رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تشذ الوزيرة هيلاري كلينتون عن النمط الأمريكي الجلف عندما نطقت أخيراً لتعلن ما بدا "إملاءات" على المعارضة السورية. لذلك أثارت ردود فعل انفعالية ورافضة، كما أعطت النظام السوري أسباباً لنقد المعارضة بأنها باتت تحت رحمة الولايات المتحدة، وهي فاجأت طبعاً الرأي العام العربي المتعاطف مع الثورة السورية، ذاك أن مجموعة "أصدقاء الشعب السوري"، كانت تنتظر ما بعد الانتخابات الأمريكية لتتعرف إلى الخيارات التي بلورتها الإدارة لمعالجة الأزمة السورية، ولا يمكن القول إن كلينتون قدمت تصوراً متكاملاً، بل أن كل ما فُهم منها يتمحور حول أمرين: الأول أن واشنطن تريد إطاراً جديداً معبراً عن المعارضة بما يعنيه ذلك من تجاوز لـ"المجلس الوطني" الذي سبق لـ"الأصدقاء" خلال مؤتمرهم في أنقرة أواخر أبريل الماضي أن توجوه ممثلا عن المعارضة، والثاني أن لدى واشنطن هواجس تتعلق باستشراء التطرف المسلح تحت شعار الثورة. كان رد الرئيس الحالي للمجلس الوطني، عبدالباسط سيدا محقا في قوله أن تلكؤ الأسرة الدولية كان سبباً رئيسياً مباشراً في إذكاء التطرف، لأن إطالة الأزمة بدت متعمدة لمنح النظام كل الفرص التي احتاجها للتغول واكتساب مشروعية للعنف الدموي، وكل يوم يمر من دون البدء بالتعامل الجدي مع الأزمة يعطي التطرف والمتطرفين أرضية خصبة للتوسع وكسب مناصرين، وفي الوقت الذي أدت وحشية النظام إلى عسكرة الثورة، فإن استقدامه لمجموعات نشأت في كنف تنظيم القاعدة، واستخراجه مجموعات أخرى من السجناء الذين أخضعهم، بالتعذيب ثم دربهم للقيام بجرائم أديا أيضا إلى قدوم أعداد كبيرة من الشباب العرب وغير العرب الذين انضووا تحت لواء القتال إلى جانب الثوار. وبالتالي صارت الساحة السورية مفتوحة لكل من يسعى إلى ممارسة جهاديته وفقاً لاجتهاده، مثلما صارت أزمتها موضع تجاذب دولي. أما مسألة تجاوز المجلس الوطني فإن المجلس نفسه لا يجهلها، سواء لأن قادته سمعوا خلال اجتماعاتهم الدولية ملاحظات وانتقادات تشير إلى أن الدول الغربية عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، لديها مفاهيم حاكمة لن تقدم على دعم الثورة إلا إذا تحققت، أو لأن قادة المجلس لمسوا في بعض الأحيان أن هذه الدول تبحث عن صيغة لجمع أطياف معارضتي الداخل والخارج، واستنتجوا أن الهدف من هذه الصيغة الذهاب إلى "حوار مع النظام"، ولإحباط مثل هذا الحوار، الذي لم يعد مقبولاً ولا بأي ذريعة، رفض المجلس المشاركة في مؤتمر موسع دعت إليه الجامعة العربية في مايو الماضي، أيام كانت مهمة كوفي أنان لا تزال تداعب أحلام إطلاق حل سياسي، ولم يعد المجلس عن رفضه فشارك في اللقاء نفسه مطلع يوليو في القاهرة، إلا بعدما تلقى ضمانات كافية بأن الأمر يقتصر على اعداد وثائق تحظى بإجماع من المعارضة، ويمكن اعتبارها أساسا لعملها، وبالفعل أمكن التوصل إلى هذا الهدف، لكن منذ ذلك الوقت أصبح هناك مساران أولهما يمثله المجلس الوطني الذي راح يدرس وسائل توسيع قاعدته وعضويته، والثاني تمثله "لجنة المتابعة" لما اعتمده لقاء القاهرة. في غضون ذلك حصلت انشقاقات في صفوف السياسيين والدبلوماسيين، وطرحت فكرة "الحكومة الانتقالية"، التي اعتبر "المجلس الوطني" أن تشكيلها مهمة تعود إليه وحده، لكن اتجاهين تنازعا تحليله لهذه الفكرة، أحدهما استشعر أن القوى الدولية تفض التعامل مع "حكومة" متصلة بالوضع الميداني، وبالتالي يستحسن الاعداد لها، أما الآخر فاعتبر أن حكومة غير قادرة على الوجود والعمل على الأرض ستكون محرقة للمجلس وسينعكس ذلك سلبا على الثورة أكثر مما يكون اضافة إيجابية إليها، لذا فضل المجلس أن ينجز أولاً توسيع عضويته لضم أكبر عدد من فصائل المعارضة في الداخل، ليكون بعد ذلك جاهزا للخيارات التالية، ومنها الحكومة إذا استمر الإلحاح الدولي عليها. لكن "الحكومة" راحت تطبخ على مستويات أخرى إقليمية ودولية، إذ أن "أصدقاء الشعب السوري"، شعروا أيضا بضرورة توحيد رؤاهم لأن الدعم العشوائي وغير المنسق للمعارضة، خصوصا في الداخل، لم يثمر النتيجة المتوخاة، كما وجد الأصدقاء، أن المجالس العسكرية خلفت واقعا ينبغي تفعيله والاستناد إليه لضبط الأوضاع في حال السقوط المفاجئ للنظام، لكن الاعتماد على العسكر وحدهم ينطوي أيضاً على مخاطر يجب تلافيها مسبقا، ولأجل ذلك لابد من إيجاد جسم سياسي مواكب، وهو ما ارتؤى أن يكون حكومة انتقالية، وهكذا نضجت الفكرة في إطار الاتصالات بين القوة الدولية التي رأت أن تبادر إلى تبنيها مستندة إلى خلاصة أعمال "لجنة المتابعة" وهذه استندت بدورها إلى وثائق لقاء المعارضة وتوافقاتها في القاهرة. بمعزل عن الطريقة الخاطئة التي تناولت بها كلينتون الخيارات المطروحة، يبقى هناك الارتياب الدائم من أن واشنطن لم تتخلَّ فعلياً عن فكرة محاورة النظام، وهذا ما لا يستطيع أي معارض حقيقي الاقدام عليه طالما أن النظام لم يوقف القتل ولم يفرج عن المعتقلين، والواقع أنه إذا كان هناك شيء واحد يوحد المعارضة فعلاً فلابد من رفض أي حوار مع النظام، وهذا وحده كافٍ كمنطلق للتعامل مع الأفكار كافة، ومنها "الحكومة" أو ما سمي "الإطار الجديد" للمعارضة.
659
| 05 نوفمبر 2012
يُنظر إلى الانتخابات الأمريكية باعتبارها أيضاً صراعاً على قيادة العالم، المرشح الجمهوري ميت رومني يعتقد بأن إحدى النقاط القوية في حملته على الرئيس الحالي باراك أوباما هي في إظهار قيادة الأخير بأنها "ضعيفة"، وإذا كان هناك رأي عام أمريكي يوافق رومني على هذا التقييم، فإن الرأي العام نفسه لم يجد في تمظهرات المرشح الجمهوري مشروعاً مقنعاً لـ"قيادة قوية". أوباما يفضل، كما يقال، أن يشكل قيادة ذات مصداقية تستطيع أن تفعل ما تقوله، والواقع أن هذا الجدل يعكس حقيقة أن الولايات المتحدة تمر بأزمة اختلال القيادة ولا تزال تعاني من سوء إدارة جورج دبليو بوش لهذه القيادة، وقد خسر جون ماكين أمام أوباما لأنه اعتبر استمراراً لبوش، واليوم يقدم رومني على أنه عودة إلى البوشية المعتمدة على زمرة المحافظين الجدد. ولعل الذين تابعوا المناظرة بين أوباما ورومني حول السياسة الخارجية لم يخرجوا بأي انطباع مطمئن إلى حال "القيادة الأمريكية" بل على العكس هناك ما يثير القلق والشكوك، كان بعض التحليلات ذهب إلى القول إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب القوة الذي يعكسه رومني، إلا أن الرجل نفسه لا يبدو على مستوى خطابه. أما ما يبرر الحاجة إليه فهو أن أوباما يبدو ضعيفاً بالمقارنة مع فلاديمير بوتين العائد إلى رئاسة روسيا بأسلوب تغلب عليه الرغبة في تحدي الغرب، صحيح أن "القيصر" الروسي اختار البوابة الخطأ – الأزمة السورية – لإثبات قيادته الدولية، إلا أنه نجح حتى الآن في استغلالها وفي الاستعداد للذهاب بها إلى أقصى حد، حتى لو اضطر إلى استعادة مناخات الحرب الباردة، ثم أنه طوّر أيضاً دوره كلاعب رئيسي في الأزمة الإيرانية مع الغرب، وفي الربط بين الأزمتين السورية والإيرانية. وفي التعاطي مع هاتين الأزمتين وترابطهما وجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون أنهم يفتقدون أوراقاً للمناورة، إذ أنهم ركزوا دائماً على "مصلحة إسرائيل"، كأولوية في الشرق الأوسط وفي سياساتهم إزاء العرب، وعندما تفجرت الأزمة السورية تبينوا أن مصلحة إسرائيل تلتقي أكثر مع مصلحة روسيا والصين وحتى إيران في تفضيلها بقاء النظام السوري وعدم اهتمامها بطموحات الشعب السوري، لكن إسرائيل التي ضمنت "مصلحتها"، في كل الأحوال، من خلال التدمير المنهجي الذي يتبعه النظام لاقتصاد سوريا وعمرانها وبنيتها التحتية، فإنها تلعب على الخطين، إذ تحبذ عمل روسيا وإيران على تأخير سقوط النظام مما يعطيه الوقت المديد الكافي لاستكمال التخريب، ثم أنها تبذل ما تستطيع لإبطاء الدعم الغربي للمعارضة بذرائع مختلفة منها خطر التطرف الإسلامي واحتمالات انزلاق الوضع السوري إلى الحالات التي شوهدت في العراق أو أفغانستان أو الصومال. كان ملموساً في الغموض الأمريكي حيال الأزمة السورية أن ثمة فرامل إسرائيلية، رغم أن لا أحد في واشنطن أو في سواها من عواصم الغرب يعترف بوجود دور إسرائيلي مؤثر. غير أن المناظرة الأخيرة بين أوباما ورومني سلطت الضوء على هذا الدور، فالمرشحان حرصا على القول إن مقاربتهما للشأن السوري تخضع لـ"التشاور"، و"التنسيق" مع حلفائنا في المنطقة، لاسيما إسرائيل تحديداً، وإن كان أوباما أضاف أيضا تركيا، ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن واشنطن أيضاً كان الرئيس في البيت الأبيض، لابد أن تعطي لإسرائيل حق النظر في الترتيبات المقبلة للتعاطي مع الأزمة، سواء أمكن بناء حل سياسي لها، أو إذا اقتضى الأمر معالجتها عسكريا، وطبعاً من دون إرسال جنود على الأرض. واللافت أن المرشحين كانا متفقين على ثوابت عدة، أولها عدم الانخراط عسكرياً في الصراع داخل سوريا، وثانيها التدقيق في هوية من يقدم إليهم الدعم العسكري، وثالثها الحرص على أن الذين نساعدهم ليحلوا محل نظام الأسد لن ينقلبوا علينا وسيكونون على علاقة جيدة معنا ومع حلفائنا على المدى البعيد، قد يقال إن هذا الموقف غير مستغرب لأن سوريا محاذية لإسرائيل ولم تبرم معها أي معاهدة سلام، كما هي حال مصر، لكن إطالة الأزمة وتفاقمها الداخلي حوّلا طبيعتها من ثورة شعبية على النظام إلى صراع مسلح بينه وبين مناوئيه، وبالتالي فإن الحل المتوقع بات خارجياً ولابد أن تلعب فيه مصالح المتدخلين الدور الأبرز، ومن الواضح أن روسيا تراعي أيضا مصلحة إسرائيل باعتبار أنها تنظر إلى الحل في سوريا كخلاصة لتفاهم جميع أصحاب المصالح المباشرة في هذا البلد. أما الحلقة المفقودة في الموقف الغربي، تحديداً الأمريكي، فتكمن في العجز الذي لا يزال يظهره إزاء حل القضية الفلسطينية رغم أن الولايات المتحدة هي التي طرحت ما يسمى بـ"عملية السلام" ثم تخلت عنها، وقد أدى الفشل في هذا الملف إلى خلل أساسي في سياسات الغرب، سواء بالنسبة إلى الأزمة مع إيران، أو إلى التعامل مع التحولات التي فرضها "الربيع العربي"، ولعل أخطر ما عكسته مناظرة أوباما – رومني أنها لم تعد تعتبر الملف الفلسطيني ذا أولوية وإنما أغرق في عنوان كبير هو "الشرق الأوسط والخطر المتجدد للإرهاب"، وفي ذلك ما فيه من أخطاء فادحة سياسية واستراتيجية. قصارى القول إن النظرة إلى العرب، على مستوى "القيادة"، في الولايات المتحدة وكما أمكن تلمسها في خطابي أوباما ورومني، لم ترق أبداً إلى اعتبارهم حلفاء ولا شركاء وإنما مجرد شعوب معطوبة ينبغي التدخل في مصائرها بالتشاور والتنسيق مع حلفاء أمريكا وشركائها المعتمدين، فحتى أوباما الذي قال إنه غير نادم على مطالبة حسني مبارك بالتنحي استخلص من التعامل مع الحكم الجديد في مصر أنه سيبقى على المحك في احترامه أمن إسرائيل.
621
| 29 أكتوبر 2012
لا يتوقف بنيامين نتنياهو عن ملء الفراغ التفاوضي مع الفلسطينيين بإجراءات يحرص على أن تكون دائماً باتجاه إحباط أي إمكان لاستئناف المفاوضات، فهذا هدفه وبرنامجه منذ انتخابه، ثم تحالفه مع اليمين الأكثر تطرفاً من يمينه الليكودي. وآخر جديده في ذلك السعي إلى إضفاء "الشرعية" على المستوطنات استناداً إلى تقرير أعده ثلاثة من القضاة الذين نسجوا فتاوى قانونية تناسب رئيس الوزراء الذي طلب منهم هذا التقرير. وحين يقال إن رئيس القضاء الأعلى ادموند ليفي أحد هؤلاء الثلاثة، فالمقصود طبعاً الإيحاء بألا شبهة على النتائج التي توصلوا إليها. لكن الطريقة التي تصرف بها نتنياهو بهذا التقرير تكشف كل الشبهات، إذ أنه اطلع عليه وسمح بإذاعة توصياته مطلع يوليو الماضي، ثم قال معاونوه إنه لن يعمل بموجبه تجنباً لردود الفعل السلبية دولياً، ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه يعرف أصلاً أن ما توصل إليه القانونيون ليس قانونياً، إلا أنهم أرشدوه إلى الخدعة التي تؤمن له تغطية شبه قانونية ستبقى في أي حال واهية وركيكة، والواقع أن القضاة الثلاثة اشتغلوا على الخط نفسه الذي اتبعوه طوال حياتهم بجعل القضاء الإسرائيلي ممراً لتشريع كل أنواع المخالفات والجرائم التي بنيت عليها الدولة العبرية. كانت "النقطة القوية" في التقرير أن إسرائيل ليست قوة عسكرية محتلة، وإنما هي قوة عسكرية على أرضها، إِلامَ، استند القضاة في هذا الحكم؟ إلى المعتقدات الأيديولوجية التي تقول إن لليهود الحق في الاستقرار في أي مكان في الضفة الغربية، أو "يهودا والسامرة" كما يسمونها، وبالأخص في المناطق التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية في إطار اتفاقات مع السلطة الفلسطينية أقرّت باستمرار هذه السيطرة على نحو 60 في المائة من الضفة، فما معنى "السيطرة" هنا؟ عدا أنها مجرد تحايل على المصطلحات، فإنها تريد التهرب من "الاحتلال" وهو المصطلح القانوني المستخدم في مختلف وثائق الأمم المتحدة المرتكزة على القانون الدولي، لكن الأغرب أنها تسعى إلى القول بأن الجانب الفلسطيني هو الذي ارتضى أن تبقى السيطرة الإسرائيلية، وبديهي أن هذا غير صحيح لأن اتفاقات أوسلو على ما فيها من ثغرات وإجحاف استندت إلى هدف أساسي واحد هو تصفية الاحتلال لا تثبيته. ثم أن الهدف المتوخى من المفاوضات العالقة، بسبب الشروط الإسرائيلية، هو استعادة هذه الأرض في الحدود التي اعترفت بها إسرائيل، أي حدود 1967م، وبالتالي فليس هناك أي سند قانوني لما جاء به القضاة الثلاثة في تقريرهم بل أنهم أخذوا بالاجتهادات التي ابتكرت منذ 1967م، لتفسير القرارات الدولية بأنها تعطي إسرائيل الأرض التي احتلتها. لو كانت هذه التفسيرات التي دأب الإسرائيليون على المجادلة بها لما كانت مفاوضات أوسلو، ولا مفاوضات مدريد التي سبقتها، ولا سلسلة المبادرات التي بلورها الأمريكيون والإسرائيليون بهدف انتهاء الصراع، بل لو كانت تلك التفسيرات مقبولة لكانت الأمم المتحدة تنبشها في ملف الشرق الأوسط، ولاعتبرت أن القضية مقفلة، لكن المعروف أن المجتمع الدولي لا يعترف بالمستوطنات التي أقيمت على أراضي 67 ولا يزال يعتبرها محل نزاع لا يمكن أن يحل إلا بإحدى وسيلتين: إما أن ترضخ إسرائيل للقانون الدولي وتزيل المخالفات، أو أن يتفق الطرفان وعندئذ يصبح اتفاقهما بمثابة قانون دولي. ثمة استحقاقات اعادة "تشريع المستوطنات" إلى الواجهة. الأول هو الانتخابات المبكرة في 23 يناير 2013، والآخر سعي السلطة الفلسطينية إلى نيل صفة "الدولة غير العضو" باعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة رغم رفض الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الاتحاد الأوروبي، ففي الانتخابات يريد نتنياهو أن يعزز موقع ليكود الذي جاء ثانيا بعد حزب "كاديما" الذي يوصف بأنه وسطي، مما اضطره إلى التحالف مع حزب اليمين المتطرف "إسرائيل بيتنا" بزعامة افيغدور ليبرمان، أي أنه يريد تغيير الخريطة التي رسمتها انتخابات 2009م، وذلك باستقطاب المتشددين الموجودين خصوصاً في المستوطنات، أما بالنسبة إلى الاستحقاق الفلسطيني الدولي فمن شأنه أن يعطي فلسطين صفة "دولة تحت الاحتلال" وهو ما اعتقد الرئيس الفلسطيني أنه يغير طبيعة المفاوضات، لذا كرر في الآونة الأخيرة أنه مستعد لاستئناف التفاوض بعد الحصول على الصفة الجديدة، وطالما أن الاستمرار في الاستيطان وعدم وقفه كان السبب الرئيسي في تعطيل المفاوضات، فلا شك أن "تشريع المستوطنات" يساهم في تعقيد العودة إلى التفاوض، وبالتالي فهو يحقق الهدف الحقيقي لنتنياهو. رغم أن هناك أصواتاً في الوسط السياسي الإسرائيلي انتقدت ما يعتزمه رئيس الوزراء، إلا أنها هاجمت غاياته الانتخابية أو حذرت من تداعياته الدولية، لكن أياً منها لم يشر إلى أن ما يستعد نتنياهو لعمله لا يجوز قانونياً، كما أن أحداً لم يقل إن الأرض التي تقام عليها المستوطنات "ليست أرضنا"، فلماذا نضفي عليها "شرعية قانونية" وفي هذه المواقف ما يكفي من الغموض والميوعة مما يتيح لزعيم ليكود أن يمضي في خطوته، طالما أن شيئاً لا يروعه لا عربياً ولا دولياً.
611
| 22 أكتوبر 2012
انتعشت حظوظ ميت رومني على حساب باراك أوباما الذي كان محلقاً في استطلاعات الرأي. هل هي الإطلالة التليفزيونية، فضلاً عن أدائه الهجومي خلال المناظرة الأولى بين المرشحين، ما ضيّق الفارق بينهما، أم أنها السياسات والقدرة على الإقناع، أم أن مستشاري الرئيس المرشح لم يقدموا النصائح المناسبة؟ إذا لم يصحح أوباما وضعه في المناظرة الثانية، فهذا يعني أن قابليته للفوز ستكون مهددة فعلاً، مخالفاً التوقعات التي سادت طوال الشهور الماضية.الأغرب أن رومني الذي لا يزال الإعلام الأمريكي يتحدث عن شخصيته الباهتة وسطحيته وكاريزميته المتوسطة استطاع أن يبرز في المقارعة الثنائية أمام رئيس لا يزال في البيت الأبيض غارقاً في الملفات. تذكر الجميع المناظرة الأولى من نوعها التي شهدتها الولايات المتحدة عام 1961م، بين جون كنيدي وريتشارد نيكسون، وكيف أن الأول تقدم فيها على أساس الشكل رغم أن الثاني كان متفوقاً في المضمون. ولقائل أن يقول إن هذا حصل مطلع ستينيات القرن الماضي، وأن الوعي والثقافة تطورا، لكن يبدو بحسب المحللين أن مقاربة الناخب للمرشح لم تتغير كثيراً، أي أنه لا يزال يميل إلى الحكم على المظهر والإعجاب بمن يمكنه التكلم كما لو أنه يلاكم.قليلة هي الملاحظات التي تجرأت على استكشاف شيء من العنصرية بين الأبيض والأسود في تقييم المبارزة الكلامية بين أوباما ورومني. صحيح أن المرشح الأسود كان تفوّق عام 2008 على المرشح الأبيض جون ماكين، المتمتع دائماً بتعاطف من الرأي العام، إلا أن المزاج كان مختلفا آنذاك غداة الزلزال الذي أحدثته الأزمة المالية، وهيمنة نظرة عامة مفادها أن ماكين هو استمرار لجورج دبليو بوش أو المزيد منه، ولم يكن الناخبون مستعدين لخيار كهذا، لذلك أقبلت كتلة كبيرة من المصوتين البيض، من مؤيدي الحزب الجمهوري ومن المترددين، على "الأمل" الذي مثله المرشح الديمقراطي وساهموا في رفع أول أمريكي أسود إلى سدة الرئاسة، ليس واضحاً هذه المرة إذا كانوا سيبقون إلى جانبه أم يميلون إلى تجريب منافسه، حتى لو لم يكن مقنعاً.كان جون ماكين دفع ثمن "انتصارات" بوش التي تحولت إلى إخفاقات في الخارج، لكن هزيمته كانت شبه معلنة بسبب الكارثة المالية التي جاءت في ختام الولايتين البوشيتين. ويبدو أن هذه اللعنة الأخيرة هي التي طاردت أوباما طوال ولايته، إذ أن رومني ركز طعناته على فشل خصمه في الخروج من الأزمة الاقتصادية رغم أن اشد المحللين الاقتصاديين انتقاداً للإدارة الحالية لا ينكرون أنها أرست قواعد وضوابط لإدارة أداء السوق مستقبلا لتجنب أي انزلاق مفاجئ إلى الكارثة، وكان موضع استغراب المراقبين أن رومني اعتبر أوباما مسؤولاً عن الأزمة، وأن أوباما لم يشأ تذكيره بأنها تفجرت قبل انتخابه، وقيل إن الرئيس الحالي استبعد تلك الحجة، تحديداً لأنه يعتبر نفسه مسؤولاً طالما أنه الرئيس. كان ذلك موقفا "أخلاقياً". والأخلاق تخسر في مثل هذا النوع من المبارزات، كما كتب أحد المعلقين.كان بين الأهداف التي جذبت الناخبين إلى أوباما، قبل أربعة أعوام، انه وعد بصراحة ووضوح بالانسحاب من العراق، والتمهيد للانسحاب من أفغانستان، ولا يزال المجتمع مؤيداً عموماً لهذين الاستحقاقين، وقد أنجز أولهما في العراق، فيما حددت خريطة الطريق للآخر في أفغانستان، أكثر ما ينظر إليه الجمهور في هذين التدخلين هو الكلفة الباهظة التي ترتبت عليهما، وأصبحت بين أشياء أخرى من عناصر الأزمة الاقتصادية، طبعاً، بالإضافة إلى الكلفة البشرية التي لم يتفهم عموم الأمريكيين ضرورتها، لكن المفارقة أن الانسحابين ارتدا عمليا على أوباما، ذاك انه لم يكن قادرا على إهداء أمريكا انسحاباً بمثابة "انتصار" في العراق، وحتى لو فاز رومني وحان الانسحاب من أفغانستان فإنه لن يستطيع تقديمه على أنه انتصار، غير أن هذه الازدواجية في أحكام الرأي العام تعزى إلى ثقافة مزمنة تأسست على مكانة الدولة العظمى وتفوقها الدائم.وإذا كانت مغادرة العراق، ثم أفغانستان، خطوة ضرورية ومنطقية إلا أنها مهدت لما أصبح يعرف حالياً بـ"مبدأ أوباما"، الذي يقوم على "عدم التدخل"، وكان يمكن لهذا المبدأ أن يصبح إنجازاً عظيماً لرئيس عظيم لولا أن الولايات المتحدة تملك سجلاً طويلاً من التدخلات التي لا يمكن محوها إلا بمعالجة أسبابها وبالأخص نتائجها، ولأنها كذلك، فإن "عدم التدخل"، ما لبث أن أصبح مرادفاً للعجز السياسي، وليس العسكري بطبيعة الحال لذا يركز رومني حاليا على ما كان سلفه ماكين وصف به منافسه أوباما، إذ قال إنه سيسيء إلى مكانة أمريكا لأنه "ضعيف" وقد استعيد هذا الوصف مراراً وكلما كان على أوباما أن يتخذ قراراً يتعلق بعمليات عسكرية، رغم أن جنرالات البنتاغون لم يشكوا من تخاذله بل من إلحاحه على معرفة التفاصيل ومناقشتها.في المناظرة المقبلة ستكون السياسة الخارجية موضع جدل بين المرشحين، ويستعد رومني لما يعتبره موضوعه الأسهل رغم أن عارفيه يصنفونه جاهلاً ولا يملك أي رؤية عالمية بل رجل شعارات أهمها أنه يسعى إلى استعادة الزعامة لأمريكا، ولعل مقتل السفير الأمريكي في بنغازي، والتحدي الذي تشهره إيران وروسيا في المسألة السورية، والخلاف بين أوباما وبنيامين نتنياهو، وتعاظم الهيمنة الاقتصادية للصين، تمده بالذخيرة الكافية لانتهاك أوباما حتى لو لم يكن المرشح الجمهوري صائباً في مآخذه أو قادراً واقعياً على فعل ما هو أقوى وأفضل، فها هو رومني يطلق تصريحات نارية عن ردع إيران، إلا أنه يسارع إلى التصحيح بأن الحرب ضدها لا تزال بعيدة.الأكيد أن أوباما رئيساً لم يكن على قدر التوقعات العربية، بل كان مخيباً للآمال، خصوصاً بتقهقره أمام إسرائيل، لكن رومني رئيسا فهو أوضح مسبقا صهيونيته الفظة وكيف انه سيستعيد المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض، قد يقول العرب إن هذه الولاية الثانية لأوباما وأنه سيكون خلالها متحرراً من قيود إعادة انتخابه، لكن هذه أسطورة ستوضع في الاختبار، وقد تكون مذهلة بخرافيتها، فأحد أهم قيود الولاية الثانية ألا يفسد حظوظ المرشح التالي لحزبه، فهي مسؤولية عليه أن يراعيها.
654
| 14 أكتوبر 2012
في أيام غابرة من كان يتخيّل أن يقابل العرب بصمت أي مواجهة بين سوريا وتركيا، أياً كان نوعها، حتى لو كانت سوريا هي المبادرة وبنظامها هذا في أيام الرئيس الأب، ورغم كل المآخذ على سجله القمعي والدموي، لكن ها هي ممارسات الرئيس الابن تغير العقول والقلوب، المواقف والعواطف، لشدة ما أوغل في الخطأ والقتل والعنت. التفاوض المتبادل بين تركيا وقوات النظام السوري هو مشروع حرب تبحث عمن يعطيها الضوء الأخضر الدولي، لكن موقفي الولايات المتحدة وروسيا كانا واضحين، كذلك حلف الأطلسي، وحتى إيران، فالأخيرة وإن كانت تعتبر الحرب التي يخوضها النظام ضد الشعب السوري "حربها"، إلا أنها مدركة أن أقلمة الحرب قد لا تكون لمصلحتها، والأكيد أنها ليست في مصلحة حليفتها سوريا. لكن هذا التقدير للموقف يقتصر على معطيات اللحظة الراهنة، وقد يتغير لاحقاً. حرص رجب طيب أردوغان، غداة تصويت البرلمان على السماح للحكومة بـ"عمليات" خارج الحدود، تحديدا داخل سوريا، على تأكيد أن تركيا لا ترغب في الحرب، رغم إصراره على أن أي "اعتداء" سوري سيستدعي ردا مناسبا، كان هذا التوضيح موجها إلى جميع الأطراف، بمن فيهم الحلفاء في الأطلسي الذين أكدوا تضامنهم مع أنقرة بكل الألفاظ القوية ليشجعوها على استبعاد أي تصعيد خلال ردّها على الجانب السوري، لكن تكتم دمشق وعدم مصداقية إعلامها الرسمي يمنعان من معرفة حجم الرد التركي والخسائر الناجمة عنه، فالمصادر غير الموثوق بها تحدثت عن قتلى وجرحى وعن تدمير قاعدة جوية. كان رضوخ دمشق للضغط الروسي الحاسم اضطرها للاعتذار لتركيا في وقت قياسي، وقد فهم أن موسكو لم تقبل بإمهال النظام كي يجري تحقيقا في القصف الذي أدى إلى قتل خمسة مدنيين أتراك في بلدة اكجاكالي الحدودية. فأي تحقيق كان سيستغرق بضعة أيام، ثم أن بعض مصادر النظام راح يروّج أن قوات المعارضة هي التي قصفت بغية دفع تركيا إلى التورط. لكن الروس يعرفون حليفهم، ويعرفون ما هو ممكن أو غير ممكن في التعامل معه. لذا بادروا إلى تسويق الرواية التي تتحدث عن خطأ غير مقصود ومهدوا مسبقا للاعتذار وفقاً للأصول، ولعلهم طلبوا أيضا إرساله عبر الأمم المتحدة حيث كان مجلس الأمن الدولي يستعد للانعقاد وتدارس التوتر التركي – السوري، وبالتالي أراد الروس دخول الجلسة بعد نزع الفتيل. في أي ظروف عادية، أو حتى في أحوال التوتر البارد يمكن قبول "رواية الخطأ" أما وقد بلغ التوتر سخونة غير مسبوقة فإن الخطأ غير مسموح به، في أواخر يونيو الماضي أسقطت الدفاعات السورية طائرتين تركيتين كانتا تقومان بمهمة استطلاعية اعتيادية، وفي السابق لم تكن سوريا تعترض على هذه الطلعات إلا أنها استغلت اقتراب الطائرتين من مجالها الجوي لإرسال إشارة سياسية إلى أنقرة، قتل الطياران، وهناك جدل الآن حول التقاطهما حيين ثم قتلهما ورمي جثتيهما في البحر، ضبطت تركيا نفسها ولعلها اعتبرت أن ثمة "خطأ" حصل من جانبها، إلا أنها استحثت حلف الأطلسي لتسجيل الواقعة وتوجيه تحذير إلى سوريا، هذه المرة اختلف الأمر، لأن مدنيين قتلوا، ولأن الظروف لم تعد تسمح بالسكوت. بعد الاعتذار السوري توقف القصف، لكن المراقبين اعتبروا أن جولة انتهت في انتظار الجولة التالية. ولم تتأخر هذه، إذ أن تبادل القذائف استؤنف في اليوم التالي، ثم توقف، وكأن الجانب السوري يريد أن يرسخ واقعا أو أمرا واقعا، فهو يريد بالتأكيد إقحام تركيا عسكريا بأي شكل، علما أن أي حرب لم يعد مقدرا لها أن تنقذه من السقوط، لكن ثمة أسبابا تدفعه إلى ذلك، من بينها أن الأزمة دخلت مرحلة دقيقة، فالأسابيع الأربعة الآتية التي تسبق الانتخابات الأمريكية يريد النظام استغلالها لخلق وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً أنه لم يتمكن من الحسم في الداخل وباتت عملياته تقتصر إما على التدمير المنهجي أو المجازر والإعدامات الميدانية المبرمجة، من دون أن يغير ذلك شيئا على الأرض، ولعله يعتقد أن استدراجه تركيا يمكن أن يجبر الولايات المتحدة على الاتصال به من أجل وقف المواجهة، أو يمكن أن يضطر حلفاءه لتغيير تكتيكاتهم ومسايرته في تخطيطاته، وقد تكون لديه معطيات تجعله مطمئناً إلى أن إيران ستبدل موقفها وتجاريه، إذ حصل في السابق أن مررت طهران تحذيرات مبطنة للأتراك. لاشك أن انقلاب تركيا كان أكثر إيلاما مما توقعه النظام، لكنه كان انقلابا شبه معلن منذ اللحظة التي بدأ فيها النظام يستخدم آلة القتل، وقبل ذلك أطلقت أنقرة إنذارات بلهجات متفاوتة، وعرضت وساطات وكانت مستعدة لمساعدة النظام لو أنه حاول ضبط العنف وطرح مبادرة سياسية معقولة، إلا أنها استنتجت في النهاية أنه نظام ميؤوس منه، ولا يبحث إلا عمن يساعده على المزيد من القتل، ومنذ الشهر الرابع للأزمة حتى اليوم لم يصدر عن دمشق ما يمكن أن يكذب هذا الاستنتاج، بل كانت أنقرة اختبرت النظام في حماة "أواخر يوليو 2011"، إذ وعد بالانسحاب منها ووقف العمليات، وما حصل أنه حرك آلياته لتصورها الكاميرات ثم اعادها بعد مغادرة الوفد التركي، ومنذ ذلك اليوم حسم الأتراك موقفهم وقرروا الانخراط الكامل في دعم المعارضة سياسياً وعسكرياً. نتيجة لهذا الدعم أصبح معظم شمال سوريا خارج سيطرة النظام، باستثناء بعض الجيوب، وأصبحت الطريق من الحدود إلى داخل حلب مفتوحة ولم تعد المنافذ الحدودية تحت إشراف دمشق. وتذهب التوقعات حالياً باتجاه تعزيز تسلح المعارضة لتمكينها من فرض "المنطقة الآمنة" بنفسها ومن دون الحاجة إلى تدخل خارجي أو حتى إلى غطاء جوي. وهذا في حد ذاته يشكل سبباً للتصعيد الحالي، فروسيا تمانع إنشاء منطقة آمنة، كذلك إيران، وهما متضامنتان مع النظام في اعتبار أن الدور التركي غيّر طبيعة الأزمة وسيكون فاعلاً في تعقيد مساومات المرحلة المقبلة مع الولايات المتحدة.
326
| 08 أكتوبر 2012
بالغ المجتمع الدولي، لا سيما دوله الكبرى، في التهرب من مسؤولياته، وفي التخفي وراء استبسال الشعب السوري في الدفاع عن كرامته ومستقبله، لم تكن الجمعية العامة للأمم المتحدة المناسبة الوحيدة لإظهار عجز الأسرة الدولية عن وقف نزيف الدم في سوريا، فالشهور الطويلة الماضية كشفت عمق الخلل في النظام الدولي وفي آليات عمل مجلس الأمن، لكنها كشفت أيضاً عن أن انتهازية دولة واحدة مثل روسيا لا تبرر سلبية دولة أخرى هي الولايات المتحدة. ذاك أن التذرع بالانتخابات الرئاسية يمكن أن يفهم في حد ذاته، لكنه ينفي في الوقت نفسه، ما يقال عن دولة المؤسسات وثوابت السياسة واستمراريتها، وإلا فما الذي يفسر أن شلل الرئيس المرشح يعطل فاعلية الدولة العظمى الوحيدة، وإذا كانت هذه الحال كل أربع سنوات فما الذي يبرر جمود الأسرة الدولية بمختلف مكوناتها في انتظار تمرير الاستحقاق الانتخابي هذا – اذ ان الوقت المستقطع يمكن أن يشكل فرصة سانحة لكل الجرائم والمآسي، ولكل المساومات والابتزازات، وهذا ما حصل ويحصل بالنسبة إلى المحنة السورية. كانت السمة الغالبة على الجمع الدولي العارم في نيويورك، خلال الأسبوع الماضي، ندرة الأفكار والأطروحات للتعامل مع المقتلة اليومية التي يديرها النظام السوري، لذلك هيمنت الثرثرات المكررة، استبعاد التدخل الخارجي وكأنه مطروح فعلاً، تفضيل الحل السياسي وكأنه متاح فعلاً، ترك الشعب السوري يقرر وكأنه كان يقرر دائماً إلا أن انتفاضته على النظام سلبته هذا الحق، ضرورة وقف العنف وكأنه لايزال خياراً ممكناً، دعم مهمة المبعوث الدولي – العربي الأخضر الإبراهيمي وكأن مهمة سلفه كوفي أنان لم تترك دروساً ينبغي التعلم منها، وبالأخص تعلم أن النظام وحلفاءه لن يدعموا أي حل لا يرجح بقاء بشار الأسد بشكل أو بآخر رغم كل الجرائم التي ارتكبها. لذلك شكلت دعوة أمير قطر إلى تدخل عسكري عربي صدمة للمتجادلين في نيويورك، فالشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ذهب إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه أي مسؤول عربي، وأطلق ما يشبه الصرخة الضرورية من على منبر الأمم المتحدة بالذات، للتعبير عن الألم مما يحصل لسوريا دولة وشعبا وجيشا ومجتمعا، فلو لم يكن النظام نفسه طرفا معاديا للشعب، لوجب أن يبادر هو إلى إطلاق مثل هذا النداء إلى العرب لإنقاذ بلده من الاقتتال الداخلي الذي ابتلي به، لكن الواقع ان سوريا الشعب ابتليت بهذا النظام وصبرت عليه عقودا، إلى أن قالت له كفى. وسواء كان اقتراح أمير قطر قابلا للتطبيق أم لا فإنه أصبح مطروحا وكان صاحبه واضحا في أنه يستحق فزعة عربية من الجميع لإنقاذ سوريا وشعبها إن لم يكن بدافع الواجب الذي يحدده ميثاق الجامعة العربية فأقله بدافع الحس الإنساني، وبديهي أن أمير قطر لم يكن بصدد إعلان حرب، ولم يكن يفكر بعمليات قتالية ينبري إليها العرب لإسقاط مزيد من الضحايا – كما سارع الأمين العام للجامعة العربية إلى التوضيح – لكنه كان يطالب بعمل استثنائي حازم لإشعار المجتمع الدولي بأن الفشل في إنهاء المأساة السورية ليس خياراً بل مساهمة في التقتيل والتدمير. إذن، فهي دعوة إلى العرب جميعاً، ودولهم الكبيرة والأصغر، المؤثرة والأقل نفوذا، إلى التحرك الآن بعدما غدا الوقت الضائع، ترخيصا للإمعان في سفك الدماء. كثيرون من العرب والغربيين رأوا في الحاصل في سوريا وكأنه ضربة لـ"الربيع العربي" ووقفاً قسريا لاندفاعته أو كأنه كان مجرد فقاعة واهية أو انفعال آني أجوف، لكن الشعب السوري بذل ما يستطيعه حين كان أعزل ثم حين اضطر لحمل السلاح، ولا شك أن "ربيعه" وكل "ربيع" آخر أصبح مسؤولية عربية عامة ينبغي ان يحرص الجميع، دولا وشعوبا، على إنجاحها ودفعها إلى غاياتها الحقيقية لأن أي تغيير صائب هو مصلحة للجميع، وبالنسبة إلى سوريا تحديدا، هناك مسؤولية مضاعفة، نظرا إلى ما تمثله موقعا وتاريخا وما تعرض على أيدي هذا النظام للإساءة والمهانة. لعل أكثر المجادلات سقماً وتضليلاً تلك التي تناولت مسألة "التدخل الخارجي" في الأزمة السورية، فالذين يعارضونه عن حسن نية يتجاهلون أمرين: الأول أن النظام كان من أول من هاجمه بذريعة أن ثمة "مؤامرة" ضده، واستخدمه لتبرير القتل، بل لا يزال حجته الأساسية، والثاني أن حلفاء النظام، روسيا وإيران والصين، يدعمونه في القمع الدموي ويجندون كل طاقاتهم ونفوذهم لدعمه من دون أن يعتبر ذلك تدخلا خارجيا، أما الذين يؤيدونه عن حسن نية أيضا فينطلقون من اعتبارين: الأول أن المهم وقف إراقة الدماء بأي وسيلة، وطالما أن النظام اتبعها نهجا ثابتا فلابد من وضعه عند حده. أما الثاني فهو أن الأصل في الحلول هو الحل الداخلي، لكن النظام أبطل أو عطّل كل الآليات الممكنة لحل كهذا، وهو لم يفعل ذلك منذ اندلاع الثورة ضده، وإنما عمل طوال عقود على قتل أي نقد أو حوار داخلي – وكل من تعاطى مع الأزمة، سواء كان وسيطا أو موفدا خاصا، خرج بانطباع مفاده أن النظام لا يملك سوى الحل الأمني ولا يرى خيارا سواه. لا أحد يحبذ التدخل الخارجي لذاته، ولعل مثالبه تفوق فوائده في كل الأحوال، لكن الأسوأ منه تمكين القاتل من مواصلة القتل ومنحه الفرصة تلو الأخرى حتى أصبح الآن لا يرضى بحصيلة أقل من مائة قتيل يومياً، إن لم تكن أضعاف هذا العدد، لذلك يفرض التدخل نفسه كأمر لابد منه في غياب أي حلول أخرى ممكنة، ولعل أمير قطر أراد على طريقته إبداء الاستياء من هزال الإرادة السياسية، خصوصاً لدى الدول الكبرى في "مجموعة أصدقاء الشعب السوري" فأي فكرة مهما بدت صعبة أو حتى مستحيلة يمكنها أن تغير الواقع المسدود متى توافرت الإرادة السياسية لتحقيقه.
260
| 01 أكتوبر 2012
طرحت الإساءة للإسلام، والاحتجاجات عليها، ومواقف الحكومات، غربية وعربية ومسلمة، أسئلة كبيرة وشائكة ينبغي على العالم الإسلامي أن يتعمق فيها ويستخلص العبر. فالإساءات قد تتكرر، كذلك الاحتجاجات، ما يستوجب ضبط النفس، لأن الانفعال والعشوائية أديا وسيؤديان إلى إراقة الدماء، وكأن المجتمعات المسلمة نفسها في صراعات داخلية بين تياراتها قبل أن تكون في صراع مع المسيئين للإسلام. غداة انتشار خبر الفيلم المسيء وبداية الاحتجاج عليه ثم قتل الدبلوماسيين الأمريكيين في بنغازي، استرجع العالم أحداث سبتمبر، كان ولا يزال هناك اعتقاد بأن "الحرب على الإرهاب"، إنما كانت في أذهان عسكرييها وسياسييها حرباً على المسلمين، صحيح أن الحكومات، ولا سيما الأمريكية، أطلقت الكثير من التأكيدات الرسمية بأن الأمر لا يتعلق بالإسلام والمسلمين، وبأنها تميز بين ما هو ديني إيماني وما هو دنيوي "إرهابي"، إلا أن وقائع عدة خلال استجواب المعتقلين في غوانتانامو وباغرام، وكذلك دعوة ذلك القس المهووس إلى حرق المصاحف، أظهرت أن ثمة ثقافة كراهية قد انتشرت بل أدخلت في أساليب تعبئة العسكريين على ما دلت إليه ممارساتهم في سجن أبوغريب العراقي وسائر السجون العلنية والسرية. كان الهدف من الحروب والاحتلالات، ومن انتهاج التنكيل والتعذيب والإذلال، تحقير الشأن الديني ورموزه، وتحطيم النفوس لتتقبل الإهانات للإسلام وكتابه ورسوله، وبالتالي إخراج الدين من الخطاب السياسي بمستوياته كافة، لكن النتيجة جاءت في معظم الأحيان عكسية، فالمعاملة التي تلقاها المعتقلون جعلت العديد منهم يعودون إلى القتال ما أن أطلق سراحهم، ومن تاب منهم لا يمكن القول إنه غدا صديقا لسجانيه السابقين أو محباً لبلادهم وسياسات حكوماتهم. أكثر من ذلك، حصلت تحولات هائلة في بلدان "الربيع العربي" وكانت الدول الغربية الأشد ترحيبا بها، بل ساعدت أو أوصت بأنها تساند الثورات، لكنها ما لبثت أن تقبلت على مضض واقع أن تيارات الإسلام السياسي برزت كوريث وحيد جاهز للأنظمة الاستبدادية المتهاوية، وتشاء المفارقة أن نجد الأنظمة الجديدة (الإسلامية) نفسها مضطرة للتكيف مع واقع يعرقل إداراتها للاقتصاد والمال والسياسة، ما لم تكن لها أفضل العلاقات مع الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة. صحيح أن هذه الأنظمة استبقت الوصول إلى سدة الحكم بمراجعات أو بصياغات منمقة لسياساتها كي تصبح مقبولة ومطمئنة، إلا أن التفاهمات المبدئية لا تلغي صعوبات التطبيقات العملية ولذلك فإن الكونجرس والدوائر المالية و"اللوبي الصهيوني" ترى أن سياسة المساعدات يجب أن تتشدد لاختبار الحكام الجدد ونياتهم وتوجهاتهم. عند هذا المنعطف الصعب تفجرت قضية الفيلم المسيء للإسلام وردود الفعل عليه، وبالأخص قتل السفير الأمريكي في بنغازي، فهناك داخل الإدارة الأمريكية من ضرب كفا بكف قائلا: إذا فقد تخلصنا من القذافي لنظفر بالقاعدة في ليبيا، وهناك داخل الكونجرس من تساءل: وهل مصر "الاخوان المسلمين" صديقة لأمريكا مثل مصر مبارك لنجدد مساعداتنا لها ونزيد عليها؟ وطرحت أسئلة مشابهة بشأن اليمن وتونس.. بل تجددت الشكوك في جدوى دعم المعارضة السورية، طالما أن هناك "جهاديين" يتكاثرون في المشهد، فضلاً عن السلفيين الذين أنشأوا حالات خاصة بهم ضمن الثورة السورية، تماماً كما فعلوا في بلدان "الربيع" الأخرى. لكن، هل يتعلق الأمر بالإسلام أم بالمسلمين، بالسياسة أم بالإسلام السياسي؟ لا شك أن هناك تداخلا بين كل هذه العناصر، فالعلاقة بين الغربيين والإسلاميين بدأت لتوّها من دون أن يكونوا قد حلوا خلافات مزمنة في ما بينهم، ذاك أن النقمة على السياسات الأمريكية لم تزل لأن النتائج الكارثية لهذه السياسات لا تزال ماثلة ومعاشة يومياً من أفغانستان وباكستان، إلى فلسطين والعراق، فضلاً عن مشروع الحرب المتفاعل ضد إيران وازدياد الهوس الإسرائيلي واندفاعه إلى تخريب المنطقة، وقد وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي في الاحتجاجات الإسلامية فرصة للوم الولايات المتحدة على إهمالها لـ"التطرف الإسلامي" متجاهلاً أن هناك في الإدارة الأمريكية من يشير إلى حكومته باعتبارها نموذجا لـ"تطرف الدولة"، الموازي لـ"إرهاب الدولة". لعل أهم دروس الاحتجاجات أن الحكام الجدد تعرفوا إلى حقيقة أنهم لا يستطيعون بعد الآن استخدام اساليب المعارضة، بل لعلهم اكتشفوا أيضا أن التيارات الإسلامية على يمينهم أو على يسارهم، يمكن أن تكون "خطراً" وفقاً لتوصيف راشد الغنوشي، ليس على حزبه فحسب وإنما على الدولة والبلد، والأكيد أن اخوان مصر وليبيا توصلوا إلى الاستنتاج نفسه، لأن التحديات لا تأتيهم من الليبراليين، أو حتى الفلول، وإنما من الجماعات التي يظنون أنها معنية بإنجاح تجربة الإسلاميين في الحكم، ولا شك أن هذه الفوضى تضعف دعوات كالتي أطلقها الأزهر ومنظمة التعاون الإسلامي لترجمة الاحتجاج المتزن والعقلاني على الإساءة للإسلام بتشريع دولي يجرم ويحرم المس بالأديان والمقدسات. لا أحد ينفي مشروعية الاحتجاج، لكن يجدر بالجميع وضع الإساءة في حجمها الصحيح، فالإسلام كدين لا يمكن أن نقلل من شأنه بأساليب رخيصة ومبتذلة كهذه، لم يكن مطلوبا تمريرها كأنها لم تكن، ولا اتخاذها شماعة لتعليق أشياء كثيرة لا علاقة لها بالإسلام عليها. إذ أن الجدل الدائر اليوم على المواقع الإلكترونية يوحي بأن الإسلام يخص المتطرفين والغوغائيين الذين افتعلوا العنف حيثما استطاعوا، بل انهم يعتبرون سلوكهم صحيحا، ولذا باتوا يصنفون الآخرين إلى حد التشكيك في إسلامهم.
388
| 24 سبتمبر 2012
سلّط مؤتمر "الإسلاميون والثورات العربية"، الذي نظمه "مركز الجزيرة للدراسات" الأسبوع الماضي في الدوحة، الضوء على واقع وصول أحزاب التيار الإسلامي السياسي إلى الحكم، خصوصاً فيما بات يعرف بـ"بلدان الربيع العربي" كمصر وتونس، واحتمال تبلور وصولهم إلى الحكم بشكل أكثر وضوحاً في ليبيا واليمن، فضلاً عن تجربتيهم المختلفتين في السودان والمغرب، ووجودهم في قلب الثورة السورية المستمرة في التفاعل. كان المؤتمر فرصة لاستكشاف الخلاصات الأولى التي توصل إليها الإسلاميون من إرهاصات توليهم الحكم، ومن الواضح أن نقطة القوة البارزة هي أن صناديق الاقتراع دفعتهم إلى سدة المسؤولية، أي أن المجتمع منحهم الثقة، أما ما يمكن أن يشكل نقطة قوة أخرى فهو أنهم يقبلون على المهمة برؤى فكرية بنوها خلال وجودهم في المعارضة وبناء على نقد ونقض لسياسات الأنظمة السابقة، وطبعاً بالاستناد إلى فكر الإسلام وتعاليمه. رغم ان النقاش أظهر تنوعاً في الآراء داخل بيئة الإسلام السياسي وتياراته، إلا أنه يحسن أن يفكر "مركز الجزيرة للدراسات" في تنظيم مؤتمر آخر يتواجه فيه الإسلاميون مع معارضيهم بأفكارهم وخياراتهم ورؤاهم المستقبلية، ذاك أن أي تجربة حكم تحتاج إلى الطرفين كي تصوّب توجهاتها، فكما أن المأخذ الرئيسي على التجربة التي سقطت أنها اتبعت نهجا فرضيا مستمدا من الخلفية العسكرية للحكام، كذلك يخشى اتباع هذا النهج بشكل أو بآخر استناداً إلى الخلفية الدينية للحكام الجدد. ويستدل من المداخلات الثلاث للشيخ راشد الغنوشي والدكتور حسن الترابي والمهندس خيرت الشاطر أن التجربة الإسلامية في الحكم لاتزال في حيّز عرض الرؤى والتمسك بها، وفي حين يظهر الهاجس الفكري والثقافي، أي هاجس تقريب ثقافة المجتمع وتغييرها، سواء عند الغنوشي أو الترابي باعتبار أن نهضة الشعوب لابد أن تمر بنهضة فكرية، نجد أن الشاطر يعرض "نهضة مصر" انطلاقاً من تغيير الواقع الاقتصادي للوصول إلى التغيير في السياسة والثقافة والاجتماع، ومن اللافت أن شعار "النهضة" الذي يجمع بين مختلف التجارب يبدو داعيا أن "الربيع العربي" مطالب بنقل البلدان والشعوب من حقبة شبه انحطاطية إلى حقبة نهضوية، والمفارقة أن الأنظمة السابقة كانت تعتبر نفسها وريثة "عصر النهضة" واستكمالاً له، إلا أنها ما لبثت أن أجهضته وانفصلت عنه بالأساليب المتخلفة التي انتهجتها. أكثر من مرة وردت في نقاش مؤتمر الدوحة إشارة إلى النموذج التركي، ربما لأنه نجح، ولم ترد أي إشارة إلى نماذج أخرى منها إيران، ربما لأنها يصعب أن يحتذى بها، وما يبرر الإشارة إلى تركيا أن طموحات الثورات العربية، أقله في المرحلة الأولى، هي أقرب إلى ما تحقق في تركيا حيث كان الانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني بطريقة سلسة وسلمية، وأمكن للإسلاميين أن يديروا المؤسسات وسياسة الدولة بحنكة وفاعلية، ما أخرج تركيا من قاع الاقتصاد المشهر إفلاسه إلى واقع الاقتصاد المزدهر الذي تمكن حتى من اجتياز الرياح العاتية للأزمة العالمية، لعل ما يفتقده الإسلاميون العرب، سواء أرادوا الاسترشاد بالنموذج التركي أم لا، هو "الدولة" والمؤسسات، فالأتراك لم يجدوا أمامهم دولة ينبغي بناؤها من جديد، وإنما جاؤوا إلى دولة قوية قائمة تعاني من سوء الإدارة وفساد الحكام وبطاناتهم، لم يكن عليهم أن ينجزوا دستورا جديدا بل ان يدخلوا إلى الدستور الموجود تعديلات تصوّب مفهومه للديمقراطية والحريات، وبالتالي فإن مهمة الإسلاميين العرب تبدو أكثر صعوبة، ثم أن الفارق بينهم وبين الأتراك أن هؤلاء لم يكونوا مقصيين تماما عن المشهد السياسي وإنما كانوا في حال صراع فعلي مع الحكم، واستطاعوا أن يحوّلوا القمع والاضطهاد الذي تعرضوا له إلى عوامل إغناء لتجربتهم وتطوير لأطروحاتهم السياسية وتغليب لنضالهم، ويجدر الاعتراف بأن هذه الامكانية لم تكن متاحة للإسلاميين العرب، وحتى الانفتاح الشكلي والجزئي خلال العهد السابق في مصر لم يكن جوهريا ولم يكن في إطار اعتراف من النظام بأنه في صدد احترام التعددية أو تنظيم انتخابات حرة ونزيهة. لم تكن سياسات الثورات واحدة في مختلف بلدان "الربيع العربي" إذ تدرجت في الدموية على نحو مؤلم، ورأينا أنه كلما ارتفعت فاتورة الدم واستشراس النظام بدرجة معنية في اليمن وبحد أقصى في ليبيا ثم في سوريا، تصاعدت المخاطر على المرحلة الانتقالية، لكن سياقات المهمات المطلوبة من حكام ما بعد الثورات تبدو متشابهة، أقله في عناوينها ومؤدياتها، فالمجتمعات تريد الاستفادة القصوى من إخفاقات العهود الماضية لتكون خيارات العهد الجديد موجهة فعلا نحو بناء دولة تؤمن بل تضمن قانونيا ما يندرج في بند احترام حقوق الإنسان، لذلك يجد الحكام الإسلاميون أنفسهم مطالبين تحديدا بما طولبت به الأنظمة الساقطة ولم تبال بتحقيقه بل انهم مطالبون بما هو أكثر تحديدا لكونهم إسلاميين ويواجهون اتهامات مسبقة بأنهم لا يبالون أو لا يعطون أولوية لمسائل التعددية والمواطنة والحريات والمرأة، وهي مآخذ مبنية على الأدبيات والفتاوى وحتى على الممارسات الشخصية، بل انهم "الإسلاميين" مطالبون على المستوى الخارجي بتصحيح مسار علاقات التضامن بين الدول العربية وبتصويب السياسات التي اعتبرت نكسة تاريخية للأمة العربية خصوصاً في الصراع مع إسرائيل. هذه ورثة هائلة وشاملة، إذن، لا يمكن أن يعهد بها إلى "تيار" سياسي، ويتساوى في ذلك أن يكون دينيا أو مدنيا، ورثة متخمة بالإشكالات والتحديات لابد أن الحكام الجدد يواجهون فيها صعوبة بل تناقضات بين مشروعهم ذي الخلفية العقائدية ومعطيات واقع لا يرونه مساعداً لتمرير التغييرات بسلاسة وهدوء، ورغم أن معظمهم أبدى "واقعية" في التعاطي الأولي مع المخاوف الاجتماعية من "الأسلمة" أو مع الملفات الخارجة الساخنة، إلا أن النقاشات الدستورية الدائرة التي يجري حسمها بـ"التصويت" وفقاً للأكثرية الحالية لا تبشر بخيارات مستقبلية ونهائية بل تنذر ببذر نوى لصراعات قادمة. تدرك نخبة الإسلاميين أن صناديق الاقتراع جاءت بها إلى الحكم في مجتمعات أمكن لها أن تختبر التنوع الثقافي، وأن هذا التنوع خالط القناعات الدينية والممارسات الاجتماعية، من هنا أن مواءمة متطلبات الدولة المدنية مع التعاليم الإسلامية قد تكون ممكنة في إطار الاجتهاد الديني، إلا أن المجتمعات تريد أن ترى ذلك وتلمسه في واقعها المعاش، وهذه تجربة لا يمكن امتحانها على المدى القصير، ولا في ظل ضغوط المرحلة الانتقالية التي يجب أن تبقى أقرب إلى "الواقعية" وأكثر انفتاحاً مع كل مكونات المجتمع.
417
| 17 سبتمبر 2012
ما دام الأمر بلغ حد المشادة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي وسفير الولايات المتحدة في إسرائيل، وفي حضور أحد أعضاء الكونجرس، فهذا يعني أن بنيامين نتنياهو خرج عن طور السياسة وعن طور الدبلوماسية ليصبح أسير انفعالاته، وفي الأعراف الغربية لا يمكن الوثوق بمثل هذا الشخص، إذا كان في يده اتخاذ قرار يتعلق بالحرب، إنه يواجه حالياً المآخذ نفسها التي وجهت في أمريكا للرئيس السابق جورج دبليو بوش، مع فارق أن نتنياهو ليس رئيس دولة عظمى مهما بلغ تأثيره في توجيه السياسة الأمريكية. في الكواليس ما هو أكثر عمقاً من المشادة، هناك صراع إرادات، والمفارقة أن الأمريكيين والإسرائيليين، عسكريين وسياسيين، يؤكدون اتفاقهم على الهدف حيال إيران وبرنامجها النووي، فإذا كان هناك اتفاق، لماذا إذن هذا المناخ المتوتر المحموم؟ إنه مرتبط تحديداً بأن نتنياهو مصر، مع ايهود باراك وزير الدفاع، على "تطويع" باراك أوباما في مسألة إيران، بعدما تمكن من تطويعه فيما يتعلق بشروط التفاوض مع الفلسطينيين، لكن حتى في هذا الملف يعتبر زعيم الليكود أن المطلوب من الرئيس الأمريكي أن يضغط على الفلسطينيين ويفرض عليهم التفاوض وفقاً للشروط الإسرائيلية، لا أن يبتعد عن الملف ويترك الإسرائيليين عرضة للانتقادات حول العالم بسبب عرقلتهم باستمرارهم في سياسة الاستيطان. وبالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي فإن أوباما لا يبدي أي جدية في مواجهة "الخطر الإيراني على إسرائيل" ولذلك فقد سعى إلى استخدام الموسم الانتخابي لابتزازه، سواء باستقبال حافل لمنافسة الجمهوري ميت رومني، أو باستخراج تعهد منه يحدد فيه مهلة وخطاً أحمر لا تعود الأولوية بعدهما لحل دبلوماسي مع إيران، بل للحل العسكري، أما بالنسبة لأوباما فإن المسألة لا تتعلق برغبات إسرائيل وإنما أولاً بالمصالح الأمريكية، ثم بمصالح حلفاء أمريكا في الخليج وأوروبا، ثم بـ"أمن إسرائيل" الذي تتعهده الولايات المتحدة كاستراتيجية ثابتة أكدها الرئيس الحالي أسوة بجميع الرؤساء الذين سبقوه. بناء على ذلك، لا يمكن لأوباما اعتبار خيار الحرب على إيران قراراً ذاتياً، وإنما يجب أن تؤخذ فيه معطيات كثيرة في الاعتبار، إنه قرار تقاسم في بلورته مختلف مؤسسات الحكم، وبالأخص الأجهزة الأمنية. وهذه المؤسسات ترفض جميعاً هذا الخيار الآن، ويعرف الإسرائيليون جيداً كيف يُصنع القرار الأمريكي، ولعلهم متوترون لأنهم لم يتمكنوا من اختراقه وجرّه إلى خياراتهم، وهذه من المرات النادرة التي يقف فيها الحليفان على طرفي نقيض، رغم اتفاقهما على الأهداف. وفي مثل هذه الحال، لابد للحليف الصغير أن يرضخ لإرادة الكبير، لا أن يواصل نهره وتحديه والتسبب بخسائر له، وقد سبق لأوباما أن نبه الإسرائيليين، في خطاب أمام منظمة اللوبي اليهودي (إيباك) إلى أن ورقة الحرب التي يرفعونها من وقت لآخر أدت إلى اضطراب في أسعار النفط انعكس على جميع الحلفاء الغربيين الذين تمر بلدانهم بأزمات مالية واقتصادية. لكن الأمر الآخر الذي جعل نتنياهو يخرج عن طوره أنه لم يجد سبيلاً لابتزاز أوباما باجتذاب اليهود الأمريكيين، إذ أن غالبيتهم تؤيد الحزب الديمقراطي لسياساته الداخلية، ولم تر منه بالنسبة لإسرائيل ما يهز ثقتها به، إذن، هذه ورقة أخرى لا يملك نتنياهو إمكان تحريكها أو تجبيرها لهذا المرشح أو ذاك، وبالتالي فإن أوباما لن يكون مديناً له في حال نجاحه المحتمل بولاية ثانية في البيت الأبيض، وقد أخذ الناخبون اليهود علماً بالمساعدات المالية والعسكرية التي أغدقها أوباما على إسرائيل دفعاً لضغوطها من أجل شن حرب على إيران، أي أنه خضع للابتزاز لكن من دون الرضوخ لما تريده اسرائيل. وفي أي حال، فإن الأمريكيين يعرفون أكثر من سواهم، ماذا يعني الصراخ الإسرائيلي الذي يحذر من "الخطر الإيراني"، ولم يخف العسكريون الأمريكيون، الذين يترددون على إسرائيل بوتيرة شبه أسبوعية، أنهم لا يعتقدون بوجود خطر داهم، ولذلك يعتبرون أن الأمر لا يعدو كونه صراخا سياسيا لا يستطيعون معالجته، أما نظراؤهم العسكريون الإسرائيليون فعبروا عن مخاوف وتحدثوا عن خطط جاهزة وتحضيرات حثيثة لمواجهتها، لكنهم بدورهم لم يؤكدوا أن الوضع يتطلب تدخلا عسكريا سريعا، ونظراً إلى أن منطلقات التفاهم بين العسكريين تختلف عنها بين السياسيين، فإن الجنرالات الإسرائيليين لم يتأخروا في إبداء اعتراضهم على طبول الحرب التي تقرعها حكومتهم. وهكذا، أخيراً، إلى المشادة مع السفير الأمريكي، وجد نتنياهو نفسه في وضع قد يضطره إلى إخضاع أعضاء "مجلس الوزراء الأمني"، لأجهزة كشف الكذب التي تستخدم مع المجرمين. ورد عليه شاؤول موفاز زعيم حزب "كاديما" بأنه هو (أي نتنياهو) من يجب إخضاعه لهذه الأجهزة، لم يسبق أن بلغ المستوى السياسي في إسرائيل هذا المستوى من التخبط والتعارض، بل لم يسبق أن انقسمت أي حكومة إلى هذا الحد في نقاشها لقرار حرب، ولعل أعضاء "مجلس الوزراء الأمني" وجدوا أن النقاش لم يعد يتسم بـ"الديمقراطية" ما دفع بعضهم إلى تعمد تسريب ما يقال في الاجتماعات بغية إقحام الرأي العام كي يضغط على "الصقور"، خصوصاً أن استطلاعات الرأي أظهرت معارضة واضحة لفكرة الحرب. لا شك أن هذه المعارضة من جانب جنرالات الجيش وكذلك من الرأي العام، تستند أساساً إلى استحالة الحرب من دون مشاركة الولايات المتحدة فيها، بل من دون قيادتها وتورطها الكامل فيها، وبالتالي فإن نتنياهو يجد سبباً آخر للحنق على أوباما الذي حتى من دون أن يقصد، أحدث شرخاً داخل حكومته وأجهزته فضلاً عن الرأي العام الإسرائيلي، ولذلك فعلى نتنياهو أن يقتنع بما حققه حتى الآن في زرع فكرة الحرب، لأن المزيد من الإلحاح والضغط لابد أن يرتد عليه.
473
| 10 سبتمبر 2012
من المؤكد أن المسؤولين الإيرانيين لم يحبذوا على الإطلاق الموقف الذي أبداه الرئيس المصري محمد مرسي حيال الأزمة السورية، ربما توقعوا أن يكون أكثر دبلوماسية، أو أن يحاول ملاقاتهم في منتصف الطريق، لكنهم صدموا بأنه لم يتطلع إلى مسايرتهم سواء لأنها زيارته الأولى لطهران، أو لأنه يلقي أولى كلمات الضيوف، لكن أي موقف أقل وضوحاً كان سيرسل إشارة خاطئة وسيعطي انطباعاً بأن مصر لاتزال حائرة ومنخفضة الصوت كما كانت خلال المرحلة الانتقالية مع المجلس العسكري. كان الإيرانيون شعروا ببعض التشجيع من الاقتراح الذي قدمه مرسي في القمة الإسلامية، قبل أسبوعين، ووجدوا فيه هامشاً للمناورة، ذاك أن وجود مصر والسعودية وإيران وتركيا في هيئة رباعية، وفقاً للاقتراح، عنى للإيرانيين أنهم سيجدون شركاء لرعاية حل في سوريا يبقي النظام، لأنهم في كل الأحوال لن يتخلوا عن هذا الهدف، ثم تبين لهم خطأ هذا الحساب، فمثل هذه "الرباعية الإسلامية" تريد اجتذاب إيران إلى فكرة إقناع الرئيس السوري بالتنحي لإتاحة حل سياسي. في معرض التحضير لقمة مجموعة عدم الانحياز، وخلال مناقشات وزراء الخارجية، أدرك الإيرانيون أن الملف السوري مثار خلاف، وأنهم لن يتمكنوا من إيجاد إجماع على صيغة تدعم النظام السوري. لذا قرروا أنه يجب ألا يكون محورياً لئلا ينعكس على الجو العام للقمة التي يريدون لها نجاحاً بيناً، لكنهم في الوقت نفسه يريدون أن تدعم القمة قضية إيران في صراعها مع الدول الغربية على خلفية برنامجها النووي، إلا أن الحضور الذي تمنوه وسعوا إليه للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون انقلب أيضا ضدهم إذ إن الرجل شدد على تنفيذ القرارات الدولية التي تطلب من إيران إيضاح موقفها من خلال التفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كل ما استطاعت إيران تحصيله في القمة اقتصر على ما كان لديها قبل القمة، فمعظم دول عدم الانحياز ترفض بشكل مبدئي نهج العقوبات الدولية، كما أنها تؤيد حق الجميع في إنتاج الطاقة النووية والحصول عليها للاستخدام العلمي والسلمي، ولا شك أنها تدعم حل أي خلاف بالتفاوض والدبلوماسية، مما يعني أنها لا تقبل طبول الحرب التي تقرعها إسرائيل كخيار عسكري لحسم الأزمة النووية، وفي سياق هذه المواقف المبدئية، المنسجمة مع الثقافة النقدية للدول الكبرى وطريقة إدارتها للصراعات فإن مآخذ إيران على مجلس الأمن الدولي كتركيبة وممارسة تجد صدىً إيجابياً لدى معظم دول عدم الانحياز، حتى لو لم تشاركها في اللهجة الحادة التي تستخدمها في مطالبتها بإصلاح الأمم المتحدة ومؤسساتها. ما الذي تغير بالنسبة إلى إيران عبر قمة عدم الانحياز، وما الذي سيتغير بعدها؟ بالنظر إلى وضعها الصراعي الحالي، دولياً وإقليمياً، استطاعت إيران أن تحبط كل التوقعات السلبية، وتمكنت من استضافة هذه القمة وتسلم رئاستها للسنوات الثلاث المقبلة، ولعلها تمتعت على مدى أسبوع بمشاعر نفسية تخفف من العزلة التي تعيشها عادة، كما أنها حصلت على منبر استقطب لبضعة أيام بعض الأضواء الإعلامية فقال مرشدها علي خامنئي ورئيسها محمود أحمدي نجاد وغيرهما من كبار رجال الدولة كل ما يختزنونه من نقمة على "المجتمع الدولي" المجحف في حق إيران، لكنهم يعرفون أن ما يبحثون عنه حقاً يوجد في مكان آخر، فكل هذه القوة العسكرية التي بنوها والأموال التي أنفقوها مستثمرين في طموحهم لنفوذ إقليمي معترف به لا يمكن تصريفها في محفل عدم الانحياز، غير أن هذا المحفل كان ضرورياً، بالنسبة إليهم، أقله لتدعيم ركائز ذلك النفوذ. مع انحسار الأضواء ومغادرة الضيوف، عودة إلى الواقع، مع محاولة تقييم النتائج، فقد سمع هؤلاء المسؤولون كلاماً صريحاً وآخر ملمحاً يتناول الوضع الداخلي الإيراني، فهل أن "زعامة عدم الانحياز" ستحفزهم على بذل أي جهد في هذا المجال؟ السؤال مطروح وإن كان هناك شك كبير في رؤية تغيير يذكر، وهل يمكن لهذه "الزعامة" أن تواصل ابتلاع ما يجري في سوريا والاكتفاء بإدانة "المؤامرة على خط المقاومة والممانعة"؟ وهل تريد إيران تطوير مفهوم عدم الانحياز لتعطي نموذجاً في تطبيق "مبادئ باندونج" ومن أهمها "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى" فتبدأ بدول الجوار أولاً؟ وهل تعمل على تفعيل الدعم المطلق للقضية الفلسطينية في مجموعة عدم الانحياز بحيث لا تكون إيران عبئاً على هذه القضية وطرفاً يستغلها من أجل مصالحه الخاصة؟ هل تدرك أن الروح الـ"عدم انحيازية" تتطلب رؤية جديدة للتعامل مع الإقليم بهدف تحقيق الاستقرار للشعوب والحكومات على السواء؟ أسئلة تطرح نفسها أولاً لأن حركة عدم الانحياز بحاجة إلى من يجددها ويعطيها دفعاً نحو أهدافها الأساسية التي لاتزال ماثلة، وثانياً لأن الطموحات الراهنة لإيران أبعدتها عن الواقع بل عن براغماتيتها المشهورة. وإذا كان لابد من بداية ما، فلتكن مثلاً عبر تصحيح العلاقة مع مصر، مادامت طهران تتطلع إلى ذلك، مادامت القاهرة ترغب أيضا في تجاوز الصفحة التي طويت مع سياسات النظام السابق. والواقع أن علاقة سوية بين البلدين ستتوقف أولاً وأخيراً على السلوك الإيراني، فكل الأساليب المستنبطة من أيديولوجية الثورة الخمينية، من نقل ناعم أو خشن لـ"الثورة"، ستكون إذا اتبعت مع مصر سبباً كفيلاً بإفشال أي تطبيع للعلاقات، والمشكلة أن إيران تبدو في تعاملها مع أي دولة أخرى وكأنها غير معترفة بالأعراف المتبعة، تغفل حيثما حلت أسلوب التغلغل والاختراق وإثارة النعرات المذهبية، ولعل سوريا ولبنان والعراق وفلسطين وأفغانستان وبعض دول الخليج أمثلة ونماذج للتطبيقات الإيرانية، فإذا كانت التمنيات والطموحات نفسها تراود طهران بالنسبة إلى مصر فهذا يعني ببساطة أنها لم تفهم شيئاً من القطيعة الطويلة بين البلدين، فهي لم تكن مجرد إذعان للسياسة الغربية، بل كانت أيضا مبنية على أسباب مصرية خالصة تتعلق خصوصاً بمبدأ "عدم التدخل" المتبادل، لذلك إذا نجح البلدان في إقامة علاقة طبيعية سيكون ذلك بداية طيبة ومؤشراً إلى تغيير جوهري في إيران.
338
| 02 سبتمبر 2012
كشف أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي، نية حكومته التخلص من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولو بالانتخابات! ولم يكن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ولا وزير الدفاع أيهود باراك، موفقين في النأي بالنفس عن الرسالة التي بعث بها زميلهما إلى الهيئة الرباعية الدولية ليطلب منها الضغط لإجراء انتخابات رئاسية في الأراضي الفلسطينية. إذ قال ليبرمان إنه يعبر بموقفه ذاك عن تقييم الحكومة لعلاقتها المتراجعة مع عباس، أي أن حكومة نتنياهو باتت ترى أن الخروج من المأذق الحالي للمفاوضات يمكن أن يكون بإزاحة الرئيس الفلسطيني، وهو ما كان بلغه أرييل شارون منذ عام 2002 عندما حاصر الرئيس الراحل ياسر عرفات في مبنى المقاطعة في رام الله، وراح يفاوض إدارة جورج دبليو بوش لتعطي الضوء الأخضر لتصفية عرفات. صحيح أن نتنياهو لم تتوافر له الظروف لمحاصرة عباس، إلا أنه فعل كل ما يلزم لخنق السلطة وإحباطها، وكما كان شارون يبدي الغضب والاستياء من النشاط الخارجي لعرفات، فإن نتنياهو ساق الانتقاد نفسه ضد عباس، ملاحظاً أن حراكه الخارجي يضايق إسرائيل لأنه مركز كله ضدها، كم أنه يستغله منذ عامين لتأمين تأييد دولي للاعتراف بـ"الدولة الفلسطينية" التي تعارض إسرائيل إنشاءها أو الإعلان عنها إلا بشروطها، وتؤيدها إدارة باراك أوباما في ذلك. مهما كان مغفلاً ومهزوزاً فإن ليبرمان وقع على رسالة رسمية موجهة إلى "الرباعية"، ولو لم يكن مستنداً إلى نقاش جدي جرى داخل الحكومة لما وجد أي سبب للجوء إلى هذه الطريقة، ولكان اكتفى بإطلاق واحد من تصريحاته المنفلتة التي لا يقيم أحد لها وزناً. أما الرسالة فباتت وثيقة رسمية تشهد على تدخل سافر لمسؤول إسرائيلي في ما لا يعنيه إطلاقاً، تحدث ليبرمان عن "حل مبتكر هدفه تقوية القيادة الفلسطينية، معتبراً أن عباس غير مهتم وغير قادر على التوصل إلى اتفاق ينهي النزاع"، ومن خارج الرسالة اتهمه بأنه يمارس "إرهاباً دبلوماسياً" ضد إسرائيل يتجاوز بخطورته "إرهاب حماس". هذا الكلام يعيد إلى الأذهان ما نقلته وثائق "ويكيليكس" عن نتنياهو نفسه بأنه حض "اللوبي اليهودي" في الولايات المتحدة على الضغط على إدارة أوباما لتوقف التعامل مع عباس "كونه أخطر على إسرائيل من حركة حماس"، كما أن أيهود باراك، وفي معرض انتقاد رسالة ليبرمان وتسخيفها، لم يرفض عملياً المآخذ العامة التي تسوقها إزاء الرئيس الفلسطيني، فالإسرائيليون يعتبرون أنهم قاموا أخيراً بكثير من "مبادرات حسن النية"، كـ"تحويل الأموال لدفع رواتب الموظفين، واتفاق تشغيل مزيد من عمال البناء الفلسطيني، والتقليل من عدد الحواجز العسكرية، وتطوير البنية التحتية في المناطق (ج) الخاضعة لسيطرة إسرائيل"، ومع ذلك يشير ليبرمان إلى أن النشاط الفلسطيني المضاد لإسرائيل ازداد على الساحات الدبلوماسية والقانونية، بالإضافة إلى محاولات تشجيع المقاطعة للاقتصاد الإسرائيلي، ومن نتائج ذلك مثلاً أن حكومة جنوب إفريقيا قررت تمييز منتجات المستوطنات الإسرائيلية بعلامة خاصة بمثابة دعوة للإعراض عن شرائها. لم يغفل ليبرمان في رسالته إلى "الرباعية" سوى أمر واحد، وهو اسم الشخص الذي يتمناه رئيساً فلسطينياً بديلاً عن "أبو مازن"، ولو فعل لأصبحت الصورة عندئذ كاملة وواضحة، وإذ يعلم الإسرائيليون أنهم لن يستطيعوا الحصول على ما يريدون عن طريق الانتخابات، ولم تكن هذه يوماً من وسائلهم، فإن الفرضية التي تمثل أمام الجميع هي أن ليبرمان ربما عبر عن استيائه من تلكؤ الحكومة التي ينتمي إليها في حسم قرار التخلص من عباس، ولذلك قرأت الرئاسة الفلسطينية في رسالته "تحريضاً على القتل". الأرجح أن الرئيس الفلسطيني نفسه لم يفاجأ بهذا "التحريض" العلني، فهو أشار سابقاً، وكذلك أوساطه، إلى احتمال أن يكون الإسرائيليون يفكرون في التخلص منه، فهو رافق المفاوضات معهم، منذ بداياتها عبر القنوات السرية ثم العلنية، ومنذ إخفاق مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 والوفاة غير الطبيعية لعرفات، أدرك "أبو مازن" أن "الشريك" الإسرائيلي في "السلام" هو عصابة مافيا تفاوض للحصول على ما تريده، وإذا لم يخضع مفاوضها لمطالبها تعمد إلى التخلص منه، لأن من سيأتي بعده سيكون مدركاً مصيره مسبقاً إذا لم يقدم التنازلات المطلوبة، كان بيل كلينتون أوصى جورج دبليو بوش بعدم التعامل مع عرفات "لأنه خذله"، وذهب بوش في تنفيذ الوصية إلى حد مقاطعة عرفان وغض النظر عن إزاحته شرط أن يجد شارون الطريقة المناسبة لذلك، ومع أن بوش لم يوص أوباما شيئاً بخصوص "أبو مازن"، فإن إدارة أوباما أخذت تعبر أخيراً عن الاستياء منه لأنه "خذل" الرئيس برفضه مواصلة التفاوض رغم استمرار الاستيطان الإسرائيلي، وقد نسي أوباما أنه جعل من "وقف الاستيطان" النقطة المحورية القوية في خطابه الشهير في جامعة القاهرة في يونيو 2009. لا شك أن رسالة ليبرمان حققت مصلحة لنتنياهو، إذ وجهت إنذاراً إلى الرئيس الفلسطيني بأن التحرك الذي يعتزمه تجاه الجمعية العامة للأمم المتحدة لن تمرره إسرائيل من دون ثمن. فهذا التحرك الذي تتحسب له أيضا الدبلوماسية الأمريكية، سعياً إلى إحباطه، يحظى بإمكانات النجاح في الحصول على اعتراف ولو بدرجة أقل من "الدولة العضو" في الأمم المتحدة إلا أنه يمنح السلطة الفلسطينية إمكانات أفضل للعمل الدولي، ولعل هذا الإنذار يحض الجانب الفلسطيني على الإصرار على تحركه، ليس فقط من قبيل التحدي، وإنما خصوصاً للخروج من الجمود والتهميش اللذين فرضا على الشعب الفلسطيني وقضيته.
323
| 27 أغسطس 2012
تقف المنطقة العربية حالياً على شفير حرب تسعى إليها إسرائيل لضرب إيران وبرنامجها النووي، وحرب أخرى يرى النظام السوري أنه يحتاجها للخروج من مأزقه الداخلي، والأرجح أن هاتين الحربين تلتقيان في لبنان، فالمخطط الإسرائيلي يتحسب لرد فعل "حزب الله" إذا ضربت إيران، وتمنيات النظام السوري تعتبر أن انشغال العالم بتلك الحرب يفسح له المجال للإجهاز على المعارضة وقواها العسكرية ويستعيد بالتالي قدرته على الحكم وقيادة "حل سياسي" للأزمة. العقدة بالنسبة إلى إسرائيل هي إقناع الإدارة الأمريكية بالموافقة على الانخراط في مشروعها، والإدارة لا تعتبر الأمر ثنائياً بينها وبين إسرائيل، بل تأخذ في الاعتبار آراء الحلفاء الأوروبيين الذين يشاركون حالياً في نهج العقوبات والمفاوضات مع إيران ولا يرغبون إطلاقاً في إشعال حرب جديدة قد تذهب بأسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، فضلاً عن أن أي خطط عسكرية مسبقة لا تستطيع التحكم بنهاية محددة لحرب كهذه، ولا يبعد موقف الحلف كثيراً عن موقف البيت الأبيض، الذي لم يتلق بعد أي إشارة أو إنذار من البنتاجون لوضع خيار الحرب على الطاولة وبته قريباً. وحتى في إسرائيل نفسها لم يبد أن المستوى العسكري ملح على تفعيل العمل العسكري الآن ضد إيران، إلا أن المستوى السياسي وتحديداً رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع أيهود باراك لم يتوقف طوال الشهور الماضية عن التلويح بهذه الورقة لأسباب عدة، أهمها.. أولاً: إبقاء الضغوط قائمة على باراك أوباما بعدما استشعرت إسرائيل أنه يستبعد الخيار العسكري مؤقتاً ولن يذهب إليه إلا إذا اقتضته الظروف. ثانياً: إن ظروف الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وفتح بازار المزايدة بين الحزبين المتنافسين تشكل فرصة مناسبة لدفع الابتزاز إلى أقصاه، فإذا أفلح في إشعال الحرب المتوخاة تحقق إسرائيل هدفها، وإذا لم يفلح فإنها تضمن أن تحقق مكاسب تعذر عليها نيلها في السابق، ولعل السبب الثالث أن إسرائيل تمر بمصاعب داخلية وتريد حكومة نتنياهو الهروب منها إلى الخارج، ثم إنها ترى ضرورة لتغيير الوقائع على الأرض استباقاً لنتائج التغيير الحاصل في سياق "الربيع العربي" وصعود التيار الإسلامي. وفي إطار المنازلة التفاوضية الدائرة بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو، رأينا أن واشنطن اضطرت خلال أسبوع واحد إلى إيفاد مستشار الأمن القومي ووزير الدفاع وقائد القوات الأمريكية في المنطقة لترشيد الخطاب الحربي الإسرائيلي والتشديد على عدم التفكير إطلاقاً بحشر الولايات المتحدة وإرباكها، وبالتالي عدم التعويل على ضربة أولى إسرائيلية يعقبها تلقائياً تورط أمريكي مباشر في الحرب. كان ذلك قد تزامن مع زيارة منافس أوباما المرشح الجمهوري ميت رومني لإسرائيل وإدلائه بسلسلة تصريحات غبية تشجع على الحرب، وقد ترجم الثنائي نتنياهو – باراك هذا التزاحم عليه بتصعيد نهج الابتزاز، مقترحاً طي تلويحه بالحرب مقابل تعهد أوباما خطياً بمهلة زمنية محددة وقريبة يصبح العمل العسكري بعدها خياراً وحيداً للتعامل مع إيران. ويتداول الطرفان حالياً صيغاً لهذا التعهد، وقد رفض "الإسرائيلي" عدداً منها لأنه لم يلمس فيها التزاماً واضحاً. رغم مواقف كثيرة أبداها عسكريون سابقون أصبحوا ساسة، ومنهم شاؤول موفاز، محذرين من ارتكاب الخطأ الاستراتيجي سواء بإشعال الحرب من دون إرادة واشنطن أو بممارسة الضغط على الإدارة الأمريكية خلافاً للتقاليد المتبعة بين الحليفين، وجد الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز نفسه مضطراً لتجاوز صلاحياته، إذ تدخل في الجدل قائلاً بشكل حاسم إن إسرائيل لا تستطيع مهاجمة إيران من دون الولايات المتحدة، وردت عليه أوساط نتنياهو منبهة إلى أن منصبه الشرفي لا يخوله الإدلاء بمواقف تتناقض مع سياسات رئيس الوزراء، لكن استطلاعاً للرأي كان أظهر أن غالبية الإسرائيليين لا يؤيدون قراراً بالحرب، ثم إن معظم المعلقين كتبوا يدعون نتنياهو إلى "ضبط النفس"، غير أن الأخير لن يتأثر بالانتقادات، فهو حالياً يخوض حرباً لترويض أوباما، أما الحرب على إيران فهي ليست مبرمجة لما بعد غد، أي أنه يستطيع مواصلة التهديد بها لعله يتمكن من ترجيحها في غضون الشهور الثلاثة المقبلة. يعرف الاستراتيجيون أن كثرة الجدل حول حرب، خصوصاً بين طرفين حليفين بالضرورة، لا تعني سوى أن هذه الحرب غير مرجحة، إذ لم تنضج ظروفها، وبالنسبة إلى إدارة أوباما ثمة أمر لا يمكن تجاهله، وهو أن هذه الحرب تتطلب أولاً أن تكون قراراً أمريكياً، وثانياً تحضيراً للحلفاء والأصدقاء، ما يعني أنها لا يمكن أن تكون قراراً لنتنياهو، كما يدعي، لكن كيف يمكن أن ينعكس حديث الحرب هذا على الأزمة السورية؟ إذا كانت إيران هي التي تتعرض لضربة عسكرية فإن هذا يلزم النظام السوري، مبدئياً بالوقوف إلى جانبها مع "حزب الله". لكن أوضاع هذا النظام لن تمكنه من المساندة، وكل ما يأمله أن تساعده الحرب على سحق الثورة الشعبية، وهذا أيضا لم يعد خياراً واقعياً.. عدا ذلك، تظهر المعلومات المتداولة أن إسرائيل تخطط للحرب على إيران معتبرة أن سوريا باتت خارج المعادلة، حتى لو كان معظم جيشها غير مشارك في المعارك الداخلية. قصارى القول إن الحرب خيار موجود، لكنه غير محسوم، لذلك تجد إسرائيل أن المتاح أمامها استغلال التهديد في اتجاهات شتى، من دون أن تتمكن الولايات المتحدة من ضبطها، أما في ما يتعلق بتمنيات النظام السوري، وبتوعده ب"إحراق المنطقة"، فإنه لا يستطيع ذلك من دون إيران، ولا شك أن إيران تدعمه بكل الوسائل، أما افتعال حرب من أجل إنقاذه فهذه قصة أخرى.
356
| 20 أغسطس 2012
مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
4674
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
4332
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1500
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1029
| 11 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
993
| 13 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
846
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
693
| 13 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
666
| 12 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
633
| 09 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
621
| 13 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
612
| 14 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
597
| 11 مايو 2026
مساحة إعلانية