رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محاكمة يوسف عليه السلام

عندما أقول محاكمة يوسف عليه السلام فإن ذلك يحتمل أمرين: الأول أن يكون هو المحاكِم – بكسر الكاف- اسم فاعل، أي القاضي، أو أن يكون المحاكَم- بفتح الكاف اسم مفعول- أي المتهم وعند قراءة قصة يوسف عليه السلام في القرآن نجد المعنَيَيْن، حيث وقف سيدنا يوسف عليه السلام متهما في قضية امرأة العزيز، ووقف قاضيا في قضية أخيه بنيامين وسرقة الصاع. أما القضية الأولى فهي قصته مع امرأة العزيز التي بادرت واتهمت سيدنا يوسف بالباطل، ولكن بتفنيد دليل الاتهام وجد أن يوسف عليه السلام بريء، (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ*فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ). ومن المتوقع بعد ذلك أن تبرأ ساحة يوسف ويرد له اعتباره، لكن الظلم جاء تخلده هذه الآية: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ، [سورة يوسف: 35]) ولصاحب الظلال استنباط لجو هذه المحاكمة يقول فيه: وهكذا جو القصور، وجو الحكم المطلق، وجو الأوساط الأرستقراطية، وجو الجاهلية! فبعد أن رأوا الآيات الناطقة ببراءة يوسف . وبعد أن بلغ التبجح بامرأة العزيز أن تقيم للنسوة حفل استقبال تعرض عليهن فتاها الذي شغفها حباً، ثم تعلن لهم أنها به مفتونة حقاً، ويفتتن هن به ويغرينه بما يلجأ إلى ربه ليغيثه منه وينقذه، والمرأة تعلن في مجتمع النساء دون حياء أنه إما أن يفعل ما يؤمر به، وإما أن يلقى السجن والصغار، فيختار السجن على ما يؤمر به! ،بعد هذا كله، بدا لهم أن يسجنوه إلى حين! ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد؛ ولعل الأمر كذلك قد زاد انتشاراً في طبقات الشعب الأخرى . . وهنا لا بد أن تحفظ سمعة « البيوتات »! وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهن ونسائهن، فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء كل جريمته أنه لم يستجب، وأن امرأة من « الوسط الراقي! » قد فتنت به، وشهرت بحبه، ولاكت الألسن حديثها في الأوساط الشعبية! لكن الله تعالى أراد أن يبتليه بالضراء ثم ينعم عليه بالسراء والرخاء، ولم يخرج يوسف من السجن إلا بعد أن اشترط إعلان براءته في محضر رسمي أمام الملك، خاصة أنه سيتولى منصبا رسميا في الدولة، وينبغي أن يكون طاهر الذيل غير مغموز في شرفه وأمانته، حيث إنه في السجن بتهمة خيانة العزيز في زوجه، فكيف يكون أمينا على خزائن مصر وأموالها وأهلها. الموقف الثاني في السرقة التي نسبت إلى أخيه، والتي كانت بدايتها أن أذن مؤذن (أيتها العير إنكم لسارقون) فجاء إخوة يوسف يسألون عما فقدوه، نقرأ الحادثة في القرآن في قوله تعالى: (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ، قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ، قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ، قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ،قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ، قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ) و هذه الآيات لها وقفات نقفها في مقالة الغد إن شاء الله

8324

| 16 يوليو 2014

الأنبياء والقضاء

في القرآن الكريم ذكر للأنبياء وحالهم مع القضاء، وأوضح أمثلة على ذلك نراها عند نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام وعند سيدنا يوسف، وعند سيدنا داوود وابنه سليمان، هذا فضلا عن تناولنا لمجلس النبي – صلى الله عليه وسلم- للقضاء في مقالات سابقة. وإذا نقلنا أقوال المفسرين بنصها فسنجد كثيرا من التشابه، كما قد نقع على روايات إسرائيلية ليس لها أساس من الصحة، ومن ثم سأعتمد على القرآن ومحاولة فهمه بما صح من أحاديث فسرته أو أقوال لها سند من العقل والمنطقية.والجامع بين هذه القصص جميعا أن هؤلاء الأنبياء كانوا في مجالس قضاء إما متهمون أو قضاة، وسجل القرآن هذه المواقف كي نتعلم منها.ولنبدأ بإبراهيم الخليل – عليه السلام- حيث إن محاكمته على تكسير الأصنام دارت في السياق الآتي:أولا: التحري حيث السؤال عن المتهم الذي كسر الأصنام (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) ثانيا: اتهام إبراهيم: قالوا سمعنا فتى يقال له إبراهيمثالثا: إعلان محاكمة علنية، لا لإعلان العدل وإنما ليكون عبرة للناسرابعا: المحاكمة وفيها: - أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟- قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون(المداولة)، "فرجعوا إلى أنفسهم، فقالوا إنكم أنتم الظالمون"، وذلك بعبادة الأصنام، ولكن هم لا يطلبون العدل، وإنما يتبعون الهوى، "ثم نكسوا على رؤوسهم" - لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.وهنا تأتي اللحظة التي يستغلها إبراهيم للدعوة وفيها يقول:- "أفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، يقول صاحب الظلال معلقا على هذه المداولة: "وحقاً لقد كانت الأولى رجعة إلى النفوس، وكانت الثانية نكسة على الرؤوس؛ كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب.. كانت الأولى حركة في النفس للنظر والتدبر. أما الثانية فكانت انقلاباً على الرأس فلا عقل ولا تفكير. وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو الحجة عليهم. وأية حجة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟!ومن ثم يجبههم بعنف على غير عادته وهو الصبور الحليم. لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم"النطق بالحكم- قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ- قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيمالعدل الإلهي: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَتنفيذ العقوبةويروى أنه لما جعلوا يوثقونه وكان ابن ستة عشر عاما قال: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك، وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا [وأما من الله فبلى]وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما ألقي إبراهيم، عليه السلام، في النار قال: اللهم، إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك"وفي ابن كثير لما دَحَضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق، واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)، فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًا -قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم-ثم جعلوه في جَوْبة من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع، لم توقد قط نار مثلها، وجعلوا إبراهيم، عليه السلام، في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد -قال شُعَيب الجبائي: اسمه هيزن-فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فلما ألقوه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل"، كما رواه البخاري، عن ابن عباس أنه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [ آل عمران: 173].إن هذه المحاكمة تظهر فيها أطراف ثلاثة:الأول: إبراهيم عليه السلام الذي صدح بالحق الذي أراد أن يدفع حياته ثمنا له.الثاني: أن ضعف الحجة غالبا يقابل بغشم القوة، وهذا ما اتضح جليا، حيث لما هزموا فكريا لجأوا إلى جاه سلطانهم.ثالثا: أن الرأي العام لم ينصر الضعيف، وكان أداة من أدوات الظلم، وهذا ينذر بكارثة على المجتمع بأسره الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، وقد هلك بنو إسرائيل؛ لأنهم "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه".أما محاكمة سيدنا يوسف فلنا معها لقاء آخر إن شاء الله.

3382

| 15 يوليو 2014

القاضي عمليق

اتباع الهوى أمر ممقوت بصفة عامة، وقد حذر القرآن منه، فقال: "ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله"، وحذر الله نبيه داوود بأن يحكم بين الناس ولا يتبع الهوى، فقال: "يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله". ولكن التاريخ سطر لنا عن قضاة اتبعوا أهواءهم، فحدث فساد عظيم وضرر كبير، إذ القضاء أمان العلاقات الاجتماعية بين الناس. إن مهمة القاضي جليلة وعظيمة، فهو موقع عن الله، وبه يفصل بين الدماء والأموال والأعراض، وعليه أن يجتهد اجتهادا مبنيا على علم وورع وخوف من الله تعالى. أذكر هذا وأنا أقرأ في أيام العرب في الجاهلية، حيث مررت بموقف يدل على أن القاضي الظالم يثير غضب الخصوم ويجعل الناس يكرهونه ويمقتونه ويكيدون له، وهذا ما حدث في يوم جديس من أيام الجاهلية، حيث كانت العرب العاربة (طسم) اليمامة في وقتهم جو؛ وكان الملك عليهما رجل من طسم يقال له عمليق، وكان غشوماً ظلوماً. وكان سبب فنائهما أن عمليقا أتته ذات يوم امرأة اسمها هزيلة بنت مازن مع زوج لها اسمه ماش، وكان قد طلقها وأراد أخذ ولده منها، فترافعا إليه ليحكم بينهما، فقالت هزيلة: أيها الملك هذا ابني حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً، ولم أنل منه نفعاً حتى إذا تمت أوصاله، واستوت خصاله، أراد أن يأخذه مني قهراً ويسلبنيه سراً، ويترك يدي منه صفرا. فقال الزوج: قد أخذت المهر كاملاً، ولم أنل منك طائلاً، إلا ولدا جاهلاً، فافعل ما كنت فاعلاً. فأمر الملك أن يجعل الولد في غلمانه، فقالت هزيلة:أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم حكماً في هزيلة ظالما لعمري لقد حكمت لا متورعاً ... ولا فهماً عند الحكومة عالما ندمت فلم أقدر على متزحزح ... وأصبح زوجي عاثر الرأي نادما إن القاضي في هذا الموقف حكم بالهوى، ولم يفند حجة الطرفين، ليحكم بناء على أحقية كل منهما في الحضانة، ولكنه نزع ولدهما منهما وضمه إلى غلمانه، فصار بذلك ابنهما الحر عبدا، وكان أهون على أحدهما أن يضم إلى الآخر من أن يكون عبدا مملوكا، ولذا وصمته المرأة بالجهل وعدم الورع وندمت هي وزوجها على أن ذهبا إليه. ثم تمادى هذا القاضي في غيه لما سمع هذه الأبيات وأقسم أنه لا تهدى عروس في جديس لبعلها حتى يكون هو الذي يبدأ بها قبل زوجها. وإنه لقضاء جائر آخر أن يقوم هذا الملك بانتهاك الأعراض وهو الموكل بحفظها والقضاء فيها، ولكن هذا الغشوم نهايته سوداء فسيقضى عليه وسيفنى ملكه بسبب امرأة حرة اسمها عفيرة، التي أهديت إلى بعلها وهي أخت الأسود بن عفار سيد جديس، ويقال: إن اسمها الشموس، فحملت إلى عمليق، فلما افترعها وخلى سبيلها خرجت على قومها في دمائها، شاقة جيبها عن قبلها ودبرها وهي تقول: لا أحد أذل من جديس ... هكذا يفعل بالعروس ثم قالت تحرض جديساً على طسم: أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرملإلى آخر ما قالت.فاجتمعت جديس، فقال لهم الأسود بن عفار، وكان مطاعاً فيهم: لتطيعني فيما آمركم به أو لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري. قالوا: فإنا نطيعك. قال: إن طسما ليسوا بأعز منكم، ولكن ملك صاحبهم هو الذي يذعننا إليهم بالطاعة، ولو امتنعتم منهم لكان لكم النصف. قالوا: إن القوم أكثر منا عدداً وعُدداً. قال: إني صانع طعاماً فأدعوهم إليه، فإذا جاءوكم متفضلين في الحلل نهضنا إليهم بأسيافنا. فقالت عفيرة لأخيها: لا تفعل! فإن الغدر ذلة وعار، ولكن كاثروا القوم في ديارهم فتظفروا أو تموتوا كراماً. قال: بل نمكر بهم فنكون أمكن منهم. تم صنع الأسود طعاماً وأمر قومه أن يخترطوا سيوفهم ثم يدفنوها في الرمل. ودعا عمليقا وقومه، فلما أتوا استثارت جديس السيوف وشدوا عليهم، فما أفلت منهم إلا رياح بن مرة، ففر إلى حسان بن تبع، فاستغاث به وأخيره بما صنعته جديس بطسم، فوعده النصرة، ثم نادى حسان في حمير بالمسير وأخبرهم بما صنعت جديس بطسم؛ فقالوا: وما جديس وطسم؟ قال: هما أخوان. قالوا: فما لنا في هذا من أرب. وهكذا انتهت قصة هذا الغاشم الذي فني وأفنى معه قومه الذين لم يثوروا عليه ويقفوا في وجه ظلمه، فكان عاقبة أمرهم خسرا، وصحبتهم لعنات التاريخ في كل حين، وإلى لقاء آخر إن شاء الله.

2934

| 14 يوليو 2014

القضاء الإسلامي وأهل الذمة

تحدثنا أمس عن قضاء الرسول – صلى الله عليه وسلم بين اليهود وذكرنا على ذلك مثالين وردا في سبب نزول قوله تعالى: (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) وقلنا إن هذه الآية أثارت قضية بحثها العلماء تتمثل في القضاء الإسلامي بين أهل الذمة، على أي النصوص يتعامل، على نصوص التوراة والإنجيل، أم على القرآن؟ في كتاب أهل الملل والردة من الجامع للخلال ذِكْر لهذه المسألة فنقل عن الإمام أحمد قوله" إذا تحاكم اليهود والنصارى إلينا، أقمنا عليهم الحدود على ما يجب، فإن لم يحتكموا فليس للحاكم أن يتبع شيئا من أمورهم، ولا يدعون إلى حكمنا حتى يحكم عليهم". قَالَ الله، تعالى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ سورة المائدة آية 42 فإن لم يحكم فلا بأس. والنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قد حكم لما احتكموا إليه، ولو أعرض عنهم لكان له ذلك، إلا أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أراد أن يقيم عليهم الحد ؛ لئلا يلبسوا على المسلمين، وأراد إحياء الرجم ؛ لأنهم قالوا: إن أمركم بالجلد فخذوا عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوا. فخالفهم النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرجم، فصار سنة، ورجم الخلفاء بعده: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضوان الله عليهم.قلت: فإذا جاء يهوديان، أو نصرانيان، أو مجوسيان يحتكمان إلينا؟ قَالَ: إن شاء الحاكم حكم، وإن شاء لم يحكم، قلت: يسعه ذلك؟ قَالَ: نعم. قلت: فإن حكم عليهما ولم يرض أحدهما؟ قَالَ: يجبره الحاكم، قَالَ الله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ سورة المائدة آية 42, وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ سورة المائدة آية 42 وهو العدل، قَالَ الله، تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ سورة الأنبياء آية 47 قَالَ: أبو عبد الله: إذا كانوا من أهل الذمة فارتفعوا إلينا، أقمنا عليهم الحد ولا يبحث عن أمرهم، ولا يسأل عن أمرهم، إلا أن يأتوا هم على ما فعل النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قيل: يا أبا عبد الله، فعلى المواريث كيف يورثون؟ قَالَ: من جهة الحلال، يسقط من النكاح أم، وأخت، أو بنت، فلا يعرض له، ويحكم لهم بحكم الحلال، حكم الإسلام، ويورثون مواريث الإسلام وقال إبراهيم النخعي، في أهل الكتاب يتحاكمون إلى إمام المسلمين: إن شاء الإمام أعرض، وإن شاء حكم، وإن حكم بينهم حكم بما أنزل الله. والرأي السابق خلاصته أن أهل الكتاب لهم الحرية في أن يتحاكموا إلى شرائعهم أو شرائعنا، ولكن إذا جاءوا إلى قاض مسلم حكم عليهم بشرائع المسلمين. وقال الدكتور طه جابر علواني: وأعطى أهل الكتاب الحق بأن يتحاكموا إلى كتبهم وشرائعهم بقطع النظر عن وجهة نظر الإنسان المسلم في تلك الكتب والشرائع، أما فيما يتعلق بالأحوال المدينة والمالية وغيرها، فلابد من الالتزام بما يتحاكم إليه المجتمع الإسلامي ومن يعش بين المسلمين يلتزم برأي الأغلبية، وهذا موجود في بلاد الغرب والشرق فمن يعيش من المسلمين في بلادهم يحتكم إلى قوانينهم المدنية في المعاملات والنظم المختلفة (المرور- الصحة- التعليم) وما إلى ذلك مما لا دخل له في أمور العقيدة وحرية الاعتقاد والعلاقات الأسرية من الزواج وغيره بحيث لا تصطدم مع دين المجتمع الإسلامي، وكما هو مقرر فإن العقد شريعة المتعاقدين، والداخل إلى ديارنا الإسلامية يوقع مسبقًا على الالتزام بالأحكام والآداب الشرعية، وهذا شكل من إثبات السيادة للدولة، ثم إن هذا غير مستنكر لدى جميع دول العالم وشعوبه، فالدساتير في كل دولة تنص على أن القانون يطبق على كل جريمة وقعت على أرض أو سماء أو مياه الدولة دون تفريق بين جنسيات المجرمين.

3849

| 13 يوليو 2014

الرسول والقضاء بالنص التشريعي

القاضي أمامه نص يحكم من خلاله، يفهمه ويحلل الواقعة ثم يسقطها على هذا النص، وهذه مهمة دقيقة تحتاج إلى ذكاء في التحليل، وسبر لأغوار النص، ونجد مواقف للرسول صلى الله عليه وسلم وهو أمام نصوص تشريعية من القرآن يحكم بها بين الناس، والله تعالى قال له: (إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) النساء (105) فهنا عنصران مهمان: النص وإفهام الله وإراءته للنبي من خلال تحليل الواقعة، قال ابن عطية: " { بما أراك الله } معناه : على قوانين الشرع ، إما بوحي ونص، أو بنظرٍ جارٍ على سنن الوحي ، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة" وهناك أمثلة على ذلك منها قضاء الظهار في حادثة خولة بنت ثعلبة، عن ابن عباس، قال: كان ظهار الجاهلية طلاقا، فأول من ظاهر في الإسلام أوس بن لصامت، أخو عبادة بن الصامت من امرأته الخزرجية، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك؛ فلما ظاهر منها حسبت أن يكون ذلك طلاقا، فأتت به نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالت: يا رسول الله إن أوسا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه، وقدمت صحبته; فهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله عزّ وجلّ:( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) .... إلى قوله:( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فدعاه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: أتَقْدِرْ عَلى رَقَبَةٍ تُعْتُقها؟ فقال: لا والله يا رسول الله، ما أقدر عليها، فجمع له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله. وروى الحسن: أنها قالت: يا رسول الله ! قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أوحى إلي في هذا شئ) فقالت: يا رسول الله، أوحي إليك في كل شئ وطوي عنك هذا ؟ ! فقال: (هو ما قلت لك) فقالت: إلى الله أشكو ؛ لا إلى رسوله. فهنا نرى أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- لم يقض للمرأة ابتداء؛ لأنه لم يوحَ إليه بنص يقضي من خلاله، وظلت المرأة تجادله، كما جاء في القرآن الكريم، وذكرت الروايات أطرافا من هذه المجادلات كما تبين من قبل، ولكن لما جاء النص طبقه النبي على زوجها الذي لم يكن مستطيعا أن ينفذ حكم الظهار في الكفارة، فأخذ النبي بروح النص وجمع له الكفارة ليطبق الحكم الذي جاء في النص، ومن ثم نستنتج أن القاضي لا يمكن أن يخرج عن النص التشريعي ويحكم بهواه، فإذا فعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينا، وإنما رأْي القاضي مبني على اجتهاد أُسِّس على نص تشريعي فُهِم جيدا، وهذا ما علمه رسول الله معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وقال له قال: بم تحكم؟" قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟" قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟" قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله، لما يرضي رسول الله"

595

| 11 يوليو 2014

الرسول واستجواب الادعاء

استجواب الخصوم وسيلة من خلالها يستطيع القاضي أن يستدل على الحقيقة، حيث لا يتوقع الخصم أسئلة القاضي التي ينبغي أن تكون ذكية مرتبة وموجهة تجاه فكرة يريد أن يتتبع خيط الحقيقة من خلالها، وهذا ما أصله رسول الله –صلى الله عليه وسلم في أكثر من موقف لنتعلم منه كيفية الاستجواب، ومعنا دليل على ذلك من صحيح البخاري حيث استجواب امرأة رفاعة التي أرادت أن تخلع عبد الرحمن القرظي عن عكرمة : أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي قالت عائشة وعليها خمار أخضر فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها فلما جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم- والنساء ينصر بعضهن بعضا - قالت عائشة ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات ؟ لجلدها أشد خضرة من ثوبها. قال وسمع أنها قد أتت رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء ومعه ابنان له من غيرها قالت: والله ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه وأخذت هدبة من ثوبها فقال كذبت والله يا رسول الله إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها ناشز تريد رفاعة. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( فإن كان ذلك لم تحلي له أو لم تصلحي له حتى يذوق من عسيلتك ). قال وأبصر معه ابنين له فقال ( بنوك هؤلاء ). قال نعم قال ( هذا الذي تزعمين ما تزعمين فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب ). إن هذه الحادثة بها من دروس القضاء ما ينبغي التوقف عنده في النقاط الآتية: أولا: لقد ذهبت المرأة شاكية إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، عارضة شكواها ومستدرة عطفها بما تراه من قسوة زوجها عبد الرحمن، وقد نجحت في هذه المهمة، وأدخلتها أم المؤمنين عائشة على رسول الله حتى يقضي في أمرها، ولكن النبي جمع طرفي الخصومة، وسمع ادعاء المرأة على زوجها الثاني، وأبطل ادعاءها بما رآه من دليل مادي حيث إنها ادعت عليه عدم القدرة على معاشرة النساء، وهو سبب قد يجعل لها الحق في طلب الخلع، ولكن لما أبطل النبي ادعاءها، وأن زوجها قادر على معاشرتها، بدليل أن له ابنين من غيرها، حينها جاء الزوج ليقول في رواية أخرى: (إني لأنفضها نفض الأديم) كناية عن قوته. ثانيا: وإذًا فقد بطلت حجة المرأة من خلال استجواب عبد الرحمن زوجها، وما عليها إلا أن تظهر نواياها من شكواها، في حبها أن ترجع لزوجها الأول، ولكن كان قضاء رسول الله: "حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها". ثالثا: وفي قصة هذا المجلس احتراز لا بد منه، فيجب أن يكون الزوج الثاني راغبا في المرأة قاصدا لدوام عشرتها، مما هو القصد الصحيح للزواج. وأن يكون الفراق طبيعيا من موت أو طلاق طبيعي، أما إذا تزوجها ودخل بها قاصدا تحليلها للزوج الأول أو كان ذلك مفهوما من واقع الحال- فإن هذا هو المحلل الذي لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعن المحلَّل له. وكان نكاح هذا الثاني باطلا لا تحل به المعاشرة. وأورد ابن كثير في تحريم المحلل عدة أحاديث عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- فقال: "عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن العسيلة الجماع" فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة. وعن عبد الله بن مسعود قال: آكل الربا وموكله، وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة، والمستوصلة، ولاوي الصدقة، والمتعدي فيها، والمرتد على عقبيه إعراضا بعد هجرته، والمحلِّل والمحلَّل له، ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وقال عقبة بن عامر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "هو المحلِّل، لعن الله المحلل والمحلل له".

1055

| 10 يوليو 2014

الرسول والقضاء والرأي العام

القاضي له معايير واضحة لا يتأثر فيها بالرأي العام، وإذا رأى الحق فينبغي أن يصدع به دون خشية من غضبة الناس، هكذا يعلمنا القرآن هذا الدرس مع النبي – صلى الله عليه وسلم- الذي جلس في مجلس قضاء خلد القرآن ذكره، وصدرها بمبدأ عام فيه: (إِنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)[النساء: 105].وجمهور المفسرين على أن الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها: أن إخوة ثلاثة يقال لهم: بشر وبشير ومبشر، أبناء أبيرق، وقيل: أبناء طعمة بن أبيرق، وقيل: إنما كان بشير أحدهم يكنى أبا طعمة، وهم من بني ظفر من أهل المدينة، وكان بشير شرهم، وكان منافقا يهجو المسلمين بشعر يشيعه وينسبه إلى غيره، وكان هؤلاء الإخوة في فاقة، وكانوا جيرة لرفاعة بن زيد، وكانت عير قد أقبلت من الشام بدرمك وهو دقيق الحوارى أي السميد فابتاع منها رفاعة بن زيد حملا من درمك لطعامه، وكان أهل المدينة يأكلون دقيق الشعير، فإذا جاء الدرمك ابتاع منه سيد المنزل شيئا لطعامه فجعل الدرمك في مشربة له وفيها سلاح، فعدى بنو أبيرق عليه فنقبوا مشربته وسرقوا الدقيق والسلاح، فلما أصبح رفاعة ووجد مشربته قد سرقت أخبر ابن أخيه قتادة بن النعمان بذلك، فجعل يتحسس، فأُنبئ بأن بني أبيرق استوقدوا في تلك الليلة نارا، ولعله على بعض طعام رفاعة، فلما افتضح بنو أبيرق طرحوا المسروق في دار أبي مليل الأنصاري. وقيل: في دار يهودي اسمه زيد بن السمين، وقيل: لبيد بن سهل، وجاء بعض بني ظفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتكوا إليه أن رفاعة وابن أخيه اتهما بالسرقة أهل بيت إيمان وصلاح، قال قتادة: فأتيت رسول الله، فقال لي: "عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة على غير بينة". وأشاعوا في الناس أن المسروق في دار أبي مليل أو دار اليهودي. فما لبث أن نزلت هذه الآية، وأطلع اللهُ رسولَه على جلية الأمر، معجزة له، حتى لا يطمع أحد في أن يروج على الرسول باطلا. هذا هو الصحيح في سوق هذا الخبر. ووقع في كتاب أسباب النزول للواحدي، ونزلت الآيات: (إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ في الْحَيَواةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).إنه مبدأ عام ألا يتأثر القاضي بآراء الناس حوله عندما تظهر البينة، فالعدل هو أمان المجتمع، لايفرق بين أحد على أساس لون أو دين أو عرق، فالقاضي يؤم الحقيقة، وبما أن واحدا من الجماعة المسلمة قد سرق فليطبَّق عليه الحد، ولا يجوز أن يعفُوَا القاضي عنه، فمهمة القاضي أن يبين الحق ويصدر الحكم، وأما العفو فيكون من حق الطرف الآخر الذي قد يكون مجتمَعا بأسره وحينها لا بد أن يأخذ المجتمع حقه، وذكر ابن حجر عن أبي مطر: رأيت عليا أتي بسارق فذكر قصة فيها " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتي بسارق ": "قالوا يا رسول الله أفلا عفوت؟ قال: ذلك سلطان سوء الذي يعفو عن الحدود بينكم".إن هذا المبدأ وعاه الرسول ورسخه، حيث حذر أسامة من أن يشفع في حد من حدود الله، ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فخطب قال: يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.والحديث موصول إن شاء الله

1095

| 09 يوليو 2014

الرسول والصبر على جهالة الخصم

في مجلس القضاء تكون النفوس بها إحن وبها شحناء قد تدفع أحد الخصمين للتطاول على القاضي الذي سيحكم لأحد الطرفين قطعا، وهنا على القاضي أن يتمتع برحابة الصدر وتقدير الموقف جيدا، ومعي الآن موقفان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا فيهما في مجلس القضاء وجهل عليه أحد الخصمين، أما الموقف الأول فقد رواه البخاري عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك" فاستوعب النبي - صلى الله عليه وسلم- للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما صلى الله عليه وسلم بأمر لهما فيه سعة قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" الآية . أما الموقف الثاني الذي معنا فيروى عن أبي سعيد قال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ، قال عمر بن الخطاب :دعني أضرب عنقه ، قال عليه الصلاة والسلام : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل إحدى يديه أو قال ثدييه مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس ، قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه ، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم قال فنزلت فيه "ومنهم من يلمزك في الصدقات..." البخاري والنبي في الموقف الأول أراد أن يتنازل الزبير عن جزء من حقه ولكن الرجل لما اتهم النبي بالجور أحفظه واستوعب للزبير حقه. وهذا القضاء يدلنا على ما يأتي: أولا: يجوز أن يكون القاضي قريبا لأحد الخصمين، لأن الأصل في القاضي عدم الميل ولذا قال الله تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)، وقال: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى). فحكم القاضي ينبغي أن يكون منزها عن مشاعر الحب والكره، فهو يزن الأمور بعقله، ويفرق بين الحق والباطل، فتحقيق العدل مهمة مقدسة. ثانيا: إن القاضي يجوز أن يحكم بالفضل، وأن يحث أحد الطرفين على التنازل عن حقه بأسلوب ضمني، كما فعل النبي مع الزبير، لكن إذا أساء الطرف الآخر الأدب، ولم يقدر هذا الفضل، فإن الحكم بالعدل هو الأولى تأديبا لمن أساء للقاضي الذي وضعه الإسلام في مهابة من الناس ليرضوا بحكمه، لأن القاضي موقع عن رب العالمين، والفصل في الحقوق ليس أمرا سهلا. والحديث موصول إن شاء الله

1712

| 08 يوليو 2014

الرسول في مجلس القضاء

جلس النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس القضاء فوضع له قواعد وحدودا، وكانت أمامه نماذج تطبيقية مثلت فيما بعد مصادر للتشريع، وسنحاول أن نتتبعها من خلال المواقف والأحداث، وأولها حث المتخاصمين على الصدق في الدعوى،فعن عن أم سلمة رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انما انا بشر وانكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فاقضى نحو ما اسمع فمن قضيت له بحق اخيه شيئا فلا يأخذهفانما اقطع له قطعة من النار رواه البخاري وفي رواية أنه جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مواريث بينها قد درست ليست لها بينة فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - إنكم تختصمون إلى وإنما أقضى برأى فيما لم ينزل على فيه فمن قضيت له فيه بحجته يقتطع به شيئا من حق أخيك فلا يأخذه فإنما اقتطع له قطعة من النار يأتى بها يوم القيامة انتضاما فى عنقه فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما يا رسول الله حقى له فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - أما إذا فعلتما ما فعلتما فاذهبا فتوخيا الحق واقسما واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه (ابن أبى شيبة أبو سعيدالنقاش فى القضاة عبد الرازق). وفي الرواية الثانية نرى حكمة الرسول في تذكيرهما بالله وعقاب من يأخذ حقا ليس له، فرهبت نفس الخصمين من أخذ الحرام وتنازلا، ولكن الحكم كان بأن يستهما على ما بينهما مع الرضا بالقرعة وما ينزل في حظ كل واحد من نصيب. وحكمة الرسول في القضاء ليست حادثة بعد النبوة وإنما هي متأصلة فيه، فهو الذي رفع حجر الكعبة لما اختلفت قبائل قريش على من يرفع الحجر الأسود ورضوا بالنبي حكما وكانمبررهم أنه صادق أمين، ويقول المؤرخون: إنّ قريشاً وزعت الهدم والبناء على القبائل، فكان لكلِّ قبيلة جهة معينة، وكان الوليد بن المغيرة أوّل منبادر إلى هدمها بعد أن تهيب غيره من فعل ذلك. وهكذا بدأت كلّ قبيلة تجمع الحجارة وتبني الجهة المعينة لها حسب الخطة. ويقال: إنّ النبيّ (ص) شارك في جمع الحجارة. ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يرفع الحجر إلى موضعه، وأصبحت كلّ قبيلة تريد هي أن تنال شرف رفعه إلى موضعه، لأنّهم كانوا يرون أنّ من يضع الحجر في مكانه تكون له السيادة والزعامة.وكاد الأمر يؤدي بهم إلى فتنة كبيرة حيث استعدوا للقتال، وانضم كلّ حليف إلى حليفه، حتى أنّ بعض القبائل تحالفوا على الموت وغمسوا أيديهم في الدم فسموا لعقة الدم. ولما وصلوا إلى هذا الحد الخطير اقترح عليهم أبو أمية بن المغيرة والد أم سلمة زوجة النبي –صلى الله عليه وسلم - أن يُحكِّموا في هذا النزاع أوّل داخل عليهم، فكان محمّد بن عبدالله أوّل الوافدين، فلما رأوه استبشروا بقدومه وقالوا: لقد جاءكم الصادق الأمين، أو هذا الأمين قد رضينا به حكماً.فطلب منهم النبيّ –صلى الله عليه وسلم- أن يحضروا له ثوباً فأتوا له بثوب كبير، فأخذ الحجر ووضعه فيه بيده، ثمّ التفت إلى شيوخهم فاستحسنوا « لتأخذ كلّ قبيلة بطرف من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً » : وقال ذلك ووجدوا فيه حلاً يحفظ حقوق الجميع، ولا يعطي لأحد امتيازاً على الآخر، ففعلوا ما أمرهم به، فلما أصبح الحجر بمحاذاة الموضع المخصص له، أخذه رسول الله بيده الكريمة ووضعه مكانه. والحديث عن حكمة رسول الله في الصلح والقضاء غدا إن شاء الله

2224

| 07 يوليو 2014

دور القاضي في الصلح

القاضي رجل حصيف يتصف بالذكاء، يعدل بين المتخاصمين، ودوره الأكبر أن يصلح بينهما، ينزع سخيمة نفوسهما، يجسر هوة الشقاق وينتقل بهم إلى الوفاق، وله في ذلك أن يستخدم الحيلة، وأن يسلك إلى هذه الغاية كل وسيلة، بشرط ألا يجور على الضعيف ولا يضيع الحقوق ولا يهدر الدماء.وما زلنا في العصر الجاهلي نستذكر مجالس الصلح والقضاء هناك، حيث نرى العجب الذي سطرته كتب الأدب، ونرى العقل والحصافة التي لم يخل أي عصر منها، فقد أورد صاحب الأغاني عن قصة الصلح بين الأوس والخزرج في حرب استمرت بينهما عشرين عاما، يقول أبو الفرج: "فلما طالت الحرب وكاد العرب يأكل بعضهم بعضاً، أرسلوا إلى مالكٍ أن يحكموا بينهم ثابت بن المنذر أبا حسّان، فأجابهم إلى ذلك، فأتوه وقالوا: قد حكّمناك بيننا. قال: لا حاجة لي في ذلك. قالوا: ولم؟ قال: أخاف أن تردّوا حكمي كما رددتم حكم عمرو بن امرئ القيس. فأعطوه عهودهم: أن لا يردّوا ما حكم به، فحكم أن يودي حليف مالك دية الصّريح، ثم تكون السّنّة فيهم على ما كانت به: الصّريح على ديته، والحليف على ديته؛ وأن يعدّوا القتلى التي أصابت بعضهم من بعض، فيقابل البعض بالبعض، ثم تعطى الدية لمن كان له فضلٌ في القتلى من الفريقين. فرضوا بذلك ففضلت الأوس على الخزرج بثلاثة نفر، فودتهم الأوس واصطلحوا..وقيل: الخمسة المكملة لدية الصّريح أعطاها ثابتٌ من عنده حين أبت عليه الأوس أن تؤدي أكثر من خمس، وأبى مالك أن يقبل أقلّ من عشر؛ إطفاءً لنائرتهم، ولمّا لشعثهم".إن هذه الحكاية على وجازتها تشير إلى عدة أمور:أولا: رغبة الفريقين في الصلح ولكن عصبية الجاهلية وقفت حائلا بين هذه الغاية، فكان لا بد من قاض عاقل يحقق هذه الرغبة دون أن ينتقص من حق الطرفين.ثانيا: إن القاضي تأكد من رغبة الفريقين في الصلح، ولكنه أخذ عليهما العهد والميثاق في أن يرضيا بحكمه وينزلا على رأيه..ثالثا: لم يستطع القاضي أن يفصل في الدماء إلا بعد إحصائها، فالدماء لها حقوق وأصحاب الدم هم الأولى بأخذ الرأي ولذا بات معلوما عدد القتلى في الطرفين، حتى إذا تم الإحصاء تقدم خطوة أخرى وهي قبول الدية.رابعا: ولم تكن هذه الدية بالأمر الهين، فالعربي يجد من الأنفة قبول الدية، ولكنه استطاع بذكاء أن يقنعهم أن كلا منهما أخذ بثأره من الآخر، فهناك دماء مقابل دماء، وبقي بعض القتلى فهل نزيد في أعداد الدماء ثم نتصالح أم نقبل الدية ونتسامح؟ وساعتها رضي الطرفان بقبول الدية والمصالحة.خامسا: بقيت إذا اللحظة الأصعب وهي لحظة تنفيذ الحكم، والقاضي ضامن للتنفيذ، حيث إنه تحمل بعض ديات القتلى حتى لا يدب الخلاف مرة أخرى، ويطفي نار الحرب، وهنا نجد الإرادة والرغبة الصادقة في الصلح والنزاهة للقاضي أكبر ضمانات الصلح... والحديث موصول غدا إن شاء الله..

4467

| 06 يوليو 2014

الوساطة في الصلح

الوساطة في الصلح من أصعب الأمور، فالوسيط ينبغي أن يتمتع بثقة الطرفين، وعدم الميل إلى الآخر والقضاء بينهما بالعدل، والنية الصادقة للصلح، والرغبة في التضحية من أجل إتمام هذا الصلح.وينقل لنا التاريخ صورة مشرقة عن وسطاء منهم الحارث بن عوف وهرم بن سنان اللذان أصلحا بين عبس وذبيان ولهما في ذلك قصة طريفة، وفيها تقول كتب الأدب: "وأما سبب الصلح بينهم على الحارث بن عوف فهو إنَّ الحارث قال يوما لخارجة بن سنان: أتراني أخطب إلى أحد من العرب فيردني؟ قال: ومن هو؟ أوس بن حارثة في بلاده. فلما رأى الحارث قال: مرحبا بك يا حار قال: ويك! قال: وما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قال: ليست هناك فانصرف ولم يكلمه. ودخل أوس إلى امرأته مغصبا وكانت من عبس فقالت: من الرجل الذي وقف عليك؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف. قالت: فما لك لم تستنزله؟ قال إنّه استمحق. قالت: وكيف؟ قال: جاءني خاطبا. قالت: أف تريد تزويج بناتك؟ قال: نعم! قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذاك. قالت: فتدرك ما كان منك! قال بماذا؟ قالت: بأن تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط مني ما فرط إليه؟ قالت: تقول إنك لقيتني مغضبا بأمر. فانصرف ولك عندي ما تحب فإنه سيفعل فركب حارة في أثره. قال خارجة: فوالله إنا لنسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته فأقبلت على الحارث وما يكلمني غنا. فقالت: هذا أوس بن حارثة قال: وما نصنع به؟ امض فلما رآنا لا نلتفت صاح: يا حار أربع علي فوقفنا له فكلمه بذاك الكلام فرجع مسرورا. ودخل أوس فقال لامرأته: ادعي لي فلانة كبرى بناته. فأتته فقال: يا بنية هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب وقد جاء خاطبا. فأردت أنَّ أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل قال: ولم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردة وفي خلقي بعض الحدة ولست بابنة عمه فيرعى رحمي وليس بجارك في البلد فيستحي منك ولا آمن أنَّ يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي وصمة. قال: قومي بارك الله فيك ثم دعى الوسطى فأجابته بنحو ذلك ثم دعى الصغرى فقال لها قالت: أنت وذلك. قال: إني عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. قالت: لكنني الجميلة وجها الصناع يدا الحسيبة أبا. فإن طلقني فلا أخاف الله عليه. قال: بارك الله عليك ثم خرج إلينا قال: قد زوجتك بهنسة بنت أوس. قال: قد قبلت. أمر أمها أنَّ تهيئها وتصلح من شأنها. ثم أمر ببيت فضرب له وادخله إياه. فلما أدخلت إليه لبث هنيئة ثم خرج إلي فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله لمّا مددت يدي إليها قالت مه اعند أبي وإخوتي؟ هذا لا يكون قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا بها معنا فسرنا ما شاء الله ثم قال لي: تقدم فتقدمت فعدل بها عن الطريق فما لبث أنَّ لحقني فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة والسبية الأخيذة؟ لا والله حتى تنحر الجزور وتذبح الغنم وتدعو العرب وتعمل ما يعمل لمثلي. قال خارجة: فقلت: والله لأرى هيئة عقل وإني لأرجو أن تكون المرأة النجيبة. ثم سرنا حتى دخلنا بلادنا. فأحضر الإبل والغنم ثم دخل إليه وخرج. فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قلت: ولم ذلك؟ قال: دخلت عليها أريدها فقلت: قد أحضرنا من المال ما ترين. قالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف بما لا أراه فيك قلت: كيف؟ قالت: أتتفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضا؟ تعني عبسا وذبيان قلت: فتقولين ماذا؟ قالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك قلت: والله إني لأرى عقل وهمة ولقد قالت قولا فاخرج بنا فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فاصطلحوا على أنَّ يحسبوا القتلى من الفريقين ثم يؤخذ الفضل ممن هو عليه. فحملنا عنهم الديات وكانت ثلاثة آلاف بعير. وفي هذا الصلح يقول زهير يمدحهما:سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما تبذل ما بين العشيرة بالدمفأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهميموينا لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرمتداركتما عبس وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشموعاش الحارث حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم رحمه الله تعالى.والحديث موصول إن شاء الله

3802

| 05 يوليو 2014

عادات الصلح في الجاهلية

إذا اشتد أوار الحرب في الجاهلية وأنهكت المعارك الطرفين فإن الرغبة تكون كامنة في النفوس لهدنة قد تتحول إلى صلح، ولهم في ذلك عادات، منها مسح اللحى، والإشارة بالرماح وإرسال السهم في السماء فإن رجع نقيا كان علامة على قبول الدية والتصالح في القتلى وإن جاء مضرجا بالدم كان دليلا على القصاص، وهم في قرارة أنفسهم لا يعتقدون بأنه سيكون مضرجا بالدم، وإنما حيلة يحفظون بها ماء وجوههم وقت التصالح. لقد ذكرت كتب الأدب هذه العادات وفيما يأتي سرد لبعضها..أولا: إمساك اللحىوكان من عاداتهم عند الصلح أن يمسكوا اللحى، يقول الأسعر الجعفي:مَسَحُوا لِحَاهم ثمَّ قَالُوا سَالمِوُايَا لَيْتَنِي فِي القَوْمِ إِذَ مَسَحُوا اللِّحَى(انظر الوحشيات لأبي تمام ص44)ففي البيت السابق تظهر عادة مسح اللحى عند الصلح، قال الأصمعي: هذا سنّة العرب كان أحدهم إذا أراد أن يخطب مسح لحيته وعثنونه، وقال أبو عمر: سألنا ثعلباً عن هذا البيت فقلنا ما كان يصنع فيهم؟ قال: يحلق لحاهم مجازاة لهم على الموادعة (سمط الآلي 1/129)ومسك اللحى موقف حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية عندما جاء عروة بن مسعود الثقفي ليصالح النبي، وفي مشهد تتواتر كتب السير عليه نرى أن عروة جعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، قال: أي غدر؟ أولست أسعى في غدرتك؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء"، ثم إن عروة جعل يرمق (43) من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا لأمره، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يجدن إليه النظر تعظيما له. قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوه.ثانيا: العقيقةوقد ورد البيت السابق برواية أخرى هي: عقّوا بسهم ثم قالوا سالموا يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى انظر سمط اللآلي 1/163وفي هذه الرواية تظهر عادة أخرى تسمى العقيقة، وهي سهم الاعتذار، قال ابن الأعرابي قالت العرب: إن أصل هذا أن يقتل الرجل من القبيلة فيطالب القاتل بدمه فيجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مكمّلة، ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوّة أبوا ذلك وإلاّ قالوا لهم إن بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون ما علامتكم؟ فيقولون أن نأخذ سهماً فنرمي به نحو السماء فإن رجع إلينا مضرّجاً دماً فقد نهينا عن أخذ الدية وإن رجع كما صعد فقد أمرنا بأخذها. قال ابن الأعرابيّ قال أبو المكارم وغيره: فما رجع السهم قطّ إلاّ نقيّاً، ولكنهم لهم في هذا المقال عذر عند الجهّال انظر سمط اللآلي 1/163.ومن عاداتهم في الصلح أنهم يستقبلون العدو بأزجة الرماح، فإن أجابوهم إلى الصلح فبها ونعمت، وإن رفضوا الصلح قلبوا الرماح فقاتلوهم، وهذه العادة يتحدث عنها زهير بن أبي سلمى فيقول: ومَنْ يَعصِ أَطْرَافَ الزِّجاجِ، فإنَّهُ يُطيعُ العَوَالي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْذَمِحماسة البحتري 169والمعنى كما يقول النويري: "من لم يرض بأحكام الصلح رضي بأحكام الحرب، وذلك أنهم كانوا إذا طلبوا الصلح قلبوا أزجة الرماح وجعلوها قدامها مكان الأسنة، وإذا أرادوا الحرب أشرعوا الأسنة" نهاية الأرب في فنون الأدب، للنويري، 2/282وإلى لقاء آخر إن شاء الله

15571

| 04 يوليو 2014

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

5727

| 13 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

5514

| 12 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1749

| 13 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

1146

| 13 مايو 2026

alsharq
هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟

تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...

1086

| 14 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1047

| 11 مايو 2026

alsharq
مراسيل التوش

تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...

798

| 16 مايو 2026

alsharq
الوعي المجتمعي

إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...

762

| 14 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

747

| 13 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

705

| 12 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

660

| 13 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

621

| 11 مايو 2026

أخبار محلية