رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جيل Z وجيل ألفا: عندما تكون المعركة بين الإنسان وإنسانيته!

يشهد العالم المعاصر تحوّلاً غير مسبوق في تاريخ الوجود البشري، تقوده التكنولوجيا بصفتها القوة الأكثر تأثيراً في تشكيل ملامح الحياة الحديثة. لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات أو منصات مساعدة، بل أصبحت بحد ذاتها بيئةً كلية نعيش فيها، عاملًا حيويًا يُعيد صياغة مفاهيم الإنسان عن ذاته، وعن العالم، وعن الآخرين من حوله. وفي قلب هذا التحول تقف الأجيال الجديدة لا كمتلقٍّ سلبي، بل كنتاجٍ حيّ لهذا العصر الرقمي بكل تعقيداته وتناقضاته. نتحدث هنا تحديدًا عن جيل Z (المولود بين 1997 و2012) وجيل ألفا (المولود بعد 2013)، وهما جيلان نشآ في ظل تحوّل تكنولوجي عميق بدأ مع الثورة الرقمية في نهاية القرن العشرين، وتفاقم مع دخول الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والميتافيرس والبيانات الضخمة إلى صلب الحياة اليومية. جيل Z يمثل الجسر بين عالمين: عالم ما قبل الثورة الرقمية، وعالم أصبحت فيه الخوارزميات هي «العقل الجمعي» الجديد. لقد عاش هذا الجيل مراحل الانتقال الكبرى: من الكتب الورقية إلى الشاشات، من الاتصالات الهاتفية إلى الرسائل الفورية، من الصفوف المدرسية إلى التعليم عن بُعد. أما جيل ألفا، فهو الجيل الذي لم يعرف سوى الرقمية منذ لحظة الميلاد، إذ تفتحت حواسه الأولى على شاشة، وتكوّنت مهاراته اللغوية من خلال مساعد صوتي، وتعلّم المفاهيم الأولى عن طريق تطبيقات ذكية وخوارزميات دقيقة تستجيب لسلوك المستخدم لحظياً. إننا لا نتحدث عن تغيّر في أنماط الحياة فقط، بل عن إعادة تشكيل حقيقية للذات الإنسانية. ففي السابق، كانت الهوية تُبنى عبر التفاعل مع الأسرة، والمدرسة، والثقافة المحلية، وكانت تنشأ ضمن سياق اجتماعي واضح المعالم. أما اليوم، فالأجيال الرقمية تبني صورها الذاتية في فضاءات افتراضية عالمية، تتخطى الحواجز اللغوية والثقافية والجغرافية. إنها هوية «مُفلترة»، تُنتجها الصور والمنشورات والتفاعلات المرسومة وفق خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، وتُقاس بكمية «الإعجابات» والمشاهدات، لا بتجربة الذات العميقة. هذا التحول لا يخلو من مفارقات. فعلى الرغم من الكمّ الهائل من التواصل الرقمي، تشير دراسات عديدة إلى تصاعد مشاعر الوحدة والعزلة، خصوصًا بين المراهقين والشباب. وقد ربطت تقارير صحية بين الإفراط في استخدام التكنولوجيا وبين ارتفاع معدلات القلق، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، وتراجع المهارات الاجتماعية. جيل Z، برغم إتقانه المذهل للتكنولوجيا، يواجه صعوبة متزايدة في بناء علاقات واقعية مستقرة. أما جيل ألفا، فيُظهر مبكرًا قدرة رقمية خارقة، لكنها تقترن أحيانًا بضعف في التطور اللغوي والعاطفي، وكأن المهارات الإنسانية الكلاسيكية باتت تُستبدل تدريجياً بكفاءات رقمية جديدة. هذا لا يعني أن الأجيال الرقمية «أقل إنسانية»، بل إنها مختلفة في تركيبها المعرفي والعاطفي والاجتماعي. إنها أجيال تعيش في ما يمكن تسميته «الواقع الموسّع» حيث تتداخل فيه الذات البيولوجية بالذات الرقمية، ويذوب فيه الخط الفاصل بين ما هو واقعي وما هو افتراضي. وهذه الحالة تطرح سؤالاً وجودياً جوهرياً: من أنا في عالم يُعاد فيه تشكيل الذات بواسطة أدوات لا أتحكم بها بالكامل؟ من يوجّهني فعلًا: أنا، أم البرمجية التي تختار لي ما أقرأ وأشاهد وأرغب؟ في هذا السياق، تتزايد الحاجة إلى تفكيك العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا من جديد. فنحن لم نعد فقط نستخدم التكنولوجيا، بل يُعاد تشكيلنا من خلالها. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً خفياً في اتخاذ القرارات، وتوجيه السلوك، وحتى في تكوين القيم وتصورات العالم. منصات مثل تيك توك ويوتيوب وانستغرام لم تعد وسائط ترفيهية فحسب، بل منصات لإنتاج الثقافة والهوية والسلوك الاستهلاكي. ولعل المفارقة الأكبر تكمن في أن هذه التكنولوجيا التي وُعدنا بها كوسيلة لتحرير الإنسان، باتت تخلق أشكالاً جديدة من التبعية. فمن جهة، تسهّل الحياة وتختصر الوقت، لكنها من جهة أخرى تُعيد تشكيل إدراكنا بطريقة غير مرئية. إنها «القوة الناعمة» الأشد تأثيراً في تاريخ البشرية. في ظل هذا الواقع، لا يكفي أن نُحمّل الأفراد مسؤولية التكيف. المطلوب هو تفكير جماعي لإعادة توجيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. المؤسسات التعليمية مطالبة بأن تراجع مناهجها، لا فقط لتُدخل التقنية، بل لتُعيد التوازن بين ما هو رقمي وما هو إنساني. الأسرة، بدورها، لم تعد فقط مصدراً للقيم، بل أصبحت «ساحة مقاومة» للحفاظ على الحميمية في وجه التمدد الرقمي. أما صانعو السياسات، فعليهم مسؤولية أخلاقية وتشريعية للحدّ من تغوّل التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية، ووضع ضوابط تحمي الأجيال من فقدان الجوهر الإنساني. لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نُقلل من استخدام التكنولوجيا؟ بل: كيف نستخدمها بطريقة تحافظ على إنسانيتنا؟ كيف نُدرّب أبناءنا على التفكير النقدي، والقدرة على التأمل، والانفتاح العاطفي، لا فقط على البرمجة والتصميم؟. نحن نعيش لحظة مفصلية، لحظة يُعاد فيها تعريف الإنسان، لا بالمعنى البيولوجي، بل بالمعنى الوجودي. وإذا لم نُحسن إدارة هذا التحوّل، فإننا قد نخسر القدرة على أن نكون ذاتاً فاعلة حرة في عالم تتزايد فيه السيطرة غير المرئية للأنظمة الذكية. المستقبل لا تصنعه الآلات، بل الإنسان الذي يعرف كيف يتعامل معها. ولهذا، فإن المعركة الأهم ليست بين الأجيال والتكنولوجيا، بل بين الإنسان وإنسانيته.

627

| 22 أبريل 2025

المجانية المخادعة.. عندما تصبح ابتسامتك الرقمية هي الثمن!

مع كل «ترند» أو موجة تقنية جديدة تكتسح العالم الرقمي، يندفع المستخدمون نحو تجربتها بحماس، مدفوعين بالفضول والرغبة في الاندماج مع الصيحات العالمية. لكن خلف هذه المغريات التكنولوجية – مثل تطبيقات تحويل الصور إلى شخصيات أنمي، أو فلاتر الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل الهوية البصرية – تكمن مخاطر جسيمة تهدد الخصوصية، وتُعيد تعريف مفهوم «المجانية» في عالم تتحول فيه البيانات الشخصية إلى سلعة تُباع وتُشترى بأبخس الأثمان. إن خطورة التطبيقات التي تحوّل الصور إلى أعمال فنية – كتلك المستوحاة من أسلوب «جيبلي» – لا تُختزل في مجرد تغيير المظهر، بل في آلية عملها التي تعتمد على استخراج البيانات البيومترية (كملامح الوجه، وبُنية العظام، وتفاصيل البشرة). هذه التفاصيل، التي تُجمع عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، قد تُدمج في قواعد بيانات ضخمة تُستخدم لأغراض تصل إلى تدريب أنظمة التعرف على الوجوه، أو إنشاء محتوى «ديبفيك» مُزيّف، أو حتى تزوير الهوية الرقمية. والأمر لا يتوقف عند الصور؛ فالكثير من التطبيقات تطلب صلاحيات الوصول إلى الموقع الجغرافي، قائمة جهات الاتصال، وحتى الملفات المخزنة على الهاتف، مما يفتح الباب أمام شبكات استهداف إعلاني أو ابتزاز محتمل. السرّ الكامن وراء «المجانية» الظاهرة لهذه التطبيقات هو تحويل البيانات إلى عملة رقمية قابلة للتداول. فما يبدو خدمة بسيطة لتحويل الصور هو في الواقع صفقة غير متوازنة: تمنح المستخدمون حقوق استخدام بياناتهم دون وعي، بينما تحصد الشركات أرباحًا طائلة من بيعها لجهات تسويقية، أو استخدامها في تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تخدم أغراضًا تجارية أو أمنية. على سبيل المثال، قد تُستخدم صورتك المُسربة في إعلان عن منتج ما دون علمك، أو تُستغل في إنشاء شخصية افتراضية ضمن لعبة إلكترونية، أو تُدمج في نظام مراقبة حكومي! تكمن الكارثة في أن معظم المستخدمين لا يدركون حجم التبعات، في حوالي 93% من الأشخاص – وفق دراسات – يوافقون على شروط الخصوصية دون قراءتها، بينما تعتمد الحكومات على قوانين قديمة لا تواكب سرعة تطور التكنولوجيا. حتى الاتفاقيات الدولية مثل «GDPR» في أوروبا، رغم صرامتها، لا تستطيع ملاحقة كل الانتهاكات في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود. يضاف إلى ذلك تكتيكات شركات التكنولوجيا في إرباك المستخدمين عبر صياغة سياسات الخصوصية بلغة معقدة، أو إخفاء البنود الأكثر خطورة في ثنايا النصوص الطويلة. ليست الشركات المطورة وحدها من يتحمل اللوم، فشبكات الاستغلال تمتد إلى وسطاء بيانات، ومنصات إعلانية، وحتى حكومات تشتري المعلومات لتعزيز أنظمة المراقبة. في عام 2023، كشفت تحقيقات عن بيع بيانات ملايين المستخدمين – تم جمعها عبر تطبيقات ترفيهية – لشركات تأمين لتحديد أسعار العقود بناءً على تحليل الصور! هذا التداخل بين الأطراف يجعل محاسبة المتورطين مهمة شبه مستحيلة، خاصة في ظل انعدام الشفافية. تتضاعف المخاطر مع تطور الذكاء الاصطناعي القادر على تحويل أي صورة عابرة إلى أداة لاختراق الخصوصية. فباستخدام تقنيات مثل «التوليد الضوئي التكاملي» (GANs) يمكن إنشاء نسخ واقعية من وجوه المستخدمين لاستخدامها في عمليات نصب أو تشويه السمعة. كما أن مشاركة الصور العائلية – مثلاً – قد تعرّض أقاربك للمخاطر ذاتها، إذ يمكن استنساخ وجوههم من خلال صورة واحدة مشتركة! الحل لا يكمن في الامتناع عن استخدام التكنولوجيا، بل في تبني عادات رقمية أكثر وعيًا: 1.التقليل من المشاركة: لا ترفع صورًا ذات خصوصية عالية (كصور الهوية أو الصور العائلية) على التطبيقات المجهولة. 2.قراءة البنود الأساسية: ابحث عن عبارات مثل «نملك الحق في استخدام صورتك» أو «نشارك البيانات مع أطراف ثالثة». 3. استخدم تطبيقات مفتوحة المصدر: بعض المنصات تتيح تحويل الصور دون اتصال بالإنترنت، مما يمنع تسريب البيانات. 4.تفعيل إعدادات الخصوصية: حدّد صلاحيات التطبيقات، وألغِ الاتصال بالتطبيقات غير المستخدمة. 5.ضغط الجهات الرقابية: دعم الحملات المطالبة بقوانين صارمة تجرّم بيع البيانات دون موافقة مستخدميها. خلاصة ما تقدم، العالم الرقمي يشبه الغابة: مليء بالفرص، لكنه يحتاج إلى بطاقة مرور مكونة من الوعي والحذر. كل ضغطة زر ليست مجرد «إعجاب» أو «مشاركة»، بل هي إمضاء على عقد غير مكتوب، قد يُغير حياتك إلى الأبد. قبل أن تنجرف وراء الإثارة التكنولوجية، تذكّر: ما يُنشر في الفضاء السيبراني يُشبه الوشم – يسهل وضعه، ويصعب محوه.

651

| 03 أبريل 2025

صفقة «ويز» التاريخية.. أمن أم استثمار رقمي؟

مما لا شك فيه أن استحواذ شركة ألفابت (الشركة الأم لغوغل) على شركة “ويز” (Wis) الإسرائيلية الناشئة في الأمن السيبراني، التي بلغت قيمتها 32 مليار دولار، تُعدُّ واحدة من أكبر صفقاتها في تاريخها. إذ تجاوزت هذه الصفقة جميع استحواذاتها السابقة، بما في ذلك صفقة «موتورولا» التي بلغت قيمتها 12.5 مليار دولار عام 2012. هذه الخطوة لا تمثل تحولًا استراتيجيًا في سوق الأمن السحابي فحسب، بل تروي أيضًا قصة شركة ناشئة نمت من جذور عسكرية إسرائيلية استطاعت تحويل خبراتها الاستخباراتية إلى أدوات دفاعية مبتكرة. ما يجعل هذا الاستحواذ أكثر إثارة هو تأثيره المحتمل في إعادة تشكيل معادلات القوة بين عمالقة التكنولوجيا، ليضع غوغل في موقف يسمح لها بالمنافسة بشكل أكثر فعالية في عصر يتسم بتطور مستمر في تهديدات الأمن السيبراني، حيث باتت هذه التهديدات جزءًا من معركة أوسع بين التقنيات المتقدمة. * من الجدير قوله في هذا السياق أن “ويز” تأسست عام 2020 على يد أربعة أفراد جمعتهم الخدمة في الوحدة 8200 الاستخباراتية الإسرائيلية، المعروفة بأنها “مصنع النخبة التكنولوجية” التي أنجبت مؤسسي شركات مثل تشيك بوينت وأبيرسك. يقود الفريق عساف رابابورت، الرئيس التنفيذي الذي سبق أن باع شركته الناشئة «أدالوم» لمايكروسوفت مقابل 320 مليون دولار عام 2015، ليعود بعدها برفقة زملائه من الوحدة 81 (وحدة سيبرانية أكثر سرية) إلى الساحة بأداة أمنية ثورية. إنّ هذا الفريق، المكون من عامي لوتواك (الرئيس التقني) وينون كوستيكا (نائب رئيس المنتجات) وروي ريزنيك (نائب رئيس البحث والتطوير)، لم يُبنَ على الخبرة التقنية فحسب، بل على ثقافة عسكرية تُعلي من السرعة والدقة واستباق التهديدات. هذه الروح العسكرية تجسّدت في تصميم منصة “ويز” التي تعمل كمركز قيادة افتراضي، حيث تجمع البيانات من منصات سحابية متنافسة (أمازون، مايكروسوفت، غوغل)، وتفحصها بحثاً عن الثغرات عبر 13 مجالاً أمنياً، بدءاً من أمن التعليمات البرمجية إلى سلاسل التوريد. * على الرغم من تأسيس “ويز” قبل أربع سنوات فقط، فإن ارتفاع تقييمها من مليار دولار في جولة التمويل الأخيرة إلى 12 مليار دولار في 2024، ثم بيعها بـ32 مليار دولار، يُثير أسئلة عن السبب الكامن وراء هذه القيمة الخيالية. إن تحليل عملية الاستحواذ يشير إلى ثلاثة عوامل رئيسية تبرر هذا دفع هذا المبلغ المرتفع: أولاً، لا تقتصر استثمارات ألفابت على التقنية فقط، بل تشمل أيضاً الاستفادة من خبرات عميقة في مجال الأمن السيبراني، القادرة على تطوير أدوات استباقية في سوق معقدة ومتطورة. فخلف شاشات “ويز” يقف فريق من خريجي الوحدات الاستخباراتية الإسرائيلية الذين حولوا خبراتهم العسكرية إلى حلول مبتكرة في هذا المجال. التقارير تشير إلى أن العديد من شركات الأمن السيبراني الكبيرة في إسرائيل تأسست على يد أفراد من هذه الوحدات، مما يعزز قدرة “ويز” على مواكبة التحديات المتزايدة في السوق. ثانياً، ابتكرت “ويز” نموذج عمل متميز من خلال تقديم حلول أمنية متوافقة مع جميع منصات الحوسبة السحابية، مما جعلها خياراً مناسباً للشركات التي تعتمد على بيئات سحابية متعددة، وهو الاتجاه السائد حالياً. ثالثاً، مع تحول الهجمات السيبرانية إلى صراع بين تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على محاكاة الهجمات ودفاعات أخرى عبر الخوارزميات المتقدمة، تتمتع “ويز” بقدرات تحليلية متقدمة تتكامل مع تقنيات غوغل في التعلم الآلي، مثل نموذج Gemini. هذه التقنيات لا تقتصر على توفير دفاعات حيوية ضد التهديدات السيبرانية، بل تدفع السوق إلى مرحلة جديدة من التحولات حيث تصبح الأنظمة الدفاعية أكثر مرونة وتكيفاً، مما يسمح لها بالاستجابة بسرعة للتهديدات المتغيرة بشكل متواصل. فعلى سبيل المثال، بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكن لــ”ويز” أن تقدم حلولاً استباقية متطورة قادرة على تحديد الثغرات الأمنية قبل أن يتم استغلالها، مما يعيد رسم قواعد اللعبة في قطاع الأمن السيبراني * وسط هذه التحولات العميقة، يبرز سؤال جوهري: أين موقع العالم العربي من هذه الصفقات؟ ففي عصر الثورة الصناعية الخامسة، تُعيد القوى التكنولوجية الكبرى رسم موازين القوى، بينما لا يزال العالم العربي يُكافح لتطوير منظومته السيبرانية، التي غالباً ما تعتمد على استيراد الحلول بدلاً من صناعتها. على الرغم من الاستثمارات المتزايدة في التكنولوجيا، مثل مشاريع الحوسبة السحابية في السعودية والإمارات، والاهتمام القطري بالأمن السيبراني، إلا أن المنطقة لا تزال تفتقر إلى شركات تقنية سيبرانية عالمية تستطيع فرض نفسها كلاعب حقيقي في هذه السوق. فبينما تستثمر شركات مثل ألفابت ومايكروسوفت في العقول العسكرية الإسرائيلية، يبقى البحث والتطوير في العالم العربي متأخراً. وإذا لم يتحول الأمن السيبراني إلى أولوية استراتيجية، فسنجد أنفسنا مرة أخرى في موقع المتفرج، نُشاهد الآخرين يصنعون مستقبل الثورة الصناعية الخامسة بينما نبقى مجرد سوق استهلاكية لتقنيات الآخرين. * في الختام، تُجسّد هذه الصفقة إحدى الحقائق الجديدة: في اقتصادٍ رقمي يزداد تعقيداً، لم تعد الهيمنة تُقاس بحجم الخوادم، بل بقدرة الشركات على حماية بيانات العالم. فالأمن السيبراني اليوم لم يعد رفاهية، بل هو “بوليصة تأمين” إلزامية في عصر التهديدات السيبرانية المتطورة، والتي باتت مدعومة بأدوات الذكاء الاصطناعي. والسؤال الذي سيظل مطروحاً: هل تمتلك غوغل القدرة على تحويل هذا الاستحواذ إلى نقطة قوة تدعم سيادتها في الفضاء الرقمي، أم أن الصفقة ستتحوّل إلى فقاعة أخرى في تاريخ التكنولوجيا؟ الإجابة، كما هو الحال في عالم الأمن السيبراني، لن تتضح إلا مع الوقت.

522

| 27 مارس 2025

الجمهورية التكنولوجية.. بين النفوذ الرقمي والقيود السياسية

لطالما مثّل الفضاء السيبراني ساحةً لصراع بين رؤى مثالية تدعو إلى حرية غير مقيدة، وواقع تفرضه المصالح الاقتصادية والأمنية. في عام 1996، جاء "إعلان استقلال الفضاء السيبراني" لجون بيري بارلو ليجسّد هذه المثالية، متصورًا فضاءً رقميًا منفصلًا عن سلطة الحكومات، حيث تنساب الأفكار دون قيود تشريعية. لكن مع تسارع التطور التكنولوجي، لم يبقَ هذا الحلم مثاليًا لفترة طويلة؛ فقد أظهرت التحولات العميقة في علاقة التكنولوجيا بالدولة أن استقلال الفضاء السيبراني ليس سوى وهم اصطدم بتعقيدات الواقع. وبينما كانت شركات التكنولوجيا تُقدَّم يومًا باعتبارها قوى متمردة على السلطة، باتت اليوم لاعبًا رئيسيًا في صياغة السياسات والاستراتيجيات الوطنية، مما يطرح تساؤلات حاسمة حول طبيعة دورها وحدود نفوذها. إعلان بارلو أعلاه استند إلى إرث ثقافة الستينيات المضادة، التي مجّدت الحرية الفردية ورفضت المؤسسات السلطوية، ليصبح لاحقًا ركيزة أساسية لنهج وادي السيليكون، حيث ساد الاعتقاد بأن الابتكار التكنولوجي يجب أن يظل بمنأى عن التدخل الحكومي. غير أن هذه الرؤية المثالية سرعان ما اصطدمت بتعقيدات الواقع، إذ أدى التطور التكنولوجي السريع، والتشابك المتزايد بين المصالح الاقتصادية والأمنية، إلى إضعاف الحدود الفاصلة بين القطاع التكنولوجي والدولة. وكما يوضح كتاب "الجمهورية التكنولوجية: القوة الصلبة، الإيمان الناعم، ومستقبل الغرب" The Technological Republic: Hard Power, Soft Belief, and the Future of the West" للمؤلفين ألكسندر كارب ونيكولاس زاميسكا، فإن الشركات التي كانت يومًا ما تُجسد روح التمرد على السلطة، تحولت تدريجيًا إلى لاعبين أساسيين في صياغة الاستراتيجيات الوطنية، مما أثار تساؤلات جوهرية حول طبيعة علاقتها بالدولة، ومدى التزامها بالمصلحة العامة في مواجهة الحوافز الاقتصادية التي تدفعها نحو التركيز على العوائد قصيرة المدى. يطرح الكتاب الذي صدر مؤخرًا في 320 صفحة عن دار نشر Crown Currency تساؤلًا جوهريًا: هل ضلَّ وادي السيليكون طريقه؟ في رأي المؤلفين، تحولت كبرى شركات التكنولوجيا من قوى دافعة للتغيير إلى كيانات تركز على التطبيقات الاستهلاكية قصيرة المدى، بدلاً من التصدي للتحديات الكبرى التي تواجه المجتمع، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والتفوق التكنولوجي الوطني. هذا التحول، بحسب المؤلفين، لم يكن مجرد خيار اقتصادي، بل هو نتيجة لهيمنة نموذج اقتصادي قائم على تحقيق الأرباح السريعة وتجنب الاستثمارات الطويلة الأجل التي قد تحمل مخاطر سياسية أو مالية. لكن رغم انتقادهما لهذا المسار، لا يدعو المؤلفان إلى تفكيك هذه القوة، بل إلى إعادة توجيهها نحو خدمة المصالح الاستراتيجية للدولة، خاصة في مجالي الدفاع والاستخبارات. لم يكن هذا التحول مجرد تطور طبيعي، بل جاء مدفوعًا بتغيرات سياسية كبرى. في السابق، كانت شركات التكنولوجيا تتجنب التورط في السياسة، لكن مع صعود دونالد ترامب، بدا أن هذه العلاقة تتغير، حيث خضعت كبرى شركات وادي السيليكون - ولو مجازيًا - أمام البيت الأبيض. في هذا السياق، أصبحت شركات مثل "بالانتير تكنولوجيز" لاعبًا رئيسيًا في تقديم حلول تكنولوجية لمؤسسات الدولة، مما يعكس تحول وادي السيليكون من مناهضة السلطة إلى التعاون الوثيق معها. يرى المؤلفان أن هذه الشراكة ليست مجرد ضرورة اقتصادية، بل استراتيجية تهدف إلى ضمان تفوق الغرب في مواجهة القوى المنافسة، مثل الصين، التي تبنت نموذجًا مختلفًا يقوم على التكامل الوثيق بين الدولة والقطاع التكنولوجي. يدافع الكتاب عن فكرة أن التكنولوجيا لم تعد مجرد محرك اقتصادي، بل تحولت إلى عنصر رئيسي في المعادلة الجيوسياسية العالمية. فالولايات المتحدة لم تعد تهيمن على المشهد الرقمي بنفس القدر الذي كانت عليه في بداية الألفية، حيث تمكنت الصين من تطوير نموذجها الخاص عبر دعم شركات مثل "هواوي" و"علي بابا"، مما أوجد تحديًا استراتيجيًا كبيرًا للغرب. في هذا السياق، يدعو المؤلفان إلى تعزيز التعاون بين الحكومة الأمريكية ووادي السيليكون لضمان بقاء الولايات المتحدة في موقع الريادة التكنولوجية. لكن هذا التعاون يطرح تساؤلات معقدة حول دور الدولة في تنظيم الابتكار، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الأمن القومي والحرية الرقمية. رغم أن الكتاب يقدم نقدًا واضحًا لمسار التكنولوجيا في العقود الأخيرة، إلا أنه يقع في تناقض جوهري. فبينما ينتقد المؤلفان نزعة وادي السيليكون إلى المشاريع الاستهلاكية، يعترفان في الوقت نفسه بأن هذا النهج الابتكاري هو ما جعل شركات التكنولوجيا الأمريكية تهيمن عالميًا، حيث بلغت قيمتها السوقية 21.4 تريليون دولار في 2024. هذا يطرح تساؤلات معقدة أيضًا من قبيل: كيف يمكن تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وضمان توجيهه نحو المصالح العامة؟ هل يمكن للحكومة أن تتدخل في سياسات شركات التكنولوجيا دون أن تؤدي إلى تقييد إبداعها أو عرقلة تقدمها؟ لكن السؤال الأهم الذي يطرحه المؤلفان في الكتاب، دون تقديم إجابة واضحة، هو: كيف يمكن للدولة أن تضمن بقاء هذه القوة التكنولوجية خاضعة للمساءلة أمام المجتمع؟ فبينما يدعو المؤلفان إلى تعزيز العلاقة بين الحكومة والشركات التكنولوجية، لا يقدمان تصورًا عمليًا لكيفية تحقيق ذلك دون المساس بروح الابتكار أو تعريض النظام الديمقراطي لخطر هيمنة نخبة رقمية لا تخضع لأي رقابة فعلية. يمكن اعتبار "الجمهورية التكنولوجية" بمثابة بيان لصعود ما يمكن تسميته "المجمع الصناعي التكنولوجي"، حيث لم تعد كبرى شركات وادي السيليكون مجرد قوى اقتصادية، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في صياغة الاستراتيجيات الوطنية. ما كان يُنظر إليه يومًا كرمز للتمرد على السلطة، أصبح الآن جزءًا أساسيًا من بنيتها. السؤال الذي يظل مفتوحًا هو ما إذا كان يمكن لهذا الاندماج أن يحدث دون أن يتحول إلى استغلال سياسي واقتصادي، ودون أن تفقد التكنولوجيا جوهرها كقوة تحررية. في المحصلة، يواجه العالم معضلة متجددة تتمثل في كيفية توظيف التكنولوجيا لتحقيق الأهداف الاستراتيجية دون التفريط بالقيم الديمقراطية والحقوق الفردية. فبينما توفر التطورات التقنية للدول والشركات أدوات غير مسبوقة لتعزيز الأمن وتوسيع النفوذ، فإنها تثير في المقابل مخاوف متزايدة حول الخصوصية، وحرية التعبير، وإعادة تشكيل موازين القوى بين الأفراد والسلطات. ورغم أن الكتاب لا يقدم إجابة حاسمة لهذه الإشكالية، إلا أنه يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقة بين الابتكار والسلطة في العصر الرقمي، حيث يصبح اتخاذ القرارات التكنولوجية أكثر تعقيدًا، ويتطلب توازنًا دقيقًا بين متطلبات الأمن وضرورات الحرية.

561

| 08 مارس 2025

معاوية.. عندما يصبح التاريخ سؤالًا مفتوحًا

أود استسماح القارئ العزيز بخروجي عن نمط المقالات المتخصصة التي تعوّد عليها في هذه الزاوية، لأتناول هذه المرة عملًا دراميًا شدّني منذ حلقاته الأولى، ليس فقط كحكاية تاريخية، بل كمرآة تعكس صراعات ما زالت حاضرة في واقعنا. من الصعوبة بمكان إطلاق الحكم على نجاح أو فشل مسلسل معاوية من أول أربع حلقات. كنت أود الانتظار حتى نهايته حتى أكتب مقالًا مطولًا عنه، لكن ما لفت انتباهي منذ الحلقة الأولى لم يكن معاوية نفسه، بل الشخصيات التي تحيط به، والتي تعكس كيف يعيد التاريخ نفسه بصراعاته المتكررة. عندما نتابع عملًا دراميًا بحجم مسلسل معاوية (والذي تقدر ميزانيته بنحو 100 مليون دولار، ليكون بذلك الأضخم إنتاجيةً في تاريخ الدراما العربية) لا نشاهده فقط كمجرد قصة عن صراع قديم بين شخصيات تاريخية، بل نراه كنافذة على واقعنا. فالدراما التاريخية ليست مجرد استعادة لأحداث مضت، بل محاولة لفهم كيف تتكرر الصراعات، وكيف تتغير الوجوه بينما تبقى الأسئلة الكبرى ذاتها. في كل زمن، يظهر من يشبه معاوية، ومن يشبه عليًّا، ومن يشبه عمر ومن يشبه هند بنت عتبة، تتكرر الصراعات حول الشرعية، والقوة، والمستقبل. هذه ليست مجرد قضايا سياسية، بل تمتد إلى الفكر، والمجتمع، وحتى الدين. كل فكرة جديدة تواجه مقاومة، وكل سلطة ناشئة تحتاج إلى تبرير، وكل مجتمع في طور التغيير يصطدم بمن يتمسكون بالماضي ويرفضون الاعتراف بالمستقبل. لا أخفيكم أن أكثر ما شدّني في المسلسل لم يكن معاوية وحده، بل شخصية والدته هند بنت عتبة، التي لم تكن مجرد شخصية ثانوية، بل تجسيد للتحولات العميقة التي تصنع التاريخ. قبل الإسلام، كانت واحدة من أشد المعارضين للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم ليس فقط لدوافع دينية، بل لأن الإسلام قلب النظام الاجتماعي الذي كانت تعرفه. كان بالنسبة لها تهديدًا لمكانتها، ولمجتمعها، وحتى لعائلتها، إذ فقدت أقاربها في معاركه، بينما ابنة زوجها رملة باتت في معسكر النبي، متزوجة منه. ويبدو أن القصة الأكثر إثارة للجدل لم تكن في عداء هند، بل في تحولها لاحقًا إلى الإسلام. كيف يمكن لإنسان أن ينتقل من كراهية عميقة إلى القبول؟ هل هو الإيمان، أم الضرورة السياسية، أم لعبة البقاء؟ هذه ليست مجرد أسئلة عن هند بنت عتبة، بل عن كل الذين شهدوا تحولات فكرية حادة، سواء في التاريخ أو في حاضرنا. هل نحن فعلاً مختلفون عنهم؟ ما يفعله مسلسل مثل معاوية هو أنه يجبرنا على مواجهة الأسئلة التي نفضّل الهروب منها: كيف تُصنع السلطة؟ هل تأتي بالشرعية، أم بالقوة، أم بالمزيج بينهما؟ وهل يمكن أن يظل الإنسان متمسكًا بمبادئه مهما تغيرت الظروف، أم أن التكيف مع الواقع جزء من البقاء؟. هل التاريخ منصف في تصوير الشخصيات، أم أن كل شخصية تاريخية هي انعكاس للرؤية التي كتب بها المنتصرون القصة؟ هذه الأسئلة ليست مجرد نظريات عن الماضي، بل هي جزء من واقعنا اليوم. عندما ننظر حولنا، نجد أن الصراعات السياسية والاجتماعية لا تزال قائمة بنفس أنماطها القديمة، فقط تغيرت الأسماء والوسائل. منذ سنوات، أصبحت الدراما التاريخية إما سطحية أو مُسيسة، تُستخدم لتبرير مواقف معاصرة أكثر من كونها محاولة لفهم التاريخ. لكن الأعمال الجادة، مثل معاوية (بغض النظر عن الجدل حوله)، تحاول أن تعيد للدراما دورها الحقيقي: أن تكون ساحة للنقاش، وطرح الأسئلة، ودفع المشاهد إلى التفكير. ربما لا نبحث في هذه الأعمال - يا رعاكم الله- عن إجابات جاهزة، بل عن رحلة تجعلنا نعيد النظر في مسلّماتنا، وتكشف لنا أننا لسنا ببعيدين عن أولئك الذين نعتقد أننا تجاوزناهم. فالتاريخ ليس مجرد قصة حدثت في الماضي، بل هو الحاضر الذي نعيشه، والمستقبل الذي لم يأتِ بعد.. ربما.

582

| 05 مارس 2025

مشهد الأمن السيبراني 2025: ما التحديات والاتجاهات القادمة؟

لم يعد الأمن السيبراني مجرد مسألة تقنية تهتم بها أقسام تكنولوجيا المعلومات في المؤسسات والجامعات، بل أصبح قضية إستراتيجية تمس الأمن القومي، والاستقرار الاقتصادي، والتوازن الجيوسياسي العالمي. فمع تصاعد الاعتماد على التقنيات الرقمية، تزايدت أيضًا التهديدات التي تستهدف الفضاء السيبراني، وأصبحت الهجمات السيبرانية جزءًا من أدوات النفوذ بين الدول، ومنظومة الابتزاز الاقتصادي، وحتى وسائل زعزعة استقرار المجتمعات. فمسألة «الأمن السيبراني» اليوم، لم تعد تدور حول مجرد حماية البيانات أو منع الاختراقات، بل أصبحت معركة مفتوحة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، حيث باتت البنية التحتية الرقمية للدول والشركات الكبرى ميدانًا للصراع بين الفاعلين التقليديين والجدد، سواء كانوا دولًا، أو جماعات إجرامية منظمة، أو حتى أفرادًا يمتلكون الأدوات التكنولوجية المتاحة لاستغلال الثغرات السيبرانية. وما يزيد الأمر تعقيدًا، أن الفجوة بين القدرات الدفاعية والقدرات الهجومية في الفضاء السيبراني تتسع باستمرار، مما يجعل الهجمات أكثر تطورًا وأصعب من حيث الاكتشاف والاحتواء. في هذا السياق، جاء تقرير «آفاق الأمن السيبراني العالمي 2025» الذي أعدّه المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع «أكسنتشر»، ليكشف عن واقع شديد التعقيد، حيث تتداخل التوترات الجيوسياسية مع التطورات التكنولوجية، وتتفاقم الفجوات بين المؤسسات الكبيرة والصغيرة، بينما تتنامى الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في ظل مشهد تنظيمي غير متناسق يزيد من صعوبة التصدي لهذه التحديات. التقرير لا يكتفي بعرض المخاطر، بل يسلط الضوء على الاتجاهات المستقبلية التي ستعيد تشكيل إستراتيجيات الأمن السيبراني، ويقدم رؤية متعمقة حول كيفية تكيّف المؤسسات والدول مع هذا الواقع المتغير. إن أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن السيبراني اليوم هو اتساع الفجوة بين المؤسسات الكبيرة والصغيرة في القدرة على الصمود أمام الهجمات السيبرانية. فبينما تمتلك الشركات الكبرى موارد مالية وتقنية متقدمة تتيح لها تعزيز دفاعاتها السيبرانية، تفتقر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى الإمكانيات اللازمة لمواكبة هذا التصاعد في التهديدات، ما يجعلها نقاط ضعف تُستغل لضرب سلاسل التوريد بأكملها. وتشير الإحصاءات إلى أن 35 % من المؤسسات الصغيرة ترى أن قدرتها على التصدي للهجمات السيبرانية غير كافية، وهو ما يعكس اتساع هذه الفجوة مقارنة بالسنوات السابقة. وفقًا لتقديرات شركة Market and Market المتخصصة في بحوث السوق، فقد بلغ حجم صناعة الأمن السيبراني عالميًا نحو 190.5 مليار دولار في عام 2023. وتشير بيانات The Business Research Company إلى أن الإنفاق على الأمن السيبراني ارتفع إلى 243.15 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 267 مليار دولار بنهاية عام 2025. يعكس هذا النمو المتسارع تصاعد التهديدات السيبرانية وزيادة الوعي بأهمية الأمن السيبراني، مما يدفع الحكومات والشركات إلى تكثيف استثماراتها في هذا المجال لحماية بنيتها التحتية الرقمية وضمان استمرارية أعمالها في بيئة رقمية متزايدة التعقيد. تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي سلّط الضوء أيضًا على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل مشهد الأمن السيبراني، حيث بات يشكل تحديًا مزدوجًا، يجمع بين كونه أداة لتعزيز الدفاعات السيبرانية وسلاحًا قويًا بيد المهاجمين. فمع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت الهجمات أكثر تعقيدًا ودقة، لا سيما في مجالات التصيّد الاحتيالي والهندسة الاجتماعية، التي تعتمد على تقنيات التزييف العميق لخداع الأفراد ودفعهم إلى الكشف عن معلومات حساسة. ووفقًا للتقرير، فإن 72 % من المؤسسات شهدت تصاعدًا في الهجمات السيبرانية، حيث تواصل هجمات الفدية (Ransomware) تصدُّر قائمة التهديدات، مستفيدة من القدرات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب التسلل والاختراق، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيدًا ويعزز الحاجة إلى إستراتيجيات دفاعية أكثر تطورًا. على صعيد آخر، فإن التوترات الجيوسياسية تلعب اليوم دورًا رئيسًا في إعادة تشكيل خريطة التهديدات السيبرانية. فمع تصاعد المواجهات بين القوى الكبرى، أصبح الأمن السيبراني ساحة مواجهة غير تقليدية، حيث تستخدم الدول الهجمات السيبرانية كأدوات للتجسس، أو لتعطيل البنية التحتية الحيوية، أو حتى للتأثير على اقتصادات الخصوم. وقد أشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 60 % من المؤسسات اضطرت إلى تعديل إستراتيجياتها السيبرانية بسبب تصاعد هذه التوترات، حيث أصبح التركيز ينصب بشكل متزايد على بناء إستراتيجيات دفاعية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع بيئة غير مستقرة. أمام هذا المشهد المعقد، يبرز التساؤل: أين العرب من كل ما تقدم؟ رغم التحديات الكبيرة التي تواجه العالم العربي في مجال الأمن السيبراني، ثمة بارقة أمل، فقد نجحت العديد من الدول العربية وخاصة الخليجية في ترسيخ موقعها كلاعب محوري في هذه المعادلة واحتلت مراكز متقدمة في التصنيفات الدولية، مستفيدة من استثماراتها الضخمة في تطوير بنيتها التحتية الرقمية وتعزيز أنظمتها الأمنية. وإدراكًا منها بأن الأمن السيبراني لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل أضحى جزءًا لا يتجزأ من إستراتيجياتها الوطنية لحماية المصالح الاقتصادية والسيادية، عملت هذه الدول على بناء قدرات دفاعية متقدمة، والتكيف مع التهديدات المتغيرة. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر في القدرة على تطوير منظومات أمنية ديناميكية، تستجيب للتحولات السريعة في الفضاء السيبراني، الذي بات ساحة للصراعات تتجاوز الأبعاد التقنية إلى اعتبارات سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية.

765

| 25 فبراير 2025

حين أراد ترامب إحراج الأردن

عندما حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استدراج الأردن إلى موقف مُحرج، واجهه الملك عبدالله الثاني بدبلوماسية هادئة لكنها حاسمة، مُحبطًا محاولات البيت الأبيض لانتزاع موقف يمكن استغلاله لاحقًا. الجميع يعرف أن هذه الزيارة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي عابر، وهذا أمر يدركه أي متابع بسيط للسياسة والعلاقات الدولية، ولا يحتاج إلى خبراء لفهمه؛ بل كانت اختبارًا شديد التعقيد في ظل إدارة تتعامل مع السياسة بمنطق الصفقات العقارية، حيث تُدار الأمور بالمساومات والضغوط. ومن هنا، فإن قراءة دقيقة لما جرى تكشف عن إدارة حذقة للموقف، نجحت في تفادي الفخاخ دون تقديم أي تنازلات جوهرية. ما أُفصح عنه لاحقًا من داخل البيت الأبيض، لم يكن هناك مؤتمر صحفي مجدول بعد لقاء الملك بترامب. كان الاجتماع مغلقًا، لكن فجأة، ودون سابق إنذار – وهو أسلوب ترامب المعتاد – تم استدعاء الصحفيين. كانت الخطوة محسوبة بدقة؛ فمن يدير السياسة كصفقة عقارية يعلم أن الضغط العلني قد يكون أكثر فاعلية من النقاشات المغلقة. ترامب، بحدسه التفاوضي، سعى إلى دفع الملك الأردني إلى زاوية ضيقة، وإجباره على الإدلاء بتصريح علني حول مسألة حساسة: تهجير الفلسطينيين. أراد الرئيس الأمريكي أن يخلق التزامًا لفظيًا، يمكن لاحقًا استخدامه كضوء أخضر لمخططات لم يُفصح عنها رسميًا بعد. الأردن لطالما كان واضحًا في رفضه لأي مخططات تهجير، لكن التعامل مع إدارة ترامب يختلف عن أي إدارة أمريكية أخرى. نحن أمام رئيس يرى العلاقات الدولية بعيون الصفقات التجارية والعقارية، الربح والخسارة، لا يتردد في استخدام التهديدات الاقتصادية والدبلوماسية لفرض إرادته. وبالتالي، فإن المواجهة المباشرة لم تكن خيارًا حكيمًا، لأن أي “لا” قاطعة كان يمكن أن تتحول إلى ضغوط جديدة على الأردن. لكن الملك عبدالله لم يقع في الفخ، ولم يمنح ترامب ما كان يسعى إليه. بدلاً من ذلك، اختار استراتيجية المناورة الذكية. عندما واجه أسئلة حول التهجير، لم يرفض صراحةً، لكنه حوّل القضية إلى قرار عربي مشترك، مشيرًا إلى أن هناك خطة مصرية-عربية سيتم تقديمها. بهذه الخطوة، نقل القضية من “قرار فردي” إلى “موقف جماعي”، مُصعّبًا على ترامب استهداف الأردن منفردًا. وفي مواجهة الإلحاح الإعلامي، قدّم الملك إجابة غير متوقعة: بدلاً من الحديث عن التهجير، ركّز على استقبال الأردن لـ2000 طفل فلسطيني للعلاج، مُحوّلاً القضية من زاوية “الحل السياسي” إلى زاوية “المسؤولية الإنسانية”، مما أفقد ترامب القدرة على استثمار الموقف لصالح أجندته. صحيح أن الملك لم يكن مرتاحًا في المؤتمر الصحفي. لغة جسده كانت حاسمة، أظهرت رفضًا واضحًا دون الحاجة إلى كلمات مباشرة. في المقابل، بدا ترامب محبطًا، وهو مؤشر على أن خطته لم تؤتِ ثمارها. لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. بعد اللقاء، قامت بعض وسائل الإعلام الأمريكية، وعلى رأسها نيويورك تايمز، بتحريف تصريحات الملك، موحيةً بأنه مستعد لمناقشة آليات التهجير. اللافت أن الفيديو الرسمي للمؤتمر لم يتضمن السؤال أو الإجابة، مما يثير تساؤلات حول وجود حملة إعلامية موجهة لتصوير الأردن في موقف متراخٍ تجاه هذه القضية الحساسة. على المستوى الاستراتيجي، يدرك الأردن أنه ليس في موقع يسمح له بمواجهة واشنطن مباشرة، لكنه في الوقت نفسه يملك أدوات دبلوماسية تمنحه مساحة للمناورة. أبرز هذه الأدوات هو التحرك العربي المشترك، وهو ما أكده الملك خلال اللقاء، في رسالة واضحة مفادها: أي حل يجب أن يكون عربيًا، وليس صفقة منفردة يُمليها البيت الأبيض. رغم الضغوط، خرج الأردن من اللقاء دون تقديم أي تنازل جوهري. لم يوافق الملك على التهجير، ولم يمنح ترامب التصريحات التي كان يسعى إليها. لكنه أيضًا لم يصعّد المواجهة، بل فضّل اللعب وفق قواعد الدبلوماسية الصامتة، حيث تُدار المعارك بالتصريحات المرنة، لا بالمواقف الصدامية. الضغوط الأمريكية لن تتوقف، هذا أمر محسوم. التحدي الحقيقي للأردن سيكون في كيفية إدارة هذه الضغوط خلال الأشهر المقبلة، دون خسارة موقفه الثابت، ودون الدخول في مواجهة قد تكون مكلفة. قد ينتقد البعض عدم استخدام الملك لهجة أكثر صرامة في رفض التهجير، وهو رأي مطروح، لكن السياسة لا تُدار بالشعارات الحماسية، بل بحسابات دقيقة ونتائج ملموسة. والنتيجة هنا واضحة: ترامب خرج من الاجتماع دون أن ينتزع أي تنازل، بينما حافظ الأردن على موقفه بثبات ودون خسائر. إن التعامل مع إدارة ترامب لا يحتاج فقط إلى رفض مباشر، بل إلى بناء استراتيجية متماسكة، تعيد صياغة المشهد وفق المصالح العربية، لا وفق رؤية رئيس أمريكي يرى السياسة كسوق مفتوح للمساومات. الملك عبدالله لم يربح المواجهة بالصدام، بل بتكتيك سياسي منع واشنطن من فرض رؤيتها، دون أن يمنحها فرصة لتصعيد قد يكون مكلفًا. الرهان الآن لا يقتصر على موقف الأردن، بل يمتد إلى قدرة الدول العربية – وخاصة مصر – على تبني موقف مشترك يحبط أي محاولات لإعادة رسم خريطة المنطقة وفق الرؤية الأمريكية. لأن المعركة الحقيقية لا تُحسم في التصريحات الإعلامية، بل في التوازنات السياسية، حيث لا تُحسب المكاسب بالكلمات والخطابات، بل بالنتائج الملموسة.

762

| 13 فبراير 2025

تصريحات ترامب عن تهجير الفلسطينيين ونظرية «تصنيع القبول»!

تُعتبر نظرية “تصنيع القبول» أو ما تسمى بالإنجليزية ‏Manufacturing Consent التي طورها الباحثان نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، من أبرز الأطر الفكرية التي تشرح كيفية تأثير وسائل الإعلام الكبرى على تشكيل الوعي العام. وفقًا لهذه النظرية، لا تعمل وسائل الإعلام كجهات مستقلة تروج للحقيقة، بل هي أدوات في يد النخب السياسية والاقتصادية، التي تستخدم الإعلام لخدمة مصالحها الخاصة. ويتم ذلك عبر مجموعة من الآليات مثل التصفية (أي استبعاد بعض المعلومات أو الأخبار)، التركيز على قضايا معينة، إهمال قضايا أخرى، بالإضافة إلى تكرار الرسائل حتى تصبح مقبولة على نطاق واسع وتُعتبر “حقيقة” عامة، حتى وإن كانت هذه الحقائق مشوهة أو جزئية. من بين الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها هذه الإستراتيجية هو التكرار المستمر لفكرة أو سردية معينة بما يجعلها مألوفة في ذهن الجمهور أو المتلقي، ويقلل من قدرتهم على النقد أو الرفض. هذا المبدأ يتماشى مع “تأثير التعرض المتكرر” في علم النفس، حيث تشير الدراسات إلى أن الناس يميلون إلى تفضيل المعلومات التي يتعرضون لها بشكل متكرر، حتى وإن كانت هذه المعلومات غير مقنعة لهم في البداية. ببساطة، يصبح الجمهور أكثر تقبلًا للأفكار والأخبار عندما يتعرض لها مرارًا وتكرارًا. لكن تأثير التكرار لا يتوقف عند هذا الحد. إقصاء الأصوات البديلة يعتبر جزءًا آخر من الإستراتيجية، حيث يتم إبعاد أو تهميش وجهات النظر المعارضة أو غير المتوافقة مع السرد السائد. هذا يقود إلى توجيه النقاش ضمن نطاقات محددة، مما يحد من تنوع الأفكار ويضمن أن الجمهور يتلقى الرواية التي تروج لها النخب. لا تقتصر هذه الروايات على كونها منحازة، بل تُقدّم أحيانًا على أنها محايدة أو موضوعية، مما يعزز من مصداقيتها في أعين المتلقين رغم انحيازها الواضح. * إذن، إن التكرار ليس العنصر الوحيد في “تصنيع القبول”، بل هو يعمل جنبًا إلى جنب مع أدوات أخرى مثل الإطار الإعلامي (التوجهات الإعلامية التي تحدد كيفية تقديم الأخبار)، والتصفية (الاستبعاد الانتقائي للمعلومات)، والتحكم في الأولويات (تحديد ما هو مهم وما يجب أن يُنسى). كما يتم اختيار المصادر بعناية لتدعيم السرد المهيمن، مما يضمن أن الرؤية السياسية أو الاقتصادية التي تسعى النخب لترسيخها تصل إلى الجمهور بأكبر قدر من الفعالية. تأسيسًا على ما سبق؛ يمكن ربط نظرية “تصنيع القبول” بتكرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفكرة تهجير الفلسطينيين من غزة، فوفقًا لهذه النظرية، تعمل وسائل الإعلام والنخب السياسية المؤثرة على تشكيل الرأي العام من خلال تكرار رسائل وأفكار معينة حتى تصبح مقبولة في أذهان الجمهور، حتى وإن كانت هذه الرسائل مرفوضة أو مشوهة في البداية. * في حالة ترامب، تكراره المستمر لفكرة التهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر والأردن، على الرغم من الرفض الصارخ لها من الدول العربية والمجتمع الدولي، يعكس استخدامه لأداة التكرار التي يتبناها مروجون للخطاب السياسي في إطار “تصنيع القبول”. عندما يكرر ترامب هذه الفكرة مرارًا، يتسلل هذا المضمون إلى الوعي العام، مما يقلل من حدة الرفض المبدئي لها. التكرار في الخطابات أو التصريحات العامة يعمل على تخفيف ردود الفعل العاطفية تجاه الفكرة، مما يجعلها أقل صدمة وأكثر قبولًا بمرور الوقت، حتى لو كانت مرفوضة في البداية من معظم الأطراف المعنية… * ختامًا، الحذر الحذر من هذه النظرية، فهي ليست مجرد آلية لتشكيل الرأي العام، بل هي إستراتيجية قد تؤدي إلى تغييب الحقائق وتشويه الوعي الجمعي. يجب أن نكون يقظين في مواجهة التكرار الإعلامي الموجه والتأطير الانتقائي للمعلومات، لأن ما يبدو كحقيقة مقبولة قد يكون مجرد بناء فني لخدمة مصالح معينة. لذا، علينا أن نتبنى التفكير النقدي، وأن نبحث عن مصادر متنوعة ومتوازنة كي لا نكون مجرد مستهلكين غير واعين لما يُصنع لنا من أفكار ومشاريع. فثمة من يحاول تشكيل الوعي العام وتوجيهه نحو قبول فكرة مرفوضة في جوهرها، فكل ما يريده ترامب الذي يفكر بمنطق «المقاول» هو تحويل «التهجير الفلسطيني» من فكرة مثيرة للجدل إلى جزء من النقاش العام الذي يصبح أقل استثنائيًا مع مرور الوقت. وبذلك، قد يصبح الجمهور أكثر تقبلًا لها، خاصة إذا تم إقصاء الأصوات المعارضة أو توجيه النقاش نحو أولويات أخرى، مثل الأمن الإقليمي أو الاستقرار، وهو ما يجعل الفكرة تبدو كحل ممكن أو منطقي. * نظرية “تصنيع القبول” توضح كيف يمكن أن يُحَوَّل السرد المتكرر إلى حقيقة مقبولة على الرغم من الرفض الأولي، وهو ما ينطبق بشكل مباشر على تكرار ترامب لفكرة تهجير الفلسطينيين. لذا، ينبغي توخي أعلى درجات الحذر من تأثير هذا التكرار على تشكيل القبول العام للأفكار والمواقف، خاصة عندما يتم تقديمها بشكل مدروس يهدف إلى تغيير التصورات العامة حول قضايا حساسة مثل القضية الفلسطينية.

711

| 07 فبراير 2025

"ديب سيك" الاختراق الصيني الذي يهدد هيمنة وادي السيليكون

حققت الصين اختراقاً كبيراً في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال تطبيق "ديب سيك" (DeepSeek)، الذي أصبح الأعلى تصنيفاً على متجر أبل في الولايات المتحدة، في خطوة تعكس تسارع وتيرة التطور التكنولوجي الصيني وتنامي قدرتها على منافسة الشركات الأمريكية العملاقة. لم يكن هذا الإنجاز مجرد قفزة تقنية، بل مثل تحدياً مباشراً للهيمنة الأمريكية على قطاع الذكاء الاصطناعي، لا سيما أنه تحقق في ظل قيود أمريكية صارمة على تصدير الرقائق المتقدمة للصين. اللافت أن هذا الإنجاز تم تحقيقه بميزانية لم تتجاوز 6 ملايين دولار، وهو مبلغ متواضع مقارنةً بالاستثمارات الضخمة التي تضخها الشركات الأمريكية الكبرى، مثل "أوبن إيه آي" و"غوغل ديب مايند"، التي تنفق مليارات الدولارات على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة. هذا التفاوت في الموارد يكشف عن قدرة الشركات الصينية على التكيف مع التحديات التقنية واستغلال الموارد المتاحة بكفاءة، وهو ما يعكس استراتيجية الابتكار القائمة على تحقيق أقصى استفادة من الإمكانيات المتوفرة، بدلًا من الاعتماد المطلق على التقنيات المتقدمة والميزانيات الضخمة. نجاح "ديب سيك" لم يكن مجرد انتصار تقني، بل كان له تأثير اقتصادي ملموس، إذ أثار قلق المستثمرين الأمريكيين وأدى إلى خسائر ضخمة لشركات التكنولوجيا الكبرى. على سبيل المثال، تراجعت القيمة السوقية لشركة "إنفيديا" بمقدار 593 مليار دولار، وهو ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لدول مثل السويد أو بلجيكا، في مؤشر على أن المنافسة الصينية بدأت تؤثر بشكل جوهري في توازنات سوق التكنولوجيا العالمية. الاستجابة الأمريكية لهذا التطور لم تتأخر، حيث وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا النجاح الصيني بأنه "جرس إنذار" للشركات الأمريكية في وادي السيليكون، محذرًا من أن استمرار الهيمنة الصينية على تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يشكل تهديدًا للريادة الأمريكية بمجال الذكاء الاصطناعي. لا شك أن هذا التصريح يعكس إدراك صناع القرار في الولايات المتحدة أن القيود المفروضة على الصين لم تؤتِ ثمارها كما كان متوقعًا، بل ربما دفعت الشركات الصينية إلى تطوير حلول مبتكرة تتجاوز هذه القيود. يعكس هذا المشهد تحولًا استراتيجيًا في التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، حيث لم تعد التفوق التقني أو ضخامة الميزانية المحددان الرئيسيان للنجاح، بل أصبح الذكاء في توظيف الموارد والقدرة على الابتكار عوامل أكثر تأثيرًا. وبالنظر إلى سرعة التقدم الصيني، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تستطيع الشركات الأمريكية مواكبة هذا التحدي دون إعادة النظر في استراتيجياتها التقليدية؟ أم أن نموذج الابتكار الصيني القائم على الفعالية والكفاءة سيعيد رسم ملامح المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي عالميًا؟ في ظل هذا السياق، يبقى القول بإن نجاح "ديب سيك" قد يكون مجرد بداية لسلسلة من الابتكارات الصينية التي قد تغير موازين القوى في وادي السيليكون، مما يفرض على الولايات المتحدة إعادة تقييم استراتيجياتها في دعم البحث والتطوير، ووضع سياسات أكثر تكيفًا مع المشهد التكنولوجي المتغير. وإذا استمر هذا الزخم الصيني، فقد نشهد في المستقبل القريب تحولًا جذريًا في مركز الثقل التكنولوجي العالمي، وهو ما يضع مستقبل الهيمنة الأمريكية على هذا القطاع أمام اختبار حقيقي. تأسيسًا على ما سبق؛ لا يمكن اليوم اختزال الذكاء الاصطناعي في كونه مجرد أداة تقنية، فالتحدي الحقيقي يكمن في كيفية تسخير هذه الثورة التكنولوجية لتحقيق التقدم دون المساس بالأسس التي تقوم عليها المجتمعات. فالتساؤل لا يقتصر على المخاطر والفرص، بل يمتد إلى موقع الدول العربية ضمن هذه التحولات: هل ستكون هذه الدول قادرة على تجاوز دور المستهلك لتصبح طرفًا فاعلًا في تطوير الذكاء الاصطناعي؟ أم أن الفجوة الرقمية ستتسع، مما يعمّق التبعية التقنية ويحدّ من تأثيرها في صياغة مستقبل هذه التكنولوجيا؟ الإجابة عن هذه الأسئلة لن تحدد فقط شكل النظام التكنولوجي العالمي، بل ستعكس أيضًا مدى قدرة العرب على حجز موقع مؤثر في خريطة الابتكار الرقمي. ختامًا، في ظل القدرات التحويلية الهائلة للذكاء الاصطناعي، ستتمكن الدول التي تتقن الابتكار، وتعزز تكاملها الرقمي، وتستثمر بفاعلية في تقنيات ما بات يسمى بــ"الذكاء الاصطناعي الطليعي"، من تحقيق مكاسب استراتيجية بعيدة المدى، إذ لا تقتصر هذه المكاسب على العوائد الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى مجالات الأمن والدفاع والسياسة، حيث يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على إعادة رسم موازين القوى وإحداث تحولات جوهرية في المشهدين الإقليمي والدولي، مما يجعل الاستثمار فيه ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار تكنولوجي. • متخصص في السياسة السيبرانية

531

| 02 فبراير 2025

السيادة السيبرانية.. تحديات الأمن الوطني في عالم بلا حدود

تمثّل السيادة الرقمية اليوم تحديًا معقدًا للدول في عصر الثورة الرقمية، حيث بات الفضاء السيبراني ميدانًا جديدًا للتنافس بين الفاعلين الدوليين وغير الدوليين. الحدود السيبرانية، رغم كونها غير مرئية، أصبحت عاملًا جوهريًا في رسم ملامح الأمن الوطني، ما أثار تساؤلات عميقة حول قدرة الدول على حماية بنيتها التحتية الرقمية وبيانات مواطنيها، ومدى توافق هذا السعي مع الطبيعة المفتوحة والمترابطة للفضاء السيبراني. * ففي عالم يتسم بسرعة التغيرات التكنولوجية، استطاع الفضاء السيبراني أن يعيد تعريف مفاهيم الجغرافيا والسيادة. هذا الفضاء غير الملموس يجعل الحدود الجغرافية تبدو هشة وعرضة للاختراق من جهات يصعب تحديدها أو تتبعها، سواء كانت مدعومة من دول أو منظمات غير حكومية. في ظل هذه التحديات، تسعى العديد من الدول إلى ترسيم حدود سيبرانية تتوازى مع حدودها الجغرافية، بغية حماية مصالحها السيادية وتأمين خصوصية مواطنيها. ومع ذلك، فإن هذه المحاولات تصطدم بطبيعة الفضاء السيبراني الذي يتجاوز الحدود التقليدية، ما يجعل السيادة فيه أكثر تعقيدًا. * لقد أصبحت الهجمات السيبرانية واحدة من أخطر التهديدات التي تواجه الدول. في هذا السياق، لا تقتصر التهديدات على سرقة المعلومات أو تعطيل الأنظمة، بل تمتد إلى التأثير على البنى التحتية الحيوية مثل شبكات الكهرباء، أنظمة الطيران، والمصارف، مما قد يؤدي إلى شلل كامل في الحياة اليومية. ومع بروز الشركات التكنولوجية العملاقة التي تمتلك سيطرة هائلة على تدفق البيانات والمعلومات، أصبحت الدول تجد نفسها أمام تحديات جديدة تتعلق بفقدان السيطرة على فضائها السيبراني لصالح هذه الشركات. * إن تجارب دول مثل الصين وإيران تقدم نماذج لسياسات تهدف إلى تعزيز السيادة السيبرانية. الصين، من خلال “الجدار الناري العظيم”، سعت إلى فرض سيطرة كاملة على الإنترنت داخل حدودها، ليس فقط لحماية بنيتها التحتية الرقمية، ولكن أيضًا للتحكم في تدفق المعلومات وحماية مصالحها الإستراتيجية. إيران، من جهتها، استثمرت موارد هائلة لإنشاء شبكة إنترنت وطنية بهدف تقليل الاعتماد على الشبكة العالمية وحماية بياناتها من التهديدات الخارجية. ومع ذلك، فإن هذه السياسات أثارت مخاوف بشأن انتهاك الحريات الفردية، حيث قد تُستخدم كأدوات للرقابة والسيطرة السياسية. * فغياب الحدود التقليدية في الفضاء السيبراني يجعل من الصعب على الدول تطبيق قوانينها الوطنية، ما يخلق بيئة ملائمة للجرائم السيبرانية. ومع ذلك، فإن سعي الدول إلى رسم حدود سيبرانية يُظهر تحولًا نحو تعزيز دور الدولة الوطنية في الفضاء الرقمي، حيث تُعد الحوكمة الرقمية وسيلة لضمان أمن البيانات وتدفق المعلومات بشكل آمن. في المقابل، يثير هذا النهج تساؤلات حول تأثيره على الحريات الفردية وحقوق الإنسان في ظل تصاعد المخاوف من استغلاله لأغراض سلطوية. * التطورات التكنولوجية، مثل شبكات الكابلات البحرية التي تدعم الإنترنت العالمي، باتت تعكس التفاوت الكبير بين الدول المتقدمة والنامية في القدرة على التحكم بالموارد السيبرانية. هذا التفاوت يُبرز أهمية التعاون الدولي لتطوير بنية تحتية رقمية أكثر شمولًا وعدالة. ومع ذلك، فإن الطبيعة العابرة للحدود للفضاء السيبراني تتطلب من الدول صياغة سياسات تتوازن بين حماية أمنها السيبراني والحفاظ على انفتاح الإنترنت كوسيلة للتواصل والتبادل المعرفي. لقد بات واضحًا أن السيادة الرقمية لم تعد مجرد مسألة تقنية أو أمنية، بل هي قضية سياسية وإستراتيجية تعكس التنافس على النفوذ في النظام العالمي الجديد. وبينما تسعى الدول إلى استعادة السيطرة على فضائها السيبراني، فإنها تواجه تحديات هائلة تتعلق بالتوفيق بين مصالحها الأمنية وضرورة الحفاظ على الحريات الفردية. في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا حول كيفية تحقيق هذا التوازن، وما إذا كانت السيادة السيبرانية ستكون عاملًا لتعزيز الأمن والاستقرار، أم أنها ستصبح أداة لتقييد الحريات وتعزيز السلطوية.

726

| 17 يناير 2025

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في 2025.. أين يقف العالم العربي؟

شهد الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة تحولاً غير مسبوق مع صعود شركات التكنولوجيا الكبرى إلى قمة المشهد الاقتصادي، حيث أصبحت هذه الشركات محركاً رئيسياً للابتكار وقوة مهيمنة تعيد تشكيل الأسواق وخيارات المستهلكين. مع نهاية عام 2024، تجاوزت القيمة السوقية المجمعة لأكبر عشر شركات تكنولوجيا 20 تريليون دولار، وهو ما يعكس الهيمنة المتزايدة لهذه الشركات على الاقتصاد العالمي. هذه الهيمنة تتجلى في تأثيرها الكبير على حركة الأسواق المالية وصنع القرارات الاستثمارية العالمية، حيث أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية في صلب هذا التحول. * الذكاء الاصطناعي، الذي كان قبل عقود مجرد فكرة نظرية، أصبح اليوم القوة الدافعة وراء هذه الثورة التقنية. تعتمد الشركات الكبرى مثل “إنفيديا” و”أبل” و”مايكروسوفت” على الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة وتعزيز الابتكار في منتجاتها وخدماتها. شركة “إنفيديا”، على سبيل المثال، شهدت نمواً في إيراداتها بنسبة 126 % خلال عام واحد، مدفوعة بالطلب المتزايد على معالجاتها المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي . * وفي الأفق، تبدو الحوسبة الكمومية كالثورة التقنية المقبلة (من المتوقع أن تصل قيمتها السوقية إلى 4375 مليون دولار بحلول عام 2028)، حيث تعتمد هذه الحوسبة على مبادئ الفيزياء الكمومية لمعالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة تفوق بكثير إمكانيات الحوسبة التقليدية. * البيانات الضخمة تعد العمود الفقري لهذه التحولات (من المتوقع أن تبلغ قيمة سوق البيانات الضخمة العالمية نحو 400 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030) إذ تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية لتحليل السلوكيات واتخاذ القرارات بشكل أسرع وأكثر دقة. هذا الاعتماد المتزايد على البيانات أدى إلى تغييرات جذرية في طريقة عمل الشركات، لكنه أثار أيضاً مخاوف حول الخصوصية وأخلاقيات استخدام هذه البيانات، خاصة مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي ظل هذه التغيرات، تظهر تحديات جديدة تتعلق بتركيز القوة الاقتصادية في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى، ما قد يؤدي إلى نشوء فقاعات اقتصادية أو تأثيرات سلبية على سوق العمل. * وعلى النقيض من هذا السباق العالمي المحموم، يبدو العالم العربي متأخراً في مواكبة هذه الثورة التقنية. رغم أن بعض الدول العربية خاصة الخليجية منها بدأت في تبني استراتيجيات طموحة لتطوير الذكاء الاصطناعي ودمجه في خططها الاقتصادية، إلا أن معظم الدول الأخرى لا تزال تعاني من ضعف في البنية التحتية التكنولوجية، وانخفاض الإنفاق على البحث العلمي، الذي لا يتجاوز في كثير من الأحيان 1 % من الناتج المحلي الإجمالي. كما أن نقص الكفاءات المؤهلة وعدم وجود رؤية واضحة للاستثمار في التقنيات المستقبلية يزيدان من صعوبة اللحاق بالركب العالمي. * ومع ذلك، يمتلك العالم العربي إمكانيات كبيرة إذا تم استغلالها بالشكل الصحيح. كما يمكن للدول العربية أن تستفيد من بناء شراكات استراتيجية مع القوى التكنولوجية الكبرى لنقل المعرفة وتوطينها كما تفعل قطر والإمارات والسعودية إضافة إلى تشجيع الابتكار وإنشاء مراكز بحثية مشتركة بين الدول. البيانات التي نشرها موقع “ستاتيستا” تسلط الضوء على أهمية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فقد شهد الإنفاق العالمي على هذه التقنية نمواً كبيراً خلال السنوات الخمس الماضية، مع توقعات بأن يتجاوز أربعة أضعاف مستواه الحالي بحلول عام 2030. في عام 2020، بلغ الإنفاق العالمي نحو 93 مليار دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 827 مليار دولار بحلول نهاية العقد. هذه الأرقام تعكس تسارع وتيرة التحول الرقمي العالمي، لكنها تطرح تساؤلات حول مدى جاهزية الدول العربية للاستفادة من هذا التحول. * إن الفجوة التكنولوجية بين العالم العربي والدول المتقدمة تتطلب جهوداً جماعية لتقليصها. الاستثمار في التعليم التقني، وتحفيز الابتكار، وتعزيز التعاون الإقليمي يمكن أن يضع الدول العربية على خريطة الاقتصاد الرقمي. ومع دخول عام 2025، يبقى السؤال: هل سيتمكن العرب من تجاوز تحدياتهم البنيوية واستثمار الفرص التي توفرها الثورة التقنية؟ الإجابة ستعتمد على الإرادة السياسية والالتزام بتحقيق تحول جذري في أولويات التنمية. * وفي الختام، فإن نجاح العالم العربي في اللحاق بالركب التكنولوجي يعتمد بشكل أساسي على قدرته على بناء بيئة ملائمة للنمو الرقمي. يتطلب ذلك استثماراً أكبر في التعليم التكنولوجي والبحث العلمي، فضلاً عن تعزيز التعاون الإقليمي والدولي. إن الفجوة الحالية ليست سوى تحدٍ يمكن تحويله إلى فرصة إذا توافرت الإرادة السياسية، وإذا كانت الدول العربية قادرة على اتخاذ خطوات جادة نحو التحول الرقمي المستدام.

873

| 03 يناير 2025

أسئلة مصيرية ترسم ملامح سوريا القادمة

بداية من المهم التأكيد في هذا المقال على أن من لا يستطيع الفرح بشكل مفرط بسبب مخاوفه من القادم ليس بالضرورة أن يكون مدافعًا عن بشار الأسد أو نظامه، كما أن من يعبّر عن فرحه الكبير بسقوط الطاغية ليس بالضرورة غافلًا عن التحديات والمخاطر التي تواجه المرحلة المقبلة. فهذه اللحظة التاريخية تحمل في طياتها فرصة نادرة للتغيير، لكنها في الوقت ذاته تُلقي بظلال من القلق والأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة لضمان عبور آمن نحو مستقبل سوريا واستقرارها. ورغم ذلك نقول، لا يوجد شخص حر في العالم لم يعبّر عن سعادته بسقوط هذا النظام الذي كشف أن سوريا لم تكن سوى سجن كبير، وأن الثورة كانت استعصاءً من أجل الحرية والخروج من قيود القمع والظلم. الثامن من ديسمبر ما هي إلا لحظة فارقة في تاريخ سوريا والمنطقة بأكملها. هذه اللحظة، على الرغم من أهميتها، تفتح الباب أمام شهية المراقبين لتساؤلات شائكة ومعقدة تلقي بظلالها على مستقبل البلاد سياسيًا، اقتصاديًا، عسكريًا، واجتماعيًا. والاحتفال والسرور بهذه النهاية لنظام الأسد، لا يمكن أن تكتمل دون الإجابة على هذه الأسئلة المصيرية. ما موقف النظام الجديد في سوريا من القضية الفلسطينية؟ كيف سيتم التعامل مع التنظيمات الفلسطينية المسلحة المنتشرة في سوريا؟ وهل ستُسمح لحركة حماس بالعودة الفاعلة إلى الساحة السورية؟ الأهم من ذلك، هل سيقف النظام الجديد ضد التطبيع مع إسرائيل، أم سيتخذ نهجًا مهادنًا يفضي إلى مقايضة الجولان؟ وكيف ستكون العلاقة مع اللاجئين الفلسطينيين؟ ما مصير الكيان الكردي في شمال سوريا؟ هل ستؤدي النزعات الاستقلالية إلى صراع دموي مع تركيا، أم ستتمكن سوريا الجديدة من إدارة هذا الملف بتوازن يحفظ حقوق الأكراد ويجنب البلاد الانقسامات؟ وما الموقف من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، خاصة في ظل التوتر مع القوى الإسلامية المدعومة تركيًا؟ وهل يمكن تحقيق توافق سياسي يحفظ وحدة الأراضي السورية ويعزز الاستقرار؟ كيف سيتم تحديد طبيعة النظام السياسي؟ هل سيكون إسلاميًا، علمانيًا، أم مزيجًا يقبل التنوع؟ المعارضة السورية مليئة بالتناقضات، من الجيش الحر إلى جبهة تحرير الشام و»قسد»، ما يثير المخاوف من أن تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات عسكرية. فهل سيكون النظام الجديد قادرًا على تحقيق توافق يعكس تنوع المجتمع السوري دون الانزلاق نحو الفوضى؟ وما الدور المتوقع للمجتمع المدني في بناء مؤسسات الدولة؟ ما انعكاسات التغيير على علاقات سوريا الجديدة الإقليمية والدولية؟ هل ستبقى سوريا حليفة لحزب الله وإيران، أم ستفك ارتباطها بهما؟ وهل ستشهد البلاد استبدال النفوذ الروسي بتدخل غربي مباشر أو غير مباشر؟ وكيف يمكن لسوريا أن تعيد بناء علاقاتها مع الدول العربية لا سيما دول الجوار وأقصد (لبنان والأردن والعراق) بشكل يُسهم في دعم استقرارها؟ فمصير التحالفات العسكرية والاقتصادية سيشكل عاملًا حاسمًا في تحديد توجهات سوريا المستقبلية، إذ ستُظهر تلك التحالفات مدى قدرة سوريا على إعادة تشكيل موقعها الجيوسياسي ضمن خريطة القوى الإقليمية والدولية. سيكون على النظام الجديد اتخاذ قرارات استراتيجية حول طبيعة العلاقات مع القوى المؤثرة، سواء عبر الاستمرار في الشراكات القديمة أو الانفتاح على تحالفات جديدة تضمن تحقيق التوازن بين مصالح البلاد والسيادة الوطنية. اقتصادياً، ورغم أن إعادة بناء البنية التحتية تُعد تحديًا كبيرًا بحد ذاته، فإن المهمة الأعمق والأعقد تكمن في إعادة ترميم رأس المال البشري والاجتماعي لسوريا. هنا يُطرح السؤال: كيف يمكن لسوريا أن تتعافى اقتصاديًا؟ وهل ستأتي النهضة من خلال دعم عربي وغربي مشروط سياسيًا، أم سيتجه النظام الجديد نحو دول البريكس كما فعلت إيران؟ كيف سيتمكن من تحقيق التوازن بين الاعتماد على الدعم الخارجي والحفاظ على السيادة الوطنية؟ وما الخطط الاستراتيجية التي يجب اعتمادها لإعادة بناء البنية التحتية وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي؟ وما الدور الذي يمكن أن يضطلع به المغتربون السوريون في دعم هذه الجهود؟ ما الدور المنتظر للإعلام والتعليم؟ هل سيتبنى النظام الجديد سياسات إعلامية وتعليمية داعمة للتعددية والانفتاح؟ أم ستكون هناك نزعة أيديولوجية متشددة تُعيد إنتاج التجارب أو النماذج السلطوية؟ وكيف يمكن لقطاع التعليم أن يكون ركيزة لبناء الهوية الوطنية وتجاوز الانقسامات المجتمعية؟ وما الآليات التي ستعتمد لتعزيز ثقافة الحوار والمواطنة؟ ما مستقبل العدالة الانتقالية؟ كيف سيتم التعامل مع الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال فترة الحرب؟ هل ستُعتمد آليات للمصالحة الوطنية، أم ستشهد البلاد موجة جديدة من الانتقام والتصفية؟ وما دور المؤسسات القانونية في ضمان العدالة وبناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري؟ ما مدى استعداد المجتمع الدولي لدعم سوريا الجديدة؟ هل ستبقى القوى الكبرى متفرجة أم ستلعب دورًا فاعلًا في دعم الاستقرار؟ وكيف يمكن للنظام الجديد أن يوازن بين تحقيق مصالحه الوطنية والحفاظ على علاقات متوازنة مع هذه القوى؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد ملامح سوريا الجديدة. التحدي الأساسي يكمن في بناء نظام سياسي يوازن بين العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، والسيادة الوطنية، مع القدرة على تجاوز الإرث الثقيل للنظام السابق والابتعاد عن التبعية أو الفوضى. إن اللحظة الراهنة تحمل فرصة لإعادة تشكيل مستقبل سوريا، لكنها في الوقت ذاته تُحمّل جميع المكونات السورية مسؤولية تاريخية . فهل هم فاعلون؟.

501

| 12 ديسمبر 2024

alsharq
قمة جماهيرية منتظرة

حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي...

1677

| 28 ديسمبر 2025

alsharq
غدًا نرفع الهتاف لمصر الفؤاد

غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16...

1242

| 04 يناير 2026

alsharq
حين يتقدم الطب.. من يحمي المريض؟

أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة...

843

| 29 ديسمبر 2025

alsharq
قد تفضحنا.. ورقة منديل

كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك...

651

| 31 ديسمبر 2025

alsharq
أين المسؤول؟

أين المسؤول؟ سؤال يتصدر المشهد الإداري ويحرج الإدارة...

525

| 29 ديسمبر 2025

alsharq
العلاقات التركية - الليبية في زمن الاضطرابات الإقليمية

لا تزال الاضطرابات مستمرة في الشرق الأوسط وشمال...

519

| 29 ديسمبر 2025

alsharq
صفحة جديدة

لا تمثّل نهاية العام مجرد انتقال زمني، بل...

483

| 31 ديسمبر 2025

alsharq
الإفتاء الشرعي وفوضى العصر

شكّلت دار الإفتاء ركنًا أساسيًا في المجتمعات الإسلامية،...

459

| 28 ديسمبر 2025

alsharq
الكلمات الجارحة في العمل قد تفقدك فريقك

في بيئة العمل، لا شيء يُبنى بالكلمة بقدر...

459

| 01 يناير 2026

alsharq
طفل عنيد... قائد المستقبل

الطفل العنيد سلوكه ليس الاستثناء، بل هو الروتين...

459

| 02 يناير 2026

alsharq
اللون يسأل والذاكرة تجيب.. قراءة في لوحات سعاد السالم

ليس هذا معرضًا يُطالَب فيه المتلقي بأن يفهم...

444

| 30 ديسمبر 2025

alsharq
اختصاص المحاكم في نظر الدعاوى

إذا كان المشرع قد أعطى الحق في اللجوء...

420

| 29 ديسمبر 2025

أخبار محلية