رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فهذا يعني أن الأمة العربية حينها بلغت شأناً عظيماً في مكارمها بدليل قوله (لأتمم) مما يوحي أن هذه المكارم اقتربت من الكمال برغم سلبياتهم كالشرك بالله والسلب وغيرها. وأذكر هنا قول القائد العسكري الفذ المهلب بن أبي صفرة رحمه الله: عجبت لمن يشتري العبيد بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه؟، ولعمري لا معروف يأسر الأحرار مثل الكرم كيفما تعددت أوجهه فكرم المال وكرم الجاه وكرم الأخلاق وقس على ذلك. ولذلك فأعظم وأعز ما افتخر به العرب هو الكرم، فجعلوه على رأس فضائلهم، بل إنهم قدموه على الشجاعة حتى سمّوا فضائلهم ومفاخرهم (مكارم) لعظيم قدره عندهم برغم عشقهم لباقي مكارمهم العظيمة إلا أن الكرم كان ولا يزال وسيظل هو رأس فضائلهم حتى قيام الساعة. ولن نتطرق هنا لحاتم الطائي الذي ربما يعرف عنه القارئ الكريم ما يفوق علمي المتواضع، ولكن انظر معي هذا الإبداع العجيب من الحطيئة في رائعته عن وصف منتهى الكرم والتي مطلعها (وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل... بصحراء لم يعرف بها ساكن رسما)، إذ يروي فيها الشاعر قصة رجل فقير يسكن الصحراء فما راعه إلا ضيف جاءه فجزع الفقير لأنه لا يجد ما يكرمه أو يضيفه به حتى كاد أن يذبح أحد أبنائه ليكرم ضيفه، ولكن لطف الله ينقذه من ورطته بظبية سمينة كثيرة الشحم أكرم بها الضيف ونجّى الله بها الابن فقالت العرب (الكريم مُعان). ولا ننسى لاميّة حسان بن ثابت الباذخة في مدح الغساسنة لما قال (يُغشون حتى ما تهرُّ كلابهم... لا يسألون عن السواد المقبل)، يعني أنه من كثرة ضيوفهم، اعتادت كلابهم على المنظر فلم تعد تنبح بل ولا حتى تهرّ لرؤية الضيوف، ثم إن القوم لا يسألون عمن يأتيهم فإن كان ضيفاً أغدقوا عليه وافر كرمهم وإن كان عدواً قاتلوه بشجاعة، فانظر كيف قدّم شاعر الرسول الكرم على الشجاعة. ونحن هنا لا نقصد الإفراط في الكرم، لأن الفضيلة تقع بين رذيلتين، كما قال بعض الفلاسفة، ومن ذلك ما فعله غالب بن صعصعة (والد الشاعر الفرزدق) في قصة يطول سردها حينما أوصله كرمه المجنون إلى أن ركب فرسه وانطلق بين إبله يضربها بسيفه وهو يصيح: عقراً عقراً وهي تفر هاربة حتى عقر من إبله أكثر من مائة ناقة ليطعم قومه وبني عمه، بينما كان يكفيهم ناقة واحدة فقط، حتى أن الخليفة أراد أن يعاقبه على هذا السفه لما سمع به ولكنه فر واختفى. وعلى الطرف الآخر أيضاً، هناك عدو المكارم كلها، وناسفها، وقامعها، وماحيها فلا ينفع معه أي فضيلة كانت، وهو البخل الذي يقبع في أحط وأحقر درجات الذم ولا يعرف العرب أحقر شيء من البخل، ولا يجدون للبخيل عذراً ولو انطبقت الخضراء على الغبراء ومهما كان الأمر فلا يساومون في ذمه ولا حتى ذم من لم يذمه لدرجة أنهم اعتبروا أهجى بيت قالته العرب كان عن البخل، وذلك في قول الأخطل ( قومٌ إذا استنبح الأضياف كلبهم.. قالوا لأمهم بولي على النار) ولا يسع المجال لشرح هذا البيت الدامغ القاصم المبالغ في فحش الهجاء كما اشتهر شعر العصر الأموي. وعلى أي حال وبرغم تمسك العرب والمسلمين بالكرم وحفاظهم على مكانته بين الفضائل منذ زمن الجاهلية وصدر الإسلام إلى يومنا هذا إلا أنه خرج علينا في هذه الأيام نوعية عجيبة غريبة، عجزت بهم صفاتهم عن اللحاق ولو بساقة ركب الأكارم الأفاضل فلم يجدوا ما يحشرون أنفسهم معهم إلا أن يتمنن أحدهم على أحرار الناس بما وهب فينتهي به الأمر إلى أن يوقع نفسه في مكان لا تعرفه العرب لشدة سفالته ووالله لم نسمع عن عربي جاهلي وثني يعبد الأصنام ويشرب الخمر وقد تمنن أو امتن على أحدهم يوما ما أو ذكره بفضله عليه، فما بالك بمن يمتنّ على الناس وهو لا فضل له من الأساس؟. لذلك فلا عجب أن قال من لا ينطق عن الهوى في صحيح البخاري: (إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعُودُ فِي عَطِيَّتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ فَأَكَلَهُ). ويعلق ابن حجر قائلا (لَيْسَ لَنَا مَثَلُ اَلسَّوْءِ) أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها قال تعالى (لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلى)، ولعل هذا أبلغ في الرجز عن ذلك وأدل على التحريم مما لو قال مثلا: لَا تَعُودُوا فِي اَلْهِبَة. فهل من قارئ مبلِّغ أوعى من كاتبٍ مسترسل؟. Mubarak.alhajri78@yahoo.com
6135
| 02 ديسمبر 2020
صديقي (أحمد) إنسان منصف وعاقل، بينما صديقي (يوسف) إنسان بسيط ظاهريا، وإن كان لا يخلو من رعونة أحيانا، ولولا معرفتي به لاتهمته بالخبث المغلف بالرعونة. شد انتباهي احد النقاشات بينهما ذات ليلة، بالرغم من أن النفس قد شارفت على التخمة من كثرة النقاشات، لكن ذلك النقاش تحديدا أثار انتباهي، ليس بسبب محتواه بل بسبب أسلوب النقاش نفسه. أولا: كان النقاش يدور حول سؤال طرحه (يوسف) وهو: لماذا استضافت قناة الجزيرة الرئيس الفرنسي لإيضاح موقفه وإيصال رسالته؟ هل انتم تخدمون توجهه؟ هل تريدون مساعدته في تبرير موقفه؟ ألا تحبون الرسول عليه الصلاة والسلام؟ هل كنتم ستفعلون كذا لو قال كذا؟ أو فعل كذا؟ إلى آخر الديباجة المهترئة والمحشوة بالافتراضات التي لم تحدث أصلا حتى نناقشها، ولكنها نفس الديباجة التي مللنا سماعها والتي لا تنتهي عادة إلا بما يريده الذي أخذ زمام المبادرة والذي كان في هذه الحالة صديقنا (يوسف). أما (أحمد) وبالرغم من ذوقه العالي وأدبه الجم وذكائه المتقد واحترامه للموجودين، كان قد بدا لي وكأنه وقع في "الفخ" من حيث لا يعلم، ربما بسبب اتخاذه موقفا عاقلا كان يريد منه الإنصاف والإنصاف فقط. لكن وكما تعلم عزيزي القارئ فإن ذلك المنهج الحواري المتحضر لا يجدي نفعا مع نوعية (يوسف)، والذي كان واضحاً أنه يعتمد على الإثارة في النقاش عن طريق "استمطار" و"استدرار" عواطف الحضور ليكسبهم في صفه، معتقداً انه هكذا تدار النقاشات وأنه هكذا يتم الانتصار فيها بغض النظر عن حجة (أحمد) أو أي شيء يقوله حقاً كان أم باطلاً. لا بد انه قد مر بالكثير منا مثل هذا الموقف، ووجد نفسه في مكان (أحمد) وهو لا شك استفزاز لكل صاحب حق، ولكن الحقيقة هي أن هذا الموقف بسيط جدا وفخ قديم يسهل الخروج منه، بل وقلب الطاولة على رأس صاحبه، ثم اتخاذ موقف الهجوم بل والهجوم القوي أيضا، والاستشهاد بالقرآن الكريم نفسه لكى تقضي على حجة المجحف قضاء مبرما، يمكن أن يضعه في موقف محرج ربما لن ينساه لفترة طويلة. ولكن أولا: دعونا نأخذ النقاش من بدايته ونستعرض أهم عناصر هذا الفخ لكي لا نقع فيه نحن، ولكي نستطيع المشاركة بفاعلية أكبر والرد بكل اريحية على من يناقش من اجل ان ينتصر لنفسه لا للحق. هذا الفخ عزيزي القارئ يطلق عليه "نقطة الارتكاز" (Anchoring) وهو أن يبدأ الطرف صاحب الشبهة (يوسف) بطرح سؤال مشبوه مثل هذا، فانتبه حينئذ جيدا واعرف ان من يحاورك إما أنه ينصب لك فخاً، أو ربما يكون هو قد وقع ضحية هذا الفخ "المصنوع" ربما من جهات أخرى. أقول لك انتبه لأنه بمجرد ان تجيب على سؤاله بأي جواب كان فإنك قد سلمته عنق النقاش ليعبث به كما يشاء، ويسرح ويمرح بلا أدلة، أو حتى بلا استماع لك اصلا في بعض الحالات المتعصبة، فتجد نفسك مهما صرخت بأعلى صوتك متكلما بالحق لا حياة لمن تنادي. لكن اعرف يا سيدي الكريم أن نقطة الارتكاز الاصلية ليست حكرا لأحد، وبإمكانك أن تعيد صياغتها بسؤال بسيط وهو (ولم لا تريد الجزيرة أو أي قناة أخرى أن تنقل اللقاء؟)، ثم اترك الكرة في ملعب (يوسف) قليلا لكي يبرر هو نقطة ارتكازه وسيكون تبريره غالبا هو (لأنها استضافت من أساء لنبينا ﷺ) "في استدرار عواطف الحضور"، فإن فعل هذا يمكنك عندها أن تسأله مباشرة: إذن لماذا أمر الله موسى عليه السلام بمحاورة فرعون وهو الذي قد أساء للذات الالهية وجاء بما هو أعظم وأطم؟ ولماذا أخبرنا الله عن تفاصيل نقاشهما في كتابه؟ أليس لنقتدي بها؟ أم لنصم آذاننا عمن يخالفوننا؟ ثم اترك له الكرة في ملعبه قليلا من باب الإنصاف، ولكي يتسنى لك اكتشاف ما هو الهدف الحقيقي من إثارة هكذا نقاشات وعندها لكل مقام مقال. Mubarak.alhajri78@icloud.com
2199
| 04 نوفمبر 2020
من أجمل وأعذب الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان كلما ضاقت النفس بسبب حال الأمة، هي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقراءة السيرة النبوية تعطيك قوة وطمأنينة لا يمكن لغير المسلم فهمها وإدراك أبعادها وتأثيرها على النفس. فحين قراءتها بارتباط روحي مع سيد الخلق واستشعار عظمته وقربه منك كمسلم، تتفجر في داخل النفس طاقة الأمل العملاقة، كما تتجدد أيضاً الثقة بالله والاطمئنان أن الله متم نوره ولو كره الكافرون. ونحن الآن في هذا الظرف السياسي الحساس والدقيق جداً بأمس الحاجة للعودة إلى جذورنا الدينية المتصلة بخير البشر صلى الله عليه وسلم، وقراءة سيرته وفهمها ودراستها دراسة تحليلية تتناسب وظروفنا الحالية لنتعلم منه كيف ربى جيلاً كاملاً من الأبطال الأسطوريين الذين لم يعرف التاريخ جيلاً مثلهم رضي الله عنهم وألحقنا بهم في جناته. ولو تدبر الإنسان المنصف (مسلماً كان أم غير مسلم) لحار فكره وامتلأ عقله بالأسئلة التي تتناول أسباب حب وتضحية أصحاب النبي له، فمن موقف فتى الفتيان علي بن أبي طالب وفدائيته الفذة ليلة الهجرة إلى موقف أبي بكر لما أدخل رجله في خلل الغار حتى إذا كان فيها هامة أو ثعبان أو عقرب تلدغه هو قبل الرسول صلى الله عليه وسلم. أم هل سيتفكر ذلك المنصف في خباب بن الأرتّ الذي فضل الموت مقيداً على أن يصاب الرسول صلى الله عليه وسلم بشوكة في رجله؟ أم موقف حبيب بن زيد الذي قتله مسيلمة الكذاب وكان يطعمه لحمه فيقطع العضو ويسأله أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول أشهد أن محمداً رسول الله! ويقول أتشهد أني رسول الله؟ فيقول لا أسمع، وذاك يقطع من جسده ويحشر لحمه في فمه الطاهر حتى مات ولم ينثني؟. أم هل سيتفكر في موقف سماك بن خرشة (أبو دجانة) الذي رمى نفسه على رسول الله ليحميه بظهره من ضرب النبل في غزوة أحد؟ حتى قالوا إنه لما خرج من الحفرة كان يشبه القنفذ لكثرة السهام التي أصابت ظهره!. هي علاقة أعمق من أن يلامس شغافها جاهل حاقد أو فاشل يريد أن يرمي بفشله عله يصرف الأنظار عنه، ولا يفوتني أن أذكر هنا موقفاً حازماً لأحد عقلاء المشركين وكبارهم في غزوة الحديبية وهو عروة بن مسعود الثقفى قبل أن يسلم رضي الله عنه عندما جاء يفاوض النبي عن العمرة أو القتال، وعروة هذا هو الذي شهد له مشركو العرب بالعظمة وأثبت الله شهادتهم لما قال جل جلاله (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) أحدهما هو عروة بن مسعود، فلما كان يفاوض النبي ليرده عن عمرة الحديبية شهد بنفسه ورأى حب الصحابة له صلى الله عليه وسلم فانبهر أشد الانبهار وانخلع قلبه عندما رأى أنه لما توضأ صلى الله عليه وسلم لصلاة الظهر كاد الصحابة يقتتلون على فضلة وضوئه فما سقطت قطرة ماء واحدة على الأرض من شدة حرص وحب الصحابة له. فعاد إلى قريش قائلاً: يا قوم قد وفدت على كسرى في ملكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، فوالله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمدٍ محمدًا!، فلا يحدون النظر إليه تعظيماً له وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وإن أمرهم أمراً ابتدروه ووالله لقد رأيت أقواماً لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم. قالها خوفاً على قريش من حب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له، والأمثلة الأخرى أكثر من أن يحصرها مقال واحد ولها شواهدها ممن عاصروه من سادة الناس وعقلائهم وحكمائهم. فإن خرج أحدهم يريد الانتقاص منه بأبي هو وأمي فلن يعدو على أن يكشف سوأة جهل نفسه وانعدام فهمه وقلة اطلاعه وقصر نظره وسوء حكمه، ولكن الأعجب منه هم من انساقوا على إثره سواء بالصمت عن موقفه أو حتى بالتأييد إما خوفا أو مهانة ضربها الله عليهم، فلا يستطيعون الرد ورضي الله عن حسان بن ثابت الذي أخرس كل متردد من أدعياء التعقل والتروي بقوله: هجوتَ محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمدٍ منكم وقاء Mubarak.alhajri78@icloud.com
4519
| 28 أكتوبر 2020
كلنا قد سمعنا باسم (أبو جعفر المنصور) الخليفة الثاني من خلفاء الدولة العباسية، والقلة يعرفون ان اسمه هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، اي ان أبا جده هو الصحابي المشهور عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن. فما علاقته بالراوندية؟ بعد قيام دولة بني العباس، جاء دور أبي جعفر للخلافة بعد اخيه، واستلم مقاليد الحكم هذا الداهية الرهيب ورجل الدولة القوي جداً، الذي يعتبر هو المؤسس الفعلي والحقيقي لتلك الدولة التي استمرت لمدى خمسة قرون كان كل حكامها من ذريته، فهو بحق كما قال عنه المؤرخون: فحل بني العباس هيبة وشجاعة ورأيا وحزما ودهاء وجبروتا. وذكر عنه احد المؤرخين ايضا انه لم يعرف في التاريخ الاسلامي وغير الاسلامي رجلاً يوازي دهاء وذكاء هذا الرجل الا معاوية بن أبي سفيان الذي تفوق عليه في الذكاء والسياسة. ولكن لسنا هنا لنتوسع في سيرة الخليفة المنصور العجيبة والتي بحق تستحق القراءة، بل دعونا نفكر في حال من يحكمهم حاكم بهذه الصفات؟ والحقيقة ان الشعب العباسي في عمومه كان مطيعا للخليفة، ولكن ظهر في عهده فرقة مشركة غلت في أبي جعفر المنصور حتى عبدوه من دون الله. تلك هي فرقة الراوندية المشركة، والتي كانت تؤمن بتناسخ الارواح، فكانوا يعتقدون ان روح آدم انتقلت حتى حلّت في رجل من قادة أبي جعفر اسمه عثمان بن نهيك، وكانوا يعتبرون رجلا آخر من رجال الخليفة اسمه الهيثم بن معاوية بمثابة جبريل عليه السلام، فكانوا يطوفون حول قصر أبي جعفر كطواف المسلمين حول الكعبة ويقولون "هذا رب العزة، هذا الذي يطعمنا ويسقينا". وبطبيعة الحال لم يكن أبو جعفر ليرضى بهذا الشرك الاكبر، فأمر أولا بحبس زعمائهم، فثارت هذه الفرقة على معبودها! ولا تعجب عزيزي القارئ فإن الضلال يأتي متشابكا مربكاً لعقول أصحابه نسأل الله السلامة. وفي ثورتهم السريعة المربكة والمرتبكة هذه تمكنوا من قتل عثمان بن نهيك الذي زعموا أنه آدم، ولكن الخليفة البطل خرج لهم ومعه بعض خاصته، ووقف عامة الشعب مع خليفتهم (لأن جيش الخلافة لم يكن في قصر الخليفة) فهزموا الراوندية بإذن الله، وتمكنوا من القضاء على ثورتهم الغريبة العجيبة تلك، التي يعجب الانسان اشد العجب من كيفية تأليه الناس لبشر مثلهم!. وقد لا نستغرب عندما نرى اليوم بعض الفرق التي تعبد الاشجار والاحجار والحيوانات وغيرها في بعض الدول، لكن الغلو في الاشخاص والاشياء قد يجرف الشخص بعيداً حتى يخرجه من الملة والعياذ بالله. قال الرسول عليه افضل الصلاة والسلام: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة الليل"، ونحن نقول "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم". وأعجب من الراوندية الذين التبس عليهم الامر هم بعض من رأينا من الشعب الاماراتي الذي رأيناه يتسابق مع حكومته في الرفع من شأن الكيان المسمى اسرائيل، حتى اقتربوا من الغلو فيهم، فإن كان الراوندية افتتنوا بأبي جعفر للصفات الآنف ذكرها، فماذا وجد الاماراتيون في حكامهم حتى يفتتنوا فيهم؟ ويا ليته كان فيهم من يوازي أبا جعفر، ولكنهم - وخصوصاً ولي عهد امارة ابوظبي - برعوا فقط في الدسائس والمؤامرات تجاه كل ما هو اسلامي، فما سر هذا التقديس ايها الاماراتيون؟. فإن قلتم انه القمع، فنقول لهم: ألا تسعكم بيوتكم فتكتمون ايمانكم كمؤمن آل فرعون؟. لأنه لا يستقيم ان تنكر بقلبك ثم تصور ابناءك حاملين أعلام الكيان الغاصب المغتصب. ولا يستقيم ان تنكر بقلبك ثم تصور المعبد الوثني على انه معلم من معالم التسامح. ولا يستقيم ان تؤمن بالله بقلبك ثم تخرج على الملأ بمدح من حاد الله ورسوله، ثم بذر بذور الانشقاق بين الاخوة. لا يستقيم هذا كله ولا يمكن للعقل ان يقبله ابداً. للمعلومية، حتى مؤمن آل فرعون كشف ايمانه عندما وصل الامر الى تجاوز الحدود القصوى، فمتى نرى مؤمني آل فرعون في الامارات؟.
3838
| 26 أغسطس 2020
عندما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة كان فيها ثلاثة أطراف متساوية القوة لم يكن أي منها يحكم المدينة. فكان فيها قبيلتا الأوس و الخزرج العربيتان وكان القسم الثالث اليهود وهم عبارة عن ثلاث قبائل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. وكانت قبائل اليهود متحالفة مع الأوس والخزرج كل على حدة فكان بنو النضير وقينقاع أحلاف الأوس وبني قريظة أحلاف الخزرج وظلت هذه الأطراف أو الطوائف المتحالفة في صراع مرير مستمر، وكان هذا الصراع عادة بين الأوس والخزرج وأما القبائل اليهودية أو الحلفاء اليهود فلا يتدخلون إلا للضرورة القصوى وعادة ما تكون هذه الضرورة هي استمرارية العداء فلا يغلب أحد ولا تقع يثرب تحت سيطرة طرف واحد. ولم يعلم اليهود أنهم إنما كانوا ينفذون مشيئة الله بأن عملوا على تهيئة يثرب لأن يحكمها محمد صلى الله عليه وسلم فانظر إلى تدبير العزيز الحكيم ! فبعد وصوله عليه الصلاة والسلام وبعد أن بنى المسجد الذي كان مقر الحكم الإسلامي قام بحركة إبداعية لن تجد لها في التاريخ مثيلا وهي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فكان لكل أنصاريّ أخ مهاجري. والإبداع هنا ومن وجهة نظر سياسية هو تذويب الأحلاف السابقة مع اليهود بالرغم من أنه أقرّها ولم ينقضها ولكن بعملية المؤاخاة تلك أصبحت هذه العلاقة الجديدة هي الأولوية في نفوس الأنصار من القبيلتين وهذا يعني تلقائيا انقلاب الوضع من ثلاث طوائف متقلبة الحال والوضع إلى قسمين جديدين هما المسلمون واليهود، أو على الأقل هكذا فهمها اليهود. بعدها كاتب الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود وعاهدهم وهو في موقف قوة بما عرف في التاريخ بـ"وثيقة المدينة" ويتضح ذلك من بنود تلك الوثيقة وهي كثيرة لكن منها: • أن لكلٍّ دينه للمسلمين دينهم ولليهود دينهم وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم. • أن بين المسلمين واليهود النصر على من حارب أهل هذه الوثيقة. • أنهم جميعا في حالة حرب مع قريش فلا يتعاملون معهم ولا ينصرونهم ولا يجيرونهم. • أن اليهود لا يخرجون من المدينة إلا بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم. • إذا كان بين أهل هذه الوثيقة شجار فإن مرده إلى الرسول ليحكم فيه. ولن نستفيض أكثر في بنود هذه المعاهدة الإبداعية لكن يتضح للقارئ الكريم أن الرسول لما عاهد اليهود عاهدهم وهم تحت حكمه وليس العكس، وكانت معاهدة عادلة محكمة حكيمة ولا مجال لا من قريب ولا من بعيد أن يتم مقارنة فعل الرسول الأعظم بانبطاح محمد بن زايد وما يروج له الذباب الإماراتي ومن تبعهم من المتأسلمين الأفاكين الخبثاء في محاولة الالتفاف على الوعي العربي. ولو أنهم كانوا صادقين في ادعائهم الكاذب هذا لتعلموا من تجربة قطر التي حاولت فيها البحث عن مصلحة الفلسطينيين فقط لا البحث عن مكاسب سياسية شخصية كما فعلت الإمارات. وبدلا من شكر قطر التي أحرجت الصهاينة وكشفت بالدليل القاطع انقلابهم على اتفاقياتهم، تراهم يتهمونها بأنها أول من طبّع في كذب واضح فاضح مكشوف، ولو سلمنا جدلا بأن كلامهم صحيح فلماذا تلومون قطر ثم تفعلون ما فعلت؟ ولكن الحقيقة أنهم يعلمون علم اليقين أن قطر ما طبّعت بل حاولت قدر الجهد والاستطاعة منع ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، ولما نقض الصهاينة العهد أغلقت قطر مكتبهم التجاري وأنهت ما بدأته. فلماذا تعيدون هذا السيناريو المكذوب ثم تتوغلون أكثر بانبطاح كامل الأركان للكيان الصهيوني؟ هذا في حال سلمنا جدلا بحجتهم البائسة، ولكن وبما أن التاريخ يعيد نفسه، فإنه وكما دبر سبحانه الأمور وجعل يهود يثرب يهيئون الوضع لنصرة الإسلام من حيث لا يعلمون ورغما عنهم، فهم الآن يعملون جاهدين مع حلفائهم الجاهليين الجدد لنصرة الإسلام من حيث لا يعلمون ورغماً عن أنوفهم والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ما للرجال مع القضاء محالة * ذهب القضاء بحيلة الأقوام
5522
| 19 أغسطس 2020
مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1290
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...
1131
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...
1041
| 07 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
777
| 13 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
759
| 11 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
609
| 08 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
567
| 09 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
561
| 12 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
546
| 12 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
468
| 09 يناير 2026
لم تعد مسألة تقسيم المنطقة مجرد سردية عاطفية...
420
| 08 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
411
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية