزم باتفاق الأطراف ما دام لم يخل الاتفاق بقواعد النظام العام أو القواعد الآمرة، وذلك استنادًا إلى مبدأ العقد شريعة المتعاقدين.

4437

| 16 نوفمبر 2023

القانون الأسرع بين القوانين

يغلب طابع الهدوء والاستقرار والثبات على المعاملات المدنية، ويعود ذلك إلى الجو السائد هناك، فالأشخاص لا يبرمون العقود إلا بعد التمهل، والتروي الطويل والتفكير الهادئ، وهذا كله لغاية الاستقرار وتحقيق الفائدة الأكبر، ولا يقدم الشخص على العمل إلا للاستهلاك، أو الاحتفاظ بالشيء، أو توفير الأمن، أو تسهيل الحياة، فمثلًا، إذا عزم فرد على شراء قطعة أرض أو شقة أو سيارة، فإنه يستشير أهل الخبرة والأقارب؛ لمعرفة الفائدة من جراء ما سيشتريه ويعلم بالقيمة الحقيقة للشيء الذي وقعت عيناه عليه، هذا لا يكون في فترة وجيزة، بل خلال مدة كافية غير متسرعة يغلب عليه الأمد ويكون بعد الاطلاع الواسع، وذلك من أجل إبرام الاتفاق النهائي، وهذا الوقت الطويل من التروي والتفكير ليس عبثًا، لأن الشخص على الأغلب، سيقدم ما لديه وتعب حياته الطويلة، من أجل شراء هذا العقار أو السيارة، فمن المنطق أن توجد قواعد ملائمة لهذا النوع من المعاملات. ومن المعروف أن السرعة هي قلب ولب التجارة؛ حيث تتميز المعاملات التجارية بطابع السرعة والمرونة، نظرًا لطبيعتها وذلك يعود لعدة أسباب؛ أولًا: الغاية من التجارة هو الربح، فكلما زاد تحرك البضائع، تضاعف رأس المال، ويكون ذلك بالإسراع في عملية المرابحة، وإذا زادت عملية البيع والشراء زاد تثمير الأموال، وعلى خلاف ذلك، إذا تمت عملية البيع والشراء مرة واحدة أو مرات قليلة، وبشكل متراخ وبطيء، يكون رأس المال أقل بكثير مما يكون عليه في حالة السرعة، وهذا لا يتلاءم مع طبيعة المعاملات التجارية التي تبتغي الربح، ثانيًا: غالبًا ما تكون البضائع قابلة للهلاك والتلف، ولذلك، لا بد من الإسراع والاستعجال في بيعها؛ حتى لا يخسر التاجر قيمتها أو يتعرض لتقلب سعرها، ثالثًا: السرعة تنمي التجارة وتزيد الفرص وتفتح الأسواق، ويتوسع نطاق العمل، وهذا كله يحقق الربح، ولذلك لابد من إيجاد ثمة قواعد تتلاءم مع طبيعة النشاط التجاري، وهذا ما فعله المشرع القطري. ومن القواعد التي تساعد على تسريع إجراءات العمل التجاري وتسهيلها، حرية الإثبات في المعاملات التجارية؛ حيث يكون الإثبات في المعاملات المدنية بالكتابة، وذلك إذا زادت قيمة التصرف عن 5000 ريال، ويؤكد على قولنا المادة (260) من قانون المرافعات المدنية والتجارية؛ حيث نصت على أنه «في غير المواد التجارية، إذا زادت قيمة التصرف على خمسة آلاف ريال، أو كان غير محدد القيمة، لم يجز إثبات وجوده أو انقضائه إلا بالكتابة، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك. ويقدر الالتزام باعتبار قيمته وقت صدور التصرف». وفي المقابل، تتميز المعاملات التجارية بمبدأ الإثبات الحر، فلا تتقيد بقيد. حيث يسمح القانون بإثبات التصرفات التجارية بشهادة الشهود، والقرائن، والفواتير، والمراسلات، والدفاتر التجارية، ولو علت قيمة التصرف عن 5000 ريال أو كانت غير محددة المقدار، وقد أيدت المادة (86) من القانون التجاري ما نطرحه، حيث نصت على أنه «يجوز الإثبات في المواد التجارية أيا كانت قيمتها بجميع طرق الإثبات، ما لم ينص القانون على غير ذلك». وهذه الخاصية المميزة تخول التاجر إبرام تصرفاته شفاهةً أو وتمكنه من استعمال البريد أو الجوال، وبطبيعة الحال فإن حرية الإثبات في التصرفات التجارية تمكن التاجر من القيام بنشاطه التجاري على أسرع وجهه ممكنة، وذلك على خلاف المعاملات المدنية التي تتقيد بالشكليات. ولا يفوتنا أن نضرب مثلًا من القانون كما أسلفنا مع سابقه من خصائص، ومن ذلك تداول الأوراق التجارية عن طريق التظهير، وما جاء في موضع الرهن التجاري، حيث نصت المادة (236) على أنه «يثبت الرهن بالنسبة إلى المتعاقدين وفي مواجهة الغير، بجميع طرق الإثبات». أيضًا عقود النقل حيث يمكن إثباتها بكافة الطرق، وهذا ما جاءت به المادة (167) حيث نصت على أن «ينعقد عقد النقل بمجرد الإيجاب والقبول. ويجوز إثبات العقد بجميع طرق الإثبات...». ويُحمَد للمشرع القطري لاتخاذه هذه الخطوة، حيث واكب التطور التكنولوجي، وأصدر قانون المعاملات التجارية الإلكترونية رقم 16 لسنة 2010. وبعدما أشرنا إلى أن طبيعة القانون التجاري تفرض التحرر من القيود الشكلية حتى تتسم بالسرعة، مما يساعد ذلك النشاط التجاري، ولكن هذا ليس دائمًا ويصبح مثل القاعدة العامة، فكل المعاملات التجارية تتسم بالسرعة!، حيث فرض المشرع قيوداً شكلية يجب أن يلتزم بها المخاطب، نعطي أمثلة على تصرفات اشترط القانون إتباع إجراء شكلي، أو يجب بالمعنى الأدق أن تأخذ قالبا معينا، وهي كالأوراق التجارية، عقود بيع المحال التجارية، عقود رهن المحال التجارية، عمليات البنوك، وعقود الشركات، إلا أن غاية الشكليات التجارية تختلف عن غاية الشكليات المدنية، فالأول يهدف إلى تنظيم النشاط التجاري تلافيًا للنزاعات، بل في هذا الموضوع يؤدي اتباع الشكليات إلى السرعة المطلوبة.

1017

| 08 نوفمبر 2023

الثقة والائتمان

قوام التجارة يقوم على الثقة والائتمان بين المتعاملين، ولتوضيح ذلك، نضرب المثال التالي حتى يتسنى فهم "الائتمان والثقة" كخاصية مميزة للقانون التجاري، يقوم التاجر ببيع وشراء البضائع لكن هذا لا يحدث بصورة فورية بل بأجل معين غالبًا، فلا يتم دفع الثمن في حال إبرام البيعة أو الصفقة، وفي حين أخرى قد لا يصل إلى هذا الأجل الذي يمهله حتى يدفع ثمن البيعة أو الصفقة، فيقوم التاجر باللجوء إلى أحد البنوك ويقترض منه حتى يتمم هذه الصفقة الذهبية التي لا تُفوت، ويقوم البنك هنا بتقديم القروض للتجار من خلال فتح الاعتمادات التي تخوله استيراد البضائع من الخارج. وهلم جره، فتترابط العلاقات ببعضها البعض، وكل منهم يصبح دائنًا ومدينًا في آنٍ واحد، لكن ماذا إذا تخلف تاجر عن الوفاء بالتزامه! يترتب على ذلك تخلف التجار الآخرين عن الوفاء أيضًا، وهذا ما يسمونه الائتمان والثقة، التجار يتعاملون بما يفوق قدرتهم المالية، فلا حاجة إلى سيولة مالية؛ لأن الائتمان والثقة يحلان محلها. وعصب الحياة التجارية هو الائتمان، فالقانون التجاري يقوم على توفير الائتمان عن طريق توفير الضمانات للدائن التجاري، فكلما زاد الضمان زادت فرصة الحصول على الحق، بل كان إضافة إلى ذلك يكون التاجر معطاء لهذا الضمان لمن يريده، والائتمان مصلحة لكل من الطرفين الدائن كما سلفنا ذاكرين، والمدين فهو يحصل على الائتمان في آخر الأمر. وتوجد عدة صور لدعم الائتمان والثقة في القانون التجاري ومنها، جاءت المادة (74) من القانون التجاري لتؤكد على دعم الائتمان والثقة، فنصت على أن "الملتزمين معًا بدين تجاري، يسألون على وجه التضامن، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على خلاف ذلك"، وهو ما يعرف بالتضامن المفترض بين المدينين، ففي الالتزامات التجارية يكون التضامن مفترضاً دون حاجة إلى اتفاق، وذلك على خلاف الالتزامات المدنية التي يجب أن يكون للتضامن فيها مصدرًا كالعقد أو القانون، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على وجود ضمان كاف للدائن، حيث يمكن له الرجوع على أي من المدينين ويذهب على الأرجح أنه يذهب إلى المدين الملاءِ حتى يقتضي حقه. كذلك الإفلاس يعد من أهم صور دعم الائتمان والثقة في القانون التجاري، ودعمًا لذلك، توجد قواعد قاسية للمدين التاجر الذي يتخلف عن دفع ديونه ويخالف هذه الثقة الممنوحة من قبل الدائن، حيث قضت هذه القواعد بإشهار إفلاس التاجر الذي توقف عن دفع ديونه، ويترتب على الإفلاس مصائب ومصاعب في حياة التاجر، فيحرم من الحقوق ويصاب بالعار. ولكي نبين مدى خطورة ذلك وكيف يساهم شهر إفلاس التاجر في رفع سقف الائتمان في القانون التجاري، ندلل أن الذي يصدر حكم في شأنه بإفلاسه، تغل يده عن إدارة أمواله، ويعين ويقوم ويتصرف فيها وكيل الدائنين (وكيل التفليسة)، وتكون جميع التصرفات التي أبرمت من تاريخ توقفه عن دفع ديونه إلى تاريخ صدور الحكم بإفلاسه غير نافذه وجوبًا وفي حالة أخرى غير نافذة جوازًا، وتسقط منه بعض الحقوق المهنية والسياسية المكتسبة، بل تقع عليه عقوبات جنائية في حالة ما إذا قصر أو دلس في إفلاسه ويلصق به العار. ونضرب عدة أمثلة من القانون التجاري تؤكد على أن الإفلاس يعد وسيلة داعمة للائتمان والثقة، فجاء المشرع في نص المادة (618) من القانون أعلاه، ونص على أن "تعين المحكمة مديرًا للتفليسة، وتأمر بوضع الأختام على محال تجارة المدين وخزائنه ومخازنه، وتندب المحكمة أحد قضاتها ليكون قاضيًا للتفليسة...". وعند التقدم قليلا نجد المادة (626) تنص على أنه "لا يجوز لمن شهر إفلاسه أن يكون ناخبًا أو عضوًا في مجلس الشورى أو المجلس البلدي المركزي أو غرفة تجارة وصناعة قطر أو الجمعيات ولا أن يكون مديرًا أو عضوًا في مجلس إدارة أية شركة أو مديرًا لها، ولا أن يشتغل بأعمال الوكالة التجارية أو التصدير أو الاستيراد أو السمسرة في بيع أو شراء الأوراق المالية أو البيع بالمزاد العلني. كما لا يجوز لمن شهر إفلاسه أن ينوب عن غيره في إدارة أمواله، ومع ذلك يجوز للمحكمة أن تأذن له في إدارة أموال أولاده القصر، إذا لم يترتب على ذلك ضرر بهم، وذلك كله إلى أن يرد إلى المفلس اعتباره وفقًا لأحكام القانون". ومن الخصال التي تفرض دعم الائتمان والثقة في لب القانون التجاري، هي التزام التاجر بمسك الدفاتر التجارية، حيث تكون الدفاتر مرآة تعكس مركز المالي ونشاطاته التجارية وتقييم أوضاعه، وما يدون فيها يعبر عن أمانة التاجر وصدقه، وعدم الالتزام بهذا الفرض يترتب عليها جزاءات مدنية وعقوبات جنائية. وتدليلًا على ما سبق جاء المشرع في المادة (21) من القانون التجاري، ونص على أنه "على كل من تثبت له صفة التاجر، طبقًا لأحكام هذا القانون، أن يمسك الدفاتر التجارية التي تستلزمها طبيعة تجارته وأهميتها، بطريقة تكفل بيان مركزه المالي بدقة". ومن أهم مظاهر دعم الائتمان والثقة التجارية، العلانية التجارية، وحماية الوضع الظاهر؛ فالقانون يُلزم التاجر بقيد مجموعة من المعلومات والبيانات المتعلقة بالنشاط التجاري التابع له، وذلك بهدف حماية الغير. ومن أهم صور حماية الأوضاع الظاهرة، هي الشركة الفعلية، وهي الشركة التي لاحقها البطلان لسبب ما إلا أن البطلان لا يرتد للماضي وإنما ينال مستقبل الشركة فحسب.

5346

| 01 نوفمبر 2023

موقف المشرع القطري من المعيارين الشخصي والموضوعي

حري بنا التطرق إلى موقف المشرع القطري، بعد أن بينا المعايير المتبعة لتحديد نطاق القانون التجاري في مقال سابق. فيثور التساؤل، ما هو المعيار المتبع من قبل المشرع القطري في تحديد نطاق القانون التجاري القطري؟ أو هل أخذ المشرع القطري بالمعيار الشخصي كضابط لتطبيق القانون التجاري؟ أم تبنى المعيار الموضوعي؟ بالرجوع إلى نصوص القانون التجاري، نرى أن المشرع قد تبنى العمل التجاري كمحور أو أساس تقوم عليه قواعد القانون التجاري، هذه قاعدة عامة؛ لأنه وضع اعتبار لصفة القائم بالعمل في حدود استثنائية، وعليه، فالقانون التجاري يسري على الأعمال التجارية حتى ولو كان القائم بهذا العمل غير التاجر. ندلل على هذا الرأي ببعض المواد: جاء نص المادة (1) من القانون التجاري على أن «تسري أحكام هذا القانون على التجار، وعلى جميع الأعمال التجارية التي يقوم بها أي شخص، ولو كان غير تاجر». ونجد من خلال قراءة النص السابق، أن المشرع تبنى المعيارين الشخصي والموضوعي معاً، إلا أننا نجد المادة نفسها تنص في آخرها «ولو كان غير تاجر»، فهي لم تعتد بصفة التاجر؛ لأنه لا أهمية لشخص القائم بالعمل، فكلهم سواء التاجر وغير التاجر. أيضًا، جاءت المادة (4)، ونصت على أن «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 1- شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد بيعها، سواء بيعت على حالتها أو بعد تهيئتها في صورة أخرى.2- شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد تأجيرها، أو استئجارها بقصد إعادة تأجيرها.3- البيع، أو الإيجار، أو إعادة التأجير للسلع المشتراة، أو المستأجرة على الوجه المبين فيما تقدم.4- شراء العقار، بقصد بيعه بحالته الأصلية أو بعد تجزئته، وبيع العقار الذي اشْتُرى بهذا القصد.5- تأسيس الشركات التجارية.6-مقاولات الأعمال». أما بمجرد أن يحترف الشخص هذه الأعمال فإنه يكتسب صفة التاجر، وتلك الصفة لا تولد إلا التزامات كالقيد في السجل وإمساك الدفاتر التجارية وإخضاعه للإفلاس. نتقدم قليلًا في المواد وصولًا إلى المادة (12/1)؛ حيث عرفت التاجر بأنه «يكون تاجرًا كل من يزاول باسمه عملًا تجاريًا، وهو حائز للأهلية الواجبة، ويتخذ من هذا العمل حرفة له». وعليه قد انقطع الشك باليقين، أن صفة التاجر تُكتسب من خلال مزاولة واحتراف العمل التجاري، هنا يعد العمل التجاري هو القاعدة التي نحدد من خلالها نطاق القانون، فالصفة التجارية تقع أولًا على العمل ثم يقوم العمل بمنح القائم عليها عند احترافه هذا العمل صفة التاجر. تأكيدًا على ذلك أيضًا، نصت المادة (14) على أنه «لا يعد تاجرًا من قام بمعاملة تجارية عارضة، دون أن يتخذ التجارة حرفة له، ومع ذلك تخضع المعاملة التجارية التي يقوم بها لأحكام هذا القانون»، وهو ما مفاده أن من يقوم بمعاملة تجارية بصورة عرضية، فان المعاملة تخضع لقواعد القانون التجاري، على الرغم من أن القائم بهذا العمل ليس بتاجر. إضافة إلى ما سبق، نصت المادة (16/1) على أنه «لا تُعد الوزارات، والأجهزة الحكومية الأخرى، والهيئات والمؤسسات العامة، ولا الجمعيات، ولا الأندية، من التجار. على أن المعاملات التجارية التي تقوم بها هذه الجهات تخضع لأحكام هذا القانون، إلا ما استثني بنص خاص». وقد ركز المشرع وأكد على أن المعاملات التجارية التي تقوم بها هذه الجهات هي من المعاملات التجارية، ولو لم تأخذ هذه الجهات صفة التاجر. فلو أخذ المشرع بالمعيار الشخصي، لوضع في عين الاعتبار صفة هذه الجهات واشترط من أجل أن تخضع للقانون التجاري أن تكتسب صفة التاجر. وتدليلًا على أن المعيار الموضوعي هو الأساس الذي يقوم عليه القانون، أكد المشرع القطري في المادة (3) «الأعمال التجارية بصفة عامة، هي الأعمال التي يقوم بها الشخص بقصد المضاربة ولو كان غير تاجر. والمضاربة هي تَوَخي الربح بطريقة تداول المعاملات». فإذا كان المرجو من العمل هو المضاربة، فان العمل يخضع لأحكام القانون التجاري دون اشتراط توافر صفة التاجر. وفي نفس الصدد، وإعمالًا لنص المادة (8/1)، فإن المشرع اعتبر الأعمال التي تقترن بالمعاملات التجارية أو مرتبطة بها، أو مسهلة لها، أو أعمالا يقوم بها التاجر لأغراض تجارية، جميعها أعمال تجارية، وهي كل الأعمال التجارية بالتبعية الموضوعية، فأصلها أعمال مدنية إلا أنها تفقد هذه الصفة وتصبح أعمالا تجارية إذا كانت مرتبطة أو مسهلة لأحد الأعمال التجارية الأصلية، وتماشيًا مع ما تم ذكره، فالمشرع يؤكد على أنه تبنى المعيار الموضوعي من خلال عدم قصر الأعمال التجارية بالتبعية على الحرف التجارية، بل جميع الأعمال المرتبطة والمسهلة للعمل التجاري. أخيرًا، جاءت المادة (10)، ونصت على أنه «إذا كان العقد تجاريًا بالنسبة إلى أحد المتعاقدين دون الآخر، سرت أحكام هذا القانون على التزامات كل منهما الناشئة عن هذا العقد...». فالقانون الواجب التطبيق هو القانون التجاري ولو كان أحد الأطراف شخصًا مدنيًا، فالمشرع اهتم بالعمال التجاري الذي من أجله تم إبرام هذا العقد.

1965

| 29 أكتوبر 2023

قانون التجار أم قانون الأعمال التجارية؟

يثور التساؤل هنا، هل تسري أحكام القانون التجاري على التجار أم الأعمال التجارية، أي هل تسري قواعد القانون التجاري على الأعمال أم على الأشخاص؟ بداية إن مسألة وضع نطاق تطبيق للقانون التجاري ليس بالأمر الهين؛ ويرجع ذلك إلى عدم وضوح الفواصل بينه وبين القانون المدني، إذ يصعب تفريد وتحديد الحيز الذي يحتله كل منهما؛ لأن التأثير متبادل بين القانونين، أيضًا، تتغير الحدود الفاصلة بينهما بحسب المكان والزمان، لذلك يستوجب توضيح الحدود التي تفصلهما عن بعضهم البعض؛ حتى يتسنى لنا تطبيق أحكام كل منها في موضوعه. وقد اختلفت المعايير بشأن نطاق تطبيق قواعد القانون التجاري، وهي كل من المعيار الشخصي (الذاتي)، والمعيار الموضوعي (المادي). المعيار الشخصي أو الذاتي: محور هذا المعيار هو التاجر، توضيحًا لذلك، القانون التجاري وفقًا لهذا المعيار، هو عبارة عن (قانون التجار)، أي بما مؤداه أن غير التاجر يخرج من تطبيق أحكامه ولو قام بأعمال تجارية، والنظر ينصب على القائم بالعمل وليس على العمل نفسه. خلاصة القول إذا، أن التاجر هو من يخضع لأحكام وقواعد القانون التجاري دون غيره. مثلًا لذلك، فطالب الجامعة إذا قام بشراء سيارة بقصد التربح منها، فهو لا يخضع للقانون التجاري وفقًا لهذا المعيار؛ لأن من قام بالتصرف ليس بتاجر. نقد المعيار الشخصي: كان المعيار الشخصي عرضةً للنقد من عدة اتجاهات، وذلك لأن التاجر كما هو مسلم به، يكتسب صفته من خلال احترافه أحد الأعمال التجارية، وتكرار العمل وإتيانه بصفة مستمرة، فتقوم هذه التشريعات الآخذة بهذا المعيار، بمحاولة تحديد الحرف التجارية. أما عن الانتقادات فهي: 1- إن المعيار سالف الذكر غير دقيق، لأنه يتطلب حصر الحرف التجارية التي يُكتسب من خلالها صفة التاجر، ثم بعد عملية الحصر، يمكننا أن نفرق بين التاجر وغير التاجر. إلا أنه نجد عملية حصر الحرف التجارية ليست بعملية سهلة؛ نتيجة التطور المستمر للتجارة وإفرازها المزيد كل يوم للأعمال التجارية، كالبيع من المنازل والتجارة الإلكترونية وغيرها. 2- صعوبة معرفة والتكهن بالحرف التجارية التي ستظهر في المستقبل، فالمشرع لا يعلم الغيبيات، ومنها -مثلا- لا يستبعد أن نسمع يوما عن شركة تقوم ببيع أراضٍ وعقارات في الفضاء. 3- صعوبة تحديد مفهوم الحرفة، لأن التاجر هو كل من يمارس عملًا تجاريا إلى درجة الاحتراف، ولذلك يستوجب على المشرع أن يحدد معيارا آخر لمفهوم الاحتراف؛ حتى نفرق بين التاجر وغير التاجر، وهذا ليس بأمر يسير. 4- لا تقتصر أعمال التاجر على الأنشطة التجارية، بل إنه يقوم بأعمال مدنية، فهو يعقد القران ويتزوج، ويبيع ويؤجر بغير قصد الربح، فمن الطبيعي عدم تطبيق قواعد القانون التجاري على هذه الأعمال وحال ما إذا قام بها تاجر. 5- ليس من المتوافق عليه إدراج عمل غير التاجر عندما يقوم بنشاط تجاري، بقصد المضاربة وتحقيق الربح، في رحاب القانون للمدني، بناءً على أنه غير تاجر. فيحرم من خصائص القانون التجاري. ومن أمثله التشريعات التي أخذت بالمعيار الشخصي، كل من القانون الألماني لسنة 1897، والسويسري لسنة 1911، والإيطالي الصادر سنة 1942. المعيار الموضوعي أو المادي: محور هذا المعيار هو العمل التجاري، ولبيان ذلك، نقول إن القانون التجاري وفقًا لهذا المعيار، يطبق على الأعمال التجارية، حتى لو قام بها غير تاجر، والأعمال المدنية يطبق عليها القانون المدني حتى لو قام بها تاجر، فيسمى (قانون الأعمال التجارية)، وهذا المعيار ينظر إلى العمل نفسه وليس القائم بالعمل. والحكم السابق يطبق حتى على الشخص الذي يقوم بالعمل التجاري لمرة أو مرات قليلة لا تصل إلى الاحتراف، ولكن بمجرد أن يصل الشخص إلى الاحتراف، فإنه هنا يكتسب صفة التاجر، إلا أن هذه الصفة لا ترتب إلا أحكام خاصة، كمسك الدفاتر التجارية، وخضوع التاجر لنظام الإفلاس، والقيد في السجل التجاري. فطالب الجامعة إذا قام بشراء سيارة بقصد التربح منها، فهو يخضع للقانون التجاري وفقًا لهذا المعيار؛ لأن التصرف نفسه يعد تصرفًا تجاريًا، ولا نعتد بصفة القائم بالتصرف. نقد المعيار المادي: على الرغم من أن المعيار المادي يقوم على طبيعة العمل، وهو أقرب للمنطق ويحقق المساواة بين المجتمع ويؤكد على مبدأ الحرية الاقتصادية، فيحق لكل شخص مزاولة التجارة، إلا أن هذا المعيار لم يسلم من الانتقادات، وهي: 1- يفرض المعيار طبيعته، فيجب وضع ضابط كي نميز بين الأعمال التجارية والأعمال المدنية؛ وذلك لأن العمل التجاري هو المحور الذي يقوم عليه المعيار المادي، ووضع الضابط ليس من الأمور التي يسهل القيام بها، فلا يمكن وضع ضابط جامع مانع. 2- لا يمكن التنبؤ بالأعمال التجارية التي ستظهر في المستقبل. إذ قد ظهرت العديد من الأعمال التي لم يكن لها وجود حتى عهد قريب، ومنها الشركات التي تنظم رحلات بغواصات بحرية في أعماق البحار، أو بيع الأراضي في عالم الميتافيرس وغيرها. 3- هذا المعيار وسع دائرة نطاق تطبيق القانون التجاري بلا مبرر، فاستقلال القانون التجاري عن المدني كان سببه هو التجار وليس العمل التجاري، فالقانون منذ نعومة أظفاره قانون شخصي. 4- توجد أحكام مشتركة بين الأعمال المدنية والأعمال التجارية، مثل عقود البيع والإيجار والتأمين والرهن، ويصعب التفرقة بينها سواء كانت في صورة تجارية أم مدنية. ومن أمثلة التشريعات التي أخذت بالمعيار المادي، القانون التجاري الفرنسي الصادر سنة 1807.

2283

| 19 أكتوبر 2023

alsharq
كبسولة لتقوية الإرادة

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...

2892

| 01 مارس 2026

alsharq
(زمن الأعذار انتهى)

الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...

2853

| 27 فبراير 2026

alsharq
حين جار الجار

في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...

1473

| 04 مارس 2026

alsharq
لسان «مكسّر».. هل نربي «أجانب» بملامح خليجية؟

المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...

1038

| 04 مارس 2026

alsharq
تحية مطرزة بالفخر.. لمنظومتنا الدفاعية

-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا...

873

| 02 مارس 2026

alsharq
رمضان.. شهر يُعيد ترتيب الخسائر

رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...

846

| 27 فبراير 2026

alsharq
العدوان الإيراني يظهر كفاءة عالية لمنظومتنا الدفاعية

-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...

819

| 01 مارس 2026

alsharq
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...

807

| 02 مارس 2026

alsharq
المشهد الإيراني المحتمل بعد خامنئي

انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...

657

| 02 مارس 2026

alsharq
العقول قبل الألقاب

في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...

609

| 05 مارس 2026

alsharq
رسالة إلى الوزير الصالح

رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...

579

| 05 مارس 2026

alsharq
من المستفيد.. ومن الضحية؟!

اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...

576

| 01 مارس 2026

أخبار محلية