رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ظل التسارع التكنولوجي الذي يشهده العالم، تبرز تقنية بصمة الصوت كإحدى أهم التطورات في مجال التعرف على الهوية، وتقدم استخدامات متعددة في مجالات الأمن، المال، والعسكرة. تقوم هذه التقنية على استخراج السمات الصوتية الفريدة لكل فرد، مثل الترددات، النبرة، السرعة، والإيقاع، لتحويلها إلى “بصمات صوتية” رقمية تُستخدم كمرجع بيومتري للتحقق من الهوية، تمامًا كما هو الحال مع بصمات الأصابع أو الحمض النووي. تتميز هذه التقنية بأنها أقل تدخلاً من الأساليب التقليدية مثل التعرف على بصمات الأصابع أو الوجه، وتُعتبر أكثر ملاءمة، حيث يمكن أن تعمل عن بُعد باستخدام ميكروفونات عادية، مما يتيح سهولة الوصول والاستخدام عبر العديد من التطبيقات. تقوم تقنية البصمة الصوتية على أساس أن كل شخص يتحدث بشكل غير واعٍ عن هذه السمات الصوتية الدقيقة، والتي تختلف في قياساتها بين الأفراد. هذه الفروق تظل قائمة حتى بين التوائم المتطابقين، مما يجعل من الصعب تطابق بصمات الصوت حتى في حالات التشابه الجسدي الكبير. وعليه؛ فإن البصمة الصوتية هي إحدى أنواع البصمات البيولوجية للإنسان أو القياسات البيومترية «Biometrics»، وهي البصمات التي تقاس من خلال الأعضاء البيولوجية المختلفة في جسم الإنسان. لم تعد بصمة الصوت مقتصرة على المصارف والمطارات أو الهواتف الذكية، بل أصبحت أداة فعالة في العمليات العسكرية والاستخباراتية والتصفية الجسدية «عمليات الاغتيال»؛ إذ استخدمت هذه التقنية لتعقب واغتيال قادة حركات المقاومة في كل من غزة ولبنان، مما يدل على التحول الكبير في استخدام هذه التكنولوجيا. تعتمد هذه العمليات على تحليل الصوت وتخزينه في قواعد بيانات ضخمة، ليتم التعرف عليه في المستقبل من خلال مقارنة أي تسجيل جديد بتلك المخزنة. هذا يسمح بتنفيذ عمليات دقيقة وسريعة باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد مكان الأهداف وتنفيذ المهام المطلوبة. القدرات التكنولوجية العالية التي تمتلكها بعض الجيوش، مثل الجيش الإسرائيلي، تتيح لها بناء مكتبات صوتية ضخمة للأفراد المستهدفين. ومع كل مكالمة أو محادثة يتم تحليلها، يتم إضافة معلومات جديدة إلى هذه المكتبات، مما يزيد من دقة وفعالية عمليات التعقب. التقارير بهذا الخصوص تشير إلى استخدام هذه التكنولوجيا لتعقب قادة حركات المقاومة، سواء عبر مكالماتهم الهاتفية أو من خلال تتبع أصواتهم عبر أنظمة التنصت المتقدمة، وذلك لتحديد مواقعهم بدقة وتنفيذ عمليات تصفية باستخدام الطائرات المسيّرة أو القوات البرية. ورغم المزايا الأمنية الكبيرة التي توفرها تقنية بصمة الصوت، إلا أن هذه التكنولوجيا تثير تساؤلات أخلاقية حول استخداماتها. تعتمد العديد من الحكومات والجيوش على هذه التقنية في العمليات العسكرية والاستخباراتية، ولكن ما زالت هناك حاجة ماسة لوضع أطر قانونية واضحة تحكم استخدام هذه التكنولوجيا وتضمن حماية الخصوصية وحقوق الإنسان. استخدام بصمة الصوت في تعقب الأفراد يفتح الباب أمام انتهاكات محتملة للخصوصية، مما يجعل من الضروري تنظيم استخدامها وضمان عدم إساءة استغلالها. من الناحية التجارية، تُعد بصمة الصوت أكثر أمانًا مقارنةً بالطرق التقليدية للتحقق من الهوية مثل كلمات المرور، التي أصبحت عرضة لهجمات سيبرانية مثل هجمات “Brute Force” و”Phishing”. هذه الهجمات تهدف إلى اختراق كلمات المرور واستخدامها بشكل غير مشروع، بينما تظل بصمة الصوت بيانات بيومترية فريدة لكل شخص، يصعب تقليدها أو تزويرها. ولهذا السبب، تم اعتمادها على نطاق واسع في التطبيقات المالية والخدمات اللوجستية والطيران، حيث تُستخدم كوسيلة مضمونة لتوثيق هوية المستخدمين. يبقى السؤال الأخلاقي هنا مطروحًا حول كيفية تحقيق التوازن بين فوائد هذه التكنولوجيا وضمان عدم انتهاك حقوق الأفراد. توسع استخدام بصمة الصوت في العمليات العسكرية والاستخباراتية يثير مخاوف بشأن الخصوصية، حيث يمكن أن تؤدي هذه التقنية إلى مراقبة مكثفة وانتهاك للحريات الشخصية. ولذلك، يتعين على المجتمع الدولي العمل على وضع ضوابط وقوانين صارمة تحكم استخدام هذه التقنية، وتضمن أن تبقى في إطار الاستخدام المشروع.
2433
| 08 أكتوبر 2024
شهدت لبنان مؤخرًا انفجار أجهزة «البيجر» والاتصال اللاسلكي المستخدمة من قبل عناصر حزب الله، مما يثير تساؤلات حول أمان التكنولوجيا القديمة مقارنة بما وصل إليه العالم اليوم من تطور تقني هائل. إن الاعتماد المتزايد على الإنترنت في ربط الأجهزة الإلكترونية، المعروف بظاهرة «إنترنت الأشياء» (IoT)، يعكس تحديات جديدة تلوح في الأفق. ربط الأجهزة المنزلية مثل الثلاجات والتلفزيونات بالإنترنت يجعلها عرضة لاختراقات سيبرانية تشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا. تعتمد صناعة الشرائح المتقدمة والأجهزة الإلكترونية على توزيع عمليات الإنتاج والتوريد بين دول عدة حول العالم، إذ يتألف كل جهاز من مكونات مصدرها بلدان مختلفة. على سبيل المثال، تحصل الشركات على تصميمات الشرائح من الولايات المتحدة، بينما تُصنع الشرائح الدقيقة والمتقدمة في تايوان. وتوفر شركة ASML الهولندية المعدات اللازمة لتصنيع هذه الشرائح، في حين تقدم اليابان والصين المواد الكيميائية الضرورية. يجري تجميع الجهاز النهائي في بلد مختلف ثم يُشحن عبر شبكات التجارة الدولية. في ظل هذا التعقيد العالمي لصناعة الأجهزة الرقمية، يبدو أنّ إسرائيل قد استغلّت هذه السلسلة، مستهدفة من خلال جهاز الاستخبارات لديها نقاط الضعف فيها. كما هو معروف، يعتمد عناصر حزب الله على أجهزة البيجر للتواصل، لكونها من الأجهزة الإلكترونية التي تنطوي على مخاطر أقل في ما يتعلّق بالتنصت والتتبع. ومع إدراك إسرائيل لهذه الحقيقة، وقع الانفجار، مما يسلط الضوء على التهديدات الأمنية التي قد تنجم عن الاعتماد على هذه الأجهزة في ظل واقع معقد. بالعودة قليلاً للوراء، وعندما اجتاحت «شاشة الموت الزرقاء» الحواسيب قبل شهور بسبب تحديث لبرنامج «ويندوز»، ما خلق حالة من الهلع في قطاعات عدّة من الاقتصاد المعولم؛ مما تسبب في توقف العمليات في كثير من المجالات، وحصلت اضطراب في كل شيء تقريباً، من الرحلات الجوية إلى انقطاع بث عدد من المحطات التلفزيونية، ومن البنوك إلى أنظمة الرعاية الصحية. في خضم هذه الفوضى، يساور الشك كل لحظة العديد من المراقبين بشأن احتمال وقوع مثل هذا السيناريو. ولطالما حذرت تلك الحادثة من ضعف مستوى تعزيز البنية التحتية الرقمية العالمية، خاصة في علاقات الدول والشركات مع مورّدي التكنولوجيا في عالم يزداد اعتماداً على التقنيات الرقمية. إن الاعتماد الكلي على الآخرين، وخصوصا الشركات الكبرى المهيمنة، قد يُشكل خطراً جسيماً. على سبيل المثال، لم يسبق أن تأثرت الصين بعطل في الإنترنت على مستوى عالمي، لأنها لا تعتمد على الشركات الأمريكية المهيمنة على تكنولوجيا المعلومات، بل تستبدلها ببدائل صينية. ومن هنا، يمكن للدول اعتماد استراتيجيات متعددة لمزودي البرمجيات الحيوية، كاستراتيجية أساسية في إدارة المخاطر التكنولوجية.والشيء بالشيء يذكر، تتوازى هذه الأحداث المقلقة مع قصة فيلم «اترك العالم خلفك» (Leave the World Behind) الذي يعرض لنا كيف يمكن أن يتسبب انهيار التكنولوجيا في خلق حالة من الذعر والفوضى. يبدأ الفيلم بانقطاع إشارة الهاتف المحمول وتعطل شبكة الإنترنت، مما يثير قلق الشخصيات ويشعرهم بالعزلة. بينما يتزايد التوتر، تتلقى هذه الشخصيات إشعاراً عبر شاشات التلفاز يُشير إلى حدوث هجوم سيبراني غير معروف المصدر. عموماً، يستعرض الفيلم كيف يمكن للأنظمة التقنية أن تتداعى فجأة، مما يُبرز المخاوف من الاعتماد الكامل على التكنولوجيا في حياتنا اليومية. هذا السيناريو، الذي يُعتبر خيالًا علميًا، يصبح أكثر واقعية عندما نفكر في الأزمات التي يمكن أن تنجم عن خلل تقني بسيط، كما رأينا في الأحداث العالمية الأخيرة. «اترك العالم خلفك» لا يقدم مجرد ترفيه، بل يدعونا للتأمل في هشاشة بنيتنا التحتية التقنية ومدى استعدادنا لمواجهة الأزمات التي قد تنجم عن الفشل التكنولوجي. إن الرسالة القوية التي يحملها الفيلم، بجانب أحداث حقيقية مثل تلك التي نعيشها، تثير تساؤلات عميقة حول مستقبلنا في عالم يعتمد بشكل متزايد على الاتصال الرقمي. كما رأينا في انفجار أجهزة «البيجر» في لبنان، فإن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا القادمة من الخارج يفتح الباب لاحتمالات اختراقات أمنية خطيرة. الأجهزة المنزلية المتصلة بالشبكة، التي أصبحت عرضة للاستغلال، تعكس تحولًا في طبيعة الصراعات السيبرانية. ما كان خيالًا في «اترك العالم خلفك» يمكن أن يصبح حقيقة مرعبة إذا لم نتخذ خطوات لتأمين الأنظمة المعلوماتية التي نستخدمها يوميًا.عود على بدء باتت الحاجة ملحة لرؤية شاملة تعزز من الابتكار في تقنيات الأمن السيبراني، مع الاستثمار في التعليم والتوعية حول أخطار التكنولوجيا الحديثة. فتعزيز التعاون بين الدول والشركات على مستوى الأمن السيبراني سيساعد في بناء أنظمة أكثر أمانًا ومرونة. من خلال توسيع نطاق استراتيجياتنا في الاعتماد على مزودي خدمات متعددة، يمكننا تقليل الاعتماد على جهة واحدة وبالتالي تقليل المخاطر المحتملة. إنّ تعزيز الدول لمنظوماتها «الأمنية الرقمية» لم يعد ترفاً، بل أحد أهم الضرورات للحفاظ على الأمن بمفهومه الشامل، وذلك مع تصاعد دور الفاعلين وغير الفاعلين من غير الدول في العلاقات الدولية ودخولها مجال الصراع السيبراني. في الختام، يتعين علينا أن نكون مدركين للعالم الذي نعيش فيه، حيث تلعب التكنولوجيا دورًا مركزيًا في حياتنا. فتأمين أنظمتنا وتحسين بنيتنا التحتية الرقمية ليست مجرد خيارات، بل هي ضرورات حتمية لضمان سلامتنا وأمان مجتمعاتنا. يجب أن نعمل معًا، كمجتمعات ودول، لبناء عالم رقمي أكثر أمانًا وموثوقية.
579
| 23 سبتمبر 2024
أصبحت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أحد العوامل الأساسية في تغيير معالم الحروب الحديثة، حيث تتنوع تطبيقاتها في المجالين الأمني والعسكري، لتشمل تحسين القدرة على المناورة، إنقاذ الأرواح، وتعزيز أداء الجيوش من خلال روبوتات تعمل كحلفاء للجنود على الميدان. ومع تطور هذه التقنيات، نجد أنفسنا أمام ثورة جديدة في الحروب، ربما تُشكل التحدي الأكبر للبشرية بعد ظهور البارود والسلاح النووي. على المستوى الأساسي، تستفيد جيوش العالم من الذكاء الاصطناعي لتدريب خوارزميات تجعل عملياتها أسرع وأكثر فعالية و»فتكّاً». اليوم، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التعرف على الصور، والحرب السيبرانية، والتخطيط الاستراتيجي، والخدمات اللوجستية، والتخلص من القنابل، والقيادة والسيطرة، وغيرها من المجالات. ومع ذلك، تثار العديد من النقاشات حول ما إذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب قد يؤدي إلى ظهور «الروبوتات القاتلة» ونهاية مروعة للبشرية. قدم الخيال العلمي العديد من السيناريوهات المرعبة حول الروبوتات «المارقة»، من الروبوتات التي ابتكرها إسحاق أسيموف، إلى التهديدات التي مثلتها الشخصيات مثل «المدمر» و»سكاي نت»، وصولاً إلى أفلام تصور الحواسيب العملاقة التي قد تطلق الأسلحة النووية مثل فيلم «ألعاب الحرب». هذه السيناريوهات، وإن كانت خيالية، تُسلط الضوء على المخاوف الحقيقية التي تحيط بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والأسلحة المستقلة. التحدي الأكبر يكمن في سؤالين رئيسيين: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الحروب أقل فتكًا حقاً؟ فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن دقة الهجمات ويقلل من الخسائر الجانبية، إلا أنه يفتح أيضًا الباب أمام الاستخدام غير المقيد للأسلحة المستقلة، مما قد يزيد من خطر التصعيد السريع للصراعات. وهل يمكن للبشر أن يحافظوا على السيطرة على الأنظمة الذكية؟ لأنه مع تقدم التكنولوجيا، تزداد قدرة الأنظمة الذكية على اتخاذ قرارات مستقلة، مما يثير مخاوف حول إمكانية فقدان البشر السيطرة على هذه الأنظمة وخوارزمياتها. وبالتالي يصبح السؤال مشروعاً حول ماهية الضمانات التي يجب وضعها لضمان بقاء قرارات الحرب والسلام في أيدي البشر وليس «الآلات»؟ هذه الأسئلة تعكس قلقًا حقيقيًا بشأن مستقبل الحروب التي يقودها الذكاء الاصطناعي، وتدعو إلى التفكير الجاد في كيفية تنظيم استخدام هذه التكنولوجيا والتأكد من أنها تُستخدم بشكل مسؤول وآمن. تأسيساً على ذلك، يبدو أن أبرز المخاوف المستقبلية في هذا العصر تتركز حول ما يُعرف بالروبوتات القاتلة (LAWS)، وهي أدوات عسكرية يمكنها تحديد الأهداف والانخراط في القتال دون تدخل بشري. يمكن برمجة هذه الأسلحة للبحث والتدمير بشكل مستقل، وهو ما قد يجعلها شائعة الاستخدام في الحروب المستقبلية. وعلى الرغم من الحملات المطالبة بحظرها ووقف تطويرها، تواصل الجيوش حول العالم استكشاف وتجريب هذه التكنولوجيا. أحد التحديات الرئيسية التي تُواجه تطور الروبوتات القاتلة هي إمكانية نشوء سباق تسلح جديد بين الدول، حيث يُسارع كل طرف لتطوير أسلحة أكثر تقدمًا واستقلالية. هذا السباق قد يؤدي إلى عدم الاستقرار الأمني على المستوى الدولي، بالإضافة إلى إمكانية استخدام هذه الأنظمة في مناطق النزاع دون وجود ضوابط أو قوانين واضحة. ومن ناحية أخرى، يُثير هذا الأمر أيضًا قلقًا أخلاقيًا كبيرًا، حيث يُمكن أن تُستخدم هذه الروبوتات في عمليات انتقامية أو هجومية غير مبررة دون رقابة بشرية. على الرغم من التحذيرات والمخاوف، فإن الروبوتات القاتلة قد تُوفر حلولًا فعالة في مجالات مختلفة، مثل الدفاع عن الحدود أو تنفيذ مهام استطلاعية في بيئات خطرة. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو ضمان أن تظل هذه التكنولوجيا تحت السيطرة البشرية، وعدم السماح لها بالتحول إلى سلاح خارج عن السيطرة. فالقرار النهائي بشأن إطلاق النار يظل بيد البشر - على الأقل في الوقت الحالي. ومع استمرار تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على التوازن بين الاستفادة من هذه التكنولوجيا المتقدمة وبين منع تحولها إلى تهديد غير محسوب للبشرية. في النهاية، لا يمكننا أن نغفل عن التغيرات الكبيرة التي تفرضها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والروبوتات القاتلة على ساحات الحروب، وما يرافقها من تحديات ومخاوف. ورغم التطور المذهل الذي تحمله هذه التقنيات، فإن المهم هو تعلم كيفية التعامل معها والتأقلم مع هذه المستجدات، من خلال وضع أطر تنظيمية والاستمرار في التطوير بشكل يُراعي الجوانب الأخلاقية والقانونية التي تُنظم استخدام الروبوتات القاتلة، وتضمن أن تظل القرارات المتعلقة بالحياة والموت بيد الإنسان، وليس الآلة. من المهم أن نُدرك أن التكنولوجيا في تطور مستمر، وأن التقدم في هذا المجال لا يُمكن إيقافه، لكن يُمكن توجيهه نحو الاستخدام الأمثل الذي يُحقق الأمان والعدالة. هكذا فقط، يمكننا الاستفادة من هذه التكنولوجيا دون أن نكون مجرد مشاهدين متسمرين في أماكننا، بل فاعلين ومؤثرين في تشكيل مستقبل الحروب والتكنولوجيا العسكرية.
819
| 15 سبتمبر 2024
قبل حوالي عام من الآن، أصدر معهد (لوي) ومقره في سيدني، تقريره الأحدث حول مؤشر نفوذ القوى الدولية بالقارة الآسيوية، مسلطاً الضوء على الديناميكيات الجيوسياسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث اعتمد التقرير على مجموعة من البيانات التي تصنّف الدول بناء على قدرتها على التأثير في الأحداث الدولية وتوجيه سلوك الدول الأخرى في المنطقة، كما إنه يغطي 26 دولة تمتد من باكستان في الغرب إلى روسيا في الشمال، وصولاً إلى المحيط الهادئ. بناء على المعطيات التي وردت بهذا المؤشر أو التقرير فإن الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر المشهد كأقوى دولة في المنطقة، متفوقة على الصين واليابان والهند وروسيا. ويرجع تفوق الولايات المتحدة إلى أدائها في ستة من المؤشرات الفرعية الثمانية التي يعتمد عليها التقرير. هذه المؤشرات تشمل القدرة الاقتصادية والعسكرية، القدرة على الصمود، الموارد المستقبلية، الشبكة الدفاعية، والتأثير الثقافي. بينما تتصدر الصين في مجالي النفوذ الدبلوماسي والعلاقات الاقتصادية، مما يعكس نموها السريع وقوتها المتزايدة. فتقرير «لوي» يعتمد في تحليله على مجموعة من 133 مؤشراً لقياس القوة، بما في ذلك الناتج المحلي الإجمالي، وعدد الشركات المدرجة في قائمة فوربس 2000، وحجم صناديق الثروة السيادية. تشمل المؤشرات أيضاً عوامل مثل عدد السفارات وعدد مرات البحث على الإنترنت، وحتى عدد ناطحات السحاب، والتي تعتبر رمزاً للهيبة الاقتصادية والديناميكية. أبعاد توازن القوى في آسيا أحد أهم الجوانب التي يبرزها التقرير هو دور الدول المتوسطة مثل اليابان والهند وروسيا. على الرغم من تصدر الولايات المتحدة والصين للمشهد، تلعب هذه الدول دوراً حيوياً في تشكيل الديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة. على سبيل المثال، أستراليا جاءت في المرتبة السادسة متفوقة على كوريا الجنوبية، واقتربت من روسيا التي تأثرت بوضوح نتيجة الحرب في أوكرانيا. بينما تبقى الصين تستمد قوتها من موقعها المركزي في النظام الاقتصادي العالمي، بينما تعتمد الولايات المتحدة على قوتها العسكرية وشبكات الدفاع الإقليمية. هذا التوازن غير المستقر بين القوى العظمى يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الدولية في المنطقة وتعكس عدم اليقين بشأن قدرة الدولتين على الحفاظ على توازن القوى دون الانجرار إلى مواجهات مباشرة. نحو نظام متعدد الأقطاب؟ من اللافت للنظر أن «القرن الصيني» لم يعد السيناريو الأكثر ترجيحاً. فمن غير المتوقع حسب المعطيات أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة بحلول نهاية العقد الحالي، وإذا حدث ذلك في المستقبل، فمن المحتمل أن تواجه تحديات مشابهة لتلك التي واجهتها الولايات المتحدة في الماضي. هذا يفتح المجال لسيناريو بديل يتمثل في منطقة متعددة الأقطاب، تقودها مجموعة من القوى الكبرى. في هذا السياق، وهو ما يبرزه تقرير «لوي» تصبح تصرفات وخيارات الدول المتوسطة أكثر أهمية في تشكيل طبيعة النظام الإقليمي. هذه الدول تلعب دوراً حاسماً في تعزيز استقرار المنطقة والتعاون بين القوى المختلفة، مما قد يساهم في تجنب الصراعات المباشرة والعمل نحو حلول مشتركة. عود على بدء يبرز تقرير معهد لوي تعقيدات توازنات القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في ظل التنافس المستمر وعدم قدرة أي من القوى الكبرى على تحقيق الهيمنة الكاملة. وعليه؛ فمن المتوقع أن يشهد المستقبل تحولات مهمة في التنافس الإقليمي، مع تطور تحالفات جديدة وتغير في موازين القوى. إذ يمكن للتكنولوجيا والابتكار أن يلعبا دوراً متزايد الأهمية في تعزيز قدرات الدول، مما قد يغير من ديناميكيات القوة، كما أن التحديات العالمية المشتركة مثل التغير المناخي والأمن السيبراني قد تدفع الدول نحو مزيد من التعاون وتنسيق الجهود. ومهما يكن من أمر؛ ستظل منطقة المحيطين الهندي والهادئ محوراً رئيسياً للتنافس والتعاون، ومراقبة تطوراتها ستكون أساسية لفهم مستقبل النظام الدولي بشكل عام. وقد جاء مؤشر «لوي» ليسلط الضوء على حجم نفوذ القوى الدولية في آسيا ومستقبلها؛ فأهميته تبدو كبيرة كونه يوفر تحليلاً شاملاً ودقيقاً لتوازنات القوى في منطقة حيوية ومتنافسة جيوسياسياً مثل المحيطين الهندي والهادئ، ويعكس القدرة النسبية للدول على التأثير في الأحداث الدولية وتوجيه السياسات، مما يساعد الحكومات وصناع القرار على فهم الديناميكيات المعقدة للمنطقة، وتحديد التهديدات والفرص الاستراتيجية، وتطوير سياسات فعالة للتعامل مع المنافسات والتعاونات الدولية. كما يساهم في توفير رؤى معمقة للباحثين والمحللين حول التطورات الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية، وبالشكل الذي يدعم الدراسات الأكاديمية والتحليلات المستقبلية للعلاقات الدولية ونفوذ القوى العظمى والصاعدة عسكريا واقتصاديا وثقافيا ودبلوماسيا ويطرح سؤالاً: لمن ستكون الغلبة واليد الطولى في فرض النفوذ بالمنطقة الآسيوية مستقبلاً في ظل التنافس الصيني الأمريكي؟. ويبقى القول إنه بالنظر إلى التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المستمرة، يبقى المستقبل غير مؤكد، فهل ستتمكن الصين من تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي لتتجاوز الولايات المتحدة؟ أم ستظل الولايات المتحدة مهيمنة بفضل قوتها العسكرية وشبكاتها الدفاعية الواسعة؟ كما أن دور القوى المتوسطة (الصاعدة) مثل اليابان وكذلك الهند وروسيا سيظل حاسماً ومركزياً في تشكيل مستقبل النظام الإقليمي وفرض هيمنته.
822
| 25 يونيو 2024
لقد أدخلت الصراعات السيبرانية بعدًا جديدًا وخلّفت آثارًا متباينة على صعيد العلاقات الدولية، بعد أن تجاوزت الصراعات العسكرية التقليدية التي تخاض فيها المعارك بأسلحة تقليدية، ليصبح العالم أمام معارك أخرى غير مادية تعتمد على نظم الحاسوب وشبكات الإنترنت ومخزون هائل من البيانات والمعلومات، وذلك من دون التقيد بالحدود الجغرافية. إن تطوَّر الصراع الدولي جاء نتيجة التقدم الكبير في مجال المعلومات، وظهور الفضاء السيبراني ما جعل الدول والفواعل من غير الدول تتنافس لإدخاله في استراتيجياتها الأمنية والعسكرية وباتت الصراعات السيبرانية أحد الملامح المعقدة والمهمة في العلاقات الدولية التي تعتمد على استخدام التكنولوجيا الحديثة والهجمات السيبرانية لتحقيق أهداف سياسية، وعسكرية، واقتصادية، واستخباراتية، واختراق الأنظمة والشبكات الحيوية للدولة، وسرقة المعلومات الحساسة، والتلاعب بالبنية التحتية الرقمية. وتستهدف عدة قطاعات ويمكن أن تؤثر في القطاعات المصرفية، والنقل، والطاقة، والصحة العامة، ما يزيد من أهمية حماية هذه البنية التحتية وضمان استمراريتها لما له من أهمية في الاستقرار الدولي. تأسيسًا على هذا القول، فإنّ فهم مميزات الصراعات السيبرانية وتأثيرها في العلاقات الدولية بات أمرًا ضروريًا لفهم التطورات الجارية في الساحة الدولية عمومًا. ففي العقود الأخيرة، شهدنا تحولًا ملموسًا في الطريقة التي تُنفَّذ فيها الصراعات وتُدار على الساحة العالمية. بدلًا من الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية فحسب، أصبح الفضاء السيبراني يمثّل منصة حيوية للتصعيد وتحقيق المكاسب وتصفية الخلافات، إذ يمكن للدول والمنظمات الاستفادة من هذا الفضاء لشن هجمات سيبرانية تستهدف البنية التحتية والأمن السيبراني للأعداء. وتسهم التكنولوجيا في تمكين الأطراف من الوصول إلى المعلومات الحساسة واختراق الأنظمة والبنية التحتية للأعداء، ويكون لمن يسيطرون على تقنيات متقدمة ميزة في تنفيذ هجمات سيبرانية بنجاح وجمع المعلومات الاستخباراتية الحيوية. تأخذ الصراعات السيبرانية اليوم طابعًا تنافسيًا حول امتلاك التقدم التكنولوجي والسيطرة على الإنترنت، يتم ذلك من خلال سعي الفواعل إلى السيطرة على مجالات نطاقات شبكة الإنترنت وتدفق المعلومات والقيام بعمليات اختراق تكنولوجية من دون الحاجة إلى استخدام الأساليب التقليدية، مثل الهجمات الجوية أو الاعتداءات الحدودية. وباتت هذه الصراعات تمثِّل نمطًا جديدًا من الصراعات التي تتسم بعدم إسنادها، وانخفاض الحواجز أمام الدخول فيها، وعدم تكافؤ القوى المتصارعة، والتصعيد السريع، والطبيعة العابرة للحدود، والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، والشكوك القانونية والمعيارية، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، والتهديد الدائم. وبينما تتصارع الدول والفواعل من غير الدول مع هذه الميزات الفريدة، تصبح الحاجة إلى دبلوماسية فعالة وتعاون وتدابير للأمن السيبراني على الساحة الدولية أمرًا حيويًا على نحو متزايد للحفاظ على الاستقرار والأمن العالميين لا سيما في ظل تصاعد التوترات السياسية بين روسيا والغرب والصين والولايات المتحدة مما يعزز احتمالية استخدام التكنولوجيا السيبرانية كأداة في الصراعات الجيوسياسية. خلاصة القول؛ إن حدة الصراعات السيبرانية تتزايد عالميًا مع تطور التكنولوجيا، وتوسع نطاق الاستخدامات السيبرانية في مختلف المجالات. وبالنظر إلى تعقيدات هذه الصراعات، وعدم وجود إطار دولي لتنظيم سلوكها، يبدو أن استمرار التصعيد في هذا الجانب سيظل أمرًا واردًا في الفترة المقبلة. وعليه؛ لابد من تبنى الدول استراتيجيات متقدمة على هذا الصعيد، وتكثف التعاون الدولي لمواجهة التهديدات المتزايدة عبر الفهم العميق لطبيعة هذه الصراعات والتكيف مع تحدياتها. لأن عدم معالجة هذا التحدي يمكن أن يؤدي إلى تصعيد الصراعات الجيوسياسية وزيادة التوترات الدولية، مما يهدد الاستقرار العالمي ويعرض الأمن العالمي للخطر.
864
| 06 يونيو 2024
من منّا اليوم يستطيع إنكار حقيقة استخدام الخوارزميات لتحليل البيانات المنشورة على «السوشيال ميديا» لدراسة الأفكار والأذواق والتوجهات والاتجاهات الفكرية والنفسية والعادات، والمشكلات والأوضاع والحركات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإنسانية، فضلا عن الاختيارات والعلاقات، من منّا لا يستخدم برنامج «غوغل ماب» الذي يعتمد على خوارزميات لاقتراح الطرق والمسافات الأكثر ملاءمة وتتيح معرفة مواقع الرادارات، وتحذر السائقين من زيادة السرعة لتفادي المåخالفات المرورية هذا ناهيكم عن عشرات البرامج التي تعتمد على تقنية الذكاء الاصطناعي دون أي تدخل بشري!. لم يتفق العالم بعد على مصطلح للوجود الإنساني بعد القول إنه صار قرية صغيرة. ربما سيتوصل فلاسفة العصر إلى مصطلح آخر لكن بعد استيعاب حجم المتغيرات المذهلة التي فرضتها الشبكة العنكبوتية للانسجام بين العالمين، ولا أدري إن كان يمكن وصف العالم الإنساني اليوم بدلا من «قرية صغيرة» بوصفه «شريحة صغيرة»؟ ربما لن يبتعد الفلاسفة عن هذا المعنى مستقبلا. إنّ الثورة الرقمية الجامحة التي نعيشها اليوم هي أحد إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة، بما تحمله إلينا من تغيرات معرفية وتكنولوجية مذهلة تقوم على الذكاء الاصطناعي بمختلف تطبيقاته وأطيافه في كل جوانب الحياة الإنسانية، وتبدو أشبه ما تكون بانقلاب جذري قائم على أساس «التخمة» المعلوماتية والاتصالاتية الضخمة وإنترنت الأشياء والقدرة الهائلة على معالجة البيانات وربط العالم بعضه ببعض، بما يدلل على أن البشرية في مرحلة انتقالية، وأن القادم سيكون أكثر غرابة وربما جنونا، في ظل تقلص مساحة الحضور الإنساني في كثير من القطاعات لمصلحة الحضور الآلي الذي يعكسه التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، هذه العوالم التي طورها الإنسان لينهزم أمامها ربما ذات يوم أو يفقد السيطرة عليها!. اليوم، أصبحت الخوارزميات عمودًا فقريًا في إنتاج الصور والفيديو والصوت والمحتوى على الإنترنت، وباتت تستخدم بشكل واسع في عمليات التزييف العميق Deep Fake وباستمرار تطور الخوارزميات، يتم توسيع استخداماتها في الحياة البشرية بشكل لا يُحصى لا سيما بعد دخولها في تعظيم القوة التكنولوجية والسيبرانية. كما أصبح بحوزة الخوارزميات القائمة على تقنيات التعلم الآلي التعرف على الصور والكلام بكل دقة، ومن المنتظر أن تستغل بيانات إنترنت الأشياء لكي تتعمم في جميع المجالات. المثير والمدهش أن حجم التداول في سوق الخوارزميات العالمي بلغ أزيد من 11.7 مليار دولار أمريكي في عام 2020، ومن المتوقع أن يصل إلى زهاء 26.3 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2028، بمعدل نمو سنوي مركب نسبته 10.7% خلال هذه الفترة، وفق ما ذكره موقع «فيرفايد ماركت ريسيرش». عودٌ على بدء تبقى الخوارزميات التي اقتحمت عالم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته أشبه بالصندوق الخفي أو الصندوق السحري الذي يقف المستخدمون للإنترنت أمامه بين الإعجاب الشديد بإمكانيات هذا العلم في التنبؤ بالمستقبل والاتهام بالتحكم الغامض بآرائهم وأذواقهم وخياراتهم، كما يفتقد الكثيرون الوعي بدورها الفاعل في توجيه ما يطلعون عليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث. فالخوارزميات هي من تحدد نوع المقالات التي نقرأها والصور التي نشاهدها والإعلانات التي تظهر لنا.. وبغض النظر عن ذلك، يبقى المستخدم للعåالم الافتراضي عاجزاً ومستسلماً لهذه القوى التي تتحكم في تدفق المعلومات وتوجيهها وتقرر ما يتم عرضه وما يتم إخفاؤه، والمخفي أعظم بكثير.
675
| 28 مارس 2024
ثمة زيادة مطردة بحجم سوق الأمن السيبراني الدفاعي عالمياً، حيث تتحدث المعطيات عن أرقام تتجاوز أكثر من 15 مليار دولار، ومن المتوقع أن يستمر النمو المتسارع لهذا السوق في السنوات القادمة، حيث تعمل العديد من الدول والشركات الكبرى على تعزيز قدراتها في مجال الأمن السيبراني الدفاعي للحفاظ على سرية وأمان البيانات والأنظمة الحيوية والأمنية لديها، ومن المتوقع أن تصل هذه القيمة إلى 28.53 مليار دولار بحلول عام 2026، مسجلة معدل نمو سنوي يبلغ 10.51% تقريباً خلال هذه المدة. وبالمجمل، فإن قيمة سوق الأمن السيبراني تتجاوز 200 مليار دولار، حيث سيزيد هذا الرقم بشكل كبير في السنوات القادمة، نظرا لنسبة الزيادة في الهجمات والجرائم السيبرانية وتعقيد الحلول التي تتطلبها حماية الأنظمة والبيانات الحيوية في الشركات والمؤسسات والحكومات. فمع ظهور البيئة السيبرانية بصفتها نظاماً متكاملاً، أصبحت الحاجة إلى نظام أمني قابل للتكيّف، أمرًا ضروريًا. إضافة إلى ذلك، أدت عوامل مثل ظهور الأجهزة المحمولة المتصلة بالشبكات، وانتشار الاتصالات الإلكترونية فائقة السرعات، ونمو وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد المتزايد على البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء، إلى خلق حاجة إلى تحديث نظام الأمن السيبراني الدفاعي مع التهديد السيبراني المتغير. وقامت دول عديدة في أنحاء العالم بزيادة إنفاقها على حلول الأمن السيبراني لحماية الأجهزة والبيانات السرية من الهجمات السيبرانية، ما يدعم نمو السوق. وتتيح التطورات في التقنيات الناشئة - مثل: الذكاء الاصطناعي (AI)، والتعلّم الآلي (ML)، وشبكات الجيل الخامس (5G)، والحوسبة المتطورة، والحوسبة السحابية - للاعبين في السوق تقديم حلول جديدة تعتمد على هذه التقنيات، وجذب الأعمال المحتملة، والعملاء، وتوسيع مصادر إيراداتهم. لقد جعل تزايد الجرائم السيبرانية، مثل التصيّد الاحتيالي وسرقة البيانات، الدول والمؤسسات تلجأ إلى فِرق الأمن السيبراني المؤهلة والمجهزة بأحدث التقنيات، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي يكتشف الأنشطة الضارة ويكافحها بسرعة، ما يعمل على تحصين الشبكات ضد التهديدات. كما أدى الاعتراف بإمكانات الذكاء الاصطناعي إلى دفع 76% من المؤسسات إلى إعطاء الأولوية للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في ميزانيات تكنولوجيا المعلومات الخاصة بها، مدفوعة بالحجم الهائل من البيانات التي تتطلب التحليل لتحديد التهديدات السيبرانية ومكافحتها على نحو فعّال. ومع توقع أن تولد الأجهزة المتصلة كمية مذهلة تبلغ 79 زيتابايت من البيانات بحلول عام 2025، يصبح التحليل اليدوي من طرف البشر غير عملي، ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى عنها في مكافحة الجرائم السيبرانية وتعزيز الأمن السيبراني. في الحصيلة، فإن مؤشرات السوق السيبراني العالمي هي مقاييس تستخدم لتقدير حالة صناعة الأمن السيبراني واتجاهاته والتكنولوجيا المتعلقة بالفضاء السيبراني على الصعيدين الإقليمي والعالمي. تشمل هذه المؤشرات عناصر مثل نسبة النمو السنوي للصناعة، وحجم الاستثمارات في التكنولوجيا السيبرانية، والتكنولوجيا الناشئة، والتهديدات السيبرانية، والتأثيرات القانونية والتشريعات. إنّ معرفة حالة مؤشرات السوق السيبراني تُمكِّن الحكومات والمؤسسات والأفراد من فهم تطورات وسيرورة الأمن السيبراني، وبالتالي يمكنها مساعدتهم في اتخاذ القرارات الاستراتيجية لحماية بياناتهم ومصالحهم في عالم يعتمد بشكل كبير على الفضاء السيبراني وتقنياته المبتكرة والمبدعة. كما تعتبر هذه المؤشرات مفتاحًا لتقديم رؤى شاملة حول التهديدات السيبرانية المحتملة والاتجاهات المستقبلية في مجال الأمن السيبراني، وبما يمكن الجهات المعنية الاستجابة بشكل أفضل للتحديات السيبرانية المتزايدة وتطورات التهديدات، والتحضير للتحديات المستقبلية بفعالية أكبر. وبناءً على هذه المعرفة، يمكن وضع استراتيجيات وسياسات تأمينية وتدابير دفاعية للوقاية من هذه التهديدات والحفاظ على الأمن السيبراني للأفراد والمؤسسات والحكومات. تأسيساً على ذلك، يساهم فهم حالة مؤشرات السوق السيبراني في تعزيز الوعي بأهمية الأمن السيبراني وتحليل تحدياته، وبالتالي ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأنظمة والبيانات والمعلومات في هذا العصر المعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا السيبرانية.
549
| 21 مارس 2024
منذ بضع سنوات، بدأت تلوح معالم ثورة صناعية جديدة استندت على إرهاصات الثورة الصناعية الثالثة، أطلق عليها "الثورة الصناعية الرابعة" وتعرف اختصارًا بالإنجليزية IR4 أو IndustrialRevolution4.0، سِمتُها الرئيسة تقارب الابتكارات الرقمية، والبيولوجية، والمادية؛ ويمكن تعريفها باختصار بأنها "الأتمتة التقدمية التقليدية التصنيع والعمليات الصناعية باستخدام التقنيات الذكية الحديثة من خلال دمج اتصال الآلة وإنترنت الأشياء (Internet of Things – IoT) لزيادة الأتمتة، وتحسين الاتصال، ومراقبة الإنتاج نفسه وتطوير آلات ذكية عن طريق خوارزميات مبتكرة، يمكنها تحليل المشكلات وتشخيصها دون الحاجة إلى تدخل بشري". وفي تداخل لافت بين الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، تتجسد تحولات تكنولوجية مثيرة تؤثر في مختلف جوانب حياتنا. يظهر هذا التداخل في تشبيك الأجهزة بشكل ذكي وتبادل البيانات بينها، حيث يتيح الإنترنت الذكي التفاعل بين الأشياء وتحليل البيانات بفعالية باستخدام التعلم الآلي. حيث يعزز الذكاء الاصطناعي العمليات بتحكم ذكي وتحسين الإنتاجية، كما يتمثل في استخدام البيانات الضخمة لتحقيق تنبؤات دقيقة. وتعظم هذه التقنيات أيضًا أمان الأنظمة السيبرانية من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف ومكافحة التهديدات والجرائم السيبرانية. بالتالي يظهر الفضاء السيبراني كساحة حيوية تشكل تلاقي بين هذه الابتكارات، مؤثرًا في شكل وتفاعل البيئة الرقمية والحياة اليومية للفرد. اليوم تبدو "الثورة الصناعية الرابعة"، التسمية الأكثر انتشاراً مثل "الإنترنت الصناعي" أو "المصنع الرقمي" أو "الصناعة الذكية". وتقوم هذه الثورة النوعية العملاقة على الصناعة في طورها الرابع؛ أي الصناعة المعتمدة على الاستخدام الكثيف لتقنيات التكنولوجيا الحديثة التي لم يسبق أن سمعنا بها من قبل، مثل: الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والطابعة الثلاثية الأبعاد، وتحليل البيانات الهائلة وتشفيرها، والخوارزميات المتقدمة، والتفاعل المتعدد المستويات مع العملاء، والتفاعل المتطور بين الإنسان والآلة، وسلاسل الكتل، وتكنولوجيا النانو، وما إلى ذلك مـن التقنيـات الرقمية الباهرة. إن البيئة الحالية والمتطورة التي تشمل أدوات الفضاء السيبراني مثل إنترنت الأشياء والروبوتات والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي تعمل على تغيير حياة البشرية. يُعرف دمج هذه التقنيات في ممارسات التصنيع باسم الصناعة 4.0 وتضمنت الثورة الصناعية الثالثة، التي يطلق عليها أحيانًا الثورة الرقمية، تطوير أجهزة الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات (تكنولوجيا المعلومات) منذ منتصف القرن العشرين. وفقًا لمؤسس ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي البروفيسور (كلاوس شواب Klaus Schwab)، يتم تمييز العصر الجديد بسرعة الاختراقات التكنولوجية وانتشار النطاق والتأثير الهائل للأنظمة الجديدة، ويرى بأنها ثورة لم يشهد التاريخ البشري مثلها على الإطلاق، لا في سرعة انتشارها، ولا في نطاقها، ولا في درجة تعقيدها، وكأن البشرية تعيش أمام ظاهرة تتحدى الزمان والمكان في قدرتها على الانتشار والتأثير في الدول والشعوب. وهي ظاهرة تجمع بين كل إنجازات الثورات السابقة عليها في الصناعة والطاقة والاتصالات والمواصلات، وتضيف إليها إنجازات في مجالات جديدة تتداخل فيما بينها؛ إنجازات في مجالات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وعلم الوراثة والذكاء الصناعي والروبوتات والطاقة.
1035
| 07 مارس 2024
جرى وصف المراحل المفصلية لتطوّر الحضارة البشرية بالثورات، برغم كونها أساس تغيرات متدرجة وتراكمية. ويشمل هذا التوصيف عادة الثورة الزراعية، والثورة الصناعية، والثورة التقنية المعلوماتية كما صنفها آلفين توفلر Alvin Toffler في كتابه «الموجة الثالثة» “Third Wave”، ثمَّ ما يوصف اليوم بالثورة الصناعية الرابعة التي تشمل التطور في تقنيات النانو والذكاء الاصطناعي والحواسيب الكميّة وغيرها. إن الحديث عن الفضاء السيبراني لا يكتمل من دون الإشارة إلى التطورات المتسارعة في مجال الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، أي الثورة الصناعية الثالثة، أو ثورة المعلومات أو الثورة الرقمية. وهو التحول الذي طرأ على المجتمعات البشرية بحيث انتقلت من مجتمعات صناعية إلى مجتمعات معلوماتية تعتمد في إدارة شؤونها على التكنولوجيا الرقمية والإلكترونية واقتصاديات المعرفة، وتستند هذه الحقبة إلى الثورة الصناعية الرابعة التي سنتناولها فيما بعد. يُعدّ ظهور ثورة المعلومات أحد أهم الأحداث التاريخية في الحياة الإنسانية، وهناك من يرى أنها، بلا شك، أهم حدث في نشر المعلومات منذ مطبعة جوتنبرج Gutenberg كونها تمثل تحولًا أكبر بكثير في الاتصال البشري. فقد أدّت هذه الثورة إلى ظهور ما يُعرف بمجتمع المعلومات الذي تمثّل بإنتاج المعلومات ومعالجة البيانات التي ساهمت في وجود نشاط إنساني منظّم. كما استطاعت الثورة المعلوماتية وما تضمّنته من تكنولوجيا حديثة للاتصالات تخطي الزمان والمكان، فقد جرى نقل الصورة والصوت تلقائيًا عبر الأقمار الصناعية وشبكتها المجهزة بالحاسوب، ما سهَّل عملية الاتصال. تميّزت الثورة المعلوماتية بانتشار الأتمتة من خلال استخدام الإلكترونيات وأجهزة الحاسوب، والإنترنت، وشهد هذا العصر ظهور الإلكترونيات التي مكنت من أتمتة العمليات الصناعية على نحو لم يسبق له مثيل، وتقدم التكنولوجيا من الأجهزة الحاسوبية والميكانيكية التناظرية إلى التكنولوجيا الرقمية المتاحة اليوم. فالتبادل الإلكتروني للمعلومات يعد أحد التغيرات المهمّة مع الثورة الرقمية، كما أنّ التطور الجذري في الاتصالات الرقمية والحوسبة هو جوهر الثورة التكنولوجية. إن التطورات التي تسعى إلى الاستحواذ على القوة والتطور والحداثة متسارعة في هذا المجال الذي يشهد منذ بداية الألفية الثالثة ثورة حقيقية ألقت، ولا تزال تلقي، بتأثيراتها الجذرية والعميقة في مختلف جوانب الحياة البشرية، الاجتماعية والثقافية والسياسية، والاقتصادية والأمنية والعسكرية. وجاء ذلك مع تطور البيئة التكنولوجية، سواء على مستوى التطبيقات أو حجم الانتشار. وزادت عملية إنتاج المحتوى الرقمي، وارتبطت بتلك العملية زيادة في إنتاج المعلومات الشخصية، وباتت تُستخدم في مجالات الحياة كافّة مع عملية التحول الرقمي الذي تطبقه كثير من حكومات العالم، سواء في تقديم الخدمات أو في عمل البنية التحتية، وأصبح للبيانات قيمة أكبر من أي عهد مضى في خلق الوظائف ودعم عملية الإبداع والابتكار التي أصبحت من ضمن ركائز القوة الاقتصادية للدولة. تعدّ اليوم هيمنة الفضاء المعلوماتي السيبراني المترابط بوشائج الاتصال والمفاهيم المعرفية والشبكة العنكبوتية العالمية والشبكات الحاسوبية الوطنية والمحلية التي تؤمّن الاتصال الحيّ بين جميع الجهات التي استوطنت هذه البيئات الجديدة، أحد أهم خصائص تخطي الفضاء السيبراني للزمان والمكان؛ وبات تعريف المعلوماتية مسألة نسبيّة تتوقف على قدرة كل دولة في تحديد رؤية إستراتيجية واضحة للتعامل مع حجم ما توفره الثورة المعرفية والتكنولوجية من مزايا بشقيها المدني والعسكري، أملًا باستثمار المزايا ومواجهة المخاطر الكامنة في هذا المجال. إن آثار هذا المشهد تتجاوز مجرد نقل البيانات، حيث أسهمت في تشكيل مستقبل يعتمد بشكل أكبر على المعرفة والتفاعل البشري. إنها حقًا رحلة استثنائية نحو تحقيق رؤية مستقبلية متقدمة ومجتمع يستند إلى التفاعل والتبادل المعرفي. مشهد يتجاوز نقل البيانات!
315
| 15 فبراير 2024
لطالما أخذت الصراعات بين إسرائيل وحركة حماس منحى جديدًا في الفضاء السيبراني، حيث يشهد التصعيد الرقمي تكثيفًا ملحوظًا، فالحروب لا تقتصر على الأرض فقط، بل تنتقل إلى معركة صامتة، حيث تُشن هجمات سيبرانية مستمرة ويتسارع استخدام التقنيات التكنولوجية الرقمية للاستيلاء على المعلومات أو تعطيل البنية التحتية المرتبطة بالفضاء السيبراني. إلى اليوم، ما زالت مراكز الأبحاث الإسرائيلية حائرة حول الكيفية التي دخلت فيها المقاومة إلى غلاف غزة في السابع من أكتوبر 2023؛ لكن هناك تقديرات وازنة بأن الهجوم العسكري تزامن مع «طوفان سيبراني» فلسطيني عطّل بعض الكاميرات وأجهزة المراقبة دون أن يتم رصده في الساعات الأولى. وكما هو معروف يجرى توظيف البيئة السيبرانية من خلال استخدام البعد الصلب والبعد الناعم انطلاقاً من فرضية أن من يمتلك القوة السيبرانية يصبح أكثر قدرة على ممارسة القوة والتأثير في سلوك المستخدمين للفضاء السيبراني. وبالتالي فقد كان واضحاً استخدام المقاومة الفلسطينية البعد الصلب في الفضاء السيبراني من خلال: 1. الهجمات السيبرانية والتي تتيح للأطراف غير المتماثلة في القوة فرصة للتأثير. إذ تجلت الهجمات السيبرانية في هذه الحرب قبل إطلاق أول رشقة صاروخية من قطاع غزة، واستهدفت بشكل رئيس الأنظمة التشغيلية لمنظومة «القبة الحديدية»، وأوقفت عملها لأكثر من خمس ساعات. 2. ضرب أبراج الاتصالات وقطع كوابل الإنترنت مما تسبب في تعطيل الاتصالات والتواصل بين مختلف أنظمة الدفاع والمراقبة. 3. اختراق السيرفرات والخوادم والسيطرة على مراكز تخزين البيانات، واختراق هواتف جنود إسرائيليين وقرصنتها قبيل عملية طوفان الأقصى. 4. استهداف تطبيقات صفارات الإنذار التي ترسل إلى الإسرائيليين إشعاراً بوجود هجمات صاروخية وخطر قريب، وعطلتها بالكامل طوال فترات الهجمات الصاروخية. 5. شن هجمات الحرمان من الخدمة على العشرات من المواقع الحكومية والخدمية الإسرائيلية، استمرت هذه الهجمات حسب موقع Cloud flare لمدة ست دقائق وبلغت ذروتها مليونا و100 ألف طلب في الثانية. وعلى صعيد البعد الناعم في القوة السيبرانية فقد كان واضحاً عبر التأثير في الرأي العام وبث الدعاية والحرب النفسية وذلك من خلال: استخدام شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لبث عمليات المقاومة وخطاباتها والاشتباكات المسلحة على أرض الميدان، ونشر مقاطع فيديوهات خاصة بالأسرى الإسرائيليين من أجل التأثير في الرأي العام العالمي ولجذب الدعم والأنظار لما يحدث في القطاع. ودحض السردية والرواية الإسرائيلية (خاصة فيما يتعلق بصور قطع الرؤوس واغتصاب النساء وحرق الأطفال)، ونقل حقيقة ما يجري في قطاع غزة للعالم الغربي. هناك دور لا يمكن تجاهله للوكلاء السيبرانيين Cyber Agents هذه الفئة تعتبر جزءاً من أدوات القوة السيبرانية وتهدف إلى نشر الوعي وتعزيز التضامن مع القضية من خلال (التوعية وتنظيم حملات رقمية تستهدف تعزيز الضغط الدولي وممارسة هجمات القرصنة والتلاعب السيبراني، الهجمات السيبرانية والتي ظهرت في هذه الحرب عبر تعطيل مواقع الإنترنت أو استهداف البنية التحتية الرقمية لإسرائيل، مثل: مجموعة «كيل نت» (Killnet) الروسية، وأنون غوست « (Anon Ghost) الإيرانية، ومجموعة «أنونيموس الجزائر».. وغيرها. ما يمكن استنتاجه مما تقدّم أن القوة السيبرانية تعتبر أحد عوامل مضاعفة قوة الدول والفواعل من غير الدول مثل حركات المقاومة والتحرر، وممارسة النفوذ، وتحقيق التفوق، والفاعلية والتنافس. وحقيقة مساندة للقوة التقليدية مكملة وداعمة لها في تحقيق الأهداف وليست بديلة عنها. ومما دلت عليه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بأن هناك دوراً مهماً للفضاء السيبراني والقوة التي أسس لها حيث كان لهذا الفضاء بعد في تشكيل نتائج هذه الصراع الذي يجري بموازاة دوي الدبابات والمدافع. إن الفضاء السيبراني يعتبر بشكل عام فرصة حيوية للجهات ذات الإمكانيات المحدودة التي تعاني من نقص في الموارد مثل الفواعل من غير الدول، حيث يمنحها هذا النطاق فرصًا للتنافس مع الدول ذات القدرات السيبرانية الأكبر. يتجلى هذا بشكل خاص في تزايد رغبة هذه الجهات في اكتساب قدرات هجومية ودمجها ضمن أدواتها السائدة، بهدف تعزيز أهدافها الاستراتيجية وتعظيم قوتها الصلبة وقوتها الناعمة وزيادة تأثيرها في البيئات التشغيلية الأخرى، البر، البحر، الجو، والفضاء الخارجي.
1179
| 12 فبراير 2024
يشهد العالم تحولًا جذريًا نحو بيئة تكنولوجية تتسارع بشكل مذهل، حيث تتداخل المعلومات والاتصالات لتشكل خيوطًا لا مرئية تربط بين جميع أنحاء المعمورة. وتعكس الحالة الرقمية التي يمر فيها الفضاء السيبراني تفاعلات متزايدة، إذ يجري تداول كميات ضخمة من البيانات بشكل لحظي. ويظهر هذا التزايد بشكل واضح من خلال نشاط الإنترنت والاستخدامات البشرية على الصعيدين الشخصي والتجاري. فإرسال المليارات من الرسائل الإلكترونية وتحميل محتوى ضخم وتبادل المعلومات يحدث بأجزاء من الثانية وبزمن قياسي لا مثيل له، مما يشير إلى تكامل لافت للعمليات الرقمية في حياتنا اليومية. في هذا السياق، يتجاوز مفهوم الحالة الرقمية العالمية مجرد تكنولوجيا الاتصالات، ليتعمق في تأثيراته المتعاظمة في الاقتصاد، والسياسة والإعلام والثقافة، والتفاعل الاجتماعي. وبات يمثل هذا التحول نقلة حضارية تشكّل تحديات وفرصًا جديدة، مع تكامل لا مثيل له في هذا العالم المترابط الذي يشهد تغييرات وتحولات لا حصر لها، ويعكس مؤشرات كمية متزايدة تعبّر عن حجم النشاط الذي يحدث ويحمل في طياته ضخامة المعلومات والاتصالات في وجود بيئة ونسق عالمي تطوري وبنى تحتية تكنولوجية تنتشر بشكل دراماتيكي. اليوم ثمة العديد من المعطيات التي تدلّل على تنامي واتساع ظاهرة الفضاء السيبراني، ولنتخيّل هذا العالم الذي يجري فيه إرسال ملايين النصوص ورسائل البريد الالكتروني وتحميل الفيديوهات والصور وتمريرها ومشاهدتها والتفاعل معها..فمشهد «الحالة الرقمية» العالمية اليوم أكثر ضخامة وتعقيداً مما كنّا نظن. لقد استحوذت شبكة الانترنت على المستخدمين بشكل كبير، بعد أن أصبحت الحياة البشرية مترابطة بشكل كبير مع استخدام الفضاء السيبراني وتطبيقاته القائمة على الابداع والابتكار، سواء في الاتصال الاجتماعي، والبحث عن معلومات، أو التسوق الإلكتروني، وحتى الألعاب والترفيه والتعليم والتعلم والصحة والأعمال..إلخ. وحتى نقرّب قراءة المشهد أكثر، فإن لغة الأرقام تخبرنا بالشيء الكثير، وتلقي الضوء على حجم الزخم التفاعلي في الفضاء السيبراني وتظهر كمّية البيانات والاتصالات التي تمر عبره يوميًا، مما يبرز تحولًا رقميًا هائلاً وتأثيرًا كبيرًا في حياتنا اليومية. تخبرنا بأن عدد سكان العالم تجاوز 8 مليارات في بداية العام 2024 وأن ما مجموعه 5.3 مليار شخص حول العالم يستخدمون الإنترنت منذ بداية عام 2024، وهو ما يعادل 65.7 بالمائة من إجمالي سكان المعمورة. وتشير الاتجاهات الرقمية الحالية إلى أن ثلثي سكان العالم يجب أن يكونوا متصلين بالإنترنت بحلول منتصف عام 2024، وتستخدم الغالبية العظمى من مستخدمي الإنترنت - 95 بالمائة - الهاتف المحمول للاتصال بالإنترنت لبعض الوقت على الأقل، وتمثل الهواتف المحمولة الآن ما يقرب من 57 بالمائة من الوقت الذي نقضيه على الإنترنت، فضلاً عن ما يقرب من 53 بالمائة من الوقت الذي يقضيه العالم على الإنترنت. حركة المرور على شبكة الإنترنت. ومع ذلك، لا يزال أكثر من 6 من كل 10 من مستخدمي الإنترنت في الاقتصادات الكبرى في العالم يستخدمون أجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المكتبية في بعض أنشطتهم عبر الإنترنت على الأقل. هذا يعني أن مستخدمي الإنترنت في العالم قضوا حوالي 12.5 تريليون ساعة من الوجود البشري المشترك باستخدام الأجهزة والخدمات المتصلة في عام 2023. شهد عام 2023 وبداية عام 2024 الكثير من التغييرات في طريقة تواصلنا مع المزيد والمزيد من الأشخاص الذين يستخدمون الفضاء السيبراني مثلاً على صعيد الأرقام المتصلة في استخدام الإنترنت في بداية عام 2024 تم إرسال واستلام حوالي 300.4 مليار رسالة بريد إلكتروني يوميًا، وهناك أربعة مليارات مستخدم للبريد الإلكتروني في جميع أنحاء العالم (لقد زاد هذا العدد الآن). 5.59 مليار حساب بريد إلكتروني نشط في جميع أنحاء العالم وحوالي 1.8 مليار منها حسابات (Gmail) حيث يجري إرسال أكثر من 149.513 رسالة بريد إلكتروني في الدقيقة - وهذا يعني أن عدد رسائل البريد الإلكتروني المرسلة كل يوم هو ~ 215.298.720. وعلى صعيد منصات التواصل الاجتماعي، تتم مشاركة 95 مليون صورة وفيديو على تطبيق (انستغرام) يوميًا. وهذا يترجم إلى 65,972 كل دقيقة!، وعلى صعيد تطبيق فيسبوك يتم نشر 510.000 تعليق، وتحديث 293.000 حالة، وتحميل حوالي 240.000 صورة كل دقيقة. ويتم إرسال ما يقرب من 7 مليارات رسالة كل دقيقة عبر مجموعة تطبيقات البرنامج. وهناك ما يزيد على 406 ملايين مستخدم نشط يوميًا على تطبيق (سناب شات)، حيث يتم إنشاء 5 مليارات مقطع فيديو عبره يوميًا في جميع أنحاء العالم. وتتم مشاهدة حوالي 625 مليون مقطع فيديو على تطبيق (تيك توك) كل دقيقة.ويتم مشاهدة 3.5 مليون فيديو على اليوتيوب في الدقيقة بينما يتم تحميل أزيد من 500 ساعة من المحتوى المرئي على الموقع نفسه. وهناك ما يتجاوز3.2 مليون عملية بحث على محرك غوغل في الدقيقة الواحدة، وأكثر من 6.3 مليون لمجموع اجتماع زوم في الدقيقة أيضاً. وفي نفس الدقيقة يجري إنفاق حوالي 443,000 دولار في متاجر أمازون الإلكترونية، وشراء أكثر من 90 مليون عملة مشفرة. تُظهر المعطيات أعلاه تأثير التحول الرقمي بوضوح في حياتنا، واتساع استخدام الفضاء السيبراني الذي تمكنت وتحكمت تطبيقاته بعقولنا، وأصبحت قوة لا يمكن تجاهلها، فتوسعت استخدامات التكنولوجيا وارتفع عدد مستخدمي الإنترنت، مما أضفى على الحياة نمطًا جديدًا وشكلًا متجددًا يتسم بالتفاعل الرقمي الفعّال والهائل. إن هذا الزخم يفتح أمامنا أبواب التحديات والفرص، ويطرح تساؤلات حول كيفية التكيف مع هذا الواقع المتسارع. فهل نحن جاهزون لمواكبة هذا التحول؟ وكيف يمكننا استثمار هذا الزخم الرقمي لصالح التطوير في ظل مشهد بتنا نقيسه بالثواني والدقائق على روزنامة الإنترنت، دون أن نتمكن من فهم أبعاده الحقيقية أو نعي تداعياته الهائلة.
1107
| 11 يناير 2024
إنّ الحروب الهجينة واللا تناظرية مكّنت الفواعل غير الدولية، مثل حركات المقاومة من استخدام الجانب السيبراني بشكل متزايد في عملياتهم، ومثال ذلك حركة حماس؛ فعدم التماثل في الحروب والصراعات وفرّ لها فرصًا سرّية في جوهرها للتخزين والنقل ونشر القدرات السيبرانية مع حاجة أقل بكثير للموارد التنظيمية والقدرات المالية أو البشرية مقارنة بالحرب التقليدية. وبما أن القدرات السيبرانية مناسبة تماماً لدعم الحملات الإعلامية، فهي مفيدة للتأثير في الجمهور دون لفت انتباه وتداعيات العمليات الأكثر وضوحاً. منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023 ظهر مفهوم «الحرب الهجينة»، الذي يمزج بين العمليات الحركية وغير الحركية (أي الرقمية) في ساحة المعركة. في حين أن العمليات السيبرانية تقليدياً كانت غير حركية، فإن تحولاً نموذجياً بدأ يلوح في الأفق، حيث إن الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية - مثل محطات الطاقة والاتصالات - لديها القدرة على تحقيق نتائج حركية ملموسة تعطل العمليات المحلية، ويمكن أن تؤدي إلى فوضى واسعة النطاق. هذا النوع من الأحداث له سابقة، فقد بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا من خلال هجوم سيبراني يعرف بالحرمان من الوصول إلى الخدمة الموزعة DDoS أي عبر اقتحام الأنظمة أو الخوادم أو الشبكات بهدف السيطرة على مواردها ومعدل نقل بياناتها، بحيث يصبح النظام غير قادر على تلبية الأوامر اللازمة أو المطلوبة منه، مما يؤكد الطبيعة المتشابكة للحرب الحديثة. ومع تزايد انخراط الجهات الفاعلة غير التابعة لدول بعينها في عمليات على أرض الواقع؛ فإننا نلاحظ نمطاً مماثلاً في الصراع السيبراني الدائر اليوم بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية والذي بدأ من سنوات وظهر جلياً في عملية طوفان الأقصى. حتى كتابة هذه السطور، فإنّ معظم النشاط السيبراني الهجومي الذي استهدف إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 تم تنفيذه من قبل مجموعات ناشطة في مجال القرصنة (وكلاء سيبرانيون)، يظهرون الدعم والتضامن مع القضية الفلسطينية، ومنشأها دول إسلامية وعربية، وقد اتخذ معظم هذا النشاط شكل هجمات رفض الخدمة الموزعة ضد منصات ومواقع الإنترنت، وتشويه مواقع إلكترونية إسرائيلية، وتسريب البيانات لمختلف المؤسسات التي تعتبر أهدافاً رفيعة المستوى وعظيمة القيمة. على سبيل المثال ثمة نوع من الأنشطة التي تمت ملاحظتها في بداية الحرب، وهو شن هجمات نشر الخوف من خلال المجال السيبراني، إذ استغلت مجموعة قرصنة مؤيدة للقضية الفلسطينية يطلق عليها اسم Anon Ghost ثغرة أمنية في واجهة برمجة (API) الخاص بتطبيق الإنذار الصاروخي الإسرائيلي Red Alert وأرسلت تحذيرات صاروخية زائفة إلى المستخدمين. وتمكن الهاجمون من الوصول إلى خادم يقوم بتشغيل اللوحات الإعلانية الذكية في تل أبيب، وقاموا بتغيير الإعلانات التجارية إلى محتوى مؤيد للمقاومة الفلسطينية، بالإضافة إلى لقطات من حرق العلم الإسرائيلي. كما أن الهجمات السيبرانية استطاعت إيقاف أكثر من 100 موقع، من بينها الموقع الإلكتروني الرسمي لجهاز المخابرات الإسرائيلية. إن هجوم السابع من أكتوبر على إسرائيل ينظر له خبراء على أنه يمثل نهاية مفهوم التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي وقدرته على ردع منافسيه. إذ إن إسرائيل التي تعتبر رائدة عالمياً في مجال الأمن السيبراني وفي قدراتها السيبرانية سواء على مستوى الدفاع أو الهجوم يطرح سؤالاً عن قدرة الفواعل والحركات من غير الدول مثل حركة حماس بما تثيره من قدرات سيبرانية تستطيع من خلاله مواجهة عدوها وتحقيق نتائج على أرض الواقع عبر تعظيم قوتها الصلبة أو الناعمة. هذا يذكّرنا بما أشار إليه (مقدم في مديرية الإنترنت التابعة للجيش الإسرائيلي) بمقال له عنونه بـــ «داخل فخاخ حماس السيبرانية»، من أن القدرات السيبرانية تقدم خيارات بديلة لحركة حماس لتعزيز استراتيجيتها وقدراتها السيبرانية والتي سوف تستمر في التقدم، وتستفيد من الأدوات المتاحة عبر طرق من شأنها أن تمارس أقصى قدر من التأثير في البيئات التشغيلية المختلفة. صحيح أن إسرائيل كانت قد أعلنت سابقاً عن سيطرتها على ترددات الاتصالات في قطاع غزة، لكن تصاعد الهجمات السيبرانية أثار تساؤلات عن المزيد من الشكوك حول كيفية تشغيل حركات المقاومة لبرنامج سيبراني في ظل هذه الظروف، ويبدو أنها استطاعت من الاستثمار في هذا المجال عبر تطوير أدواتها السيبرانية وبناء شبكة من «الوكلاء السيبرانيون» المتعاطفين مع القضية الفلسطينية في أنحاء المعمورة. في النهاية، يعكس البعد السيبراني في الحروب اللا تناظرية والحروب الهجنية تفاعلًا مع التطورات التكنولوجية المستمرة، ويبدو هذا ما التقطته حركات المقاومة الفلسطينية ومنها حركة حماس لضمان قدرتها على التأثير في ساحة المعركة وتحقيق بعض أهدافها، ابتداءً من تنفيذ هجمات سيبرانية بشكل متنقل ومرن بفعالية، مروراً بالتأثير بشكل كبير في الرأي العام للطرف المستهدف وتحقيق بعض الأهداف دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر على الأرض، وليس انتهاءً باستخدام البعد السيبراني كوسيلة لإنشاء سردية مضادة تؤكد على عدالة القضية الفلسطينية.
1902
| 16 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
6570
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
987
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
846
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
807
| 16 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
624
| 16 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
618
| 20 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
489
| 19 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
474
| 16 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
468
| 17 فبراير 2026
تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...
435
| 20 فبراير 2026
حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول...
417
| 15 فبراير 2026
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات...
405
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية