رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن لم يحدث طارئ، فإن هذه الرسالة ستصلك في اليوم الأخير لك على أرض الواقع، قبل أن تمسي تاريخاً، ويشار إليك كعامٍ فارط، سيثبتونك كأرنب على لوحة التشريح، ليروا رئتيك وقلبك ينبض، ثم يرمونك بهدوء.سيشتمونك طويلاً، قبل أن يستدركوا:" نعيب زماننا والعيب فينا" ويتزلفون إلى عامٍ جديد، يقيمون له الاحتفالات مثل والٍ جديد، ويبحثون فيه عن حظوظهم. لن يلتفت إليك أحد، فأنت مجرد موظف أحيل الى المعاش قبل قليل، لن يعبأ أحد بدموعك، ولن تقف الحياة عند أيامك، أنت عجوز فائض عن الحاجة، أنت مجرد غيمة سبحت في الفضاء ثم آن لها أن تذوب.يا صاحبي الـ2014؛ رفقاً بنفسك، فقد أخذت نصيبك من الدم والرحيل، كانت حصتك كبيرة من الجثث والقبور والآلات، أخذت نصيبك من الإحن والضغائن، أيها الـ2014 صمنا معك عن الأخبار الجميلة، وتعثرنا معك بالبلاد التي كانت خضراء، رأيناك تغصّ بالموتى وتذرف الشهداء، سمعناك تصرخ: "ليس في وسعي إطعام كلّ هؤلاء" سبحنا معك وراء كلّ سفينة، وحملنا لك الحجارة وراء كلّ جدار، مشينا وما استطعت وما استطعنا صبراً، ففي الحمى ألف حجاج وألف نيرون، وفي المدينة رهَطٌ يبحثون عن كهف، ونخلة تبحث عن شمس.يا 2014؛ سأشكرك على أية حال، ربّما لأنك لم تركل الكرسيّ تحت الضحية، ربّما لأنك لم تغلق الكوّة الأخيرة في الجدار، ربّما لأنّك لم تخنق الأمل، سنشكرك على أيّ حال، متناسين أيامك الصعبة، متناسين أنّ الموت هو جداء حيواتٍ عظيمة، وأنّ الحياة التي لم نكن جديرين بها كنّا جديرين برثائها، متناسين أنّنا نتنفّس من تحت الكارثة، وأنّنا رغم هذا الغرق العظيم نملك أكثر من سبب لنحيا.لك علينا واجب الوداع، ولك منّا ابتسامة مودّع مجبر على ألاّ يركض وراء السيارة وهي تمضي، السيارة التي أقلّت شهيداً ونازحاً وقسمت بينهما مؤونة الرحيل، لك أن نذكرك محتضناً جمرة الحرب ووردة الأمل، ملوّحاً للقطار العابر، فمحطّتك — وإن توقّفنا فيها ونصبنا خيامنا، واجترحنا ليلاً جديراً بالغناء، وزففنا طفلة الحياة لابن الموت، وركضنا طويلاً في ردهاتك — محطّتك سوقٌ ريفيّ غادره الباعة الجائلون آخر النهار.الجميع سيمضي متلمّساً شيئاً ما في المحطة القادمة؛ أسناناً جديدة، رتبة عسكرية، ثياباً، مخيمات بعيدة، مجازر تنعش الفضائيات وسوق المبادرات السياسية، فمن سيفتتح الغناء؟ من سيشجّعنا على البكاء؟ من سيخرج العمل؟ من سيبقى في الحلقة الأخيرة؟ من سيشاهد الحلقة الأخيرة؟
358
| 30 ديسمبر 2014
كان أسبوعاً غنياً بالمناسبات، عشته كاتباً ومعلماً، وحظيت فيه بأكثر من تكريم، فمن فوز لطالبي في مجال الإلقاء، وقراءته الجميلة أمام محفل رسمي وتربوي قصيدة حافظ إبراهيم الخالدة في اللغة العربية بمناسبة اليوم العالمي للغة الضاد، إلى تكريم سعادة وزير الثقافة للمبدعين في قطر، إلى تكريم الفريق المدرسي الذي أشرف عليه بأفضل تغطية صحفية لفعالية درب الساعي المقامة في إطار الاحتفالات باليوم الوطني وبالتعاون مع جريدة الشرق بيتي الثاني الذي أقيم فيه منذ عقد ونصف.للفوز طعم جميل يعيدك إلى طفولة مختبئة تبحث عمّن يلوّح لها، وفي التكريم هناك ألف سبب وسبب لتفرح، على الأقل لتخرج من حالة الوهن والحزن المزمن الذي تعيشه كشاعر أوّلاً وسوريّ ثانياً، على الأقل لتنسى ولو للحظات الموت والدمار والقصف والنازحين واللاجئين، لكي تقول مثلاً إن السوريّ قادر على الإبداع في أشدّ الظروف قتامة وحلكة.منذ زمن بعيد، خفتت اللهفة والدهشة، بات اللهاث اليومي وراء واجبات الوظيفة والالتزامات ديدن الإنسان المعاصر، باتت لحظات الحلم قليلة، والآلة التي استزرعت في داخلك تعمل بدأب، ودون أدنى عاطفة تقريباً يرتدي المرء يومه، في سيرورة سيزيف نحو آخر اليوم يدحرج صخرة الواجب اليومي إلى منتهاها.في أخرياته صرّح الشاعر العراقي الراحل عبد الوهّاب البياتي كيف يستطيع عامل مكدود ينام مبكراً أن يستشرف الغد ويحلم ويكتب القصيدة، ويقول مواطنه وصديقي الدكتور باسم عبود في مقال عمره أكثر من عشر سنوات: كيف يستطيع الشاعر أن يقود سيارة، ذلك أن (سَرَحانه) الطويل وراء الصور كفيل بأن يودي به في أوّل إشارة مرور حمراء.في معاناة الإنسان المعاصر خصوصا المواطن العربي يخفت صوت الشعر في المدن الكبرى، المدن التي لا يهدأ فيها ضجيج السيارات في شوارعها العامّة، مدن تستيقظ فيها الرواية بسردياتها التي تحتضن آلام الإنسانية في صراعها مع لقمة العيش، ولهذا يعجب الناس كثيراً: "أما زال هناك شعر؟" الشعر الذي كان يفلت من الغابة ويسير إلى مدن الخمسينيات الصغيرة المغلقة بأقدام القرويين الحافية، وبفقرهم العنيد، بدهشة أحمد عبد المعطي حجازي، وآلام أبناء شعر الستينات السوريين القادمين إلى العاصمة، ما جعل ناقداً كحنّا عبود يصف كلّ كتاباتهم بالعسل المرّ.أقف أمام التكريم طفلاً يستغفل السنين ويركض في ضحكة خجولة، تهرول داخله فصول المدرسة وملعب الكرة، ولحظة تسليم الشهادات، واحتجاج ترتيب المتفوقين، أقف قليلاً وأسأل: "ألم نكبر على التكريم؟".. لكنّ الطفل الذي حسبته مات يقفز فوق حاملاً شهادة مرحى، في كلّ مباركة حقيقية تأتي من الأصدقاء والأقارب وطلابي الذين كبروا هناك أيضاً.تتقاطع دوائر عديدة في المناسبة؛ أصدقاء الطفولة، زملاء الدراسة الأولى، طلابي المتناثرون على ربع قرن، أقاربي الذين يذكرونني بأمجاد القبيلة، زملائي في أكثر من مدرسة، الأصدقاء في البلاد والمنافي. وأسأل كيف لمناسبة كهذه أن تصنع فرحاً افتراضياً يصوغ ذاته في أكثر من بقعة؟ يا لهذا الزمن الافتراضي؟
342
| 24 ديسمبر 2014
منذ خيمةٍ مفتوحة على المُطلق، أفتح باب الألفةِ وأهشّ على غنمي، منذ عنزةٍ أفلتت من حظيرة عطيّة الخطفي لحقها ابنه جرير، فشرد بعيداً وترك الماعز إلى بائيةٍ لم تبقِ ولم تذر، منذ سماء كاملة شيدتها ميسون الكلبيّة في مربعات دمشق، ها أنا ذا أعود إلى الصحراء في إهاب معلّم صبيان، له ما للحجّاج في صنعته الأولى، وعليه ما على الخليل بن أحمد في هجرته الأخيرة، ها أنا أمدّ وعاء من خوص، منتظراً أن تهطل عليّ اللغة حروفاً ملوّنة، وصوراً لحكماء اليمن، ومجانين بني عذرة... وفرسان نجد، فمن يحيّي سلمى نيابة عن بشامة بن حزن النهشلي، ومن يجلب الطبيب إلى ليلى المريضة نيابة عن قيس بن الملوّح، ومن يعتذر للنعمان بن المنذر نيابة عن النابغة الذبياني، ويغمض عينَي مالك بن الريب على شجر الغضا؟ **منذ ورقة في يد طفلٍ في قرية بعيدة، التقطها من الأرض وقرأها حرفاً حرفاً، إلى كتابه الصغير الذي انكتب عنوانه بحروف نافرة، منذ أوّل إعراب حتى آخر نظرية، منذ غيمةٍ في يد إيليا أبي ماضي، توقفت عن الركض قليلاً، ليسأل سلمى الجديدة عن مآلات الحزن في البيت الذي كان خيمة إلى مطر بدر شاكر السياب الباحث عن وجه أمّه في البروق حين قالوا له: " لابدّ أن تعود"، منذ فتيات امرئ القيس على غدير، إلى قلب نزار المطحون بحب الشام وياسمينها، منذ التحدّي الأول للفصاحة البدوية في كلام جديد مغدق مثمر" وما هو بقول بشر" إلى فاتحة تُقْرَأ بمليار شفة، منذ السيوف البواتر التي لمعت كثغر فتاة في مضارب صحراء نائية إلى السيوف التي تلمع في مسلسلات رمضان بسرديات عرجاء، منذ أولاد أبي ذؤيب ضحايا الأمراض الجديدة التي تفشّت في الأوطان الجديدة، إلى أطفال دير ياسين وبحر البقر والعامريّة وأطفال سوريّة الذبيحة منحورين بسكين الحرب والجوع والتشرّد والكيماوي. ** يا أمّي الجميلة الثرّة لا الثرثارة، يا أمّي المتعبة ببنيها الراطنين الراكنين الراكعين الوادعين؛ أكتب سارقاً من صرّتك التي هناك، ريشة الصانع وألوان النقّاش، سارقاً الباء والتاء والثاء، سارقاً حبراً ممزوجاً بجموح عبس، وعزّة كليب، ورقّة البحتري، ومرح أبي نواس، وحرقة أبي فراس، وخيبة ابن زريق البغدادي، ودهشة علي بن الجهم، وأمل المهجريين بالعودة، وزهد العذريين بالدنيا.أحاول أن أكتب إليك، عن النزف والعسف، والذّلة والعلّة، والداء والأعداء، أكتب عن وجع حافظ إبراهيم، وحلم معروف الرصافي، عن زمان يتمدّد ومكانٍ يتعدّد، وعن وطنٍ مجرور، وحربٍ تدور، عن حال منصوبة، وكان المغلوبة. يا أمّي ويا سيّدتي، يا قلعتنا الأخيرة، وبياننا الذي (لم نحافظ عليه مثل الرجال)، وبستاننا الذي أحرقناه شجرة شجرة كرمى لعين الشتاء.• أيتها اللغة الوطن
361
| 17 ديسمبر 2014
يجري أمام الموت ويصمت، يركض وراء الرغيف ويصمت، يكتب تاريخ اليوم على الجدار، يشاهد نشرة الأخبار، ويصمت. السوري الأخير؛ يحدب على موته بهدوء، كأنه يحتسي صمته مع سندويتش الفلافل، السوري الأخير يسمع الأخبار ويصمت، ويقرأ الصحف ويصمت، ويشاهد الاتجاه المعاكس ويصمت. يحمل لحافه في اتجاه شتاء جديد، ويخصف نعل المأساة لأنها ستنتظر الشتاء معه، ولايجد وقتاً لا لشتائم الآخرين، ولا لبيع الأمل في دكاكين السياسة، ولا للصخب العالي في حضرة الصاروخ.لايهزّ شجر الذكريات، فقد تموّن منها بما يكفي لمنفى بكامل عذاباته، لا يلتفت إلاّ لكي يتهجّى اسمه بين صخرتين، لا يقرأ الجريدة إلا ليبحث عن خبر توقف الحرب، يفتح صمته على مهل ويقرأ أسماءهم: أسماؤهم؛ نغمات خفيفة، تستفزّ الصور التي صارت بالأبيض والأسود، أسماؤهم؛ غيمات تمطر بهدوء على عتبات الروح. أسماؤهم التي رحلت معنا في نزف المكان، أسماؤهم التي اندسّت في الحقيبة، أتهجّاها مثل كلمات جديدة، كلمات مقروءة بنبرة طالب يسمّع بقلق (النشيدة) بيدين مرتبكتين تتعثران بالهواء. أسماؤهم؛ التي هنا في حقيبة السفر، تنطوي بسهولة، وتنام.السوري الأخير يتقن صمته، لأنه اختبر دون قصد الكلام المعلّب، و فظاظات الحنين، وأغاني الحزن العاجزة. هو يصمت وينظر إلى الأعلى بعينين تثرثران كثيراً، وتنتظران كثيراً.السوري الأخير؛ بلحافه وجواز سفره الملتبس، وبهجته المستعارة بعد تجاوز معبر، وطمأنينته المصطنعة بعد وجبة في مضافة للأمم المتحدة، أو أي تكية جديدة، يكتفي بالصمت حين تمطر وحين تثلج وحين يخبّئ أهل البيت أوطانهم في جيوبهم. سيمنحك صمته عندما يشتمك، ويمنحك صمته عندما يشكرك، وسيمنحك كلّ صمته حين يتهدم المنفى في أضلاع الغرباء، وحين ينمو حزن صغير في باص، حين يسمع شيئاً عن كلمة syria. سيذهب إلى عمله مغمض الروح، سيذهب إلى نومه مقصوص الحلم، إلى صمته موفور الحزن.السوريّ الأخير كالموريسكي الأخير، كالهندي الأحمر الأخير، يحمل أمانات يجب أن يوصلها لأهلها؛ وشكر الأصدقاء والأعداء الذين لم يقصّروا معه في المحنة، وإطفاء آخر الأنوار. السوريّ الأخير يكتب عنّا الملهاة المأساة، وهو يحدب على موته بهدوء، ونحن سنتقاسم ثيابه ولغته ومظلوميته، نحن السوريين سابقاً، نحن الورثة.يا الأخير؛ يا نحنُ، يا وجداننا المحبوس في انتظار البحث عن الجثث، يا صريخنا عند الغارة، يا خطّ العرض الأخير في دليل طيران القلب، كلّ منفىً يأخذني إليك، وكلّ ليلى تأخذني إلى مجانينك، "وكلّ ما فوق التراب تراب".
383
| 09 ديسمبر 2014
ساهم الاهتمام الكبير باللغة العربية في بلاد الشام ومصر والعراق في إيجاد أثر كبير في صناعة الثقافة العربية عموماً والشعرية على وجه الخصوص، في مناهج متأثرة بنظرية العروبة التي نسجتها أدبيات النهضة العربية، وقامت على أساسها أنظمة حكم ما بعد الاستقلال، واندغمت هذه المناهج بإعلام قومي مهيمن، وعاش أبناء هذه الدول في رخاء الماضي، ومع ختام الدراسة الثانوية يكون الطالب قد أمضى شوطاً كبيراً في إتقان لغته إعراباً وصرفاً وبلاغة، وتعرف نظام الإيقاع الذي يميّز البنى الموسيقية المختلفة للشعر العربي، وعلى هذا فإن كمّاً هائلاً من الشباب عرف طريقه إلى الشعر بمجرّد التعبير عن رأيه أو عمّا يختلج من مشاعر في صدره، وامتلأت صفحات الجرائد بنصوص شبابية نزقة أحياناً وطائشة أحياناً أخرى، و تداعى إلى الأماسي شباب يحلقون في الأحلام نحو ممالك الشعر الخصبة، في حين بات الشعراء يحلقون في الأحلام نحو ممالك الشعر الواعدة، وفي الوقت الذي تحاول فيه برامج ومسابقات إذكاء نار التنافس بين الشباب نتساءل هل نعد الناتج عن هذه المسابقات وورشات العمل شعراً حقيقياً، أم أنها بنت ساعتها كالأزجال الشعبية أو شعر الإخوانيات، وهل كانت النصوص الخالدة العربية والعالمية ثمرة مسابقات، هل كانت مسابقة عكاظ مثلاً كأمير الشعراء مجرّد مساجلات كتبت على غفلة من النابغة الذبياني الذي كان حكيما وشاعراً، كما جاء في الأثر عن معلّقتي الحارث بن حلّزة و عمرو بن كلثوم، ربما وصل الأمر في العصر العباسي إلى تبنّي مدرسة النظم لمقولة ( احفظ وانسَ) وكان من روّادها أبو نواس الذي اشتهر عنه حفظه وسرعته في النظم، وقدم إلينا شعراء بكميات كبيرة، لم تبق صفحات النقد والتاريخ منهم إلاّ القليل، لقد أساء التعليم من حيث لم يقصد إلى الشعر الحقيقي، بتقديم آلاف المتعلمين (الناظمين) نصوصاً سقيمة باردة، منذ أمالي مدرّسي العصر العباسي، حتى كشاكيل مدرّسينا في الشهادة الثانوية، وضلّلت أدوات النظم المكتملة بـ ( الدُّربة والمِران) كما يقول الناصحون في العادة؛ لقد ضلّلت اتجاهات الشعر الحقيقية من الشكل إلى البنية الانفعالية والجمالية الخالصة، وحتى في الهروب من العمود كما فعل أصحاب قصيدة التفعيلة، فلم يطل الأمر طويلاً حتى صرخ أحد الشعراء طالبين الرحمة بـ(أنهار الورق المهدور)، وحتى الذين هربوا إلى قصيدة النثر زهداً بخلاخيل الفراهيدي، فوجئوا بمستسهلي الكتابة من (كسالى الثانوية) يجرّبون حظهم في سوق كبيرة، كلّما صرخنا مطالبين بنقد حقيقي يفرز الشعر من اللاشعر في الزحام، "كثر الشعراء وقلّ الشعر" وبات كوم القشّ أكبر من قدرة الباحثين عن الإبرة.أليس الشعر العربي جديراً بربيعٍ هو الآخر أسوة بالحياة العربية ذاتها؟
631
| 02 ديسمبر 2014
منذ باب فيروز الشهير الذي كتب كلماته الراحل جوزف حرب، لم أقرأ شيئاً يحتفي بالباب، كما قرأت عند الشاعر السوري فرج الحسين، الذي وقف على معنى الباب في ظرف دقيق تعيشه أبواب السوريين التي تعاني وداع أصحابها، أو وداع الحياة ذاتها، يقول الشاعر : يا بابُ قلبٌ و روح ٌ أنتَ يا بــابُ ** وأنتَ دمعٌ على الجدرانِ ينسابُ وأنتَ عينٌ بها الأحبابُ أُبصرُهم** وأنتَ جرحٌ حوتهُ الدَّوحُ والغابُ و سِنديانٌ يباسُ الرّوحِ يسْكُنهُ **دارتْ عليهِ من الأحجارِ أحقابُ تُعطِّرُ الفأسَ دمعـــاً حين تحضُنُها** فَيــزرعُ المـــوتَ في جنــــبيكَ حطّـابُ وقفتَ جذعاً على الجدرانِ قد صُلبتْ ** فيكَ الحياةُ و طارتْ منكَ أســــرابُ وعلى طريقة جوزف حرب يريد فرج الحسين الوصول إلى كنه الباب، ذاك الفاصل بين المطلق والمغلق، بين الخاص والعام، وكأنه يسير على درب جلال الدين الرومي في (الناي) الذي كان قصبة، سرّ حزنه في العزف هو الحنين الطاغي إلى أرض الديار، يوم كان شجرة في الغابة، فالباب عند الحسين من مهجٍ دقّت فيها مسامير المصائب، وهناك أقام في فم الجدار : وكان فيكَ شقوقٌ مررّتْ وَجَعا** فيها ِ الغروبُ حزيناً راحَ ينسابُ ولم يكتف بهذه الصورة الشعرية المتدفقة للباب سارق لون الغروب بشقوقه، بل جعل منه ملجأ للخوف ذاته، حينما تضطرب الطبيعة فيدقّ الباب، الباب الحارس الأخير الواقف على صور الغائبين وأمل الذكرى، إنه آخر المودّعين وأوّل المستقبلين، إلى أن يصل إلى بيت القصيد، حيث كثرت الوجوه الغريبة بأرضي السليبة بحسب سليمان العيسى: يا بابُ أهـــــــلوكَ لا تــرنو لعودتِهمْ **فالقابضونَ على كفّيك قد أغرابُ ويذهب الشاعر مذهب حرب في التطرق إلى أنواع الأبواب بصورة مختلفة وبيان مختلف تثبت أن العمود قادر على حمل المعاني الجديدة إذا توافّر له شعراء بارعون قادرون على خوض المغامرة، فيخرج إلينا بسلسلة تعريفات شعرية جميلة للباب: بابٌ بهِ نخلةٌ أعذاقُها ركعتْ** بابٌ بهِ صفــنةٌ يعلــوهُ لِبـْـــلابُ بابٌ سوادُ الأسى يطلي مدامِعَهُ ** أصحابُه من يدِ السّجّانِ قدْ شابوا بابٌ بهِ دقّةٌ تفضي إلى ســعةٍ ** بابٌ أضاعَ الصّدى ناداهُ سِردابُ بابٌ حزينٌ يدُ الأغرابِ تدفَعُهُ ** فعطّرَ الكفَّ دمعاً فيهِ أطيابُ بابٌ فقـــيرٌ رياحُ الجوعِ تصفعُــهُ ** ملحُ الحياءِ على جفنيهِ أهدابُ بابٌ كبيرٌ به الحرّاسُ قد وقفوا ** ونادمتْ ركنَهُ الموصودَ أكوابُ بابٌ صغيرٌ وكفُّ الجودِ قدْ فتحتْ** للقادمينَ ومــــلءُ الدّارِ إجـــــدابُ ويغمز الحسين من حال الخروقات التي دهمت الأمة من جهات بعينها فيكتب عن الأبواب الهشّة المستعدة للترحيب بكل ريح عابرة: بابٌ خَؤونٌ خُطا الغازين تَدخلُهُ ** و الخائنونَ على جنبـــيهِ أعرابُ لكنّ الشاعر لاينسى باب الرحمة المفتوح لكل العباد، وهي ذات الخاتمة في نص حرب المنتهي بالدعاء " يا رب خليها مزيني ببواب و لا يحزن و لا بيت و لا يتسكر باب"، فإن :" بابُ الإلهِ َمنْ دقُّوه ما خَابُوا".
535
| 18 نوفمبر 2014
كتب الشاعر السوري فايز العباس على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك نصّاً يقطر ألماً، يقول فيه: "كلما فتحت علبة ساردين / عثرت على قطعة من سوري غريق/ أنا لا أحب الساردين/ غير أني مولع بجمع النفائس". مشيراً إلى عدد الضحايا السوريين الهاربين من الموت في البر حرقاً، إلى الموت في البحر غرقاً، فالموت يلاحق السوريون أينما كانوا، ومن لم يمت بقذيفة أو ساطور مات بموجة عاتية لم تصمد لها مراكب المهرّبين المتداعية.كنت استدعي علاقتنا بالبحر الذي عرفته الشعوب الساميّة أو الشاميّة منذ زمن سحيق، البحر بوعده ووعيده، ومدّه وجزره، وصخبه وهدوئه، فقد وصل الفينيقيون شمال إفريقيا وأوروبا وتركوا أكثر من أثر لعلّ قرطاجة التونسية أهمها. قبل أن يصبح المتوسط بحيرة رومانية ردحاً من الزمن، ثم يؤول الأمر إلى المسلمين، فيدين لهم بين حربين سوريّتين الأولى شابهتها اسماً (ذات السواري) قبالة شواطئها وكانت أول معركة بحرية كما تقول كتب التاريخ، والثانية في أقصى نقطة للمتوسط على أعتاب المحيط، آلت إليها حين اتخذها العرب المسلمون عاصمة الدنيا، فعاد إليها طارق بن زياد من الأندلس بنبأ الفتح، الكلمة التي تغنّى بها الشعراء وبكى عليها الحالمون. البحر السوري الذي أهدى أوروبا اسمها مستعيراً لها اسم جميلة الفينيق الأميرة أوروبا أخت قدموس وابنة الملك آجينور،البحر الذي أهدى اليونان مجموعة من الملوك والشعراء السوريين، وأعطى تجّار نابولي وميلانو والبندقية الشعلة عصر النهضة، ومن البحر غادر السوريون، ومن البحر جاء الفرنجة، لمائتي عام والمراكب تفرغ حمولاتها من المقاتلين وتذهب بالخيرات، والبحر سوريّ.جاء المماليك وجاء العثمانيون ونامت عين المجد، وجاءت أوروبا الجديدة والبحر السوري ماعون للبارجات والأساطيل والسفن الباحثة عن الرزق، قطعه السبّاحون وزينوا اسم البلاد بخبر الفوز، كتب عنه الروائيون، وصار عندنا روائي لم يكتب إلاّ عن الشواطئ والموانئ وغربة البحارة وعتّالة الأرصفة، غنّى له المغنّون عن السمك البنّي وعن المينا والريّس. والآن؛ ماذا تفعله بالسوريين يابحر، هل تبحث مع بوسيدون عن عوليس بين الجموع الهاربة من النار السورية، هل غضبت من الشاعر البدوي التغلبي وهو يرطن " كذاك البحر نملؤه سفينا"؟ ماذا نصنع رجل يريد أن يسجد العالم لغلامٍ من قومه،ويجعل القبائل التي خاصمته طحيناً في رحى حربة).ماذا يا بحر؟ هل نقول لك تبّ، كما فعل أهلنا في الخليج، نحن الذين عرفناك عند كلّ مرساة وكلّ أسطورة، نحن الذين ننتظرك هناك، عند شاطئ الأمان، يا صديقنا البحر.
621
| 11 نوفمبر 2014
لعل موقع الفيس بوك يتصدّر العوامل المؤثرة لإنتاج أدب جديد بميزة التواصل التفاعلي الخلاّق، وتوفير بيئة داعمة للأدب، من حيث استثمار عناصر التفاعل (أعجبني- تعليق- مشاركة- ترويج...) في استعادة ثنائية الصوت والصدى، وفي التالي راح مدوّنون مهتمون بالأدب يخصصون أماكن خاصة للأدب بعيداً عن التواصل الاجتماعي.وفي غضون سنوات قليلة تمدّدت الظاهرة، وكتبت نصوصا عذبة زاهدة في النشر الورقي، ومع سهولة التصفّح في أكثر من جهاز كالحاسوب والحاسوب المحمول (اللابتوب) واللويحات المختلفة، وأجهزة الهاتف الذكية، بات النصّ الأدبي متاحاً لجميع أبناء القبيلة الجديدة، الباحثين عمّا يغويهم.وشهدت الصفحات الافتراضية المتناسلة زيارات كثيرة وصل بعضها إلى أرقام غير مسبوقة تتعدى الألف أحياناً، لأكثر من سبب أهمها الذكاء الاجتماعي لأصحاب النصوص وهم يتخطون المحظور الاجتماعي والديني والسياسي، أو بسبب الحدث السياسي الساخن الذي ينعكس على الجانب الأدبي كما في صفحات الأدباء المتعاطين مع الشأن السياسي في سوريّة مثلاً بسبب مواقف متطرفة، استطاعت أن تجذب قاعدة كبيرة إلى صاحب الصفحة كمتابعين. ولكنّ ما نسعى إلى البحث فيه عمّا آل إليه النصّ الأدبي بعد انتقاله من مضارب الورق إلى الشقق الضيقة في المهبّ الافتراضي.يمكن القول إنّ التجارب أفرزت ثلاثة اتجاهات متجاورة تتقاطع فيما بينها؛ الأوّل يذهب بكلّ ما أوتي من قوّة في هذا العالم الجديد، فجعل من هذا الوسيط عالمه، غايةً ووسيلة، فطلقوا عالم الورق بالثلاثة، واستثمروا كلّ مواهبهم في هذا العالم، وباتت نصوصهم تصلنا دواوين وكتباً عبر ملفات الـ word والـ Pdfولا يعولون على الماضي، الذي يتندرون عليه غالباً كما يصرح بعضهم :" لست محتاجاً لمحاباة محرر الصفحة الأدبية" أو " حمّل أكثر من عشرة آلاف ديواني، فيما طبعات الورق لا تتجاوز الألف نسخة، لا يوزع ربعها". فيما يذهب الفريق الثاني إلى استثمار هذا العالم لتجريب النص الأدبي في تخلقه الأول، وتعرف قيمته الأدبية من عدد (اللايكات) و تعليقات المعجبين والزملاء والنقاد التي وإن غلب عليها طابع المجاملة إلا أن الكاتب الحصيف قادر على استشفاف مكامن الضعف، والقدرة على التعديل، وأصحاب هذا الاتجاه يقيمون بين ضفّتين ويجدفّون بأشرعتهم هنا وهناك، وقد كثرت شريحتهم بعد انتقال الصحف الورقية إلى مواقع ألكترونية.فيما ظلّ الفريق الثالث مشدوداً إلى الماضي، واقفاً على أعتاب هذا العالم الجديد بحذر، ليس له من التعاطي مع هذا العالم إلا نشر أعمال قديمة، لأن الجديد على النتّ عرضة للسرقة.لكنّ غياب الرقيب والناقد وحضور الجمهور بلايكاته وأحكامه الانطباعية، جعل للنصوص الجديدة سلطاناً مخيفاً، ولأصحابه نجومية محلّ نظر، غير أن هذه قاعدة السوق، فكلّ شعرية جديدة شهدت تحطيماً لعمود السابق.
529
| 03 نوفمبر 2014
كان الجيران يجفّفون الأمل مونةً للشتاء، عجائز وأطفال يقلّبون القطع النديّة في منتهى الجـِدّ ، على البساط الكبير، وأنا جوعان؛ فمددت يدي إلى العجوز، فصدّتني وقالت اذهب إلى أمّك، الأمل لايُعار و لا يُتسوَّل. كنّا أكلنا ما قطفناه أوّلاً بأوّل، الكبار ظنّوا أنهم يموتون في الشتاء، كما في القصّة الروسيّة، ونحن كنا نبعثره بعد أن نشبع، بعد كلّ وجبة. والآن؛ ولا قطعة أمل، من أجل إفطار متقشف مع كأس شاي، ولا حتّى فتات .. ونحن الذين توجسّنا غيابه، بدأنا نكتب قصائد رثاء، عن شتاء قادم وطويل، كمطربي غجر يطوفون الأعراس. ** السوريّون يتبادلون نقاط الجغرافيا، ونشرات الأخبار، ولا قيمة لمن حقّق نصراً على الأرض، ولكن اسمه جاء خبراً متأخراً. كان السوريون الخبر الأوّل قبل أن يتبادل قابيل وهابيل الفأس والساطور واللعنات. اليوم؛ ثمة دم وبترول وكهنة ونخّاسون أدانوا قابيل، ثم قتلوا هابيل مرةً ثانية، اليوم ثمّة راعٍ ومزارع، نفشت دماؤهما في حديقة العالم، ثمّة زوجتان تتكومان على طفلين سيرثان نصيبهما بعد قليل من البقر والماعز وأكياس القمح والدم واللعنات، وصفحات الجرائد المؤرشفة للدم الأول. اليوم؛ ثمة قابيليون يدفنون موتاهم في الليل، وهابيليون يحرثون حقول اللعنات، ثمة آدم النادب على وجه الأرض المغبرّ القبيح، باحثاً عن الأبالسة الماكثين في حقول النظريات الباردة، ثمة حواء في مخيم بائس، تحتضن (دزينة) أحفاد، سيلعبون في المساء كرة القدم، قبل أن تعود الأمهات ويسقينهم حليب الكراهية. اليوم؛ ستصرخ بجنون؛ هذا رأس وليس كرة، وهذه يد وليست نكّاشة أسنان، هذه عاصفة رملية هربت من مدارات مجنونة، هذا اللحن نشاز في أذني، سأبكي على القتيل وألعن القاتل. ** لو كان البكاء رجلاً، لاستدنت منه مصروف حزن كامل. ** أنا ملكٌ وطائفتي انتظاري. وحاشيتي حروفٌ سابحاتٌ في مداري. وجندي صاولوا جيش المعاني، واستعادوا قلعةً محتلّة منذ احتضاري. أنا الملِكُ المعلّبُ في السكينةِ / أمتطي عوداً وأركضُ في دروبِ الحيِّ / تلحقُني الكلابُ/ ويحتفي بي صبيةُ الحيّ / فنركضُ في الدروبِ ونسأل الفتياتِ عن صبحٍ جديرٍ بالحليبِ / وعن شمسٍ / ينازعها سرير الغيمِ أسئلةَ النهارِ. ولي مرثيّتي/ إن فاض هذا الليل بالغُيّابِ/ لي شتاءٌ ملء عينيها هناكَ/ ولي قميصٌ/ رثّثته الريح والأنثى/ ضلّ صندوقَ البريدِ/ إلى شيخٍ يدبّ على عصاهُ/ و يسكب حزنه ملء الجِرارِ.
850
| 28 أكتوبر 2014
قبل أيام قليلة، كتبت إحدى المهتمّات بالأدب على صفحتها في الفيس بوك:"كيف تقنع امرأة يأتيها 400 لايك في الدقيقة أنها ليست أفروديت الشعر العربي أو الرواية العربية؟".. وسكّان هذا الحيّ من الشبكة العنكبوتية يدركون أن هذا العدد من المعجبين في وقت قياسي شيء خارق لناموس النت عربياً على الأقل، فصفحات الأدباء المعروفين وحتى الكبار لا تتخطى الألف زائر الذي يلوّح لصاحب النصّ بـ( لايك)، وقياساً إلى المطربين والممثلين ولاعبي الكرة الذين يسكنون هذا الحيّ فإنّ أهل الأدب مساكين "حتّى بيوتهم عليها تراب الذلّ بين الخلائق" فبيوتهم في الحارة الزرقاء أشبه بصوامع، يعزّي بعضهم بعضاً، بتعليقات وآراء لايخفي علوّ شأن أصحابها، أنهم مغمورون في هذا الكوكب الجديد. ولعلّ هذا الاغتراب الذي جاء بعد جفاف الصدى في أوعية التلقي القديمة كالصحافة والمسارح، جعل (اللايك) قطرة الندى التي تبلّ عطش النص وكاتبه واغترابهما في الأرض الجديدة، وجعل كاتبة كذات الــ 400 لايك تبحث عن فريق من المعجبين المتحمّسين، كما كنا نعزم أصحابنا وأبناء القبيلة لحضور أمسية شعرية لنضمن لنصوصنا من يصفق دون أي اعتبار لأثر النص، وقد نشهد بعد قليل ظاهرة (الألتراس الأدبي) كما شهدنا الألتراس الرياضي، حيث يشجع المهووسون فريقاً بعينه، وكأنهم في معبد أو معركة. غير أن الدهشة سرعان ما تزول حين تعرف أن الروائية الكبيرة أو الكاتب الكبير استطاعوا التأقلم في هذا المكان وبات عدد المعجبين لكلّ قصاصة يتعدّى الآلاف، إذا عرفت أن ثمة برامج خاصّة أعدّها (متعيّشون) محترفون في أسواق النت،ليس آخرها شراء برامج يعطي عدداً من (اللايكات) بدءاً من 400 مقابل مائتي دولار تقريباً، حيث (تشتري) مجموعة متابعين أعدّهم شخص واحد، يقومون بوضع علامة إعجاب على كلّ ما تضعه في صفحتك، وبجمع هذا العدد مع العدد الحقيقي الذي لايخلو من التعليقات، تنطلي الخدعة الكبرى، على القرّاء، وعلى الكاتب نفسه. ثمة أقنعة زائفة كثيرة برزت في الآونة الأخيرة، كظاهرة شراء شهادات الدكتوراة من بعض الدول، فتفاجأ صباحاً بدال صغيرة بجانب اسم من لايتقن فكّ الخطّ، ثم ظهرت خدعة المقروئية في مواقع الإنترنت المختلفة، وبات شاعر لا يملك مقومات كتابة قصيدة يحقق مئات القراءات إلى جانب شعراء كبار لاتصل قراءات نصوصهم إلى عُشر ممّا حققت قراءات نصوص صاحبنا. إن الطبيعة الاجتماعية لمواقع التواصل لا تلغي أهميتها في إثراء المشهد الأدبي، ولكنّ آثارها السلبية باتت كثيرة، ولعلّ أبرزها التصفيق الإلكتروني، والشلّلية الجديدة التي غذتها شلليات الحزب والطائفة والإقليم.. ولا ننس المجاملة الأدبية حيث نتعاطف مع أصدقائنا ونستسهل ضغط السهم فوق مشاركات دون قراءتها، فقط لأنها لصديق، الأمر الذي أشار إليه الشاعر الأردني أحمد الخطيب:"عندما أشير لنص ما بــ "لايك" أو أعلّق عليه، فلأنه أصاب مني مكانة شعريةً، وهذه ليست سُلفة أو دين، ليس بالضرورة أن تكون واحدة بواحدة، هذا إلى جميع الأصدقاء الشعراء".
465
| 21 أكتوبر 2014
للمرة التاسعة يصل اسم الشاعر السوري أدونيس إلى قائمة المرشحين النهائية لجائزة نوبل للآداب، وفي كلّ مرّة يصاب الرجل والغاوون من حوله بخيبة أمل، إذ يستبعد اسمه لصالح أسماء مختلفة لا تفوقه إبداعاً، إلى الحدّ الذي بلغ ببعض محبّيه أن تمنّى عليه أن يطلب من القائمين على الجائزة حذف اسمه، لأن الأمر بات يمسّ الكرامة الشخصية للأديب وللأدباء العرب عموماً.وبالرغم من التنازلات التي قدّمها الشاعر في رؤاه المفارقة للوجدان العربي الإسلامي، وبرغم رؤيته المختلفة للصراع العربي الصهيوني، ممّا يحذفه من قائمة المغضوب عليهم في نظر الدوائر المؤثرة في القرار والمتعاطفة مع الصهيونية، إلا أنّ الرجل ظلّ الخاسر المثالي في كلّ دورة جديدة، وظلّ مكتفياً بترشيح اسمه حتى أطلق عليه لقب المرشّح الأبدي أو المرشّح شبه الدائم، أو المرشّح المتكرّر.إلا أنّ الجديد في الموضوع الذي جعل الجدل حول عدم فوزه مختلفاً، هو موقف أدونيس الملتبس من الثورة السورية، فقد أثار عليه غضب الشارع الثائر ومعه مثقفو الثورة، الذين وجدوا في موقفه تخاذلاً واضحاً، وانتصاراً صامتاً للنظام، وناقشوا حجّته التي يقوم عليها في أنّ الثورة انطلقت من مسجد، وهذا يعني أنها حراك ديني بعيد عن أهداف الثورة التي تصبو إلى قيام مجتمع مدني، ويرنو إلى المدنية والديمقراطية المأمولة بأن أدونيس ذاته هلّل للثورة الإيرانية عام 1979 رغم أنها ثورة دينية واضحة.فيما ينطلق طرف ثالث يفصل سلوك أدونيس المتخاذل عن أدبه الرفيع، أسوة بكثير من الذين تأثرنا بإبداعهم كالشاعر الفرنسي المذهل رامبو الذي كان تاجراً للعبيد، وكمن يأسى على حاله كتب أحدهم أنّ أدونيس لم ينل من نوبل غير آثار باروده في الشتائم والشماتة التي تعرّض لها، ويتعرض لها كلّ خريف وتحديداً في العاشر من أيلول سبتمبر.وكما هو في الماعون السوري فإن السجال الحادّ ببارود نوبل وبالشتائم والطعن أفقد السوريّ محارباً أو سياسياً أو مثقفاً القدرة على الرؤيا بعيداً عن الهويّات الجديدة والجريحة في آن، فقد وقع الجميع في حمأة الحرب الأهلية، وبات المثقفون من كلّ جانب حُماةً للقبائل الطائفية والعرقية الجديدة، بعد سقوط مشروع الحداثة في أتون الحرب الأهلية العراقية ثمّ السورية، ومن قبلها اللبنانية، وحلّ مثقف الطائفة والإثنية العرقية محلّ مثقف الوطن.لم تكن الحداثة التي تردّتها الدولة الوطنية غير قشّة خفيفة سرعان ما انسلخت عن الهويّات الكامنة الشرسة، وبات التنوّع الاجتماعي السوري الذي كان مدعاة دهشة للرائي في وطن ينبني على موزاييك ديني- طائفي- عرقي إلى وسيلة تناحر دامية ترتدي أكثر من لبوس في الحرب الملعونة.إن الحبر الذي سال متشفياً بالشاعر مستبطناً موقفاً لا علاقة له بالأدب، وعلى الجهة الثانية تبدو المواقف المدافعة عنه وقد أغضت عن مواقفه العامة التي تقطع مع ثوابت الأمة، تبدو وقد استبطنت موقفاً ذا علاقة بالانتماء الاجتماعي السابق على الفكري والأدبي، كلّ هذا يؤكد نجاح دعاة الطائفية والعرقية في جرّ المثقف والأديب إلى دروب مليئة بالمطبات.
744
| 14 أكتوبر 2014
في تحولها من الخيمة إلى البيت، ومن الرحيل إلى الاستقلال، ومن القبيلة إلى الدولة؛ كانت سيرورة الأشياء تتغير بدلالاتها ووظائفها، ومنها المواقيت، فقد كان النهار للعمل والنهار للراحة، كان الليل طبوغرافيا البدوي، وهو إذ يبحث في أرخبيل النجوم عن الجهات التي يقصدها، يتغنّى بمساحة زمنية محصورة ببياضين، بياض فتيّ هو الفجر، وبياض كهل هو الأصيل.ولكنّ شاعراً كامرئ القيس، الذي حمل همّ الثأر صغيراً، يرى في الليل ما يراه الغارمون، محطة استذكار لحوادث النهار، وفاصلاً لاستحقاقات النهار، يكون طويلاً على شاعرٍ مليء بالكآبة والملل في وجعه الوجودي كامرئ القيس، فقد تساوى لديه الليل والنهار، بصور جميلة حجزت مكانها في الذاكرة العربية:وليل كموج البحر أرخى سدولهُ عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّى بصلبه وأردَف أعجازاً وناءَ بكلْكلِ ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي بصُبْحٍ وما الإصْباحَ مِنك بأمثَلِ فيا لكَ من ليلْ كأنَّ نجومهُ بكل مغار الفتل شدت بيذبلِ كأن الثريا علِّقت في مصامها بأمْراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جَندَلِ كان ليل النابغة قريباً من هذا، ليلاً يليه حساب عسير، كطفل كسول ينتظر صبيحة الامتحانات، النابغة الذي ظل يسترضي النعمان ابن المنذر باعتذاريات شديدة التوسّل، مبتدئاً بليل بطيء الكواكب، فراشه من شوك وهمّ، رغم معلقته التي يقف فيها على الطلول في الأصيل، قبل ألف وأربعمائة عام من أصيل بيرم التونسي الذي صوّر شمس الأصيل وقدّ "ذهّبت خوص النخيل".كان لابدّ أن نعبر ليل القصيدة العربية الجديدة التي خفّ فيها القلق وكثر فيها التأمّل، حتى وجده كفيف مثل المعرّي أن ليلته عروس من الزنج "عليها قلائدٌ من جمان"، وقبل أن نولّي شطر الأماسي الأندلسية العذبة التي لونت القصيدة بحبر مبهر، مستمدّ من طبيعة الأندلس التي غيّرت مزاج الشعر العربي، مثلما غيرت الرصافة قصيدة علي بن الجهم. كان ليل السمر والأنس والشعر والأدب، جعل شاعراً من أهم شعراء الأندلس هو ابن زيدون يتحسر على الليالي الجميلة في رخائه: "إن يكن ليلي طويلاً فلكم/ بتّ أشكو قصر الليل معك". ويجعل شاعر مثل الحصري القيرواني ينشد على بحر راقص لليل الأندلس:"يا ليلُ الصبّ متى غده/ اقيام الساعة موعده؟".على أن خليل مطران، الشاعر اللبناني الذي آثر العيش في مصر، وقد وجد في الإسكندرية ما يغنيه عن ساحل بيروت، فيأنس إلى صخرة على الشاطئ يراقب البحر يعزّيه غروب الشمس بغروب أحلامه، كان مساء ذاهباً إلى ليل، راقب الشاعر الصياد لحظة المساء العابرة ليلتقط لنا صورة مبهرة لمساء هو الجندي الأخير في جيش النهار، والطالب الأول في طابور الليل:يا للغُرُوبِ ومابهِ من عِبْرةٍ للمُسْتَهَامِ! وعِبْرَةٍ للرّائي!ولقد ذكرتُكِ والنَّهارُ مودِّعٌ والقلبُ بينَ مَهَابَةٍ ورجاءِوالشمسُ في شفقٍ يسيلُ نُضَارُهُ فَوقَ العقيقِ على ذُرىً سوداءِمرَّتْ خلالَ غمامتينِ تحدُّراً وتقطَّرَتْ كالدمعةِ الحمراءِفكأنّ آخرَ دمعةٍ للكونِ قد مُزِجَتْ بآخرِ أدْمُعِي لرثائيوكأنّني آنستُ يوميَ زائلاً فرأيتُ في المرآةِ كيف مسائي
13979
| 12 أكتوبر 2014
مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني...
2826
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل...
2094
| 28 يناير 2026
-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد»...
1005
| 29 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت...
732
| 25 يناير 2026
بحكم أنني متقاعدة، وبحكم أكبر أنني ما زلت...
618
| 25 يناير 2026
ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل...
618
| 26 يناير 2026
..... نواصل الحديث حول كتاب « Three Worlds:...
579
| 30 يناير 2026
لم يعد الزواج عند كثيرين لحظة بناء بيت...
516
| 25 يناير 2026
لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني...
507
| 27 يناير 2026
في محطة تاريخية جديدة للرياضة العربية، جاء فوز...
483
| 29 يناير 2026
بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة،...
426
| 28 يناير 2026
-«مغربية وسط سكة تلاقينا» عندما أكتب، بكل تقدير،...
399
| 25 يناير 2026
مساحة إعلانية