رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

دهاء يرهق العدالة: عمر ونموذج الحوكمة العادلة

في سجلّ الخلافة الراشدة، تبرز شخصيةُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأيقونةٍ للقيادة التي جمعت بين الحزم والبصيرة، وبين العدل الذي لا يعرف المحاباة، والرحمة التي لا تُهزم أمام المصلحة. كان رجلَ دولةٍ تدرك أن ميزان الحكم لا يقوم على الذكاء وحده، بل على صدق الضمير واتزان العدل. ومن مواقفه التي تُعانق قمةَ الفهم الإنساني والإداري في آنٍ واحد، موقفُه من المغيرة بن شعبة، ذلك الرجل الذي وهبه الله عقلًا متوقدًا ودهاءً نافذًا، حتى صار حديث العرب في فطنته وذكائه. لما عزل عمر المغيرة عن عمله سأله المغيرة متعجبًا: «أعن عجزٍ أم خيانةٍ يا أمير المؤمنين؟» فأجابه عمر: «لا عن واحدةٍ منهما، ولكني أكره أن أُحمِّل فضلَ عقلك على العامة». جملةٌ وجيزة لكنها أعمق من أن تُختزل في عبارة إدارية، إذ تختزن في طياتها فلسفة قيادة تنظر إلى الذكاء كقوةٍ تحتاج إلى ميزانٍ من الرحمة والعدل. أدرك عمر أن دهاء العقول إذا تجاوز حدّه قد يُرهق العدالة، وأن الموهبة إن لم تُضبط بسياج التقوى قد تتحوّل إلى أداةٍ تُرهق البسطاء وتُغري صاحبها بالاستعلاء. لم يكن يشكّ في أمانة المغيرة ولا في إخلاصه، لكنه كان يعلم أن الذكاء حين يختلط بالسلطة دون رقابةٍ من الضمير يصبح عبئًا على الناس، لا نعمةً عليهم. كان عمر يرى أن الادارة الحقيقية ليست في تمكين الأذكى، بل في تمكين الأتقى والأعدل. في موقفه هذا مارس عمر أرقى صور القيادة الوقائية، تلك التي تَستشرف الخلل قبل أن يقع، وتحمي الناس من آثار القوة قبل أن تتجاوز حدودها. إنه قائد لا ينتظر الخطأ ليقع فيعاقب، بل يقرأ المآلات بعين الحكمة. وهذا هو جوهر الفارق بين القائد الذي يُدير الناس بالقوانين، والقائد الذي يُديرهم بالضمير. فالأول يُصلح ما يفسد، والثاني يمنع الفساد قبل أن يولد. «أكره أن أُحمِّل فضل عقلك على العامة» عبارة تنبض بنزاهةٍ فكرية عميقة، فهي لا تُقلّل من شأن الذكاء، بل تُحذّر من غلوائه. لقد فهم عمر أن العدل لا يصمد حين يُغلّب العقل على القلب، وأنّ الرحمة حين تُقصى من القيادة فإنها تُفرغها من روحها. فالدهاء إذا خلا من التقوى يصنع نظامًا صارمًا، لكنه يفتقر إلى الإنصاف الإنساني الذي يجعل الادارة رعايةً لا سلطة. ذلك الموقف ليس درسًا في القيادة فحسب، بل هو مرآةٌ تعكس جوهر فلسفة الادارة المعاصرة للبشر كقوى عاملة، حيث يُقدَّم العدل على الدهاء، والمصلحة العامة على المجد الشخصي، والضمير على الذكاء المجرد. ومن رحم هذه الرؤية وُلدت مدرسة القيادة الأخلاقية التي تتفوّق على كل نظريات الإدارة الحديثة، لأنها لا تقوم على الكفاءة فقط، بل على صلاح القلب واستقامة المقصد. وفي مؤسساتنا الحديثة، لا سيما مؤسسات الخدمات العامة، تتكرر هذه الإشكالية بأشكال مختلفة. كم من مسؤول ذكي أضعف فريقه؟ وكم من قائد لامع أرهق بيئة العمل؟ وكم من قرار صائب على الورق خلّف آثاراً سلبية على الناس؟ هنا يتجدد سؤال عمر، لا عن نيّات القادة، بل عن أثر قراراتهم. القيادة ليست في سرعة القرار، ولا في براعة التحليل وحدها، بل في سلامة الأثر وعدالة التطبيق. والمؤسسة لا تنهار دائمًا بسبب الجهل، بل كثيرًا ما تتعثر بسبب ذكاء غير منضبط، وادارة سلطوية لا تُراجع ذاتها، وثقة تُستنزف بصمت. لقد أدرك عمر أن المنصب ليس مساحة لإظهار التفوق، بل موقع لخدمة أصحاب المصلحة، وأن العدل التنظيمي لا يتحقق بتكديس العقول اللامعة في مواقع صنع القرار، بل بمواءمة القدرات مع القيم، وتقديم المصلحة العامة على بريق الفرد. وهي ذات المبادئ التي تنادي بها اليوم مفاهيم الحوكمة والقيادة الأخلاقية، وإن تغيّرت المصطلحات. ما أحوجنا اليوم، في إداراتنا ومؤسساتنا، إلى استعادة هذا الميزان الدقيق.

225

| 08 يناير 2026

«بكم تعلو ومنكم تنتظر».. عهد متجدد بين الأمير وشعبه

لتسع سنوات خلت، وفي رحاب جامعة قطر، كتب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، بيده عبارة صارت نبراسا: «بكم تعلو ومنكم تنتظر»، تجذرت هذه العبارة عميقا، ثم امتدت في الوجدان عقدا اجتماعيا وأخلاقيا بين قيادة ترى في شعبها رأس المال، وشعب يرى في قيادته بوصلة العلو واتساع الأفق. شعار قصير الألفاظ، بعيد المدى، يجمع بين الإقرار والانتظار: إقرار بأن قطر علت بإنسانها، وانتظار بأن يواصل هذا الإنسان حمل الرسالة، صونا للمنجز وزيادة فيه. من جذور التاريخ تستمد الدوحة علوها وارتفاعها؛ فمنذ عهد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، طيب الله ثراه، تبلور معنى الدولة الجامعة التي توحد ولا تفرق، وتحفظ السيادة ولا تساوم عليها، وتستند إلى أهلها في السلم والشدة معا. ثم جاء عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ففتح أبواب النهضة على مصاريعها: تعليم ينهض بالعقول، بنية تحتية تشق الطرق إلى الغد، إعلام فاعل، حضور دولي رشيد، واقتصاد يتسع من مورد إلى موارد. وفي هذا الامتداد الطبيعي تسلم الراية سمو الأمير تميم، فثبت الأصول، وجدد الوسائل، وأعاد الإنسان القطري، رجلا وامرأة، إلى صدارة الرؤية: هو الغاية، وهو الوسيلة، وهو الاسم الذي عليه تقاس الصورة التي ترى بها قطر في العالم. «بكم تعلو» ليست مجاملة عابرة، بل حقيقة مجربة: علت قطر بعرق العامل الذي يتقن، وبعلم الطالب الذي يبدع، وببصيرة المعلم والطبيب والمهندس والجندي والدبلوماسي، وبوفاء الأسرة التي تنشئ النشء على محبة الدين واللغة والوطن. و»منكم تنتظر» ليست تكليفا مثقلا، بل أمانة الارتقاء: أن نظل على مستوى ما بلغناه؛ أداء وانضباطا وأخلاقا ورقي تمثيل. قطر اليوم، دولة في داخلها تعمر المكان وتهذب الذائقة، منظومة صحية وتعليمية تتقدم بثبات، إدارة عامة تحسن الخدمات وتيسر العيش الكريم، وهوية عربية إسلامية تصان من غير انغلاق ولا ادعاء. هنا يكون المواطن والمقيم معا شركاء البناء؛ فصورة الوطن تنسج من تفاصيل العمل اليومي: إتقان، انضباط، وصدق خدمة للناس. اسم قطر اليوم يجوب سماء العالم، قرين الفاعلية: في الصحة والوقاية والرعاية، في التعليم والبحث والابتكار، في الطاقة والغاز، في الرياضة واستضافة المحافل الكبرى، ، في الإعلام والثقافة، وفي العمل الإنساني الذي يبلسم الجراح حيثما كانت. هذا الحضور ليس استعراضا؛ إنه ترجمة قيمة صارت جزءا من هوية الدولة. وعند هذا المعلم يبرز وجه جوهري للشعار: دور قطر العالمي في إحلال السلام وإطفاء بؤر العنف والصراع. فالدوحة التي تشرع أبوابها للفرقاء، وتدفع إلى الموائد حين تتراجع لغة الكلام، وتفتح الممرات الإنسانية حين تغلق المعابر، انما تفعل ذلك تأسيسا لسلام يقوم على كرامة الإنسان. هكذا يفهم الشعار على المستوى الدولي: لقد علت قطر بميزان عدل واتزان، ومن أبنائها ينتظر أن يحملوا هذه السيرة في كل محفل وموضع تمثيل، ليكون القطري، حيثما حل، مرآة لعقل دولته ورحمتها. إن العهد الذي يقطعه الشعار ليس بين فرد وجماعة، بل بين أجيال تتعاقب على خدمة المكان ومعناه: من المؤسس الذي وضع اللبنة الأولى، إلى الأمير الوالد الذي وسع المدار، إلى الأمير المفدى الذي صاغ الرسالة بيده وأطلقها: لقد علت قطر بكم… ومنكم تنتظر. وما أجمل أن يقرأ اليوم الوطني بهذه العين؛ لا باعتباره يوما لذكرى ماضية، بل بوصفه موعدا سنويا لمراجعة الضمير: ماذا قدمنا لرفعة الدوحة؟ وهل كنا على قدر ما تنتظره منا؟ نحب قطر، لا لأنها قدر جغرافي ساقنا إليه الميلاد، بل لأنها معنى نبيل نختاره كل صباح: معنى العدل والرحمة والعلو بالعلم والعمل، معنى الكرامة التي لا تشترى، والسيادة التي لا تساوم، والانفتاح الذي لا يذيب الأصالة. ومن هذا الحب تصان الأمانة: أن يبقى علمها عاليا بعملنا، وأن تبقى صورتها زاهية بأخلاقنا، وأن يظل الغد الذي ننشده امتدادا مستقيما لـ «اليد التي كتبت» والقلوب التي لبت. هكذا يتجلى الشعار عهدا متجددا: «بكم تعلو ومنكم تنتظر» إقرارا بما كان، وتوسيما لما يكون، ووعدا بأن هذه الأرض ستظل تخرج من أبنائها ما يليق باسمها… وأن انتظارها منا لن يطول.

294

| 09 ديسمبر 2025

alsharq
العرب يتألقون في إفريقيا

في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...

1329

| 08 يناير 2026

alsharq
أهمية الدعم الخليجي لاستقرار اليمن

بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...

1290

| 14 يناير 2026

alsharq
توثيق اللحظة... حين ننسى أن نعيشها

للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...

795

| 13 يناير 2026

alsharq
لومومبا.. التمثال الحي الذي سحر العالم

اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...

783

| 11 يناير 2026

alsharq
مشاريع القطريات بين مطرقة التجارة وسندان البلدية

سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...

618

| 08 يناير 2026

alsharq
بطاقة الثقة لمعلمي الدروس الخصوصية

في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...

582

| 14 يناير 2026

alsharq
معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...

579

| 12 يناير 2026

alsharq
السلام كسياسة.. الوساطة هي جوهر الدبلوماسية الحديثة

الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...

570

| 09 يناير 2026

alsharq
هدر الكفاءات الوطنية

تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...

552

| 12 يناير 2026

alsharq
الوطن.. حنين لا يرحل

الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...

534

| 09 يناير 2026

alsharq
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...

474

| 14 يناير 2026

alsharq
السياسة الخارجية التركية عام 2025

شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...

426

| 12 يناير 2026

أخبار محلية