رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
راءٍ سماءَكِ والأضحى وما قـــــرؤوا في حضرة العيد إذ يغشاهمُ النبأُ عمّ تساءل هذا الحزن في بلدي؟ إن كان مؤتمِراً في ذبحه الملأُ أعشبتِ في فلواتِ الريحِ قافيةً غنّت لبلقيس ما غنّت لها سبأُ وحزتِ جمرةَ عشاقٍ على سفرٍ في زحمة الموت والموتى به صبؤوا قرأتِ للتين والزيتون أمنهما في رحلة الصيف كانونٌ بما خبؤوا أخطُّ حزنكِ تلميذاً حقيبته فوضى بلادٍ وأهلوه ومن لجؤوا أخطّ حزنكِ عام الفيل محتملاً عدوى الأبابيل تعوي والمدى صدَأُ أخطُّ حزنك في (لبيك) ما نطقت بها المدينة يوم العيد إذ بدؤوا ** والموت أيضاً يجب أن يستريح، ليداوم في المستشفيات النظيفة المكيّفة، حفارو القبور يجب أن يستريحوا، ليأخذوا أولادهم إلى حدائق جديدة في العطلة، القناص يجب أن يستريح، لتنمو في صدرة شجرة الندم، الذئاب يجب أن تستريح، لتختبر جوعها الأبدي، الغرباء يجب أن يستريحوا من تلويحة الأيدي للغروب، الشجرة يجب أن تستريح من دور الدريئة والأم، الملاعب يجب أن تستريح من دور المقبرة الجماعية والمعتقلات، نشرات الأخبار يجب أن تستريح من دور غراب الشؤم، الخياطون يجب أن يستريحوا من تفصيل الأكفان والأعلام المختلفة. *** أيتها البلاد الواضحة كشمس، أيتها البلاد الغامضة كتحيَّة، أيتها البلاد الأميرة الأسيرة الكسيرة، الممتدة كوشاح، البيضاء كحمامة، بدروبك (المدروزة) بأضواء باصات الليل الطويل، بمدنك المتثائبة في وجه السادسة صباحاً، بقراك المهجورة والعامرة، بإهابك المطعّم بالخناجر، بخريطتك المحبوكة بالمكائد، أيتها البلاد المخذولة، أيتها البلاد المنذورة للضباع والذئاب، في ليل لا ينبح فيه كلب، وخريف لم تبق فيه شجرة، لك وحدك أقول (كل أضحى وأنت بخير) أيتها الأضحية الجليلة. ** في الطريق إليك، كانت الغيمة خصلة عنب، وكانت الريح دالية، وأنا لم أكن غير طفلٍ يضمر للنهر شوق السفينة والعافية، يا بلادي هؤلاء الجبناء ومنهم أنا، البعيدون البعيدون، تعثروا بالهويات الجديدة، والجلود الحقيقية، والقحط الحقيقي، يا بلادي؛ وأنا أراك في يد ألف جلاد وجلاد، أرفع بياضي وأنتمي.
914
| 07 أكتوبر 2014
حين يأتيك القصف من الراعي والذئب معاً؛ فتذكر مقولة جدتك أيها الشقيّ يا "مقصوف العمر"، لم تكن مرياعاً أوّل من مشى وراء الحمار، ولم تكن كلباً يحدّد مسار اللصوص، ولم تكن الحمار ولم تكن الراعي الكذاب، ولا الذئب الذي فاجأنا بعد الليالي البيض. أنت كبش، لا تصلح إلا لجلب المسرّة في عيد الأضحى الذي اقترب، أنت كبش هدّت الحرب قرنيه، أنت كبش فحسب، رأسك منذور للقطع، قرناك للذكرى، صورك التذكارية لكتاب التاريخ، صوفك لكتاب الجغرافيا، قطيعك لمتحف الخراب الكبير. العيد قادم، يمدون إليك ألسنتهم، وأنت والقطيع في مهبّ خريفٍ غامض، تتذكر أغنية قديمة عن لقالق تأخرت في السفر، فيتوعدها أولاد أشرار بنشيد جماعي: "وسنذبح أولهم كالبطة / وسنشوي ثانيهم بالنار/ وسنقتل ثالثهم كالقطة / وسنشنق رابعهم كالفأر) ربما نسيت شيئاً من الحكاية، لكنك كبش، ولن يحذف منك النسيان درجة، المهم أنك تثغو جيداً، وهذا يعني أنك أضحية مثالية، ستقول ما أضيق العيش، وسأقول: ما أطيب العيش لولا فرحة الدولِ* بذبح شعب بريء من دم الرجلِ سأعرب المفردات: سأبحث عن أفعال تناسب الخراف، وجمل اسمية تلتمّ كحظيرة كان اسمها الوطن، حظائر سايكس بيكو التي أشبعناها شتماً. أيها الكبش الطيب، يا من توهمت أن الربيع عشب وماء غدير، هذه ليست (مزرعة الحيوان) ولا خرافة جلجامش، هذه حظيرة.. حظيرة رعاتها يتعشون اللحم، وذئابها تتعشى اللحم، أيها الكبش.. العيد قادم. لم يبق أحدٌ لم يجرّب فكرته وسيفه فينا، لم يبق صاروخ ولا ساطور ولا هاون ولا سكود ولا رصاصة مسدس، ولا (خرطوشة) بندقية صيد، ولا توماهوك، ولا ميغ ولا f16 ولا حجرة كونكريتية ولا برميل ولا سيارة مفخخة، ولا دراجة نارية، ولا موس كبّاس، ولا هراوة كهربائية، ولا هراوة (مشقشقة). لم يبق ذكر ولا أنثى ولا صغير ولا كبير، لم يبق (جندرما) درجة رابعة، ولا (عسكور) فاصلة اثنان، ولا (صول) محال على المعاش، لم يجرب نفوذه فينا، ولم يبق هاو تصوير أو غاو يوتيوب أو حامل جالاكسي إلا وجرّب أفلامه فينا، ولم يبق متشفّ أو مستهتر أو مثقف درجة عاشرة إلا جرّب تحليلاته فينا، ولم يبق نخّاس أو مندوب شركة عابرة للأخلاق إلا جرّب مواهبه فينا. ** نحن غضار مهشّم، وبريد الحياة الطيبة الهشة، نحن سعاة الجمال الحزين، كتبنا على وجنة الشرق أغانينا، كتبناها كـ(رثّاميات) جداتنا، كتبنا وجعنا هناك، قبل أن تتعثر (سوريّة) كجملٍ ويتقاسمها القتلة والبغاة والغزاة كما اقتسم الضيف الثقيل مع أهل البيت الدجاجة قسمة الشفع والوتر. نحن غضار كلّما جمعتنا الأماسي، فرّقنا الغسق، نحن الذين ألفنا ألف لون ولون، وألف موت وموت، وشربنا الشاي و(القحوة)، وطبخنا بسمن العرب وزيت الأكراد، نحن الذين نتقاسم البكاء والمكائد وهبوب الحزن المشرقي، والسفر عبر القطارات.. لم يبق أحدٌ في المدينة، والعيد قادم.
1302
| 04 أكتوبر 2014
هذا ليس جديداً، كتبه آخرون، كتبه عاشقٌ متأخّر التوبة مثل مالك بن الريب، عاشق آخر ارتدى جعبة سهامه ولم تكن غير كمشة روايات هو اليوناني كازانتزاكي، كتبه جاره التركي عزيز نيسن وهو يسخر من كلّ شيء، فلم يعد من المُجدي الخوف منه ونحن وسط دائرته، نتذوقه في كل قصف وقصاص.أكتب في زمنٍ عجيب، يستعير خصلة من كل مرحلة، ويهذي بحكايات قديمة، أكتب لمن سيكون بعد قليل على قيد الموت، كما لو أنني أضع في يديه حبات حمص قلقة في يديه، أكتب للشجرة التي ذبلت، والبيت الذي تهدّم، والظلال الجديدة المشوّهة لنصف بيت لا يمكن معه الوقوف على طل.لا تصدق الدرويش حين قال إن الفنون جميعها قد هزمتك، فقد هزمت القلاع والأسواق القديمة والمساجد، صرت أشدّ فتكاً، وأسرع نقمةً، صرت تتنفّس في برميل، وتشرب في صاروخ، وتتثاءب في طلقة هاون، وأنا أشفقت عليك؛ فقد تعبت كثيراً في بلادي، ألف يوم وأنت تؤثث الخراب وحدك، ألف يوم وأنت تبعثر الأُسَر وحدك، ألف يوم وأنت تحمل الساطور وحدك، ألف يوم وأنت تطيّر الطائرات وحدك، لا رجل كهرم بن سنان يطبطب على كتفيك ويدعوك للاستراحة وأنت تتعب، وتعمل بإخلاص، ألف ومائتا يوم وأنت تكحّل عين القناص، وتزيّت مفاصل الدبابة، وتشحن قلوب القتلة، وتهلّل لمحطمي الأرقام القياسية، عشرون.. ثلاثون.. خمسون.. مائة.. ألف.. أكتب إليك، وأنت مشغول عني بعملك اليوميّ، أعرف أن وقتك ثمين، ولكن وجباتك تصلني باردة، أنتظرها نهاية كلّ ليلة عند نشرات الأخبار، أعرف أن الأخبار العاجلة أمينة في رصد أخبارك، ولكنّ قلبي الضعيف لا يحتمل شريطاً أحمر حادّا، أعرف أن الأخبار العاجلة بهار نشرة الأخبار، ولكني لا أقوى على مجاراتك وأنت تكتب واجباتك، وتنشر الغسيل، وتعدّ الطعام، وتضع الفاكهة في الثلاجة، لا أقوى على رؤيتك وأنت تجلب الأولاد من المدرسة، والأغراض من البقالية، أعرف أنك تعمل، وأن قومي منحوك أجراً جيداً، ولكن والشهادة لله فأنت تعمل بإخلاص، من يداوم الخميس والجمعة غيرك يا رجل، من يمشي الدرب ذاته كلّ يوم إلى البلدة ذاتها والحارة ذاتها والبيت ذاته، من يحفظ عنا كل هذا الشعر الحماسي الداعي إلى التفاني والفناء؟ من نستمع له ونحن نهذي بالحياة؟ من؟على بعد مجزرتين سنتصافح، (سأعزمك) حينها إلى مقبرة جماعية، ستضع يدك فوق صدرك شاكراً، أو قل لك تفضّل أنت سبب هذه النعمة، تقول لي حين يكون لك قبرك الخاص سأزورك، حينها سأمازحك قائلاً: "مات الموتُ أم ذُعر الذعرُ؟". على بعد مجزرتين ستلمّ أمتعتك وترحل بحثاً عن موتى على قيد الحياة والأمل، ستخدع طبيباً بتغيير الجرعة، أو تخطف حقنة النهاية من يد ممرضة، سترحل عن بلاد مات فيها الموت، ولم يعد في السوق غير حياة باهتة عفنة، تطارد الفتيان والرجال، الباحثين في ذات السوق عن عازف الناي وهو ينشد: "ألا موتٌ يباع؟".
945
| 23 سبتمبر 2014
يرى الأدب المكان بمبالغة مثيرة في الوصف، فيرى في كومة حجارة حياةً وبشراً، وهو ما ألفناه في القصيدة منذ طفولتها الجاهلية، وما جعل الوقوف على الطلل واجباً شعرياً، وفي المقابل تغنّى الأدب بالمكان الجديد أو المكان الحُلمي إن صحّ التعبير، المكان الذي تطير إليه الحمامة ونحن في السفينة، المكان الذي نفزع إليه بعد هدوء الطوفان.. إذ تظهر مفردة "الأرض الجديدة" كطوق نجاة في النزوحات الكبرى، وظلت كلمة جديدة لصيقة أمل لأسماء المدن والقرى والأحياء المتناثرة في العالم كنيويورك ونيو أورليانز القاهرة الجديدة وغيرهما. وما "جادك الغيث" إلاّ تطوير فنّي رفيع لـ "قفا نبكِ" بثراء لوني، بفارق أن الشاعر الجاهلي كان يقف على ذكرياته مع آثار البيت، وأن الشاعر الأندلس كان يستبطن في حضرة الجمال قلقاً من الطرد، الطرد الذي وسم التاريخ البشري منذ الأب الأوّل. وقف السوريون على الرحيل بين "قفا نبك" و "جادك الغيث"، في حراك نزوحي طال نصف سكانها تقريباً، فلم يبق منهم من لم يبكِ على دار، أو يأسى على حال جار، وقفوا على الديار التي " أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ" أو تلك البلاد العامرة التي فقدوا فيها الأمان فلم يعد "المقام بها إلاّ من الغلطِ". في الحرب الدائرة على سوريّين بأيدي سوريّين قفزت إلى صدارة الأخبار العالمية أسماء كثير من المدن و الأحياء والقرى السورية، عرف الناس حارات حمص وقرى درعا، ومناطق أخرى أذكت معرفتها قصيدة كما فعل السوري حسن إبراهيم الحسن الذي يدوّن يوميات الحيّ الصغير هنانو في مدينته حلب وهو يتعرض للقصف اليومي:"هنانو.. شارعٌ يحتلُّ خاصرةَ المدينةِ مثلَ حرفٍ زائدٍ، تمحوهُ طائرةٌ، وتكتبهُ ابتسامةُ طفلةٍ ما بينَ قنبلتينِ تلهو بالشظايا هنانو.. سيرةُ الحربِ التي تتزوجُ القتلى وتنجبُ نازحينْ"، وبالفعل ينزح الشاعر إلى تركيا فعلاً، بعد صبر ومغامرة بقاء، وصار رقماً يعبره عدّاد النازحين.ولكنّ المسافة بين الحسكة ولندن أبعد ممّا بين هنانو وعينتاب، وإليها شدّ الرحال الشاعر السوري الجميل معشوق حمزة، أستاذي وزميلي في العمل هنا في قطر، وكان سبقني إليها بخمسة أعوام. وقد عرفته شاعراً بكلّ معنى الكلمة، تقرأ في ابتسامته وكلماته عمقاً إنسانياً ومعرفياً، وقد تزامن صدور ديوانه الأول "في أي رحم من السنة القادمة" عام 1983 مع انتسابي إلى معهد إعداد المعلمين، فدرسنا وأهدانا ديوانه الذي كان من محرضات القصيدة عندي.يكتب الشاعر من لندن بالروح التي كتب بها صقر قريش عن نخلته الغريبة في الأندلس، وبروح ابن عباد المخلوع في أغمات، يكتب بروح عبد الكريم الكرمي عن بيته ومحطّ ذكرياته، متذكراً الحسكة المدينة الطيبة التي شهدت تآلفاً جميلاً بين الأديان والأعراق :"قـد كانَ ليْ بيـتٌ و أنـتِ شـرفتُهُ وكـان ليْ قـوتٌ وأنـتِ لـذّتـُـهُ/ ضاعـتْ أمانينـا بقيْـتِ أمنيتـي/ رغـم الأسى فينا عرّشتِ داليتي/ إنْ كانَ ليْ وطنٌ.... فأنـتِ والحَسَكَهْ/ فيهـا أنـا ملـكٌ.. وأنـتِ ليْ مَلِكَهْ!"زمان الوصل السوري يُستقطر في نصوص لا تمتلك غير يقين يابس، يقين لم يبعد عن الأرض الجديدة، بقدر ما بات يفكّر في تكوين وطن من اللغة.
1181
| 19 سبتمبر 2014
عتقت الأطلال حزن البدويّ المبتلى بالرحيل كلّما هلك الزرع وجفّ الضرع، فوقف على الديار وقوف الحزين المتبصّر في جريان الوقت، وهو على الرغم من قصر المدّة إلاّ أنه يغادر قطعة من روحه، لعلّ أبا فراس أبلغ من لخّص الأمر حين نسب ذلك إلى الألفة: بلادٌ ألفناها على كل حالة وقد ُيؤْلَفُ الشيء الذي ليس بالحَسنْ وتُسْتعذب الأرض التي لا هواء بها ولا ماؤها عذبٌ، ولكنها وَطَنْأقول هذا وأنا أقرأ آثار النزوحات الكبرى التي وسمت القرنين الماضيين، بعد حروب القرن التاسع عشر والحربين الكونيّتين في القرن العشرين، ولعلّ النزوح الشامي إلى الأمريكيتن بعد الحرب الأهلية اللبنانية التي استنزفت معظم مكوناتها منذ عام 1840م مروراً بمجازر 1860م، لعلّ هذا النزوح قد أرّخ شعرياً لظاهرة الحنين الكبرى في الأمصار الجديدة عرفت بأدب المهجر، الأدب الذي استحضر البلاد المهجورة، قبل أن تحتل دول الاستعمار تركة الرجل المريض بداعي استعماره، وتبدأ هجرة جديدة غايتها المثاقفة مع الآخر لعلّ "أديب" طه حسين و" موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، و " الحي اللاتيني" لسهيل إدريس.. خير من يمثل صدمة الحداثة والتأثر بأنوار الغرب ونيرانها، ولكنّ النزوح الفلسطيني إلى الجهات الأربع بعدما شرّد الصهاينة شعباً بكامله، فتبدو المدن والقرى في عناوين نصوص كنقاط مضيئة في خريطة المشهد الأدبي مختلفة كـ "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني، و"رأيت رام الله" لمريد البرغوثي، ولا يغادرنا القرن العشرين حتى يركب الأديب العراقي قطار النزوح إثر حروب عدميّة مدمّرة كسرت ظهر العراق، وفي مغتربه يكتب العراقيون عن "دجلة الخير" كما قال الجواهري، أو "وداعاً بابل" لنعيم قطّان.في النزوح الذي أريد الوصول إليه تبدو التجربة الغضة مليئة بأسباب الشجن، ولعلّ النزوح ذاته مجال نقاش لم ينضج بعد، فربّما كانت الخيمة أو بيت الإيجار مجرد محطّة ترانزيت عند كثير، ولكنّ القارئ للتجربة يمرّ بلوعة حارقة تصلك من أناشيد محمد المطرود الذي هاجر إلى ألمانيا رفقة عارف حمزة و آخرون، ورفقة أديب حسن محمد الذاهب إلى باطمان التركية، ومحمد علاء عبدالمولى الذي جاور أوكتافيوباث في المكسيك، وسواهم كثير طعموا النزوح وتعرفوا مذاقه المرّ، وترى بلادهم في نصوصهم وهي تتفردس في عين الشاعر، ربما يعرف العابر في صفحات التواصل لهذا الشاعر أو ذاك معنى أن ترى بلادك في صورة أو مشهد فيلمي قصير، ترى ذلك في "اسمه أحمد" للمطرود، وهو يتذكر مشاهد من جزيرته السورية العامرة بالمواسم والذكريات، وتجده واضحاً في "سجاد عجمي" رواية شهلا العجيلي الفاتنة، بالرغم من عودتها إلى القرن الخامس الهجري لبناء مشهدية جميلة تستعيد فيها جمال مدينتها الصغيرة الوادعة قبل أن تدهمها الحرب التي تهدّم سورية بالتقسيط المريع حسب الشاعر إبراهيم الزيدي.النازحون في جهات الأرض الأربع، وعلى الرغم من أسباب السعادة في الأمصار الجديدة ظلوا يتذكرون البلاد بوجعٍ نازف، على الرغم من انهيار مستوى المعيشة والأمان في بلادهم إلا أنهم ظلوا قابضين على جمرة المحبة للبلاد التي "لاماء فيها ولكنّها وطن".
6463
| 09 سبتمبر 2014
حين أبصرني واقفاً ألتمس الغد بفؤادٍ كسير، أجلسني إلى ناره و أطعمني من زاده، وقال لي: إذا جادك الغيث فانشر ماعونك، واسقِ الموتى، و لاتنتظر الربيع، الانتظار خوف وتواكل، كن الربيع وإن خذلك الطير والناي، وقال لي: لا تهشّ بعصاك على كلّ فكرة سائبة، ولا تمدد يديك إلى كلّ شجرة، فليس كلّ الشجر أخضر، ولا كلّ الأفكار ثماراً. وقال لي:لا تستعجل الفرار من السفينة، فربّ غريق خير من ناجٍ، وربّ خشبةٍ، خير من موجة، وقال لي: من بين هذه النيران، سـتأتي نار خضراء، فالتمسها. هناك أقم، واذبح شاتك، وأطعم ضيفك.. هناك تجدني. وقال لي: الآخر غير معنيّ بالحريق في غابتنا ما لم يصل الجمر إلى حديقته، لا تموت النار إلا إذا أكلت حطبها، وقال لي: من؟ من يستطيع أن يقول للعاصفة: وراء درّ؟ من غير الله؟ فقلت: يا الله (مالنا غيرك).وقال لي : إذا رأيت أخاك قبيحاً؛ فاتّهم عينَيك، لا تستسلموا لمقولة الإخوة الأعداء؛ فبجانب قصة هابيل وقابيل وقصة يوسف وإخوته قصة موسى وهارون، وقال لي إذا جاء أخوك يصافحك فامدد يدك، فربما جاء في الغد وقد قُطعت يداه، وقال لي: لاتركن إلى مقولة " ليس بعد الليل إلا فجر مجد..." ثمة ليل طويل يمتد لعشرين ساعة في اليوم، لا ينفع إلا ليذهب إليه الخائفون من الصيام الطويل، وقال: إذا بنيت بيتاً فلا تتخذ حجراً مسروقاً، ولا مثلوماً، ولا مهترئاً، اجمع حجارتك بهدوء، وقال: التشفّي حقنة مورفين تريح ولكنها لا تشفي.وحدثته عن الإخوة الضارعين في الكراهية والدم، وعن الماشية التي نفشت في الزرع، والضرّ الذي مسّ الجميع، حدثته عن الصدور التي ضاقت، فقال لي: الشرط الأساس لقيام الحرب الأهلية أن ترى كلّ من حولك أشراراً، لا يُعاتبون ولا يُستتابون، دواؤهم في استئصالهم. لا تحاورهم إلاّ لمكسب أو لمنجاة عابرة.وقال: لا يشترط في هذه الرؤية إعلام محترف، بل يكفيها أيّ عبارة مكذوبة، أو تعليق أحمق، لأن جمرتها تعمل في حطب يابس. وفي الحرب الأهلية الآخر ملعون جبان، تغضّ الطرف عن مظلوميته، وتنشر آثامه على الملأ، فإن هزمته شربت كأس النصر مثنى وثلاثاً، وإن هزمك صرخت تبحث عن معايير خارج سياق الحرب الأهلية كالإنسانية مثلاً. وقال: في الحرب الأهلية يتصدّى للراية أشباه رجال، ويقعد عنها الحكيم والحليم والنبيل.وقال: وفيها الكلّ ملعون، فالشعب مصيب الناطقون باسم الشعب مصيبة، والشهيد حيّ يرزَق، المؤامرة عليه حيّة تسعى.وقال لي: هذا الليل طويل، طوبى لمن حمل سراجه، طوبى لمن اهتدى بنجم، طوبى لمن خبز لجائع قلبه، طوبى لمن وقف على الطلل ولم يبكِ، هذا الليل طويل.. طويل.
555
| 05 سبتمبر 2014
برحيل الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، يكون ثلاثي شعر المقاومة قد سلّم التجربة للتاريخ، وصار في ذمّة التيارات النقدية، التجربة التي قامت مع ولادة النظام العربي الجديد، وماتت على إيقاع طبول الربيع العربي، رغم أن التجربة ذاتها ذبلت مع نهاية الحرب الباردة، وأنقذتها انتفاضتا فلسطين الأولى والثانية. وشكّلت المرحلة هروباً جماعياً إلى قصيدة النثر والفنون الأخرى، بعد جرح بيروت التراجيدي.في تجربة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم ثمّة ملمحان واضحان؛ أنه أسهم في تشكيل كتيبة التفاؤل الثوري بعدما فاجأنا جنرالات روّاد الحديثة مثل نزار قباني والبيّاتي ومظفّر النواب الذين أعلنوا استسلامهم وشنّوا حرباً على الواقع العربي الذي كان سبب هذه الهزيمة، بسياسييه ونخبه وثقافاته.كان أولاد القصيدة الجدد النابتون من الأرض العابقة "بصهيل الزيتون" والتعبير لغسان كنفاني، فشكّل مع محمود درويش وتوفيق زيّاد وفدوى طوقان ومعين بسيسو عصابة جديدة شحنوا القصيدة الجديدة بمعاني الأمل والتفاؤل، وهرّبوا إليها الرصاص والقنابل والعواصف والعنفوان ومدوّنة الأمل مادامت الشمس تشرق كلّ يوم، تخلت القصيدة عن نخبويتها وحزنها الشرقيّ، ولبست ثياب الخاكي والشال الفلسطيني. كانت مرحلة استغرقت مرحلة من الشعر تخطّاها الدرويش منذ سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا، لكنّ القاسم وقف عندها طويلاً، وتميّز في ذلك، واشتهرت له قصائد كثيرة في هذا المقام مثل:" منتصب القامة أمشي- ساقاوم - تقدّموا."..أما الملمح الثاني؛ فإن القاسم ظلّ في بلاده ولم يتركها كما فعل محمود درويش مثلاً، وظلّ يقاوم الاحتلال على أرض الواقع، الميزة التي يراها كثير من المهتمين أنها ميزة للقاسم وليست لغيره، ولحق به فيما بعد جيل من الأدباء من داخل منطقة الـ48 مثل سليمان دغش ومعين شلبية، وأسهم في الوقوف ضدّ تهويد المنطقة، ونزع هويتها العربية من خلال نشاطه الأدبي في أكثر من دوريّة ثقافية نشرت في حيفا، بقي القاسم في بلاده تحت شرط الاحتلال فتزوّج وأنجب وكتب، وعاش حياته وظلّت قصيدته تحمل البارودة والفكرة المقاومة، بهويتها العربية التي شهد له فيها كثير من النقاد.برحيل سميح القاسم ترحل مرحلة من مراحل الشعر العربي المشدود إلى نبض الشارع وهتافاته وشعاراته وشعائره، كآخر الرافعين قبضاتهم فوق المنابر، التي تركها الشعراء إلى الصفحات الافتراضية في عالم الشبكة العنكبوتية. ولكن القاسم سيظل حاضراً في وجدان الشارع والشعر الملتزم الذي أنقذ قصيدة التفعيلة بعد النكسة، ورغم محاولاته في التجديد الشعري وحتى في كتابة الرواية "الصورة الأخيرة في الألبوم" إلا أن سميح القاسم ظلّ نقطة علاّم شعرية في جغرافيا القصيدة الحديثة.
1022
| 26 أغسطس 2014
جاذبت صديقي أطراف الحديث عن الرواية السورية، وتساءلنا عمّن يقابل نجيب محفوظ في الرواية المصرية، تحدثنا عن حنّا مينة وفارس زرزور، وتذكرت الروائي الحلبي وليد إخلاصي، فقال لي بالأمس كنّا في سيرته مع أصدقاء، أتعرف أين هو الآن؟ فتوقعت أن يكون ذاك الكاتب الأرستقراطي الذي توحي صورته وهو يمسك بالغليون أن يكون في لندن أو باريس في موسم الهجرة من سوريّة، ولكنه خيّب توقعاتي وقال لي لقد نزح إلى جيبوتي حيث يعمل ابنه موظّفاً هناك.آلمني الخبر مع احترامي لأهل المكان، ففي هذا الإقليم عاش المهاجرون المسلمون الأوائل إلى الحبشة، وعاش رامبو بعدما زهد الثقافة والأدب، ولكنني حزنت أن كاتباً وروائياً مثل وليد إخلاصي لم يمتلك ترف الخيارات فيختار، وأنه في النهاية وجد من يعيله من أولاده ويسكنه معه في بلاد لم يعتد طقسها المناخي الصعب، وهو ابن الشمال السوري المعتدل، والفضاء الثقافي الثريّ الذي عاشه في حلب، آلمني أن يدفع السوريون ثمناً غالياً للحرية التي زاد عدد المتشائمين بمستقبلها.طفر الدمع من عين صديقي وهو يرى دهشتي، وتذكرنا معاً روايته الجميلة زهرة الصندل وعوالمها الجميلة التي تذكرك بمائة عام من العزلة لماركيز وتشابههما في الجدّة المعمّرة الشاهد على الأحداث، وقد استطاع أن يعبر من عين الرقيب رغم أنه يتحدث عن موضوع يؤذي ذاكرة السلطات.في موسم الهجرة والنزوح يتفقد المرء أصحابه ويسأل كلما وجد صاحباً أين فلان؟ وماذا حلّ بفلان، فترى أن روائياً كخيري الذهبي هاجر إلى الخليج، ومسرحياً كنجم الدين سمّان يقيم في الجزائر، وشاعراً كمحمد علاء الدين عبد المولى يقيم في المكسيك، وشعراء آخرين كأديب حسن محمد غادر إلى تركيا ومحمد المطرود وعارف حمزة وكثيرين غيرهم لاجئون في ألمانيا، بغض النظر عن أسماء كثيرة هاجرت قبل الثورة، وأسماء أخرى متناثرة في مصر ولبنان والأردن والدول الإسكندنافية، ودول الخليج. كالحال العراقية قبل سنوات قريبة حيث قضى أهم شعراء البلاد خارج وطنهم " الجواهري ومصطفى جمال الدين والبياتي في دمشق وكمال سبتي في هولندا وسركون بولص توفي في ألمانيا".البلاد التي تدفع ثمن ما يجري بالتقسيط المريع على حدّ رأي الشاعر السوري إبراهيم الزيدي المقيم في بيروت، هاهي تفقد آثارها وتحفها وفنانيها وأبنيتها الأثرية، البلاد التي تفقد البشر والحجر في تسارع حميم نحو الهاوية، في ظل تجاهل العالم الذي بات المشهد بالنسبة إليه مملاً، إلاّ أنها لا تعدم ضحكة العشب كلّما أمطرت. لا أعرف عن موقف وليد إخلاصي السياسي، وعن وقوفه مع النظام أو المعارضة، ولا أدري إن كان مجبراً في تصريحاته أوّل الثورة، ولكن الذي أعرفه أن هذا الرجل وغيره هم ممّن تشكلت ذائقتنا الأدبية على نصوصهم.
696
| 19 أغسطس 2014
وأنا صغير؛ كان الحلم يقفز ويضحك، في ثوب فتاة في السادسة، كانت في صفّي، لم تكن أيامها (صدرية المدرسة) ولا موضة اللون الزهري للبنات والأزرق للذكور، ولكنّ الحلم كان يطير مستعيراً ضحكاتها أجنحة. في العاشرة كان الحلم يزورني مع (السندباد) الذي قرأته خلسة من كتاب مدرسيّ أظنه للصف الخامس، بعدما ختمت القرآن وأنا في الصف الثاني، وأتقنت فكّ الخطّ، يطير السندباد رابطاً نفسه بالنسر، فأطير معه بقلق عظيم، وأحطّ معه على جزيرة الحلم والموت.في الرابعة عشرة كان الحلم يجري بين أقدام لاعبي الكرة، وقبضات مدرّب الفتوة الذي كان ملاكماً، وأبطال القصص الذين لم يكونوا يطيرون، عدنا جميعاً إلى الأرض، حتى الحلم.. لبس مثلنا حذاء رياضيا رديئا وركض أمامنا في ملاعب القرى المعشبة، قذفنا الكرة نحو الأعلى، ولم نسجّل أهدافاً.في الثامنة عشرة تثاءب الحلم وتركني وحيداً مع الرياضيات والعلوم والفيزياء، وبخته مراراً كي يصحو دون فائدة، كان لئيماً معي يومها، كان يأكل وحيداً ويشرب وحيداً، الأمر الذي جعلني أكتب الشعر، لأعاتبه فقط. على عتبات العشرين عاد إليّ الولد الضالّ نادماً تائباً، ساعدني في بناء البيت، وسافر معي وحمل عنّي حقائبي، كان يسامرني في الليل الطويل أثناء السفر، ويستعيد ذكريات الطيران، فنطير معاً لنضحك ونتذكر، ونحبّ الحياة معاً، قبل أن تعلن الجاذبية قانونها الأزلي، فنعود معاً إلى الأرض، ونقول: " حاولنا".في الثلاثين تعثر صديقي في الليل، كان الليل مجهداً، وكانت فوانيسه شحيحة الزيت، وقد أتعبنا صعود الجبل وعلى أكتافنا أحجار منتقاة من بيوتنا القديمة، كان صديقي يمشي معي بعكازين، ويتكابر على ألمه، ويحكي لي عن الأربعين والاكتمال، والسفر والغربة والنسيان والموت، لم يكن مقنعاً تماماً، ولكنه ظلّ يحبني تكفيراً عن سيئاته، وكنت متسامحاً معه، وأحياناً كنت أشتاق إلى حكاياته، وأشفق عليه وهو يسعل من البرد، ويسقط على الأرض كلما أسرع في المشي. **الآن؛ يزورني الحلم في فترات متقطّعة، عجوزاً ملأ الشيب رأسه ولحيته، بمقعد متحرك، يمشي معي يوم العطلة في الحديقة، يقرأ لي نصوصاً عن الرضا والقناعة، يشرب معي الشاي دون أن يعترض على درجة حلاوته، يجلس إلى جانبي وأنا أكتب، فيبتسم ، ويصلح لي أخطائي الإملائية، ويساعدني في حمل حجارة البيوت التي تركتها. في المستشفى القديم.. في تلك البلدة الهادئة يقيم الآن، يتمدّد في البياض، ويستسلم لمصل الدواء المحقون في كيس السيروم، يغمض عينيه طويلاً، ويسألني عن واجبات الغد، وعن الطيران.في المستشفى القديم.. في تلك البلدة الطيبة حيث تغير طائرات، وتسقط براميل، تسقط كلمات الشحن الطائفي، يسقط مطر في الصيف، تسقط سواطير حادة.. ينام صديقي الحلم في غرفة الإنعاش، ولكنه لم يسقط.. إلى الآن على الأقلّ.
565
| 14 أغسطس 2014
في هذا الخضَمّ؛ لا تركض في مستقبلٍ يدبّره الله، ولا تقم في ماضٍ ليس لك منه إلاّ التفاتة العابر. في هذا الخضمّ تذكر قول الشاعر:" إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ/ تبيّن من بكى ممّن تباكى"، فالرثاء خبز العرب وملحهم، وقد يخدعونك برثاء مغشوش، الرثاء الحقيقي حين تفرغ من دفن موتاك، ويواسيك الهواء بأصوات الراحلين وقد خبّأها لك، والرثاء حين تفرغ من رقصتك العامرة رغم العازف والناي والشرطة التي قطعت الكهرباء عن الحفل، والأقرباء الذين لم يحضروا، والحاضرون الذين غيّروا الإيقاع، الرثاء أن تكمل الغناء ثم تبكي على كتف جدار من طين. في هذا الخضمّ، بالكثير من الشهداء يكفي أن تذرف دمعة واحدة وأنت تتابع الأخبار وتتصل بصديق بعيد، وتقهقه عالياً لتؤكد له أنك بخير، يكفي أن تكفّ حواسّك عن الألم، يقول الشاعر الجاهلي إن الجبل العالي يردّ الطرف، وفي هذا الخضمّ عدّ أحلامك قبل النوم، و أطلقها في مراعي الظهيرة، لا تقلق إن عادت متأخرة، فستعود يوماً وعلى كتفيها طفل، أو في يدها كيس الفاكهة، وفي هذا الخضمّ خذ حصتك من الحزن، خذ نصيبك من الذكريات ولا تطفّف في الكيل، وعد في آخر الليل إلى أحلامك، تأكّد أنها لم تنقص، وتأكد من أنك غطيتها جيداً، فالأحلام لا تحتمل البرد، الأحلام البردانة تعطس في وجه المستقبل، و تترك فراشها للذكريات المتربّصة.وفي هذا الخضمّ لا تبحث عن جبلٍ يعصمك وحدك عن الماء، ليس لأنّي مثاليّ، ولكن لأنك ستتمنّى –وأنت وحدك-أن تكون في مركب الهالكين، لا تخف من التاريخ لأن الذين سيكتبونه لن يكونوا منصفين على أيّ حال، ولا تغمض عينيك عن مكائد الرياح والجغرافيا، ثمة من يغتنمّ الهبوب، وثمة من يطلق الذئاب النزقة في الحكايات.وفي هذا الخضمّ لا تقضم تفاحة الحرب، ولا تشرب فنجان الموتور، ثمة موت كثير سيأتي، ثمة قصيدة وحيدة ستنتحب بين يديّ هذه الحرب التي لن ينتصر أحد، الجميع خاسر، ولكن ثمة خاسرون نُبلاء، وخاسرون سفلة، ابحث في هذا الخضمّ عمّن تعثّر بالحرب فانتصر لروحه، وعمّن ابتلته الحرب فظلّ مرابطاً على (دين الحبّ أنّى توجهت ركائبه).. فهذا الفالق العظيم لن يلتمّ إلاّ بالمحبّة.
499
| 05 أغسطس 2014
أيّام القبيلة والخيمة، كان ما يربط بيننا القيم والتقاليد، كنت أخي في الرضاعة، نجرّ معاً قربة الماء إلى الظلّ، ونحسوا اللبن الرائب مع التمر، ويلمع بيننا خنجر في الظلام، ثم يسيل الندم، وتهمي محبة إلهية بيننا فنتصالح، ونرعى القطيع مشرفَيْن معاً من السهب الفسيح على المضارب تكتحل بالغروب. وعندما هجرنا المضارب وانتقلنا إلى بيت اللّبن، بيوت الطين والحيطان التي تنزّ في الشتاء، والسقوف التي تدلف بعد كلّ مطر؛ صرنا مواطنين في دولة ذات علم ونشيد وطني وجيش وحروب مقدّسة وكتب تاريخ وجغرافيا، وأحلام بالسفر وجمع المال. وكنت أخي -في الوطن- وأكلنا معاً طبيخ الباذنجان والبندورة، الوجبة التي تشترك فيها كلّ عائلة ريفية ثلث أيام السنة على الأقل، وحمدنا الله بعد كلّ رشفة ماء أو شاي، حصدنا معاً، وانتظرنا الغيم ومارس وخفنا معاً من عصا الأستاذ، ولعبنا الكرة كأي ريفيّ يسوق أمامه الكرة، ويشوطها إلى البعيد، سافرنا معاً بالباصات إلى دمشق، كنت طالباً في جامعة وكنت جندياً، عدتُ من الإجازة، وعدتَ من العطلة، شكوتَ لي تعالي الزملاء والزميلات على ريفيٍّ لا يتقن غير حفظ المقررات، وشكوتُ لك سطوة الضابط وقسوته، وكنا نرقب الغروب في مقهى الحجاز، تملأ وجوه الغرباء معان لا قبل لي بوصفها الآن.والآن.. الآن.. تناثرنا في الجهات وسكنّا الأبراج والشقق الضيّقة، عرفتُ أنك في بلادٍ وشاهدنا معاً مباريات الريال والبرشا، وأكلنا الشيبس وشربنا الكولا والبيبسي، وتواصلنا عبر الفيس والتويتر والواتس والهوتميل والياهو. ما بيننا الآن كثير، بيننا هواتف السامسونج، ولابتوب التوشيبا، وتلفزيون الـ سوني وثلاجات LG..الآن يا أخي في الإنسانية، في انتظار أخبار الدم السوري في النشرات الحمراء.الآن الغروب الذي نشاهده معاً، هو ذاك الذي نسرقه من شاشة التلفزيون مطلة على غروب مدينة ما، نتوهم أنها سورية. الغروب الآن شمس لا تنام، بين الدوحة وبرلين وسان فرانسيسكو وبيروت والقاهرة والزعتري وأنطاكيا وعينتاب وأربيل والسليمانية وموسكو وأستانبول وباريس ومرسيليا، الشمس التي تقاذفها السوريون من منافيهم ككرة مضرب، تؤكد لنا أن الفصول الأربعة محض وهم، وأن الشتاء لا يرحل، الغروب الذي نتخيله هو ذلك الغروب الذي نضبطه على توقيت البلاد، فتقول لأخيك الصائم هناك إفطاراً هنيئاً والشمس في كبد السماء الكندية، تقول لأمك تسحري جيداً وأنت تستعد للذهاب إلى العمل في بلد آسيوي، لم يعد ثمة مضارب تتحنّى بشمس الغروب، ولا أحياء تصافح فيها صوت الأذان.حين تجلس على مائدة الفطور في البلاد الغريبة، لوّح للبلاد، لوّح لي وكأننا معاً، نجذب قربة الماء إلى الظلّ معاً، نشرب الشاي معاً في مقهى الحجاز، حين تفطر الآن.. تذكّر أننا أعددنا طعام الفطور معاً، في قطعة عسكرية ما، في غرفة مسـتأجرة ما، في باص على الطريق بين تدمر ودير الزور، في حقل بعيد عن البيت.يا أخي في الدم والرضاعة والوطن والمحبة، يا أخي في (المرحبا) والـ (شلونك) والـ (جاواي) يا أخي في أيام الزيت والزعتر، وبطاقات التموين، وأخبار الثامنة والنصف، وملاعبنا الخضراء.يا أخي يا أخي.. ما بيننا الآن كثير.. كثير.
473
| 30 يوليو 2014
وحيداً، وما في الليل ومضٌ لنجمةٍ // فتوهمني أن النهاراتِ آتيةقليلٌ بربعـي أستعير تفاؤلاً // لعلّي أرى نصا يليق بقافية الفتاة الغشيمةُ في أوّل البيت مشغولةٌ/ لا تردّ السلام على العابرين ولا تخطف البرد من عتبات الشتاءِ/ قلت يا بلداً من أغانٍ ويا سلّة من زبيبٍ وتينْ/ لي عليكِ شتاءٌ تدفّأ بي/ وعتابٌ أؤجّله من سنين/ آه يا امرأةً كنت أحسبها من سراب/ يا غشيمةُ هذا ارتباك المغنين بناياتهم/ والجرائد بالقصف/ والشوارع بالشهداءْ/ هذا ارتباك البيوت بأصحابها/ بظِلال الخميس الطويل/ ورائحة الشاي/ وصراخ الطفولة في ساحة الحيّ/ هذا ارتباك الفناء/ يرتّب معنىً يناسبُ هذا القدرْ. ** الفتاة الغشيمةُ في أوّل البيت نائمةٌ/ رغم بحر الطويلِ؛ فعولن: يدقّ مساءٌ بأجراسه، وتحطّ المقامات حزناً فحزناً، وتبكي.مفاعيلُ: يأتي خصوم القصيدةِ، يبنون جسراً ونافذةً، لتصحو الفتاة، وتقفز من جملةٍ في المجاز إلى وجعٍ ملء حمصَ العديّةِ، يبنون.. والفتاةُ الغشيمة نائمةٌ، ملء بحري الطويل: " تذكرت ليلى والسنين الخواليا وأيام لا نخشى على الحب ناهيا"**وأنا لست مجنونها/ لست إلاّ خريفاً يغنّي إذا نامت البنت في أوّل بيتٍ/ فصبّ قليلاً من الخلّ كي تظلّ الحكايةُ قابلةً للحريق/ وكي تستطيع الصبيةُ نوماً/ ولا يتأخر عنها بريدُ الرعاة الذين تبعثر فيهم جنونُ الفتى العامريّ. **الفتاة الغشيمةُ؛ غزّةُ //لا تنزحي.. فهناك تهدّم بيت كان مأوى الفتاة التي هربت من مجازي**هذا المساء لمنْ يطلق الوجع المطمئنَّ/ على غيمةٍ في سماء العشيرة/ هذا المساء لمن يتقي حبه بالهروب إلى خوفه/ وهذا المساء اقترابُ الطيورِ من الميتين/ اقترابُ طيور الحديد من النصّ/ فلا تتركونا نلملمُ أقواسنا في الشتاء الطويل/ ولا تتبعوا صيفكم/ حين تحطّ الأغاني لتشرب/ لا تذبحوا كلمات الأغاني الغشيمة.**وكثيّرُ غزّةَ ولدٌ مجنونْ/ في الساحات أراهُ/ وفي الباص الطالعِ نحو دمشقَ/ وفي بهو المسجدِ/ في زفّة شهداءٍ بردانين بأوّل تمّوزْ/ في رمضان التالي/ يلوّح عند القصف/ ويحمل زاد الرحلةِ للعدوان التالي.
449
| 22 يوليو 2014
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1434
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1338
| 08 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
807
| 13 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
798
| 11 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
618
| 08 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
606
| 14 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
594
| 12 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
570
| 09 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
552
| 09 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
552
| 12 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
495
| 14 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
459
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية