رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يزخر جدول أعمال القمة الخليجية المتوقع أن تلتئم بعد أيام قليلة في العاصمة البحرينية المنامة بالكثير من القضايا والمستجدات المؤثرة على تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة، مما يعني أن الأحداث الجارية، وبالأخص الجدل الدائر حول الاتحاد الخليجي والأوضاع في سوريا والتهديدات المحيطة بمنطقة الخليج العربي سوف تستحوذ على المساحة الأكبر من جدول الأعمال. ومع ذلك؛ فإن التعاون الاقتصادي لا بد وأن يكون له نصيب ولو بصورة أقل من القمم السابقة لأسباب عديدة، يأتي من ضمنها التحديات التي تواجهها دول المجلس والتي تتطلب زيادة التنسيق والتلاحم الخليجي، وكذلك تقلص مساحة تعميق التكامل الاقتصادي بعد إنجاز أوجه التعاون التي لا تقترب مما يسمى بالسيادة الوطنية، كمنطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي وحرية انتقال السلع والخدمات وعمل أصحاب المهن من المواطنين الخليجيين. أما بقية القضايا الاقتصادية التي تتطلب التنازل عن جزء من هذه السيادة، كالسوق المشتركة والعملة الموحدة وتوحيد القوانين والأنظمة الاقتصادية فإنها ستظل معلقة لفترة طويلة، كما يتضح من تعامل الأمانة العامة معها وركنها جانبا بسبب تفاوت مواقف دول المجلس بشأنها. ومع ذلك، فإن التقدم الذي حققته دول المجلس في بعض المجالات ولمست جميعها نتائجه الإيجابية، كالربط الكهربائي والذي ضمن إمدادات مستمرة ودون انقطاع في كافة دول المجلس أثناء فترات الذروة في فصل الصيف، مما قد يدفعها في القمة المرتقبة إلى تبني أوجه تعاون مماثلة ومتاحة، كالربط المائي والذي يتم تداوله في الوقت الحاضر. وتحمل عملية الربط المائي جوانب اقتصادية ومعيشية مهمة، وستشكل إضافة كبيرة للتعاون الخليجي إذا ما أدرجت وأقرت في قمة المنامة، فالطلب على مصادر المياه يتضاعف بصورة سريعة في كافة دول المجلس، في الوقت الذي تتناقص فيه مصادر الإمدادات التقليدية ويزداد الاعتماد على معامل التحلية المكلفة اقتصاديا والتي تتحمل بسببها موازنات دول المجلس مبالغ طائلة، حيث يتوقع أن تصل تكاليف إقامة محطات التحلية في دول المجلس إلى أكثر من 19 مليار دولار حتى عام 2020، وفق شركة "بلاك فيتش" مما يعني زيادة الاعتمادات المخصصة لإنتاج المياه. لذلك، فإن إدراج الربط المائي لا يقل أهمية من الناحية الاقتصادية عن الربط الكهربائي الذي نجحت دول المجلس في تنفيذه وتمخضت عنه نتائج اقتصادية وخدماتية وبيئية إيجابية، إلا أن الربط المائي لا بد وأن يتجاوز الربط اللوجستي ليشمل وضع إستراتيجية شاملة ويتضمن جوانب أخرى سيكون لها انعكاسات اقتصادية كبيرة والتي يمكن تلخيص أهمها في الآتي: من المعروف أن المبالغ المخصصة لاستيراد تقنيات تحلية المياه تستحوذ غلى الجزء الأكبر من تكاليف وتشغيل هذه المحطات، ومع أن دول المجلس تعتبر أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم، فإنها لا تملك حتى الآن قاعدة تكنولوجية لإنتاج وتطوير تقنيات التحلية والأجهزة والمعدات وقطع الغيار اللازمة لصيانة وتشغيل هذه المحطات. لذلك، فإن مسألة الربط المائي إذا ما أقرت كضرورة اقتصادية ومعيشية لدول المجلس، فلا بد من ربط هذا التوجه بمسألة مهمة أخرى تختص بتوطين تقنيات التحلية وإعداد المؤهلات الخليجية العاملة في هذا المجال وتفعيل المركز المختص بذلك الذي اتفقت دول المجلس إلى إقامته في سلطنة عمان، حيث سيؤدي هذا التوجه إلى تخفيض التكاليف المرتفعة للغاية لإقامة وإنتاج المياه. أما الجانب الآخر لهذه الإستراتيجية، فيكمن في اعتماد التوجه الخليجي الخاص بالربط المائي على مصادر متعددة من التزود بالمياه والتي تعتمد بصورة شبه تامة حاليا على التحلية، فهناك مصادر المياه الجوفية والتي لم تستغل حتى الآن، حيث يذكر عالم وكالة "ناسا" الدكتور فاروق الباز أن هناك كميات هائلة تحت صحراء الربع الخالي تساوي مصب نهر النيل لمدة 600 عام. كما أن هناك مصادر المياه الحلوة الكائنة في مياه الخليج والتي اكتشفها وطورها الفينيقيون منذ آلاف السنين وسميت المنطقة الممتدة من البصرة إلى الإحساء بالبحرين لوجود المياه الحلوة والمالحة مجتمعة، حيث تكمن في مياه الخليج منابع مياه غزيرة ومنخفضة التكاليف وغير مستغلة حتى الآن، إذ يكلف سعر المتر المكعب من مياه البحر الحلوة دولارا واحدا فقط، مقابل 5 : 7 دولارات تكلفة المتر المكعب للمياه المحلاة. وأخيرا، فإن ترشيد استهلاك المياه يمكن أن يقف على رأس أولويات إستراتيجية المياه في دول المجلس، فهناك ارتفاع كبير في معدل الاستهلاك بسبب سؤ الاستخدام، مما وضع دول المجلس في مقدمة بلدان العالم في حصة استهلاك الفرد، في الوقت الذي تفتقر فيه إلى مصادر المياه. هذه إحدى القضايا الاقتصادية والمعيشية المهمة التي تشكل أحد مقومات التنمية المستدامة في دول المجلس والتي تتطلب اهتماما خاصا، فالقضايا السياسية والمستجدات في المنطقة وتحوط دول المجلس لتفادي تأثيراتها والتعامل معها بما يؤدي إلى حماية دول المجلس من تأثيراتها مسألة مهمة ومصيرية لحماية المصالح والدفاع عنها، في حين يبقى الاهتمام بالقضايا الاقتصادية ليشكل صمام أمان لاستقرار دول المجلس والمحافظة على الثروات الطبيعية وعلى مستويات المعيشة المرتفعة التي تتمتع بها في الوقت الحاضر.
302
| 09 ديسمبر 2012
يعتبر تنظيم سوق العمل أحد أهم الإجراءات ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي الذي يساهم مساهمة فعالة في إيجاد ظروف ملائمة لعلاقات صحية بين عناصر الإنتاج الرئيسية، العمال وأصحاب العمل، مما ينعكس على الإنتاجية بشكل خاص وعلى النمو بصورة عامة. وفي هذا الصدد أدخلت في الآونة الأخيرة العديد من الإصلاحات على أسواق العمل الخليجية، طالت ليس فقط العاملين المواطنين، وإنما أسهمت في تنظيم سوق العمل للوافدين والذين يشكلون النسبة الأعظم من العاملين، وذلك باتجاه الاستجابة بصورة أكبر للمعايير الدولية ولوائح منظمة العمل الدولية. لقد بدأت هذه الإجراءات منذ أكثر من عشرين عاما عندما تم منع نقل العمال بحافلات مكشوفة وإلزام الشركات، وبالأخص شركات المقاولات بنقل العمال في باصات تحميهم من خطورة الطريق وعوامل المناخ القاسية، حيث توجت هذه الإجراءات بقرارات إضافية في العام الجاري 2012 تختص بتطبيق غرامات إضافية لخروقات الشركات، فيما يتعلق بالأجور وظروف العمل، مما ستكون له انعكاسات إيجابية كبيرة ومهمة على تنظيم سوق العمل من جهة وعلى حماية حقوق العاملين من جهة أخرى. ومع أن العديد من هذه الغرامات تدخل ضمن التنظيم الإداري والمهني لسوق العمل، كتلك الخاصة بغرامة تجديد بطاقات العمل وغرامات توفير السكن المناسب وبيئة العمل الصحية، فإن بعض هذه المخالفات تتعلق بالمعايير العالمية التي حددتها المنظمات الدولية، في حين أن بعضها يحمل طابعا تنمويا واجتماعيا مهما لمستقبل سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي. وفيما يتعلق بالمعايير الدولية، فإن هناك غرامات تختص بعدم تسديد رواتب ومستحقات العاملين لأكثر من 60 يوما والبالغة 1400 دولار تقريبا في بعض دول المجلس، كما أن هناك غرامة أخرى تتعلق بعدم الاشتراك في نظام حماية الأجور والبالغة 2800 دولار، ذلك النظام الذي لقي ترحيبا واسعا خليجيا ودوليا، مما حدا ببعض دول مجلس التعاون، كالمملكة العربية السعودية إلى نسخه وتطبيقه هناك بشكل كامل بعد أن لقي نجاحا كبيرا في دولة الإمارات العربية المتحدة. وتمكن الإشارة هنا بصورة خاصة للغرامات الخاصة بالتوطين الصوري والبالغة 5500 دولار لكل حالة، وكذلك مخالفة عدم التقيد بالإجراءات المطلوبة لتشغيل المواطنين والبالغة 5500 دولار أيضا، حيث يتوقع أن تكون لهاتين المخالفتين تبعات إيجابية على عملية التوطين بحد ذاتها وعلى هيكلية سوق العمل بشكل عام. لقد لوحظ في الفترة الماضية وجود حالات من التوطين الصوري في كافة دول المجلس والتي أثرت على إنتاجية المواطن وأعطت انطباعات وبيانات خاطئة عن نسب التوطين الفعلي، كما أنها أضرت بسوق العمل بسبب خلق أعداد من المواطنين الاتكاليين وغير الفاعلين اقتصاديا واعتمادهم على دخل ثابت دون بذل جهد حقيقي ودون المشاركة في عملية التنمية والمساهمة في حل معضلة التركيبة السكانية، في الوقت الذي لا يدرك فيه الكثيرون من منتسبي التوطين الصوري خطورة القبول به ومدى تأثيره على مستقبلهم المعيشي والمهني. وبالإضافة إلى استقرار سوق العمل وتغيير هيكليته بصورة تدريجية لإيجاد التوازن المطلوب بين الأيدي العاملة المواطنة والوافدة والتي ستحتاجها دول المجلس لسنوات طويلة قادمة بسبب دورها التنموي المهم، فإن هذه القرارات ستؤدي إلى زيادة أعداد المواطنين الفاعلين اقتصاديا والمدربين تدريبا جيدا، وبالتالي إكسابهم مهارات مهنية يعتبر الاقتصاد المحلي في أمس الحاجة إليها. لقد بذلت دول المجلس جهودا كبيرة لتوفير فرص التعليم والتدريب للمواطنين، حيث ما زال هذا الاهتمام يتوالى ويكتسي المزيد من التنوع ليستجيب ومتطلبات التنمية في هذه البلدان. والحال، فإن هذه وغيرها من الإجراءات تتطلب من الجيل الحالي والأجيال القادمة اعتبار العمل، كقيمة إنسانية وواجب لتعزيز أسس التنمية المستدامة في دول المجلس. ومع أن تنظيم سوق العمل وإعادة هيكلته بحاجة لإجراءات إضافية يمكن لوزارات العمل في دول المجلس دراستها والمساهمة في تذليل العقبات التي تعترضها، إلا أن هذه القرارات تعتبر في الوقت نفسه نقلة مهمة على طريق المزيد من الاندماج للمواطنين في سوق العمل وضمان ظروف أفضل للأيدي العاملة الوافدة مما سيجد له انعكاسات إيجابية كبيرة على تطور سوق العمل والحفاظ على الثروات الوطنية وزيادة الادخار المحلي من جهة وعلى عملية التنمية في دول المجلس من جهة أخرى.
395
| 01 ديسمبر 2012
استهل مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية موسمه لهذا العام بمؤتمره السنوي الثامن عشر للطاقة، الطاقة تلك المفردة التي تحمل الكثير من المعاني وتحدد مستقبل العالم ويدور حولها الجدل باستمرار وتتضمن دائما ما هو جديد، إذ لم يجاف أحد قادة التغيرات العاصفة التي شهدها العالم بداية القرن الماضي عندما سأل عن ماذا يعني نظامه الجديد؟ فأجاب بأن ذلك يعني السلطة السياسية زائد تعميم مصادر الطاقة. لذلك فقد تضمن مؤتمر المركز لهذا العام العديد من الأطروحات الجديدة، خصوصا وأن التطورات في صناعة الطاقة تم ربطها في مؤتمر هذا العام بالتكنولوجيا، على اعتبار أن التقنيات تؤثر في صناعة ومستقبل الطاقة من جانبين رئيسيين، الأول مساهمتها في إيجاد بديل لمصادر الطاقة الأحفورية، وهو ما قد يحدث انقلابا هائلا في الاقتصاد العالمي. أما الجانب الآخر، فإنه يختص بدور التكنولوجيا في زيادة الاحتياطيات من مصادر الطاقة التقليدية من خلال الوصول إلى أعماق سحيقة وزيادة استخراج النفط والغاز والفحم بكميات أكبر، وهذه مسألة مصيرية للبلدان المنتجة. وفي هذا العام وضمن الأمور المستجدة، هناك العديد من القضايا التي تخص البلدان المنتجة والمستهلكة للنفط والغاز على حد سواء والتي تشكل حولها شبه إجماع، تلك القضايا التي تكتسي أهمية بالغة لنا في دول مجلس التعاون الخليجي ولمستقبلنا الاقتصادي، خصوصا وأنه تم في الآونة الأخيرة تداول تقارير متضاربة حول صناعة النفط الخليجية. ولنبدأ بالخليج، على اعتبار أن هناك استنتاجات مفرحة، إذ اتفق معظم الخبراء، بمن فيهم الغربيون والخليجيون على أن سعر برميل النفط لن ينخفض إلى ما دون 80 دولارا للبرميل وأن عهد النفط الرخيص قد ولى دون رجعة، وذلك لعدة أسباب، أولها يكمن في قيام بعض البلدان في السنوات الأخيرة بتطوير إنتاجها النفطي من المياه العميقة، حيث تبلغ التكلفة هناك 75 دولارا للبرميل، إذ إن انخفاض السعر إلى ما دون ذلك يعني توقف الإنتاج في هذه الحقول والتي أصبحت تزود السوق العالمية بكميات مهمة من النفط، وأن توقفها يعني وجود نقص في الإمدادات ومن ثم ارتفاع الأسعار من جديد، مما يعني أن أمام البلدان المصدرة للنفط ثلاثة عقود إضافية من عائدات النفط الهائلة والتي يمكن استغلالها لتنويع مصادر الدخل والتحضير لفترة ما بعد النفط. وثاني هده الاستنتاجات يتعلق بإنتاج النفط الواعد في الولايات المتحدة، حيث أشارت تقارير سابقة إلى أنها ستكتفي ذاتيا بحلول عام 2020 إلا أن هذه التقارير مبالغ فيها بشهادة الخبراء الأمريكيين أنفسهم والذين حضروا جلسات المؤتمر. والحقيقة أن الولايات المتحدة سوف تحقق تقدما كبيرا في إنتاج النفط والغاز في السنوات السبع القادمة، وبالأخص في مجال إنتاج الغاز الصخري والذي أدى إنتاجه بكميات كبيرة في السنوات الماضية إلى تدني أسعار الغاز إلى مستويات قياسية، ما سيؤدي إلى إحداث نقلة نوعية ستمكن الولايات المتحدة من تقليل اعتمادها على النفط المستورد، فبعد أن استوردت 13 مليون برميل يوميا قبل خمس سنوات مقابل إنتاج 7 ملايين على اعتبار أن استهلاكها اليومي بلغ 20 مليون برميل في عام 2005. أما في عام 2020 فإن إنتاجها سوف يصل إلى 11 مليون برميل يوميا وسوف تقوم باستيراد 7 ملايين برميل، أي أن الصورة سوف تكون معكوسة في عام 2020 مقارنة بعام 2005 إلا أنها لن تكتفي ذاتيا ولن تتحول إلى دولة مصدرة. وبالإضافة إلى البلدان الرئيسية المنتجة للنفط في الوقت الحاضر، كدول مجلس التعاون الخليجي وبلدان منظمة الأوبك وروسيا، فإن النادي النفطي ينتظر انضمام بلدان أخرى واعدة، كالبرازيل وأستراليا وبعض البلدان الإفريقية، أما على مستوى الاستهلاك، فإن خارطة النفط العالمية ستتغير باتجاه آسيا التي يزداد اعتمادها على النفط المستورد، وبالأخص من منطقة الخليج العربي. هذا باختصار، أما أوراق العمل التي قدمها باحثون من مختلف بلدان العالم وتعدد الآراء من خلال مداولات الجلسات، فقد تضمنت العديد من المسائل المهمة الخاصة بالربط ما بين التكنولوجيا ومستقبل الطاقة وانعكاساتها المحتملة على اقتصادات بلدان العالم، وهي مسائل تستحق أن يتم النظر إليها بعيون فاحصة.
311
| 25 نوفمبر 2012
يحتل موضوع الطاقة أولوية لمتخذي القرار حول العالم، إذ إن هذا الموضوع يتعدى كثيرا قضية توفير وقود لوسائل النقل والمصانع والتدفئة ليشمل قضايا إستراتيجية تتعلق بالسياسة والأمن والتنمية وتوفير الغذاء وكل ما يتعلق بالحاضر والمستقبل. من هنا يكتسي المؤتمر السنوي للطاقة والذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية في أبوظبي أهمية كبيرة، حيث تطرق مؤتمر هذا العام والذي عقد في بداية شهر نوفمبر الجاري إلى آخر مستجدات شؤون الطاقة من كافة الجوانب. وضمن التساؤلات المهمة التي طرحت، تأتي القضايا الخاصة بتراجع مخزونات "الوقود الأحفوري" والذي تعتمد عليه البلدان العربية، مما جعل أمن الطاقة أمرا مستحيلا من وجهة نظر مدير عام الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "أرينا"، والذي يرى ضرورة التفكير بتطوير نظم بديلة للطاقة، حيث أشار مستشار البنك الدولي في هذا الصدد إلى أن هناك أزمة نفط حادة تلوح في الأفق، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط لتتجاوز المستويات القياسية التي بلغتها في عام 2008 والتي وصل فيها برميل النفط إلى 147 دولارا. لذلك، فإن أمن الطاقة أصبح يشكل أولوية رئيسية بالنسبة لكافة بلدان العالم المعنية بتعزيز نمو اقتصادي صحي مع الحفاظ على الاستقرار والتنمية المستدامة. من هنا نرى بعض التداعيات لتوقعات هذه الأزمة، حيث تشهد أسواق الطاقة البديلة نموا سريعا، فبين عامي 2004 و2010 تضاعف الاستثمار في الطاقة المتجددة أربع مرات ليصل إلى أكثر من 271 مليار دولار، وذلك رغم الأزمة المالية العالمية وأزمة الديون التي لم تؤثر في هذه الاستثمارات، مما يدل على أن العالم في سباق مع الزمن لإيجاد مصادر بديلة للطاقة. تأتي هذه التوجهات في ظل نقص الوقود الأحفوري، مقابل ارتفاع كبير في الطلب على مصادر الطاقة والناجم عن الزيادة السكانية وارتفاع معدلات التنمية، وبالأخص في البلدان الصاعدة، وكذلك التغيرات المناخية والتي تترافق مع النقص في عدالة التوزيع لهذه الموارد على المستوى العالمي. أما البدائل التي تطرق إليها المؤتمر والمتوفرة في الوقت الحاضر، فإنها محدودة ولكل منها خواصها ومخاطرها، فالطاقة النووية، كما أشار ممثل مؤسسة " تشاتهام هاوس " لها مخاطر وانعكاسات على البيئة، في الوقت الذي تتميز به الطاقة الشمسية النظيفة بمستويات أمان عالية، إلا أن تكلفة إنتاجها لا زلت عالية جدا، مقارنة بالمصادر الأخرى. وفيما يتعلق بالبلدان العربية والخليجية، فإنها ستواجه معضلات متزايدة في إدارة العرض والطلب لموارد الطاقة، خصوصا وإن الطلب المحلي سيشهد نموا كبيرا في العقدين القادمين، فالنفط بالنسبة للدول الخليجية لا يمثل مصدرا للطاقة والعوائد النقدية فحسب، وإنما يستخدم كأداة من أدوات التصنيع الوطنية التي لا تقل أهمية عن بناء المؤسسات نفسها، كما أشار إلى ذلك بصورة صحيحة " ستيفن هيرتوج" المحاضر في جامعة لندن. لذلك، فإن مجمل هذه التطورات تشكل تحديات حقيقية للبلدان المنتجة للنفط والتي لا يمكن مواجهتها دون تنسيق، سواء في مجال تسويق مصادر الطاقة الأحفورية أو تطوير مصادر الطاقة البديلة، مما حدا بمدير عام المركز الدكتور جمال سند السويدي في كلمته الختامية إلى التأكيد على أهمية إنشاء مجموعات من شركات الطاقة المتجددة بدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، على أن يستمر الدعم الحكومي لهذه المجموعات من خلال إصدار التشريعات اللازمة لتنظيمها وتطورها. وبالنتيجة، فإن كافة المؤشرات تدل على أن الصراع حول مصادر الطاقة بكافة أنواعها سوف يشتد في السنوات القليلة القادمة، وذلك لأسباب إستراتيجية وأمنية وتنموية، حيث سيتخذ هذا الصراع أشكالا متعددة، إذ حث تقرير صدر مؤخرا لمركز البحوث العسكرية الأمريكي "ميليتاري ادفايزاري بورد" الولايات المتحدة على تقليص استخدامها للنفط بنسبة 30% على مدى العقد المقبل كواجب في مجال الأمن القومي، واصفا اعتماد واشنطن على النفط المستورد بمثابة "نقطة الضعف في أمننا القومي" معتبرا أن إغلاق مضيق هرمز لمدة ستين يوما على سبيل المثال سيؤثر في الأسعار والوظائف في الولايات المتحدة. أما كوريا الجنوبية الدولة الصاعدة، فإنها تخطط لإنفاق أكثر من 9 مليارات دولار حتى عام 2019 لإنشاء مجمع لطاقة الرياح. إن تزامن مؤتمر الطاقة مع صدور التقرير الأمريكي يشير إلى مدى أهمية التطورات المتلاحقة والسريعة في الصراع على مصادر الطاقة في العالم، مما يتطلب التعاون والتنسيق بين البلدان والكتل الاقتصادية المتجانسة، كدول مجلس التعاون الخليجي وحسن الاختيار لتنمية مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة وإيجاد تناسب بين متطلبات التنمية المستدامة وتطوير مصادر الطاقة لتلبية الاحتياجات التنموية المتنامية.
461
| 20 نوفمبر 2012
نبه العديد من الدراسات التي صدرت حديثا والتي كان آخرها الدراسة الصادرة عن مؤسسة الخليج للاستثمار بالتعاون مع الامانة العامة لدول مجلس التعاون إلى خطورة استفحال البطالة بين الخليجيين والتي بلغت 7% في المتوسط في دول المجلس العام الماضي، وبالأخص بين فئة الشباب الباحثين عن عمل، حيث تتجاوز نسبة البطالة بينهم النسبة المذكورة أعلاه. ومع أن هذه الدراسات وضعت دول المجلس في بوتقة واحدة، إلا أن أسباب وجود البطالة تتفاوت بين دولة وأخرى، علما بأن هذا المعدل ما زال ضمن المعدلات المقبولة عالميا، فالبطالة في منطقة "اليورو" في العام الجاري 2012 بلغت 10.3% وفي الولايات المتحدة 8% تقريبا، إلا أن عدم معالجتها في دول المجلس سيؤدي إلى ارتفاعها مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب يمكن تجنبها إذا ما وضعت الحلول المناسبة، وهي متاحة من وجهة نظرنا. والحقيقة أن دول المجلس تبذل جهودا لا يستهان بها لحل إشكاليات البطالة، إلا أن هذه الجهود تصطدم بعقبات وبتضارب مصالح مكونات عناصر الإنتاج، في حين تقدم معظم دول المجلس إعانات بطالة تكلف ميزانية الدولة مبالغ يمكن استغلالها لدعم النمو وتوفير المزيد من فرص العمل من خلال إقامة مشاريع جديدة. وضمن التصنيفات الخاصة بالبطالة، فإن نوعية البطالة في سوق العمل في كل من الإمارات وقطر، هي بطالة تتعلق بهيكلية سوق العمل وليس بسبب عدم وجود وظائف للمواطنين في البلدين، فالعمالة الأجنبية تشكل أكثر من %80 وبالتالي، فإن توفير وظائف للمواطنين تبقى مسألة سهلة، إلا أن ذلك بحاجة لإعادة النظر في هيكلية الشواغر وإيجاد المزيد من الحوافز لجعل المواطنين أكثر إقبالا وقبولا لبعض الوظائف التي ما زالت لا تشكل عامل جذب للمواطنين، وذلك لأسباب عديدة يمكن معالجتها، مما سيوفر العشرات من فرص العمل للمواطنين في هذين البلدين. وفي السعودية، فإن البطالة والتي تتركز عند النساء بنسب اكبر، فإنها ترتبط بإغلاق الكثير من القطاعات الرئيسية أمام عمل المرأة، مما يحد من توظيفها، وذلك رغم مستوى التعليم المرتفع والمؤهلات التي تتمتع بها المرأة السعودية والتي تشترك فيها مع المرأة الخليجية بشكل عام، كما أن الزيادة المفرطة للسكان تشكل أحد أهم أسباب ازدياد أعداد العاطلين في السعودية. أما في الكويت والبحرين، فإن البطالة ترتبط أساسا بغياب تنفيذ مشاريع تنموية كبيرة يمكن ممن خلالها توفر الكثير من فرص العمل، إذ إن آخر هذه المشاريع التي تم تنفيذها في هذين البلدين كان قبل أكثر من خمسة وعشرين عاما، ما أسهم في تقليص فرص العمل، فبدون النمو الاقتصادي الحقيقي للقطاعات غير النفطية لا يمكن إيجاد حلول عملية للبطالة. وتشترك عمان نسبيا مع كل من الكويت والبحرين، وذلك إذا ما استثنينا مصنع صحار للألمنيوم والذي أقيم قبل سبع سنوات بمشاركة إماراتية، إلا أن ما يزيد الأمور تعقيدا هناك هو الكثافة السكانية والاندماج الضعيف نسبيا في الاقتصاد الخليجي والدولي بشكل عام، مما يتطلب اتخاذ خطوات عملية لتقوية الروابط مع الاقتصادات الخارجية، خصوصا أن عمان تملك مقومات قوية لمثل هذه الارتباطات بفضل موقعها المميز، ما سيؤدي إلى خلق المزيد من فرص العمل في السلطنة. وحتى الآن، فإن الحلول المتبعة في دول المجلس مجتمعة تتركز أساسا في إيجاد المزيد من فرص العمل في القطاع الحكومي المتشبع، حيث لا يملك مثل هذا الحل آفاق مستقبلية بسبب ارتباطه بعائدات النفط المرتفعة، علما بأنه يشكل ضغوط كبيرة على موازنات هذه البلدان، في الوقت الذي لا يبدي القطاع الخاص الخليجي التعاون المطلوب مع التوجهات الحكومية وهو الذي يعول عليه لاستيعاب القوى العاملة المواطنة، إلا أنه يعاني حتى الآن من التردد فيما يتعلق بهذه القضية، علما بأن مصالحه تتطلب إبداء تعاون أكبر للمساهمة في حل هذه المعضلة والتي يمكن أن تلحق أضرارا بمصالحه في المستقبل. وبالإضافة إلى الفرص المحلية، فإن تكامل أسواق العمل في دول المجلس وفتحها أمام كافة المواطنين الخليجيين سيسهم مساهمة فعالة في التخفيف من حدة البطالة، فالعمل في بعض القطاعات غير المحبذة من قبل مواطني دولة معينة، كما أشرنا ربما يكون مقبولا من قبل مواطني دولة أخرى إذا ما توافرت لهم الظروف المناسبة في البلد المعني، وذلك إضافة إلى تسهيل تنقل الكفاءات المواطنة، مما سيسهم في تكامل أسواق العمل الخليجية. إذن هناك تشعبات وتعقيدات عديدة تحيط بهذه القضية ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية المهمة لمستقبل دول المجلس، علما بأن حلها أمر متاح في كافة دول المجلس، وذلك إذا ما تمت معالجتها بصورة علمية وسخرت الموارد المالية والخبرات اللازمة لتجاوزها أو التخفيف من حدتها.
341
| 14 نوفمبر 2012
عادة ما تتم الإشارة إلى دور الذهب في إسبانيا في القرن السادس عشر والتي لعب خلاله المعدن الأصفر دورا حاسما في الاقتصاد الإسباني باعتباره قطاعا مهيمنا مثلما هو دور النفط في البلدان المنتجة في الوقت الحاضر، إلا أن هناك تجربة حديثة جدا حول دور المواد الأولية في الاقتصادات الحديثة، باعتبارها التجربة الأقرب والأكثر ملاءمة للاستفادة منها وتجنب تكرارها. ففي سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي تحولت بريطانيا إلى منتج رئيس للنفط والغاز في العالم، ومع أنها لم تكن ضمن البلدان الرئيسة المصدرة للنفط، إلا أنها كانت مكتفية ذاتيا، مما وفر لها مليارات الدولارات كانت تدفع مقابل وارداتها من النفط، إذ انعكس ذلك إيجابيا على كافة مكونات الاقتصاد البريطاني، فبالإضافة إلى تنشيط الاقتصاد، فقد كان لإنتاج النفط والذي بلغ ثلاثة ملايين برميل يوميا تقريبا في عام 1999 انعكاسات إيجابية على ميزان المدفوعات وعلى عائدات الدولة بشكل عام. ومع تراجع إنتاج النفط والغاز في السنوات الأخيرة وتحول بريطانيا من جديد لمستورد، حيث انخفض إنتاج النفط بنسبة 17 بالمائة في العام الحالي، مقارنة بعام 2011 ليبلغ مليون برميل يوميا فقط في حين انخفض إنتاج الغاز بنسبة كبيرة بلغت 21% خلال نفس الفترة وفق تصريحات وزير الطاقة البريطاني تشارز هنري، فقد بدأت الانعكاسات السلبية مساوية تقريبا للتداعيات الإيجابية التي رافقت بدايات إنتاج نفط بحر الشمال، إلا أن الأوضاع في سوق النفط العالمي تغيرت تماما، فالأسعار تضاعفت أكثر من ثلاث مرات، كما أن دولا أخرى، كروسيا تحولت إلى مصدر رئيس للنفط وانضمت البلدان الناشئة، كالصين والهند إلى أكبر مستوردي النفط لتنافس بذلك البلدان المستهلكة التقليدية، كأوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان، مع كل ما يترتب على ذلك من تأثيرات مباشرة على الأسعار. ومع أهمية ذلك لصناعة النفط، إلا أن ما سنركز عليه هنا، هو تلك القضايا المؤثرة على الاقتصاد البريطاني والخاصة بتراجع إنتاج النفط والغاز، وهي مؤثرات شديدة وذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة، حيث يتوقع أن تستهلك حقول بحر الشمال - والتي بدأت تحتضر- مع حلول عام 2020 وذلك إذا لم تتم اكتشافات جديدة. ومع أن الاقتصاد البريطاني خرج من الركود قبل غيره من الاقتصادات المتطورة التي عانت من الأزمة المالية العالمية، وذلك بفضل المزج بين أسلوبي التسيير الكمي والتقشف والتي أشرنا إليهما في مقالة سابقة قبل أسبوعين، إلا أن الاقتصاد البريطاني وحكومة الائتلاف بزعامة ديفيد كاميرون يواجهان تحديات حقيقة ناجمة عن تراجع إنتاج النفط وارتفاع أسعار الطاقة والذي ولد تذمرا عاما أصبح يهدد نمو الاقتصاد البريطاني من جهة وبقاء الحكومة الحالية من جهة أخرى. وبالإضافة إلى فقد عائدات النفط، فقد ارتفعت فاتورة الواردات، مما اضطر شركات النفط إلى زيادة الأسعار بنسب كبيرة ووضعت الحكومة بين سندان المصاعب الاقتصادية ومطرقة التذمر الناجم عن ارتفاع الأسعار، مما دفع برئيس الوزراء إلى تقديم الوعود والتي من ضمنها تأتي مسألة الضغط على الشركات لتخفيض الأسعار في الفترة القادمة. والحقيقة أن هناك احتمالين أمام السيد كاميرون لحل هذه الأزمة كلاهما لا يملكان إمكانات كبيرة للتطبيق، الأول هو الضغط على شركات النفط لتخفيض الأسعار، كما وعد بذلك، حيث لا يملك رئيس الوزراء الأدوات اللازمة للضغط على الشركات والتي من المستبعد أن تستجيب لهذه الدعوة لارتباطها بأداء هذه الشركات وأرباحها، خصوصا وأنها شركات مساهمة ومدرجة في بورصة لندن، مما قد يعرض السوق المالية لهزة هي في غنى عنها. أما الاحتمال الثاني والذي تملك الحكومة إمكانية تطبيقه من الناحية النظرية، إلا أنها لا تستطيع ذلك من الناحية العملية، فإنه يتعلق بتخفيض الضرائب على النفط والغاز، حيث لا يحتمل لا الاقتصاد البريطاني ولا ميزانية الدولة الباحثة عن موارد جديدة مثل هذا التخفيض. هذه تجربة حديثة تتعلق بالتداعيات التي يمكن أن تترتب على اضمحلال العائدات النفطية، يمكن أن تستفيد منها البلدان النامية المنتجة والمصدرة للنفط والتي ما زالت تمتلك وإلى حين الكثير منها، حيث عمدت بعض البلدان، كالإمارات وقطر والسعودية بصورة صحيحة إلى استثمار مبالغ طائلة في إنتاج الطاقة المتجددة، إلا أن هناك بلدانا أخرى ومن ضمنها بعض دول مجلس التعاون ما زالت بعيدة عن التحضير لفترة ما بعد النفط، وهي مسألة ستحدد المستقبل الاقتصادي للبلدان النفطية بعد ثلاثة عقود من الآن، مما يعني أن هذه التوجهات المستقبلية بحاجة لجهود إضافية مع الاستفادة من التجربة البريطانية والتي تقدم دروسا مفيدة ومهمة للغاية.
293
| 11 نوفمبر 2012
على مدى الخمسين عاما الماضية احتلت البلدان المتقدمة صناعيا المراكز الأولى في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تنشر من خلال تقارير المنظمات الدولية، في حين جاءت البلدان النامية في المراكز الأخيرة، وذلك بحكم التفاوت التنموي الكبير بين المجموعتين. ويبدو أن هذه الصورة التي استمرت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية القرن الماضي في طريقها للتغيير، وذلك نتيجة طبيعية للتغيرات الهائلة التي شهدها الاقتصاد العالمي في العقود الماضية والتقدم الذي حققته العديد من البلدان النامية، وبالأخص الصاعدة منها، كدول مجلس التعاون الخليجي والتي أخذت تحتل مراكز متقدمة، بل وتتفوق على البلدان الأوروبية والأمريكية والآسيوية في بعض المؤشرات التنموية. وكمثال بارز على هذه التغيرات وهذا التقدم اللافت للنظر تبوؤ دول المجلس للمراكز الأولى عربيا في تقارير التنمية البشرية والتي جاءت فيها أربع من دول المجلس ضمن المراكز الأربعين الأولى عالميا، كما احتلت مراكز متقدمة في العديد من التقارير الخاصة بالتنافسية وكفاءة السياسات المالية. ويحمل هذا التطور الكثير من المعاني التي تشير إلى مدى التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي حققته دول المجلس في العديد من المجالات وفي فترة زمنية قصيرة نسبيا، علما بأن مثل هذه التقارير تتمتع بمصداقية كبيرة لكونها صادرة عن منظمات دولية متخصصة ومحايدة وتمتلك خبرات أكاديمية وعلمية مميزة. وبالإشارة إلى كفاءة السياسات المالية يمكن التنويه إلى كفاءة الموازنات الحكومية وتوجيه الموارد والتغيرات الهيكلية التي طالت عملية إعداد الموازنات في السنوات القليلة الماضية، وكذلك كفاءة إدارة الفوائض المالية وتسخيرها لخدمة التنمية، مما لاقى تقديرا دوليا وأدى إلى زيادة عائدات الاستثمارات المحلية والخارجية. لقد أتاح ذلك نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس ليصل إلى 1500 مليار دولار تقريبا وفق توقعات نهاية العام الجاري 2012 في الوقت الذي أمكن فيه الحد من معدلات التضخم المرتفعة التي صاحبت الاقتصادات الخليجية في السنوات الماضية لتستقر هذه المعدلات عند مستويات مقبولة تتمحور حول 2- 2.5% في العام الحالي. وإلى جانب ذلك حققت دول المجلس، قفزات متتالية في مجال التعليم والصحة وخدمات الإسكان والتجارة الخارجية والمواصلات والاتصالات وفي مجال تطوير منظومة التشريعات والقوانين، بما فيها التشريعات الخليجية المشتركة التي أتاحت دعم النمو وتعزيز ثقة المستثمرين وتنمية القطاعات غير النفطية وتوفير بيئة مناسبة لعمل القطاع الخاص. ومع تعدد المؤشرات الاقتصادية التي تتضح من خلالها التحسن الذي أحرزته دول المجلس في العديد من المجالات يتضح مدى انعكاس هذا التقدم على مؤشرات أخرى مهمة، كارتفاع حصة الفرد من الدخل القومي ونمو التجارة الخارجية واستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وإحداث المزيد من التنوع الاقتصادي. لقد أسهمت هذه التطورات وهذا النمو المتسارع في تحويل دولة المجلس إلى دولة حديثة ومتقدمة وقادرة على المنافسة في شتى المجالات، بما فيها المنافسة في استقطاب القوى العاملة المؤهلة، حيث تحتل دول المجلس في الوقت الحاضر مراكز متقدمة عالميا في استقطاب المواهب في شتى المجالات، وذلك بفضل قدراتها التنافسية ومستوى المعيشة المرتفع الذي توفره للعاملين في كافة التخصصات، بما فيها بعض التخصصات المهنية التي تتنافس بلدان العالم المتقدم على اجتذابها بتقديم التسهيلات والحوافز المتعددة. وتتناسب مجمل هذه التغيرات في دول المجلس مع التطورات الجارية في العلاقات الاقتصادية والإستراتيجية الدولية في مرحلة العولمة والمنافسة وانفتاح الأسواق، مما يؤهلها لتحتل مركزا متقدما في العلاقات الدولية الجديدة، لكونها دول سريعة النمو وتمتلك بالإضافة إلى القدرات التنافسية موقعا مهما في صناعة الطاقة العالمية، باعتبارها أكبر منتج ومصدر للنفط والغاز في العالم، مما سيؤدي إلى تحقيق المزيد من الارتفاع في معدلات النمو وتحسين مستويات المعيشة في السنوات القادمة.
280
| 21 أكتوبر 2012
تعددت أوجه التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي في العقود الماضية وحققت تقدما للاقتصادات المحلية وللتكامل الاقتصادي بين دول المجلس، إلا أن التعاون في مجال صناعة النفط والغاز بقي عصيا ومستثنى، علما بأن القطاع النفطي يشكل جوهر الاقتصادات الخليجية. ويبدو أن القطاعين شبه الحكومي والخاص قررا كسر هذا الاستثناء من خلال التعاون في مجال المنتجات النفطية، وهو تحول مهم وبداية مبشرة لزيادة التنسيق بين دول المجلس في هذا الجانب الحيوي، مما سينعكس إيجابا على قطاع النفط والغاز. وفي هذا الصدد تم الاتفاق بين شركة بترول الإمارات الوطنية "اينوك" وشركة الدريس للخدمات البترولية والنقليات السعودية على استثمار 400 مليون درهم في إنشاء 40 محطة خدمات بترول في السعودية على مدى 3 سنوات، علما بأن هناك أعمالا محدودة منذ سنوات لشركة "اينوك" في البحرين. وبموجب هذا الاتفاق وقعت "اينوك" و"الدريس" في شهر أغسطس الماضي بدبي اتفاقية لتأسيس شركة برأسمال 45 مليون درهم مناصفة بين الطرفين للعمل والاستثمار في قطاع محطات الخدمات البترولية، على أن تفتتح أول محطة في العام القادم 2013. وستشكل الشركة الجديدة إضافة مهمة لسوق خدمات السيارات وتجارة التجزئة في محطات البترول في المدن السعودية، مع الاستفادة من الخبرة الواسعة لاينوك في هذا المجال. ورغم رأس المال المتواضع للمؤسسة الخليجية الجديدة، مقارنة بحجم الاستثمارات النفطية الضخمة في دول المجلس والمقدرة بعشرات المليارات من الدولارات، إلا أنها تشكل بداية واعدة للاستثمارات المشتركة في الأنشطة النفطية وإمكانية فتحها أمام استثمارات القطاع الخاص والذي يسعى منذ فترة طويلة للولوج في دهاليز الصناعة النفطية والمساهمة في تنميتها، علما بأنه ستترتب على هذا التوجه نتائج مهمة والتي يأتي من ضمنها: أولا تطوير قطاع خدمات البترول الخليجية، مع الاستفادة بصورة خاصة من المستوى الراقي لمحطات توزيع الوقود الإماراتية والتي ترقى إلى مستوى فنادق من فئة الخمس نجوم من ناحية الخدمة والبنية التحتية، حيث يمكن تلمس ذلك من خلال زيارة هذه المحطات ليس في المدن الرئيسية فحسب، وإنما في محطات الطرق الخارجية أيضا، في حين لا تتمتع المحطات المماثلة في معظم دول المجلس بهذا المستوى من الخدمات، بل إن بعضها في حالة لا تتناسب وما حققته دول المجلس من تطور في بنيتها التحتية والتقدم الذي تم إحرازه في العديد من المجالات. ثانيا: تعزيز المنافسة بين محطات الوقود داخل كل دولة لتقديم الأفضل، تلك المنافسة التي استفادت منها دولة الإمارات من خلال وجود ثلاث شركات سعت دائما إلى تقديم منتجات ذات جودة عالية وبأسعار تنافسية، مما قاد إلى الوصول لهذا المستوى الراقي من الخدمات. ثالثا: تعزيز السوق المشتركة وتنسيق أنشطة القطاع الخاص الخليجي الساعي إلى لعب دور أكبر في التنمية من خلال الاستثمارات المشتركة التي ستجد أمامها فرصا في السوق الخليجية الكبيرة نسبيا ربما لا تتوفر في كل سوق خليجية بصورة منفردة، حيث ستساهم هذه الاستثمارات المشركة في زيادة الاستثمار الداخلي ودعم معدلات النمو وتوفير المزيد من فرص العمل للمواطنين الخليجيين. ويبدو أن هناك استجابة رسمية لمثل هذا التوجه المدعوم من قبل غرف التجارة والصناعة، كما أن وكلاء وزارات النفط في دول المجلس اتفقوا باجتماعهم الدوري الأخير الذي عقد في بداية الأسبوع الماضي على دراسة إنشاء سوق خليجية للطاقة والغاز، وهو تطور ينم عن توافق الرؤى بين القطاعين الخاص والحكومي. وبصورة موازية، هناك العديد من التجارب الناجحة في قطاعات أخرى تتوزع بين هذه الدولة الخليجية أو تلك، إذ يمكن من خلال تسهيل انتقال الاستثمارات بين دول المجلس المساهمة في تبادل هذه التجارب وتطوير مستوى الخدمات ومرافق الإنتاج، وهو ما سيكون له صدى إيجابي على الاقتصادات الخليجية المحلية وعلى مستوى الاقتصاد الخليجي ككل.
307
| 14 أكتوبر 2012
على مدى أكثر من خمسين عاما لم يحقق التعاون الاقتصادي العربي التقدم المنشود وظل يراوح في مكانه لتتراكم القرارات والتوصيات ويتم فيما بعد وضعها على أرفف المكاتب وخزائن جامعة الدول العربية التي قررت مؤخرا دراسة إمكانية إطلاق عملة عربية موحدة، وذلك بناء على اقتراح مقدم من اتحاد المصدرين والمستوردين العرب. ومن غير المعروف الأسس التي اعتمدتها الجامعة العربية حول هذا الاقتراح والذي يحمل طابعا عاطفيا غير قابل للتطبيق أكثر منه توجها يستند على أسس موضوعية وعلمية يمكن من خلالها السعي لإطلاق مثل هذه العملة. لقد تميز العمل العربي المشترك، بما فيه الاقتصادي بهيمنة الجوانب العاطفية البعيدة عن الواقع، مما يؤدي إلى ركن القرارات العربية في زاوية النسيان لسبب بسيط، وهو أنها غير قابلة للتطبيق لعدم توفر الظروف اللازمة لتنفيذها، فالسوق العربية المشتركة، وهي مسألة أقل تعقيدا من العملة الموحدة لم يطبق بندا واحدا من بنودها منذ الاتفاق بشأنها قبل خمسين عاما تقريبا، أي في عام 1964، أما منطقة التجارة الحرة التي بدأ العمل بها منذ عشر سنوات، وهي تمثل بداية متواضعة وسهلة التطبيق من خلال إلغاء الرسوم الجمركية على السلع العربية المنتجة محليا، فإنها مازالت بدورها تعاني من الجمود. وإذا كان ذلك هو واقع الحال، فإنه من غير المعروف الأسس التي استندت عليها جامعة الدول العربية في تبنيها لمبادراتها اتحاد المصدرين والمستوردين العرب، إذ إن العملة الموحدة لأي تجمع اقتصادي لا يمكن الوصول إليها قبل عملية تحضير تشمل تطبيق اتفاقيات مشتركة، كمنطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي والسوق المشتركة وتوحيد الأنظمة والتشريعات المالية، هذا أولا. أما ثانيا، فإن العملة الموحدة تتطلب تقاربا في الأوضاع المالية والنقدية، وبالأخص قوة الموازنات الحكومية ونسب العجز والدين العام وتقارب أسعار الصرف للعملات الوطنية وسياسات الائتمان وأسعار الفائدة ونسب التضخم..إلخ من المسائل المالية والنقدية المعقدة والتي تتفاوت بصورة صارخة وكبيرة بين البلدان العربية في الوقت الراهن وتعرقل عمليا أي توجه لإطلاق عملة عربية موحدة في المدى المنظور لغياب الأسس الموضوعية اللازمة لذلك. ويمكن الإشارة هنا إلى أحد هذه التفاوتات الكبيرة بين البلدان العربية، فحصة الفرد من الناتج المحلي تبلغ أقصاها في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تجاوز متوسط دول المجلس 40 ألف دولار للفرد في عام 2011 في حين يبلغ هذا المعدل ألفين دولار فقط في اليمن ولا يتجاوز الألف دولار في الصومال، هذا ناهيك عن التفاوتات الأخرى، ففي الوقت الذي تحقق فيه الموازنات الخليجية فوائض كبيرة، فإن موازنات معظم البلدان العربية الأخرى تعاني من العجز المزمن وتعتمد على المعونات الخارجية. وإذا ما أخذنا تجربة دول مجلس التعاون الخليجي، كمثل بارز للتعاون الجماعي في المنطقة، فقد أحرزت العديد من الخطوات المتقدمة في المجال الاقتصادي، كإقامة منطقة للتجارة الحرة والاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، إلا أن مسألة توحيد العملة مازالت بحاجة لجهود إضافية ومكثفة للوصول إليها، وذلك رغم مرور أكثر من ثلاثين عاما على تأسيس المجلس والتجانس الكبير بين الاقتصادات الخليجية وتقارب مؤشراتها التنموية وتشابه أنظمتها المالية والنقدية والتي اكتست طابعا جماعيا موحدا في الآونة الأخيرة. ومن حيث المبدأ، نعم هناك آفاق للتعاون الاقتصادي العربي، إلا أن هذه الآفاق لابد وأن تنطلق من قاعدة علمية وموضوعية تأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة والتفاوتات والقدرات الاقتصادية للبلدان العربية، إذ إن البداية الصحيحة لهذا النمط من التعاون يمكن أن تبدأ من إقامة منطقة للتجارة الحرة تعفي بموجبها المنتجات المحلية من الرسوم الجمركية، على ألا يتم الانتقال إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما إلا في حالة إنجاز مرحلة منطقة التجارة الحرة بصورة كاملة، وذلك إذا ما أريد لهذه الخطوات الطموحة أن تنجح وتحقق الأهداف المرجوة. وبما أن جامعة الدول العربية تزخر بالعديد من الكفاءات المجربة، فإن عليها الاستفادة من التجربة الخليجية وتسخير الوقت والجهد لإعداد صيغ للتعاون أكثر منطقية واستجابة للواقع مع الابتعاد عن العواطف والتمنيات غير القابلة للتطبيق لعدم نضوج الظروف اللازمة لإنجاحها. عندها فقط يمكن لمثل هذه المبادرات أن تتمتع بالمصداقية وأن تتجاوب معها البلدان العربية.
536
| 07 أكتوبر 2012
تكتسي مدخرات الوافدين في دول مجلس التعاون الخليجي أهمية كبيرة ليست لاقتصادات بلدانهم من خلال التحويلات فحسب، وإنما لاقتصادات البلدان الخليجية أيضا، خصوصا وأن هذه التحويلات تزداد بنسب كبيرة سنة بعد أخرى نتيجة لزيادة أعداد الوافدين من جهة وارتفاع مستويات المعيشة في دول المجلس من جهة أخرى. لذلك، فقد طرحنا قبل عشر سنوات ضرورة إيجاد القنوات اللازمة لاستقطاب جزء من هذه المدخرات واستثمارها في دول المجلس في محاولة للحد من التحويلات التي ترتفع بنسبة تتراوح ما بين 10-12% سنويا، إذ بلغت في العام الماضي 55 مليار دولار، مقابل 40 مليارا في عام 2008، حيث يمكن إعادة ضخ جزء من هذه التحويلات في شرايين الاقتصادات الخليجية. ومع أنه تم الأخذ ببعض هذه التوجهات، كالسماح للوافدين بالتعامل في البورصات الخليجية وتخفيف القيود عليهم للاستثمار العقاري، إلا أن توجهات أخرى ما زال عليها بعض التحفظ. ففي عام 2003 طرحت هنا فكرة تأسيس صناديق تقاعد للوافدين، ليأتي البنك الدولي بعد عشر سنوات تقريبا ليطرح نفس الاقتراح في الأسبوع الماضي داعيا دول المجلس لإقامة مثل هذه الصناديق والتي تعتبر مؤسسات استثمارية فعالة في الكثير من بلدان العالم. وبما أن الطرح الجديد يأتي من البنك الدولي، فلربما يلقى بعض الترحيب في الوقت الحاضر، على اعتبار أنه مؤسسة عالمية تسعى إلى تقديم استشاراتها للبلدان الأعضاء. ومع أهمية هذه الخطوة فيما لو تم الأخذ بها، فإنه لابد من الاستفادة من تجارب مؤسسات التقاعد والتأمينات الاجتماعية الرسمية العاملة حاليا بدول المجلس، حيث تشكل تجربة السنوات العشر الماضية أهمية كبيرة للمؤسسات المقترحة، فالصناديق الحالية مستمرة في عملها بفضل الدعم الحكومي السخي، علما بأن بعضها يعاني من عجز اكتواري مزمن، وذلك بسبب افتقار هذه الصناديق لرؤية استثمارية واضحة، بل إن بعضها لا يملك مثل هذه الرؤية. من هنا، فإن الأنظمة المقترحة للوافدين لا يمكنها العمل بالأسلوب المتبع حاليا، وإلا فإنها ستشكل عبئا على الموازنات السنوية لدول المجلس، مما يتطلب وضع تصورات أكثر مهنية تتعلق بأسلوب عملها والتي من المفترض أن تعمل وفق أسلوب القطاع الخاص لتساهم في تنشيط الأوضاع المالية والاستثمارية وفي التنمية بشكل عام بدول مجلس التعاون الخليجي. إذن من حيث المبدأ هناك ضرورة تنموية تتعلق بتسخير مدخرات الوافدين العاملين في دول المجلس لخدمة التنمية والحد من التحويلات الخارجية من خلال فتح المزيد من قنوات الاستثمار لاستقطاب المدخرات، بما فيها الصغيرة وإقامة صناديق للتقاعد والتأمينات الاجتماعية خاصة بالعاملين الأجانب في دول المجلس. وفي الوقت نفسه، فإنه لا بد من اعتماد أسس جديدة لعمل هذه الصناديق لتفادي النواقص المصاحبة لمثيلتها القائمة في الوقت الحاضر، وبالأخص غياب السياسات الاستثمارية والتي من خلالها يمكن تنمية القدرات المالية وتجنب العجز الاكتواري المرهق والمزمن، فمؤسسات التقاعد والتأمينات الاجتماعية ليست مؤسسات للعون الاجتماعي وتقديم المساعدات، وإنما هي مؤسسات تنموية لها شأن كبير في التنمية وتطوير أسواق المال والمساهمة في إقامة مشاريع تؤدي إلى التنمية وتنويع مصادر الدخل الوطني. مثل هذه الجوانب التنموية ما زالت غائبة تماما عن أنشطة هيئات التقاعد الخليجية، بل حتى النشاط المحدود في النصف الثاني من العقد الماضي والذي قامت به بعض هذه الصناديق في أسواق المال الخليجية اتسم بروح المضاربة ورفع أسعار بعض الأسهم بصورة مصطنعة، مما كبدها خسائر هي في غنى عنها. لقد حدث ذلك بسبب غياب الرؤية الاستثمارية الواضحة المتمتعة بالشفافية، حيث يشير ذلك إلى ضرورة تبني مثل هذه السياسات الاستثمارية القائمة على أسس مهنية صحيحة وبعيدة عن تجاذبات المصالح والتي أضرت ببعض الصناديق في الفترة الماضية، مما استلزم تدخل الدولة لإنقاذها. وفي حال الاقتراح المقدم من البنك الدولي، فإن القطاع الخاص الخليجي وبمساندة من الدولة من خلال تقديم التسهيلات والدعم غير المالي المتعدد يمكن أن يقوم بهذه المهمة التي تتطلبها مرحلة التنمية التي تمر بها دول المجلس والتي تستلزم تسخير القدرات المالية للمواطنين والمقيمين - وهي كثيرة ومتعددة - لرفد عملية التنمية باستثمارات جديدة تساهم في زيادة معدلات النمو وإقامة المزيد من المشاريع التنموية وتوفير المزيد من فرص العمل والتي يتزايد الطلب عليها في دول المجلس.
389
| 30 سبتمبر 2012
في مثل هذا الشهر من عام 2008 تفجرت الأزمة المالية العالمية والتي لا زالت تداعياتها تتوالى، وذلك رغم الإمكانيات الهائلة التي سخرت في الغرب والشرق لحلها ورغم عصارة أفكار أفضل اقتصاديي ومفكري العالم لإيجاد حلول عملية بالاستعانة بمختلف النظريات الاقتصادية المعروفة، إلا أن الأمور تزداد تعقيدا بين فترة وأخرى متقلبة بين التفاؤل والتشاؤم في عملية قيصرية مكلفة. ومع أن أحدا لم يدع، بأنه يملك حلولا سحرية تتلاشى معها الأزمة وترسباتها المؤلمة، إلا أن البحث عن مخرج لا زال الشغل الشاغل لمتخذي القرار في العالم، خصوصا وأن أية حلول سوف لا تقتصر على الجوانب الإيجابية، بل سترافقها جوانب سلبية ربما تساهم في المزيد من المصاعب والتعقيدات إذ لم تنفذ وفق الرؤى المقررة. وهنا يمكن الإشارة إلى أهم اتجاهين عالميين في معالجة الأزمة المالية وتداعياتها، الأول هو منهج الاتحاد الأوروبي والكامن أساسا في سياسات التقشف الصارمة والهادفة إلى تقليص العجز في الموازنات الحكومية وتخفيض الديون السيادية، وهي المسائل الأساسية التي تواجه البلدان الأعضاء في المجموعة الأوروبية. أما الاتجاه الآخر، فإنه الاتجاه الأمريكي والذي يتمحور حول أسلوب التسيير الكمي الذي اتبعه بنك الاحتياط الفيدرالي منذ بداية الأزمة في عام 2008 والذي بموجبه يتم طبع أوراق الدولار دون سند مالي أو اقتصادي مهني، حيث تم طبع 1.7 ترليون دولار في الجولة الأولى ومن ثم 600 مليار دولار في الجولة الثانية الممتدة من نوفمبر 2010 ويوليو 2011 وتقرر مؤخرا أن تبدأ الجولة الثالثة في شهر سبتمبر الجاري وبمعدل 40 مليار دولار شهريا. والحقيقة أنه لكل من الاتجاهين إيجابياته وسلبياته، فالاتجاه الأوروبي الخاص بالتقشف أوجد تذمرا اجتماعيا واسعا وأثر في مستويات الناس المعيشية ورفع من معدل البطالة في البلدان الأوروبية، علما بأن تأثيراته على خفض عجز الميزانية والقروض السيادية لا زال محدودا وبحاجة إلى بعض الوقت حتى تتحقق بعض التائج، علما بأن الاتحاد الأوروبي لجأ إلى سياسة التسيير الكمي ولكن في حدود ضيقة جدا. ومع أن الاتجاه الأمريكي لم تترتب عليه قلاقل اجتماعية، إلا أنه زاد من معدلات التضخم التي طالما عمل بنك الاحتياط الفيدرالي على محاربته، في الوقت الذي توفرت من خلاله المزيد من فرص العمل، وهو ما كانت تسعى إليه إدارة الرئيس باراك أوباما لتحسين حظوظه الانتخابية، إلا أن نتائجه على المدى البعيد ستكون وخيمة، وذلك على عكس التوجه الأوروبي المعتدل. وضمن هذه النتائج المتوقعة يتحدث بعض الاقتصاديين في الغرب عن إمكانية انهيار الدولار، إلا أن ذلك ربما يأتي ضمن المبالغة أو التأثير في الأسواق من باب اشعال المضاربات، فالدولار لا زال العملة العالمية الأولى، كما أن وضعه لا يخص الولايات المتحدة وحدها، وإنما يرتبط بمجمل الاقتصاد العالمي، بما فيها الأوروبي والصيني والياباني. يبقى هناك الثعلب الإنجليزي الماكر والذي مسك العصا من المنتصف وأخذ بالاتجاهين الأوروبي والأمريكي، فعمد إلى التقشف ولكن بحدود لا تثير الرأي العام، في الوقت الذي قام بنك إنجلترا المركزي بطباعة الجنيه ضمن مبدأ التسيير الكمي وفي الحدود التي لا تؤدي إلى رفع نسب التضخم بمعدلات عالية. من هنا نرى أن الاقتصاد البريطاني أفضل نسبيا من كل من الاقتصاد الأمريكي واقتصادات منطقة اليورو. لذلك ربما تكون الوصفة أو الخلطة الإنجليزية، هي الأقدر والأنسب لمواجهة تداعيات الأزمة، فهي تتيح تنشيط القطاعات الاقتصادية وتوفير المزيد من فرص العمل والحد من البطالة من خلال التسيير الكمي المنضبط، وفي نفس الوقت التحكم في عجز الموازنة والديون من خلال التقشف المحدود والمدروس بعناية. أما بقية بلدان العالم والتي تأثرت بالأزمة بنسب متفاوتة، فإن الأدوات النقدية المالية والاقتصادية المتاحة أمامها تعتبر محدودة، وذلك إذا ما استثنينا البلدان المصدرة للنفط والتي تتمتع بأوضاع مالية قوية ومستقرة بفضل ارتفاع أسعار النفط. وفي كل الأحوال، فإن حل القضايا والعالقة الخاصة بتداعيات الأزمة أو التقليل منها في بلدان المركز سوف تكون له انعكاسات إيجابية على اقتصاديات الأطراف وعلى الاقتصاد العالمي ككل في حالة نجاح الجهود المبذولة على المستوى العالمي.
351
| 23 سبتمبر 2012
واصلت التجارة الخليجية البينية نموها المطرد وبلغت أرقاما قياسية مع الأخذ الجزئي ببنود الاتحاد الجمركي بين دول المجلس، مما يلغي عمليا الفكرة السابقة والقائلة بأن تشابه اقتصادات دول المجلس يحول دون تنمية التجارة البينية والتي ستبقى محدودة لعدم وجود ما يمكن تبادله من سلع وخدمات بين هذه البلدان. ربما كانت وجهة النظر هذه صحيحة في الماضي، وذلك قبل التطورات المتلاحقة والمهمة التي شهدتها العلاقات التجارية الدولية والتي تحولت معها بعض البلدان، كدولة الإمارات إلى عملاق تجاري تمر من خلاله معظم تجارة المنطقة، وذلك إلى جانب أن اقتصادات دول المجلس الست أصبحت أكثر تنوعا في العقد الماضي، بحيث أضحت صناعات وقطاعات إنتاجية عديدة في بعض دول المجلس تعتمد اعتمادا كليا على السلع نصف المصنعة المنتجة في إحدى دول المجلس والتي تؤدي إلى زيادة القيمة المضافة أو تلك العابرة بين دول المجلس ضمن تجارة إعادة التصدير. لذلك، فإن الأمر لا يقتصر على تبادل السلع والخدمات الاستهلاكية بصورة أساسية، كما هو الحال في السابق، إذ إن تكامل اقتصادات دول المجلس من جهة وانفتاح الأسواق الدولية والتسهيلات المقدمة فيها ضمن توجه العولمة من جهة أخرى أفرزت وضعا مختلفا يتيح زيادة التبادل التجاري الخليجي البيني بصورة كبيرة. ولاستمرار هذا النمو في التجارة الخليجية البينية، فإن الأمر بحاجة إلى استكمال البنية التشريعية الخاصة بتسهيل التبادل التجاري، وبالأخص التطبيق الكامل لبنود الاتحاد الجمركي والمتوقع في بداية عام 2015، كما أن ذلك بحاجة لتطوير البنية التحتية الخليجية، وبالأخص الموانئ والمطارات وشبكة الطرق والتي ستحقق نقلة نوعية مع استكمال بناء القطار الخليجي في عام 2017. ويبدو أن التجربة الإماراتية في مجال البنى التحتية تشكل دعما كبيرا للتجارة الخليجية البينية وتستحوذ دولة الإمارات في الوقت الحاضر على %60 من طاقة الموانئ الخليجية، حيث يضم ميناء جبل علي 72 رصيفا لاستقبال السفن، إذ يتوقع أن ترتفع نسبة حصة الإمارات من طاقة الموانئ الخليجية إلى أكثر من 65% مع افتتاح المرحلة الأولى من ميناء خليفة بأبو ظبي والذي افتتح نهاية شهر أغسطس الماضي. لقد أتاحت هذه البنية المتطورة وذات الطاقة الاستيعابية الكبيرة ارتفاع حجم تجارة دبي غير النفطية وحدها مع دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 56% خلال النصف الأول من العام الجاري لتصل إلى 58.5 مليار درهم (15.9 مليار دولار)، مقابل 37.5 مليار درهم (10.2 مليار دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك وفق بيانات دائرة جمارك دبي. ومع افتتاح المرحلة الأولى من ميناء خليفة، فإن نقلة جديدة تنتظر التجارة الإقليمية والتبادل التجاري الخليجي البيني، خصوصا وأنه من المنتظر أن يتم ربط ميناء خليفة والمنطقة الصناعية الملحقة به "كيزاد" بالقطار الخليجي الذي يمر عبر أراضي دول المجلس الست، مما يمنح الميناء الجديد أفضلية كبيرة من خلال ربط خدماته بمرافق الإنتاج وتلبية احتياجاتها ليس في دولة الإمارات فحسب، وإنما في كافة دول المجلس، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار انخفاض تكاليف النقل بالسكك الحديدية، مقارنة بتكاليف أشكال النقل الأخرى، وبالأخص البرية، مما سيساهم في تخفيض إنتاج السلع الخليجية وزيادة قدراتها التنافسية في الأسواق الخليجية والدولية. ومما يؤكد مثل هذه الأهمية لميناء خليفة والذي أقيم في منطقة الطويلة بأبوظبي بمساحة 2.7 كيلو متر مربع هو قدرة الميناء الاستيعابية والتي تبلغ 2.5 مليون حاوية ترتفع إلى 15 مليون حاوية بحلول عام 2030 وبسعة تخزينية تصل إلى 50.5 مليون حاوية، علما بأن منطقة "كيزاد" الصناعية تستوعب مئات المشاريع وتوفر آلاف فرص العمل، وذلك ضمن رؤية أبوظبي لعام 2030. وقدرة تكلفة المرحلة الأولى بمبلغ 26.5 مليار درهم (7.2 مليار دولار)، حيث يتوقع أن يبدأ تنفيذ المرحلة الثانية، مباشرة بعد الافتتاح الرسمي للمرحلة الأولى بداية العام القادم 2013، مما سيتيح الوصول إلى أسواق تضم 4 مليارات نسمة، أي ما يشكل %60 تقريبا من سكان العالم. وبالإضافة إلى الأهمية الخاصة بتنمية التجارة الخليجية البينية، فإن ميناء خليفة سيعزز من الدور المتنامي لدولة الإمارات في التجارة الإقليمية، مما يتناسب وموقعها الجديد في العلاقات الدولية، باعتبارها دولة صاعدة وسريعة النمو.
391
| 15 سبتمبر 2012
مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...
16917
| 30 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...
2985
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...
2001
| 02 أبريل 2026
عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...
1764
| 02 أبريل 2026
يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...
1626
| 31 مارس 2026
كثير من الناس يعيشون حياتهم وكأن الفرح موعد...
1545
| 02 أبريل 2026
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...
1383
| 31 مارس 2026
«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...
1380
| 02 أبريل 2026
حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...
1323
| 02 أبريل 2026
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....
1146
| 30 مارس 2026
في بيتنا لم تكن تلك العلب تُرمى بسهولة،...
1089
| 03 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت...
993
| 05 أبريل 2026
مساحة إعلانية