رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة السورية، ناصبَ النظام الإيراني والأنظمة والقوى المرتبطة به في المنطقة العداء لها، وقدموا بالمقابل ـ ومازالوا ـ كل صنوف الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني لنظام الأسد، وهو ما تسبب ـ بجانب الدعم الروسي ـ إلى إطالة عمر الأزمة، والتسبب في إدخالها في تعقيدات كبيرة، ورفع فاتورة الخسائر في صفوف المدنيين بما في ذلك الزيادة في عدد النازحين واللاجئين، وتدمير البنى التحتية للبلاد، والخشية من تقويض هياكل الدولة بصورة كاملة. ولم يكن ذلك مستغربا من نظام شعر بين عشية وضحاها أن مشروعه بكل طموحاته على مستوى التمدد الإقليمي والمذهبي في المنطقة، يمكن أن يكون مهددا، بسبب ربيع الثورات العربية بصفة عامة، ورحيل نظام الأسد الذي سيحطم له أحد الأذرع المهمة في هذه المعادلة، ويدّمر فاعلية خط نفوذه الإقليمي، الممتد من طهران مرورا ببغداد فدمشق وصولا إلى الضاحية الجنوبية. ولكن ما هو مستغرب هو غياب الرشد السياسي لدى هذا النظام الذي قبل الرهان على حصان خاسر من جهة، وتكبد الكثير من الخسائر على مستوى علاقاته بشعوب وأنظمة المنطقة، بسبب هذه النظرة العاجلة والقاصرة، التي تفتقر للحكمة وبعد النظر، وترتبط بالانغلاق المذهبي، والتعصب الطائفي من جهة أخرى. التصريحات التي صدرت عن المسؤولين وآيات الله في إيران، ورئيس الوزراء العراقي المالكي وبعض وزرائه وقيادات حزب الله بلبنان كانت ومازالت تعزف على نفس الوتر، وتكرر نفس الكلام المموج، سواء على مستوى التهديدات والوعيد بإحراق المنطقة وإدخالها في حالة من الفوضى إن سقط أو أسقط الأسد، والتخويف من حرب طائفية ليس في سوريا فحسب، وإنما تمتد لتصل إلى العراق ولبنان والأردن، أو الحديث عن المؤامرة الكونية على سوريا وخط الممانعة، أو اتهام المعارضة السورية وثوارها بالعمالة للخارج والتشكيك بها، والتهوين من عزيمتها، واتهام دول المنطقة كدول الخليج وتركيا بالمشاركة في مخطط خارجي، وصولا إلى الوصاية على سوريا والتأكيد على أن الأسد باق حتى 2014، وكأن سوريا صارت ولاية إيرانية، والأسد ليس سوى محافظ لدى نظام طهران. لقد خسر النظام الإيراني الكثير من الأمور بسبب هذا الدعم الأهوج لنظام دمشق، وتنتظره خسارات كبيرة، على المدى القريب والمتوسط والطويل الأمد، وهاكم بعض هذه الخسارات: ـ خسر شعبيته الكبيرة وصورته الذهنية لدى الشعوب العربية التي كانت تعتقد أنه والنظام السوري وحزب الله هم تيار مقاومة فعلا، بينما تبين زيف هذه الصورة وانفضاح الحقيقة، فالدعم الذي قدّم مؤخرا لمنع سقوط الأسد في مواجهة شعبه، كان الأولى ومنذ عقود تقديمه لاسترجاع الجولان المحتل قبل 46 عاما، والصورايخ الإيرانية التي كانت لدى حزب الله لم يطلق منها صاروخ واحد ضد إسرائيل أثناء العدوان الصهيوني الأخير على غزة. إن القوة التي لديهم ليس للوقوف إلى جانب المظلوم ضد الظالم، أو للوقوف إلى جانب أصحاب الحق، وإنما لتحقيق مصالحهم الضيقة على حساب مصلحة الأمة الكبيرة..هكذا فعلوا في مساندة الأميركان لاحتلال أفغانستان، وفي مهادنتهم لهم في العراق، فدخل الموالون لهم على دبابات الشيطان الأكبر، حتى تمكّنوا من السيطرة على مقدرات هذه البلاد، وهو مافعلوه في تكوين ميليشيا طائفية في لبنان تحت عباءة المقاومة، وهو ما لم ينتبه لها الكثيرون لخطورته، إلا بعد أن أشهرت هذه المليشيا سلاحها فيما بعد ضد أبناء لبنان قرب مطار بيروت وغيره، وضد أبناء الشعب السوري منذ عامين، ولا تزال هذه القوة تستخدم لاحتلال الجزر العربية التابعة لدولة الإمارات العربية، ثم في السعي الدؤوب لإثارة الفتنة في البحرين، أو وتسعير الحرب الأهلية في اليمن. ـ إن الحرب الأهلية والطائفية التي يسعرّون نارها، ويخوّفون الناس من لهيبها، قد تقع فعلا إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة، واستمر المجتمع الدولي في عدم الأخذ على أيدي الصفويين الجدد، أو تأخر في دعم الجيش الحر والثورات العربية، تحت حجج ومبررات واهية، وإذا ما وقعت هذه الحرب لا قدر الله، فإن النار التي يشعلونها ستحرقكم وتزلزل الأرض تحت أقدامكم،لأنهم أكثر طغيانا من أن يستمعوا لنصح الناصحين، ولن تكتفي بالتهام من يخوفونهم فقط. كان الأولى بالنظام الإيراني لو كان يتمتع بشيء من الرشد والعقلانية والحكمة أن يبني علاقة سوية مع الشعوب العربية، وأن يتقبل خسارة الأنظمة التي تواليه من أجل ألا يخسر الشعوب، فالشعوب هي الباقية والأنظمة إلى زوال، والحق هو الذي يمكث في الأرض، وأما الباطل فهو الزبد الذي يذهب جفاء... والحديث عن الخسارات الأخرى طويل. وصدق الله العظيم: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".
382
| 06 مارس 2013
مع اقتراب إتمام عامين على انطلاقة الثورة السورية ضد استبداد النظام الأسدي، ربما شعر السائرون على هذا الدرب وأنصارهم والحادبون عليهم في لحظة أو أكثر بشيء من الضيق، يصل أحيانا إلى درجة القنوط بسبب عدم بلوغ الثورة لهدفها الرئيس المتمثل بكنس النظام الحالي، وحصول الشعب السوري على حقه في اختيار من يمثله ويحكمه، وعودة الأمن والأمان إلى ربوع البلاد، واستعادة مكانتها اللائقة ودورها المأمول، وعدم وجود ما يلوح في الأفق لانتهاء هذا الوضع المأزوم، وبخاصة مع تجاوز النظام لكل الخطوط الحمراء في الإثخان بشعبه، وافتضاح حجم المؤامرات على هذا الشعب، حتى من الذين يدّعون الوقوف إلى جانبه. ولكيلا نفتقد البوصلة في خضمّ هذه المرحلة المهمة والحساسة من حياة الشعب السوري، ويفلح من ثَمَّ أعداء هذه الثورة من أعوان النظام وداعميه إقليميا ودوليا، وغيرهم ممن يظهرون الشفقة على الشعب السوري الثائر في كسب الزمن لصالحهم، والوصول بنا إلى حلول ترقيعية هزيلة تعيد إنتاج النظام بصورة من الصور من جديد، وتذهب برأسه وتترك منظومته الفاسدة، على أساس أنه لا يمكن الاستمرار إلى ما لا نهاية، طالما أن أحداً من الطرفين لم يستطع أن يحقق نصرا بيّنا على الطرف الآخر، أو بدعوى وقف شلال الدماء المتدفق وذلك بالجلوس إلى مائدة حوار وتفاوض مفصلة وفق مقاساتهم، بعد أن تمّ لهم ما أرادوا من تدمير البنى التحتية للبلاد.. من أجل كل ما سبق لا بد من توضيح الحقائق التالية أو إعادة التذكير بها: ـ الشعب السوري يواجه نظاما قد يكون مختلفا عن الأنظمة العربية الأخرى التي مرّ بها ربيع الثورات العربي، فهو امتداد من الإجرام والفساد من الأب إلى الابن، وربما كان سيصل به للحفيد، في إرساء لظاهرة توريث الأنظمة الجمهورية، وهو بالوقت نفسه يستخدم الطائفة أداة في صراعه، عملَ قبل الثورة على الزجّ بأبنائها للإمساك بمفاصل الجيش والأمن، وبعد الثورة أقنعها زورا وبهتانا بأنها مستهدفة من قبلها، وأن مصيرها مرتبط بمصير نظامه، وأتخذ من أفرادها وقودا لحربه (تشير الأرقام أنه قتل من أفراد الطائفة قرابة عشرين ألف شخص)، وهو بالوقت نفسه اتخذ الحزب (البعث) مطية لأهدافه باسم الثورية. وفي حين كان يدّعي الوطنية ويتدثر بعباءة المقاومة والممانعة، قام بعقد سلسلة من التحالفات والاتفاقيات الإقليمية والدولية المريبة التي لم يضاهيه فيها أحد في المنطقة، تم بموجبها المحافظة على أمن إسرائيل، وعدم السماح باختراق أراضيه المحتلة من قبل الجولان، والتماهي مع المشروع الصفوي الإيراني منذ ثلاثين عاما، والذي تكشّف وجهه الحقيقي مؤخرا.. من طهران للضاحية الجنوبية، إلى اليمن وبعض دول الخليج، بكل ما يمثله من تهديد وجودي للأمة. ـ من الخطأ وضع تقدير افتراضي لأمد انتصار الثورات وحجم الضحايا اللازم لهذه الغاية، سواء أكان ذلك ضد الاستعمار أو الاستبداد أو العنصرية، لأن ذلك متروك للموقع الجغرافي للثورة، وللظروف المحيطة بكل منها، وحجم دموية مَن تواجهه والتآمر المنصبّ عليها. ولعل الخطأ الذي حصل هو مقارنة الأمد الذي استغرقته الثورات التونسية والمصرية والليبية ـ من شهر لعدة أشهر ـ بتأخر انتصار الثورة السورية، مع أن الاختلاف واضح فيما بينها، ونذكر هنا بعض الفروق على سبيل المثال لا الحصر، كعدم وجود قوى داعمة لتلك الأنظمة بشكل واضح وقوي، كما يدعم النظامان الروسي والإيراني نظام دمشق، بكافة أنواع الدعم بما في ذلك الجنود والخبراء والأسلحة، وعدم دموية تلك الأنظمة كما هي دموية النظام السوري، باستثناء نظام القذافي المشابه له، الذي جوبه بتدخل من حلف شمال الأطلسي وامتناع الجهات الدولية التي تدعي عداءها للأسد عن مد الجيش الحر ببعض الأسلحة النوعية، فضلا عن التدخل العسكري ضد نظام الأسد، كما فعل في ليبيا، تحت مبررات واهية كوجود تنظيم القاعدة والجماعات الجهادية، والخشية من وصول الأسلحة إليها، وحماية الأقليات وغيرها، بينما الحقيقة غير ذلك. وللتأكيد فقد بعض الثورات كالفرنسية عشر سنوات، والجزائرية حوالي ثماني سنوات وسميت الأخيرة بثورة المليون شهيد. ـ ربما يرتبط الأمر بنظرة الغرب والمجتمع الدولي والكيان الصهيوني لهذه الثورات التي جاءت مفاجئة لهم، ورغبتهم في فرملة الحراك الشعبي الثوري العربي، أو عدم ترك المجال له لتصل عدواه إلى دول أخرى لأسباب كثيرة، لعل من أهمها أن من ستفرزه الانتخابات بعد انتصار الثورات إما أنهم من تيارات وطنية أو إسلامية، يصعب قيادها أو التفاهم معها كما كان الأمر مع الأنظمة الديكتاتورية، أو أنه لايمكن لها ضمان مصالحها وأمنها بالصورة المُختلَّة لصالحها كما هو الحال في ظل هذه الأنظمة الفاسدة، ولا يخفي كثير من المراقبين أن عدم الاستقرار في مصر ما بعد الثورة، وأن ما يحصل من إطلاق يد النظام السوري في قتل شعبه دون خطوط حمراء، وصمت العالم الغربي المريب عن ذلك، ونقضه للوعود التي أطلقها بمساعدة الشعب السوري، على ارتباط وثيق بهذه المعادلة. لقد اتضح أن الغرب يريد الديمقراطية لمجتمعاته فقط، وليس لمجتمعاتنا العربية النامية، لأنه ربما يعتقد أو يتيقن بأن مصالحه ستكون أكثر ضمانا في ظل الديكتاتوريات التي تقبل بالتبعية وتقديم التنازلات له، لتبقى على كرسي الحكم. إذا تفهّم الشعب السوري وثواره وكل مناصري تيار الثورات العربية ما سبق، وكانوا على ثقة بصوابية دوافعهم في التحرك، وبنصر الله للمظلومين على الظالمين باعتبارها سنة من سننه، فإنهم سيكونون أكثر اطمئنانا بصحة مسارهم، وبالنصر الذي ينتظر حراكهم طال الزمن أم قصر، غير آبهين بالمرجفين والمثبطين، والأجر والمثوبة على قدر المشقة.
405
| 27 فبراير 2013
أحدثت مبادرة رئيس الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة معاذ الخطيب التي تضمنت استعداده للجلوس إلى طاولة الحوار مع ممثلين عن النظام لم تتلطخ أيديهم بالدم السوري، في مكان محايد، شرط أن يطلق النظام مئة وستين ألف معتقل، وتجديد جوازات السفر لمئات آلاف السوريين في المنافي، أحدثت ـ وما تزال ـ ردود فعل واسعة النطاق بين تأييد ومعارضة، على مستوى الائتلاف وفصائل الثورة والأحزاب والتجمعات السورية في الداخل والخارج، وعلى مستوى المجتمع الدولي والدول الإقليمية. سنكتفي بالحديث عن مواقف الصف السوري وتأثيرات المبادرة والفاعلين الدوليين عليه، خشية من تشرذمه وتمزقه وذهاب ريحه. لأنه الأهم في مواجهة نظام شرس هو النظام السوري، وداعمين ولغوا في الإجرام كالنظامين الإيراني والروسي. بداية لا اعتراض على نوايا رئيس الائتلاف فهو شخصية وطنية ذات تاريخ نضالي مشهود لها، لا يمكن أحد أن يشكك فيها، ولا اعتراض على مبدأ المبادرات السياسية، التي تطلق في إطار الثورة السورية، بل هي مطلوبة، لأن الحراك الثوري لا بد له من استثمار سياسي في نهاية المطاف، وإلا صار فاقدا للقيمة، أي أن الأول وسيلة لبلوغ الآخر (الغاية). الاعتراض على جملة أمور لعل أهمها: ـ المبادرة جاءت فردية، ولم تناقش في أطر الائتلاف، ومن ثم لم تحظّ بأغلبية أو إجماع أو توافق الائتلاف، المشكّل أصلا من أطياف شتى من الأحزاب والقوى السياسية، وفداحة الأمر هنا عدم اعتماد منهج الشورى والتوافق، وبخاصة في المسائل والمواقف الجوهرية التي تهم الشعب السوري ومستقبل ثورته، وهو ما يخشى أن يتسبب في لحظة من اللحظات في شقّ صفوف الثورة السورية، في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى التوحد والتماسك في وجه المتربصين بها، ويزداد هذا الأمر خطورة إذا علمنا أن المبادرة خرقت أحد ثوابت الائتلاف التي نصت عليها أدبياته التأسيسية، وهو عدم الحوار مع النظام أو أي رمز من رموزه. ـ حديث رئيس الائتلاف عن انسداد الأفق، وتنكر العالم لوعوده فيما يخص دعم الثورة السورية بالمال والسلاح النوعي، لا يبرر بحال من الأحوال الذهاب إلى حل أكثر سوءا، أو تسليم رقبتنا من بوابة أخرى للجلاد الذي سفك الدماء، أو للكاذبين الذين أغدقوا الوعود على الثورة السورية بمجرد تشكيل الائتلاف. الثورة بدأت من الصفر ولا ينبغي إعادتها إلى تحت ما تحت الصفر. ـ لم تكن المبادرة أكثر من فخّ نصب للسيد معاذ الخطيب وللائتلاف وذلك لكي يتمكن المجتمع الدولي من الهروب من مسؤولياته الأخلاقية ووعوده التي أطلقها، فإذا تجاوب الأسد، وهو أشبه بالمستحيل يجدون منفذاً لتبرئة الذمم، وإن لم يتجاوب تكون الدبلوماسية الدولية قد أسقطت ما يشبه قنبلة برميلية سياسية على صفوف المعارضة، وهو ما يحدث خصوصا مع رفض الأسد عمليا للمبادرة. ومعروف أن الولايات المتحدة والغرب لم يعودوا ينظرون إلى الثورة السورية إلا من منظار التخوف من منظار جبهة النصرة والقاعدة والجماعات الجهادية، ومن زاوية عدم انتقال الأسلحة الكيمائية إليها وإلى حزب الله، وبالتالي الحرص على أمن الكيان الصهيوني، أو يتذرعون بذلك للتخلي عن تقصيرهم، رغم أنهم هم المسؤولون على وصول سوريا إلى هذا الوضع،لأن حراك الثورة في شهورها الست الأولى كان سلمياً بامتياز، ولم يجر الحديث عن جماعات جهادية، أو لم تدخل فعليا ـ على ضآلة عددها مقارنة بمجمل العناصر المسلحة في سوريا ـ إلا بعد عام على بدء الثورة. وحتى لو وافق الأسد على التنحي والرحيل فإن قوى إقليمية ودولية ترتبط مصالحها ونفوذها الإقليمي والدولي بوجود نظامه لن تسمح له بذلك، وستبقى تقاتل عنه ويقاتل عنها حتى آخر رمق، لأن استمرار نظام دمشق الحالي بالنسبة لهم مسألة حياة ووجود. ـ مثل هذه المبادرة تحصر المعارضة في البحث عن الحل لدى الغير فقط، وتصرفها عن التفكير والإبداع في حلول أخرى هي بين أيديها أو مقصرة في بلوغها، ونقصد بذلك التركيز بصورة أكبر على دعم الحراك الثوري والجيش الحر على الأرض، ودعم صمود الشعب السوري من خلال المشاريع الاجتماعية والإغاثية وعمل المجالس المحلية، ومعروف أن الجيش الحر رغم عدم امتلاكه للحسم حتى الآن فإنه في تقدم مستمر، بما في ذلك على جبهة دمشق مدينة وريفاً، فيما يحتاج الشعب السوري لدعم مقومات بقائه على أرضه، وحشد الجهود اللازمة لذلك، لكي نخفف عنه من وطأة وصعوبة الظروف المرتبطة بطول أمد الثورة وتأثيراتها على معيشته وما لحق به من تضرر في أمنوه مسكنه وسبل رزقه. إن الشعب السوري الذي قطع أكثر من نصف الشوط، وربما أكثر من ذلك بكثير، بحثا عن حريته وكرامته، يحتاج من المعارضة ومن قوى الائتلاف أن ترفع من معنوياته، وتشد من أزره، وتقوي من عزائمه، بعيدا عن المفردات الميئسة، يحتاج إلى المعارضة التي تكون إلى جانبه قلبا وروحا وجسما، يحس بنبض حراكها وهي قريبة منه، أكثر من وجودها قرب القوى الدولية وفي محافلها. إن الإيمان بمعية الله وحتمية النصر على الظالمين هما أقوى الأسلحة التي يجب أن تتمسك بهما الثورة السورية، وتوصي أتباعها بالتمسك بهما طالما أنها في ركاب الحق وعلى دربه، مهما طال الزمن وعزت التضحيات، مع ضرورة توحيد الصف ورص الصفوف، وتعزيز حراك الثورة وصمود الشعب السوري، وكل الأمور تأتي بعد ذلك، بما في ذلك المفاوضات والعمل السياسي.
856
| 13 فبراير 2013
لا ينعكس عمل الخير أو التطوع لصالح خدمة الناس والمجتمعات، سواء أكان بالمال أو الجهد أو الخبرة، على المسلم الذي يقوم بذلك في الأجر والمثوبة من الله، وما أعدّه الله لعباده في الدار الآخرة من مكانة عالية، ومنزلة رفيعة فحسب، بل لذلك آثار طيبة على حياته في الدنيا، بركة في رزقه وعمره وذريته، وسكينة وسعادة وراحة في نفسه، وحفظا له من الأهوال والمهالك والأسقام ومصارع السوء.. هذا ما تشير إليه آيات قرآنية، وأحاديث نبوية هي محل يقين المسلم، وقصص موثّقة من التاريخ والقريب والبعيد، وتجارب شخصية للذين يمشون في دروب الخير، في وقتنا الراهن، كما أكدته دراسات علمية في المجالات الطبية والصحية والاجتماعية والنفسية، وجماع ذلك قول المولى سبحانه: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ". وفي سبيل الدفع بقوة باتجاه غرس قيم العمل التطوعي، وحثّ الناشئة والشباب على الانخراط فيه، وتعزيز هذه السلوكيات لديهم، فضلا عن تقفي خطاه لدى بقية الشرائح العمرية، فإن التأكيد على آثار العمل الإنساني والإغاثي والخيري الطيبة على الإنسان في حياته الدنيا، يعدّ أمرا مهما للغاية،إلى جانب الحديث الأجر الآخروي بالطبع، لأن ذلك من شأنه أن يقوّي الحوافر للسير قدماً في هذا الركاب، ويعزز من الاستجابة لدعواته، ويبعد عن نفسه أي شح قد يمنعه، أو تعب قد يؤخّره، فالفائدة سريعة وملموسة ومحسوسة بإذن الله. وسنكتفي في هذه العجالة في عرض إشارات عاجلة للآثار الدنيوية الطيبة التي تصيب الذين يتطوعون بأموالهم وأوقاتهم وجهدهم وعلمهم في خدمة وإسعاد الآخرين ممن حولهم، والتخفيف من معاناتهم وتقديم العون لهم، وتنمية المجتمعات المحيطة بهم، وفعل الخير بأبوابه الواسعة، بدءا من التبسم في وجه عباد الله، وإماطة الأذى عن الطريق، وليس انتهاء بالبذل والإنفاق في سبيل الله، ومنها: ـ سبب لحصول البركة: قال صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً". ومنها البركة في العمر والزيادة فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم:: "صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيْدُ فِي الْعُمرِ.". ـ الوقاية من البلايا والكروب والأسقام: قال صلى الله عليه وسلم: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "داووا مرضاكم بالصدقة". ـ علو شأن أصحاب الخير والمعروف: لقوله صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى هي السائلة". ـ تكفير الذنوب والخطايا، ومحو السيئات: لقول الله سبحانه: "إن الحسنات يذهبن السيئات". ـ إدراك أجر من يفعل الخير: فمن يفطِّر الصائم له مثل أجره، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من فطَّر صائماً كتب له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء"، ومن يدل على خير له أجر من يفعله، لقوله عليه الصلاة والسلام: "الدالّ على الخير كفاعله". ـ ومن القصص الصحيحة التي تشير إلى ذلك، قصة السحابة التي أُمرت بسقي بستان رجل بفلاة، والسبب تصدقه بثلث خراج أرضه للفقراء والمساكين كل موسم، والصخرة التي سدت الغار على ثلاثة أشخاص بداخلها، ثم خرجوا منها بعد دعائهم للمولى بصالح الأعمال، كبرّ الوالدين وأداء الأمانة. ـ وأخيرا نشير إلى بعض الدراسات والتجارب التي تدعّم الآثار الدنيوية الطيبة للتطوع وعمل الخير ومنها: ـ تصريح باحثين أمريكان بأنه لو كان بالإمكان وضع التطوع في حبة دواء لكانت الأكثر مبيعا ؛ إذ أنه يزيد الإنسان سعادة وصحة وعمرا، وأكدوا أن الأشخاص الذين يعملون بإخلاص لمنفعة الآخرين وخدمتهم دون مقابل يشعرون بالسعادة والصحة، حتى أن فترة حياتهم تصبح أطول. ـ بعد عرض أحد علماء النفس في إنجلترا فيلما على طلبته عن أعمال الخير تجاه المرضى الفقراء، وتحليل لعاب المشاهدين له، تم الكشف عن زيادة واضحة في بروتين المناعة "أ" في لعاب الطلبة الذين يشاركون في خدمة الفقراء والمرضى، وهذا البروتين مضاد حيوي يلعب دورا في تغلب الجسم على الميكروبات التي تصيب الجهاز التنفسي. ويؤكد العلماء المتخصصون بالطب النفسي أن أعمال الخير يمكن أن تعود على الجهاز المناعي للجسم بعظيم الفائدة، حيث يرتبط الجهاز المناعي للجسم مع حالة الاستقرار النفسي برباط وثيق. وتبين لهم أن أداء الأعمال الخيرة لصالح الغير من دون مصلحة منتظرة يعجّل بشفاء المريض، ويساعد على التئام جراحه النفسية والجسمية. ـ لاحظ بعض الأطباء تأثير الابتسامة في الشفاء، وبالتالي بدأ بعض الباحثين بالتصريح بأن ابتسامة الطبيب تعتبر جزءا من العلاج، ولعل هذا يذكرنا بأن الابتسامة واحدة من الصدقات التي حضّنا عليها ديننا الحنيف. بناء على كل ما سبق نقول: جرّبوا كيمياء الخير في حياتكم، واستشعروا سعادة وراحة التطوع في دنياكم، بانتظار ما سيعدّه الله لمن وفقه الله منكم لسلوك هذا الدرب، من أجر ومكانة في الآخرة.
1081
| 30 يناير 2013
في محاولات يائسة لرفع معنويات نظام دمشق المتجه للانهيار، وطمأنة من يؤيدونه داخل وخارج سوريا، بعد أن صدمتهم خسائره وتفككه المتواصل، رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه، تحاول أبواق إعلامية موالية له، وهي متركِّزة في دولة مجاورة له، قلب الحقائق لتتحدث عن صمود مزعوم للمحور الداعم له " سوريا روسيا إيران"، في مواجهة ما يكررون الحديث عنه من "حرب كونية باردة" تجري في سوريا، وتمكّن هذا المحور من تحقيق إنجازات سياسية وأمنية، وعن اطمئنان نظام الأسد بأن الرياح السياسية والعسكرية تتبدّل، لتصب في صالحه. مثل هذه الكتابات جاءت بعد خطاب الأسد الأخير، الذي حاول أن يظهر نفسه بمظهر القوي، والرافض للتخلي عن منصبه، ولأي حوار أو تسوية سياسية إلا وفق شروط نظامه، رغم قرب إتمام الثورة السورية لعامين من حراكها المتواصل لانتزاع الحرية. وكما كان الخطاب مليئا بالمغالطات، التي يكذّبها الواقع على الأرض، في إطار الحرب النفسية التي برع النظام فيها، تأتي هذه المقالات أيضا في مسعى لتزييف الحقائق والوعي، ولكنها تسقط في أول مناقشة لها تستند إلى الحجة والمنطق، وتسمية الأسماء بمسمياتها. حتى على مستوى اللحظة الآنية فإن مثل هذه الادعاءات سرعان ما جاءت الوقائع على الأرض لتفضح زيفها، فبعد خطاب الأسد مباشرة جاءت صفقة الإفراج عن الأسرى الإيرانيين الذين كان الجيش الحر يحتجزهم، واضطرت إيران، وهي أحد أطراف المحور المذكور لتتوسط كلا من تركيا ودولة قطر، لإنفاذ الصفقة. وقبل النظامان السوري والإيراني مرغمين التفاوض مع الجيش الحر، وإطلاق سراح ما يزيد على 2100 أسير من أبناء الشعب السوري الثائر في سجون الأسد، مقابل الأسرى الإيرانيين، ولكم أن تتصوروا علاوة على ذلك ضعف النظام السوري الذي لم يكن في واقع الأمر سوى من منفذ للأوامر الإيرانية، وكيف انقلبت معادلة تبادل الأسرى، ليقبل بأن يقايض الإفراج عن رعايا غيره برعايا أبناء بلده الذين يحتجزهم لديه. وفي ذات الوقت الذي كان أحد مهرجي النظام السوري يتحدث مؤخرا عن صمود محور " سوريا روسيا إيران"، ويسوّق الادعاءات المضللة، كانت الأنباء تتحدث عن قيام روسيا بإرسال طائرتي ركاب إلى العاصمة اللبنانية ببيروت لإجلاء مئة مواطن من رعاياها، فرّوا من الصراع في سوريا، وذكرت وكالات الأنباء أن هذا يندرج ضمن خطة طوارئ لوزارة الخارجية الروسية لحملة إجلاء واسعة النطاق لنحو 30 ألف مواطن روسي في سوريا. ولاحظوا أن عملية الإجلاء ستتم من بيروت وليس من دمشق، لتتضح صلابة وصمود هذا المحور بحق!! تسمية الأمور بمسمياتها بعيدا عن المخادعة، تفرض على أبواق النظام السوري والمنافحين عنه أن يحدثونا عن: ـ حقيقة صمود نظام دمشق وهو بيت القصيد، بعد أن ثار الشعب ضده، وليس عن صمود محور، خاصة في العامين الأخيرين، وكيف سيكون حاله من دون دعم طهران وموسكو العسكري والسياسي له، وهل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وحجم التبعية التي ترتبت على ذلك، والأثمان التي تدفع من كرامة الشعب السوري، وعلى حساب سيادة بلاده نتيجة لذلك. ـ صمود الشعب السوري الذي ما زال منتفضا ثائرا، مواصلا لكفاحه ضد ديكتارتورية نظام عائلي، رغم ما قدمه هذا الشعب من ضحايا (شهداء) ومعتقلين وجرحى ومصابين ونازحين ولاجئين، وخسائر في البيوت والممتلكات والأرزاق، بسبب مجازر النظام الوحشية ودمويته، ورغم تخلي الأقربين والأبعدين والمجتمع الدولي عن واجباتهم الأخلاقية والأخوية تجاه شعب يذبح صباح مساء. ـ حجم الأراضي وعدد المعابر والمواقع الإستراتيجية التي يسيطر عليها كل من قوات جيش النظام من جهة والثوار والجيش الحر من جهة أخرى. ـ سقوط هيبة النظام بما في ذلك رأس هرمه لدى الشعب السوري، واتساع رقعة المعارضة الداخلية بأنواعها المختلفة السياسية والعسكرية كما وكيفا، مقارنة بعامين مضيا، حيث كانت رقعة المعارضة محدودة، وكان مصيرها أفرادها الاعتقال والتغييب والخطف دائما. ـ تآكل نفوذ النظام الإيراني وحلفائه بعد ربيع الثورات العربية، والممتد من طهران وحتى الضاحية الجنوبية بلبنان، مرورا ببغداد ودمشق، خصوصا بعد الثورة السورية، ثم تحرك مارد الثورة العراقية. ما يمكن أن نقوله، ويقوله كل منصف شريف ـ بعيدا عن أكاذيب أبواق النظام أن الزمن اللازم لحسم الثورة السورية ربما تأخر، ولعل سببه واضح ألا وهو "محور الشر" الذي يدعم الأسد ليس لأجل سواد عيون الشعب السوري، بل لأجل مصالح طرفي المحور الآخرين " موسكو وطهران"، ولأنهما يعرفان أن سقوط حليفتهما الرئيسة، يعني الكثير لهما. ثم حجم العلاقات الدولية المريبة التي بناها النظام السوري في عهد الأب والابن، بحيث لا يزال الشرق والغرب يصم أذنيه عن جرائمه، وربما يتمنى بقاءه لو أمكن، ثم تخلي النظام الدولي عن مسؤولياته الإنسانية، بما في ذلك مسؤوليات تلبية احتياجات الإغاثة العاجلة، فضلا عن ما يحتاجه الثوار من بعض الأسلحة النوعية لحسم المعركة. الخلاصة: معركة الشعب السوري مع طاغيته قد تطول للأسباب التي سبق ذكرها، إن حاله من دون دعم طهران وموسكو السياسي والعسكري.. هل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وعن حجم تبعيته لهما خصوصا بعد الثورة السورية، وعن دوره في الدفاع عن مصالحهما، وليس عن مصالح شعبه ن حاله من دون دعم طهران وموسكو السياسي والعسكري.. هل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وعن حجم تبعيته لهما خصوصا بعد الثورة السورية، وعن دوره في الدفاع عن مصالحهما، وليس عن مصالح شعبه هل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وعن حجم تبعيته لهما خصوصا بعد الثورة السورية، وعن دوره في الدفاع عن مصالحهما، وليس عن مصالح شعبه هل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وعن حجم تبعيته لهما خصوصا بعد الثورة السورية، وعن دوره في الدفاع عن مصالحهما، وليس عن مصالح شعبهولكن الشيء المؤكد الوحيد أن هذا الشعب بات مصمما على انتزاع حريته، ورفضه لبشار وأركانه جملة وتفصيلا، مهما كلفه من ثمن، وأن كل حقائق التاريخ والواقع ستكون إلى جواره، مع المظلوم ضد الظالم. وعليه فليقل النظام ومن يلف لفّه في إطار حربهم الحرب النفسية والدعائية ما يقولون، لأنهم لا يخدعون إلا أنفسهم ومن هم معهم فقط، وحساب الشعب السوري سيكون معهم بعد الانتهاء من معركة بشار.
1110
| 23 يناير 2013
جاء الشتاء، برياحه العاتية، وأمطاره الغزيرة، وثلوجه الباردة ليكشف عن مدى تقصير الأمة بحق جزء أصيل منها ألا وهو الشعب السوري، الذي يواجه أعتى الأنظمة ديكتاتورية.وجد السوريون النازحون واللاجئون المشردون في الفيافي والقفار، والموزعون على دول الجوار (الأردن، لبنان، تركيا، العراق) أنفسهم أمام مأساة تضاف إلى مأساتهم، ومعاناة فوق معاناتهم، في مواجهة موت آخر، يتربص بهم من كل حدب وصوب، بعد أن تطايرت الخيام، وغرقت المخيمات في الأمطار والوحول، وغطّتها الثلوج، وتفشت فيها الأمراض، وقضى من قضى منهم من الأطفال والشيوخ بردا وكمدا.تتداعى عدة حكومات، وتهرع مجموعات من المؤسسات الإنسانية، ويبسط كثير من المحسنين الخيّرين يد البذل والعطاء، في لحظة الاستماع إلى نداء الاستغاثة المؤلم، والمشاهد التي تقطّع نياط القلوب، والتي وثّقتها عدسات المصورين، وعرضتها شاشات الفضائيات عبر عدة أيام.. لاشك أن كل من تعاطف ودعم توجّه له التحية والشكر الجزيل، ولكن هل السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يكن متوقعا أن يحدث ما حدث، بصرف النظر عن حجم ما خلّفه من أضرار ومآس، طالما أن هناك فصل اسمه شتاء، يأتي كل عام ويحل ضيفا على ربوعنا وديارنا، وهل كان على الجميع ـ أو أغلب من تحرك ـ ألا يتحركوا إلا بعد وقوع "الفأس في الرأس"، وحدوث هذه التراجيديا المحزنة، ووقوع عدد من المشردين فرائس للموت والأمراض.وكالعادة يكون تفاعلنا ـ نحن العرب والمسلمين ـ لحظيا وانفعاليا، نتحرك على وقع الآلام والاستغاثات، وقت حدوثها فقط، لا نتحرك قبلها لتفاديها، وتبرد هممنا وعزائمنا في ملاحقة آثارها، إلا ما رحم الله.لعل ما حدث ويتواصل حدوثه إلى اليوم يطرح السؤال الأهم ألا وهو: ما الذي ينبغي على أخوة الدم والنسب والدين والإنسانية، فعله لإنقاذ الشعب السوري الذي يتعرض لطاحونة الموت والمعاناة منذ عامين، وكيف السبيل للتخفيف من معاناته ووقف شلال الموت ونزيف الجراح والمحنة، وكيف مساعدته في توفير حلول جدية حاسمة له بدلا من تقديم المسكّنات له، والتي لا تقضي على جذر المشكلة، أو توجد علاجا جذريا لهذا المرض المؤلم الممضّ.لعل أهم ما يتوجب على الأمة والعالم بأسره تجاه الشعب السوري، يتلخص في تخليصه من هذا النظام المجرم والطاغية الذي يتربع على رأس هرمه، ووضع حد لمجازره الوحشية، وحمام الدم الذي يحصد أرواح الناس صباح مساء، بدلا من الصمت عن جرائمه أو مقابلتها باللامبالاة، والاكتفاء بالتنديد وشجب ما يقوم به، أو التلويح لنظامه بعقوبات لا تؤثر فيه بنيته أو تقوم حقاً بردعه، ولعل من أهم هذه الأمور ما يلي:ـ سرعة توصل الولايات المتحدة مع روسيا إلى حل، بحيث يجبر الأسد على التنحي سلميا والرحيل فورا، أو مواجهة العقوبات الكفيلة بإسقاطه بالقوة، ومعلوم أن المحادثات بين الجانبين بناء على اتفاق جنيف لا تزال تراوح مكانها، دون اتفاق يلوح في الأفق، والاختلاف لا يزال في أن يكون الأسد جزءا من الحل أو لا يكون.ـ اتخاذ الغرب لقرار بمعزل عن مجلس الأمن فيما لو أصرت روسيا على تصلبها، يكون مشابها لما حدث في البوسنة، بحيث يضمن تنحي الأسد طواعية أو مواجهة مصير كل الطغاة الذين يركبون رؤوسهم تكبرا وعنادا، ومحاكمته محاكمة عادلة أمام المحاكم الدولية.ـ سرعة تسليح الجيش الحر وتزويده بمعدات وذخائر نوعية، أو عدم منع الدول الراغبة من القيام بذلك، وهو حل منطقي لا يكلف العالم الكثير، وهو المفضل لدى الثوار السوريين، باعتباره ينأى ببلادهم عن تدخل خارجي، طالما أن الأسد يصرّ على التشبث بالكرسي، ويرفض الاستجابة للإرادة الشعبية في ضرورة تنحيه. ومعلوم أن الدول الكبرى تحظر على دول عربية وإقليمية تقديم هذه الأسلحة للثوار حتى الآن، تحت حجج وذرائع مختلفة، بينما تغضّ الطرف عن مثل المساعدات العسكرية التي تقدمها روسيا وإيران للنظام السوري.ـ إرسال قوات لحفظ الأمن إلى سوريا، طالما أن المساعي الدبلوماسية في حل الأزمة، فشلت أو تكاد، وهذا موقف تتبناه دولة قطر، ودول أخرى، وقد أعلن عنه رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني مؤخرا، وقد حدد المسؤول القطري مهمة هذه القوات تحديدا بـ "حفظ الأمن"، دون أن يكون الأمر متعلقا بـ " تدخل عسكري أي مناصرة طرف على طرف"، منوهاً بأن "العرب قادرون - من خلال هذه القوات- على وقف حمام الدم في سوريا ".ـ وإلى جانب ما سبق لا بد من دعم صمود الشعب السوري إنسانيا ومعنويا على أرضه، في مواجهة هذا الطاغية، بحيث تشمل هذه المساعدات الإنسانية طالما استمرت هذه الظروف الاستثنائية تقديم الغذاء والكساء والدواء والمأوى، واحترام كرامته الإنسانية، على اعتبار أنه شعب عزيز، معروف بنشاطه واعتماده على نفسه في الأحوال العادية، وتعزيز خدمات الإدارة المحلية والمدنية الشعبية، المتصلة بفضّ الخلافات والإصلاح بين الناس، وتنظيم المرور، وخدمات النظافة، والسهر على حماية ممتلكات الناس، وغيرها.هذه هي معالم طريق مساعدة الشعب السوري إذا كان الأقربون أو الأبعدون يرغبون في تخليصه من معاناته الإنسانية والنفسية الكبيرة، وإلا فعليهم أن يلوذوا بالصمت وإلى الأبد، بعيدا عن المسكّنات اللحظية والجعجعة الكلامية.
493
| 16 يناير 2013
لم يكن في خطاب الأسد الأخير شيء يستحق التوقف، سوى ما كشفه للعالم عن إدارة ظهره للجهود الدبلوماسية الدولية التي يقودها الأخضر الإبراهيمي، وقطعه الطريق على إيجاد تسوية سياسية قد تتمخض عن اللقاء الروسي الأمريكي المزمع مع الأخير، رغم هزالة هذه التسوية التي أرادت إبقاء الأسد حتى 2014، وما فيها من مثالب كثيرة. لقد وضع الأسد العالم أمام تسوية مفصّلة على مقاسه، يتفاوض فيها مع من يريد، ويحدد فيها الشروط التي يريد، وعلى العالم القبول بها كما هي بالضبط، وإلا فلا حلّ آخر لديه سوى الاستمرار في قتل العباد، وتدمير البلاد، دون حدّ زمني لذلك. السؤال المهم هو: ماذا بعد هذا الخطاب المستفز، والإدانات التي تلته ـ باستثناء التأييد الإيراني ـ، وإلى أين تتجه سوريا بعد كل ما تعرضت له.. وهل سيتجه الوضع للانفراج، بتحرك مغاير من المجتمع الدولي لما درج عليه، تجاه غطرسة الأسد، أم أن الأمر سيتجه لمزيد من التأزم، وتواصل لسيلان الدم السوري، خصوصا إذا بقيت هذه الدول المؤثرة على موقفها من حظر وصول السلاح النوعي إلى الثوار والجيش الحر. الرؤية لم يعد فيها أدنى غبش، فالمجرم متمسك بإجرامه، ويؤيده في رؤيته النظام الإيراني، لأسباب مفهومة، والمهم فإن الجميع أمام امتحان صعب من أجل إنقاذ الشعب السوري، بعد أن منح سفاح دمشق اتفاقية جنيف حول سوريا شهادة وفاة رسمية، وقطع الطريق على مساعي الأخضر الإبراهيمي عملياً. بالنسبة للمجتمع الدولي أمامه حلان سريعان يجب اتخاذهما في أجل غير بعيد، في حال أصر الأسد على عدم الرحيل، كما هو ظاهر حتى الآن، إما إنزال عقوبات مجلس الأمن على نظامه تحت البند السابع، وتطبيق حظر سلاح طيرانه..، أو السماح بتزويد ووصول الأسلحة النوعية للجيش الحر، والأخير كفيل بإذن الله بحسم المعركة ميدانيا. ما لم فسوف يؤكد على أنه شريك في الجريمة التي تتواصل فصولها في سوريا، إما بالسكوت عن الظالم وجرائمه والأخذ على يده، أو لعدم فعل شيء جدي لإجباره على الرحيل ووقف مجازره بحق المدنيين من شعبه، كما هي القناعة لدى كثير من السوريين والمراقبين السياسيين، إلى درجة أن كثيرين قالوا إن الأسد ما كان ليجرؤ على طرح مبادرته لولا علمه بتقاعس المجتمع الدولي أو صمته وغض الطرف عنه. أما ما يخص جبهة المعارضة فإنه يتوجب عليها أكثر من أي وقت مضى تقليص مساحات الخلافات فيما بينها إلى أدنى حد ممكن، وتوحيد صفوفها لتكون جبهة قوية، تتكامل فيها جهودها وتتعزز في قواها، خصوصا أن الأسد، لم يعد لديه طرف من المعارضة يمكنه أن يحاوره، واتضح لكل ذي لبّ أن ما يعدّه رأس النظام مبادرة حوار ومصالحة وطنية ليست سوى ورقة لكسب الزمن، أو لكي يأتي الثوار إليه مذعنين صاغرين، كما يتوجب عليهم التركيز في المقام الأول على دعم الجيش الحر بقوة، بموازاة العمل على دعم الجهود الإغاثية لتلبية احتياجات الشعب السوري من الغذاء والكساء والدواء والمأوى، خصوصا النازحين داخل سوريا واللاجئين في المخيمات، ودعم حراك المجتمع المدني، ليعين الناس على تنظيم شؤونهم الحياتية في غياب سلطة الدولة بالمناطق المحررة وشبه المحررة، من توفير للأمن وآليات لفض النزاعات، والاحتياجات الأخرى كالصحة والتعليم والنظافة العامة وغيرها. واضح أن الولايات المتحدة ومعها الدول الغربية لم تتخذ قرارها بإنهاء حكم الأسد، على الأقل حتى الآن، تحت مبررات واهية مختلفة سواء الخوف من "القاعدة" والجماعات الجهادية، أو حفظ أمن واستقرار المنطقة، والخوف من توترات طائفية وحروب إقليمية، أو عدم وجود البديل، أو شرذمة المعارضة وعدم توحدها، أو ضرورة ضمان حقوق الأقليات.. وما صدر من ردود فعل على خطابه لا ترقى إلى خطورة ما ورد فيه، ولغة التحدي التي اعتمدها، وقطعه الطريق على مبادرات الأمم المتحدة والجامعة العربية، ولا تتضمن رؤية لكيفية التعامل مع الأسد ونظامه بعد الخطاب، وصولا إلى تخليصه من المعاناة التي يعيشها منذ 22 شهرا، لذا فإن على المعارضة السورية والجيش الحر العمل معاً وفق خطة ذاتية مبتكرة ترتكز حشد الجهود للتركيز على توفير السلاح النوعي، والتنسيق والتخطيط الإستراتيجي للعمليات على مستوى الخارطة السورية من جهة، وتأمين المستلزمات والاحتياجات الإغاثية الإنسانية اللازمة لصمود الشعب السوري على أرضه، ودعم حراك المجتمع المدني لتوفير ما ينظم حياة الناس وشؤونهم في غياب سلطة الدولة من جهة أخرى. ومن ثم خلق واقع جديد على الأرض، يجبر النظام الدولي على التحرك بدلا من التفرج، أو التآمر على الشعب السوري من تحت الطاولة. وعندما يتخذ المجتمع الدولي قراره في التحرك بصورة جدية للضغط على الأسد أو إجباره على الرحيل، فيمكن للمعارضة التعامل معه في حينها، وفقاً لمصالح الشعب السوري ومقتضيات تلك اللحظة والمستجدات المحيطة بذلك. ومثلما حدد الأسد رؤيته، وطالب العالم أن يتعامل معه على أساسها فقط، على المعارضة والجيش السوري الحر أن يصوغا رؤيتهما الواضحة للتعامل مع هذا الواقع الجديد، ويمضيا بها قدماً نحو الأمام حتى يأذن الله بالفرج على بلادهم، وأن يدركا أنهما أصبحا عبر نضال الشهور الماضية رقما صعبا في المعادلة المتعلقة بسوريا، بما يمتلكانه من حق مشروع وإرادة شعبية صلبة، وأنهما شكّلا نوعا من التوازن، ـ وأحيانا التفوق ـ إزاء نظام يتسلح بأعتى أنماط المكر والخداع، ويمتلك أكبر شبكة من الدعم والتحالفات الدولية الظاهرة والخفية عبر مسيرته ومسيرة أبيه من قبله.
582
| 09 يناير 2013
يشعر الإنسان بسعادة غامرة ونشوة بالغة عندما يستطيع أن يحرز نجاحا أو يحقق إنجازا أو أمنية، على مستوى حياته الخاصة، سواء كان ذلك في مجال التحصيل العلمي أو العملي المهني، أو بلوغ المكانة أو الجاه أو تحصيل الثروة، لكن ماذا عنه عندما يكون سببا في إيصال غيره، من أصحاب الحاجة والظروف الخاصة إلى قمم النجاح والإنجاز، وتذليل الصعاب التي قد تكون عائقا في وجوههم؟! ليعيشوا حياة كريمة موفّقة كأقرانهم. العمل الخيري والإنساني قديما وحديثا استطاع أن يسطّر عدداً معتبراً من قصص النجاح سواء على مستوى الأشخاص أو المشاريع. ووقف وراء هذا النجاح ـ ولا يزال ـ محسنون ومتطوعون أو مؤسسات وجمعيات إنسانية ومنظمات مجتمع مدني، ولكنّ قليلاً من هذه القصص ما تمّ تدوينه وتوثيقه، ومن ثم تقديمه وعرضه، لأسباب كثيرة لعلّ أهمها الخشية من الرياء والسُمعة، والرغبة في إخفاء المعروف طلبا لمزيد من الأجر، أو الإهمال وعدم الاكتراث بهذا الجانب وتأثيره المهمّ. كثيرة هي قصص النجاح التي أخذ زمام مبادرتها شخص أو فريق عمل من المتطوعين فأحدثت تغييرات مهمة في حياة الأفراد والمجتمعات، وظهر أثرها فرقاً بيًّنا في مسار ومستقبل حياتهم في مستويات مختلفة، انتشلتهم من قيعان الضياع والتشرد، ووضعتهم على جادة الحياة السليمة، أو أعادت البسمة لحياتهم بعد ألم ممضٍ أو يأس وقنوط وإحباط، أو أوجدت حلولا لمشاكل حياتية يعانون منها أو من البيئة المحيطة بهم. من هذه القصص الواقعية على سبيل المثال لا الحصر كفيفة من أسرة ضعيفة الحال بغزة تجد من يقف إلى جانب تحديها، لمواصلة تعليمها الأكاديمي، رغم عدم توفر مدارس المكفوفين في محيطها، والوسائط المعينة لها على التعلم، فتدرس في المدارس العادية، وتتفوق على أقرانها، وتدرس في مرحلة الماجستير حاليا، بفضل كفالة طلبة العلم وذوي الاحتياجات الخاصة، ويتيم أتاحت له جمعية خيرية الالتحاق في قسم داخلي أو مدرسة داخلية للأيتام ببنجلاديش، فبقي فيها حتى أنهى الإعدادية والثانوية، ثم درس الجامعة والماجستير وعاد للقسم الداخلي مرة أخرى، ولكن هذه المرة بوظيفة مشرف تربوي. وفي باكستان حصل شخص محدود الدخل على قرض حسن من إحدى المؤسسات التطوعية لإقامة مشروع صغير مدرٍ للدخل، فنجح فيه، ثم كان فاتحة له ليكون رجل أعمال ناجح، ومن ثم يقوم بالتبرع للمؤسسة التي دعمته ذات يوم، في نفس المجال من المشروعات. على مستوى المبادرات التطوعية الجماعية والمشاريع التي استفادت منها مجتمعات ومناطق كاملة فهي كثيرة، ويكفي أن نشاهد بعضا منها في برنامج كـ " زمام المبادرة " التي تبثه قناة الجزيرة القطرية لنعرف ذلك. أهمية إماطة اللثام عن هذه القصص الناجحة في المجالين التطوعي والخيري الإنساني عظيمة لعدة أسباب: ـ دفع المحسنين وأصحاب المبادرات الإنسانية من المتطوعين لمواصلة جهدهم في مجال خدمة الناس من خلال رؤية ثمرة عملهم، فإذا كان الإنسان يسعد هو وأولاده وذريته بثمرة نجاحه الشخصي ماديا ومعنويا، ويحب أن يرى أثر ذلك عليه، فإنه على نحو متصلٍ يحب أن يرى أثر ذلك على غيره، لما يحققه له ذلك من سعادة روحية وطمأنينة نفسية ورضا داخلي. وقد أفادت دراسة أمريكية للباحث " ستيفن بوست " أن الأشخاص الذين يعملون بإخلاص لمنفعة الآخرين وخدمتهم دون مقابل يشعرون بالسعادة الغامرة والصحة، حتى أن فترة حياتهم تصبح أطول. ـ حثّ رجال الأعمال وأصحاب الثروات والشركات وشريحة الشباب من المتأخرين عن هذا الركاب الخيّر على أن يحذوا حذو من يسهمون في خدمة مجتمعاتهم، وأن يقبلوا على العمل التطوعي، لما يحدثه من تأثير إيجابي على حياة المبادرين والمستفيدين، والمجتمعات التي يعيشون فيها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فضلا عمّا يتوجب عليهم في إطار المسؤولية المجتمعية والواجب الديني والأخلاقي. ـ نشر هذه القصص يساعد على تبادل وتلاقح الخبرات في مجال العمل الإنساني، فقد تكون ملهماً للمهتمين لتطبيقها في بيئات أخرى، أو البناء عليها لتصميم مشاريع أو مبادرات أخرى، أو تطويرها ليكون نفعها أعمّ وأشمل. ـ توفير نماذج قصصية حقيقية ـ تراثية وحديثة ـ لدعم عملية غرس قيم العمل التطوعي لدى الأطفال والناشئة، ونشر ثقافة العمل الخيري والإنساني لدى الشباب وأفراد المجتمع، ونركز هنا على القصص، وما قد يتفرع عنها من أعمال إبداعية أخرى كالدراما والبرامج الوثائقية وغيرها، نظرا للدور التربوي للقصة، مطالعةً ورواية وسرداً، وتأثيرها كوسيلة غير مباشرة ومؤثرة في تحويل القيم إلى أفعال وممارسات سلوكية. بناء على ما تقدّم نأمل أن تستحدث المؤسسات الخيرية والمبادرات التطوعية في نشراتها ومطبوعاتها ومواقعها الإلكترونية صفحات وأعمدة ونوافذ لهذا النوع المتميز والمؤثر من هذه القصص، على أن يتم تدوينها وتقديمها بلغة راقية وقوالب جذابة، موثّقة بالصوت والصورة، بعيدا عن الدعاية والتكلف والتسطيح، ثم تعممه بموازاة ذلك على وسائل الإعلام الجماهيرية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. كما نأمل أن ينهض باحثون بعد ذلك لجمع ودراسة أثر وتأثير هذه القصص والمواد وتعميمها، بصورة علمية، ليصار من ثَمَّ إلى إدماجها أو الإفادة منها في المساقات العلمية في مجال التطوع وخدمة المجتمع، والدورات التدريبية الخاصة بذلك.
886
| 02 يناير 2013
"لقمة مغمسة بالدم" كانت كناية عن التعب والنصب الذي يلاقيه كل من يطاردون لقمة عيشهم بسبب صعوبة موارد الرزق، أما بعد مسلسل قصف المخابز المتواصل بسوريا وخاصة مجزرة حلفايا، وبعدها في مخبر تلبسية بحمص فقد أصبحت اللقمة مغمسة بالدم فعلاً لا مجازاً. في مدن الشام يغمسون لقيمات الخبر بالزيت والزعتر والشاي، على موائد الإفطار والعشاء في العادة، ولكنها في حلفايا غمست بالدم القاني، وهو ما نقلته عدسات التلفاز، وتابعه العالم بصور حية حينما اختلطت دماء الشهداء من الأطفال والنساء والرجال العزّل الذين يتجمعون أمام المخبز بأرغفة الخبز التي كان بعضهم حصل عليها للتو، ليكون الخبز بطعم الموت، بدلا من أن يكون سبيلا لسدّ الرمق لأكباد أنهكها الجوع والحصار، والتشبث بالحياة، بسبب الغلاء الفاحش وصعوبات الحصول على الغذاء في ظل أوضاع إنسانية بالغة الحرج. كان الخبز ولقمة العيش منذ أربعين عاما هاجس المواطن السوري، منذ أن عمد النظام في عهد الأسد الأب إلى سرقة مقدرات البلاد، وترك الناس يلهثون لتحصيل الفتات وإشغالهم عن تدميره الممنهج لاقتصادهم ووطنهم، أو مجرد تفكيرهم في الهمّ العام، وشؤون البلاد والعباد. وعندما ثار الشعب ضد نظام الأسد الابن استخدم هذا الأخيرـ مثل أبيه ـ الرغيف وسيلة للضغط على المدنيين من الأهالي وإذلالهم، تجويعاً وتخويفاً، ظناً منه بأن ذلك سيدفعهم للتضجر من الثورة وتبعاتها، وكراهية الجيش الحرّ، أي إحداث شرخ بين الحراك الثوري والحاضنة الشعبية له. هذا السياسة ليست جديدة على هذا النظام، الذي يواصل ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق شعبه، ففي أحداث حماة الشهيرة عام 1982 التي ارتكبها الأب في غياب الفضائيات والبث المباشر، وراح ضحيتها آلاف السوريين آنذاك حدث أن وقعت مجزرة رهيبة بعد أربعة عشر يوماً من الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة، وكان الناس قد بدأوا يخرجون قليلاً من بيوتهم. طلب الجنود من الأهالي التوجه نحو سيارات الخبز في أطراف أحد الشوارع.. أسرع الأطفال، وكانوا بالعشرات، حملوا الخبز وقفلوا عائدين.. اعترضهم الجنود.. وطلبوا منهم الدخول إلى (الجامع الجديد) ـ في نهاية شارع 15 من مارس، حيث يقوم تقاطع مع سوق الطويل. وهناك فتحوا عليهم النار.. وسقطت الأجساد الطرية، وسالت الدماء الطاهرة على الخبز الذي كان لا يزال في الأيدي الصغيرة. في ظل الثورة السورية صار الاستهداف للمخابر واضحا على الأقل منذ شهر أغسطس الماضي عندما قصف عدد من التجمعات للمدنيين أمام الأفران في عدة أحياء من مدينة حلب بالطائرات والراجمات لعشرين مرة، وتم تكرار نفس هذه الجرائم في عدد من المدن الأخرى في استخفاف واستهزاء صارخين بجميع الشرائع والأعراف والقوانين التي أقرتها أمم العالم لحماية الإنسان وضمان أبسط حقوقه وكرامته. وقبل ذلك بدأ الأمر بإغلاق بعض المخابز أو تهديد أصحابها بذلك، أو بقطع الدقيق أو الوقود عنها، في حمص وريف دمشق، للضغط وعرقلة الحراك الشعبي، ليتطور الأمر إلى إطلاق النار عليها وجعل الناس يبتعدون عنها، وأيضاً يتخوفون من الوصول إليها ومن ثم إفهامهم من قبل النظام بأن مطالبكم بالحرية والكرامة ستكون نتيجتها المحاربة في لقمة عيشهم، وأن حياتكم ستصبح جحيماً لا يطاق بشتى السبل التي نستطيع القيام بها. وبالمجمل لا يمكن فهم ما يقوم به النظام السوري من خلال تركيبته الأمنية والعسكرية بمعزل عن إستراتيجيات التجويع والتخويف والترهيب المشابهة لأنظمة ديكتاتورية سابقة كالسوفيتية والألمانية والرومانية، خصوصا بعد أن وصل إلى نقطة "أنا أو الطوفان"، بمعنى أن ما يقوم به رسالة واضحة باغتيال رغيف الخبز، ومن يريد الوصول إليه في المناطق الثائرة عليه، أو التي يسيطر عليها الجيش الحر، وهي كبيرة على امتداد الخارطة السورية من خلال اتباع سياسة التجويع بقصف المخابز الرئيسية أولًا، وثانيًا من خلال استهداف أعداد كبيرة من المدنيين الذين اصطفوا في طوابير في انتظار مخرجاته. المؤسف أن هذه الجرائم ضد الإنسانية تتم أمام مرأى العالم دون أن يحرّك ساكنا، رغم تكرارها منذ شهور، مصحوبة ببدء استخدام غازات الأعصاب والقنابل الفوسفورية، والأدهى من ذلك أن يتزامن ذلك مع جهود سياسية للمجتمع الدولي للبحث عن حلول للأزمة السورية ترتكز برغم ذلك على إبقاء الرئيس الأسد الذي يعدّ المسؤول الأول عن هذا الإجرام. مطلوب من المجتمع الدولي والعالم التدخل السريع إزاء جرائم ومجازر الخبز التي يواصل النظام وفق ما يلي: ـ منع حدوث أزمة غذائية ومجاعة في سوريا بسبب انعدام الخبز، وتوفير الأفران والمواد الخاصة من دقيق ووقود لإنتاجه بوفرة في المناطق المحررة، تجنبا لحدوث طوابير بشرية ناتجة عن ندرته، يمكن أن تكون أهدافا لآلة النظام العسكرية، والبحث عن آليات مبتكرة لتوزيعه، تمنع وقوع ذلك. ـ توثيق هذه المجازر من قبل منظمات حقوقية وإنسانية وفتح تحقيقات ميدانية بشأنها كما فعلت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في حلب، والتي تبين لها أنها وفق للباحث أولي سولفانج أن: "عشر هجمات على المخابز ليست عشوائية.. إنها تظهر لا مبالاة بالمدنيين وتشير بقوة إلى محاولة استهدافهم"، تمهيدا لمحاكمة مرتكبيها لاحقا سواء من أطلق القذائف أو أصدر أوامر بشأنها. لعل ذلك أن يسهم في وقف المزيد من نزيف جراح الشعب السوري وحمامات الموت والمجازر التي تحصد أرواح المئات من أبنائه يوميا.
825
| 26 ديسمبر 2012
بناء على التطورات المتسارعة والإشارات المتزامنة التي حدثت في الأيام القليلة الماضية، يمكن القول إن الأزمة السورية قد بدأت الدخول الجدي في معترك بارز التفاوض بحثا عن حل سياسي، بين النظام السوري وداعميه من جهة، والمعارضة السورية والدول الإقليمية والدولية التي تؤيد حراكها. فماهي أهم هذه الإشارات والجهات الصادرة عنها، وما أسباب التحول والرسائل أرسلت في إطارها، وإلى أيّ مدى يمكن أن تفضي إلى حلّ لهذه الأزمة السورية، بعد مواجهة النظام الدموية والشرسة لثورة شعبه التي مضى عليها ما يزيد على عشرين شهرا. أهم هذه الإشارات والمواقف والتصريحات صدرت عن ثلاث جهات هي: النظام السوري وداعميه (النظامان الروسي والإيراني" خلال فترة متقاربة جدا: ـ نائب وزير الخارجية الروسي ومبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف: "الحكومة السورية تفقد سيطرتها على البلاد أكثر فأكثر، ولا يجوز استبعاد احتمال انتصار المعارضة"، رغم أن الروس حاولوا التنصل من هذا التصريح. ـ نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في مقابلة معه: "ليس صحيحاً على الإطلاق أن بإمكان كل المعارضات أن تحسم المعركة على أساس إسقاط النظام إلا إذا كان هدفها إدخال البلاد في فوضى ودوامة عنف لا نهاية لها. ولا أرى أن ما تقوم به قوات الأمن ووحدات الجيش سيحقق حسماً" "ربما لم نكن من قبل نستمع جيداً أو نقبل بملاحظات حول ضرورة التغيير السريع. لكننا نتعلم من تجربتنا ومن تجارب الآخرين. وندرك اليوم أن التغيير أمر مفروغ منه. إذا لم تأخذ السلطة زمام المبادرة لتحقيقه مع الآخرين فإن التغيير سيحصل بإملاءات أحادية منهم". "إنجاز التسوية التاريخية للأزمة السورية قد يمهد الطريق لتحقيق مناخ دولي يعالج قضايا هامة أخرى بالطرق السياسية وليس بالمواجهة العسكرية". ـ معارض سوري شيوعي (فاتح جاموس) يجري التلفزيون السوري الرسمي حوارا غير مسبوق معه منذ خمسين عاما، انتقد فيه ممارسات النظام واستبداده وقمعه بشكل صريح. ـ روسيا تطلب لقاء عاجلا مع الائتلاف الوطني، وإيران تطرح مبادرة من ستة بنود لحل القضية السورية. أما أسباب التحول من موقف" سننتصر "إلى موقف " لا أحد سينتصر أو يمكنه الحسم"، والرغبة في التفاهم مع المعارضة والبحث عن التسويات السياسية، فهي واضحة وتأتي في سياق رغبة الأسد وداعميه في البحث عن حل ومخرج سياسيين لورطتهم بعد أن تيقنوا أن الكفة تميل بقوة لصالح الثوار خصوصا في حلب ودمشق، وأن انهيار النظام بات وشيكا بعد الانتصارات العسكرية القوية والمتلاحقة للجيش الحر، رغم الدعم الكبير الذي لقيه من قبل موسكو وطهران على مستوى المال والسلاح والدبلوماسية. يبدو أن فرص الحل السياسي للأزمة السورية عبر بوابة القوى الإقليمية والدولية ستحظى بالدعم وستكون لها حظوظا معقولة من التحقق، وذلك لعدة أسباب: ـ التقاء رغبات الروس والإيرانيين ومعهم الصينيون وقوى حليفة لهم ـ بعد التطور الأخير في مواقفهم ـ مع الرغبة الأمريكية والغربية التي كانت تبحث عن حل سياسي للأزمة وتنأى عن أي تدخل عسكري في سوريا، وحجتها المعلنة عدم الإخلال باستقرار المنطقة، الذي قد ينتج عن وقوع فوضى محتملة أو الانزلاق إلى حرب أهلية، وحجتها المضمرة ضمان أمن إسرائيل، وإيجاد تسوية وفق منطق 'لا غالب ولا مغلوب"، وعدم تمكين الثورة السورية من تحقيق نصر كامل، والتخويف من الجماعات الجهادية ودخول سوريا والمنطقة بسببها في أتون التطرف الإسلامي، رغبة في عدم تمكين الإسلاميين من الوصول إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع في مرحلة ما بعد سقوط النظام كما حصل في مصر وتونس. ـ ضعف المعارضة السورية وعدم تجانس مواقف مكوناتها، وتشرذم مواقفها، وغياب الثقة فيما بينها، ووجود هوة بينها وبين الحراك الثوري والعسكري الداخلي، وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات الحاسمة خصوصا في ظل (ائتلاف المعارضة) الجديد. لكن يبقى أن من سيكون له دور حاسم ومهم في تحديد المصير النهائي لهذه التسويات، بما في ذلك الرفض، أو التدخل في تفاصيلها الفنية هو سرعة الحسم الذي يمكن أن يحققه الثوار على الأرض، قبل نضج طبخة هذه التسويات، وذلك على ضوء الانتصارات المتلاحقة التي يحققونها في الأسابيع الأخيرة، ووقوفهم صفا واحدا أمام الشروط قد تفرضها الأجندات الدولية والإقليمية، والتي قد لا تصب في مصلحة الثورة، وتناغم مواقف معارضة الخارج (ائتلاف المعارضة والمجلس الوطني السوري) مع الحراك الثوري الداخلي إزاء ذلك.
466
| 19 ديسمبر 2012
رغم تصريحاته الإعلامية المستنكرة لجرائم النظام السوري فإن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم يقم بأي أمر جديّ لثني هذا النظام عن جرائمه المتواصلة منذ أكثر من عشرين شهرا، كما لم يقدم أي دعم ذي بال للحراك الثوري السوري، بما في ذلك الأسلحة النوعية، التي هي أضعف الإيمان، بينما كان النظام الأسدي ـ ولا يزال ـ يحظى بكافة أشكال الدعم من حلفائه خصوصا الروس والإيرانيون، والأحزاب التي تدور في فلك الأخيرين، بما في ذلك الدعم بالسلاح والعتاد والمقاتلين. التقاعس الغربي الذي اكتفى بدور المتفرج على ما يحدث في سوريا من جرائم بشعة وانتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان، وإحجام عن دعم الثورة السورية يقف وراءه جملة أمور لعل من أهمها: ـ الخشية من انتصار وسيطرة ما يسمونها بالجماعات الجهادية المنضوية في إطار الحراك الثوري، والمتطرفين الإسلاميين على سوريا المستقبل، حيث جرى التخويف والتحذير منها ومن نشطائها بصورة مباشرة وغير مباشرة، وصولا إلى السعي للتفكير بإدراج جبهة النصرة على لائحة المنظمات الإرهابية أو الداعمة للإرهاب. ـ استقرار المنطقة وادعاء الخوف من انزلاق سوريا إلى حرب طائفية أو حرب أهلية، أو انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية. لكن هذه الخشية تخفي وراءها أمرين مهمين للغرب هما: أمن إسرائيل الذي يعد أحد الثوابت المهمة في السياسة الخارجية الأمريكية، وإصرارها في نفس الإطار على إيجاد تسوية للأزمة، وفق منطق 'لا غالب ولا مغلوب'. لأن الغرب يبدو أنه لا يقبل أبدا بالانتصار الكامل للثورة السورية في وجه خصمها الذي بات أمر رحيله وشيكا. أي يريد إنهاك الطرفين (النظام والمعارضة) لإيصالهم إلى ذلك. ويبدو أن التحركات السياسية الدولية متجهة لرسم التسوية في هذا الاتجاه على أكثر من مستوى، فيما لو سارت الأمور وفق ما يشتهون. وتتضح ميوعة الموقف الغربي، والاكتفاء بدعم محدود للمعارضة السورية، والهروب من دعم جدي لمواجهة النظام الأسدي وممارساته، من بعض الإشارات الأخيرة والحجج الواهية التي يسِّوقها ومنها على سبيل المثال لا الحصر: ـ عدم اعتراف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية كممثل شرعي وحيد للشعب السوري حتى الآن، رغم وعودهما بذلك، وضغوطهم لإحلاله مكان المجلس الوطني السوري. ـ عدم قيام الاتحاد الأوروبي حتى الآن برفع جزئي لتزويد المعارضة السورية بالسلاح وفق الاجتماع الأخير الذي عقده قبل عدة أيام، وما قرره فقط هو إرجاء البحث في مسألة تخفيف حظر السلاح لمساعدة مقاتلي المعارضة إلى لقاءات مقبلة. علما أن مطالب المعارضة السورية تقتصر على إمدادها بالأسلحة خاصة مضادات الدبابات والطائرات، دون حاجتها لتدخل عسكري مباشر، ومثل هذه الأسلحة كفيلة بقلب الموازين على الأرض سريعا، وتعجيل سقوط النظام السوري، لأنها ستحيّد منظومة طيرانه وتشلّ ما بقي من قوته. ـ إعلان حلف الناتو أن بطاريات صواريخ الباتريوت، التي ستقدمها الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا والتي وافق عليها الحلف مؤخرا. ستُنشر بعمق يفوق عشرة كيلومترات داخل تركيا، وليس على الحدود السورية التركية مباشرة، وذلك لتبديد ما وصف بالقلق الروسي، علما أن البطاريات التي تقرر نشرها لا تغطّي أكثر من خمسين بالمائة مما تحتاجه الحدود المشتركة الطويلة مع سوريا. ومعروف أن الروس قد دخلوا في لعبة التسوية مع قرب سقوط النظام أو بعد أن تأكد لهم أن سقوطه بات مسألة وقت قصير. ـ اعتزام الولايات إدراج جبهة النصرة، التي تقاتل في سورية والمتهمة بالانتماء إلى تنظيم القاعدة، على قائمتها السوداء للإرهاب، علما أنها تسكت فعليا عن إرهاب النظام وأفعاله الوحشية، ولا تضع قياداته العسكرية والأمنية ورموزه على هذه اللائحة، وتسكت عن مقاتلي الجماعات الموالية لإيران وميلشياتها التي تقاتل إلى جانب الأسد، ولم تقم بوضعهم على هذه اللائحة، مع التأكيد على أن جبهة النصرة لا تشكل حجما كبيرا في مشهد الثورة السورية بشقيه السلمي والعسكري بالنظر إلى ضخامة تشكيلات هذا الحراك. كما أن تقاعس المجتمع الدولي عن قيامه بواجباته لمدة تزيد عن ستة أو عشرة أشهر، هو ما دفع بالشعب السوري لاعتماد الخيار العسكري للدفاع عن نفسه وعرضه، وهو ما دفع أيضا بعض المقاتلين العرب والمسلمين في الانخراط إلى جانب ثورة مشروعة لإخوة لهم في العروبة والدين والنسب ضد الإجرام الأسدي ومن يدعمه. علينا أن نتذكر ونؤكد على أن ما وراء الموقف الغربي المتسم بالنفاق تجاه مأساة الشعب السوري هو الشبكة الواسعة من العلاقات والمصالح والتحالفات، التي نسجها النظام السوري على مدى عقود طويلة على المستويات الإقليمية والدولية بما فيها تفاهماته مع الكيان الصهيوني وحماية أمنه وحدوه، ومحاربته للتوجه الإسلامي وتجفيف منابعه، والتقاؤه في ذلك مع رغبة الغرب في الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني، وادعاء الخشية من الجماعات الجهادية وفوبيا تنظيم القاعدة، ورغبة الغرب الضمنية تبعا لذلك بتدمير البنية التحتية لسوريا وتقويض اقتصادها، قبل أن يتدخل لتكون التسوية بعد ذلك على قاعدة " لا غالب ولا مغلوب"، والتي ستضمن له عدم خروج أنظمة المنطقة على أجندته التي رسمها لها، فيما لو تحقق له ذلك.
437
| 12 ديسمبر 2012
ترك الانتصار الذي حققته حركات المقاومة وفي مقدمتها حركة "حماس" قبالة عدوان الأيام الثمانية للكيان الصهيوني، وما ارتبط به من أحداث وتفاعلات، تأثيراته على المحيطين العربي والإسلامي، ومن بين أهم هذه التأثيرات السلبية ما يتعلق بالنظام السوري وبعض الدول الداعمة له، أو القوى المتحالفة معه. معلوم أن العدوان الإسرائيلي جاء بعد حوالي سنة من تدهور علاقة النظام السوري، واضطرار قادة حماس لمغادرة الأراضي السورية، بسبب رفض الحركة الوقوف إلى جانب النظام ضد ثورة شعبه، وتوزعهم على عدة دول. وتبعا لذلك ساءت علاقة الحركة بإيران، وبسبب ذلك خسرت "حماس" الدعم السياسي وربما اللوجستي لسوريا، والدعم السياسي والمالي والسلاح لإيران. لقد كانت هاتان الدولتان تظنان أن "حماس" بدون عمقهما ودعمهما، ربما ستصاب بمقتل، أو يتأثر أداؤها وحراكها أو تتراجع نحو الوراء. وعندما وقعت الحرب على غزة، ربما لم يتوقع الحليفان أن تستطيع حماس انتزاع مثل هذا النصر على العدو بمثل هذه السرعة والقوة، وهو ما عزز مكانة "حماس" فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ودوليا على المستويين الرسمي والشعبي، ورفع من أسهمها، وأدى إلى تراجع أدوار النظامين السوري والإيراني، وازدياد نسبة الكارهين لسياستهما بسبب المقارنات التي عقدت بين سلوكيات الأطراف المختلفة. انتصار حماس العسكري المقاوم ـ ومعها فصائل المقاومة ـ كان واضحا في إجبار العدو على طلب الهدنة، بسبب عدم تمكن الأخير من تحقيق أهدافه في الحرب، بعد أن تفاجأ بقوة المقاومة، وخشيته من تكبده مزيدا من الخسائر. أما الانتصار السياسي فتمثل في قدرتها على الإفادة من أجواء ثورات الربيع العربي، ودعمها لها، والتعامل بديناميكية مع المتغيرات والتطورات في المنطقة، بعد أن وقفت هي إلى جانب هذه الثورات من منطلق أخلاقي، ورفضت كل المغريات للوقوف إلى جانب الظالم، وخسرت كثيرا من المزايا بسبب ذلك.. وقد تمثل هذا الانتصار فيما يلي: ـ دعم دبلوماسي مصري تونسي تركي لحكومة غزة ومقاومتها ضد العدوان، تمثل في زيارة ممثلين على أرفع المستويات، للتأكيد على وقوف هذه الدول إلى جانب الشعب الفلسطيني في محنته ضد العدوان، وتقديم الدعم الإغاثي العاجل. وقد تلا ذلك تحرك على مستوى الجامعة العربية، وهو ما لم يحصل في أي من الاعتداءات السابقة على غزة. ـ تحسين شروط التفاوض، بدعم النظام المصري الجديد، وحصول حماس والمقاومة على أغلب مطالبها في الهدنة التي رعتها القاهرة، ومن ذلك اشتراط فتح المعابر، ووقف الاغتيالات. ـ خلخلة بنيوية في هيكل الإقليم تمثلت في بداية انحسار الدورين السوري والإيراني فيما يتصل بالقضية الفلسطينية، والادعاء بدعم المقاومة، مقابل بدء صعود الدورين المصري والتركي. لقد كان واضحا أن إيران وحليفها حزب الله كانا يستدعيان أي تصريح بحثا عن دور لهما في النصر الذي تحقق، كالحديث عن الصورايخ التي قدمتها إيران لحماس قبل سنوات، أو عن إمكانية صواريخ حزب الله في الوصول لمديات أبعد في اختراق أمن العدو وعمق أراضيه ومدنه، أو لمحاولة صرف الأنظار عن خيبتهما بتصريحات تلفت الأنظار عن تقصير دول خليجية في دعم المقاومة الفلسطينية، مقابل دعم ثوار سوريا ضد نظام الأسد، في مغالطة مفضوحة لسببين أولهما أنهما أكبر الداعمين للظالم (النظام السوري) بالمال والسلاح والرجال، ضد المظلوم ( الشعب ) وتطلعاته نحو الحرية والكرامة، وأنهم هم من أوقفوا الدعم المالي عن حماس والمقاومة التي تقوم بها، لمجرد أنها وقفت مع الشعوب في ثوراتها ضد الحكام الظالمين، وفي مقدمتهم الأسد حليفهم الأكبر. ويضاف إلى ما سبق تعاظم شعبية حماس والمقاومة لدى الجماهير في الدول العربية والإسلامية ورصيد أنظمة ثورات الربيع العربي التي وقفت إلى جانبها، حتى أن ثوار الثورة السورية في المظاهرات اعتبروا أن جرح غزة جرحهم، وأن قدر غزة ودمشق واحد ومشترك في مواجهة الاحتلال والاستبداد. وبالمقابل تراجع شعبية حزب الله إلى درجة الوصول للحضيض خصوصا إبان تلك الفترة، لأن الشعوب عقدت مقارنة بسيطة بين حزب لا يدعم المقاومة وهو قادر على ذلك، ويكتفي بالتهريج والجعجعة الكلامية، فيما يدعم بكل ما يستطيع نظاما إجراميا ويتبجح بذلك. والشيء نفسه يقال عن النظام الإيراني ولي نعمة النظام السوري والحزب اللبناني. الخلاصة.. إن تحالف حماس مع النظام السوري في فترات سابقة أملته ظروف استثنائية خاصة، وعندما وصل الأمر إلى منعطف حساس، ضحَّت حماس به بغض النظر عن خسائرها من ذلك لاعتبارات أخلاقية، فلا يعقل أن تلتقي مقاومة الاحتلال والظلم مع تأييد الاستبداد والظالمين والدفاع عنهم، أو حتى السكوت عنهم. وبالمقابل فإن المنطقي أن تلتقي المقاومة مع ربيع الثورات العربية أنظمة وشعوبا ثائرة، وأن يعضد كل منهما الآخر، لتحقيق أفضل الانتصارات.
423
| 28 نوفمبر 2012
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس...
43521
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي...
7137
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو...
5397
| 13 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر...
3195
| 16 سبتمبر 2026
■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن...
3048
| 14 سبتمبر 2026
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...
2217
| 18 سبتمبر 2026
لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق...
2118
| 16 سبتمبر 2026
نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...
1344
| 17 سبتمبر 2026
عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية،...
1044
| 15 سبتمبر 2026
هذا هو المقال الأول من سلسلة «قراءة في...
687
| 14 سبتمبر 2026
هل يمكن لرجل واحد أن يترك اسمه على...
609
| 13 سبتمبر 2026
بدعوة كريمة من السيد يوسف بن أحمد الكواري،...
600
| 16 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية