رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ترتيب المفردات مع حروف العطف

من الأمور التي تتشابه على القراء، أن يخلطوا بين المفردات في أسلوب العطف، أو أن يأتوا بحرف عطف لم يرد في القرآن، وهذا تحدث عنه النحاة والبلاغيون، حيث تحديد أي المفردات يسبق حرف العطف وأيها يأتي تاليا، مثل قوله -تعالى-: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا"، حيث بين السهيلي أن قول سيبويه: "كأنهم يقدمون الذي هم ببيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم" يحتاج إلى بيان وتفصيل، وقال: "ما تقدم من الكلام فتقديمه في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان، والمعاني تتقدم بخمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال". ثم يقول: "وربما كان ترتيب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى، كقوله: "ربيعة ومضر" وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل، ولكنهم آثروا الخفة؛ لأنك لو قدمت "مضر في اللفظ كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وقف عليها بالسكون".إن السهيلي جعل السبب في ترتيب المعطوفات دلاليا وشكليا، وكان السبب الدلالي غالبا؛ لأن هذه الأسباب الخمسة التي ذكرها كلها أتت من استقراء لأمثلة في السياق القرآني، وليست هذه الأسباب حاسمة بحيث يمكن أن تعد قانونا لتفاعل المفردات مع الوظائف النحوية التي تربط بينها حروف العطف، حيث إننا نجد مثلا ابن الصائغ يزيد هذه الأسباب إلى عشرة أنواع، هي: التبرك، والتعظيم والتشريف والمناسبة، والحث على المتقدم، والحض على القيام به حذرا من التهاون، والسبق، والسببية، والكثرة، والترقي من الأدنى إلى الأعلى، والتدلي من الأعلى إلى الأدنى. وبالنظر إلى الأسباب الخمسة التي قالها السهيلي مع الأسباب العشرة التي ذكرها ابن الصائغ، يظهر أن هذه الأسباب يمكن ردها إلى الأسباب الخمسة؛ فمثلا الترقي من الأدنى إلى الأعلى والعكس يمكن أن يندرج تحت سبب الرتبة؛ إذ صرح ابن الصائغ أن الرتبة معنوية، ومن ثم فإن هذه الأسباب تظل اجتهادا قائما على استقراء النص، وهي قابلة للزيادة والتعديل حسب الفهم والتأويل.ويعتمد ابن الأثير في تحليل اختيار حروف العطف على الشكل والدلالة معا، فيقول: "أما حروف العطف فنحو قوله -تعالى- "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" (82) الشعراء "فالأول عطفه بالواو التي هي للجمع، وتقديم الإطعام على الإسقاء، والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسم النظمِ، ثم عطف الثاني بالفاء؛ لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهماِ، ثم عطف الثالث بثم؛ لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمانِ ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخيِ، ولو قال قائل في موضع هذه الآية: الذي يطعمني ويسقين ويمرضني ويشفين ويميتني ويحيين لكان للكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى الآية إذ كل شيء منها قد عطف بما يناسبه ويقع موقع السداد منه". فابن الأثير في هذا النص قد ذكر أسبابا دلالية وشكلية في اختيار حروف العطف، وطريقة ترتيب المفردات؛ فالفاصلة القرآنية كانت سببا في تقديم الإطعام على الإسقاء، ثم كان الترتيب الزمني في اختيار فاء العطف بين المرض والشفاء وأيضا في حرف العطف ثم بين الموت والإحياء؛ فالواو لا يمكن أن تقوم مقام هذه الحروف في هذا السياق القرآني لتؤدي هذه الدلالة فرغم أنها تفيد مطلق الجمع وأن الله قادر على جمع هذه الأشياء التي ذكرها سيدنا إبراهيم -عليه السلام- إلا أنها تبين جانبا واحدا من جوانب قدرته، فالله الذي خلق وأطعم وأمات وأحيا له قدرة في تنظيم قوانين الطعام والشراب والمرض والشفاء والموت والحياة، ومن بين هذه القوانين الزمن بين هذه الأفعال، وفي ذلك قمة الحجاج العقلي لقوم إبراهيم الذين عبدوا الأصنام من دون الله.فلا بد إذن من المناسبة الدلالية بين المفردات وحرف العطف، فالواو إذا أفادت الإشراك في الحكم، فهذا الإشراك ليس مقصورا على الحكم الإعرابي فقط، بل يشمل الإشراك الدلالي أيضا، "فلو قلت: زيد طويل القامة وعمرو شاعر كان خلْفا؛ لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما الواجب أن يقال: "زيد كاتب وعمرو شاعر، وزيد طويل القامة وعمرو قصير، وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في الجملة لفقا لمعنى في الأخرى ومضاما له".وموضع حرف العطف في التركيب يحدد صيغة الفعل في بناء الجملة ومعناه؛ فهناك من "الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعةِ ويعطي ظاهره أنه كذلك إلا أن معناه يكون مخالفا لمعنى فعل المطاوعة، فيعطف حينئذ بالواو لا بالفاءِ كقوله -تعالى-"ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا"، فقوله "أغفلنا قلبه"، هنا بمعنى صادفناه غافلا وليس منقولا عن غفل حتى يكون معناه صددناه؛ لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاءِ وقيل فاتبع هواه، وذلك أنه يكون مطاوعا".

4110

| 05 يوليو 2016

يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي

من المواضع التي تشتبه على القراء لفظتي يخرج ومخرج، وعطف اسم الفاعل على المضارع، وذلك في قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) الأنعام: 95. وقال في سور أخر قبلها وبعدها: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) الروم: 19.قال الخطيب الإسكافي: للسائل أن يسأل فيقول: لم عطف الاسم على لفظ الفعل ولم يعطف عليه لفظ الفعل، كما قال في السور الأخر؟ وإذا عطف عليه بلفظ الاسم وهو (مخرج الميت من الحي)، هلا ذكر اللفظ الأول بالاسم فيقول: مخرج الحي من الميت، فما الفائدة في ذلك؟ وما الفرق بينها وبين الآي الأخر؟والجواب أن يقال: إن أول هذه الآية ذكر بلفظ الاسم وهو (فالق الحب والنوى) فكان اللائق به أن يقال: ومخرج الحي من الميت ولكنه لما اجتمع ثلاثة حروف من حروف العلة دفعة واحدة، وهي: الواو من النوى والياء من النوى والواو من مخرج وهي واو العطف، ونقل عن لفظ الاسم إلى لفظ الفعل لما كان يخرج ومخرج بمعنى واحد، فقال: (يخرج الحي من الميت) فجعل الجملة وهي: (يخرج الحي من الميت) خبر الابتداء، كما تقول: إن زيدا ضارب عمرو يكرم بكرا، ومكرم جعفرا، فهذا أفصح من أن تقول: إن زيدا ضارب عمرو، ومكرم بكر، ومكرم جعفر، فلهذا المعنى قال: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي).فلما انتهى إلى العاطف من قرينه لم تكن فيه تلك العلة التي كانت في المعطوف عليه فأجري على ما أجري عليه اول الآية، وهو: (فالق الحب) وما بعده: (فالق الاصباح وجعل الليل سكنا) الأنعام: 96، وعاد إلى لفظ الاسم وهو: (ومخرج الميت من الحي)، وعطفه على (فالق الحب)، وليس في الآي الأخر ما في هذه الآية قبلها وبعدها من الاسمية، فذكر فيها على لفظ الفعل عاطفها ومعطوفها فبان الفرق بينهما على ما بينت. هذا ما انتهى إليه الإسكافي، ولكني سأبحث هذا الموضع في سورة الأنعام فقط في ضوء ما قاله النحاة؛ حيث جاء اسم الفاعل (مخرج) معطوفا على المضارع (يخرج)، وقد أول هذا على رأيين أيضا: الأول يرى أنه (مخرج) اسم فاعل عطف على (فالق) وجملة (يخرج الحي من الميت) مبينة، والرأي الثاني يقول إن (مخرج) مفردة عطفت على الفعل، ولكل حجته وتأويله؛ فالأول يرى أن عطف الاسم على الفعل قبيح، ومن ثم فهي معطوفة على اسم الفاعل، وقد وقعت المفردة (مخرج) بين أسماء فاعلين: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، فجاءت مشابهة للفظ ومشاكلة له، ولم تكن المواضع الأخرى في القرآن كذلك، بل كانت كلها بصيغة المضارع (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي)، ودلالة الإتيان باسم الفاعل تتمثل في أن لفظ الفعل (يخرج) يدل على أن ذلك الفاعل يَعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان. وأما لفظ الاسم (مخرج) فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة، "ومن ثم فالحي أشرف من الميت، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيهاً على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي".وأما الرأي الثاني — وهو الذي أميل إليه — فلا يرى حرجا في أن يعطف الاسم على الفعل؛ فيعتمد على شدة المشابهة بين اسم الفاعل والمضارع، وجاء العدول في الآية "إرادة تصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع، وذلك إنما يتأتى بالمضارع دون اسم الفاعل، ولا شك ان إخراج الحي من الميت أظهر في القدرة من عكسه، وهو أيضا أول الحالين والنظر أول ما يبدأ فيه، ثم القسم الآخر ثان عنه فكان الأول جديرا بالتصوير والتأكيد في النفس، ولذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في الذكر حسب ترتيبهما في الواقع وسهل عطف الاسم على الفعل وحسنه أن اسم الفاعل في معنى المضارع وكل منهما يقدر بالآخر فلا جناح في عطفه عليه".

41584

| 04 يوليو 2016

بين «تنزل الملائكة» و»تتنزل»

لفظ "تنزل" "وتتنزل" من المتشابهات في القرآن الكريم، حيث ورد قوله -تعالى-: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" سورة فصلت: 30 بينما ورد الفعل تنزل في موضعين: الأول في الشعراء والثاني في سورة القدر، حيث قال الله -تعالى-: "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ" الشعراء (221- 222) وقوله -تعالى- في سورة القدر: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"، فما الفرق بين التعبيرين؟ أقول والله أعلم: إن القاعدة اللغوية تقول: إن الزيادة في المبنى تعقبها زيادة في المعنى، وفي الموضع الأول بسورة فصلت جاءت الزيادة فدل على أن هناك معنى مغايرا لمعنى تنزل، فتتابع التاء توحي بأن هناك تتابعا في نزول الملائكة، ويؤيد هذا التتابع وجود الفعل المضارع الذي يدل على التجدد والاستمرار، فالملائكة يتتابع نزولها على عباد الله الصالحين يبشرونهم بالجنة وعدم الخوف والحزن، ويؤيد هذا الفهم السياق الذي وردت فيه كلمة "تتنزل"، حيث إنها وردت بعد حديث الله عن القرآن الذي فصلت آياته لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا، لكن كثيرا من الناس أعرضوا مثل عاد وثمود الذين استحبوا العمى على الهدى، ليأتي النذير بعقابهم وحشرهم في الآخرة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بماكانوا يعملون، وفي أثناء هذا المشهد يقول الله "وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون"، ثم يقول بعد انتهاء مشهد عذابهم "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا" ثم يقول: "نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، فلن يكون هناك قرناء ليزينوا لكم الباطل كالكفار الذين عرضت لهم من قبل، بل أنتم تحرسكم الملائكة في حياتكم وبعد موتكم.إن الدكتور فاضل السامرائي يرى أن تنزل الملائكة يكون متكررا عند الموت، وأنا أوافقه في شطر مما قال، وأزيد عليه بأن الملائكة تصحب العبد المسلم دوما في حياته فالمنفق ينادي عليه الملك اللهم أعط منفقا خلفا، وفي الحديث عن أبي هريرة عن محمد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» فدل هذا الحديث على استمرار تعاقب الملائكة وتنزلها على عباد الله الصالحين في الحياة الدنيا وصحبتهم لأرواحهم بعد مماتهم. ويؤيد قولي أيضا أن المفسرين أنفسهم اختلفوا في أوقات تنزل الملائكة على عباد الله الصالحين، قال الفخر الرازي: "ثُمَّ قَالَ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قِيلَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقِيلَ فِي مَوَاقِفَ ثَلَاثَةٍ عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْقَبْرِ وَعِنْدَ الْبَعْثِ إِلَى الْقِيَامَةِ" 27/650. أما "تنزل" فيدل على أن الملائكة تنزل مرة واحدة في ليلة القدر التي اختصت بشهر رمضان فقط، وفيها قال المفسرون: "تنزل الملائكة ومعهم جبريل في ليلة القدر، بالرحمة من الله، والسلام على أوليائه، فيسلمون على كل عبد قائم، أو قاعد يذكر الله".أما "تنزل الشياطين" فإنهم لا ينزلون على كل الناس بل على الكهنة منهم الذين وصفهم الله بأنهم "كل أفاك أثيم"، فنزول الشياطين على فئة محدودة استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا.

25916

| 02 يوليو 2016

{ذلك الفوز العظيم} , {ذلك هو الفوز العظيم}

من المتشابهات القرآنية أننا نقرأ أحيانا (ذلك الفوز العظيم) ونقرأ أيضا: (ذلك هو الفوز العظيم) فما الفرق بينهما؟ وردت (ذلك الفوز العظيم) ست مرات في القرآن الكريم، ووردت (ذلك هو الفوز العظيم) ست مرات ووردت (إن هذا لهو الفوز العظيم) مرة واحدة فأما المواضع التي فيها: (ذلك الفوز العظيم) فهي: 1- {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[النساء:13]2- {قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[المائدة:119]3- {أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[التوبة:89]4- {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[التوبة:100]5- {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[الصف:12]6- {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[التغابن:9]وأما المواضع التي ذكر فيها (ذلك هو الفوز العظيم) فهي:1- {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}2- {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[التوبة:111]3- {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[يونس:63]4- {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[الصافات:60]5- {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[غافر:9]6- {فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[الدخان:57]7- {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[الحديد:121وفي تحليل ذلك يجدر بنا أن نعرف مسألة مهمة ذكرها أهل اللغة، وهذه المسألة تتمثل في الفصل بالضمير بين المبتدأ والخبر، حيث إن الأصل في هاتين الوظيفتين أنهما متلازمتان، ويقبح الفصل بينهما؛ ولكن قد يفصل بين المبتدأ والخبر بضمير يسميه النحاة فصلا أو عمادا، وله شروط تتعلق بوظيفة المبتدأ وبوظيفة الخبر وبضمير الفصل نفسه.وبناء على ما سبق فإن الفصل بالضمير (هو) يأتي زيادة في التوكيد، حيث إن الآيات التي جاء فيها الفصل تتميز بما يأتي: أولا: طول الوصف بما أعد للمؤمنين والمتقين، لاحظ مثلا الموضع السابع.ثانيا: عظم ما أعد للمؤمنين يسبق هذا الضمير، مثل ورضوان من الله أكبر، فضلا من ربك، رحمة الله، البشرى من الله، البيع مع الله، وكل هذه الأشياء عظيمة كبيرة وجاء التأكيد معها بهو، ويتأكد عظم ما أعد للمتقين بزيادة لام التوكيد وإن في صدر الكلام، وذلك عندما يتحدث القرآن عن أصحاب الجنة، فيقول: (إن هذا لهو الفوز العظيم)ثالثا: أما الآيات السابقة فالوصف فيها لا يطول، فهي إما أن تأتي في مقام التشريع كما في آية النساء بالموضع الأول، أو ذكر الفوز بعد انتهاء الحساب، كما في الموضع الثاني، أو الوعد بالجنة ورغم أن هذه الأشياء عظيمة إلا أنها أقل في عظمتها وسياقها من الآيات التي ورد التوكيد فيها بضمير الفصل.رابعا: للوصول إلى قاعدة واضحة في ذلك علينا أن نحلل كل موضع لنخلص إلى قاعدة تجمع هذه الآيات المتشابهة، وهذا ما سيكون في المقالات القادمة إن شاء الله.

114034

| 01 يوليو 2016

إشكالات المعنى وفهم الإعراب

من أنواع المتشابهات إشكالات المعنى المتعلقة بإعراب الكلمة، حيث يدل المعنى المعجمي على تحديد نوع المفردة من حيث الزمان والمكان؛ ويترتب على كل نوع فهم معين للجملة القرآنية، وذلك مثل قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) فمفردة (أنى) متعلقة بالفعل (فأتوا)، وتدل إما على ظرف المكان إذا كانت بمعنى أين وتدل على ظرف الزمان إذا كانت بمعنى متى وقد تدل على الحال إذا كانت بمعنى كيف. وعلى كل هذه المعاني تتحدد الوظيفة النحوية فتكون أنى ظرف زمان أو مكان أو حالا، وفي كل تقدير تختلف الدلالة، فقد فهمت الآية على أن المقصود مشروعية أن يأتي الرجل امرأته في أي زمان، وفهمت على أن المقصود أن يأتي الرجل امرأته في أي مكان منها، وفهمت على أن الرجل يمكن أن يأتي امرأته في أي حالة من زمان أو مكان أو أي وضع بشرط أن يكون في موضع الولد.ويكثر حذف الفعل في وظيفة المفعول المطلق؛ ما يؤدي بكثير من المفسرين إلى توجيه المصدر إلى وظائف أخرى كالحال، معتمدين في تأويلهم على المعنى المعجمي وهذا ما يلحظ مثلا في مثل قوله تعالى: ( وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ). فنحلة قيل إنها منصوبة على أنها مفعول مطلق؛ لأن النحلة والإعطاء بمعنى واحد، فيكون التقدير وانحلوا النساء نحلة، وقيل إنها منصوبة على الحال ليكون التقدير آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، وقيل النحلة معناها الديانة فيكون التقدير آتوهن مهــــــــــورهن ديانة، على أنها مفعــــول لأجله .وتتحدد الوظيفة النحوية على المعنى المعجمي أيضا في قوله تعالى: وإن كان رجل يورث كلالة؛ فإذا كانت الكلالة بمعنى القرابة فهي مفعول لأجله، وإذا كانت بمعنى الميت الذي لم يترك والدا ولا ولدا فهي في وظيفة الحال، أو الخبر إذا لم نقدر مضافا. وإذا كانت بمعنى الورثة إذا لم يكن فيهم والد فما علا وولد فما سفل فهي على تقدير مضاف وحينئذ يقـــــــــــدر مضاف وتكون إما حالا من ضمير "يورث" و"كان" حينئذ إما أن تكون ناقصة أو تامــــــــــــة وإما خبرا و"يورث" صفة .

4422

| 28 يونيو 2016

أسماء الإشارة

أحيانا يختلط على القارئ أن يقول هذا أو ذلك، وفي هذا المقال نبين دقة التعبير القرآني في التعبير بأسماء الإشارة، فمثلا قوله تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه" يمكن التعبير عنها بصور كثيرة تصل إلى أكثر من ثلاثين صورة كأن يقال هذا الكتاب لا ريب فيه ... إلخ ولكن القرآن آثر أن يستعمل هذا التعبير، وهناك عدة محاولات في تفسير ذلك؛ فالفراء يقول: "وقوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ يصلح فيه (ذلك) من جهتين، وتصلح فيه (هذا) من جهة، فأما أحد الوجهين من "ذلك" فعلى معنى: هذه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك. والآخر أن يكون "ذلك" على معنى يصلح فيه "هذا"؛ لأن قوله "هذا" و"ذلك" يصلحان في كل كلام إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه. ألا ترى أنك تقول: قد قدم فلان؛ فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وقد بلغنا الخبر، فصلحت فيه "هذا"، لأنه قد قرب من جوابه، فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه "ذلك" لانقضائه، والمنقضي كالغائب، ولو كان شيئا قائما يرى لم يجز مكان "ذلك" "هذا"، ولا مكان هذا "ذلك"... وأما ما لايجوز فيه "هذا" في موضع "ذلك" ولا "ذلك" في موضع "هذا" فلو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف: من هذا الذي معك؟ ولا يجوز ها هنا: من ذلك؟ لأنك تراه بعينه" معاني القرآن للفراء، معاني القرآن 1/10-11 وأما الفرق بين "ذلك" و"ذلكم" فيبينه الفراء في قوله "وقوله (ذلك يوعظ به) ولم يقل ذلكم وكلاهما صواب؛ لأنه حرف قد كثر في الكلام حتى توهم بالكاف أنها (من الحرف) وليست بخطاب. ومن قال "ذلك" جعل الكاف منصوبة وإن خاطب امرأة أو امرأتين أو نسوة . ومن قال: "ذلكم" أسقط التوهم فقال إذا خاطب الواحد: ما فعل ذلك الرجل، وذانك الرجلان، وأولئك الرجال ويقاس على هذا ما ورد. ولا يجوز أن تقول في سائر الأسماء إذا خاطبت إلا بإخراج المخاطب في الاثنين والجميع والمؤنث كقولك للمرأة: غلامك فعل ذلك؛ لايجوز نصب الكاف ولا توحيدها في الغلام، لأن الكاف ههنا لا يتوهم أنها من الغلام" معاني القرآن 1/149فالفراء اعتمد في تحليله أولا على التركيب فقال: "هذا" و"ذلك" يصلحان في كل كلام إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه"، وعندما لم يكن التركيب مرجحا لاختيار المفردة المناسبة للوظيفة اعتمد على السياق الذي ترد فيه الجملة، وحال المخاطبين وكثرة الاستعمال للمفردة وملازمتها التعبير عن موقف معين يكون فيه مثل هذا التركيب.و(الكتاب) مفردة مناسبة للسياق؛ حيث إنه لما كانت الهداية تحتاج إلى إرشاد وكان الكتاب مصدر إرشاد فإن مفردة (القرآن) التي هي مصدر من الفعل قرأ أو مفردة (الفرقان) التي هي من التفريق بين الحق والباطل أو أي اسم آخر لن يعطي هذا الإيحاء خاصة وأن القرآن كتاب من الكتب السماوية التي حرفت من قبل نزول القرآن، ولذلك فإن إعطاء من يستقبل القرآن بأنه كتاب سماوي، غير أنه لم تصبه شائبة تحريف، أمر ضروري لتطمئن إليه النفوس فتهتدي به إلى صراط مستقيم، وجاء (الكتاب) معرفا بالألف واللام ولم يأت نكرة موصوفة بجملة: (لاريب فيه) أو جملة: (أنزلناه) مثلا أو أي جملة أخرى؛ لأن "اللام في الكتاب للحقيقة مثلها في أنت الرجل والمعنى ذلك هو الكتاب الكامل الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب لغاية تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس حتى كأن ما عداه من الكتب السماوية خارج منه بالنسبة إليه، وقال ابن عصفور: كل لام وقعت بعد اسم الإشارة وأي في النداء وإذا الفجائية فهي للعهد الحضوري".وفي هذا إعلام للمخاطب بإعجاز هذا القرآن الذي بدأ وتألفت كلماته من حروف ألفها العرب ونظموا منها شعرا ونثرا وقد أصبح معهودا لهم ومعروفا لديهم بأن هذا الكتاب المعجز لا ريب فيه، وحق لمن عرف أنه كتاب معجز من عند الله أن يؤمن بالله عز وجل.وجاء اسم الإشارة (ذلك) مناسبا للخبر (الكتاب) من حيث اعتبار الكتاب عينا مشاهدا بين الناس، ومن حيث كونه معاني من عند الله، ووظف اسم الإشارة في هذه الجملة؛ ليدل على هاتين الدلالتين؛ لأن "لفظ ذلك، يصح أن يشار به إلى كل غائب، عينا كان أو معنى، يحكى عنه أولا ثم يؤتى باسم الإشارة، تقول في العين: جاءني رجل فقلت لذلك الرجل، وفي المعنى: تضاربوا ضربا بليغا، فهالني ذلك الضرب، وإنما يورد اسم الإشارة بلفظ البعد، لأن المحكي عنه غائب"، كما أن (ذلك) – وهي اسم إشارة للبعد- لاتؤدي (هذا) دلالاتها؛ حيث إن اسم الإشارة الدال على البعد يوحي بعظمة المشير والمشار إليه.

1938

| 27 يونيو 2016

اتفاق اللفظ واختلاف المعنى

من المتشابهات في القرآن أن يأتي اللفظ واحدا ويختلف المعنى ونمثل على ذلك بمركب (أمر الله) والفعل (عزم)يقول تعالى: (فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون غافر: 78، وقوله تعالى: (جاء أمر الله وغركم بالله الغرور)الحديد: 14 وقوله تعالى: (وظهر أمر الله وهم كارهون) التوبة: 48، وقوله تعالى: أتي أمر.الله فلا تستعجلوه) النحل 1 فالفاعل في الآيات السابقة (أمر الله) أسند إلى الأفعال: (جاء وظهر وأتى)، ولكنه اختلف في معناه في كل آية بحسب إسناده للفعل، وبحسب المقام الذي جاءت فيه الجملة القرآنية، فأمر الله في الآية الأولى مقصود به يوم القيامة الذي يفصل فيه بالحق بين الناس، والآية الثانية فيها الفاعل مسند للفعل(جاء) أيضا ولكن معناه الموت، إذ السياق أن المنافقين يلتمسون النور من المؤمنين الذين كانوا معهم في الدنيا، فيرد عليهم المؤمنون بأنهم كانوا في الدنيا مفتونين حتى جاءهم أمر الله أي الموت.فالجملتان جاء تركيبهما واحدا، واختلف معنى الفاعل باختلاف السياق، فكان معناه في الأولى يوم القيامة وفي الثانية الموت.أما الفاعل (أمر الله) الذي أسند إلى الفعل(ظهر) فإن معناه دين الله، إذ السياق أن المنافقين قد أرادوا الفتنة لأهل الإسلام وقلبوا الأمور للنبي صلى الله عليه وسلم، خيانة منهم، لاستئصال الإسلام وأهله من المدينة، ولكن ظهر دين الله رغم كرهم.أما (أمر الله) الذي أسند إلى الفعل (أتى)فإن معناه هنا يوم القيامة، وقد خرج الفعل الماضي عن دلالة المضي بسبب السياق الذي جاءت في هذه الجملة القرآنية، حيث إن قوله تعالى (فلا تستعجلوه) جاء معينا على فهم دلالة الفعل والفاعل.ومن الألفاظ أيضا الفعل عزم حيث يأتي الفعل لازما ومتعديا والذي يفرق بينهما في هذه الحالة السياق، ومثال ذلك الفعل (عزم)الذي أتى لازما في مثل قوله تعالى: (فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خير لهم) محمد:21، وجاء متعديا في مثل قوله تعالى: (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) البقرة:227 وقوله تعالى: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله).وجاء استخدام الفعل اللازم مجازا في قوله تعالى (فإذا عزم الأمر)، فأسند الأمر إلى الفعل عزم، وإنما العزيمة للرجال، كما أسند الربح للتجارة في قوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم) البقرة: 16، وإنما الذي يربح الرجل التاجر، ويترتب على هذا التجوز في الاختيار بين المفردات ووظائف الإسناد الفعلي جوز إسناد الضمير للفاعل فيقال عزم أمرك وربحت تجارتك، وفي هذا يقول الفراء: «(فَإذَا عَزَمَ اْلأَمْرُ)وإنما العزيمة للرجال، ولا يجوز الضمير إلا فى مثل هذا.فلو قال قائل: قد خسر عبدك، لم يجز ذلك، (إن كنت) تريد أن تجعل العبد تجارةً يُربَح فيه أو يُوضَع، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح أو يُوضَع، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان مَتْجُورا فيه.فلو قال قائل: قد ربحتْ دراهمُك ودنانيرُك، وخسر بَزُّك ورقيقك، كان جائزا لدلالة بعضه على بعض» معاني القرآن.14/ للفراء 1

6310

| 26 يونيو 2016

صفة اليوم في القرآن

من المواطن المتشابهة في القرآن الكريم وصف اليوم بأنه عقيم أو عبوس أو ثقيل، وحول هذه المواطن يكون هذا المقال، فأما وصف اليوم بالعقيم فجاء في قول الله تعالى: (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) الحج 55. ووصف اليوم بالعقم؛ لأنه لا ليلة بعده ولا يوم، فالأيام كلها نتائج يجيء واحد إثر واحد، وكان آخر يوم قد عقم البحر المحيط 6/353.ومفردة (عقيم) التي جاءت في بعض الجملة القرآنية غير مناسبة للموصوف دلاليا، كما في قوله تعالى(وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) الذاريات: 41 ؛ حيث إن (العقيم) صفة من صفات الإنسان الذي لا يولد له، وقد جاء هذا الوصف للإنسان في قوله تعالى: فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم) الذارات 29، ولكن جاءت هذه الصفة للريح التي لا تلقح شجرا، ولا تحمل سحبا أو تنشئ مطرا؛ فهي ريح لا يرتجى منها الخير؛ فوصفت بالعقيم.وكذلك وصف اليوم بالعقيم زيادة في تأكيد شدة العذاب الذي لا يرتجى منه الخير؛ حتى لا يتطرق إلى الذهن أن في بعض العذاب استعذابًا أو خيرًا، كما يحدث في الدنيا، خاصة إذا علم المعذب أن عذابه سيعقب بسعادة ونجاح، فجاء التأكيد بأن ما في أيام الدنيا لن يكون في ذلك اليوم الذي يقولومن (ثقيل)؛ حيث وصف بها اليوم والقول، وخرجت عن المجال الدلالي لها؛ فهي خاصة بالمحسوسات التي لها وزن كأن يقال: حمل شيئا ثقيلا، ولكنها أتت نعتا في الجملة القرآنية للمفردة (قولا) في قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) المزمل: 5، وكذلك وردت نعتا للمفردة (يوما) في الجملة القرآنية ويذرون وراءهم يوما ثقيلا)( ).والمفردات البديلة للنعت (ثقيلا) في الجملة الأولى يمكن أن تكون مثلا (بليغا، أو سديدا أو عظيما...إلخ هذه الصفات التي وصف بها القول في الجملة القرآنية، ولكن هذا المقام أُتي فيها بالمفردة (ثقيلا)؛ لأنها تتحدث عن بداية نزول الوحي على النبي –صلى الله عليه وسلم- الذي كان متزملا خائفا، فجاءه الوحي بأنه سيتحمل قولا وصف بالثقل ليهيئ النبي نفسه له وليستعد لتحمل هذا الثقل.وأما وصف اليوم بالثقل في الجملة القرآنية والعدول عن وصفه بالعظمة أو الطول أو نحو ذلك من الصفات التي وردت وصفا لليوم في القرآن الكريم؛ لتصوير ما يحدث في يوم القيامة من حساب وأهوال تشيب لها الولدان، فهو يوم يحتاج إلى استعداد بتحمل أعباء التكاليف؛ كي يخفف الله من ثقله، ولكن الذين يحبون العاجلة لم يتحملوا الأمانة والتكاليف فكيف سيتحملون ثقل هذا اليوم؟!أما وصف اليوم بالعبوس فجاء في قوله تعالى: (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا)؛ حيث إن العبوس صفة من صفات الإنسان وقد وردت في قوله تعالى (عبس وتولى) في وصف للنبي عندما جاءه ابن أم مكتوم وعنده كبار قريش، وإسناد العبوس إلى اليوم على سبيل المجاز؛ فهو ليس عابسا وإنما تعبس فيه الوجوه، ولكن لما كانت الوجوه كلها عابسة خوفا من هول ذلك اليوم وصف بما يحدث فيه؛ ويؤكد هذا أن المفردة جاءت نكرة لتفيد العموم والشمول، وبذلك تتمكن الصورة في نفس المتلقي.والحديث موصول إن شاء الله

2919

| 25 يونيو 2016

العذاب الغليظ

من المتشابهات في آيات القرآن وصف العذاب بأنه غليظ، وقد ورد ذلك في أربعة مواضع هي: 1 — سورة هود قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ) الآية 58.2 — سورة إبراهيم قوله تعالى: (يتجرّعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ) الآية 17.3 — سورة لقمان قوله تعالى: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) الآية 24.4 — سورة فصلت قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ) الآية 50.والسؤال لماذا وصف العذاب بأنه غليظ في الآيات السابقة، ولم يأخذ وصفا آخر من أوصاف العذاب التي وردت في القرآن؟إن كلمة الغليظ في مجمل معانيها اللغوية تعني الخشن والصعب، والمفسرون في تفسيرها على رأيين: الأول أن المراد من العذاب الغليظ أنه دائم غير منقطع، والثاني أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله، قال المفضل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. (انظر مثلا: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الأندلسي ج3/ص331)، وقال الزمخشري: "ووصف العذاب بالغليظ مبالغة فيه"، وقال أبو السعود: "عذاب غليظ يستقبل كل وقت عذابا اشد واشق مما كان قبله ففيه دفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتياد كما في عذاب الدنيا وقيل هو الخلود في النار وقيل هو حبس الأنفاس"5/39"، وقال ابن كثير: "ومن ورائه عذاب غليظ أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى" تفسير ابن كثير ج2/ص52، وفي تفسير الثعالبي: "ومن ورائه عذاب غليظ، قال الفضيل بن عياض العذاب الغليظ حبس الأنفاس في الأجساد وفي الحديث تخرج عنق من النار تكلم بلسان طلق ذلق لها عينان تبصر بهما ولها لسان تكلم به فتقول إني أمرت بمن جعل مع الله إلها آخر وبكل جبار عنيد وبمن قتل نفسا بغير نفس فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمس مائة عام فتنطوي عليهم فتقذفهم في جهنم خرجه البزار انتهى من الكوكب الدري"2/277"، وفي تفسير السعدي 1/424: "عذاب غليظ" أي قوي شديد لا يعلم وصفه وشدته إلا الله تعالى.ونخلص من الآراء السابقة أنها متقاربة وتكاد تتفق على أن العذاب الغليظ هو الذي لا ينقطع، وقد يكون جزاء من العذاب العظيم الذي تحدثنا عنه أمس، ولكن العذاب العظيم قد ينقطع، وأما الغليظ فإنهم يكادون يتفقون على أنه عذاب مستمر، فما الدليل على استمرار هذا العذاب خاصة أن لفظ غليظ لا توحي بذلك، فقد يكون العذاب غليظا خشنا في وقت ثم ينقطع؟!والحق أن السياق وحده هو الدليل الذي بين أيدينا؛ حيث ورد العذاب الغليظ في سياقين: الأول وصف ما حل بقوم هود من عذاب، حيث قال الله تعالى ونجيناهم من عذاب غليظ، ثم سياق الوعيد لأهل النار والآية التي قد تدلنا على استمرارية العذاب لهم قوله تعالى: نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ، فجعل القلة مقابل الغلظة، ومن هنا يمكن أن نفهم أنه عذاب كثير ولا نقول أيضا أنه عذاب مستمر.أما قوله تعالى ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ أو ولنذيقنهم من عذاب غليظ، فلم أتمكن من فهم استمرارية العذاب، أو استنباط حبس الأنفاس كما ورد في كتب التفسير، ويبقى التشابه في هذه الآيات موضع تأمل ونظر ويحتاج إلى مزيد دراسة.

12690

| 24 يونيو 2016

وصف العذاب بالعظيم

ما زلنا في مواضع المتشابهات في وصف العذاب بالقرآن الكريم، واليوم نتعرض لوصف العذاب بالعظيم، حيث نستعرض أولا المواضع ثم نحاول تحليلها. 1- (ختم الله على سمعهم وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧ البقرة﴾2- (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ﴿١١٤ البقرة﴾3- واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٥ آل عمران﴾4- يرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٦ آل عمران﴾5- لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿41 المائدة﴾6- إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿59 الأعراف﴾7- لوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿68 الأنفال﴾8- سنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿101 التوبة﴾9- إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿15 يونس﴾10- والَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿11 النور﴾11- لمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿14 النور﴾12- لعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿23 النور﴾13- إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿135 الشعراء﴾14- ولَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿156 الشعراء﴾15- إنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿189 الشعراء﴾16- قلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿13 الزمر﴾17- و لَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿10 الجاثية﴾18- ألَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿21 الأحقاف﴾وبتأمل الآيات السابقة يمكن أن نقول: ورد وصف العذاب بالعظيم في تسعة عشر موضعا من القرآن الكريم، التي من معانيها الهول وبلوغ الشيء منتهاه، وإذا وصف العذاب بأنه عظيم، فهو قمة العذاب، ليجمع بين أوصاف العذاب جميعها وهذا ما نلاحظه في القرآن الكريم، ففي سورة التوبة يقول الله تعالى: (سنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿101 التوبة﴾.وفي سورة البقرة يأتي الموضع الأول، بأن على أبصارهم غشاوة لا تعرف الحق بعد أن ختم الله على سمعهم؛ لأن قلوبهم المريضة أبت أن تسمع الحق أو تراه، فكان جزاؤهم العذاب العظيم. يقول تعالى: (ختم الله على سمعهم وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧ البقرة﴾ كما يجمع العذاب العظيم بين الألم والإهانة، تلك الإهانة التي يشير الله تعالى إليها في الدنيا بلفظ الخزي فيقول: (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ﴿١١٤ البقرة﴾، ويقول: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٣٣ المائدة﴾) وفي مقام التحذير من العذاب يأتي الوصف بالعظيم، ونجد ذلك في قوله تعالى: (إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ﴿15 يونس﴾، وقوله تعالى: (لوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ﴿68 الأنفال﴾ وقوله تعالى: (لمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿14 النور﴾) كذلك في مقام الوعيد يوصف العذاب بالعظيم، مثل قوله تعالى: (والَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ﴿11 النور﴾، وقوله تعالى: (لعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿23 النور﴾. وأغلب الآيات التي وصف فيها العذاب بالعظيم أتت في مقام الوعيد ثم أتى من بعدها مقام التحذير وفي مرة واحدة فقط جاء مقام وصف العذاب بالعظيم عندما وصف قوم شعيب بأنهم حل عليهم عذاب يوم الظلة، ووصف هذا العذاب بقوله: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم) ﴿189 الشعراء﴾.ونخلص مما سبق أن العذاب العظيم يأتي وعيدا لجرم كبير من فعله استحق العقاب، وقد أتى في مقام التحذير والوعيد، ولم يأت إلا مرة واحدة في مقام الوصف، والحديث موصول إن شاء الله.

13107

| 23 يونيو 2016

وصف العذاب بالمهين

وصلا بما سبق من حديث حول المتشابهات في وصف العذاب الذي حددنا مواضعه وبعض صفاته في القرآن، نواصل اليوم الحديث عن صفة العذاب بأنه مهين من خلال تحليل ما ورد من ذلك في القرآن الكريم. وبداية ورد وصف العذاب بالمهانة في ثمانية مواضع من القرآن هي:❶ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90 البقرة).❷ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178 آل عمران).❸ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14 النساء).❹ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57 الحج).❺ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(6 لقمان).❻ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9 الجاثية).❼ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5 المجادلة).❽ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16 المجادلة).والملاحظ في هذه المواضع ما يأتي:أولا: أن موضعين منها ذكرا في سورة واحدة وهي سورة المجادلة المدنية النزول، وفيها حديث عن الظهار والمنافقين والذين يحادون الله ورسوله، ووردت الوعيد بالعذاب المهين في الآية الخامسة من سورة المجادلة للكافرين، بينما جاء في الآية السادسة عشرة لفئة سماها الله تعالى (تولوا قوما غضب الله عليهم) وقد نص الله تعالى فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وأكد على أن اليهود والنصارى كفار لأنهم لم يؤمنوا بما جاء به الرسول وأنهم يدعون أن الله فقير وهم أغنياء وأنه ثالث ثلاثة...إلخ هذه الادعاءات.ثانيا: ورد النص على أن للكافرين عذابا مهينا وهذا العذاب مصحوب بالغضب وزيادة الإثم ومسوغات هذا العذاب الأليم أنهم زادوا في طغيانهم وإهانتهم لخلق الله فأملاهم الله ليزدادوا إثما ثم جحدوا بآيات الله وكذبوا بها وصدوا عن سبيل الله واستهزؤوا بكل ما هو منزل، وكل هذه في مجملها استهانة بشريعة الله وآياته، وكان جزاؤها عذابا مهينا.ثالثا: ورد النص صراحة على أن للكافرين عذابا مهينا، لكن في موضعين لم يذكر ذلك، وهما موضع سورة النساء آية 14 والمجادلة 16، وبينا أن الذين تولوا قوما غضب الله عليهم هم اليهود وفي هذه الحال هم كفار، فالوعيد جاء ضمنا هنا للكفار، والموضع الآخر هو المجادلة التي فيها نص على من يحادد الله ورسوله فله عذاب مهين، ومن يحادد الله معناه ضمنا الكفر.رابعا: وبناء على ما سبق فإننا نورد قول ابن تيمية الذي لاحظ ما قلته سابقا لكن دون أن يعلل وصف العذاب بالمهين فيقول في مجموع الفتاوى (التفسير) — (4/ 18): "ولم يجيء إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار" ثم يرد على موضع قوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} فيقول: "فهي والله أعلم في من جحد الفرائض واستخف بها على أنه لم يذكر أن العذاب أعد له".والحديث موصول إن شاء الله

19498

| 22 يونيو 2016

وصف العذاب في القرآن

يوصف العذاب في القرآن بأنه أليم وشديد وعظيم ومهين، فما الفروق الدلالية في هذه الأوصاف مع السياقات التي وردت فيها؟وقبل البحث نقول: إن كلمة عذاب وردت في أكثر من 300 موضع، فوردت بمشتقاتها، حيث جاءت فعلا مثل: (يعذب من يشاء) وجاءت اسم فاعل مثل قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وجاءت مصدرا، مثل (وله عذاب عظيم) وجاءت معرفة مثل: (فذوقوا العذاب).فهي إذًا استوعبت صيغا متعددة في الكلام العربي، ولكل صيغة مع سياقها دلالة خاصة، ولكن سوف نبحث في وصف هذه الصيغة حيث جاء وصف (العذاب) في القرآن بـأنه (أليم) في ثلاثين موضعًا تقريبًا، منها قوله تعالى في المنافقين: {ولهم عذاب أليم} (البقرة:10)؛ وبأنه (شديد)، في نحو خمسة عشر موضعًا، منها قوله تعالى: {إن عذابي لشديد} (إبراهيم:7)؛ وبأنه (عظيم) في خمسة عشر موضعًا، منها قوله تعالى في المنافقين: {ولهم عذاب عظيم} (البقرة:7، كما جاء وصف العذاب بأنه مقيم في أقل من ذلك مثل قوله تعالى: (وعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) التوبة 68.فما تحليل ذلك؟ دعونا نر هذه الآيات التي وردت في سورة المائدة (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). (33 المائدة)فوصف العذاب بالعظيم في الآية السابقة لأن الإفساد في الأرض شيء يعم شره الناس جميعا، وقد وصف الفساد في آية أخرى بأنه كبير، ولا يناسب الإفساد الكبير إلا العذاب العظيم، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) الأنفال 73.أما العذاب فقد وصف بالأليم في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَن لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (36) وهذا يحتاج إلى وقفة في طريقة صياغة الآية التي قيلت في مقام الترهيب ففي هذه الجملة جعلت الأرض كأنها وعاء يملأ، وهي صورة حسية لتصور هذا المشهد الذي يمكن شرحه في ضوء افتراض بدائل أخرى؛ لمحاولة بيان بلاغة الجملة القرآنية على هذا النسق، وهذه البدائل الممكنة في هذه الجملة هي أن يقال مثلا:فلن يقبل من أحدهم عدل الأرض ذهبافلن يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض ذهبافلن يقبل من أحدهم ملء الأرض (مالا- فضة...مثلا)فلن يقبل من أحدهم ذهب الأرض ولكن هذه البدائل يلاحظ فيها ما يأتي: هذه الجمل المفترضة لن تؤدي المعنى المقصود في السياق؛ فالله يأمر المؤمنين بالتقوى وأن يتخذوا إليه الوسيلة لعلهم يفلحون، ويعطيهم صورة حسية لمصير الكفار الذين خرجوا من ربقة الإيمان ولم يتخذوا الوسيلة للفلاح والقرب من الله، بل صدوا عن السبيل؛ جريا وراء شهوة المال، وركضا وراء متع الدنيا، فيصور ذلك الموقف العسير الذي يود الكافر أن يقدم أي شيء حتى يفتدي نفسه من عذاب الله، ولكن هيهات؛ فأغلى الأشياء الذهب وهو أصل الأموال التي هي زينة الحياة الدنيا؛ ومن ثم أتى تمييزا، وأوسع المقادير لا يستطيع العقل أن يتخيل حجمها وأبعادها، فالإناء الذي سيملأ بالذهب الأرض التي لا يستطيع المرء أن يحيط بأبعادها ولا ببعض البعض من أبعادها؛ فتكون الفدية هنا محالة. وفي هذه الآية رد على هؤلاء الكفار، فلقد حكى القرآن قولهم: (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)، فهذه الأموال التي يظنون أنهم سيقدمونها هدية أو فدية لن تجدي شيئا؛ لغضب الله عليهم، ولأن الهدية على سبيل الرشوة تكون ممن يحتاج إليها والله لا يحتاج إلى أحد، كما أن الفدية عظيمة لا يقدرون عليها، وإذا قدروا فلن تقبل؛ وفي هذا تصوير لقمة غضب الله على هؤلاء الكفار، "وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط".والحديث لا يزال موصولا حول وصف العذاب في القرآن الكريم باعتباره من المواطن المتشابهة.

18211

| 21 يونيو 2016

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

2913

| 13 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

2712

| 12 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1278

| 13 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1020

| 11 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

738

| 08 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

657

| 13 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

645

| 12 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

636

| 13 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

633

| 09 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

597

| 13 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

573

| 11 مايو 2026

alsharq
اتفاق الممكن بين الحرب والسلام

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...

549

| 12 مايو 2026

أخبار محلية