رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد أدخلت الصراعات السيبرانية بعدًا جديدًا وخلّفت آثارًا متباينة على صعيد العلاقات الدولية، بعد أن تجاوزت الصراعات العسكرية التقليدية التي تخاض فيها المعارك بأسلحة تقليدية، ليصبح العالم أمام معارك أخرى غير مادية تعتمد على نظم الحاسوب وشبكات الإنترنت ومخزون هائل من البيانات والمعلومات، وذلك من دون التقيد بالحدود الجغرافية. إن تطوَّر الصراع الدولي جاء نتيجة التقدم الكبير في مجال المعلومات، وظهور الفضاء السيبراني ما جعل الدول والفواعل من غير الدول تتنافس لإدخاله في استراتيجياتها الأمنية والعسكرية وباتت الصراعات السيبرانية أحد الملامح المعقدة والمهمة في العلاقات الدولية التي تعتمد على استخدام التكنولوجيا الحديثة والهجمات السيبرانية لتحقيق أهداف سياسية، وعسكرية، واقتصادية، واستخباراتية، واختراق الأنظمة والشبكات الحيوية للدولة، وسرقة المعلومات الحساسة، والتلاعب بالبنية التحتية الرقمية. وتستهدف عدة قطاعات ويمكن أن تؤثر في القطاعات المصرفية، والنقل، والطاقة، والصحة العامة، ما يزيد من أهمية حماية هذه البنية التحتية وضمان استمراريتها لما له من أهمية في الاستقرار الدولي. تأسيسًا على هذا القول، فإنّ فهم مميزات الصراعات السيبرانية وتأثيرها في العلاقات الدولية بات أمرًا ضروريًا لفهم التطورات الجارية في الساحة الدولية عمومًا. ففي العقود الأخيرة، شهدنا تحولًا ملموسًا في الطريقة التي تُنفَّذ فيها الصراعات وتُدار على الساحة العالمية. بدلًا من الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية فحسب، أصبح الفضاء السيبراني يمثّل منصة حيوية للتصعيد وتحقيق المكاسب وتصفية الخلافات، إذ يمكن للدول والمنظمات الاستفادة من هذا الفضاء لشن هجمات سيبرانية تستهدف البنية التحتية والأمن السيبراني للأعداء. وتسهم التكنولوجيا في تمكين الأطراف من الوصول إلى المعلومات الحساسة واختراق الأنظمة والبنية التحتية للأعداء، ويكون لمن يسيطرون على تقنيات متقدمة ميزة في تنفيذ هجمات سيبرانية بنجاح وجمع المعلومات الاستخباراتية الحيوية. تأخذ الصراعات السيبرانية اليوم طابعًا تنافسيًا حول امتلاك التقدم التكنولوجي والسيطرة على الإنترنت، يتم ذلك من خلال سعي الفواعل إلى السيطرة على مجالات نطاقات شبكة الإنترنت وتدفق المعلومات والقيام بعمليات اختراق تكنولوجية من دون الحاجة إلى استخدام الأساليب التقليدية، مثل الهجمات الجوية أو الاعتداءات الحدودية. وباتت هذه الصراعات تمثِّل نمطًا جديدًا من الصراعات التي تتسم بعدم إسنادها، وانخفاض الحواجز أمام الدخول فيها، وعدم تكافؤ القوى المتصارعة، والتصعيد السريع، والطبيعة العابرة للحدود، والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، والشكوك القانونية والمعيارية، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، والتهديد الدائم. وبينما تتصارع الدول والفواعل من غير الدول مع هذه الميزات الفريدة، تصبح الحاجة إلى دبلوماسية فعالة وتعاون وتدابير للأمن السيبراني على الساحة الدولية أمرًا حيويًا على نحو متزايد للحفاظ على الاستقرار والأمن العالميين لا سيما في ظل تصاعد التوترات السياسية بين روسيا والغرب والصين والولايات المتحدة مما يعزز احتمالية استخدام التكنولوجيا السيبرانية كأداة في الصراعات الجيوسياسية. خلاصة القول؛ إن حدة الصراعات السيبرانية تتزايد عالميًا مع تطور التكنولوجيا، وتوسع نطاق الاستخدامات السيبرانية في مختلف المجالات. وبالنظر إلى تعقيدات هذه الصراعات، وعدم وجود إطار دولي لتنظيم سلوكها، يبدو أن استمرار التصعيد في هذا الجانب سيظل أمرًا واردًا في الفترة المقبلة. وعليه؛ لابد من تبنى الدول استراتيجيات متقدمة على هذا الصعيد، وتكثف التعاون الدولي لمواجهة التهديدات المتزايدة عبر الفهم العميق لطبيعة هذه الصراعات والتكيف مع تحدياتها. لأن عدم معالجة هذا التحدي يمكن أن يؤدي إلى تصعيد الصراعات الجيوسياسية وزيادة التوترات الدولية، مما يهدد الاستقرار العالمي ويعرض الأمن العالمي للخطر.
945
| 06 يونيو 2024
من منّا اليوم يستطيع إنكار حقيقة استخدام الخوارزميات لتحليل البيانات المنشورة على «السوشيال ميديا» لدراسة الأفكار والأذواق والتوجهات والاتجاهات الفكرية والنفسية والعادات، والمشكلات والأوضاع والحركات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإنسانية، فضلا عن الاختيارات والعلاقات، من منّا لا يستخدم برنامج «غوغل ماب» الذي يعتمد على خوارزميات لاقتراح الطرق والمسافات الأكثر ملاءمة وتتيح معرفة مواقع الرادارات، وتحذر السائقين من زيادة السرعة لتفادي المåخالفات المرورية هذا ناهيكم عن عشرات البرامج التي تعتمد على تقنية الذكاء الاصطناعي دون أي تدخل بشري!. لم يتفق العالم بعد على مصطلح للوجود الإنساني بعد القول إنه صار قرية صغيرة. ربما سيتوصل فلاسفة العصر إلى مصطلح آخر لكن بعد استيعاب حجم المتغيرات المذهلة التي فرضتها الشبكة العنكبوتية للانسجام بين العالمين، ولا أدري إن كان يمكن وصف العالم الإنساني اليوم بدلا من «قرية صغيرة» بوصفه «شريحة صغيرة»؟ ربما لن يبتعد الفلاسفة عن هذا المعنى مستقبلا. إنّ الثورة الرقمية الجامحة التي نعيشها اليوم هي أحد إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة، بما تحمله إلينا من تغيرات معرفية وتكنولوجية مذهلة تقوم على الذكاء الاصطناعي بمختلف تطبيقاته وأطيافه في كل جوانب الحياة الإنسانية، وتبدو أشبه ما تكون بانقلاب جذري قائم على أساس «التخمة» المعلوماتية والاتصالاتية الضخمة وإنترنت الأشياء والقدرة الهائلة على معالجة البيانات وربط العالم بعضه ببعض، بما يدلل على أن البشرية في مرحلة انتقالية، وأن القادم سيكون أكثر غرابة وربما جنونا، في ظل تقلص مساحة الحضور الإنساني في كثير من القطاعات لمصلحة الحضور الآلي الذي يعكسه التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، هذه العوالم التي طورها الإنسان لينهزم أمامها ربما ذات يوم أو يفقد السيطرة عليها!. اليوم، أصبحت الخوارزميات عمودًا فقريًا في إنتاج الصور والفيديو والصوت والمحتوى على الإنترنت، وباتت تستخدم بشكل واسع في عمليات التزييف العميق Deep Fake وباستمرار تطور الخوارزميات، يتم توسيع استخداماتها في الحياة البشرية بشكل لا يُحصى لا سيما بعد دخولها في تعظيم القوة التكنولوجية والسيبرانية. كما أصبح بحوزة الخوارزميات القائمة على تقنيات التعلم الآلي التعرف على الصور والكلام بكل دقة، ومن المنتظر أن تستغل بيانات إنترنت الأشياء لكي تتعمم في جميع المجالات. المثير والمدهش أن حجم التداول في سوق الخوارزميات العالمي بلغ أزيد من 11.7 مليار دولار أمريكي في عام 2020، ومن المتوقع أن يصل إلى زهاء 26.3 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2028، بمعدل نمو سنوي مركب نسبته 10.7% خلال هذه الفترة، وفق ما ذكره موقع «فيرفايد ماركت ريسيرش». عودٌ على بدء تبقى الخوارزميات التي اقتحمت عالم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته أشبه بالصندوق الخفي أو الصندوق السحري الذي يقف المستخدمون للإنترنت أمامه بين الإعجاب الشديد بإمكانيات هذا العلم في التنبؤ بالمستقبل والاتهام بالتحكم الغامض بآرائهم وأذواقهم وخياراتهم، كما يفتقد الكثيرون الوعي بدورها الفاعل في توجيه ما يطلعون عليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث. فالخوارزميات هي من تحدد نوع المقالات التي نقرأها والصور التي نشاهدها والإعلانات التي تظهر لنا.. وبغض النظر عن ذلك، يبقى المستخدم للعåالم الافتراضي عاجزاً ومستسلماً لهذه القوى التي تتحكم في تدفق المعلومات وتوجيهها وتقرر ما يتم عرضه وما يتم إخفاؤه، والمخفي أعظم بكثير.
702
| 28 مارس 2024
ثمة زيادة مطردة بحجم سوق الأمن السيبراني الدفاعي عالمياً، حيث تتحدث المعطيات عن أرقام تتجاوز أكثر من 15 مليار دولار، ومن المتوقع أن يستمر النمو المتسارع لهذا السوق في السنوات القادمة، حيث تعمل العديد من الدول والشركات الكبرى على تعزيز قدراتها في مجال الأمن السيبراني الدفاعي للحفاظ على سرية وأمان البيانات والأنظمة الحيوية والأمنية لديها، ومن المتوقع أن تصل هذه القيمة إلى 28.53 مليار دولار بحلول عام 2026، مسجلة معدل نمو سنوي يبلغ 10.51% تقريباً خلال هذه المدة. وبالمجمل، فإن قيمة سوق الأمن السيبراني تتجاوز 200 مليار دولار، حيث سيزيد هذا الرقم بشكل كبير في السنوات القادمة، نظرا لنسبة الزيادة في الهجمات والجرائم السيبرانية وتعقيد الحلول التي تتطلبها حماية الأنظمة والبيانات الحيوية في الشركات والمؤسسات والحكومات. فمع ظهور البيئة السيبرانية بصفتها نظاماً متكاملاً، أصبحت الحاجة إلى نظام أمني قابل للتكيّف، أمرًا ضروريًا. إضافة إلى ذلك، أدت عوامل مثل ظهور الأجهزة المحمولة المتصلة بالشبكات، وانتشار الاتصالات الإلكترونية فائقة السرعات، ونمو وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد المتزايد على البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء، إلى خلق حاجة إلى تحديث نظام الأمن السيبراني الدفاعي مع التهديد السيبراني المتغير. وقامت دول عديدة في أنحاء العالم بزيادة إنفاقها على حلول الأمن السيبراني لحماية الأجهزة والبيانات السرية من الهجمات السيبرانية، ما يدعم نمو السوق. وتتيح التطورات في التقنيات الناشئة - مثل: الذكاء الاصطناعي (AI)، والتعلّم الآلي (ML)، وشبكات الجيل الخامس (5G)، والحوسبة المتطورة، والحوسبة السحابية - للاعبين في السوق تقديم حلول جديدة تعتمد على هذه التقنيات، وجذب الأعمال المحتملة، والعملاء، وتوسيع مصادر إيراداتهم. لقد جعل تزايد الجرائم السيبرانية، مثل التصيّد الاحتيالي وسرقة البيانات، الدول والمؤسسات تلجأ إلى فِرق الأمن السيبراني المؤهلة والمجهزة بأحدث التقنيات، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي يكتشف الأنشطة الضارة ويكافحها بسرعة، ما يعمل على تحصين الشبكات ضد التهديدات. كما أدى الاعتراف بإمكانات الذكاء الاصطناعي إلى دفع 76% من المؤسسات إلى إعطاء الأولوية للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في ميزانيات تكنولوجيا المعلومات الخاصة بها، مدفوعة بالحجم الهائل من البيانات التي تتطلب التحليل لتحديد التهديدات السيبرانية ومكافحتها على نحو فعّال. ومع توقع أن تولد الأجهزة المتصلة كمية مذهلة تبلغ 79 زيتابايت من البيانات بحلول عام 2025، يصبح التحليل اليدوي من طرف البشر غير عملي، ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى عنها في مكافحة الجرائم السيبرانية وتعزيز الأمن السيبراني. في الحصيلة، فإن مؤشرات السوق السيبراني العالمي هي مقاييس تستخدم لتقدير حالة صناعة الأمن السيبراني واتجاهاته والتكنولوجيا المتعلقة بالفضاء السيبراني على الصعيدين الإقليمي والعالمي. تشمل هذه المؤشرات عناصر مثل نسبة النمو السنوي للصناعة، وحجم الاستثمارات في التكنولوجيا السيبرانية، والتكنولوجيا الناشئة، والتهديدات السيبرانية، والتأثيرات القانونية والتشريعات. إنّ معرفة حالة مؤشرات السوق السيبراني تُمكِّن الحكومات والمؤسسات والأفراد من فهم تطورات وسيرورة الأمن السيبراني، وبالتالي يمكنها مساعدتهم في اتخاذ القرارات الاستراتيجية لحماية بياناتهم ومصالحهم في عالم يعتمد بشكل كبير على الفضاء السيبراني وتقنياته المبتكرة والمبدعة. كما تعتبر هذه المؤشرات مفتاحًا لتقديم رؤى شاملة حول التهديدات السيبرانية المحتملة والاتجاهات المستقبلية في مجال الأمن السيبراني، وبما يمكن الجهات المعنية الاستجابة بشكل أفضل للتحديات السيبرانية المتزايدة وتطورات التهديدات، والتحضير للتحديات المستقبلية بفعالية أكبر. وبناءً على هذه المعرفة، يمكن وضع استراتيجيات وسياسات تأمينية وتدابير دفاعية للوقاية من هذه التهديدات والحفاظ على الأمن السيبراني للأفراد والمؤسسات والحكومات. تأسيساً على ذلك، يساهم فهم حالة مؤشرات السوق السيبراني في تعزيز الوعي بأهمية الأمن السيبراني وتحليل تحدياته، وبالتالي ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأنظمة والبيانات والمعلومات في هذا العصر المعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا السيبرانية.
573
| 21 مارس 2024
منذ بضع سنوات، بدأت تلوح معالم ثورة صناعية جديدة استندت على إرهاصات الثورة الصناعية الثالثة، أطلق عليها "الثورة الصناعية الرابعة" وتعرف اختصارًا بالإنجليزية IR4 أو IndustrialRevolution4.0، سِمتُها الرئيسة تقارب الابتكارات الرقمية، والبيولوجية، والمادية؛ ويمكن تعريفها باختصار بأنها "الأتمتة التقدمية التقليدية التصنيع والعمليات الصناعية باستخدام التقنيات الذكية الحديثة من خلال دمج اتصال الآلة وإنترنت الأشياء (Internet of Things – IoT) لزيادة الأتمتة، وتحسين الاتصال، ومراقبة الإنتاج نفسه وتطوير آلات ذكية عن طريق خوارزميات مبتكرة، يمكنها تحليل المشكلات وتشخيصها دون الحاجة إلى تدخل بشري". وفي تداخل لافت بين الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، تتجسد تحولات تكنولوجية مثيرة تؤثر في مختلف جوانب حياتنا. يظهر هذا التداخل في تشبيك الأجهزة بشكل ذكي وتبادل البيانات بينها، حيث يتيح الإنترنت الذكي التفاعل بين الأشياء وتحليل البيانات بفعالية باستخدام التعلم الآلي. حيث يعزز الذكاء الاصطناعي العمليات بتحكم ذكي وتحسين الإنتاجية، كما يتمثل في استخدام البيانات الضخمة لتحقيق تنبؤات دقيقة. وتعظم هذه التقنيات أيضًا أمان الأنظمة السيبرانية من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف ومكافحة التهديدات والجرائم السيبرانية. بالتالي يظهر الفضاء السيبراني كساحة حيوية تشكل تلاقي بين هذه الابتكارات، مؤثرًا في شكل وتفاعل البيئة الرقمية والحياة اليومية للفرد. اليوم تبدو "الثورة الصناعية الرابعة"، التسمية الأكثر انتشاراً مثل "الإنترنت الصناعي" أو "المصنع الرقمي" أو "الصناعة الذكية". وتقوم هذه الثورة النوعية العملاقة على الصناعة في طورها الرابع؛ أي الصناعة المعتمدة على الاستخدام الكثيف لتقنيات التكنولوجيا الحديثة التي لم يسبق أن سمعنا بها من قبل، مثل: الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والطابعة الثلاثية الأبعاد، وتحليل البيانات الهائلة وتشفيرها، والخوارزميات المتقدمة، والتفاعل المتعدد المستويات مع العملاء، والتفاعل المتطور بين الإنسان والآلة، وسلاسل الكتل، وتكنولوجيا النانو، وما إلى ذلك مـن التقنيـات الرقمية الباهرة. إن البيئة الحالية والمتطورة التي تشمل أدوات الفضاء السيبراني مثل إنترنت الأشياء والروبوتات والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي تعمل على تغيير حياة البشرية. يُعرف دمج هذه التقنيات في ممارسات التصنيع باسم الصناعة 4.0 وتضمنت الثورة الصناعية الثالثة، التي يطلق عليها أحيانًا الثورة الرقمية، تطوير أجهزة الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات (تكنولوجيا المعلومات) منذ منتصف القرن العشرين. وفقًا لمؤسس ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي البروفيسور (كلاوس شواب Klaus Schwab)، يتم تمييز العصر الجديد بسرعة الاختراقات التكنولوجية وانتشار النطاق والتأثير الهائل للأنظمة الجديدة، ويرى بأنها ثورة لم يشهد التاريخ البشري مثلها على الإطلاق، لا في سرعة انتشارها، ولا في نطاقها، ولا في درجة تعقيدها، وكأن البشرية تعيش أمام ظاهرة تتحدى الزمان والمكان في قدرتها على الانتشار والتأثير في الدول والشعوب. وهي ظاهرة تجمع بين كل إنجازات الثورات السابقة عليها في الصناعة والطاقة والاتصالات والمواصلات، وتضيف إليها إنجازات في مجالات جديدة تتداخل فيما بينها؛ إنجازات في مجالات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وعلم الوراثة والذكاء الصناعي والروبوتات والطاقة.
1080
| 07 مارس 2024
جرى وصف المراحل المفصلية لتطوّر الحضارة البشرية بالثورات، برغم كونها أساس تغيرات متدرجة وتراكمية. ويشمل هذا التوصيف عادة الثورة الزراعية، والثورة الصناعية، والثورة التقنية المعلوماتية كما صنفها آلفين توفلر Alvin Toffler في كتابه «الموجة الثالثة» “Third Wave”، ثمَّ ما يوصف اليوم بالثورة الصناعية الرابعة التي تشمل التطور في تقنيات النانو والذكاء الاصطناعي والحواسيب الكميّة وغيرها. إن الحديث عن الفضاء السيبراني لا يكتمل من دون الإشارة إلى التطورات المتسارعة في مجال الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، أي الثورة الصناعية الثالثة، أو ثورة المعلومات أو الثورة الرقمية. وهو التحول الذي طرأ على المجتمعات البشرية بحيث انتقلت من مجتمعات صناعية إلى مجتمعات معلوماتية تعتمد في إدارة شؤونها على التكنولوجيا الرقمية والإلكترونية واقتصاديات المعرفة، وتستند هذه الحقبة إلى الثورة الصناعية الرابعة التي سنتناولها فيما بعد. يُعدّ ظهور ثورة المعلومات أحد أهم الأحداث التاريخية في الحياة الإنسانية، وهناك من يرى أنها، بلا شك، أهم حدث في نشر المعلومات منذ مطبعة جوتنبرج Gutenberg كونها تمثل تحولًا أكبر بكثير في الاتصال البشري. فقد أدّت هذه الثورة إلى ظهور ما يُعرف بمجتمع المعلومات الذي تمثّل بإنتاج المعلومات ومعالجة البيانات التي ساهمت في وجود نشاط إنساني منظّم. كما استطاعت الثورة المعلوماتية وما تضمّنته من تكنولوجيا حديثة للاتصالات تخطي الزمان والمكان، فقد جرى نقل الصورة والصوت تلقائيًا عبر الأقمار الصناعية وشبكتها المجهزة بالحاسوب، ما سهَّل عملية الاتصال. تميّزت الثورة المعلوماتية بانتشار الأتمتة من خلال استخدام الإلكترونيات وأجهزة الحاسوب، والإنترنت، وشهد هذا العصر ظهور الإلكترونيات التي مكنت من أتمتة العمليات الصناعية على نحو لم يسبق له مثيل، وتقدم التكنولوجيا من الأجهزة الحاسوبية والميكانيكية التناظرية إلى التكنولوجيا الرقمية المتاحة اليوم. فالتبادل الإلكتروني للمعلومات يعد أحد التغيرات المهمّة مع الثورة الرقمية، كما أنّ التطور الجذري في الاتصالات الرقمية والحوسبة هو جوهر الثورة التكنولوجية. إن التطورات التي تسعى إلى الاستحواذ على القوة والتطور والحداثة متسارعة في هذا المجال الذي يشهد منذ بداية الألفية الثالثة ثورة حقيقية ألقت، ولا تزال تلقي، بتأثيراتها الجذرية والعميقة في مختلف جوانب الحياة البشرية، الاجتماعية والثقافية والسياسية، والاقتصادية والأمنية والعسكرية. وجاء ذلك مع تطور البيئة التكنولوجية، سواء على مستوى التطبيقات أو حجم الانتشار. وزادت عملية إنتاج المحتوى الرقمي، وارتبطت بتلك العملية زيادة في إنتاج المعلومات الشخصية، وباتت تُستخدم في مجالات الحياة كافّة مع عملية التحول الرقمي الذي تطبقه كثير من حكومات العالم، سواء في تقديم الخدمات أو في عمل البنية التحتية، وأصبح للبيانات قيمة أكبر من أي عهد مضى في خلق الوظائف ودعم عملية الإبداع والابتكار التي أصبحت من ضمن ركائز القوة الاقتصادية للدولة. تعدّ اليوم هيمنة الفضاء المعلوماتي السيبراني المترابط بوشائج الاتصال والمفاهيم المعرفية والشبكة العنكبوتية العالمية والشبكات الحاسوبية الوطنية والمحلية التي تؤمّن الاتصال الحيّ بين جميع الجهات التي استوطنت هذه البيئات الجديدة، أحد أهم خصائص تخطي الفضاء السيبراني للزمان والمكان؛ وبات تعريف المعلوماتية مسألة نسبيّة تتوقف على قدرة كل دولة في تحديد رؤية إستراتيجية واضحة للتعامل مع حجم ما توفره الثورة المعرفية والتكنولوجية من مزايا بشقيها المدني والعسكري، أملًا باستثمار المزايا ومواجهة المخاطر الكامنة في هذا المجال. إن آثار هذا المشهد تتجاوز مجرد نقل البيانات، حيث أسهمت في تشكيل مستقبل يعتمد بشكل أكبر على المعرفة والتفاعل البشري. إنها حقًا رحلة استثنائية نحو تحقيق رؤية مستقبلية متقدمة ومجتمع يستند إلى التفاعل والتبادل المعرفي. مشهد يتجاوز نقل البيانات!
333
| 15 فبراير 2024
لطالما أخذت الصراعات بين إسرائيل وحركة حماس منحى جديدًا في الفضاء السيبراني، حيث يشهد التصعيد الرقمي تكثيفًا ملحوظًا، فالحروب لا تقتصر على الأرض فقط، بل تنتقل إلى معركة صامتة، حيث تُشن هجمات سيبرانية مستمرة ويتسارع استخدام التقنيات التكنولوجية الرقمية للاستيلاء على المعلومات أو تعطيل البنية التحتية المرتبطة بالفضاء السيبراني. إلى اليوم، ما زالت مراكز الأبحاث الإسرائيلية حائرة حول الكيفية التي دخلت فيها المقاومة إلى غلاف غزة في السابع من أكتوبر 2023؛ لكن هناك تقديرات وازنة بأن الهجوم العسكري تزامن مع «طوفان سيبراني» فلسطيني عطّل بعض الكاميرات وأجهزة المراقبة دون أن يتم رصده في الساعات الأولى. وكما هو معروف يجرى توظيف البيئة السيبرانية من خلال استخدام البعد الصلب والبعد الناعم انطلاقاً من فرضية أن من يمتلك القوة السيبرانية يصبح أكثر قدرة على ممارسة القوة والتأثير في سلوك المستخدمين للفضاء السيبراني. وبالتالي فقد كان واضحاً استخدام المقاومة الفلسطينية البعد الصلب في الفضاء السيبراني من خلال: 1. الهجمات السيبرانية والتي تتيح للأطراف غير المتماثلة في القوة فرصة للتأثير. إذ تجلت الهجمات السيبرانية في هذه الحرب قبل إطلاق أول رشقة صاروخية من قطاع غزة، واستهدفت بشكل رئيس الأنظمة التشغيلية لمنظومة «القبة الحديدية»، وأوقفت عملها لأكثر من خمس ساعات. 2. ضرب أبراج الاتصالات وقطع كوابل الإنترنت مما تسبب في تعطيل الاتصالات والتواصل بين مختلف أنظمة الدفاع والمراقبة. 3. اختراق السيرفرات والخوادم والسيطرة على مراكز تخزين البيانات، واختراق هواتف جنود إسرائيليين وقرصنتها قبيل عملية طوفان الأقصى. 4. استهداف تطبيقات صفارات الإنذار التي ترسل إلى الإسرائيليين إشعاراً بوجود هجمات صاروخية وخطر قريب، وعطلتها بالكامل طوال فترات الهجمات الصاروخية. 5. شن هجمات الحرمان من الخدمة على العشرات من المواقع الحكومية والخدمية الإسرائيلية، استمرت هذه الهجمات حسب موقع Cloud flare لمدة ست دقائق وبلغت ذروتها مليونا و100 ألف طلب في الثانية. وعلى صعيد البعد الناعم في القوة السيبرانية فقد كان واضحاً عبر التأثير في الرأي العام وبث الدعاية والحرب النفسية وذلك من خلال: استخدام شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لبث عمليات المقاومة وخطاباتها والاشتباكات المسلحة على أرض الميدان، ونشر مقاطع فيديوهات خاصة بالأسرى الإسرائيليين من أجل التأثير في الرأي العام العالمي ولجذب الدعم والأنظار لما يحدث في القطاع. ودحض السردية والرواية الإسرائيلية (خاصة فيما يتعلق بصور قطع الرؤوس واغتصاب النساء وحرق الأطفال)، ونقل حقيقة ما يجري في قطاع غزة للعالم الغربي. هناك دور لا يمكن تجاهله للوكلاء السيبرانيين Cyber Agents هذه الفئة تعتبر جزءاً من أدوات القوة السيبرانية وتهدف إلى نشر الوعي وتعزيز التضامن مع القضية من خلال (التوعية وتنظيم حملات رقمية تستهدف تعزيز الضغط الدولي وممارسة هجمات القرصنة والتلاعب السيبراني، الهجمات السيبرانية والتي ظهرت في هذه الحرب عبر تعطيل مواقع الإنترنت أو استهداف البنية التحتية الرقمية لإسرائيل، مثل: مجموعة «كيل نت» (Killnet) الروسية، وأنون غوست « (Anon Ghost) الإيرانية، ومجموعة «أنونيموس الجزائر».. وغيرها. ما يمكن استنتاجه مما تقدّم أن القوة السيبرانية تعتبر أحد عوامل مضاعفة قوة الدول والفواعل من غير الدول مثل حركات المقاومة والتحرر، وممارسة النفوذ، وتحقيق التفوق، والفاعلية والتنافس. وحقيقة مساندة للقوة التقليدية مكملة وداعمة لها في تحقيق الأهداف وليست بديلة عنها. ومما دلت عليه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بأن هناك دوراً مهماً للفضاء السيبراني والقوة التي أسس لها حيث كان لهذا الفضاء بعد في تشكيل نتائج هذه الصراع الذي يجري بموازاة دوي الدبابات والمدافع. إن الفضاء السيبراني يعتبر بشكل عام فرصة حيوية للجهات ذات الإمكانيات المحدودة التي تعاني من نقص في الموارد مثل الفواعل من غير الدول، حيث يمنحها هذا النطاق فرصًا للتنافس مع الدول ذات القدرات السيبرانية الأكبر. يتجلى هذا بشكل خاص في تزايد رغبة هذه الجهات في اكتساب قدرات هجومية ودمجها ضمن أدواتها السائدة، بهدف تعزيز أهدافها الاستراتيجية وتعظيم قوتها الصلبة وقوتها الناعمة وزيادة تأثيرها في البيئات التشغيلية الأخرى، البر، البحر، الجو، والفضاء الخارجي.
1248
| 12 فبراير 2024
يشهد العالم تحولًا جذريًا نحو بيئة تكنولوجية تتسارع بشكل مذهل، حيث تتداخل المعلومات والاتصالات لتشكل خيوطًا لا مرئية تربط بين جميع أنحاء المعمورة. وتعكس الحالة الرقمية التي يمر فيها الفضاء السيبراني تفاعلات متزايدة، إذ يجري تداول كميات ضخمة من البيانات بشكل لحظي. ويظهر هذا التزايد بشكل واضح من خلال نشاط الإنترنت والاستخدامات البشرية على الصعيدين الشخصي والتجاري. فإرسال المليارات من الرسائل الإلكترونية وتحميل محتوى ضخم وتبادل المعلومات يحدث بأجزاء من الثانية وبزمن قياسي لا مثيل له، مما يشير إلى تكامل لافت للعمليات الرقمية في حياتنا اليومية. في هذا السياق، يتجاوز مفهوم الحالة الرقمية العالمية مجرد تكنولوجيا الاتصالات، ليتعمق في تأثيراته المتعاظمة في الاقتصاد، والسياسة والإعلام والثقافة، والتفاعل الاجتماعي. وبات يمثل هذا التحول نقلة حضارية تشكّل تحديات وفرصًا جديدة، مع تكامل لا مثيل له في هذا العالم المترابط الذي يشهد تغييرات وتحولات لا حصر لها، ويعكس مؤشرات كمية متزايدة تعبّر عن حجم النشاط الذي يحدث ويحمل في طياته ضخامة المعلومات والاتصالات في وجود بيئة ونسق عالمي تطوري وبنى تحتية تكنولوجية تنتشر بشكل دراماتيكي. اليوم ثمة العديد من المعطيات التي تدلّل على تنامي واتساع ظاهرة الفضاء السيبراني، ولنتخيّل هذا العالم الذي يجري فيه إرسال ملايين النصوص ورسائل البريد الالكتروني وتحميل الفيديوهات والصور وتمريرها ومشاهدتها والتفاعل معها..فمشهد «الحالة الرقمية» العالمية اليوم أكثر ضخامة وتعقيداً مما كنّا نظن. لقد استحوذت شبكة الانترنت على المستخدمين بشكل كبير، بعد أن أصبحت الحياة البشرية مترابطة بشكل كبير مع استخدام الفضاء السيبراني وتطبيقاته القائمة على الابداع والابتكار، سواء في الاتصال الاجتماعي، والبحث عن معلومات، أو التسوق الإلكتروني، وحتى الألعاب والترفيه والتعليم والتعلم والصحة والأعمال..إلخ. وحتى نقرّب قراءة المشهد أكثر، فإن لغة الأرقام تخبرنا بالشيء الكثير، وتلقي الضوء على حجم الزخم التفاعلي في الفضاء السيبراني وتظهر كمّية البيانات والاتصالات التي تمر عبره يوميًا، مما يبرز تحولًا رقميًا هائلاً وتأثيرًا كبيرًا في حياتنا اليومية. تخبرنا بأن عدد سكان العالم تجاوز 8 مليارات في بداية العام 2024 وأن ما مجموعه 5.3 مليار شخص حول العالم يستخدمون الإنترنت منذ بداية عام 2024، وهو ما يعادل 65.7 بالمائة من إجمالي سكان المعمورة. وتشير الاتجاهات الرقمية الحالية إلى أن ثلثي سكان العالم يجب أن يكونوا متصلين بالإنترنت بحلول منتصف عام 2024، وتستخدم الغالبية العظمى من مستخدمي الإنترنت - 95 بالمائة - الهاتف المحمول للاتصال بالإنترنت لبعض الوقت على الأقل، وتمثل الهواتف المحمولة الآن ما يقرب من 57 بالمائة من الوقت الذي نقضيه على الإنترنت، فضلاً عن ما يقرب من 53 بالمائة من الوقت الذي يقضيه العالم على الإنترنت. حركة المرور على شبكة الإنترنت. ومع ذلك، لا يزال أكثر من 6 من كل 10 من مستخدمي الإنترنت في الاقتصادات الكبرى في العالم يستخدمون أجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المكتبية في بعض أنشطتهم عبر الإنترنت على الأقل. هذا يعني أن مستخدمي الإنترنت في العالم قضوا حوالي 12.5 تريليون ساعة من الوجود البشري المشترك باستخدام الأجهزة والخدمات المتصلة في عام 2023. شهد عام 2023 وبداية عام 2024 الكثير من التغييرات في طريقة تواصلنا مع المزيد والمزيد من الأشخاص الذين يستخدمون الفضاء السيبراني مثلاً على صعيد الأرقام المتصلة في استخدام الإنترنت في بداية عام 2024 تم إرسال واستلام حوالي 300.4 مليار رسالة بريد إلكتروني يوميًا، وهناك أربعة مليارات مستخدم للبريد الإلكتروني في جميع أنحاء العالم (لقد زاد هذا العدد الآن). 5.59 مليار حساب بريد إلكتروني نشط في جميع أنحاء العالم وحوالي 1.8 مليار منها حسابات (Gmail) حيث يجري إرسال أكثر من 149.513 رسالة بريد إلكتروني في الدقيقة - وهذا يعني أن عدد رسائل البريد الإلكتروني المرسلة كل يوم هو ~ 215.298.720. وعلى صعيد منصات التواصل الاجتماعي، تتم مشاركة 95 مليون صورة وفيديو على تطبيق (انستغرام) يوميًا. وهذا يترجم إلى 65,972 كل دقيقة!، وعلى صعيد تطبيق فيسبوك يتم نشر 510.000 تعليق، وتحديث 293.000 حالة، وتحميل حوالي 240.000 صورة كل دقيقة. ويتم إرسال ما يقرب من 7 مليارات رسالة كل دقيقة عبر مجموعة تطبيقات البرنامج. وهناك ما يزيد على 406 ملايين مستخدم نشط يوميًا على تطبيق (سناب شات)، حيث يتم إنشاء 5 مليارات مقطع فيديو عبره يوميًا في جميع أنحاء العالم. وتتم مشاهدة حوالي 625 مليون مقطع فيديو على تطبيق (تيك توك) كل دقيقة.ويتم مشاهدة 3.5 مليون فيديو على اليوتيوب في الدقيقة بينما يتم تحميل أزيد من 500 ساعة من المحتوى المرئي على الموقع نفسه. وهناك ما يتجاوز3.2 مليون عملية بحث على محرك غوغل في الدقيقة الواحدة، وأكثر من 6.3 مليون لمجموع اجتماع زوم في الدقيقة أيضاً. وفي نفس الدقيقة يجري إنفاق حوالي 443,000 دولار في متاجر أمازون الإلكترونية، وشراء أكثر من 90 مليون عملة مشفرة. تُظهر المعطيات أعلاه تأثير التحول الرقمي بوضوح في حياتنا، واتساع استخدام الفضاء السيبراني الذي تمكنت وتحكمت تطبيقاته بعقولنا، وأصبحت قوة لا يمكن تجاهلها، فتوسعت استخدامات التكنولوجيا وارتفع عدد مستخدمي الإنترنت، مما أضفى على الحياة نمطًا جديدًا وشكلًا متجددًا يتسم بالتفاعل الرقمي الفعّال والهائل. إن هذا الزخم يفتح أمامنا أبواب التحديات والفرص، ويطرح تساؤلات حول كيفية التكيف مع هذا الواقع المتسارع. فهل نحن جاهزون لمواكبة هذا التحول؟ وكيف يمكننا استثمار هذا الزخم الرقمي لصالح التطوير في ظل مشهد بتنا نقيسه بالثواني والدقائق على روزنامة الإنترنت، دون أن نتمكن من فهم أبعاده الحقيقية أو نعي تداعياته الهائلة.
1173
| 11 يناير 2024
إنّ الحروب الهجينة واللا تناظرية مكّنت الفواعل غير الدولية، مثل حركات المقاومة من استخدام الجانب السيبراني بشكل متزايد في عملياتهم، ومثال ذلك حركة حماس؛ فعدم التماثل في الحروب والصراعات وفرّ لها فرصًا سرّية في جوهرها للتخزين والنقل ونشر القدرات السيبرانية مع حاجة أقل بكثير للموارد التنظيمية والقدرات المالية أو البشرية مقارنة بالحرب التقليدية. وبما أن القدرات السيبرانية مناسبة تماماً لدعم الحملات الإعلامية، فهي مفيدة للتأثير في الجمهور دون لفت انتباه وتداعيات العمليات الأكثر وضوحاً. منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023 ظهر مفهوم «الحرب الهجينة»، الذي يمزج بين العمليات الحركية وغير الحركية (أي الرقمية) في ساحة المعركة. في حين أن العمليات السيبرانية تقليدياً كانت غير حركية، فإن تحولاً نموذجياً بدأ يلوح في الأفق، حيث إن الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية - مثل محطات الطاقة والاتصالات - لديها القدرة على تحقيق نتائج حركية ملموسة تعطل العمليات المحلية، ويمكن أن تؤدي إلى فوضى واسعة النطاق. هذا النوع من الأحداث له سابقة، فقد بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا من خلال هجوم سيبراني يعرف بالحرمان من الوصول إلى الخدمة الموزعة DDoS أي عبر اقتحام الأنظمة أو الخوادم أو الشبكات بهدف السيطرة على مواردها ومعدل نقل بياناتها، بحيث يصبح النظام غير قادر على تلبية الأوامر اللازمة أو المطلوبة منه، مما يؤكد الطبيعة المتشابكة للحرب الحديثة. ومع تزايد انخراط الجهات الفاعلة غير التابعة لدول بعينها في عمليات على أرض الواقع؛ فإننا نلاحظ نمطاً مماثلاً في الصراع السيبراني الدائر اليوم بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية والذي بدأ من سنوات وظهر جلياً في عملية طوفان الأقصى. حتى كتابة هذه السطور، فإنّ معظم النشاط السيبراني الهجومي الذي استهدف إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 تم تنفيذه من قبل مجموعات ناشطة في مجال القرصنة (وكلاء سيبرانيون)، يظهرون الدعم والتضامن مع القضية الفلسطينية، ومنشأها دول إسلامية وعربية، وقد اتخذ معظم هذا النشاط شكل هجمات رفض الخدمة الموزعة ضد منصات ومواقع الإنترنت، وتشويه مواقع إلكترونية إسرائيلية، وتسريب البيانات لمختلف المؤسسات التي تعتبر أهدافاً رفيعة المستوى وعظيمة القيمة. على سبيل المثال ثمة نوع من الأنشطة التي تمت ملاحظتها في بداية الحرب، وهو شن هجمات نشر الخوف من خلال المجال السيبراني، إذ استغلت مجموعة قرصنة مؤيدة للقضية الفلسطينية يطلق عليها اسم Anon Ghost ثغرة أمنية في واجهة برمجة (API) الخاص بتطبيق الإنذار الصاروخي الإسرائيلي Red Alert وأرسلت تحذيرات صاروخية زائفة إلى المستخدمين. وتمكن الهاجمون من الوصول إلى خادم يقوم بتشغيل اللوحات الإعلانية الذكية في تل أبيب، وقاموا بتغيير الإعلانات التجارية إلى محتوى مؤيد للمقاومة الفلسطينية، بالإضافة إلى لقطات من حرق العلم الإسرائيلي. كما أن الهجمات السيبرانية استطاعت إيقاف أكثر من 100 موقع، من بينها الموقع الإلكتروني الرسمي لجهاز المخابرات الإسرائيلية. إن هجوم السابع من أكتوبر على إسرائيل ينظر له خبراء على أنه يمثل نهاية مفهوم التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي وقدرته على ردع منافسيه. إذ إن إسرائيل التي تعتبر رائدة عالمياً في مجال الأمن السيبراني وفي قدراتها السيبرانية سواء على مستوى الدفاع أو الهجوم يطرح سؤالاً عن قدرة الفواعل والحركات من غير الدول مثل حركة حماس بما تثيره من قدرات سيبرانية تستطيع من خلاله مواجهة عدوها وتحقيق نتائج على أرض الواقع عبر تعظيم قوتها الصلبة أو الناعمة. هذا يذكّرنا بما أشار إليه (مقدم في مديرية الإنترنت التابعة للجيش الإسرائيلي) بمقال له عنونه بـــ «داخل فخاخ حماس السيبرانية»، من أن القدرات السيبرانية تقدم خيارات بديلة لحركة حماس لتعزيز استراتيجيتها وقدراتها السيبرانية والتي سوف تستمر في التقدم، وتستفيد من الأدوات المتاحة عبر طرق من شأنها أن تمارس أقصى قدر من التأثير في البيئات التشغيلية المختلفة. صحيح أن إسرائيل كانت قد أعلنت سابقاً عن سيطرتها على ترددات الاتصالات في قطاع غزة، لكن تصاعد الهجمات السيبرانية أثار تساؤلات عن المزيد من الشكوك حول كيفية تشغيل حركات المقاومة لبرنامج سيبراني في ظل هذه الظروف، ويبدو أنها استطاعت من الاستثمار في هذا المجال عبر تطوير أدواتها السيبرانية وبناء شبكة من «الوكلاء السيبرانيون» المتعاطفين مع القضية الفلسطينية في أنحاء المعمورة. في النهاية، يعكس البعد السيبراني في الحروب اللا تناظرية والحروب الهجنية تفاعلًا مع التطورات التكنولوجية المستمرة، ويبدو هذا ما التقطته حركات المقاومة الفلسطينية ومنها حركة حماس لضمان قدرتها على التأثير في ساحة المعركة وتحقيق بعض أهدافها، ابتداءً من تنفيذ هجمات سيبرانية بشكل متنقل ومرن بفعالية، مروراً بالتأثير بشكل كبير في الرأي العام للطرف المستهدف وتحقيق بعض الأهداف دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر على الأرض، وليس انتهاءً باستخدام البعد السيبراني كوسيلة لإنشاء سردية مضادة تؤكد على عدالة القضية الفلسطينية.
1968
| 16 نوفمبر 2023
«تجذب الهواتف الذكية انتباهنا بمهارة بعيداً عن أي شيء، وتشتتنا بالكامل. انظر! هناك ضوء يومض، حالة طارئة على كوكب العقل! إذا كانت هناك رسالة جديدة، لا نستطيع مقاومة تفقدها. وهذا هو رد فعل السعي للمتعة. فالرسالة تعطينا مكانة، وتزيد من غرورنا بأنفسنا، شخص ما يحبني! رسالة واردة! يجب أن أراها!». هذا بعض مما جاء في كتاب «مصيدة التشتت الرقمي: كيف تركز في فوضى العالم الرقمي»The DISTRACTION TRAP: How to focus in a digital world الصادر عن عام 2017 للكاتبة «فرانسيس بووث»FRANCES BOOTH التي تعرض فيه لمشكلة التشتت الرقمي وتوضح خطرها وتناقش الكثير من المسائل ذات الصلة مثل إدمان الإنترنت والرنين الوهمي وحالة الطوارئ في كوكب العقل وغيرها. إنّ هذا الكتاب الذي وقع بين يدي في عطلة نهاية الأسبوع وكأنه جاء في وقته لشخص تبدو ساعاته مبعثرة بين مسارات وممارسات تسيطر على جزء كبير منها مواقع وبرامج التواصل الرقمي والمرئي الممتدة ما بين البريد الإلكتروني، ورسائل الواتساب، ومتابعة تويتر والتنقل من موقع إلى آخر.. الجميل في الكتاب أنه يخاطب العقل قبل القلب، والمؤلفة تدعم موقفها ورأيها بدراسات علمية وتميل إلى تشبيه إدمان الإنترنت باضطرابات السيطرة على الدوافع، وإدمان المخدرات والوسواس القهري. وتقدم حلولا للتركيز والقدرة على التحكم بالتقنية عموما، وبمواقع التواصل والبريد الإلكتروني على وجه الخصوص. ومن النصائح الجميلة الواردة في الكتاب: لا تحاول إطفاء كل أجهزتك الرقمية لساعات بشكل مفاجئ إذا كنتَ تعتمد عليها بشكل كبير؛ حيث إنه من المرجح أن تعاني أعراض انتكاسة إذا ما فعلت ذلك. تجنب بكل الطرق الممكنة، التشتت الرقمي خلال الفترات التي تكون فيها معدلات قدرتك الإنتاجية في أقصاها؛ حيث إنها أوقات ثمينة من اليوم يمكنك أن تكرس فيها طاقات هائلة للقيام بإنجاز سريع للمهام التي تحتاج إلى التركيز. إنّ القيام بعدة أمور في الوقت نفسه خدعة نمارسها على أنفسنا، ونعتقد بأننا ننجز المزيد من الأمور؛ ولكن في حقيقة الأمر، تنخفض إنتاجيتنا بنسبة 40% وتُظهر بعض التقديرات أننا نخسر حوالي 75% من المعلومات التي اكتسبناها. نعيش اليوم في عصر المعلومات، والذي لا يعني بالضرورة أن تكون المعلومات في رؤوسنا. بل ذلك يعني أن المعلومات تمر عبر أذننا بسرعة الضوء، ولا يمكننا استيعابها. الإنترنت هو أكبر مستنزف للوقت تم اختراعه في حياتنا. إنّ معرفة سبب حاجتك إلى الوقت، تعطيك قوة الإرادة اللازمة لتجعل عقلك يفكر قليلا ليقوم بأمر أكثر أهمية من تصفح الإنترنت بدون هدف. لا تقتصر الخسارة على وقتنا فحسب؛ حيث ترى بعض التقديرات أن الأشخاص الذين يشتتهم البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية قد يعانون خسارة تقدر بنحو 10 نقاط من معدل ذكائهم، وهذا يساوي خسارة ليلة كاملة من النوم؛ إن حالة الكسل التي لا يحبها معظمنا نختارها بإرادتنا. إحدى الإشارات التقليدية على التشتت الرقمي هي الشعور بأنك مشغول طوال الوقت، ولذلك تشعر بأنك تحقق أشياء على أساس يومي؛ ولكن عندما تبدأ في جمع الأمور التي أنجزتها خلال السنة المنصرمة، لا تجد أنك أنجزت الكثير خلال عام كامل من الإرهاق. إنّ تغيير سلوك تشتتك الرقمي قد يمنحك ميزة تنافسية؛ حيث إنه يقلل من مستويات الضغط، ويزيد من الإنتاجية. وأخيراً في ظل هذا التشتت الرقمي، ينقصنا إشارة مكتوب عليها «توقف» أو تمهل، إشارة تحددّ لنا مسيرنا واتجاهنا الذي نريد؛ فبقوة الإرادة والرغبة يمكن مواجهة هذا التشتت كي لا تتداخل الممرات والطرقات وتجرفنا تيارات الزمن المتسارع...فهل نحن قادرون؟
1782
| 05 أكتوبر 2023
تبدو الأرقام مفزعة تلك التي كشف عنها موقع «ستاتيستا» (Statista) المتخصص في الإحصائيات بأن الكلفة الإجمالية للهجمات السيبرانية في العالم تناهز في العام 2023 ما يفوق 8 تريليونات دولار، مقارنة بـ 7 تريليونات في العام 2022، على أن ترتفع إلى 9.2 تريليون في العام المقبل. لقد ازداد اهتمام العالم بأسره وبشكل متزايد بخطر الهجمات السيبرانية في السنوات الأخيرة. ويُعتبر الاعتراف بأهمية الأمن السيبراني أمرًا حاسمًا للعديد من الدول بعد أصبحت هذه الهجمات العنوان الأبرز كأحد أهم العناصر المؤثرة في أوجه الصراع الدولي والجيوسياسي وبعد انتقال جزء كبير من الصراعات بين القوى المؤثرة إلى شبكة الإنترنت ورغم أن ثمة من يعتبر الفضاء السيبراني تهديدًا ناشئًا، إلا أنه بمجرد النظر إلى جدول أعمال إي قمة عالمية يبرر هذا التهديد بشكل مكتمل الأركان والمعالم. كان ان أحد أهم مجالات التحول السيبراني في عام 2022، وما قبله، هو إدراك العديد من الدول وغيرها من الفواعل الأخرى، بأن القدرات السيبرانية باتت مجالًا مهمًا لممارسة النفوذ وتحقيق التفوق والتنافس في العلاقات الدولية، حيث لم تعد ترسانات الأسلحة التقليدية هي المعيار الأساسي لقياس القوة الشاملة للدولة، بعد الثورة الصناعية الرابعة وما صاحبها من تجليات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الإطار، قامت العديد من الدول بوضع سياسات واستراتيجيات وطنية لمواكبة قفزات التطور في الثورة الصناعية الرابعة، ولاسيما بعد تصاعد الصراعات الدولية في الفضاء السيبراني التي باتت جزءًا لا يتجزأ من التفاعلات الدولية مع تنامي معدلات الهجمات والجريمة والمخاطر الإلكترونية بشكل لافت للنظر. خلال السنوات القليلة الماضية رأينا كيف أن أحد أطراف الصراع بات قادرا على إيقاع خسائر فادحة بالطرف الآخر وشل بنيته المعلوماتية والاتصالية الخاصة بها وما ترتب على ذلك من خسائر عسكرية أو اقتصادية أو أمنية من خلال قطع أنظمة اتصال أو بث فيروسات أو تضليل معلومات أو سرقتها والتلاعب بالبيانات الاقتصادية والمالية وتزييفها أو حتى مسحها من الوجود. صحيح أن العديد من الدول تعمل على تعزيز قدراتها في مجال الأمن السيبراني وتطوير استراتيجيات وسياسات تحكم استخدام التكنولوجيا بهذا المجال، ونرى الكثير من الخطط التي أعلنت عنها دول متقدمة وشرعت بزيادة نشاطها ووضع بنود في موازنتها العامة بملايين الدولارات (وهنا نتحدث عن الولايات المتحدة والصين وروسيا وبعض الدول الأوروبية تحديدا) لمجابهة التحديات والمخاطر السيبرانية وتكثيف جهودها لحماية أمنها الإلكتروني وتحصين بنيتها التحتيَّة الحيويَّة، وتطوير سياسات لرفع الوعي حول قضايا الأمن السيبراني وتطوير المخططات الوطنية لتحفيز وتعظيم الوسط الرقمي لها، بهدف تقليص مخاطر وآثار الهجمات السيبرانية التي تتعرض لها المعمورة كل جزء من الدقيقة. إنّ العالم برمته، بات يعتمد على التكنولوجيا الرقمية والاتصالات السيبرانية، وإذا تم التقاطع بين الهجمات السيبرانية والصراعات الجيوسياسية؛ فإن المشهد سيكون أكثر خطرًا وتعقيدًا وهذا يتطلب تقديم استجابات فعّالة وتطوير استراتيجيات جديدة للتعامل مع هذه التهديدات المتنوعة والمتزايدة.
2757
| 28 سبتمبر 2023
مما لا شك فيه أن السياسة السيبرانية أصبحت مصطلحاً يستخدم على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية والبحثية حيث تتناول هذه السياسة تأثير الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية على الأنشطة السياسية والعمليات الحكومية والعلاقات الدولية. ويمثل هذا المفهوم استجابة حديثة للتحديات التي تطرحها العولمة الرقمية وتأثيرها على التوازنات السياسية والاقتصادية العالمية. فالفهم العلمي العام لمعنى «السياسة» في الفضاء السيبراني يقوم على أخذ حساب صريح لهذا الفضاء في تحليل السياسة العالمية، والأنماط الملحوظة للوصول والمشاركة السيبرانية في جميع أنحاء العالم، وكذلك الأنواع الجديدة من النزاعات والخلافات الدولية التي تنشأ من الأنشطة في العالم الافتراضي، وليس انتهاءً بالضرورات الجديدة الطارئة التي شكلها ظهور شبكة الإنترنت في تفسير نظريات العلاقات الدولية وأدواتها المنهجية. لا شك أن السياسة السيبرانية أضحت اليوم رائجة الاستخدام لدى الأكاديميين والباحثين المهتمين بتحليل تأثير الفضاء السيبراني في العلاقات الدولية والعلوم السياسية؛ وأصبح البحث في هذا الجانب يأخذ زخما أكاديميا مهما لتطوير التخطيط الإستراتيجي والقيادة في ساحات الإنترنت والبيانات الضخمة، إضافة إلى النقاش الدائر حول تأثير التحديات الإلكترونية على الحكومات والمنظمات والمجتمعات بشكل عام. ما تقدم يؤكد أن السياسة السيبرانية أصبحت خلال العقدين الماضيين إحدى أهم القضايا العامة العالمية، وغدت أبعد من مجرد مسألة فنية في السياسات الدولية أو قضية بحث نظرية؛ إذ بات «الطيف السيبراني» يؤثر في الديمقراطيات والدكتاتوريات والعمليات السياسية والتفاعلات بين الدولة والمجتمع والأسواق وصنع السياسات على جميع المستويات، ناهيكم عن تأثيره في مروحة واسعة ومتنوعة من القضايا السياسية على شاكلة: السيادة والانتخابات والحملات والديمقراطية والاحتجاج والقمع والحرب والسياسة الأمنية ومكافحة الإرهاب والتعاون والصراع الدولي وسياسة الهجرة والشتات والهوية والمواطنة. وبالتالي فإن هناك أسئلة بدأت تفرض نفسها في هذا السياق من قبيل: كيف تتحكم السياسة في الفضاء السيبراني؟ وكيف يؤثر هذا الفضاء على السياسة؟ وما مدى استخدام الفضاء السيبراني للنشاط السياسي؟ وكيف تغير التكنولوجيا الرقمية السياسات الديمقراطية؟ وكيف تؤثر على السياسة والعلاقات الدولية؟ وهل أصبح الأمن السيبراني بالفعل قضية سياسية؟ وهل ستتأثر جميع نماذج الحوكمة بالفضاء السيبراني؟ وهل ستؤثر الديمقراطية الإلكترونية على نماذج الحكم الأخرى عبر الدول؟ وغيرها العديد من الأسئلة التي تطرح نفسها في ظل أفق يلوح بفضل اتساع الفضاء السيبراني الذي حتّم إعادة تعريف ما هو عالمي وما هو إنساني وما هو قيمي وأخلاقي؛ فجولة المراجعات التي شهدتها العلوم الاجتماعية والإنسانية المختلفة مع دخول البشرية الثورة الصناعية الرابعة لم تعد -في ما يبدو- كافية للتعبير عن الواقع المعاصر، وسرعان ما سيصبح علينا أن نخوض جولة جديدة من المراجعة على صعيد العلاقات الدولية بدخول البشرية عصر السيبرانية السياسية. عوداً على بدء، لا بد للجامعات والمراكز البحثية إيلاء أهمية لموضوع السياسة السيبرانية لفهم التحولات الكبيرة على صعيد العلاقات الدولية عبر توفير إطار تحليلي للتأثيرات السيبرانية و فهم كيفية تطور الأمور في عصر الرقمنة السريعة والدور المحوري لها في تحديد توجهات العالم...فهل نحن فاعلون؟
801
| 14 سبتمبر 2023
من الأمور المستقرة في العلاقات الدولية أن مصادر قوة الدولة وأشكالها تتغير،ومع ثورة المعلومات ظهر شكل جديد من أشكال القوة هو القوة السيبرانية، وظهر مفهوم «الوزن السيبراني» الذي يقوم على وجود نظام متماسك يعزز القوة من خلال التفاعل الجيد بين القدرات السيبرانية والتكنولوجية والسكانية والاقتصادية والصناعية والعسكرية وإدارات الدولة وعوامل أخرى. هذا التوازن المتناغم يسهم في تعزيز قدرات الدولة في تنفيذ ممارسات الإكراه والإقناع، وكذلك تنفيذ استراتيجيات التأثير السياسي في سياق العلاقات الدولية. فالوزن السيبراني هو مفهوم يرتبط بقدرة الدولة في الحفاظ على سيادتها وأمنها في الفضاء السيبراني، وبالقدرة التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية للدولة على التعامل مع التهديدات السيبرانية والدفاع عن مصالحها وأمانها في العالم الرقمي. تعتبر القوة السيبرانية جزءًا مهمًا من قوة الدولة في العصر الحديث، حيث يعتمد الاقتصاد والتواصل والدفاع الوطني بشكل كبير على الشبكة العالمية وتقنيات المعلومات والاتصالات. فالدول التي تمتلك تقنيات متقدمة في مجال السيبرانيات وتستثمر في قدرات الدفاع السيبراني تكون أكثر قدرة على حماية نفسها من الهجمات السيبرانية والمحافظة على سيادتها في الفضاء الرقمي.بالإضافة إلى ذلك، يشمل الوزن السيبراني أيضًا قدرة الدولة على استخدام الأسلحة السيبرانية في الصراعات والحروب السيبرانية، لقد أعطى هذا الأمر دافعاً رئيسياً للدول في اتجاهين، الأول: تدعيم القوة الناعمة؛ حيث بات الفضاء السيبراني مسرحاً لنشر المعلومات المضللة، والحرب النفسية، والتأثير في توجهات الرأي العام، والنشاط السري والاستخباراتي، أما الاتجاه الآخر: فيتعلق بتبني الدول لزيادة الإنفاق في سياسة الدفاع السيبراني، وحماية البنى والشبكات الوطنية من خطر التهديد، وبناء مؤسسات وطنية للحماية الإلكترونية. إن المعيار التاريخي الأول للقوة كما معروف هو المقياس العسكري الذي ساد سابقا، لكن اليوم ضعف تأثير هذا المقياس على أهميته، بعد أن تبيّن أن القطاع العسكري قد يستنزف طاقات الدولة على حساب قطاعات أخرى مهمة وضرورة لبقائها. وللإشارة هنا، فإن ثمة العديد من العلماء وفقهاء السياسة والمفكرين الاستراتيجيين قاموا على مدار العقود الماضية بإصدار دراسات عديدة تتناول أساليب قياس العناصر التي تدخل في حساب قوة الدولة لكن شاب هذه الدراسات الكثير من الاختلافات والتباينات؛ إذ ما زالت هناك نقاط تثير جدلا حول أساليب القياس ومؤشراتها وتعددت مناهجها وأساليبها بهدف التوصل لرؤية جديدة تتماشى مع المتغيرات التي فرضت نفسها، على موضوع «قوة الدولة» كواحد من أبرز الاهتمامات الأساسية في الدراسات الجيوستراتيجية المعاصرة، ليس فقط بالمعنى الضيق للقوة العسكرية وحدها، ولكن أساساً بالمعنى الحضاري الأشمل، هذا الحديث ليس موضع تشكيك أو تقليل من شأن وقيمة عناصر القوة التقليدية، لكننا نشهد اليوم دخول قوة تأثير الفضاء السيبراني، والقدرة على الابتكارات العلمية التي أصبحت عناصر رئيسية في تحديد أوزان ونفوذ الدول، وحجم مكانتها بين الأمم، وهذا ما يتفق عليه الكثير من دارسي العلاقات الدولية على أن عناصر قوة الدولة التقليدية على أهميتها لم تعد حاسمة في تعريف مفاهيم القوة بعد المعطيات الجديدة التي فرضها العصر الرقمي، والتي وضعت بصمات دامغة على موازين القوى الدولية، إضافة إلى إحداثها تعديلات على بعض مؤشرات قياسها. بناء على هذا الأساس، فقد وضعت دراسات عديدة معايير في ترتيب قوة الدول بالنظر إلى «الوزن السيبراني» من حيث أعداد مستخدمي الهواتف الذكية والإنترنت، وشبكات تكنولوجيا الجيل الخامس للاتصالات بالمقارنة مع إجمالي عدد السكان، وكذلك الاختراعات السنوية ودرجة التنافسية الرقمية التي تقيس مدى الاستعداد لتطوير تكنولوجيات جديدة، والقدرة على استغلال الابتكارات الجديدة والبناء عليها. هذا بالإضافة إلى ظهور نماذج قياس في الآونة الأخيرة تقيّم القدرات السيبرانية للدولة القومية والقوة الوطنية وتصنفها وفق مؤشرات الاستراتيجية والعقيدة مثل الحكم والقيادة والسيطرة؛ القدرة الأساسية للاستخبارات السيبرانية؛ التمكين والاعتماد على الإنترنت؛ الأمن الإلكتروني؛ الريادة العالمية في الفضاء السيبرانية، وقدرة الهجمات الإلكترونية. وعليه، بما أن العالم يتجه نحو التفاعل المتزايد عبر الإنترنت والتكنولوجيا، يصبح «الوزن السيبراني» عنصراً رئيسياً في العلاقات الدولية وأمرًا لا غنى عنه في تحقيق والحفاظ على القوة الوطنية والتنافسية في الساحة العالمية.
867
| 07 سبتمبر 2023
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
4485
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...
4218
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
2442
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...
1635
| 05 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
765
| 05 مايو 2026
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...
759
| 07 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
747
| 07 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
708
| 08 مايو 2026
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...
558
| 07 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
558
| 09 مايو 2026
يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...
549
| 04 مايو 2026
كعادتي دائما ما أختار موضوع مقال يخص مجتمعنا...
516
| 04 مايو 2026
مساحة إعلانية