رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ادلهمت الأجواء الزرقاء وجوهها بما تلبد في سمائها من الحقد والبغضاء وابتلت الأراضي خدودها بما جاشت به سطوحها من العدوان والكراهية وانشقت مروج كشمير، الفردوس على الأرض، أثلاما متفرقة مستهدفة للقبض الذي لا يعرف قاموسه كلمة من الإحسان والتحنان، وذلك كله على إثر ما اعترى (باهالجام) بجامو وكشمير الخاضعة للإدارة الهندية، سويسرا الهند، من كارثة ترتبت على سفك دماء عشرات السياح بقساوة تقشعر لها الجلود، مما انتهى إلى احتدام قيظ الحرب فيما بين الهند وجمهورية باكستان الإسلامية. وقد استفحل هذا الصراع على نحو مأساوي، إذ أذكى أواره إطلاقُ سلسلة من الطائرات المسيرات تداولتها كلتا الدولتين على طول حدود (جامو وكشمير) في غضون أيام معدودة. لماذا الحرب يا تُرى؟ عندما تدور رحاها على الناس تصمت ألسنتهم وتنطق أسنتهم، وفيما تكشر عن أنيابها تعانقت الصوارم والحناجر وتلاصقت المدافع والقنابل، فلا ترى إلا رؤوسا تسقط ودماء تراق وأعضاء تتطاير وأشلاء تتناثر وجثثا تتزايل إلى أن يتيتم على آثارها الأطفال وتترمل الحلائل وتثكل الأم أولادها، فيرجع العساكر من ميدان الحرب وشبع الرصاص من لحمهم وارتوت السيوف من دمهم فعادت ألوفهم مئات ومئاتهم عشرات. تُرى، أفي هذا الوادي، والثلوج أكاليله والجنى والعبير تيجانه، وتخايل الأرضُ فيه خيلاء الفتاة في أبهى أبرادها، غدا، مع الزقزقة يدمدم الرصاص؟ وهل مع النسمة تهب الزوبعة ومع البرعمة تنفجر القنابل؟ فأنّى لنا هذا الداء يا تُرى، وأنّى المنفذ من هذه الوصمة على جبين الإنسانية؟ السلام في هذا المنوال لا يتولد في المؤتمرات الدولية دائما ولا في الحوارات السلمية، غير أنه تتفتق بذوره في قلوب الناس وأفكارهم أحيانا، فلو دمرنا كل أساطيلنا وأفنينا دباباتنا ومدافعنا وغيرها من الآلات الشيطانية وسككنا قنابلنا محاريث وسبكنا بنادقنا أجراسا وحولنا كل ثكناتنا إلى معابد ومياتم لما تملصنا مع ذلك من آفات الحرب وكابوسها ما لم نجرد قلوبنا من شوائب الطمع والحقد في سياسة البلاد وإدارة الأمم، وننقّ أفكارنا من الوهم بأن للإنسان الحق أن يتلفظ بكلمة تثير نعرة طائفية ، ونُراع بذور الإنسانية بكل معانيها في مزرعة الضمائر إلى أن تنمو جنائن للخير والسلام في تربة الخواطر.
639
| 23 مايو 2025
لقد أتى على الإنسان حين من الدهر يتوهم فيه أن أرضه مركز الأكوان ومحور العوالم ولم تكن عندهم النجوم والسيارات الكوكبية من فوقها غير مصابيح الأنوار المعلقة على جدران العنان، وذلك أننا لم ننطلق من النقطة الصحيحة في التبصر في مدى ترامي أطراف الكون ورحابة أحجامه بحيث ننتهي إلى أن الأرض التي في مهدها استوطنت الحضارات الإنسانية برمتها لم تكن سوى حبة رمل في فلاة الأفلاك العلوية. وما ان تمددت جذور علومنا عن الكون حتى أحسسنا بحقارتنا وهواننا قياسا برحابة الكون السماوي، إذ توصلنا إلى أن الشمس التي حسبناها في غابر الأزمان منارة واحدة من نوعها في عنان السماء ليست إلا كرة نجمية من بين مليارات النجوم والكواكب والكويكبات والنيازك التي تتركب بها مجرات على مجرات تتخللها حقول مغناطيسية مروعة وتبلغ أعدادها قرابة عشرات تريليونات من المجرات العملاقة وتحكي كل ما فيها من السدم الحلزونية وممرات الغبار الكوني ملاحم سماوية لا تنتهي بكل ما في القاموس الكوني من الكلمات السحرية. مما يعري الإنسان من غطاء أوهامه ويعرّفه ضآلة قيمته في مقابل المخلوقات السماوية هذا الوعي المتنامي بأسرار الكون. وتذكره هذه الرؤية الكونية على الدوام بأنه من الذين لم تكن يوما من شأنهم السيادة بدافع الشموخ على المستوطنات السكنية والتباهي بالغرور والعنجهية. ولم تعد الأرض التي كانت ذات يوم قمةَ هذا الخلق إلا هباء منثورا في سيمفونية الكائنات الجوية. ونحن القاطنين في أدنى الكرات الجوية هذه، المدعين على كوننا أشرف المخلوقات لا نتمثل إلا في ذرة غبار تسري على كتلة الأرض وهي مثلنا ذرة غبار في جنب تلك المشاهد الباهرة من عوالم المخلوقات السماوية. وعما إذا كانت هذه المواد الماثلة للعيان التي تحضن هذه النجوم الشامخة والكواكب السيارة والمجرات المتطايرة الجبارة تصنع صفحة هذا الفضاء الكوني قاطبة أم لا، فأقول إن هذه المواد لا تمثل غير شريحة ضئيلة بنسبة 5 % من إجمالي طاقة وكتلة الكون. أما البقية الباقية فتتجسد في المادة المظلمة والطاقة المظلمة اللتين ظلت طبيعتهما وطوابعهما ألغازا تتفوق المدارك الخمسة ولا تتقبلها العقول الإنسانية، مما يترتب على قوة سرية ترصّع البنى التحتية السماوية بكل ما تعجز عن استجلائه الحواس العقلية وتخفق في استيعابه القوى الحسية. ولم نكد أن تخلصنا من طبقات الجهل حتى تنصّلنا مما أغشى بصائرنا من غشاوة الحمق والتيه حيث أدركنا بأن الإنسان هو أحقر من أن يشمخ بأنفه كبرا وتيها، مهما نمت مراتبه أو علت ضآلته، لدى هذا الملك الواسع في حين انه مجرد نسمة في مهب الأزل والأبدية، لا تكاد تدوي في جنبات القاعات الفلكية، حيث إن الجلال هو وحده لله الواحد القهار الذي بيده ملكوت السماء والأرض وبعلمه مفاتيح الغيوب والأسرار والذي يتلاشى بميدائه كل شعور بالكبرياء والعظمة هباء منبثا.
1362
| 13 سبتمبر 2024
الحرب! الحرب! كلمة تستفز نشاز الرعب - قرقعة الفكوك الحديدية، لسعات البارود الموجعة، أصداء أضغاث أحلام متكسرة وموسيقى الدماء القرمزية تضرج اخضرار المروج. غير أن من بين البلبلة هذه تهمس إلى آذاننا همسة خافتة يتردد صداها بما يستعلم عن مدى مشروعية ما تعتمد عليه السيمفونية الحربية المتشوّه الخلقة وكيفية نسج التبرير لها من كفن جثث هامدة طهرت ذيولها وصفت مشاربها. تضمر نظرية «الحرب العادلة» في طياتها تناقضا تمخض عن تصفيف القرارات السياسية الجدباء على رفوف الوقائع الحشوية التي يستعرضها تناثر أشلاء الساحات القتالية، مما يتمثل في عملية ترميم تصدع حضاري جسيم بالعطور المزيفة. ومهما علت أماني الأمم وتطلعاتها فإنها تخفق في إلباس الحقيقة الجوهرية القناع، مما يؤذن بأن الحرب تطلق الحبل على الغارب لبهيمة وحشية تواقة إلى التقام الجنود والنسيج الحضاري بأسره في لقمة فحسب. وتدور رحى هذا السيناريو البشع على حيوات سواد الناس الذين لا يعدون كونهم مجرد بيادق وخسائر جانبية على إثر لعبة شطرنج محسوبة فخمة. ويصارع حاليا اتخاذُ مبادرة حمائية للأبرياء حتى يجسد نبراسا باهتا يحد من جيشان الهمجية بين تلاطم أمواج ملاحم حامية الوطيس. كما يبدو الحفاظ على النسمة الإنسانية زراعةَ زهرة رقيقة القوام في بركان يكاد ينفجر من ألسنة ثورة من النار. وتخيم أشباح المبادئ التناسبية جثما على الأنفس المتدنية قيمتها مثلما يسير طيف على أجنحة الأثير تختنقه أدخنة المعارك وحرائقها، مما يذهب بالمثل الذي طبقت شهرته الآفاق «الغاية تبرر الوسيلة» أدراج الرياح دون جدوى في حين تأخذ على عاتقها الوسائلُ تنفيذ إبادة منهجية وتضمن إراقة أنهار من دماء الولدان والعذارى على السواء دون تمييز. وتتجسم هذه المعاضل في حسابات دموية بما يرافقها من الجيف البشرية التي غدت مجرد عملات قاتمة السواد تتداولها من ورائها أكف صلبة كالصوان وقلوب كالفولاذ وعقول تغشت بغيوم حاقدة كعاصفة كانون الهوجاء دون أدنى تردد أو تحسس بالإنسانية. ربما لا يكمن تقييم مدى عدالة الحرب في الإعلانات السامية الرسمية لكن أحرى به الاستقرار في استبطان كيفية استقصاء البدائل السلمية وتطبيق الأدوات الدبلوماسية التي تسبق إطلاق أول طلقة للحرب. وهل تكفل الحرب بأن الكارثة المدمرة ستضفي على وجوه الحضارات مسحة من المستقبل الأكثر إشراقا أم هي مجرد قمار تطوقه التهلكات من كل حدب وصوب حيث تستعر نيرانه بحطبات القومية التعصبية. ولا تتلاشى في الهواء ندوب الحرب ولا تضمحل جروحها اضمحلال الغبار في الجو بمجرد خمود أزيز المدافع وهدوء قعقعة المدرعات، إلا أنها تمتد إلى أن يرن في آذان ضحاياها رنين الرهبى وعويل الجرحى وأنين الثكلى وصراخ رضيع يستحلب ثدي أمه القتيل حتى تخلف وراءها عواقب وخيمة، مما ترتبت عليه مجتمعات متحطمة، اقتصادات منهارة وأجيال تثقل كاهلها أعباء صدمة نفسية. ومن هذا المنطلق يستدعي الادعاء على أخلاقية الحرب التزاما راسخا بإعادة الإعمار وتعهدا حاسما بمداواة القروح التي تسبب فيها داء الحرب وعناصرها. ومن تحصيل حاصل أن يرتسم لنا مدلول كلمة «الحرب النبيلة» مشيا على حبل مشدود، إذ لا نطيق تجسير المهاوي الأخلاقية التي تبعثها نكبات إنسانية تلدها الحرب فيما نتابع الحرص على تسويغ قاطع للنزاعات المسلحة. ولن يفوح أريج الظفر الحتمي من انتصار مؤقت قد يتحقق على قلب المعترك عكسَ ما علينا من أن نحفل به من السعي الدؤوب إلى الحلول السلمية ما لا بد لها من انطلاقها من نفوسنا باقتلاع الشر منها والغطرسة وبزرع مكانها بذور الانفتاح الاعتقادي وحبوب الحوار المشترك، توصلا إلى حصد الانسجام العالمي المتوج بالأخوة الدولية ومن ثمة إلى تدمير الأسلحة وتحويلها إلى آلات بناء وإعمار حيث يسود التآلف الذي يوجّه القوى المتناحرة المتضاربة التي تكون حصيلتها العدم واللاجدوى فيما لو بقيت متعاكسة، وانتهاءً بعالم تتردد ألحان السلام فيه عالية على وجه المدافع المدوية. * الجامعة العالية – كولكتا، الهند
1005
| 19 أبريل 2024
تتورط النزعة الوطنية في مسرح عالمي يتخلله الولاء الوطني فتنعكس في مياهها الرقراقة خزائن القوى الهائلة التي قد تنبت من أصولها جراثيم دقيقة لاستفزاز الوجدان الاتحادي واستنهاضه بين معتنقيه. غير أن هذا الاتجاه، ما يشبه إناء طفح بالإكسير الذي يهيج تفاؤلنا بوعود مغرية، تتضمنه التيارات التحتية المرة التي يسعها إثمال الدول بسموم كراهية الأجانب وتأجيج التعاملات العرقية العنفية حتى تتسبب في تحطيم توازن المجتمعات وتشتيت ما تتجوهر عليه مبادئ التعايش السلمي. قد تبدو الطبائع التي تروج الوطنية على أشدها شعارا للاتحاد والاندماج، على أنها لا تعدو كونها مجرد لواء يعتني في ظله بأحقر نبضات الإنسانية وأحطها. فربما يتجسد الانفتاح والاندفاع إلى النزعة الحمائية والكبرياء الوطني في بلوغهما إلى أشدهما حطبا ماكرا تتلظى به نيران كراهية الأجانب، مما يثير الضغينة والبغضاء تجاههم ويشيع الخوف والهلع منهم. فيتفاقم نوع من مثل هذه الانفعالات المبغضة للأجانب من تحت السطح من حيث تتمثل في إكسير سام يهدد بتحطيم أسس تأسست عليها المجتمعات وتأصلت. وتكمنت جذور هذه الخمور المسممة وترسخت في فكرة فرد يغويه الحرص على تقوية أفضلية وطنه وأسبقيته على غيره في مضمار الحياة السباقي أو في خاطر أحد يخيَّل إليه أن صيانة سيادة قومه تعتمد على ازدراء الآخرين واستحقارهم وانتهاك كرامتهم الذاتية. فيماثل هذا الموقف التعصبي تجرّعَ كأسٍ تشوبها شائبة من أدران الجبروت وأوساخ العجرفة، مما يكسو أعيننا الأكفان التى تتستر على انسجام التنوع وجماله. فباسم الحفاظ على نموذج ضيّقِ الأطراف من الهوية الوطنية ما برحنا نخاطر بتمزيق نسيج العلاقات المشتركة الرقيق حيث تنتسج تعددية الثقافات على أروع طرازها. فإضافة إلى ذلك، ربما تكشر التوترات العنصرية عن أنيابها في حين تغدو نظرية الوطنية عقيدة حاسمة تثير الانقسام العرقي. فعلى الرغم من أن هذه الكأس الثقافية التي ترف فيها بجناحيها النزعة الوطنية تقوم رمزا للاتحاد والتضامن إلا أنها قد تتجسد في بوتقة تغلي فيها أمارات الشناءة والاستياء من المظالم التاريخية. كما تميط القصص من ماض مشترك اللثام عن خصومات مريرة تفضي إلى استهداف الاستقرار الدولي للخطر الذي تتوخى الوطنية دعمه دلالة على الالتزام به. أما فيما عدا ذلك فتتصاعد عواقبها بشكل تدريجي، غير أنها لا تقل من كونها أكالة وتفتك بكل ما يرافقه من بذور التعاون ونوى التكاتف، كما هو الشأن مع أي سُمّ كان. كما تولد الكراهية عدم الثقة على الصعيد العالمي وتغذي الانقسام فيما تستبعد أولئك الذين يجدر بهم الاحتضان على الرحب والسعة بوصفهم بني جلدتنا من هذا الكون. فتتموج أمواج التوترات الإثنية من وقت لآخر تموجا تجرف بهيجانها المجتمعات بأسرها حتى تتركها رأسا على عقب على نطاق لم يسبقه مثيل. لقد حان الأوان ليتحتم علينا الاعتراف بأوجه الأخطار المسكرة التي تعكسها الوطنية المتطرفة رجاة أن يتسنى السعي إلى القضاء على جاذبية كراهية الأجانب وإلى قطع دابر الصراعات الدبلوماسية. ومما يُعالَج به هذا الداء أنه يتمثل في دراسة صفحات الإنسانية المتداولة في سطورها وحروفها أغاني الوئام وأناشيد السلام وبناء جسور التعاطف وجاهزية الرهان على شل حركة أعضاء التطرف باسم الوطنية. فباعتبارنا ضيوفا على مائدة الكون الخضراء، حري بنا استضافة التكاتف على أن نملأ تلك الكأس الثقافية شعورا بالقبول ورحيقا من التفاهم المتبادل احتفاءً بتناغم مختلف الألوان والأشكال للنسيج الإنساني. فوا حر قلباه! كم أتمنى لو تنقت هذه الكأس مما يلطخها واعتزت الإنسانية بإعلائها متنزهة عن أشباح الانعكاسات السلبية التي قد تلوح في آفاقها وتنشر في كبد سمائها راياته السوداء فتتلبد في أرجائها تلبد الغيوم الرمادية إيماءً إلى كارثة كاسحة الإنسانية.
1107
| 23 ديسمبر 2023
يزدان عالمنا بفسيفساء من الآلاف المؤلفة من الثقافات والأعراف السائدة حيث إنه يعد بمثابة لوحة فنية، تصوغ شظاياها تصاميم مثلى للإنسانية. لكن غالبا ما يتعرض ما طُبعت عليه جواهر المجتمعات المحلية للانقراض الذي تنتجه هاوية التطرف ما تتوعد بكل ما تعتمد عليه الحضارات المشتركة في جوهرها. وإذا تخيلنا كنفاسا مرسوما بخطوط جريئة من التطرف حيث تتصادم ألوان الحماسة بهدف تعتيم الخطوط بين العاطفة والتعصب، سننتهي إلى نقطة ساخنة أنه كنفاس يتخطى الحدود وينبسط على مدى القارات والثقافات في الكون، مما يفضي إلى استحالة صهر أهل الأرض في بوتقة ثقافية واحدة. وثمة ثلاثة أعمدة أساسية في صالة ضخمة الحجم من الاعتدال، وكلها تخاطب قضايا معاصرة مثيرة للجدل بنعمة فنان ماهر يتمثل في نظرية الاعتدال. أما العمود الأول منها فهو يبدو تحفة فنية للهوية الذاتية تحتفي بفرادة كل الأفراد. في هذا الشأن تعود القضية الخلافية الأولى في المجمل إلى تعريف هوية الإنسان وتحديد عناصر جوهره الأنثروبولوجي. وتحتار عقولنا فيما نتعرض لتطبيق القوانين واللوائح الغربية التي تحظر على الأهل معاينة جنس أطفالهم ومعاملتهم بحسب ما نشأت عليه ذكورتهم الأصلية وأنوثتهم. وتقابل هذا الموقف الشرقي اللوحة الغربية التطرفية حيث تأخذ فظاعة التقاليد الشنيعة والأعراف المهيمنة بخناق إنماء ذاتي ووجداني في حين تستهدف إلى قمع الحرية الكيانية التي تسوغ لكافة الأفراد أن يرتقوا بشخصيتهم ارتقاء يعارض ما اعتنقته هذه المجتمعات من رسوم قاهرة. فثمة تتراءى لنا من بين المغالاة الشرقية والغربية اللوحة الاعتدالية التى تستتبعنا أن نعتصم بحبلها، إذ إنها تدعم التوازن بين احترام الهوية البيولوجية الجوهرية وصون الحرية الكيانية. وفيما نمضي إلى القضية الثانية التي تدور أبعاد موضوعها حول حرية المعتقد، فتنطبق علينا أسطوانة الاعتدال تشيّد مسرحا خلابا حيث تمتد حرية الرأي والتفكير على مدى البصر إلى آفاق متوائمة. ما برحت المجتمعات الغربية تتوهج في وهج الحرية الفكرية المطلقة التي تفسح المجال لكل واحد منا للتعبير عن اقتناعاته بارتياح تعبيرا ينتهي ببعض الأفراد إلى مستوى من الاستهتار والاستخفاف يبلغ به إلى إهانة الرموز الدينية المقدسة. وتعاكس هذه المبادئ البقاع الشرقية الآسيوية في حين تلج في أن تحاذر الحرية الاعتقادية فتنصرف عن النقاش الفكري الحر وتنغلق عليها الأصوات الإصلاحية التي يصرخ بها أهل الاستنارة العقلية المزينة بأزكى النيات وأصفاها. فأخص بالذكر في هذا النطاق اقتلاع جذور الحرية التي تستهين بمعتقدات الآخرين وانتزاع أيادي الاستبداد التي تعتقل الحرية الفكرية حتى يتسنى لنا التعايش في عالم تتواجد فيه حرية التعبير مع احترام العقائد المشتركة في وئام. وأما فيما يختص بآخر عمود الاعتدال فهو يجسد جواهر الأنوثة حيث إنه يتعامل مع القضية التي تجعل النساء يتعرين من زينة الأنوثة والأمومة. كما لا يغمض على أحد من أهل الاطلاع، الإسراف الذي تقع في حبائله المجتمعات الغربية، وقد طفقت تمكن المرأة حتى تطلق العنان لحريتها من كل ما يقيدها، مما ترتب عليه أن يصل هذا التحرر إلى درجة من الإلغاء الكياني تؤدي بالمرأة إلى رفض أنوثتها وطرد رقتها وأمومتها. وفي سياق مواز يعارض هذا المنظور الغربي تصور ثقافي شرقي آسيوي يحبس المرأة في أحكام فقهية وأعراف مسلكية لا تليق بكرامتها الإنسانية الأصلية. فتنطلق من بين هذا الغلو ألوان الوسط الفضائلي الاعتدالي التي يجدر بها التقيد، وذلك نظرا إلى كفاءتها في المحافظة للمرأة على حقيقتها الأنثروبولوجية الفريدة وإعتاقها من أغلال الاستعلاء البَطريكي الذكوري. وفيما نخوض في ساحة المعركة بين أفضلية الهوية الذاتية واعتناق الوعي الجماعي فلا بد أن تتجذر عناصرنا الفكرية بعمق في كيفية تطبيق فن الوسطية كما أنها نغمة الحياة التي توحد القلوب في حفلة موسيقية من العواطف المتبادلة وكاللؤلوة في محارة البحر التي تضيف الجمال والأناقة في كرنفال الحضارات الإنسانية وكالشمعة التي تنير الدروب في ليالي ليلاء تغشاها وعورة التطرف وخطورته.
897
| 14 أكتوبر 2023
تمثل رقعة شاسعة متمثلة في فضاء رقمي، حيث تتلألأ النجوم الرقمية وتبدي الأبراج الافتراضية ناجذَيها، عالم بغابته السحرية ما يُعرف بوسائل التواصل الاجتماعي، فهي تقتطع قطعات عملاقة من الأفكار الثورية وتلتقط لقطات منتثرة من العواطف الفياضة على مدى العقود كما تعد بمملكة الاتصالات والاكتشافات وإلا انما من بين هذه الرقصة الكونية ينبثق ظل مثير للشجن تشكيكا في الوئام الرقمي الذي تعهّدت بالحفاظ عليه فيما قبل. ولم تبرح أناملنا تتنقل بين أزقة هذا الفضاء اللامحدود تمريرا بدون انقطاع، مما يشبه الأجسام السماوية تسبح في الفلك. فيقود بنا التمرير اللامتناهي بشكل بالغ إلى متاهة من المعلومات المتوافرة والعلاقات البشرية حيث تُعدّ كل من المنشورات والصور والتعليقات بمثابة مجرّة لامعة بحد ذاتها. هذا مما نتج عنه أن تأخذ رُقصة الباليه الجذابة هذه ألبابنا فتسلب كفاءة أفكارنا وعواطفنا كما بدت وكأنها سحب الجاذبية والتي تعلق أنفسنا على جدار التفاؤل والتشاؤم. مما نصادفه خلال هذه الرحلة الرقمية الكواكب اللماعة بتألق لا يشق له غبار وما يعكس مظهرا حضاريا من الحياة التي على ما يبدو أُفعمت بالنجاحات والأحلام المتحققة. فبإمكاننا أن نعثر على أنفسنا تندهش من مدى الكوكبة من الازدهار والرقي ولو خطف أبصارنا بريق المفاضلة ولمعانه في هذا المرصد الرقمي بالتعاون مع أن النجوم البرّاقة الرقمية التي تفرض علينا الرقاب ألقت بظلال داكنة في زوايا عقولنا في حين تتسبب في انعدام الأمن والشك الذاتي لإحكام القبضة على الشعور بالقيم الخلقية. كذلك بقدر ما تتعمق جذورنا في هذه الدائرة بقدر ما تكون بؤرة المصادقة وصلات القرابة توسعت بشكل هائل. قد يتشابك كون الاتصالات تشابكا متعقدا، لكن مع الأسف الشديد، قلما توجد العلاقات الوطيدة والصداقات الحميمة بين الفينة والأخرى، حيث إنها تضيع بين ضجة من التعاملات السطحية. وقد تعرض لنا كوكبة وسائل التواصل الاجتماعي من الإعجابات والتعليقات والمتابعين بروجا حافزة لكن ربما تُشعرنا بالعوم في بحر الوحشة والخلوة. فخلف حجاب السرية يتجلى البُعد المتبادل حيث تكاد النزاعات أو الصراعات تندلع في شكل عاصفة رقمية. فتصب المعارك العنيفة بين الأيديولوجيات والمعتقدات غضبها، مما يعكس سلبا على المجتمع الرقمي بشكل عنف طائفي. وفيما نقوم بالرحلة في مثل هذه الطائرة الكوكبية المضطربة تطوّقنا الدوّامة من السلبيات فتحدث آثارا رهيبة على ثباتنا العقلي، مما يسفر عن تعرضنا للصدام بين النجوم الرقمية رغما عنا ومما يفضى إلى محاصرة عقولنا بوابلٍ لا هوادة فيه من الآراء المتراكمة والأحكام المتزايدة. وفيما نواصل الرحلة الكونية تثقل كاهلنا سحب الجاذبية من المصادقة الاجتماعية دفعا لمنال تأكيدات الآخرين كما يؤدي بنا مسعى طويل الأجل إلى فراغ فارغ ترتبط فيه الكرامة الإنسانية بشكل راسخ بالجوائز الرقمية وكذلك ينتهي بعقولنا الاشتياق إلى القبول العام إلى كونها عرضةً لأهواء الشعبية حتى يحوّلنا إلى الممثلين الافتراضيين على منصة ديناميكية. لكن هناك يطل أمل ضئيل من رحابة هذا الكون الرقمي فبمجرد أن تشكل النجوم المجرّة بكل زينتها الخُلقية، تطلع شمس الاتصالات القُحّة من خدرها الرقمي. وباستطاعتنا أن نحضن العلاقات الندية في حين نتمكن من التعرف على كيفية الأخذ بنواصي أمور المقاييس الكونية والرقمية كما يسعنا قيادة القسموس الرقمي بروح يعانقها الوعي التام حفاظا على صحتنا العقلية بين الفوضى النشيطة من حيوية الحياة الرقمية. كذلك نتوصل إلى النتيجة بالغة الأهمية أن السيمفونية الأثيرية لوسائل التواصل الاجتماعي تستحوذ بأسرها على صحتنا العقلية ولو ربما يبدو التمرير اللانهائي فيها رحلة مغرية لكن ينطوي على إمكانية إضلال عقولنا. فحرصا على نظافة أخلادنا تمسنا الحاجة إلى التعامل بحذر والبحث عن صلات ذات معنى وزراعة الوعي الذاتي بين حقول المحبة والاحترام كما هذا ما يمكّننا من أن نشهد التوازن الطبيعي بين النجوم المتبعثرة والأفكار المتجولة في هذا الكون من الكوكبة الرقمية الآسرة.
1968
| 16 سبتمبر 2023
مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...
699
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت...
681
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...
630
| 22 يناير 2026
ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل...
588
| 26 يناير 2026
بحكم أنني متقاعدة، وبحكم أكبر أنني ما زلت...
570
| 25 يناير 2026
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني...
549
| 28 يناير 2026
لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا...
543
| 22 يناير 2026
«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...
459
| 21 يناير 2026
لم يعد الزواج عند كثيرين لحظة بناء بيت...
453
| 25 يناير 2026
لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني...
432
| 27 يناير 2026
سوريا ليست بلدًا قاحلًا، أو منزويًا في الخريطة...
411
| 23 يناير 2026
لا تدخر دولة قطر جهدا في العمل الدؤوب...
408
| 21 يناير 2026
مساحة إعلانية