رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

العيد بين الأندلس وبيت المقدس

في هذه الايام المباركة يرتقي اخواننا في فلسطين ذروة سنام الإسلام ليصلوا إلى اعلى درجات الفضل والعز والتمكين فلا يضرهم من خذلهم ولا من تآمر عليهم. وهذا العيد المبارك يذكرني بأول عيد للمسلمين في الأندلس كان ذلك في معركة وادي برباط او (وادي لكة) ضد قبائل القوط الغربيين بقيادة ملكهم رودريغو او (لذريق) او (رذريق) او (الأدرينوق) كما جاء في بعض المصادر العربية. بدأ الاشتباك الدامي بين الجيشين في 28 رمضان من سنة 92 من الهجرة وكان جيش المسلمين تعداده ما يقارب 12000 من المشاة عديمي الخيول، ضد جيش كبير من القوط الغربيين الذين تحدروا من العاصمة طليطلة بكتائب مثل الجبال، بلغ تعدادهم زهاء المائة ألف مقاتل، مجهزين بكامل التجهيز العسكري بما في ذلك سلاح الفرسان الذي يعادل سلاح الدبابات في وقتنا الحاضر. ولو تفكرت عزيزي القارئ في الجانب العسكري المادي البحت لوجدت انه من المستحيل لهذا الجيش المسلم الصغير ان ينجو من براثن الموت اصلا، ناهيك عن ان ينتصر، لذلك كان لذريق قد جاء في كامل أبهته يحمل سرير عرشه المحلى بالذهب على بغلين لابسا تاجه المرصع بالجواهر، وحاملا معه الكثير من الحبال والتجار اليهود، يريد ان يأسر المسلمين فيربطهم بالحبال ويبيعهم عبيدا لليهود. كيف لا يفكر لذريق بهذا المنطق ونحن نتكلم عما يقارب الثمانية رجال من الجند القوط المدربين تدريبا عسكريا عاليا والمدججين بالسلاح الكامل مقابل رجل واحد من المسلمين لا يكاد يحمل معه الا سيفه؟ من كان يصدق ان ينتصر المسلمون؟ لا أحد بالطبع، ولكن الله ألهم عبده طارق بن زياد رحمه الله، فقاده وبحنكة القائد العسكري الفذ، وجعله يسبق لذريق ليختار هو بنفسه مكان المعركة في دهاء عسكري لا يكاد يتكرر في التاريخ الا نادراً. وذلك حين تقدّم فضرب عسكره في وادي برباط في موقع استراتيجي عجيب. كان الموقع عجيبا بحق، فقد تمركز طارق بحيث يكون عن يمين جيش المسلمين وعن خلفه جبل يمنع القوط من الالتفاف عليهم، وكذلك كان عن يساره بحيرة عظيمة لا يستطيع العدو عبورها، ثم انه بقي منفذ اخير في خلف الجيش وهو طريق ضيق بين الجبل والبحيرة جعل عليه طارق بن زياد فرقة حماية حتى لا يباغت المسلمون منه. وبهذا التكتيك العجيب دخل طارق المعركة ملغيا بدهائه التفوق العددي للعدو، ومسيطرا بذلك على مجريات المعركة، فأجبر القوط على ان ينحدروا من فم الوادي الضيق لتتلقاهم سيوف المسلمين الصامدين بالموت الناقع. استمرت المعركة عزيزي القارئ في بعض المصادر لمدة ثمانية ايام متواصلة، كانت جحيما حربيا لا يطاق على كلا الجيشين، وارتقى من المسلمين ثلاثة آلاف شهيد، قبل ان يتنزل نصر الله على عباده وينكشف الغطاء عن ملحمة بطولية فذة، حين خر الجيش القوطي الضخم صريعا تحت ضربات سيوف المسلمين البتارة، وتكدست جثث القوط في ارجاء الوادي فلم يحص عددها، وفر ملكهم تاركا عرشه وبغاله وراءه، ثم قتله الله بعد ذلك وانكسرت شوكة القوط تماما بعد معركة واحدة. ولشدة ما انبهر الناس بهذا النصر غير المعقول في الحسبة البشرية ظهرت وانتشرت اشاعة وكذبة تاريخية شهيرة جدا حين زعموا ان طارق بن زياد أحرق سفنه حتى يقاتل المسلمون بشجاعة، بينما في الحقيقة انه قد ساعده امير قوطي اسمه جوليان نقل جيش طارق فوجا فوجا على سفنه والناس يحسبون انها سفن تجارة، وما احرق طارق السفن بل احرق قلوبهم حين حطم غرورهم وهشم كبرياءهم وخيب ظنونهم وهزمهم برغم تفوقهم العسكري الظاهر. وهكذا ايها القارئ العزيز، وكما كانت اعياد المسلمين تمر عليهم بانتصارات مؤزرة لم يعرف لها سابق في التاريخ، فنحن الآن وببركة ابطال بيت المقدس وأكناف بيت المقدس وببطولة ضواري غزة وشجعانها، نرى بأم أعيننا المقاومة الفلسطينية المباركة التي انتقلت من رمي الحجارة في البداية وصولا الى اطلاق صواريخ نوعية لم ولن تنجح القبة الحديدية في التصدي لها. فلله در رجال فلسطين ونساء فلسطين واهل فلسطين الذين اعادوا للمسلمين اعيادهم ولو خانوهم الجبناء. وكما افتتح القاضي محيي الدين محمد بن زكي خطبته الشهيرة بعد تحرير بيت المقدس في سنة 583هـ سنختم بنفس الافتتاحية قائلين (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين). ‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

2330

| 13 مايو 2021

المهتدي بالله العباسي

قليل من يعرف هذا الرجل، ولا عجب فقد ظهر في فترة من أصعب الفترات على الدولة الإسلامية ولم يتم حكمه لسنة واحدة، ولكنه كان رحمه الله رجلا ورعا متعبدا عادلا قويا فى أمر الله بطلا شجاعاً حكيماً حليماً سياسياً لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً وكان يسبح ضد تيار هائل من الفساد الذي ساد في تلك الفترة بين قادة الجيش وعامة الشعب أيضا كانت أخلاقه قد فسدت وكثر فيهم الخبث حتى قامت أعظم ثورة في تاريخ الإسلام على الاطلاق واستمرت 15 عاما وراح ضحيتها زهاء ألف ألف وخمسمائة ألف (مليون ونصف المليون إنسان) وهي ثورة الزنج الذين ثاروا بسبب الظلم الشديد الذي وقع عليهم من أسيادهم. ذلك هو الخليفة العباسي الرابع عشر وهو أبو عبدالله، محمد (المهتدي بالله ) بن هارون الثاني (الواثق بالله) بن محمد (المعتصم بالله) بن هارون (الرشيد) بن محمد (المهدي) بن عبد الله (أبو جعفر المنصور) بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس (رضي الله عنهما) ولما ولي قال لمن حوله من الأمراء: لا أريد من الأموال إلا القوت فقط لا أريد فضلا على ذلك إلا لإخوتي فإنهم قد مستهم الحاجة. حكم هذا الرجل لمدة سنة إلا خمسة أيام وقيل خمسة عشر يوماً. فلم يسمح له الخونة باكمال سنته الأولى إلا وقد انقلبوا عليه ثم قتلوه بعدما أسروه بطريقة خسيسة تتناسب وخسة أعدائه رحمه الله. وذلك لأنه كان يحاول بكل الطرق أن يعيد الأمور إلى بني العباس وأن يتخلص من حكم العسكر وقد نجح في ذلك نجاحا جزئيا ولكنهم ثاروا عليه فخرج لهم رحمه الله على رأس جيش ممن بقى على الولاء للخليفة من بعض العسكر وعامة الشعب ولكن لما ابتدأ القتال انقلب عسكر المهتدي عليه وخانوه فانضموا إلى جيش العسكر، وصبر لهم المهتدي وقاتلهم حتى قتل منهم أربعة آلاف في ذلك اليوم ولكن خيانة العسكر أوهنت عزيمة جيش الخليفة فانكشف الناس عنه وبقي وحيدا في ساحة القتال وبيده السيف مصلتا وهو يصيح في الناس أن اصبروا وانصروا خليفتكم ولكن هيهات فقد حلت الهزيمة الكاملة بجيش الخليفة وطعن رحمه الله في خاصرته وأصيب بسهم في كتفه مقبلا غير مدبر فوقع أسيرا في يد اعدائه الذين قتلوه بلا ذنب غير أنه كان يريد اعادة الامور إلى نصابها الصحيح. ابتدأ المهتدي حكمه بأن ضرب له قبة اسماها قبة المظالم وكان يشرف فيها على المظالم بنفسه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم إنه امر بقتل الأسود والنمور وكلاب الصيد التي كانت في دار الخلافة (دار الخلافة عبارة عن مدينة متكاملة داخل العاصمة بغداد وكان فيها الكثير من القصور والحدائق وسكن الحاشية وغيرها من مظاهر أبهة الحكم ولم تكن مجرد دار صغيرة كما يوحي اسمها بذلك). ثم إن المهتدي رحمه الله طرد المغنين والمغنيات من دار الخلافة ومنع الخمر فيها وكان رحمه الله يصوم في كل يوم من أيام خلافته. وجاء في سير أعلام النبلاء عن أبو العباس هاشم بن القاسم: كنت عند المهتدي في عشية رمضان فقمت لانصرف فقال اجلس فجلست ثم صلى بنا ودعا بالطعام فأحضر طبقا عليه أرغفة وآنية فيها ملحٌ وخل وزيت، فدعاني إلى الأكل فأكلت أكل من ينتظر الطبيخ، فقال: ألم تكن صائما؟ قلت: بلى قال: فكل واستوف فليس هنا غير ما ترى. فعجبت وقلت ولم يا أمير المؤمنين وقد أنعم الله عليك؟ قال اني فكّرت انه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز، فغرت على بني هاشم وأخذت نفسي بما رأيت. فرحم الله أبو عبد الله الذي حفظ التاريخ اسمه وورعه وعدله وشجاعته وكم من مهتدي بالله غدر به الخونة فلعنهم التاريخ وحفظ سيرة الحكام الأبرار. هو ركن مملكة وحائط دولة وقريع شهباءٍ وكبش نطاح ‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

5326

| 06 مايو 2021

قصة الراهب ايولوخيو

أكاد أجزم بأن الأغلبية الساحقة من القراء الكرام لم يسمعوا أصلاً بهذا الاسم من قبل، ولا عجب ولكن أيضاً فجهلهم باسمه هو نقطة جوهرية نريد المحافظة عليها حتى الانتهاء من قراءة المقال، لعلها تكون أبلغ في إيصال الفكرة، فتعال معي أيها القارئ الفطن اللبيب إلى رحاب التاريخ الإسلامي الواسع الفخم لننبش أخبار هذا الرجل وماذا فعل؟. ولكن قبل أن نصل إلى ذلك، لابد أولاً من توطئة سريعة لفهم أبعاد قصتنا، فنقول وبالله التوفيق: بعد أن قهر الأمير البطل عبدالرحمن الأوسط (أبو المطرّف، عبدالرحمن بن الحكم بن هشام بن عبدالرحمن الداخل)، جحافل الفايكنغ الوثنية الهمجية وأغرق 36 سفينة من أصل 50 سفينة كانت قد جاءت إلى الأندلس من أقاصي شمال أوروبا طمعا في النهب والسلب، خرجت الكتب إلى الآفاق بخبر هزيمتهم، وكتب الأمير عبدالرحمن بنفسه إلى من بطنجة من صنهاجة، يعلمهم بما كان من صنع الله فيهم، وبما أنزل فيهم من النقمة والهلكة وهروب من نجا منهم وانقطاعهم بعد اثنين وأربعين يوما فقط، وكيف قتلهم الله وأبادهم، وبدَّد عددهم وأعدادهم؛ وقتل أميرهم نقمة من الله وعذاباً، وجزاء بما كسبوا وعقاباً، كما جاء في كتاب ابن عذاري. وهناك في أحد الأقبية المغمورة في قرطبة ابتدأت بالاشتعال شرارة سوداء في قلب رجل صليبي حاقد، وهذا الحاقد هو مركز قصتنا هذا اليوم، وهو الراهب ايولوخيو أو ايلوخيوس (طبعاً نقول: صليبي ولا نقول: مسيحي، لأن الفرق بين المسيحيين والصليبيين هو نفس الفرق بين المسلمين والدواعش). أخذت شرارة الحقد هذه تمور وتعتمل في قلبه وهو يرى هذا العلو الكبير في الأرض للمسلمين ولا يستطيع فعل شيء تجاهه، وكان مما زاد أوارها وألهب سعيرها أن رأى بأم عينيه الشباب المسيحي وهو يقبل على تعلّم اللغة العربية وإعجابهم بها "اللغة فقط وليس الدين"، فكاد قلبه الأسود يتميز غيظاً وحقداً ما لبث إلا أن ظهر على شكل تصرف غريب قلما شهد له التاريخ مثيلاً، ذلك أن اتباع الراهب (الإرهابي) كانوا يخرجون بتحريض منه في عمليات استفزازية غير مسبوقة إلى أسواق المسلمين ثم يرفعون أصواتهم سباً وشتماً للإسلام والمسلمين بل ويتطاولون على نبي الهدى عليه أفضل الصلاة والسلام. طبعا كان ذلك حدثاً فريداً في عمر التاريخ - ولم يتكرر بالطبع إلا في زمن الأعاجيب هذا الذي نعيشه – فكان المسلمون يردعونهم ويحاجونهم، ولكن لأن هؤلاء الحاقدين لم يخرجوا لإقناع احد أو لدعوة أحد بل خرجوا لمجرد تنفيس الغل الأسود والحقد المريض وليشبعوا المسلمين سباً وشتماً في دناءة غير مبررة، لذلك كانت تتم محاكمتهم علنياً ثم إعدامهم إن ثبت عليهم الجرم، وبطبيعة الحال لم يكن إثبات الجرم صعباً، لأن هؤلاء الأوغاد لم يكونوا يتوقفون عن بذاءاتهم حتى خلال محاكمتهم، وكان كلما تمسك المسلمون بالمحاكمة أمعن هؤلاء بالسب والشتم والتطاول على الإسلام والمسلمين، واستمر الحال على ذلك حتى قتلوا منهم 48 صليبياً لم تنطفئ فتنتهم إلا بعد أن تم إعدام ايولوخيو نفسه فهدأت الفتنة وعاد الشعب الأندلسي بكل طوائفه ودياناته إلى التعايش بسلام كما تعودوا، وذلك بعد أن مات رأس الفتنة. والسؤال الذي تبادر إلى ذهني وأنا أقرأ خبر هذا الرجل، هو موقعه من التاريخ؟ فهل خلد ذكره؟ وانتعشت سيرته بين الأجيال المتعاقبة؟، أم ابتلعته كتب التاريخ العتيقة بين طياتها وفي زوايا حاشيتها فيمن ابتلعت من "قوارض الدهر" الذين لا ينفكون يحاولون التجلّي والصعود إلى وهم الشهرة ؟، نعم يا سيدي الفاضل فهذا الايولوخيو عبر أمام أعين التاريخ كبعوضة مرت خاطفة لم يلق لها بالاً بالضبط كما هو مرجح أنك ستنسى اسمه بمجرد انتهائك من القراءة. وكم لعمري من "ايولوخيو" أو "ايلوخيوسا" مرّوا أمام ناظرينا محاولين الصعود إلى ذات الوهم عن طريق سب الدين وشتمه، فماتوا منبوذين متوجهين إلى ركام التاريخ كأن لم يكونوا يوماً، فهل يذكّرك هذا بشيء؟ لَقَد بَلَت إِرَمٌ وَعادٌ كَيدَهُ *** وَلَقَد بَلَتهُ بَعدَ ذاكَ ثَمودُ خَلّوا ثِيابَهُمُ عَلى عَوراتِهِ *** فَهُمُ بِأَفنِيَةِ البُيوتِ هُمودُ Mubarak.alhajri78@yahoo.com

2687

| 31 مارس 2021

كيف تعامل الرسول مع الوباء؟

إن المتتبع لسيرته عليه أفضل الصلاة والسلام لا يستطيع سوى التعلّق به وحبه حباً شديداً حتى لو لم يكن المرء على دين الإسلام، فلا عجب عندما وضعه مايكل هارت على رأس قائمة المائة شخص المؤثرين في التاريخ في كتابه الشهير، ولا عجب أن ترى هذه الهبّة المباركة من جميع المسلمين لنصرته عليه أفضل الصلاة والسلام على اختلاف مشاربهم، ولا عجب أن يكون اسمه هو أكثر الأسماء انتشاراً على كوكب الأرض على الإطلاق. وبعيداً عن جميع أشكال التنطّع، وحتى لا يزلّ قلمي فيدخل في مجال الفتوى الذي هو أكبر من طاقتي وأبعد غورا من ضحالتها، تعال معي عزيزي القارئ لنستقي الاقتداء السهل المباشر الموثوق من الصادق المصدوق نفسه بأبي هو وأمي، وكيف تعامل مع حمى المدينة المنورة بعدما جاءها، فهل جمع أهله وصحابته ودوابه ثم خرج إلى الخلاء في صلاة غريبة وطقوس عجيبة خارجة عن المألوف؛ ليدعو الله أن يزيل الوباء؟ وهل أوهم الناس بأنهم لا يستطيعون فهم بعد وعمق هذه الطقوس الدقيقة الغريبة؟ أم هل جابهها بما يستقيم مع المنطق السليم والفطرة الصحيحة البعيدة عن هرطقات وخزعبلات الطوائف والتيارات السابقة للإسلام واللاحقة له؟ لقد كان عليه الصلاة والسلام يقول الكلمة الواضحة فيفهمها الصغير والكبير ويفهمها كبار علماء الصحابة كما يفهمها الأعرابي البسيط في إعجاز لغوي علمي ديني لا يمكن أن يأتي ممن ينطق عن الهوى عليه وعلى أله وصحبه الكرام الطيبين أفضل الصلاة وأتم التسليم. يقول الشيخ الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة رحمه الله تعالى في كتابه البديع السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنّة الجزء الثاني: لما قدم رسول الله وصحبه إلى المدينة كانت أوبأ أرض الله من الحمّى فأصاب أصحابه بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيّه، وكان ممن وعكتهم الحمّى وهدت من كيانهم سيدنا أبو بكر الصدّيق ومولاه عامر بن فهيرة وسيدنا بلال بن رباح رضي الله عنهم أجمعين، فكان أبوبكر إذا اشتدت به الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله... والموت أدنى من شراك نعله وكان عامر يقول: لقد وجدت الموت قبل ذوقه... إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهد بطوقه... كالثور يحمي جلده بروقه (يعني بقرنه) وكان بلال يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة... بواد وعندي إذخر وجليل (نباتان من نبات البادية) وهل أردن يوما مياه مجنّة... وهل يبدون لي شامة وطفيل ( جبلان بمكة) قالت عائشة: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم، فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها، وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة. رواه البخاري وذكر ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حُمَىّ المدينة حتى جهدوا مرضًا، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم حتى كانوا ما يصلون إلا وهم قعود. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك، فقال لهم: (اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)، فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل. وهذا هو نهجه عليه الصلاة والسلام بكل سهولة ويسر ووضوح، فلا تنطع ولا هرطقة حاشاه بل هو اللجوء إلى الله بالدعاء أولاً، ثم مقاومة الحمى مقاومة جسدية تناسب وقتهم أنذاك تماما كما يناسب اللقاح الحالي وضعنا الآن إن احتسب المؤمن الأجر. ولا تنس يا سيدي الفاضل إنه قال أيضا (من رغب عن سنتي فليس مني) ‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

3913

| 24 مارس 2021

معركة ناڤاس دي تولوزا

تعرف في المصادر الاسلامية بمعركة (العقاب)، وكان قائد المسلمين فيها هو الناصر لدين الله الموحّدي. فمن الرجل؟ هو الناصر لدين الله أبو عبدالله محمد بن أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي (نسبة الى دولة الموحدين)، رابع حكام دولة الموحدين التي قامت على أنقاض دولة المرابطين العظيمة، وورث الناصر لدين الله عرش دولة الموحدين، وهي في أوج عزها وعظمتها، كما كان هو في أطيب سني عمره فلم يتجاوز السبعة عشر ربيعا حين استلم مقاليد الحكم. جاء في روض القرطاس: "انه كان حسن القامة، نحيفاً، أبيض، أشهل العينين (يشوب سوادها زرقة)، كثيف الحاجبين، طويل الأهداب، كبير اللحية، وكانت نظراته تشع ذكاءً وتفكيرا" انتهى الاقتباس. وبرغم كون هذه الامة المعطاءة دائما تفاجئ التاريخ بقادة عظام يملؤون الدنيا نجاحا وعزا وتمكينا لدين الله، الا ان المتتبع لسيرة الناصرالموحّدي هذا لا يجد فيها الا عنجهية شديدة وغباء صاعقا، يستحيل ان يتبعه نصر أو تمكين، مع احترامي لما جاء في الاقتباس أعلاه، فتعال معي نستعرض بإيجاز بعضا من سيرة هذا الرجل التي لن تتكرر في دولة ما الا وسيحصل لها نفس ما حصل للدولة الموحّدية، فالتاريخ يعيد نفسه ولا يرحم ولا يجامل. كان أول عيوب الناصر اتخاذه بطانة السوء، فكان يوكل شؤون الدولة الكبيرة الى مساعدين أغبياء عاجزين ويعطيهم كامل ثقته، ثم انه كان مستبدا برأيه فلا يسمع مشورة أحد غير وزرائه الحمقى خصوصا (أبو سعيد بن جامع) لا أسعده الله، والذي شكك الكثيرون في سوء طويته، حتى انك تظن انه كان يعمل لصالح أعداء الناصر من شدة غبائه هو الآخر. ابتدأ الناصر حكمه بقمع الثورات التي قامت عليه لسنين طويلة، كان يرى فيها بأم عينيه كيف كان الصليبيون في شمال الأندلس يتوحدون رويدا رويدا تحت قيادة الفونسو الثامن ملك قشتالة، الذي حلق رأسه واعتزل النساء ولم يغتسل بالماء بعد ما أصابه في معركة الأرك (Alarcos) الخالدة قبل 4 سنوات. واستغرق الامر الفونسو ثماني سنوات كاملة في الحشد لحرب المسلمين، تصالح فيها مع الممالك الصليبية الأخرى، وعبأ الجيش تعبئة روحية ومعنوية ومادية كاملة، واستدعى المدد من انحاء اوروبا، ولم يترك وسيلة الا اتخذها حتى جمع ما يزيد على المائتي الف مقاتل، كل هذا والناصر مشغول بقمع الثورات الداخلية. وبعد هذا الاستعداد الرهيب ابتدأت الحرب فعليا بحصار الصليبيين لقلعة (رباح) الاستراتيجية، وكان عليها (يوسف بن قادس) القائد الاندلسي البارع رحمه الله، فيما عبر الناصر الى الاندلس في جيش اسطوري تصفه بعض المصادر بنصف المليون مقاتل، موزعين في خمسة جيوش بسبب الكثرة العددية، وكان جيش الموحدين النظامي وحده يبلغ 160 الفاً، ولكن مع الاسف بدلا من ان يهرع الناصر لنجدة بن قادس، وبمشورة وزيره الاحمق، يحاصر قلعة ثانوية غير ذات اهمية لمدة ثمانية اشهر كاملة كانت كافية للصليبيين ان يسحقوا قلعة رباح. لذلك قرر بن قادس ان يسلم القلعة، على ان يخرج منها آمنا هو وقواته في ذكاء وتكتيك عسكري بارع لكي ينضم للناصر ويعينه بقواته، وايضا بالمعلومات المهمة من ارض المعركة بدلا من ان يهلك هو ومن معه او ان يتم تحييده عن المشاركة الفعالة في الحرب، ولكن لما وصل بن قادس الى الناصر، قام بمشورة من وزيره بإعدامه بتهمة التقاعس عن حماية القلعة، مما زاد حنق المسلمين خصوصا الاندلسيين وهم يرون حماقات الناصر ووزرائه التي لا تنتهي. لن أطيل عليك عزيزي القارئ بسرد التفاصيل الكثيرة لغلطات الناصر الفادحة والمروعة التى ادت الى هزيمة مزلزلة في معركة العقاب، حتى قيل: لم يوجد بعدها في المغرب الاسلامي كله ولا الأندلس رجل واحد يصلح للقتال ولا حول ولا قوة الا بالله. وهكذا نرى انه بسبب غباء الناصر وحروبه العبثية ووزرائه الاغبياء دخلت الدولة العملاقة طور الاضمحلال المحتوم فلم تقم لها قائمة بعد هذه المعركة، حتى انهارت تماما فقضت، فكانت كأمس الذاهب فاعتبروا يا أولي الأبصار. أتى على الكل أمر لا مرد له.... حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا ‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

2285

| 17 مارس 2021

جلد الذات

بعد أن انهارت الدولة الأموية العظيمة وقامت على أنقاضها الدولة العباسية تفرق بنو أمية في مشارق الأرض ومغاربها، وكان العباسيون يبحثون عن الأمويين فمن وجدوا منهم من يصلح للحكم قتلوه دون أن يتعرضوا للنساء والأطفال، وكان في من تعرضوا لهذا الوضع العصيب رجل يقال له (عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك)، فهو إذن حفيد أحد أكبر حكام بني أمية مما يجعله على رأس قائمة المطلوبين للدولة العباسية، وقد كان عمره حينها تسعة عشر عاماً فقط لما عرف العباسيون مكانه ففر هو وأخوه الصغير محاولين الهروب حتى ألجأوهما إلى نهر الفرات فعبراه سباحة ولكن شاء الله أن يقبض العباسيون على الأخ أصغر ويقتلونه، وعبدالرحمن هذا في عرض النهر يهرب سابحاً حتى قطع إلى الضفة الأخرى، ولك أن تتخيل هذه اللحظات التي تقصم ظهر أشد الرجال صلابة عندما خرج من النهر شريداً طريداً يرى أخاه يقتل أمام عينيه ولا يستطيع عمل شيء لإنقاذه. استمر هروب هذا الفتى قرابة الست سنوات، فر فيها من العراق إلى الشام والحجاز ثم مصر إلى أن لجأ لبعض أخواله من البربر في ليبيا، واستطاع خلال هذه الفترة أن يجتمع ببعض أهله الأقربين، ومن ضمنهم كان مولاه المخلص "بدر" الذي لعب دوراً محورياً في حياة هذا الرجل إذ عبر إلى الأندلس بأمر سيده عبدالرحمن الذي أخذ هو بدوره يراسل الأمويين ويجمع شتاتهم من أقطار الأرض، في حين كان "بدر" يقوم بأمر الدعوة الأموية في الأندلس إلى أن تهيأ الوضع لعبدالرحمن بن معاوية الذي عرف في التاريخ بـ "عبدالرحمن الداخل"، لأنه دخل الأندلس وحيداً وهو في الخامسة والعشرين من عمره، واستطاع أن يؤسس فيها للحكم الأموي من جديد فحكم أكثر من ثلاثين عاماً واستمر الحكم في عقبه قرابة الأربعمائة عام. ولما فرغ بدر من الاستعداد لقدوم سيده أرسل له رجلاً ليبلغه بالقدوم، فقال له عبدالرحمن: ما اسمك؟ فقال: غالب التميمي، فقال غلبنا وتم أمرنا بإذن الله. كان رحمه الله طويل القامة، نحيل الجسم، أعور العين خفيف العارضين أشقر الشعر وكان يجدله في ضفيرتين على طريقة العرب، ولابن حيان الأندلسي وصف بليغ لشخصية عبدالرحمن الداخل، أذكر من جملة قوله: "كان عبدالرحمن راجح العقل، راسخ الحلم، واسع العلم، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، بعيد الغور، شديد الحدة، قليل الطمأنينة، بليغاً مفوهاً، شاعراً محسناً، سمحاً سخياً، طلق اللسان، وكان قد أعطي هيبة من وليه وعدوه، وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها ومع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه، فإذا اجتمعت الشورى على رأي كان نافذ العزم في إنفاذه". وفي معركة المسارة التي انتصر فيها، يروى أنه قبل المعركة رأى رجال الجيش هذا الأمير على فرس أشهب عظيم محاطاً باتباعه ومواليه، فسرت شائعة في الجيش مفادها أن عبدالرحمن الداخل غريب عن هذه الأرض فلو انهزمنا فرّ على ظهر فرسه العظيم وتركنا نواجه الموت وحدنا، فلما وصلت هذه الإشاعة إلى عبدالرحمن الداخل توجه فوراً إلى أحد قادة الجيش من أهل الأندلس وقال له: هلّا بادلتني بغلتك بفرسي هذا؟ فإنه فرس جامح وأنا رجل رامٍ لا استطيع الرمي من على ظهر هذا الفرس (لقوته وجموحه)، وبالفعل تمت المبادلة قبل المعركة فلما رأى الجيش فعل أميرهم عرفوا أنه ليس فعل من ينوي الهرب فالتهبت قلوبهم حمية وشجاعة من شجاعة قائدهم الذي كان عمره حينها ستة وعشرين عاماً فقط، وهكذا هم القادة العظام الذين يثبتون ثبات الجبال في وجه أخطر الأزمات وأشدها. وبعد أن انتهت المعركة بفوز ساحق لعبدالرحمن الداخل وشرع جنوده يستعدّون لمطاردة الفارين من جيش العدو المهزوم منعهم من ذلك قائلا: "لا تتّبعوهم، اتركوهم، لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم". فانظر إلى بعد نظر هذا الرجل العجيب وكيف أنه نزع الحقد من قلبه فخلّد التاريخ سيرته، ولكن وبعيداً عن أي محور آخر، فالسؤال الذي أريد تركه بين يدي القارئ الكريم هو: هل لو كان عبدالرحمن الداخل محبطاً مهزوماً نفسياً، فهل كان يستطيع عمل ما عمل؟، خصوصا أنه رأى انهيار دولته أمامه ومقتل أخيه وما تلا ذلك من صعوبات؟، وهل تعتقد أنه كان يمارس ما نراه اليوم من جلد الذات عند بعض مثقفينا الذين لا ينفكون يحطمون نفسيات شبابنا بزعم ادعاء الحكمة والعمق وبعد النظر؟، أم هل كان يحمل روحاً متفائلة أوصلته إلى ما وصل إليه من مجد ورفعه؟، أترك الجواب لكم. لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب... ولا ينال العلا من طبعه الغضب Mubarak.alhajri78@yahoo.com

2826

| 10 مارس 2021

الحاكم بأمر الله الفاطمي

بداية وقبل كل شيء فإنه وبغض النظر عن أي جانب من جوانب تلك الدولة أو ذلك الرجل، فإننا في هذا المقال سوف ننظر فقط للجانب الإداري والقيادي والشخصي دون التطرق لأي أبعاد أخرى، وقد تتساءل عزيزي القارئ الفطن عن هذا "الاختزال" إن صح التعبير، فتعال معي سوياً لنسبر أغوار تلك الحقبة الزمنية البعيدة وذلك الرجل غريب الأطوار، لنرى كيف ابتليت به الأمة. فمن هو صاحبنا؟ هو (الحاكم بأمر الله) المكنى بأبي علي، المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله المهدي، أشهر حكّام الدولة الفاطمية أو العبيدية كما يسميها بعض المؤرخين. مات أبوه وهو على رأس جيش بعد أن جعل على هذا الطفل من يرعاه من الوزراء الذين ما إن مات الأب حتى جعلوا هذا الطفل حاكما عليهم ولقبوه (بالحاكم بأمر الله) واستبدوا هم بالأمر، ولكن يبدو أن هذا الطفل قد صدّق فعلا أنه يحكم في الناس بأمر إلهي وكأنه محدث ملهم معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فلما اشتد عوده وكبر وأصبح شابا يافعا صار صاحب شخصية قوية يشوبها الكثير من الغرابة أو قل الحماقة، فانقلب على وزرائه وتغلب عليهم وأصبحت جميع أمور الدولة في يده يولي من يشاء ويعزل من يشاء، وهذا طبيعي في الدول، لكن العجيب في قصته هو كمية التناقض والغرابة الشديدة التي جعلت من سيرة هذا الرجل أشهر من نار على علم. فمما يروى عنه أنه أصدر قرارا سيادياً بتحريم أكل (الملوخية) و(الجرجير) على عامة الناس وأحلها لنفسه فقط. وكذلك أمر الناس بالعمل ليلا والنوم نهارا واستمر هذا الأمر وقتا طويلا وشق ذلك على الناس ولم يغير من قراره الغريب هذا حتى مر ذات يوم على نجار يعمل في وقت النهار، فقال له: ألم ننهكم عن هذا؟.. فقال: يا سيدي اما كان الناس يسهرون لمّا كانوا يتعيشون بالنهار؟ فهذا من جملة السهر، فتبسم الحاكم ثم الغى هذا الأمر الغريب، فعاد الناس لحياتهم الطبيعية. استمرت فترة حكم هذا الحاكم "بأمره" لقرابة 25 سنة لم تكن سهلة على أحد أبدا من رعيته لشدة تناقضاته، ففي فترة من فترات حكمه تراه رفيقا بفئة شديدا على فئة أخرى من المسلمين وعلى اليهود والنصارى، ثم في فترة أخرى تراه يرفق بالنصارى فقط وفي فترة باليهود وفي فترة أخرى كان رفيقا متسامحا مع فئة من المسلمين بينما كان شديدا على غيرهم من يهود أو نصارى وهكذا. لم يكن لتناقض هذا الرجل حدود، فتراه يبني الكنائس ثم بعد فترة يهدمها على رؤوس أهلها، حتى أنه أمر بهدم كنيسة القيامة مشعلا بذلك سعير الحملات الصليبية بسبب تهوره وطيشه وجنونه، وأيضا تراه تارة يجبر اليهود والنصارى على دخول الإسلام إجبارا وإلا فالقتل أو النفي ينتظرهم، ثم تراه يبني المدارس الدينية الإسلامية على كل مذهب ثم بعد فترة يهدمها ويقتل كل المشايخ فيها، وهكذا في دوامة لا تنتهي من الجنون. وفي آخر حكمه عندما تطورت به حالة جنون العظمة هذه تخلى فجأة عن كل أبهة الملك والحكم وصار يلبس لباسا بسيطا ويتجول في الأسواق على حمار أجلكم الله ومعه عبد له ضخم الجثة يقال له "مسعود" فإذا وجد أحدا يغش في التجارة أمر مسعود بأن يفعل به الحرام والعياذ بالله، ثم تطور به الأمر أنه أمر الناس أن يسجدوا عند ذكر اسمه في خطبة الجمعة فيسجد الجميع حتى يسجد بسجودهم من كان خارج المسجد من المسلمين وغيرهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفي نهاية حياة هذا المجنون أصابه شغف شديد بالنجوم والأبراج فكان يخرج في الليل إلى جبل المقطم في القاهرة لينظر إلى النجوم، وكما كانت سيرة حياته غريبة فإن نهايته تبدو شبيهة في غرابتها كغرابة سيرته التي لم تتكرر إلا قليلا. إذا أنه خرج على حماره ذات ليلة إلى جبل المقطم ولم يرجع بعدها فبحثوا عنه ولم يجدوا له جثة ولكنهم أعلنوا وفاته بعد ثلاثة أيام من البحث، وفرح الناس فرحا شديدا بالخلاص من هذا الجنون الذي وصل حد التأليه والعياذ بالله، ولكن شاء ربك أن يخفيه من الوجود وبلا جنازة في نهاية يستحقها كل من استعظم نفسه على سائر الناس، والتاريخ دروس وعبر. ‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

6854

| 03 مارس 2021

قوة الحديد وجلد الشاة

"نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلّطنا على من حل به غضبه، سلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرفق بمن شكا، قد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب وعلينا الطلب، فأي أرض تؤويكم وأي طريق تنجيكم وأي بلاد تحميكم، فما من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع، فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عن الكلام، وخنتم العهود والأيمان وفشا فيكم العقوق والعصيان". هذا ليس جزءا من رسالة هارون الرشيد المشهورة الى نقفور ملك الروم بل جزء من رسالة طويلة بعث بها هولاكو خان إلى سيف الدين قطز سنة 656 هجرية بعد إبادة الدولة العباسية وإخضاع معظم الشام إن لم يكن كلها للسلطة المغولية. وقد تعجب عزيزي القارئ الكريم من هذه اللغة التي اعتمدها هولاكو في خطاب قطز وكأنه - أي هولاكو - لم يخرج بجنوده من منغوليا الا ليصلح الامور ويطهر الأرض من الفساد بزعمه، بينما كان معلوما لجميع من في الارض وقتها ان المغول لم يأتوا الا من أجل القتل أولا ثم الغنائم ثانيا، وهذه ليست مبالغة بل حقيقة موجودة في كتاب "الياسق" الذي ألفه لهم جنكيز خان وكان خليطا من الاحكام الدينية والدنيوية، من أبرزها ان قتل الاعداء يكفر عن الذنوب والخطايا بل حتى قتل حيوانات الاعداء أيضا، لذلك كثيرا ما تجد في تاريخ المغول انهم دمروا مدنا بكاملها وقتلوا كل من فيها حتى القطط والكلاب. وبرغم تلك الوحشية التي تفوح برائحة الدم والعداء الشديد الا اننا نرى هولاكو يخاطب المسلمين من هذا المنطلق، وكأن المغول هم الاخيار والمسلمين هم الاشرار، وهذا كثير ومتكرر في التاريخ. فهذا نابليون لما غزا مصر زعم انه لم يأت ايضا الا من اجل الاصلاح، وقد خاطب الشعب المصري في بداية حملته على مصر بخطاب طويل اذكر منه قوله "يا شعب مصر، لقد أخبروكم بأنني جئت لتدمير دينكم، لكن لا تصدقوهم، أخبروهم أنني جئت لاستعادة حقوقكم ومعاقبة المغتصبين، وأنني أحترم الله ونبيه والقرآن أكثر من المماليك، قولوا لهم إن جميع الناس متساوون أمام الله، الحكمة، المواهب، الفضائل هي الأشياء الوحيدة التي تجعل الإنسان يختلف عن الآخر". وهكذا ايضا تجد الغازي المحتل حتى ولو تسلّح بقوة الحديد والنار، الا انه لا يستطيع ان يتخلى عن التلبس بجلد الشاة ليخدع الناس فيتبعوه، هو تكرار للمبدأ ذاته لكن باختلاف الطريقة فقط لا غير. والسؤال الذي أطرحه بين يديك عزيزي القارئ - ونحن نستعرض هذه النماذج بعد مرور مئات السنين - هو: ما رأيك الآن في الذين طالبوا قطز وقتئذ بالاستماع لنصيحة هولاكو؟ وما رأيك بمن طالبوه بالحوار بحجة عدم إقصاء الآخر ومنحه منطقة ثقافية حرة حتى لا يتهم بالتخلف والرجعية؟ وما رأيك يا سيدي الكريم فيمن صدق نابليون من المصريين بحجة الاستماع لرأي من جاء سافرا عن وجهه القبيح ليهاجم احدى الضروريات الخمس إن لم يكن كلها؟. هل بإمكان هؤلاء "المثقفين" ان يصنعوا مجدا او يبنوا امة او ان يسهموا في ترك حضارة لغيرهم؟ ألا ترى معي فضل الله العزيز الذي جعل القيادات الاسلامية آنذاك تتجاهل سخافات أدعياء الثقافة في ذلك الزمان؟. إن مغول العصر الحديث أعمق خبثا وأشد وطأة على الدين من مغول جنكيز خان، فهم يتغلغلون في مجتمعاتهم مطالبين شعوبهم بمنح العدو الواضح ما لا يستحقه حتى لو كان ذلك على حساب شرف أمته. فهل من مدّكر؟ يهون علينا أن تصاب جسومنا 000 وتسلم أعراض لنا وعقول ‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

3115

| 24 فبراير 2021

الشجاعة عند العرب

قرأت زعماً لأحدهم أن العمليات القتالية الشجاعة التي يقاتل فيها الجندي حتى الموت ليست إلا اختراع ياباني نفذه اليابانيون في الحرب العالمية الثانية، وقد أستطيع أن أتفهم خجل البعض من دينهم أو خوفهم من أن يرتبط اسم الإسلام بالعمليات القتالية هذه، وهذا مفهوم بالرغم من أنه غير مبرر ولكن نفهمه على مضض، أما غير المفهوم فهو أن يأتينا من ليس له علم ولا اطلاع وهكذا وبكل سذاجة ينسف تاريخ ألف وخمسمائة سنة من الشجاعة الفذة التي سبقت الإسلام نفسه ليعطيها لشعب آخر نكن له الاحترام، ولكن لا ننقص من قدر ثقافتنا التي ارتبطت بالشجاعة والكرم ارتباطاً وثيقاً منذ وجد العرب على سطح الأرض. وعندما تتحدث عن العمليات القتالية من منظور ديني فهذا أمر له من يفنده ويؤصله من أهل الاختصاص، ولسنا هنا بصدد الفتوى الدينية، ولكننا سنأخذ الموضوع من منظور ثقافي دنيوي بحت، وسأتجنب عامداً ذكر بطولات الصحابة التي تزخر بها كتب الأدب واللغة قبل كتب التاريخ، وسنتجنب أيضا ذكر البطولات الإسلامية من غير العرب كالترك والأمازيغ بل وحتى الصقالبة وغيرهم الكثير، الذين قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل دينهم ومعتقدهم، لأن الأمثلة الدينية أكثر من أن يحتويها مقال متواضع مثل هذا، وهي كثيرة بالإمكان الرجوع إليها في أي كتاب من كتب التاريخ. لقد عرف العرب بالشجاعة الجنونية قبل الإسلام، وكان العربي الحر على أكمل استعداد أن يفني نفسه في سبيل كلمة مدح أو تفادي كلمة ذم، وهو في وقت السلم فما بالك بوقت المعركة، نعم عرف تاريخنا أيضاً الكثير من الجبناء فلسنا مجتمعاً ملائكياً، ولكننا نتكلم عن الثقافة العربية بشكل عام إن لم يرض صاحبنا بالثقافة الإسلامية. في سنة 71 هـ تقابل عبدالملك بن مروان بجيشه مع جيش مصعب بن الزبير في العراق وكان عبدالملك يحب مصعباً فأعطاه الأمان وأعطى ابنه عيسى بن مصعب كذلك، فأما مصعب فرفض قبول أمان عبدالملك مع علمه بأنه سيخسر ويموت في هذه المعركة، لأن الناس انفضوا عنه، ولكنه قال لابنه عيسى: اقبل أمان ابن عمك فإني أظن القوم يفون لك بأمانهم، فإن أحببت أن تستسلم لهم فافعل، فإني والله أحب بقاءك، فقال الابن الشجاع: والله لا تتحدث نساء قريش أني خذلتك ورغبت بنفسي عنك، فقال الأب: إذن فاذهب أنت ومن معك إلى عمك في مكة (عبدالله بن الزبير رضي الله عنه) وأخبره بما صنع أهل العراق ودعني فإني مقتول يومي هذا، فقال الابن الشجاع: والله لا أخبر عنك أحدا (أي لن أعيش بعدك لأخبر الناس بقصتك)، ولكن يا أبت الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة فقال الأب: والله لا تتحدث قريش أني فررت من قتال، ثم قال مصعب لابنه: تقدم إذن أحتسبك، فتقدم عيسى بن مصعب ومعه ناس قليل فقتل وقتلوا، ولما أراد جيش عبد الملك قطع رأس عيسى لأخذه إلى أميرهم حمل عليهم مصعب فانفرجوا عنه وكلما اقترب احدهم من جثة الابن هجم عليهم الأب لوحده حتى يبعدهم فقال عبد الملك: إنه والله يعز علي أن تقتل يا مصعب فاقبل أماني ولك حكمك في المال (أي خذ من المال ما شئت) فأبى واستمر يقاتل فقال عبدالملك: هذا والله كما قال القائل: ومدجج كره الكماة نزاله .. لا ممعنٍ هرباً ولا مستسلم ثم إن مصعب دخل خيمته وتحنط ثم خرج على جيش عبدالملك وقاتل حتى قتل فقطعوا رأسه ورموها أمام عبدالملك الذي خر ساجداً لله، وأمر بمصعب وابنه فدفنا وقال: قد كانت الحرمة بيننا قديمة ولكن هذا الملك عقيم. هذه نقطة من بحر يا عزيزي القارئ فلا مصعب بصحابي ولا ابنه عيسى كذلك، ولكنها نخوة العربي المسلم التي يندر أن تجدها في الثقافات الأخرى، وإن وجدت فستجد أهلها وقد تاهوا فخراً بهم وبشجاعتهم لا أن يتملصوا منها جبناً أو خورًا كما يفعل البعض للأسف الشديد. إرثنا الإسلامي والعربي بل وحتى تاريخنا الحديث مليء بالمفاخر التي يعجز عنها غيرنا فمن خجل من تاريخنا المشرف فاحثوا في وجهه التراب. وقد قال قائل العرب: أشد على الكتيبة لا أبالي أحتفي كان فيها أم سواها Mubarak.alhajri78@yahoo.com

11092

| 03 فبراير 2021

فلافيوس إيتيوس – آخر أبطال الرومان

في الفترة بين عامي 430 و450 ميلادية وفي فترة ضعف الامبراطورية الرومانية، ظهرت على الساحة السياسية والعسكرية الاوروبية قوة همجية شرسة هي قبائل (الهون) (Huns)، وهم قبائل اوروبية اختلف الباحثون في اصلها، فمنهم من قال انهم ينحدرون من أصول مغولية وتترية، ومنهم من قال غير ذلك في كلام كثير، لكن المهم انهم كانوا خليطا من قبائل وشعوب وثنية همجية من البدو الرحّل. وكانوا على درجة عالية من الشدة والبأس، بالاضافة الى اعدادهم الهائلة، علاوة على فروسيتهم الفائقة وتميزهم بها عن غيرهم من الشعوب، فكان يقال ان الفارس منهم يعيش اياما على ظهر فرسه ولا ينزل الا لقضاء الحاجة فقط، فكان يأكل ويشرب وينام على صهوة جواده، خصوصا في حملاتهم العسكرية او خلال رحلات الصيد. وقد وصلت قوتهم ذروتها تحت قيادة زعيمهم الشهير (أتيلا الهوني)، فقاموا بشن غارات مدمرة على الدول المحاذية للإمبراطورية الرومانية، فدمروا تلك الدول وقهروا من كان هناك من الشعوب المضيومة التي فرت منهم الى داخل حدود الامبراطورية الرومانية طلبا للأمان من قهر الطغاة. ومع هذا الفرار والازدياد المفاجئ في التعداد السكاني وزيادة العبء الاقتصادي على كاهل الامبراطورية الرومانية، انتهز (الهون) الهمج الفرصة وضربوا حصارا هجميا على تلك الدولة العريقة، وكانوا يطالبونها بمطالب سخيفة فيهددونها، إما بدفع الجزية والاتاوة تارة او بالغزو والتهديد العسكري المباشر تارة أخرى، وعقدوا لذلك التحالفات وجيشوا الجيوش، وكانوا على وشك اجتياح الامبراطورية فعلا. وفي ذلك الظرف الدقيق والحساس ظهر على المشهد السياسي الجنرال البطل - فلافيوس ايتيوس - او (آيشوس)، وفعل بالهمج الافاعيل فدوخهم وضرب بعضهم ببعض في تكتيكات بالغة التعقيد والذكاء، شملت جميع المستويات، فتجده تارة يفت في عضد العدو بالحرب النفسية التي كان مبدعا فيها، وتارة اخرى تراه يعقد التحالفات مع باقي قبائل اوروبا كالقوط الشرقيين (Ostrogoth)، وأحيانا بعض قبائل الهون انفسهم، في استغلال مذهل لكل التناقضات السياسية والعسكرية المتاحة آنذاك، الى ان تمكن أخيرا من تحطيم قوة الهمج وكسر تحالفاتهم في براعة قلما تجد لها نظيرا في التاريخ. بدأ هذا البطل الروماني حياته كرهينة عند احد ملوك القوط الغربيين (Visigoth)، ثم انتقل للعيش كرهينة عند احد ملوك الهون، ما مكّنه من معرفة تلك الشعوب وعاداتهم وطرق تفكيرهم، فاكتسب بذلك الخبرة والمعرفة اللازمة التي ساعدته على هزيمتهم لاحقا، بعد سلسلة من المعارك العسكرية الحافلة بالكثير من القيادة البارعة والتكتيكات العسكرية التي اكتسبها ايضا على مدى عشرين عاما قضاها في السلك العسكري، الى ان تكللت جهوده بالنصر العظيم على اتيلا الهوني نفسه في معركة (الحقول الكاتالونية) أو شالون (Châlons)، بعد ان تمكن من تشكيل جيش عرمرم بفضل تحالفاته الذكية، فقاد الكثير من القبائل والشعوب الاوروبية كالساكسون، والقوط، والفرنجة، والبورغونديون، وغيرهم من الشعوب التي تمكن ذلك الجنرال الفذ من اقناعهم بالانضواء تحت رايته. وبالرغم من تمكنه من تحقيق آخر نصر في عمر الامبراطورية العتيقة الا ان قصص الابطال لا تنتهي دائما كما تشتهي السفن. فبعد تلك المعركة الكبرى واقتناع الهون أخيراً بالصلح وتوقف القتال، علّق فلافيوس ايشوس سلاحه على جدار بيته، معتقداً انه فعل كل ما بوسعه للدفاع عن وطنه وتقديمه الغالي والنفيس، وعاد ليمارس حياته الطبيعية ولكن اعداء النجاح ممن لم يكن لهم هم سوى مصالحهم الشخصية ولو على حساب اوطانهم كانوا له بالمرصاد، فسعوا بالوشاية بينه وبين الامبراطور فالنتنيان الثالث، فتم اغتياله داخل بلاده، تلك البلاد التي لم تقم لها قائمة بعده واستمرت في الانحدار والضعف حتى انهارت في حدود عام 476 ميلادية على يد قبائل الهون، منهية بذلك حكم واحدة من اعرق الامبراطوريات التي عرفها التاريخ. ورحم الله الرئيس الشهيد الذي صدق حين قال: لا تقتلوا أسودكم فتأكلكم كلاب اعدائكم، وكان هذا ما حصل للرومان، ولكل زمان دولة ورجال والتاريخ دروس وعبر. ‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

3956

| 13 يناير 2021

مفارقات من غزوة الخندق

في العام الخامس للهجرة وبعد أن توالت الصفعات والضربات الإسلامية على قريش، كان المشركون يودون لو سنحت لهم الفرصة للقضاء على دويلة الإسلام الصاعدة للمجد وهم ينظرون، وكان يهود بني قينقاع وبني النضير أيضاً يشعرون بالقهر وبرغبة جامحة للثأر، فكلما مكروا مكراً أخزاهم الله؛ فامتلأت قلوبهم السوداء حسداً وغيظاً وحقداً على هذه الدويلة التي أعجزتهم، بل وأهانتهم شر إهانة؛ بما نقضهم للعهد والميثاق. هناك أيضا كان الأعراب الموتورون الذين ما حاولوا خطة ضيم لهذه الدويلة الفتية الصاعدة إلا وأخزاهم الله على يدها وردهم بغيظهم لم ينالوا شيئاً. فلا تعجب عزيزي القارئ إن اجتمعت قوى الشر وتكالبت على عباد الله وحاصروهم في ديارهم بجيش قوامه عشرة آلاف مقاتل وهو رقم في زماننا هذا يعتبر كبيراً جداً فما بالك بذلك الزمن البعيد ؛ حيث قلة المال والرجال والجهد والجوع وغيرها من عوامل. ومن المفارقات الجميلة والعجيبة أن الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والتسليم استعان بمشورة سيدنا البطل الفارسي سلمان، فقام بتجهيز تحصيناته استنادا إلى ما أشار به عليه، ولا عجب فهكذا القائد الفذ الذي يستعين بمن حوله من مواهب وإمكانيات، وهكذا المجتمع الصالح الذي ينصهر فيه العربي القح والفارسي الأصيل والرومي العريق والحبشي العزيز وغيرهم من أعراق في نسيج واحد وتحت قيادة موفقة وراية واحدة إلى هدف واحد يعرفه الجميع ويؤمنون به، طبعا وكما هو متوقع فإن من قام بالتأليب وحمل وزره كان اليهود، إذ قاموا بعمل وفد وجولات مكوكية بين رؤوس الغدر العربي لكي يوحدوا صفوفهم ضد المجتمع المسلم الفاضل. وقفة عجيبة: ومن أعجب المفارقات في غزوة الخندق أن المشركين "استفتوا" اليهود في خيريتهم، وهل دينهم خير أم دين محمد؟، وطبعا كانت الفتوى جاهزة من اليهود بأن الشرك وأهله أفضل وخير من دين الدويلة المسلمة وبالتالي فقتالهم فيه الخير كل الخير للجميع، وهذه من عجائب الموافقات التي قل تكرارها في زماننا، هذا ووالله لا يغفل عنها الفطن اللبيب المتتبع للأحداث، قال تعالى: " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ"، قال بعض أهل العلم: عني بذلك كل من أوتي علماً بأمر الدين وليس مقتصراً على اليهود خاصة، سبحان من يبين للناس آياته ويفصلها تفصيلاً لقوم يتفكرون. وفي شوال من ذات السنة أقبلت جحافل الشر تريد إبادة الدويلة المسلمة الناشئة، وانظر وتأمل معي هذه المفارقات العجيبة، التى والله يصعب أن تجدها تتكرر، فخرجت قريش يرأسها أبوسفيان بن حرب قبل أن يسلم وكان هو أكبر وأخطر عدو، بل كان هو شيطان العرب متجسداً في صورته المشركة قبل أن يَمن الله عليه بنعمة الإسلام، وخرجت الأعراب بأكثر الجيش يرأسهم عيينة بن حصن الذي سماه رسول الله ( الأحمق المطاع)، لأنه كان أحمق غبياً لكن يتبعه هذا العدد الكبير، لا لكفاءة منه ولا بسبب خبرة ولا حتى تجربة رصينة تؤهله لهذا المنصب القيادي ؛ بل لأنه ابن ( حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان الفزاري) فكانوا يتبعونه لأجل نسبه بينما كان هو بدوره يوردهم المهالك ولا يناقشونه في شيء ابداً، فانظر ثم تعجب حتى يعجب العجب من هذا الكم الهائل من هذه " المفارقات" التي لا تنتهي. سأتوقف هنا عزيزي القارئ بالرغم من تشبع هذه المعركة الأسطورية بما لا يستطيع مقال متواضع مثل هذا حصره، فلن نتطرق لخيانة بني قريظة للعهد وهم في عز المعركة، ولن نتطرق للمنافقين الذين أخذوا يفرون لواذاً من صفوف المسلمين، ثم سلقوهم بعد ذلك بألسنة حداد لما ذهب الخوف، ولن نسهب كيف تمكنت عبقرية الرسول القائد من الفتّ في عضد تحالف الشر حتى نجح نجاحاً باهراً في تفكيكه وتفتيته؛ ما أدى لهزيمتهم واختلاف أمرهم وذهاب ريحهم. لكني أختم بكلمة عظيمة قالها الصادق المصدوق بعد أن ارغم الله أنف أعدائه وحلفائهم الجبناء، فقال: "الآن نغزوهم، ولا يغزوننا " وبالفعل، فلم تقم لقريش وأحلافها بعدها قائمة أمام صبر وقوة شكيمة تلك الدويلة الصغيرة، وذلك (وعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). Mubarak.alhajri78@yahoo.com

2900

| 23 ديسمبر 2020

هل هذا زمن فتنة؟

قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر: يا أبت، ما لك لا تنفذ في الأمور وترد المظالم وتحمل الناس على الحق دفعة واحدة؟، قال له عمر: لا تعجل يا بني، فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة واحدة فيدفعوه جملة واحدة ثم تكون فتنة. رحم الله الخليفة الراشد " السادس" (وليس الخامس كما يزعم البعض، لأن الخليفة الراشد الخامس هو الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه )، ووالله إنها لكلمة تحمل من العمق ومن فقه الواقع ما لا يستطيع مقال واحد جمعه وحصره وتفنيده. كثيرا – أيها السادة - ما تدور النقاشات حول الزمن الذي نعيش فيه وهل هو زمن فتنة أم لا؟ والحقيقة أن المتفكر في الأمور يجد أنها وبرغم ما يشوب بعض الأحداث من غموض في بعض الأحيان إلا أنها واضحة أيضا كالشمس في رابعة النهار. وقد يقول قائل: إن الثورة المعلوماتية التي نعيشها الآن أدت إلى نتيجة عكسية، لأن ارتفاع العرض المعلوماتي كثيرا على حساب الطلب جعل المعلومات تتدفق وتنهمر علينا بغزارة شديدة من كل جانب حتى طغت على وجداننا وأصبحت كثيرة للدرجة التي لم نعد نرغب فيها فأعرضنا عنها جملة واحدة، على طريقة عمر بن عبدالعزيز. هناك العديد من النظريات الحديثة التي تقدم بعض التفسيرات المنطقية للتفكير الجمعي في زماننا هذا ومتغيراته التي قد تفوق طاقة العقل في بعض الأحيان، ولكن لا بأس من تبسيط الأمور والاسترشاد بالتاريخ الذي يعيد نفسه كما يزعم بن خلدون. وبالعودة إلى العنوان فينبغي علينا أن نعرف أولاً أننا لسنا في القرن الأول الهجري، ذلك القرن المزدحم بالأفكار والمناهج والمدارس الفكرية الجديدة وانقطاع النبوة ثم قيام الملك العضوض ونهضة "الإمبراطورية" الأموية وما صاحب ذلك من تغيرات فاقت قدرة الاستيعاب البشري، وذلك حين خرجت قبائل العرب من صحرائها بفكر ومعتقد جديد فدمّرت الإمبراطورية الساسانية أقوى دولة في العالم آنذاك وعصفت بالإمبراطورية الرومانية حتى كادت تقضي عليها في غضون سنوات قلائل فقط. وينبغي للقارئ الكريم أن يعرف أننا لا نعيش أيضا نهاية الدولة العباسية عندما اعتقد الناس أن المغول هم يأجوج ومأجوج الذين بعثهم الله لإفناء النوع البشري، فلا داعي للمقاومة ولنستسلم كلنا لمصيرنا المحتوم، ونرضى بأن يدخل علينا الرجل الواحد من المغول في شارع فيه أكثر من مائة رجل منّا ثم يشرع بقتلنا الواحد تلو الآخر حتى يقتل كل من في الشارع بدون أي مقاومة، وهل هناك عاقل يستطيع مقاومة يأجوج ومأجوج؟. وينبغي أن نعرف أيضا أننا لا نعيش في زمن دويلات الطوائف حين كان الملوك يفرضون سيطرتهم على شعوبهم بتغييب عقولهم عن طريق الشعراء والخطباء من ناحية ثم عن طريق القوة الجبرية من ناحية أخرى في حين كانوا يرتمون تحت أقدام أعدائهم في ذلّ قبيح وهوان غير مسبوق حتى وقتنا الحالي بالطبع. وبالرغم من تشابه هذه الأمثلة الثلاثة مع كثير مما يحدث حولنا الآن إلا أنه يجب أيضا أن ننوه بأننا – وعلى غير العادة- بتنا نمتلك سلاح المعرفة الذي لم يكن أسلافنا يمتلكونه عندما كان التاريخ يعيد نفسه في أطواره المتكررة. وبالتالي فهذا ليس زمن فتنة أيها السادة الكرام، فقد سقطت ورقة التوت وانكشفت كل ألاعيبهم وحيلهم ومؤامراتهم ومحاولات تغييب عقول شعوبهم قبل الارتماء تحت أقدام الأعداء بكل قبح، فلم يعودوا يخدعون أحداً إلا من أراد لهم أن يمتطوا ظهره عن ضعف منه وغياب عقل أو عن حماقة لا علاج لها إن لم يكن عن اشتراك متعمد مقصود في المظاهرة على الأمة الإسلامية وشق صفها واضعافها رغبة أو رهبة، فإن أردت الاستيضاح أكثر عن ما هو واضح، فانظر إلى قدر مواطأة أي طرف إلى أعداء الشريعة ثم حدد موقفك منه، وتحمّل النتائج. يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول ‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

2655

| 16 ديسمبر 2020

alsharq
العرب يتألقون في إفريقيا

في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...

1287

| 08 يناير 2026

alsharq
«الكشخة» ليست في السعر.. فخ الاستعراض الذي أهلكنا

امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...

1131

| 07 يناير 2026

alsharq
حين لا يكون الوقت في صالح التعليم

في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...

1041

| 07 يناير 2026

alsharq
توثيق اللحظة... حين ننسى أن نعيشها

للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...

768

| 13 يناير 2026

alsharq
لومومبا.. التمثال الحي الذي سحر العالم

اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...

759

| 11 يناير 2026

alsharq
مشاريع القطريات بين مطرقة التجارة وسندان البلدية

سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...

609

| 08 يناير 2026

alsharq
السلام كسياسة.. الوساطة هي جوهر الدبلوماسية الحديثة

الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...

561

| 09 يناير 2026

alsharq
معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...

558

| 12 يناير 2026

alsharq
هدر الكفاءات الوطنية

تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...

546

| 12 يناير 2026

alsharq
الوطن.. حنين لا يرحل

الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...

468

| 09 يناير 2026

alsharq
تقسيم المنطقة مشروع غربي صهيوني

لم تعد مسألة تقسيم المنطقة مجرد سردية عاطفية...

420

| 08 يناير 2026

alsharq
السياسة الخارجية التركية عام 2025

شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...

411

| 12 يناير 2026

أخبار محلية