رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين زار الحاج أمين الحسيني برلين في إطار تحالفه مع هتلر؛ أشار المترجم على الفوهر أن تُقدّم القهوة كضيافة للزائر العربي، لكن هتلر رفض بشدة، وقال غاضباً: لن تُقدم القهوة في مقرّ الرايخ. تقول الكتب إن الزعيم النازي لم يكن يشرب الخمرة، وكان يحب عصير البرتقال، وأنه في عيد ميلاده ينفد البرتقال من الأسواق، لأن الشعب يشرب نخب القائد الذي هزّ العالم أربع سنوات قبل أن تكتمل حفلة الحرب في برلين التي دخلها الحلفاء فاتحين. انتشرت القهوة وصارت مشروباً عالمياً، وأخذت اسمها العربي إلى الإنجليزية coffee واللاتينية café ، وكما تعولمت القهوة تعولمت كرة القدم، أفضل ما خلفته حداثة الاحتلال الأوروبي للعالم، تلك اللغة التي يفهمها الجميع، دون أن تشتري كتاب تعلم الكرة في خمسة أيام.الهوس العربي بالكرة جزء من هوس العالم، الباحث عن حروب نظيفة، حروب تنتهي في تسعين دقيقة، العالم الهارب من ضغط الحياة والحروب، الحروب الجديدة التي اختزلت رموز الحروب القديمة راياتها وأناشيدها وتيجانها، واستبطانها ثقافات وضغائن متحولة وحكايات لا تنتهي.وغزّة تتفرج أيضاً وتلعب، أبناؤها الذين يحبون الحياة يفركون أذن اللغة، وحين تضيق عليهم المعابر والحدود والأنفاق والفضاء يلعبون، هم أدلاّء حقيقيون للموت الذي أكرموا وفادته، الموت في غزّة بستان، له في كل صيف موسم، وفي كل رمضان سحور، الموت هناك يفطر في الحارات الفقيرة الضيقة، ويصلي التراويح مع المؤمنين، ويحضر الفوازير العربية الجديدة، ويحضر كأس العالم في مقاهيها، وهي تعرف أنها على موعد مع اللعب حين المونديال، وتشرب القهوة مع البرازيل وإن كان هيجان البرازيليين كلفهم سبعة، وغزّة تشوط الكرات من بعيد، كلاعبي العالم الثالث الباحثين عن (برافو) في هذا المجمع الأممي.في المونديال ضرب أبناء عصير البرتقال موعداً في النهائي مع أبناء (المتّة)، النهائي الذي تشارك فيه غزّة تحتضن فيه كأس العالم كأي صبية تحب المونديال وتلبس قميص بلادها، غزّة التي تعيد إلينا البوصلة، وتعيد جردة الحساب، وتدعونا إلى التفكّر في الدوري الدموي الذي تخوضه أندية الهوى الطائفي والحسابات الصغيرة، تقول لنا إن المباراة هنا، والجمهور (هناك) هو الحكم (هنا).ونحن الواقعين في التسلل، المخطئين في التبديل، المكتفين بشرف المشاركة، نرى كيف تشارك غزّة في النهائي، وكيف نشارك نحن في النهاية.
429
| 15 يوليو 2014
رغم تقدمه في العمر؛ إلا أننا فوجئنا برحيله المفاجئ، فالرجل الذي ظلّ مواظباً على زيارة الدوحة بعد رحيله إلى مصر، يدفعه الحنين إلى المكان وأهله، فيؤانسنا أياماً، ويعود أدراجه إلى أرض الكنانة التي عاد إليها بعد ثلاثة عقود من العمل في جريدة الراية محرّراً لصفحتها الثقافية، وشاهداً على اكتمال المشهد الأدبي في دولة قطر، ومساهماً فيه إلى درجة كبيرة، من خلال نشر نصوص أدباء المستقبل، ومد يد المساعدة إلى المواهب الناشئة.يعرف المهتمون هنا حسن توفيق بمجنون العرب، الشخصية التي استحضرها الشاعر الراحل في مقاماته التي أحيا فيها فنّ المقامة، وتحضر فيها شخصية ذلك الشاعر العروبيّ الهوى، المنحاز إلى قضايا أمّته، فمن خلال قراءة مسرد مؤلفاته سيلاحظ المتابع هواه العروبي العجيب أنه وقف كثيراً من قراءاته على شخص الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وفي ديوانه الذي أصدره بعد غزو بغداد:" بغداد خانتني"، وفي معايشته الأحداث العربية الجسام بنبضه وقلمه.لكنّ المثير في شخصية حسن توفيق هو ذلك النشاط المتوثب الذي لم تقهره السنون، فبعد تركه الوظيفة تفرغ لأعماله المؤجلة في التحقيق والتأليف، كما فاجأنا برواية جميلة تداعب منجز نجيب محفوظ المهمّ: " الحرافيش" فكانت رواية " عرفة ينهض من قبره". ومن يعرف حسن توفيق الشاعر، وآخر العنقود في جماعة أبولّو الشعرية، ومجايل رواد التجديد المصريين في القصيدة الحرّة أحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل وبخاصة صلاح عبدالصبور، وكذلك مجايلته لشعراء التفعيلة العرب؛ فسيلاحظ إخلاصه لهذه القصيدة التي جاءت في سياق ثقافي سياسي لنظام ما بعد الاستقلال، والذي تعرّض لهزات كثيرة، غيرت مفهوم المثقفين للحياة والثقافة، إلا أن حزن توفيق ظلّ مخلصاً لقصيدة التفعيلة الذي ظهر في ديوانه الأخير "لامكان للشهداء" المستوحى من أحداث ثورة يناير التي شارك فيها الراحل.عرفت حسن توفيق منذ الأيام الأولى لإقامتي في الدوحة، رغم أني أكتب في الوطن، ولكن علاقتي به زادت قوة حين انتقل كلانا إلى الشرق، وكان -رحمه الله- يحرص في زياراته المتعددة إلى الدوحة أن يتصل بي في كلّ مرة، لأزوره حيث يقيم، فنشرب الشاي ونتحدث في هموم السياسة والأدب والنشر، كما كنّا نتواصل معاً وهو في مصر.وكأنه بالأمسِ؛ لقاؤنا في معرض الكتاب الأخير، والراحل يملأ المكان غبطة وحركة، ويلتقي بأصدقائه الذي يهرعون إليه فور معرفتهم بوجوده. وكأنه بالأمس؛ الشاب الذي يصارع السبعين بالضحك فيسمعني شيئاً لمحمود درويش رفقة الممثل العراقي جواد الشكرجي، وكأنه بالأمس يهديني آخر كتبه: " عاشوا بعد الموت" قارئاً فيها أربعين مبدعاً عربياً أثثوا حياتنا بالمعاني الجميلة.رحم الله حسن توفيق آخر الراحلين عن شجرة العائلة.
472
| 07 يوليو 2014
ظهرت آثار العولمة في كأس العالم الأخيرة، حيث شهدنا زعزعة واضحة لمفهوم الدولة الوطنية ابنة الحداثة الأوروبية، والتي قامت على أشلاء الإمبراطوريات الكبرى، فقد استكملت الدولة الجديدة مسوغات قيامها على أساس اللغة أو الأرض، ووجدت في تاريخها أحداثاً وروايات تبني عليها نشيدها الوطني، ورايتها الخفاقة الملوّنة، وثقافة جديدة تلوّن السور الجديد. ومن هذا الباب جاءت فكرة (المنتخب) في بدايات القرن العشرين وهو من مكمّلات الوجه المعبّر عن قوة الدولة ورقيّها، منذ أولمبياد أثينا 1896 وكأس العالم لكرة القدم، ورغم مرور العالم بحربين عالميتين تغيرت فيها الخريطة كثيراً، فماتت دول وولدت دول، إلا أن مفهوم الدولة الوطنية تعزّز أكثر، وباتت كرة القدم اللغة المشتركة لكل دول العالم، فقد انتسبت دول العالم إلى أهمّ تجمع دوليّ مؤثر وصارم ومخيف. ومن جهة أخرى فقد اختزلت المباريات الرسمية الحروب القديمة وتفاعل معها الجمهور على هذا الأساس. فالدولة الوطنية التي تخفّفت من أعباء الحروب في النصف الثاني من القرن العشرين بعد الاستقطاب العالمي الحاد بين الشرق والغرب. وكان الفريق القومي محلّ اهتمام، فالمدرّب يجب أن يكون من الدولة ذاتها، واللاعبون يجب أن يأتوا من الدولة ذاتها، ويجب أن ينشد الجميع نشيد الدولة الحديثة مع الجمهور لرفع منسوب الشعور الوطني عند الجميع. وكانت الإنجازات الرياضية تماثل الإنجازات العسكرية وقد تفوق الإنجازات العلمية في أثرها وخاصة في دول العالم الثالث، فما زال الجزائريون يتذكرون فريقهم الذي تشكّل رغم الاحتلال بقيادة أحمد بن بيلا الذي صار زعيما سياسياً مثلاً.جاءت العولمة تتويجاً لتسارع كبير في تطور تقنيات التكنولوجيا، ولتداعي النظام الاقتصادي والسياسي في العالم كله، فالكتلة الاشتراكية انهارت في العشرية الأخيرة من القرن العشرين، والكساد ضرب العالم الغربي ولم يتعافَ منه إلا بعد سنوات. جاءت العولمة التي عدّت العالم قرية صغيرة، يمكن لحركة المال والبضائع والأفكار أن تنتقل بين أنحائه بسرعة لافتة.وفي السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بفرق أشبه بشركات رياضية عابرة للقارات، فأندية مانشتسر يونايتد وبرشلونة وريال مدريد تمتلك قواعد بشرية ومدارس لتعليم الكرة للصغار، ولاعبين من مختلف أنحاء العالم وتتعاون مع جهات راعية وشركات للدعاية، فالانتماء والتعصب لريال مدريد مثلاً لم يعد حكراً على سكان حيّ في مدريد أو مشجعين من إسبانيا أو الدول التي تتحدث الإسبانية، وفي إمكان المتابع أن يشاهد قميص الريال التقليدي الأبيض يرتديه مراهقو أي مدينة في آسيا أو إفريقيا. باتت فرق الدوري في دول العالم أهم بكثير من منتخبات بلادها بعد الاهتمام الكبير في السنوات الأخيرة، وهذا ما يفسّر تهاون لاعبي الكاميرون في أدائهم رغم أنهم ليسوا مبتدئين، وبات واضحاً في أداء المنتخب الإسباني، فلاعبو الريال مثلاً لعبوا بحماسة 95 دقيقة في نهائي أبطال أوروبا ليحققوا الهدف الذي قاد إلى الفوز، بينما يلعبون دون اهتمام مع منتحب بلادهم.بدأت تباشير العولمة رياضياً، فقد خفت الحماسة القديمة التي تغذي الجماهير بالأدرينالين القومي مع مشاهدة الفريق الوطني في الحروب الرياضية المقدّسة.
466
| 24 يونيو 2014
تخلى الغاوون عن أبناء الحرف في هيامهم المديد في أودية الحداثة المغدورة، وذهبوا جميعاً إلى ملاذ العالم المتجدّد؛ نهائيات كأس العالم في كرة القدم، في دورتها الحالية التي تقام الآن في عاصمة كرة القدم البرازيل. ترتبط كرة القدم بالسياسة في وجوه متعددة، إذ تعدّ وجهاً من وجوه النزاعات والمنافسات بين الأمم، و قد تعبّر عن التناقضات المحلية في الدول متعددة الأعراق والمذاهب كما حدث في يوغوسلافيا سابقاً، حين كان الصرب والكروات ينفّسون عن الضغائن المعتملة بعبارات الشتيمة في مباريات الدوري المحلي بين النجم الأحمر الصربي ودينامو زغرب الكرواتي، ناهيك عن مباريات (الديربي) بين فريقي المدينة الواحدة، وربما كانت تلك المباريات تؤجج هذا الصراع، وتنذر بحرب أهلية في بلدان العالم الثالث بخاصّة. على أنّ جماليات كرة القدم وكأس العالم تغري الكتاب والأدباء والشعراء وكتاب المقالات السياسية والأعمدة اليومية بالحديث عن ذلك الصخب والنقاش الذي تسببه مباريات الكرة، يمكن أن نتذكر في هذا المجال قصائد لمعروف الرصافي وأحمد الصافي النجفي، وروايات وقصص لعزيزنيسن ومجيد طوبيا وعبدالله العرويوإدواردوغاليانو، في حين تمّت الإشارة إليها في كثير من روايات ماركيز كخريف البطريارك وألبير كامو في الطاعون.لا أدري إن كان رأياً شخصياً أم أنها حقيقة في أن كأس العالم 1982 التي أقيمت في إسبانيا من أجمل النهائيات التي أقيمت في الربع الأخير من القرن الماضي، وكذلك السنوات التالية من القرن الحالي، فقد ارتبطت بأكثر من حدث خارجي كاحتلال بيروت، وأثر ذلك في التعاطف العالمي مع العرب، وكذلك الأداء الجزائري المتميّز وبخاصة حين هزموا الألمان، الذين تآمروا مع النمسا لإخراج الجزائريين من البطولة. لكن الجمال الخالص تمثّل في الأداء الساحر لفريق البرازيل الذين حفظنا أسماء لاعبيهم لسنوات وتتبعنا أخبارهم حتى في الحياة العامّة، لم تكن كرة قدم فحسب، كانت قصائد شعر، ومنازلات عسكرية، بالإضافة إلى أنها مباريات كرة، كان فريق البرازيل كتيبة صغيرة خرجت من الأوديسّة للتو، تقارع بجانب آخيل جيش طروادة.. حفظنا أسماء سقراط وفالكاو الشاميّ (من جهة الجدّة) وإيدير وزيكو، ولا أدري إن كانت جرعة الإعلام الرياضي الزائدة، التي وصلتنا بتقديم مختلف، حيث يصرخ المعلق بعد كلّ هدف مع توقيع يملأ الشاشة، تؤكد أن النتائج محسومة لأفضل فريق في العالم. هزم العرب في بيروت وفي إسبانيا وهزم الجمال الكروي المتجسّد في الفريق البرازيلي، وصرنا نماهي بعد حين بين بلومي وعصاد وماجر وبين أبطال الفداء في بيروت، نماهي بين مجزرة صبرا وشاتيلا ومؤامرة الألمان والنمساويين، نماهي بين جمال لبنان السليبة وجمال البرازيل على أرض الأندلس.
1259
| 20 يونيو 2014
كانت تجربة مثيرة؛ خططنا لها مبكراً، وعلى مدار عام دراسي كان طلابي قد عرفوا "امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى وحسان بن ثابت وجرير والفرزدق وأبو تمام والبحتري والمتنبي وأبو فراس الحمداني وأبو العلاء المعري وأحمد شوقي وأبو القاسم الشابي وعبدالله البردوني ومحمد إقبال..وغيرهم".كنت آخذ قرابة خمس دقائق من أوّل الحصة، أقرأ فيها عليهم بيتاً ممّا أستجيده من عيون الشعر العربي، مطالباً إياهم باستظهاره، وكانت التجربة الوليدة تتّسع وتكبر، فخصصنا دفاتر تكون أمالي نعلّق فيها على البيت بشرحٍ أو إعرابٍ أو طرفة بلاغية، كانت أشبه بتحليل في الأبيات الأخيرة، وبخاصة بعد أن تمثلوا معايير عام كامل، بل أضفنا إليه شيئاً من العروض بعد أن تعرفوا البسيط والوافر والطويل.أظنها تجربة جديرة بالذكر، والمناقشة من قبل أهل الشأن التربويّ، فقد كان الشعر مادة التعليم الأولى في العصور المتقدمة، ولهذا كانت المفضليات والحماسات والمنتخبات، التي انتقت من العربية ما يصلح أن يكون مادة يتربّى عليها الجيل. فقد كان الشعر سامر الحيَّ وشاهد الحكمة وبياناً ساحراً بحسب الحديث الشريف:"إن من البيانِ لسحراً"، ومنهج تعليم بحسب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "مُرْ مَن قِبَلك بتعلم الشعر فإنه يدلّ على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب"، وكان الشعر مرجعاً وعوناً في شرح البيان الإلهي الذي تنزل بلسان عربي، كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله ولم تعرفوه فابتغوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب".ولم يكن بعيداً عن المسجد، إذ جاء عن جابر بن سمرة رضي الله عنه "جالستُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الأشعار في المسجد وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم". كانت الاحتفالية الصغيرة إحدى أهم المخرجات التي ترجمت حبّ طلابنا للغتهم وأمّتهم، كان طلابنا يتنافسون لحفظ الأبيات ويتمثلونها في دفاترهم، ويتسابقون في طرح الأفكار في أن تقدّم عرضاً شبه مسرحي لقراءة الأبيات التي نالت استحسان الحاضرين.. وفي مدرستي التي تهتم بالفنون كطريقة للتعليم كان الزملاء المعلمون والفنانون في الرسم والخط العربي والمسرح والموسيقى يقدّمون الاقتراحات المفيدة والتشجيع المستمرّ، لإنجاح احتفالية "الشعر ديوان العرب"، وقد كان.التعليم في ذاكرة المتعلمين حكايات وقصص، ولعلّ ما بقي ممّا تعلمنا تلك النصوص الشعرية الخالدة، التي استظهرناها غير مرّة في مناسبات استدعتها، ولعلّ من سبقونا قد حفظوا هذه الجمهرة، فلا يكاد أحدهم يستذكر :"الخيل والليل.. حتى يكمل رفيقه والبيداء تعرفني.."، ولا يكاد أحدهم يترنّم :"إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. حتى يردّ عليه جاره فلا بدّ أن يستجيب القدر".كان الشعر العربي مادة سمر العربيّ ومازال، فالمهتمون بالشعر اليوم أيضاً لهم مفضلياتهم الحديثة في شعر نزار وعبدالصبور والسياب وغيرهم.. ولهذا يجب أن نهذي بالشعر حتى وإن لم يعد ديوان العرب.
1029
| 03 يونيو 2014
يعيد الشاعر اللبناني شوقي بزيع أسئلة الشعر الحائرة حول عمر الإبداع وآلته، في اللقاء الذي أجراه معه ملحق السفير الثقافي، هذا الأسبوع، ويكاد يتقاطع مع الناقد الجمالي هربرت ريد في تراجع الإبداع مع التقدم في العمر: "يسير الشعر عكسياً مع الرواية، فالأول يتطلب هيجاناً في العروق وغلياناً في الأوردة وصهيلا في الروح، في حين أن الرواية تحتمل بنسبة كبيرة على التذكر والاسترجاع والحياة المنطقية"، ويرى صاحب " قمصان يوسف" و" سراب المثنى" أن الكثير من الشعراء يخلدون إلى الصمت بعد الخمسين من أعمارهم والكثير الآخر يكررون ما سبق لهم أن قالوه، والقلة القليلة وحدها هي التي تنقلب على نفسها باستمرارـ والكلام لبزيع ـ الذي يرى الاستمرار في الكتابة :"ليس ضربا من ضروب المكابرة ولا هو غاية بذاته بقدر ما هو حاجة إلى الانقلاب على النفس وتأثيثها بما هو مغاير ومباغت".يهجس شوقي بزيع خطا الجمالي الإنجليزي هربرت ريد وهو يقف على ذبول شعرية مواطنه ووردز وورث فيعيد هذا الذبول إلى دورة الحياة التي تضع الشاعر بعد الأربعين في الحقل العقلي الأخلاقي، حيث تتراجع نزوات الشباب وطيشه، وكأن الأخطل الصغير مواطن بزيع أدرك هذا قبل نصف قرن:" أيومَ أصبحتُ لا شمسي ولا قمري* من ذا يغنّي على عودٍ بلا وترِ.. ما للقوافي إذا جاذبتها نفرت* رعت شبابي وخانتني على كبري" والأمر مختلف في مصر وسورية، حين ضاق النقاد الشباب ( العقاد والمازني) ذرعاً بهيمنة شوقي وحافظ فتصدوا لهما نقدياً، وفي سورية كتب بعض الشباب تسعينيات القرن الماضي يطالبون نزار قباني بما أسموه "التقاعد الأدبي".يقول بزيع إن الخوف من التكرار:"دفعني إلى الصمت خمس سنوات كاملة ما بين 85 ـ 90 من القرن الماضي، أي بعد أن شعرت بأنني أتحرك في أرض شبه محروثة، وبأنني أحتاج إلى فضاءات أخرى لقصيدتي تتجاوز موضوعات المقاومة والمرأة والحنين إلى مسقط الرأس"، مشيراً إلى قصائده القديمة الممزوجة بعنفوان اللغة وحرارة العاطفة مثل قصيدته كيف تصنع قطرتان من الندى امرأة، ومرثية كمال جنبلاط، ومرثية بلال فحص، فهو يرى أن :"الشعر لا يكمن في الاستسلام للغة وتركها لكي تجرفنا إلى حيثما تشاء، بل يكمن أحياناً في مقاومة إغواء اللغة ومنعها من التدفق العشوائي".وشوقي بزيع آخر نايات لبنان بحسب تقديري يلتفت إلى شغب مجايليه في قصيدة النثر، وكما جاء في اللقاء:" رأيت في «قصيدة النثر» اقتراحاً جديداً وشديد الأهمية على لغة الشعر لأنها بتخففها من المسبقات الوزنية وغيرها تستطيع أن تقارب الحياة في أكثر جحورها حميمية وألفة وسرية.. إنها تبحث عن الصورة الخالصة والمعنى الخالص لأنها محكومة بالكثافة والإيجاز وبالمباغتة الدائمة للقارئ وإلا سقطت في النثر العادي".
1885
| 27 مايو 2014
لعلك لم تنم، الطيران لعبة قديمة، الخوف وحده جدير بمرثيتك، الأخضر سهلٌ بعيد ولكن في الذاكرة، ستعترف أنك لم تنم، فلا تغمض روحك إذاً، خمسة أصابع لاتكفي لتلوّح بخفّة، جسر من النار لايكفي لوصولك إلينا، أنت لم تنم، لأن كلّ هذه الأحلام هربت من فلاشة صغيرة تحت رأسك، لم تنم والمطر أفسد الرسمة الوحيدة، أنت لم.. كلما قلت جفّفوا روحي لأنام. وأنا لم أُرد أن أوقظك، لم أشعل الضوء الوحيد، أو أفتح الثلاجة لآكل شيئاً، روحك بردانة يا أنا، الليل أكمل الصف السادس ونجح، الليل عريف السهر، جاسوس صغير لم نحقد عليه جيداً.. حين تنام سأغطيك بجريدة، حين تنام سأعيد إليك فلاشتك، حين تنام سآخذك إلى القرية، أمّي قد تكون هناك، النوم فتنةٌ، لماذا لا تنام؟ أريد أن أعود إلى القرية.وقلت له: يا عبدالله أنا رجلٌ قريب الدمعة، تكسرني شهقة ناي، فاتركني هنا، الظعائن غادرتني وأنا مغمض العينين والروح، شربت معكم ماءً لم أخنه، وتنفست ليلاً لم أذق منامه، ونجوت من الحرب كأيّ جبان. لم أكن مقاول أنفار، له على كلّ رأسٍ فلس، ولا شجرةً أظلّت أمير حرب، أنا رجلٌ بكى سفينتكم منذ أول خرق، أهرقت ليلي لأعيد الأحلام المصلوبة إلى الحديقة، صرخت مع البيوت التي دُكّت، و النجوم التي طلعت، لم أقبض قبضة من أثر الرسول، توكّأت على ما بقي منّي، و"تناوشت" رغيفاً من وراء تنّور، وانتظرت قوافل العنب والبطيخ الذاهبة إلى حلب. **البنت "الطالعة من بيت أبوها" عذّبت حارة بكاملها، سبعة بيوت وضعت كل ثلج براداتها في سطول الماء، هذه ليست زفّة.. قالت عجوز، هذا يوم محشر.القنبلة " الطالعة من بيت أبوها" راحت إلى بيوت الجيران.. وحضرنا زفّات كثيرة، وكانت حلب عطشانة، أين الماء يا بنات ؟ قال لي: في سوريّة لم ينتصر أحد، الجميع خاسر، ولكن ثمة خاسرين نُبلاء، وخاسرين سفلة، أبحث من أوّل الحرب عمّن تعثّر بالحرب فانتصر لروحه، وعمّن ابتلته الحرب فظلّ مرابطاً على (دين الحبّ أنّى توجهت ركائبه).. هذا الفالق العظيم لن يلتمّ إلاّ بالمحبّة. **كان أبي يتأخر دائماً في العودة من البلد؛ هكذا كنا نسمّي القامشلي.. بعد غروب الشمس كنا ننتظره على الطريق، وما إن تتهادى سيارة أو بيك آب قادما من الغرب بضوئه الشحيح، حتى كنّا نتأهب للركض مستقبلين رجلاً يحمل أكياس الخبز والفاكهة.رحل أبي وظل الانتظار على أرصفة الغروب في انتظار إخوتي العائدين من الدوام المسائي في الطلائع وتشرين والعروبة.. بعد سنوات تركت لأمي طقوس الانتظار لأولاد ذاهبين إلى المدن البعيدة للدراسة الجامعية والعسكرية والعمل.منذ ثلاث وأكثر.. ها أنا أنتظر سورية الذاهبة إلى البعيد (غابة مليانة بالضباع والواوية).. على أرصفة الغروب، أغنّي للعائدين من المدارس والحرب بأكياس الفاكهة والشهداء.
402
| 20 مايو 2014
سحلتها الذئابُ/ يقول المؤرّخ/ ثمّ ارتمت فوق جثّتها جوقة من ضباعٍ/ ثمّ هرّت كلابٌ/ وعاث ذبابُ/ ثم ران على المشهد المتداخلِ صمتٌ وليدُ/ قيل صمتٌ/ ولكنه فرصةٌ كي يقرّ القرارُ الأكيدُ/ لا مكانَ لنابٍ ولا ظُفُرٍ في المكانِ، ثمّ مصلحةٌ لقليلٍ من الدودِ/ قلت معتذراً للضيوف/ ها أنا مطرٌ فوق قرطاسةٍ بللتها الحوادث يا سادتي، ها أنا وجعٌ عبّ ناياتكم، ومشى، مثل مرثيّةٍ ظللتها السيوف/ يا أليف الحتوف. **ولسنا سبعةً/ لتكون ثامنَنا/ لست خيمتنا/ لنشد أضلعنا بجلدك/ يا غريب. **من هنا مرّت الغزالة/ قال العشب/ من هنا مرّ المطر/ قالت النملة/ من هنا مرّت الكارثة/ قال المذيع/ من هنّا مرّت سوريّة/ قال 2011/ وردّد معه 2012 و2013/ من هنا مرّت الوردة/ قال العاشق/ من هنا مرّ حذاء/ قال الرصيف/ من هنا مرّ الربيع/ قال العسكر/ من هنا مرّت الطائرة/ قال حطام البيت/ من هنا مرّ الشهيد/ قالت النجمة/ من هنا مرّ شرطي المرور/ قالت الإشارة الحمراء. **هذا هو الشمال أمامي/ في الخريطة/ هذه أمي تبتسم بوهن/ في الصورة/ ها هم يضحكون ويركلون الكرة وينقلون الموسم إلى المدينة/ في الذاكرة//الشمال ممكن. **على مصطبة الليل/ أتفقد الشمال كراعٍ/ أهش على نجمة القطب/ لعلها تعكس صورتك/ أقلّب الغوغل أيرث/ سالكاً الشوارع التي توصلني إليك/ على مصطبة الليل/ أبحث عن هدهد يأتيني بأخبارك/ عن جنيّ/ يأتيني بكِ/ قبل أن يرتدّ إلى طرفي. **ويا ليلى/ الصباحات ركضت وراء جديلتك/ الصباحات وحدها هناك/ كانت تركض/ الصباحات التي نشفت/ بعد كلّ هذا الغيم. **البحر بيضحك ليه"/ لم يكن ثمة "قلل"/ لم تكن ثمة فتاة/ لم يكن ثمة بحر/ البحر الخفيف كان يضحك بهدوء/ وأنا أقرأ " عللاني فإنّ بيض الأماني/فنيت والظلام ليس بفانِ"/ البحر الخفيف/ بحذاء رياضة/ يركض على الشاطئ/ كلّ صباح/ حاملاً ديوان أبي العلاء/ ومعلقة الحارث بن حلّزة/ لا نعم لا / لا لا نعم / لا نعم لا/ لا الطائرات ولا مدافع الهاون كانت هناك/ هذا بحر خفيف/ قلت لك.
726
| 13 مايو 2014
السؤال ذاته الذي سأله عنترة قبل خمسة عشر قرناً، والذي بدأ منذ طفولة الشعر العربي، حين صرخ أحدهم :" ما أرانا نقول إلا معاداً"، برغم المكانة الحيوية للشعر العربي الذي شهرته الحروب، و فواصل السلام العابرة المسماة بالأشهر الحرم.لم تكن جائزة عكاظ ولا النصوص الشهيرة قادرة على معالجة التراكم الإبداعي الذي وصل بالشعر إلى أنساق مستنسخة فقد براءة الشعر الأولى، ويبدو أن نزول الإسلام بلغة جديدة (لغة القرآن الكريم) وثقافة مغايرة، قد أنقذ الشعر العربي من إعلان إفلاسه، فقد سكت الشعر العربي وهدأ عنفوانه قرابة نصف قرن، كان فيها البيان الجديد مثار اهتمام وجدل وبناء وإنتاج، كان البيان القديم فيه معياراً لفصاحة، وشاهداً وخادما.وما إن ترحلت الدولة الممتدة نحو الأمصار المفتوحة، وخالط العرب العجم، وتركوا جزيرتهم، حتى بدأت القبائل في البصرة والكوفة ودمشق والأندلس، تتلمّس حياة جديدة لبيانها القديم، في الهجاء (المسرحي) ومديح الخلفاء، والغزل، وهو ما أجمله الفارابي بالنَّهم والكُدية.ولكن حركية التاريخ الغامضة كانت تشهد فصلاً جديداً لموات الشعر بثوبه الرسمي، رغم اتساع مداه، وتجويد شعرائه، فقد غادر الشعر جمهور الغاوين إلى فنون أرحب، تجمعت كمزيج لثقافات متعددة، وسرى مصطلح ( العامّة والخاصّة)، وبات الشعر الرسمي حبيس قصور الخلفاء والوزراء والولاة، وبدأت تتخلق ألوان جديدة من الأدب تجد فيها العامة ذاتها، كالمقامة مثلاً. قبل أن ينفرط عقد الأمة والشعر معاً سنوات مديدة. يجب أن ننصف مرحلة اللامركزية والإمارات المتناثرة التي استعادت دور القبيلة الجاهلية في نهوض شعريات عالية، كالمتنبي. شهد القرن التاسع عشر في أواخره مناخاً صالحاً لقصيدة اختزلت الشعر العربي في قممه واستطاعت تمثل عبقرياته بنصوص جديدة واكبت الروح العربية الناهضة من رقدة القرون الماضية، وساعفتها الحداثة الأوربية بمدها بنسغ جديد، ظهرت ثماره في الجيل الثاني مع الربع الأول من القرن العشرين.ولكن سؤال عنترة ظل قائماً، مع خفوت روح النضال العربية، وتداعي البنى القومية التي وضعت لبناتها أجيال الآباء في القرنين الماضيين، وولادة أشكال متعددة لفنون التهمت الكفاءات الإبداعية من جهة، وأخذت الجمهور الشعري إلى غواياتها.في الربيع العربي بحثنا عن قصيدة جديدة، قصيدة تهدّ وتبني، وتزيل الغبار عن العادي والمكرور والنمطي، قصيدة تتجاوز، وتعود إلى قارئها القديم، ابن القبيلة أيام طرفة بن العبد، وابن المدينة الذي يحضر أمسية أحمد شوقي أو عمر أبو ريشة ويتفاعل معها، قصيدة تغادر صومعتها في جريدة أو موقع أو ديوان طبع منه خمسائة نسخة.. إلى جمهور يغنيها، ويستشهد بعبارات منها.خيبات الربيع الكثيرة حافز للأدب، ولطالما هزّت المآسي ضمائر الكتاب، فغادروا أفقهم إلى آفاق جديدة، وهذا ما نعوّل عليه في هذه الأيام.
441
| 06 مايو 2014
برحيل ماركيز يقف المتبصرون في الرواية على خريطة هذا الفن الذي استوعب فضاءات العصور الحديثة، وأرسى بنيانه في جميع ثقافات المجتمع الإنساني الجديد، وظل مبعث الفضول في قراءة الشعوب.يأتي اهتمام العرب بغابرييل غارسيا ماركيز، لأنه يقرأ مجتمعاً قريباً من مجتمعاتنا، مازالت بناه الثقافية والاجتماعية تلتقي والبنى الثقافية والاجتماعية العربية، بالإضافة إلى ميسم الواقعية السحرية الذي وسم تجربة أبناء أمريكا اللاتينية في الثلث الأخير من القرن الماضي، التجربة التي أدهشت العالم منذ بيدرو بارامو للبيروفي خوان روولفو وما تلاه من تجارب لجورج آمادو وماركيز وبورخيس وغيرهم، وقد بثوا في الواقع البائس الغرائبية والأساطير، وأنتجوا أدباً يقترب من روح الشرق، شرق ألف ليلة وليلة، ومصباح علاء الدين وغيره.ورغم الإنتاج الروائي الغزير في العالم، فإنّ التجارب ذاتها لم تنتظم في حقول تصنيف منضبطة، إذ تلت موجة الواقعية السحرية، موجة قصيرة لم يكتب لها النجاح بعد سقوط المعسكر الشرقي، وأقصد به أدب المنشقين الذي يمثله التشيكي ميلان كونديرا والروسي سولجنستين، وعربياً وبعد رحيل جيل الرواية الكلاسيكية، يأتي جيل شاب أنجز أعمالاً عن الحروب الأهلية وسقوط الأنظمة القديمة والأيديولوجيات والهجرة والاستعمار الجديد، بالإضافة إلى الرواية النسوية التي لا تزال ترفع مظلومية المرأة، وتهب علينا من حين إلى آخر عبر نوبل وبوكر أعمال روائية قادمة من الشرق الأقصى كأعمال الصيني مويان، ومن إفريقيا أعمال مختلفة تثير قضايا الاستعمار والتخلف والتمييز العنصري، وإلى حد قريب تبدو الروايات التي وصلت من قارة الهند التي تعلو فيها نبرة استعدائية حادة ضد الأديان، وتلبي رؤى استشراقية ظلت معاييرها ثابتة، كما فعلت روايات سلمان رشدي وتسليمة نسرين، وإلى حد قريب روايات نايبول ذي الأصول الهندية. وكما هي روايات أبناء المستعمرات عموماً التي تصلح أعمال الطاهر بن جلون مثالاً لها.وبرغم أن العالم قبل سنوات قليلة مفتون بنماذج فردية قد لا تشكل مدرسة، كالبرازيلي باولو كويلو المولع بالروحانيات، والفرنسي من أصل لبناني أمين معلوف الذي يعيد سيرة سلفه جورجي زيدان في تمثل التاريخ من خلال الرواية، والأفغاني خالد حسيني في الكتابة المدهشة عن أفغانستان ما قبل الحروب الكارثية وأفغانستان المدمّرة اجتماعياً بعد الحرب. إضافة إلى روايات أخرى ذهبت إلى التاريخ الديني في أوروبا وأمريكا وجمعت بين البوليسي والتاريخي والديني كاسم الوردة لإمبرتو إيكو، وشفرة دافنشي لدان براون.في رحيل ماركيز نقف على تخوم الرواية في تمددها الأفقي في مسارب الثقافات العالمية، وعلى آفاقها الجديدة التي لم تتخلّق بعد، في نزق المشهد وضيقه بالقديم شكلاً ومضموناً، مستمداً من صاحب مائة عام من العزلة وخريف البطريارك والحب في زمن الكوليرا شهية القبض على ملامح الأفق الجديد، النائس بين غوايات الجوائز، ودور النشر، والتوجهات القرائية المتحوّلة.
333
| 22 أبريل 2014
منذ بيت ميسون بنت بحدل، الذي تخفق الأرياح فيه، كانت مفردة (بيت) تتسلّل إلى الشعر، بغض النظر عن مصطلح الوحدة الشعرية الأصغر التي تسمّى البيت.. فقد كان البيت حاضراً في الوحدات التعبيرية الأولى في الرسم السامي للحروف، الذي اختار رسم البيت لتمثله حرف الباء ثاني حروف الهجاء في معظم أبجديات العالم، وتطلق على الكعبة الشريفة في أكثر من وصف كالبيت العتيق وبيت الله الحرام، كما جاء في قوله تعالى: "إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة". كان البيت مرادفاً لكلمة (أسرة) أصغر وحدة ديمغرافية في تكوين مجتمع، وحلّت محلّها في التوصيفات الجديدة للبنى الديمغرافية الصغيرة في المدن العربية بدل عائلة أو أسرة أو قبيلة، ولكن البيت المقصود لذاته لم يرد بكثرة خلا مرات قليلة كما تغنّى الأحوص ببيت عاتكة أو بحمولة رمزية واضحة، كبيت الشعر الأثير: "العلم يرفع بيتاً لا عماد له// والجهل يهدم بيت العزّ والكرم".. وربما تعثر القارئ بالبيت الحقيقي المكوّن من جدران وباب وسقف، في طرائف بشار بن برد: "ربابة ربة البيت" أو في مقامة الهمذاني البغدادية: "وهلمّ إلى البيت"، إيذاناً بانتقال القصيدة من الصحراء إلى المدينة، وتحول الخباء إلى مسكن مكتوم، فقير الفضاء، لا تلاعبه الريح، وليس قصراً منيفاً في الوقت ذاته، يقف صفاً مع بيوت أخرى على دروب ضيقة تسمى الشوارع، كما كان فضاء القصيدة يضيق على الشعراء الذين زهدوا بطلليات الأسلاف، وبحثوا عن مواضيع من عصرهم، احتاجت إلى أشكال جديدة أيضاً، بيوت هي القبور لأنها بيوت العاجزين عند ابن دراج القسطلي الأندلسي. وفي العصر الحديث، ومع التفات القصيدة إلى واقعها، استضافت القصيدة - التي هجرت حقل البيت الشعري- مفردة البيت في نصوص السياب والبياتي والقباني ودرويش، بيوت الحارات العتيقة، والقرى الفقيرة، البيوت التي ملأت شعراءنا بأسباب التذكر، وصار هجرها موتاً لها بحسب الدرويش: "البيوت تموت إذا غاب سكانها"، وربّما كانت القصة والرواية أكثر حفاوة من الشعر في هذا الجانب، فتلتقي عناوين مختلفة في الحديث عن "بيت مزدحم بالغائبين" للشاعر تمام تلاوي، إلى جانب "بيت الأشباح" لإيزابيلا الليندي، و "البيت الأخضر" لماريو فارغاس ليوسا، مروراً بعدة روايات أقل شهرة، تعطي انطباعاً عن ولع الأدب الحديث بهذا المكان.قبل أن يجدها الشاعر الحديث في أن لغته هي وطنه، كان الشاعر الجاهلي يتخذ من قصيدته أبياتاً، ومن نصوصه مخيّماً واسعاً لقبيلة كبيرة، ولكن البيت الحقيقي الأثير عنده كان بيت القصيد، قبل أن نبحث عن بيوت للإيجار، وقبل أن تجد الطائرات والصواريخ حكمة: "من هدّ وجد"، ويعود العاجزون إلى الخيمة الأولى، حيث تلعب الريح، ويلهو المطر.
433
| 15 أبريل 2014
ولأن حلب كانت مدينته، ولأنه قضى فيها تسعاً لم يتممهنّ بعشر، فقد كان أبا الطيب صاحب الرمح والقرطاس، والفتكة البكر، ولأنها حلب التي مكنته من منبر المجد والخلود، فقد جرت على لسانه، غير مرّة، ولكن بعد رحيله عنها، فهكذا الحبيبات لا يباح بأسمائهن، لأنهن يسكنّ منطقة السرّ القصيّ، الذي لا نصله إلا على مركب الموت، وحلب الآن مدينة تتقاسمها السيوف والحتوف، متحف الجوريّ، ومستراح الهيل والمسكة والزعفران قبل أن تمضي القوافل غرباً نحو البحر. كان أبو الطيب يستريح بعباءته البدوية هناك، واقفاً في ظلّ عمارة عالية، ينتظر قافلةً ذاهبة إلى العراق ليزور جدّته، كان الصباح طريّاً، والنساء العفيّات يقفن على التنانير بعجينٍ وأغانٍ، وكان أبو الطيب باحثاً عن حسن الحضارة المجلوب، فينسى طحين ابن كلثوم إلى حين، ويسأل عن رحى السوريين، فقد تزاحم على حجريها أهل الشرق والغرب، وباتت لهوتها " قضاعة أجمعينا"، ولكن الخبز الحلبيّ (الطابونة) في ذاك الصباح أنسى الرجل القافلة، وكأن العراق الذي فيه كلّها تنادي: " من ورا التنور ناوشني رغيف". وحلب رغيف لا ينقص، وإن تعثرت بالقحط والحرب، حلب تبتكر لكلّ موت ألف حياة، ولكلّ عاصفة نشيداً، ولكل ربيع خضرة، وحلب التي احتملت عنفوانك يا أبا الطيب، ومسّدت لك أعراف النصوص وخضبت لك أسباب الحياة، فصرت تنام قرير العين، تسعى إليك المعاني في الثغور، وموج المنايا متلاطمٌ، والقنا يقرع القنا، وما يفهمُ الحّداث إلا التراجم، كان الموت الحلبيّ شهوة غريب من أبنائها هجرها شابّاً، فأخذت بألباب ذكرياته، وكانت الحياة طيبة، فهم السمّيعة وأهل الذوق. والآن.. أكاد أشمّ من تنّور الموت ذاك الطعام الغريب، أشمّ الردى غير ما ألفته عافية الأمم، وغير ما أبقته شيمة الحرب، فليس الكريم على القنا بمحرّمِ، والآن.. يمكنك أن تخطف نصوصك إلى أقرب ملجأ، أو مخيم نازحين، يمكنك أن تسأل عن جدّتك في أيّ مستشفى ميداني، أن تسأل عن خصوم الأمس وأعداء الكار، عن ابن جنّي وأبي علي الفارسي عن أبي فراس، عن كشاجم والفارابي، عن البلاط والعرش والخيل المطهّمة في انتظار الغارة، والسيوف في أيدي الحدّادين الذين يملأون سمع المدينة بإيقاعات تتدبّر لكل حربٍ نشيدها. ستجد أن الخيول لبست أجنحتها وعادت إلى أهلها بالبراميل، وأن السيوف استحالت سواطير.الشيخ الذي سئم تكاليف الحياة، أخبرنا أن رحى الحرب رهيبة، والشاب الطائي الذي أوجعه مصاب أهله من ربيعة الموصل رأى أنها تقتّل من وترٍ أعزّ نفوسها ما تكاد تطيعها، وأنا هنا ألوّح لكم من بعيد.
912
| 08 أبريل 2014
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1371
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1332
| 08 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
804
| 13 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
786
| 11 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
618
| 08 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
597
| 14 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
588
| 12 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
570
| 09 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
552
| 12 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
549
| 09 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
489
| 14 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
438
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية