رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ملف العلاقات الراهنة بين الإسلام والغرب لا نجد فقط مواقف الدول الغربية من الربيع العربي أو تعامل الحكومات الغربية مع الجاليات المسلمة في ربوعها أو التهديدات الحالية بإعادة القاعدة للمواجهة مع الغرب بل يجب أن نقرأ ورقات ملف آخر شديد الحساسية ومهمل منذ سنوات طوال ونسيه الغربيون والمسلمون وهو يعود اليوم للواجهة الدبلوماسية والإعلامية وأقصد بذلك ملف قبول الاتحاد الأوروبي لعضوية الجمهورية التركية فيه وهو ملف جاءت الحكومة الفرنسية الاشتراكية وجاء رئيسها فرنسوا هولند ينفضون عنه غبار عقود من الجدل العقيم وتوظيفه في ملعب التلاعب الانتخابي الأوروبي الداخلي وغبار الاستغلال السياسي الذي شوه العلاقات القديمة بين الشرق والغرب. اليوم يحرك الرئيس الفرنسي هذا الملف ويعلن أنه لا يعارض عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي وهو بهذا الموقف يسجل قطيعة مع موقف سلفه الرئيس ساركوزي الذي جعل من معارضته لدخول تركيا للاتحاد قاعدة أساسية من قواعد سياسته الخارجية أثناء حملته الانتخابية الأولى سنة 2007 والثانية سنة 2012 حين قرر استعمال تلك المعارضة ليرضي الحساسيات اليمينية المتطرفة بل العنصرية داخل المجتمع الفرنسي وبلغ الأمر بالمرشح اليميني ساركوزي أن قال إنه يقف سدا منيعا لحماية الغرب وما سماه القيم المسيحية اليهودية التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي! وتعلل بأن أوروبا لا ترغب في أن تكون لها حدود مع العراق وإيران وبأن تركيا شعب مسلم ولا ينتمي إلى "ثقافتنا" حسب تعبيره! ولكن العديد من السياسيين الفرنسيين اليساريين البارزين كتبوا كتبا لا مجرد مقالات للرد على هذه السياسة ومنهم رئيس الحكومة الأسبق السيد ميشال روكار الذي أصدر كتابا منذ سنتين بعنوان (نعم لتركيا) ومنهم وزير الدفاع الفرنسي الأسبق السيد جون بيار شوفينمون الذي نظم عديد الندوات الدولية ليشرح موقفه من اتحاد أوروبي منفتح على شرق المتوسط أي تركيا بالتحديد. يجب أن لا ننسى بأن المعطى الجديد الذي عجل بموقف الرئيس هولند في هذا الشأن هو إنقاذ صورة فرنسا من عداء المسلمين لها بعد تدخلها العسكري في مالي وكذلك إشارة السيد رجب طيب أردوغان بأن تركيا تدرس مشروع طلب عضويتها في الاتحاد المشرقي الاقتصادي الذي تقوده جمهورية روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية وهو يحمل اسم (منظمة تعاون شانغهاي) وهو اتحاد بصدد تشكيل جبهة مصالح تجارية ونفطية وغازية ومالية لدول قوية تتعارض أستراتيجياتها مع استراتيجيات الغرب بجناحيه: الأمريكي والأوروبي وبتوابعه اليابانية وجنوب شرقي أسيا. فانضمام تركيا بديناميكيتها الصناعية والتصديرية وبوزنها السياسي والحضاري الإسلامي لهذا القطب المشرقي سوف يرجح كفة العمالقة التقليديين: روسيا والصين على حساب القطب الغربي بل سيفتح باب الدول المسلمة جميعا على خيارات أخرى مختلفة تدشن وضعا غير مسبوق في مجال العلاقات الدولية وموازين الحرب الباردة في طبعتها الجديدة المنقحة مما سينتج عنه لا محالة تغيير عميق في صلب النظام العالمي القديم والجائر والمؤسس على غلبة الغرب واحتلاله لعديد مناطق النفوذ في العالم. نلاحظ بأن وزير الخارجية التركي السيد أحمد داود أوغلو رحب يوم 12 فبراير الجاري بالمبادرة الفرنسية واصفا إياها بالخطوة الحكيمة بعد الخمسين عاما التي قضتها أنقرة وهي تحاول الانضمام للاتحاد الأوروبي دون جدوى. اليوم تبدأ مفاوضات صعبة ومعقدة وضعت لها الدول الأوروبية شروطا مجحفة تتعلق بالقوانين الجمركية والمنظومة السياسية وحقوق الإنسان والتعامل مع الأكراد حيث يطلب الاتحاد من تركيا أن تلتزم بها حتى يتم تواصل المفاوضات من أجل قبولها. ونذكر أن طيب الذكر رحمه الله مؤسس الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا نجم الدين أربكان سبق أن أوصد هذا الباب بعد طول صبر قائلا:" إني أفضل ألف مرة أن تكون تركيا في مقدمة الدول الإسلامية على أن تكون ذيلا للاتحاد الأوروبي". وبالفعل أخذت أنقرة في عهد تلميذيه النجيبين عبد الله غول ورجب طيب أردوغان منعرجا جديدا وجريئا يتمثل في صرف النظر عن عضوية الاتحاد الأوروبي والالتفات القوي للعالم الإسلامي حيث تحولت تركيا إلى عنصر توازن وحضور إستراتيجي في كل ملفات الشرق الأوسط الساخنة ومنها ملف القضية الفلسطينية وما تبعها من قضية سفينة السلام وكسر الحصار المعروفة وعملية القرصنة والعدوان الإسرائيلية التي استشهد فيها تسعة مواطنين أتراك ثم صدام تركيا الدبلوماسي مع إسرائيل ومواقف أردغان الشهيرة أمام الغطرسة الإسرائيلية ومنها اليوم قضية الشعب السوري. يوم الإثنين الماضي اجتمع رجب طيب أردوغان بسفراء دول الاتحاد الأوروبي في أنقرة وتوجه باللوم والعتاب لمواقف دولهم من مطلب عضوية تركيا منذ نصف قرن مذكرا إياهم بالسند التاريخي الذي قدمته تركيا لحلف شمال الأطلسي وبالتالي لدعم قيم الحرية والديمقراطية في العالم. كما أشار إلى أهمية تركيا في السوق التجارية الإقليمية والدولية بحجم مبادلات يتضاعف سنويا ويفتح أسواقا مستهلكة لإنتاجها ويزيد من مزاحمتها وقدرتها التنافسية مع الدول الأوروبية تحديدا في البلدان العربية والإفريقية. نحن اليوم أمام تحولات مهمة في طبيعة العلاقات الدولية بعد التغييرات العميقة التي شهدتها بلدان المغرب والمشرق خلال سنة 2011 ولعل ما سيحدث في تركيا سينعكس إيجابا على العلاقات المتأزمة بين الإسلام والغرب وربما فتح طريقا للسلام والوفاق.
432
| 20 فبراير 2013
تسلم السيد جون كيري حقيبة الخارجية الأمريكية خلفا للسيدة الحديدية هيلاري كلينتون وحسب ما نعلمه عن نواميس الحكم في واشنطن فإن وزير الخارجية يصبح الشخص الثاني الأكثر تأثيرا في العلاقات الدولية الأمريكية بالعالم بل ومع هشاشة الرئيس أوباما الدبلوماسية يصبح هو الشخص الأول بسبب انشغال الرئيس باراك بالملفات الداخلية من اقتصاد وبطالة وأزمة بنوك ويكون تعيينه بالنسبة لدول العالم حدثا ذا أهمية قصوى بالنظر إلى وزن الولايات المتحدة في العالم من النواحي الستراتيجية والاقتصادية والعسكرية. ويمكن القول إن الزميل الفرنسي/ دانيال رويو أستاذ الحضارة الأمريكية في جامعة السربون أصاب كبد الحقيقة في كتابه الأخير(الولايات المتحدة الأمريكية: حضارة عنف) الصادر عن دار نشر أرمان كولان بباريس، حين طالب بتوسيع فضاء الناخبين للرئيس الأميركي إلى كل سكان المعمورة، بدلا من الاقتصار على المواطنين الأمريكيين، وذلك لأننا في الانتخابات الأمريكية إنما نشهد سن سياسة العالم برمته وتقرير مصير الدنيا بأكملها وكذلك الأمر حين يقع تعيين وزير الخارجية الأمريكي. والأستاذ / رويو لا ينطلق في فكرته هذه من منطلقات "عربية " على قاعدة ديوان الحماسة ومنطق النشامى، بل هو لا يكن أي عداء للمجتمع الأمريكي، إنما يتوخى البحث العلمي التاريخي والسوسيولوجي والاستراتيجي والاقتصادي لتفسير ظاهرة العنف التي يقول بأنها إحدى مرتكزات وجذور السياسة الأميركية مهما كان الرئيس المنتخب ومهما كان الحزب الفائز. لهذه الأسباب أردت اليوم إعداد كشف عن التوقعات المنتظرة لنا نحن العرب وقد اضطلع السيد جون كيري بوزارة الخارجية في ظروف عربية عصيبة لم تكن هي ذاتها حين ترشح نفس السيد كيري للرئاسة، و توقعاتي هذه لا تنطلق لا من خيالي ولا من الأماني التي كثيرا ما تراودنا حول المأمول من هذا الرئيس أو ذاك أو من هذا الوزير القوي أو ذاك، بل من الواقع الأميركي وعلى لسان أصحاب الأمر والنهي هناك في واشنطن ومانهاتن (العاصمة السياسية والعاصمة المالية لأمريكا). في هذا الصدد يفيدنا جدا أن نصيخ السمع للسيد/ جوزف ويلسن آخر سفير أمريكي لدى عراق صدام والمستشار المقرب من / جون كيري وأفضل العارفين بشؤون العرب: يقول هذا الرجل لمجلة (الوطن العربي): " في صورة فوز / كيري للرئاسة أو بلوغه منصب قرار أساس في واشنطن لن يسحب الجيش الأميركي من المواقع الشرقية الحساسة مثل العراق وأفغانستان وربما غدا في إفريقيا الشمالية والوسطى بل وسيجلب الاتحاد الأوروبي إلى مشاركة أمريكا في هذه التواجدات عن طريق حلف الناتو وإقرار الديمقراطية، يضيف السفير / ويلسن قائلا: "إن قدرة الأمريكان على البقاء في العراق وصلت إلى مرحلة الامتحان في ظل تصاعد العنف وكان علينا ألا نغزو العراق منذ البداية وأعترف بأن الأمريكيين أساءوا حساب كيف سيكون الاحتلال وعقدوا صفقات مع العديد من الجهات ولم يعوا تعقيدات هذا البلد.. والآن نتحول إلى خبير أمريكي ثان هو أستاذ الإدارة الحكومية في جامعة جورجتاون الدكتور/ دانيال برومبيرغ الذي يفيدنا بما يلي: "لن يكون موقف / كيري مختلفا عن موقف /بوش لو كان هو الرئيس في الحادي عشر من سبتمبر، لكن / كيري ليس له حماس بوش أو كارتر الديني ولا التأثير السحري الشخصي (الكاريزما) الذي كان للرئيس كلنتون لكنه سيستخلص الدرس القاسي من فشل بوش في حلحلة القضية الفلسطينية، لأن مجرد التلويح لدى بوش بضرورة قيام دولتين إسرائيلية وفلسطينية لم يكن ذا فاعلية سياسية ولا نجاعة دبلوماسية، وبذلك ضيع الرئيس بوش مصداقيته في أخطر وأدق ملف شرق أوسطي ساخن. وسيكون موقف الوزير/ جون كيري (في موقعه الدبلوماسي) معتبرا بالمصالح القومية الأمريكية العليا التي تحرك سياسة الولايات المتحدة إزاء هذا الملف، أي نفس المصالح التي وضعها الرئيس / كارتر في حسبانه حين دشن صفحة جديدة من العلاقات العربية الإسرائيلية عام 1977 وهي نفسها التي وضعها الرئيس / كلنتون في اعتباره حين جدد اللقاء بين الخصوم في كامب ديفد 2 . وهنا نذكر بما أكده جون كيري بأنه يختلف جوهريا عن / بوش لأنه كما قال: " لا يدعي بأن الله إلى جانبه ولكن يدعو الله أن يساعده "، وهي إشارة لاتخفى على الخبراء والمحللين تقول إن الوزير/ كيري لا يدخل في حرب دينية (الحملة الصليبية) ويرفض الانضمام إلى جماعة المحافظين الجدد ذوي المنطلقات الدينية المتخلفة والمناقضة لروح الجمهورية الأمريكية، وهنا يناهض / كيري جوهر السياسة " البوشية " القائمة بصراحة على عقلية إرسالية تمزج التصرف الدنيوي السياسي بالروحي الخرافي المؤسس على المعتقد اللاهوتي! لكن الأخطر هو ما أوحى به المخرج الأميركي الذي أنتج شريط " فاهرنهايت 9/11 " من كراهية الديمقراطيين التقليدي للعرب. على كل لا يجب على العرب انتظار المعجزات والتحولات في السياسة الأمريكية، لأن الثوابت فيها أكثر بمسافات من المتغيرات مهما كان الرئيس ومهما كان الحزب، ومن هذه الثوابت التي تهمنا نحن العرب والتي استعرضتها / نيويورك تايمز: 1 العمل على إجراء إصلاحات عميقة في البنية السياسية والثقافية العربية، 2 مواصلة ضمان التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي على جيرانها العرب، 3 مواصلة الحضور العسكري في مناطق القلاقل الراهنة وأغلبها يقع في العالم العربي من أجل سد الطريق في وجه التوسع الصيني والروسي والانطلاق منه إلى التأثير في كل سياسات منطقة الشرق الأوسط بما يضمن المصالح الإستراتيجية والسياسية والنفطية للولايات المتحدة. هذه هي الثوابت حسب / جون كيري! فهل لاحظتم اختلافا بينها وبين سياسات / جورج بوش؟ بالطبع لا! لكن التغيير سيكون حتما في تنفيذها وتجسيدها على أرض الواقع في عالمنا العربي، أي الفروق ستكون في الأسلوب لا في المبدأ.
368
| 13 فبراير 2013
هذه الأفكار البديهية جالت بذهني حين شهدت الفزعة التي فزعها البعض من النخبة التونسية ضد زيارة الداعية الإسلامي الشيخ نبيل العوضي لتونس ونشر صورة له في حضانة قرآنية وسط باقة من الفتيات التونسيات الصغيرات ترتدين حجابا إسلاميا فكأنما بالنسبة لهؤلاء المنحرفين والمنجرفين فكريا والمطالبين بطرد الشيخ نبيل نفخ في الصور أو قامت الساعة والأمر كما بينه الشيخ نبيل ذاته لا يعدو أن يكون من باب (لكل مقام مقال) فالمسلمة مهما كان سنها تتزيأ للمسجد أو لتلاوة القرآن بما يليق بمقام المكان أي بالحشمة ولو كانت مؤقتة فنفس هذه البنية لو أخذها والداها لشاطئ البحر للبست لباس السباحة وإذا دخلت المدرسة للبست (طابلية الدرس) فما العيب أن تضع على رأسها حجابا محترما وهي تستقبل داعية مسلما بحجاب محتشم! ثم إن القول بأن هذا السلوك مستورد علينا فهو إدعاء جهول لأن جيل أمهاتنا وجداتنا لم يكن يظهر في المجتمع حتى بحجاب ثم تنكر نصف القرن الماضي لهوية البلاد واستحدث ممارسات غريبة عن تونس ألحقتنا بالغرب في قشوره لا في جذوره واليوم يعود المجتمع تدريجيا إلى سابق أصالته وعريق تقاليده ولا تمس هذه العودة من حرية من يشاء التمادي في التغريب فالمستورد ليس هذا السلوك المحتشم الأصيل بل المستورد هو هذا الفكر المستلب الدخيل. ولا أجد أبلغ في هذا الشأن من كلام منشور على الفايسبوك بتوقيع (منعم) أستسمحه في نقل تعليقه يقول: حين أرى نحيب النخبة العلمانية واسمع ضجيجها الثقافوي لمجرد ارتداء بعض الأطفال لباسا احتفاليا انسجاما مع المقام والمناسبة أدرك أن وراء هذا النحيب والضجيج قلبا يدمي واقف على قوله تعالى (قد بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) وأدرك حينها أن علمانيتهم قفزت من مربع إبعاد الدين عن شان الحكم وتنظيم الحياة العامة والخاصة لمنتسبيه إلى مربع آخر يستعد إلى خوض معركة وجود معه معركة الكل ضد الكل حينها فقط أعلم أنني أمام فوبيا الإسلام في أسوأ تجلياتها وأكاد اجزم أنني أمام حفريات ثقافية تحاول إنتاج مدن خلناها اندثرت وطواها النسيان أبطالها قاتلوا طواحين الريح حتى كل زندهم فتسعفني ذاكرتي بصور لينين وترتسكى وستالين وأنور خوجه الذين قادوا محاكم التفتيش وآذوا هذه الأمة وصادروا تقدمها إلا أنني قد أجد بقايا احترام لهؤلاء الأموات لأنهم امتلكوا شجاعة أيديولوجية برروا من خلالها بشاعة أفعالهم فكان مافعلوه ضرورة تاريخية بها برر ماركس احتلال الجزائر وبها خدر أسلافهم ضمائرهم حين شاهدوا حمامات الدم المتكررة في العالم. ولكنني في الوقت نفسه أزدرى هؤلاء الخلف الذين جبنوا وفقدوا شجاعة الخصم الشريف وتقاصرت همتهم فاختبأوا وراء الجدر الثقافية حينا ووراء القيم الكونية حينا آخر وهم فيه سواء بشقيهم الليبرالي واليساري وأن كانوا يختلفون في الدرجة والأسلوب فأقف من جديد على قوله تعالى (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) هذه الجدر الكونية الواهية.
407
| 06 فبراير 2013
لا حديث ولا صور على شاشات العالم سوى الذي يرد على الرأي العام الدولي من القاهرة ودمشق وبغداد وتونس وبنغازي وصحراء الجزائر بمشاهده الفاجعة وتداعياته المأساوية والمخاوف منه ومؤامرات القوى عليه وتأجيج الصراعات فيه. مشاهد مصرية من السويس وبورسعيد سقط فيها إلى حد كتابة المقال 32 من الضحايا على خلفية أحكام قضائية بالإعدام في قضية المباراة الدموية الشهيرة مع النادي الأهلي التي خلفت 74 قتيلا وعلى مسرح معركة لي الذراع بين الإسلاميين والليبراليين. وتجتاح حياتنا اليومية مشاهد إضافية من دمشق أصبحت مثل طاحونة القتل المعتادة لم تعد تعرف فيها من القاتل ومن المقتول وسط ركام المدن المدمرة وقوافل الهاربين من الجحيم. وجاءتنا أيضا وبالتوازي صور العراق الثائر الجديد وهي تحمل هتافات وشعارات سمعناها من قبل في بلدان الربيع يتصدى لها المالكي بما استطاع من ردع بلغ حد إطلاق النار على المتظاهرين في الفلوجة ذات التاريخ القريب الفاجع. ثم جاءت مشاهد من تونس تضخمها القناة الفضائية الفرنسية الثانية بتقديم الاستثناء على أنه "القاعدة" وتفزيع السياح الأوروبيين من بلاد عرفت بكونها وطن الياسمين والتسامح وطيب العيش والحوار فإذا بالتوانسة يفيقون على مقامات الأولياء الأثرية محروقة أو مهددة بالحرق بينما من ضمن هؤلاء الأولياء مجاهدون ومرابطون (مثل أبي سعيد وسيدي عمار وسيدي سالم وهم الذين تصدوا في تونس للحملة الصليبية الثامنة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع نهاية القرن الثالث عشر ميلادي) وحتى صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مثل مقام أبي زمعة البلوي بالقيروان. وأخيرا هطلت علينا مشاهد من ليبيا بتلك "البيكوبات" الحاملة للمدافع الرشاشة والصواريخ الموجهة للطيران والأر بي جي وهي تجوب شوارع بنغازي وطرابلس وتهدد الأمن وترفض جماعات البيكوبات تسليم سلاحها للدولة لأنها تنكر على السلطة الجديدة حق الشرعية في حين تسند لنفسها حق التكلم باسم الثورة وباسم الشعب الليبي بل وتسعى لتعويض أو تقويض الدولة. وأخيرا ملأت شاشاتنا صور احتجاز الرهائن الأبرياء في عين أميناس بالصحراء الجزائرية كتوابع سريعة لزوابع مالي التي حلت بها قوات فرنسية فإذا بنا نكتشف بأن ثلث المهاجمين هم تونسيون جيران الجزائر وبأن من بين الضحايا الرهائن تونسيون أيضا فندرك بيسر أن العنف لم تعد له حدود ولا يحمل جوازات سفر ولا يعترف بتأشيرات دخول ولا يقف عند معابر الجمارك للتفتيش والتحري. هذه بعض صور المشهد العربي اليوم وهي لا تبعث على الاطمئنان ولا توحي بنهاية النفق المظلم (حسب تعبير وزير الاقتصاد التونسي المستقيل حسين الديماسي) بل تدعونا للتدبر والتساؤل ومساءلة النفس عما حدث للعرب وهم أمام أخطر امتحان عسير يقفون حائرين ينتظرون المزيد من التدخلات الأجنبية وتنفيذ مخططات التقسيم والتفتيت وضياع ما حققه آباؤهم وأجدادهم من مكاسب الحريات واستقلال الشعوب وتوحيد الأمة وصيانة الهوية. كل تلك الكنوز الغالية التي دفع من أجلها الأسبقون الأرواح وضحوا بالأنفس وبالنفيس أصبحت في مهب الريح. إن جيل اليوم مهدد بفقدان الأمن والأمان وبخراب الأوطان حين نقرأ الأحداث العربية بعيون الصدق مع النفس فنرى أن المصريين أكثر انقساما من الأمس وأن السوريين أشد ويلا من الزمن الذي ثاروا عليه وأن العراقيين على كف عفريت الطائفية بينما لم يكن العراقي في عهد الملك الهاشمي فيصل قبل 1958 يسأل عن جاره العراقي هل هو شيعي أم سني وهل هو مسلم أم مسيحي وأن التونسي الذي عاش 15 قرنا في وفاق مع هويته العربية الإسلامية انتقل إلى فضاء مخيف وعنيف من محاكم التفتيش الفكرية والعقدية على هامش التاريخ وبتناقض صارخ مع العقل وبعيدا عن مشاغل المواطن العادي المستقيل من السياسة والجاري وراء لقمة العيش واستعادة الكرامة والحرية والشغل والعدالة الاجتماعية.و أن الجزائري الذي قدم منذ 1840 بثورة الأمير عبد القادر أكبر ملاحم المقاومة أصبح اليوم مهددا في صحرائه وفي أمنه بوافدين عرب وأفارقة منتمين إلى ملل ونحل مستحدثة. لو كان من بين القراء الأفاضل من يعارض هذا التوصيف الموضوعي للمشهد العربي في مقالي هذا فليدلني على بارقة تفاؤل تبدد ظلام تشاؤمي وأنا لا أنكر أن الحرية مكسب ثمين حققته انتفاضات الشعوب لكنه مكسب مهدد بالمخاطر الكبرى حين يتحول إلى فوضى عارمة تبدأ بتجاوز الإشارات الحمراء في الطريق وتنتهي بإهانة كل رموز السلطة بالمسخرات الإعلامية المضحكة الهابطة وصولا إلى حالة عربية عامة من العبث بكل مكاسب الحضارة وحالة عربية عامة من انعدام الأخلاق السياسية والإخلال بالقيم المواطنية والمدنية تحت حجج الحرية فكل حرية بلا ضوابط هي الفوضى واسمها الحقيقي هو العدمية أي سلوك الروافض الجدد المؤدي إلى تدمير الدولة وتقويض القانون وتعريض بلداننا للغزو الأجنبي حين يلجأ الناس رغما عنهم لخيار الدولة المولى عليها ولكنها أمنة يفضلونها لا قدر الله على دولة حرة لكنها لا توفر لا الخبز ولا الكرامة ولا الأمان. إنني أناشد الشعوب العربية ونخبها مهما كان انتماؤها حاكمة كانت أو معارضة أن تعي خطورة هذه اللحظة وأن تدرك أنها أمام امتحان التاريخ وأن مصائر الملايين من الناس الطيبين الأصلاء بين أيديهم وأنه في هذا الامتحان يكرم المرء أو يهان.
723
| 30 يناير 2013
الحرب التي أعلنتها فرنسا الأسبوع الماضي على القاعدة وإمارتها المغاربية في الصحراء الإفريقية سيكون الحدث الأبرز بل والأخطر إقليميا وعالميا لمطلع سنة 2013 لأنها تدشن عهدا جديدا ومتوقعا ومبرمجا من الصراع القديم المتواصل بين الإسلام والغرب مهما ألبسه الجانبان من أقنعة الحجج الإيديولوجية لتسويق المواجهة وتبريرها. فالحرب شنتها فرنسا رسميا ضد الإرهاب لا ضد الإسلام والحرب بالنسبة للقاعدة هي ضد الاستعمار والاستكبار لا ضد الغرب. العجيب أن نفس الشعارات رفعتها فرنسا حين قامت بحملة مصر والشام سنة 1798 واحتلت الأزهر وقتلت علماءه فالتبرير كان محاربة المماليك والقضاء على المتطرفين (حسب المؤرخ الفرنسي الذي رافق الحملة "دافان دونون" والذي تحدث عن طلاب الأزهر الذين ثاروا يوم 22 أكتوبر 1800 فوصفهم بالمتعصبين الإسلاميين ورافضي حضارة البيض: أي أنهم بلغة عصرنا الراهن من جماعة القاعدة!!) ونفس المنطق استعملته الصحف الباريسية سنة 1830 وخاصة صحيفة (لوليستراسيون) حين احتلت القوات الفرنسية الجزائر فكان السبب المعلن هو مقاومة القرصنة الإرهابية بينما السبب الحقيقي كان يتمثل في أن حكومة باريس لم تسدد الديون التي عليها للجزائر (الولاية العثمانية آنذاك) التي أقرضتها ملايين الفرنكات (نعم لا العكس.! لأننا في عهد الخلافة كنا نقرض لا نقترض) وفي كل مرة تتورط فرنسا في حرب صلب دول إفريقية أو في مستنقع أفغاني أو عراقي يرفع إعلامها اليميني نفس شعارات مقاومة الإرهاب. ولهذه التبريرات تاريخ تحفل به ذاكرة الحروب الصليبية التي دامت قرنين كاملين منذ مجزرة القدس يوم 15 يوليو 1099 حين أكل الصليبيون لحم المسلمين بالمعنى الحقيقي لا المجازي وحين وصف شهود عيان تلك المجزرة فقالوا بأن الفرسان الفرنجة (نسبة إلى مصدر انطلاقهم الفرنسي) كانوا غارقين في الدماء إلى الركبة حسب رواية مؤرخهم (راوول ديكان) إلى غاية موت ملك فرنسا الملقب بالقديس لويس في قرطاج بتونس يوم 25 أغسطس 1270. كل هذا التاريخ المشترك بين فرنسا والمسلمين سبقه تاريخ الحضور الإسلامي في أوروبا وفي فرنسا بالذات حين وصل الفرسان المسلمون إلى مدينة (بواتييه) سنة 732 م بقيادة عبد الرحمن الغافقي ويقال: إن الأمير الفرنسي (شارل مارتال) صد غزوتهم وأوقف زحف المسلمين على أوروبا لكن الأندلس وجنوب فرنسا ظلا تحت لواء الإسلام قرونا بعد ذلك إلى غاية سقوط غرناطة سنة 1492م. وإني حين أستعرض هذا التشابك التاريخي بين فرنسا والمسلمين فأؤكد على أن الخيال الشعبي في كل من الغرب والعالم الإسلامي ظل يحتفظ بذكريات الصدام الحضاري بين هذين القطبين ولا يمكن أن نقرأ أي حدث سياسي أو عسكري راهن بمعزل عن التصورات التي رسبت في العقل الباطن للغربيين وللمسلمين إلى درجة أن الاستعمار (الفرنسي والبريطاني) لشعوب مسلمة عديدة خلال القرن التاسع عشر تم إدراكه من قبل المسلمين على أنه الحملة الصليبية التاسعة وتم تجنيد الثورات التحريرية المسلمة على أنها مقاومة للتنصير والتبشير والاحتلال ونصرة ودفاع عن دار الإسلام. وكان المستعمرون في الشمال الإفريقي ينعتون بالنصارى كما ينعت المقاومون المتصدون لهم بالمجاهدين منذ عهد الأمير عبد القادر الجزائري إلى عهد حشاد وبورقيبة وبن يوسف وبومدين والخطابي مرورا بالشهيد عمر المختار ومئات الألاف من الشهداء الأبرار. لا يمكن أن نقرأ ما يحدث في مالي وعملية اختطاف الرهائن في حقل عين أميناس دون استحضار هذه الخلفية التاريخية وهنا أنصح بالدخول إلى موقع البرلمان البلجيكي أو غوغل واسمعوا مداخلة النائب البلجيكي السيد (لوران لويس) يوم الجمعة الماضي من على منبر برلمان بلاده حين وضع التدخل العسكري الفرنسي المرتجل والمتسرع في شمال مالي في إطاره الصحيح وهو إطار المصالح لا المبادئ والدائر حول مناجم اليورانيوم في الصحراء المالية والتي تتنافس على ثرواته شركة (أريفا الفرنسية) وشركة المعادن الصينية. ثم تطرقه إلى العلاقة بين هذا التدخل وآفاق الملف النووي الإيراني والوضع المتفجر اليوم في سوريا والحالة الهشة لدول ما بعد الربيع العربي حين تضعف مؤسسات الدولة ويتضاعف الصراع من أجل السلطة ويفتح الباب على مصراعيه في وجه التدخل العسكري والإستراتيجي الغربي والروسي والصيني وتتحول دولنا المستقلة بسبب هشاشتها الاقتصادية وغياب دساتيرها وتهافت نخبها إلى صيد سهل وغنيمة مستباحة لا قدر الله. إن (سايكس بيكو) الأمريكية الروسية الصينية الجديدة في طبعتها 2013 ستحل محل (سايكس بيكو) المنتهية صلاحيتها منذ غروب شمس الأمبراطوريتين القديمتين: الفرنسية والبريطانية. لا يمكن أن ننكر أن الذي يجري ويخطط له في الصحراء الإفريقية الكبرى يمسنا نحن بشكل مباشر في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وليبيا ومصر وأن الأحداث الراهنة لا شك تمهد لتأسيس قواعد عسكرية غربية ربما لحلف شمال الأطلسي تكون مستقرة على المدى البعيد وحينها أيها العرب لا تلوموا أحدا سواكم ولن تبقى لكم إلا الدموع فاذرفوها ترحما على استقلالكم وسيادتكم وعلى ما تسمونه اليوم أهداف ثوراتكم. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
496
| 25 يناير 2013
كان الجنرال ديغول الزعيم الفرنسي يقول إبان المفاوضات من أجل استقلال الجزائر عام 1958 بأن لا سياسة ذات جدوى خارج الواقع ولا تقرأه القراءة الصحيحة. وكان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسن يقول إبان المفاوضات الأمريكية الفيتنامية لإنهاء حرب فيتنام عام 1972 وإيقاف العدوان الأمريكي على شعب مقاوم وبطل: إن السياسة هي فن التفاوض مع الواقع. وأردت بهذه الحكم أن أقدم لموضوع المأساة السورية التي طالت وأذكر بأن جميع المتعاملين مع الملف السوري أكدوا بعد استماعهم لخطاب الأسد يوم الأحد بأن الرئيس السوري خرج عن الواقع ولم يعد ومن بين هؤلاء على الأقل ثلاثة رجال لهم بالطبع مصالح ولبعضهم مبادئ اتفقوا دون أن يتشاوروا بأن الأسد وصل بالقضية السورية إلى درجة الخروج عن الواقع أي الدخول بها في نفق الوهم. وهؤلاء هم الرئيس أوباما والمبعوث العربي والأممي الأخضر الإبراهيمي والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي. وهذه المرحلة التي بلغتها المأساة السورية لها أسباب عديدة منها ما يصر على نعته بشار بالمؤامرة الإقليمية والدولية على سوريا. ولنفترض جدلا بأن هناك مؤامرة وأن هناك متآمرين ضد النظام السوري فمجرد عجز النظام عن إحباط المؤامرة على مدى عامين والتضحية بستين ألف مواطن سوري من أجل إحباط المؤامرة هو في حد ذاته سبب وجيه لاستقالة الرئيس وتفكيك نظامه وتسليم شؤون سوريا لسوريين آخرين يستطيعون ربما إحباط المؤامرة إن وجدت. ثم إن مؤامرة بهذا الحجم وصل فيها المعارضون والمسلحون إلى ضواحي دمشق وربما في قلبها واحتلوا مطارات ومراكز أمنية وثكنات عسكرية لا بد أن نتفق على تغيير مسماها لأنها لم تعد مؤامرة وإنما أصبحت ثورة على الأقل بمفهوم العلوم السياسية ولم يستطع النظام التصدي لها فاتسع فضاؤها وكثر مؤيدوها حتى أولئك السوريين الذين لا انتماء سياسيا لهم لمجرد أن حياتهم أصبحت مستحيلة ولا خيار أمامهم سوى الموت أو الهروب إلى بلدان الحدود حين أدركوا أن الجحيم الذي تحدث عنه الأخضر الإبراهيمي بدأ يفتح أبوابه ليلتهم الأخضر (ليس الإبراهيمي) واليابس وأن لا بوادر للقبول بحل عرضه بشار الأسد يوم الأحد واستثنى منه معارضي بقائه على رأس الدولة في مشهد يذكر جيلي بخطاب هتلر في أوبرا برلين عام 1944 وبخطاب شاوشسكو في ساحة بوخارست عام 1989 وبخطاب صدام في ساحة الفردوس ببغداد عام 2003 وخطاب العقيد في باب العزيزية عام 2011 وبخطاب (فاتكم القطار) في صنعاء وخطاب (فهمتكم) في تونس أيضا عام 2011. الغريب أن كل الذين قرب أوان سقوطهم المدوي انتفضوا انتفاضة أخيرة مدوية هي الأخرى وظلت أصداء خطبهم تتردد على مسامع التاريخ. مهما تكن مواقف العرب والعالم ومهما تكن مصالح الجميع إزاء سوريا اليوم فإن القرار بدأ يخرج من أيدي السوريين حكما ومعارضة لينتقل إلى الساحة الحمراء في موسكو وإلى ساحة (تيان أن مان) في بيكين وإلى البيت الأبيض وذلك من خلال اللاعبين الإقليميين وبألسنتهم وأيديهم أمثال تركيا وإيران والدول العربية ثم إن الحالة العراقية وهي على تخوم وحدود سوريا لا تبعث على بزوغ نور في نهاية النفق بل ستفاقم الأزمة الإقليمية وتسعى إلى تدويلها أحب السوريون أم كرهوا فنحن العرب نعيش في عالم متشابك المصالح مترابط الهزات لم ينجح المسلمون في أن تكون لهم فيه كلمة واحدة بينما تشكلت حولنا تكتلات عملاقة قوية تنسق مواقفها وتنطق بلسان واحد وتعمل بالطبع على تفكيك صلاتنا وتقسيم أشلائنا وإنهاك قوانا. إنه العالم الذي تغير وأنها لعبة الأمم التي تبدلت قواعدها ما عدا نحن العرب ظللنا نحمل صخرة سيزيف السورية نصعد بها الجبل وننزل وهي فوق أكتافنا وعلى ظهورنا والعالم يرصد عذابنا ويسجل عجزنا ولا يعبأ بمواقفنا. اليوم سيضع الأخضر الإبراهيمي كيس الرمل من على ظهره لأنه أثقل من أن يحمله وسيط عربي وأممي مثلما فعل قبله السيد كوفي عنان ولعل المبادرة القادمة ستكون للسيد راسموسن (الأمين العام لحلف شمال الأطلسي) وبالطبع أيضا للسيد بوتين ليتحول الملف العربي إلى ملف يدشن الحرب الباردة الجديدة التي لا تقيم وزنا إلا للأقوياء والمدججين بالردع النووي على حساب الشعوب المستضعفة البائسة والتي منها اليوم مع الأسف الشعب السوري بستين ألف ضحية ومليوني مهجر على الحدود وآلاف البراميل المتفجرة والصواريخ والقذائف والقنابل ونسف المدن وتدمير العمران والإنسان... ولكن اليوم فإن أقرب المبادرات للمنطق وأقلها خسائر وأكثرها ميلا للرشد والحكمة وقبول كل الأطراف هي تلك التي تنادي بقوة عربية لإقرار الأمن وإنقاذ حياة المدنيين العزل والفصل المؤقت بين أدوات القتل والتدمير إلى حين تهب العواصم البعيدة (واشنطن وموسكو) والعواصم القريبة (تل أبيب وأنقرة وطهران) لتتفق على حد أدنى مؤقت لحقن الدماء قبل الوصول إلى حل سياسي فشل بشار والهاتفون بحياته في دار الأوبرا بدمشق في اقتراحه وتسويقه لأنه لم يعد ممكنا بعد الهزات العنيفة التي عاشها العرب أن نجد حلا بهتاف (بالروح والدم نفديك) فهذا الهتاف طالما سمعناه في بغداد والقاهرة وتونس وطرابلس وصنعاء... كما طالما سمعنا عبارات الجرذان والإرهابيين والمزاطيل والأيدي الخفية...خارج الواقع فالواقع صخرة صماء صلبة يتكسر عليها رأس الوهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
1271
| 16 يناير 2013
هل يدرك العرب ونحن على أعتاب سنة 2013 أن الوضع الأمريكي الاقتصادي الداخلي مهدد بهزة عنيفة سوف يفقد فيها مليون مواطن أمريكي شغلهم وبأن الجدل قائم اليوم في أروقة القرار الأمريكي حول احتمال نشوب حرب نووية إقليمية (في الشرق الأوسط وبين الكوريتين) وبأن الاتحاد الأوروبي مهدد بسن سياسات مالية مناقضة لدساتير الدول الأعضاء بإسناد آلاف المليارات من اليوروات لليونان ولإسبانيا وللبرتغال ولإيطاليا، ومهدد إما بفتح الحدود في وجوه الملايين من فقراء أوروبا الشرقية سابقا أو بغلقها، وفي كلا الحالتين فإن القارة المرفهة سابقا ستمر بمرحلة فوضى وانعدام أمن ولعل البناء الوحدوي الأوروبي سوف يبلغ شفا الهاوية بانتهاء العملة الموحدة والتراجع عن ميثاق (ماستريخت) وهو ما سينعكس سلبا على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض أي علينا نحن العرب، ثم هل يدرك العرب أن الرئيس بوتين أعطى الأولوية هذه السنة لمضاعفة ميزانية الدفاع وتخصيص مبالغ ضخمة للتوسع النووي وبأن الصين تحولت إلى أول قوة صناعية وتصديرية وأول مستودع للدولار في العالم وبأن برنامجها لغزو الفضاء أصبح ينافس أو يفوق البرنامج الفضائي الأمريكي وبأن كوريا الشمالية أطلقت بنجاح صاروخها محملا بالأقمار العسكرية التجسسية وبأن حلف الناتو وافق على نصب درع صاروخية من الباتريوت على حدود تركيا مقابل سوريا وإيران والعالم العربي! هل يدرك العرب بأن إسرائيل اعتبرت على لسان خبرائها بأن الربيع العربي يصب في صالحها لمجرد أن حماس غادرت سوريا وأن حزب الله معرض للاختفاء من دون الدعم السوري والإيراني وأيضا لأن الرئيس الإسلامي محمد مرسي واصل العلاقات مع الدولة العبرية وأرسل سفيره إلى القدس المحتلة محملا برسالة تقليدية موجهة إلى "الصديق العظيم شيمون بيريز" حسبما تقتضيه نواميس الدبلوماسية وهل يدرك العرب أيضا بأن التحولات الكبرى في الربيع العربي نتجت عنها حالات غير متوقعة من الانفلات الأمني والركود الاقتصادي وانحباس الاستثمار والسياحة وبأن إيران تواجه في أي لحظة هجوما على منشآتها النووية! هذا هو المشهد الدولي المحيط بالعرب وهو لا يبعث على الاطمئنان والتفاؤل ولذلك أطلقت عليه نعت بحر الظلمات (وهو الاسم الذي أعطاه قدماء الجغرافيين العرب للمحيط الأطلسي) فبالفعل تبحر اليوم سفينة العرب في لجج هذا اليم متلاطم الأمواج دون أن يدرك ربانها (أي نخبتها) حقيقة المخاطر التي تهدد أي سفينة فقدت البوصلة وتلاعبت بها العواصف الهوجاء. وعوض أن نهتم بهذه المخاطر ونقرأ الحالة الإقليمية والدولية بما وهبنا الله من بصيرة وعوض أن نعدل ساعاتنا على توقيت هذا العصر المتشعب العسير وعوض أن نشرع جميعا في الاستجابة الفورية والاستعجالية لمطالب أولئك الشباب العرب الذين قدموا أرواحهم وبذلوا دماءهم من أجل "هاته اللحظة التاريخية" كما قال المواطن التونسي ذات يوم انصرفت أغلبية النخبة إلى إذكاء الصراع من أجل احتلال المواقع القيادية وممارسة حكم الشعب دون الحصول على وفاق واسع ومؤهلات ضرورية وبسرعة تم تعويض الكلمات في الحوار باللكمات وكيل تهم التخوين لبعضهم البعض وألغت هذه النخب التي كانت في المنافي والسجون متسامحة ومتضامنة فضيلة التفكير وتسلحت بأدوات التكفير وفهم بعضهم حرية التعبير فهما مستوردا، فنزلوا برموز الدولة إلى حضيض السخرية والتحقير بينما الإعلام في الدول الغربية الديمقراطية لا يهتك عرضا ولا يمس حميمية ولا يتجاوز حدا حتى لو ابتكر مسرح الدمى وأبدع في الكاريكاتور. ثم انتقل هذا العنف اللفظي إلى مرحلة الاعتداء على الأنفس والأرواح وحين تضعف الدولة وتتردد مؤسساتها ويتلعثم جهازها الأمني ويتحزب جهازها القضائي فإن اليد العليا والكلمة الفصل تصبح للميليشيات وتصبح المبادرة للعصابات ويصبح الخروج عن القانون رياضة شعبية ولو صدقت هذه الأخبار المخيفة القادمة من تونس ومفادها إحباط مشروع عمليات خطف وتصفية ذات طابع سياسي وإجرامي بنفس أساليب عصابات المافيا والألوية الحمراء! فإننا نجد بلادنا في حالة خطيرة متقدمة من الفتنة لا قدر الله ولا يظنن المواطن التونسي أن هذه الحالات غير مسبوقة أو أن العنف ظاهرة دخيلة تماما على بلادنا كما يدعي البعض عن حسن نية وأن تونس في مأمن مضمون من الهزات العنيفة لأن وطننا المعروف بالوداعة والحكمة عاش في القرن الثامن عشر حربا أهلية دامت ثلاثة عقود بين الباشية والحسينية بدأت عام 1724 بثورة علي باشا على عمه حسين بن علي من أجل العرش وتقاتلت القبائل التونسية على مدى ثلاثين سنة من الفتنة والحقد ويروي المؤرخ ابن أبي الضياف في كتابه القيم (إتحاف أهل الزمان لملوك تونس وعهد الأمان) فظائع تلك الفتنة التي تفوق الوصف في الشراسة والشر والانتقام الوحشي والتمثيل بجثث الضحايا، ثم جاءت مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين فعاش التوانسة فتنة ثانية بين اليوسفية نسبة إلى الزعيم صالح بن يوسف والبورقيبية نسبة إلى الزعيم الحبيب بورقيبة وراحت في هذه العشرية (1954-1962) آلاف أرواح الأبرياء والمناضلين هباء من أجل الزعامة وفتنة الحكم. فتونس لم تكن استثناء مع الأسف في تاريخها البعيد أو القريب من مثيلاتها العربيات ولعلها تقع فيما وقعت فيه بلدان عربية كثيرة من طائفية من صنف جديد أي عوض الانقسام بين سني وشيعي كما العراق أو بين مسلم ومسيحي كما لبنان، سيكون انقسام التوانسة لا قدر الله بين إسلاميين وعلمانيين تحت شعارات فضفاضة وحجج مزورة تدخل بمجتمعنا منعرجا مشحونا بالمخاطر والمزيد من الهزات يكون فيه كل فعل وكل رد فعل مبنيا على العنف والعنف المضاد خارج القانون وخارج الأخلاق بل وخارج التاريخ. فاعتبروا يا أولي الألباب.
768
| 02 يناير 2013
في حلقة جديدة من حلقات المسلسل القديم المتعلق بالعلاقات الفرنسية المغاربية أدى الرئيس فرنسوا هولند زيارة قيل عنها إنها "تاريخية" للجزائر خلال الأسبوع الماضي وهي بالفعل حلقة جديدة تضاف لزيارات مماثلة قام بها الرؤساء الذين سبقوه للجزائر و نعتت هي أيضا بالتاريخية و أثبتت الأيام بأنها مرت مرور الكرام على مجرى التاريخ و لم تغير شيئا يذكر في طبيعة العلاقات الفرنسية المغاربية. فالعواطف الجياشة و تراكم الذكريات بين الشعبين تشكل عوائق نفسية تمنع قيام علاقات عادية طبيعية بين فرنسا المستعمرة القديمة و الجزائر المتحررة منها بل ومع الجزائر سائر بلاد المغرب الإسلامي. وهنا لا بد أن أوضح أمرين قبل التطرق لنتائج زيارة هولند: الأول هو سبب تسميتي للمغرب بالإسلامي و ليس العربي فأنا أصررت و ثابرت منذ ثلاثين عاما على نعت المغرب بالإسلامي ليس على هوى التنظيمات السياسية الراهنة بهذا الإقليم و لكن من أجل الإقرار بالحقيقة التاريخية و الحضارية فالشعوب المغاربية يجمع بينها الإسلام وتفرق بينها العروبة على عكس شعوب المشرق العربي التي تجمع بينها العروبة ويفرق بينها الإسلام ففي الشام بسوريته و لبنانه و فلسطين والأردن و العراق تعايش العرب عرقا مع بعضهم البعض وهم ينتسبون لأديان مختلفة أبرزها الإسلام و المسيحية بفرعيها الكاثوليكي و الأرثوذكسي إلى جانب ملل و نحل أخرى متفرعة عن الطوائف و المعتقدات القديمة كالدروز والعلويين والإسماعيليين و البهائيين و السامريين وسواهم. أما الناس في بلدان المغرب فهم مسلمون سنة في أغلبيتهم حتى لو لم يكونوا عربا بل إن جزءا هاما منهم أمازيغ عرقا و لغة و ثقافة و لكن ينتمون حضارة إلى فضاء الإسلام الواسع. فالمصطلح الأنسب و الأصح هو المغرب الإسلامي و ليس المغرب العربي و لم نسمع بعبارة المغرب العربي إلا سنة 1948 حين تم تأسيس مكتب المغرب العربي في القاهرة على أيدي زعماء الاستقلال المغاربيين مثل بورقيبة وعلال الفاسي و عبد الكريم الخطابي و لم يكن ذلك إلا تنازلا عند موجة القومية العربية السائدة في المشرق آنذاك و خاصة في القاهرة و دمشق بدفع ممنهج من النخبة المثقفة العربية المسيحية المشرقية التي تعتقد بأن الإسلام يهمش الأقليات غير المسلمة و أن إعلاء شأن القوميات يحد من تيار الإسلام القوي وهي نفس إستراتيجية الإمبراطوريات الاستعمارية حين أرسلت الجاسوس لورنس العرب لتدمير الخلافة العثمانية بوعود المملكة العربية للشريف حسين و أولاده. أما الأمر الثاني وهو إشارتي في العنوان بأن الجرح ما يزال نازفا و لم يلتئم بين فرنسا و المغرب الإسلامي فمرده إلى إصرار غريب لدى كل الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ 1962 تاريخ استقلال الجزائر إلى اليوم على نكران جرائم الاستعمار ضد شعوبنا و رفض تقديم اعتذار الدولة الفرنسية لأجيالنا المغاربية على فظائع متراكمة منذ 1830 باحتلال الجزائر إلى 1881 باحتلال تونس ثم المغرب سجلها التاريخ و تتمثل في عمليات إبادة عنصرية لقبائل كاملة و إحراق قرى و حقول بالنابلم و تغيير هوية هذه الشعوب ببرامج تعليم و ثقافة مشوهة و مدلسة لروح الأمة ما نزال نتحمل تبعاتها إلى اليوم حين نرى و نسمع جل المغاربيين يعجزون عن التعبير باللغة العربية و يلجأون إلى تأتأة لغة فرنسية ركيكة أو خليط عجيب من اللغة العربية و الفرنسية وهو خطر على مستقبلنا لأن هذه العاهة في اللغة هي عاهة في التفكير و تهديد لسلامة الانتماء إلى أمة لها حضارة. و خضعت الحكومات الفرنسية إلى ابتزاز اليمين المتطرف و جمعيات قدماء المحاربين في الجزائر لترفض حتى مجرد الاعتذار الذي منحه الرئيس شيراك لليهود لمجرد أن الدولة الفرنسية ساعدت يوم 16 يوليو 1942 القوات النازية على تهجير عائلات يهودية فرنسية إلى محتشدات الألمان انطلاقا من ملعب ( الفيل ديف). و كرر الرئيس هولند نفس الاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية في هذه العملية و لكن حينما يتعلق الأمر بالجزائر و المغرب الإسلامي عموما فإن أي رئيس فرنسي لا يعترف بتاريخ الاستعمار الأسود بل إن ساركوزي تجاوز هذا النكران إلى حد تأييد سن قانون كان أعده شيراك ( قانون 23 فبراير 2005) يقول حرفيا بأن للاستعمار فضلا على تمدين الشعوب! و صرح سنة 2008 بأن فرنسا لا يجب أن تعتذر أو تندم على ما صنعته من تاريخ استعماري. و نتذكر أن الاشتراكيين نددوا بهذا القانون آنذاك وهم معارضون و اليوم نراهم في السلطة مترددين إزاء تضميد الجراح النازفة و طي صفحة الذاكرة الوطنية بالصدع بالحق و تدشين عهد جديد من التعاون بين فرنسا و المغرب الإسلامي أساسه الندية و الاحترام المتبادل و خدمة مصالح الضفتين الواقعتين على البحر الأبيض المتوسط. ولكن عوضا عن هذا التعاطي الحكيم نلاحظ استمرار منطق السياسات الأمنية و التجارية لدى باريس أي أمنيا صد الهجرات غير الشرعية من سواحل الجنوب و تجاريا اعتبار الشعوب المغاربية أسواقا لا غير في حين يقتضي العصر الراهن بربيعه العربي سن علاقات دولية بين ضفتي المتوسط على أساس حضاري و مصيري أعمق و أرسخ و اعتبار هذا المغرب الإسلامي الأشم شريكا أقرب لفرنسا من بولونيا و المجر و بلغاريا و رومانيا التي تحالفت في الأربعينات مع عدو فرنسا هتلر و حاربت معه بينما كان أجدادنا المغاربيون يقاتلون مع الفرنسيين والعالم الحر ضد الاحتلال النازي. فكيف تنسى باريس فضل هؤلاء؟
394
| 27 ديسمبر 2012
من خلال أدبيات العرب السياسية اليوم وتدافعاتهم الحزبية والطائفية نقرأ جهل النخبة العربية بالوضع الدولي الراهن أو تجاهلها له فكأنما العالم العربي يقع جغرافيا في المريخ وكأن العرب من أهل الكواكب البعيدة حطوا على الأرض صدفة وكأنما القوى الأخرى الأمريكية والأوروبية والروسية والصينية لا يهمها ما يقع من أحداث متسارعة في العالم العربي بل وكأن القوى الإقليمية في الشرق الأوسط غائبة عن ساحة العرب ولا مطامع لها مع أن واقع لعبة الأمم يفرض علينا أن نتابع ألاعيب إسرائيل وأن نتحالف مع قوى إقليمية مسلمة نشاطرها الدين والحضارة مثل إيران وتركيا وأبعد منهما ماليزيا وإندونيسيا وأفغانستان وكذلك الجمهوريات المسلمة التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي الهالك بتسميته الجديدة اتحاد الجمهوريات الروسية. مع هؤلاء جميعا نلاحظ بأن إسرائيل هي التي تحاول تحريك المياه العربية الراكدة في اتجاه تواصل الاحتلال وإنهاك المقاومة وبذر الشقاق بين الإخوة بمواصلة عزل الضفة عن القطاع وتأليب الدول الغربية على الدولة الفلسطينية الناشئة الوليدة في حضن المنظمة الأممية. والحقيقة التي ربما لم نعرها أهميتها المستحقة هي أن العالم العربي يقع في قلب أزمات الكون ويشكل بمواقعه الإستراتيجية الحساسة وثرواته النفطية والغازية أهم بؤرة راهنة ومستقبلية للصراع العالمي القائم منذ بدأ التاريخ على المصالح ومواطئ الأقدام ومناطق النفوذ فمن هذا الشرق انبثقت الرسالات السماوية الثلاث ومنه انطلق (دينامو) الاقتصاد وعصب السلم والحرب أي النفط وفيه تشكلت أبرز الحضارات المتعاقبة من كنعانية وفرعونية وأشورية وبيزنطية وإسلامية وفي صلبه أيضا تعايشت الأديان المختلفة والثقافات المتباينة والأعراق المتنوعة دون إقصاء ودون عنصرية. فكان الشرق مهد الحضارة الإنسانية بهذا المفهوم الوفاقي الذي عاد اليوم مع الربيع كقيمة سامية ومثل أعلى ويكفي أن نذكر بالنازية الألمانية والفاشية الإيطالية اللتين ولدتا وترعرعتا في القارة الأوروبية ما بالعهد من قدم في ثلاثينيات القرن العشرين وما أنجر عنهما من بلاوي الإبادة الجماعية وإعدام اليهود والغجر واكتساح الأمم بالحرب والحرق والتدمير بالإضافة إلى استعمال الجيش الأمريكي للقنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي في أغسطس 1944 لندرك أي انحطاط رهيب ضرب هذا الغرب المزهو بتاريخه والمتبجح بالقيم الكونية كأنه صانعها ومصدرها لنا نحن المسلمين بينما الغرب في أعماقه الدفينة رافض لمن سواه من الحضارات ومناديا بصدامها على لسان (هنتنجتون). علينا اليوم أن نعرف كيف ولماذا ننزلق نحن أبناء هذا الشرق التاريخي الأشم نحو منحدرات العنف والقتل وإلغاء الآخر المختلف في حين أن بعض شعوبنا انتفضت ضد الاستبداد فيما سمي الربيع العربي فنرى أمام عيوننا المندهشة تواصل الحرب الأهلية في سوريا دون أمل في حقن الدماء البريئة حتى أصبح معدل الضحايا يوميا يتجاوز المائة وهو ما يعني أن استمرار مسلسل الدم سيقضي على مئات الآلاف من الأبرياء في ظرف سنة واحدة قادمة وتلعب الولايات المتحدة على تقسيم المعارضين إلى مقبولين وإلى مرفوضين (لأنها أدرجت جبهة النصرة ضمن قائمة الإرهاب). وفي مصر لدينا انطباع بأن هذا الشعب العريق الأبي بات منقسما إلى شقين متضادين بل عدوين وهما شق يرى في محمد مرسي وفي دستوره رمز الشريعة والهوية وشق يرى في محمد مرسي وإخوانه رمز القهر والتقهقر وإقصاء القيم الكونية. ونجد أنفسنا أمام اتجاهين متعاكسين يسيران نحو التطرف وغلق باب الحوار وكان الاستفتاء فرصة لبروز التعصب والتعصب المضاد وتهرب المصريون من الحوار كأنه إقرار بالهزيمة أو اعتراف بالخطأ. وعادت شعارات العنف السياسي لتتغلب على القلوب والضمائر. وفي تونس تنفسنا الصعداء حين تراجع الاتحاد العام التونسي للشغل عن الإضراب العام المعلن ليوم الخميس 13 ديسمبر شعورا من قادة المنظمة الشغيلة المناضلة بالمسؤولية تجاه شعب انتظر الكثير من الثورة ولم ير ما تحقق بعدها من مكاسب الحرية وحقوق الإنسان لأن معضلاته الاجتماعية تفاقمت والمعيشة صعبت والأمن تقلص وهو وضع عادي ما بعد التحولات العميقة في كل بلدان العالم. لكن التشنج الراهن بات يهدد السلام الاجتماعي الذي يميز هذا الوطن منذ تاريخ قرطاج وعاش التوانسة على مدى قرون لا تفرقهم طوائف ولا تقسمهم عقائد بل جمع بينهم علم أحمر تزينه نجمة الإسلام بأركانه الخمسة أي أن هذا الوطن الذي كان محطة الفاتحين نحو الأندلس ظل مسلما وظلت هويته لا إله إلا الله محمد رسول الله مع انفتاح كريم وعادل على محيطه المتوسطي الإفريقي والمشرقي. وفي ليبيا نشهد على بطء تركيز مؤسسات الدولة لأسباب قبلية وإيديولوجية جعلت المواطن الليبي يستقيل تدريجيا من العمل العام ويعتكف طالبا الستر وحسن الختام وهو يرى مصطفى عبد الجليل أحد رموز القضاء على جنون العقيد مجرورا إلى القضاء الجديد مهددا بالمحاكمات الكيدية وتصفية الحسابات العشائرية. اللهم رضاك عن هذه الأمة وارفع عنها الغمة.
589
| 19 ديسمبر 2012
ورد هذا السؤال ضمن الآية 78 من سورة هود كالآتي:"وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس فيكم رجل رشيد"، وكما هو واضح فقد قالها سيدنا لوط عليه السلام موجها خطابه لقومه عند انحرافهم ونحن نعيد إلقاء السؤال على الشعبين المصري والتونسي باحثين عن رجل رشيد في زحمة بعض الانحرافات المختلفة تماما عما ورد في الآية ولكنها تهدد بضياع مكاسب الربيع ونجد أنفسنا اليوم أمام الأحداث العنيفة التي تهز المجتمعين المصري والتونسي بعد أن جاءت التحولات الحضارية التي صنعها وعاشها الشعبان منذ عامين وحقق بها شباب البلدين مكاسب غالية أولها استعادة الكرامة والحرية والقضاء على أنظمة الاستبداد. ولكن الشبه بين البلدين لا يقف عند هذا الحد فهما شعبان نشأت فيهما الحركات الإصلاحية والتحريرية في القرن التاسع عشر حين دعا المصلحون في القاهرة وفي تونس إلى يقظة حضارية مباركة تجمع بين الهوية والحداثة أمثال محمد عبده ورفاعة رفعت الطهطاوي ورشيد رضا من مصر والوزير خير الدين وابن أبي الضياف والشيخ بيرم من تونس إلى الانعتاق من قرون التخلف وتجديد الدين (عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الدين يأتي من يجدده على رأس كل مائة عام) داعين إلى الأخذ بأسباب التقدم وإعمال العقل من تجارب الغرب دون الانسلاخ عن هوية الإسلام ودون الانصهار في الغرب. وقادت حركات الإصلاح المصرية والتونسية بقية الحركات العربية حتى أن الكواكبي وهو شامي لم يكن نافذ الفكر إلا عند إقامته في مصر ولم تثمر حركة تحرير المغرب الإسلامي من الاستعمار في الأربعينيات إلا عند لجوئها إلى القاهرة المعزية (نسبة للمعز لدين الله الفاطمي الذي جاءها من المهدية بتونس وأسسها وشيد الأزهر) ولعلنا من هذا المنطلق التاريخي نؤكد بأن تونس ومصر تتميزان اليوم بعد دخولهما فضاء الحريات بأنهما أصبحتا مختبرين للثورات العربية السلمية وحسب نجاحهما أو لا قدر الله إخفاقهما سوف يتحدد مصير النهضات العربية القادمة. ولهذه النهضات لو أنصفناها نتائج لم يعد يشكك فيها عاقل منها التغيير العميق الذي يطرأ تدريجيا على أم القضايا المركزية العربية الإسلامية أي قضية فلسطين التي بدأت تتحرك مياهها الأسنة وتزمجر أصواتها المكتومة وهاهو أبو الوليد خالد مشعل يقبل أرض غزة يوم الجمعة الماضي بعد رحلة كفاح طويلة كنت شاهدا من شهودها منذ حلول خالد بالدوحة سنة 1997 مع صحبه الكرام وهو يذكرني بخير ويهب لعناقي كلما التقينا في مناسبات القمم والمؤتمرات العربية. انتصرت غزة على المعتدين وقدمت المزيد من شهدائها البررة وتغير الخطاب الدبلوماسي لكل من باريس ولندن وبرلين والاتحاد الأوروبي بـ27 دولة حين استدعت هذه الدول سفير إسرائيل لتندد بالاستيطان وهو حدث لعمري غير مسبوق يفتح شرخا في العلاقات الغربية الإسرائيلية لن ينغلق بل سيتوسع والفضل فيه يعود لجهاد حماس والتفاف الفلسطينيين حول تحقيق غايتهم النبيلة المشروعة وكذلك إلى دبلوماسية رام الله التي حصلت على منزلة الدولة المراقب في منظمة الأمم المتحدة ولكن أيضا بعض الفضل يرجع للربيع العربي الذي مر من هنا. والأمل الآن بعد تجدد أعمال العنف السياسي بدرجات متفاوتة في مصر وتونس هو ألا يتحول النموذج الرائد في كلا البلدين إلى نموذج محبط وألا ينتكس الربيع إلى خريف ويكفي أن نشير إلى التوجس النفسي الذي أصبح ينتاب الإخوة السوريين من سوء الأحوال في البلدان العربية التي حققت مكاسبها لكنها ضلت الطريق إلى الثقافة السياسية التشاركية في كنف التسامح والقبول بالرأي المختلف وكادت النخب فيها أن تتمترس وراء خنادق الفرقة والشقاق وتتصارع بالسلاح بعد الهبوط في الخطاب وكيل شتائم التخوين والتكفير وبعد تشكل ميليشيات العصي والهراوات من كل الجوانب ولدى كل الفصائل وهو ما اضطر المواطن الكريم إلى العزوف عن أداء دوره كعنصر أساس في الانتقال الديمقراطي واللجوء لمجرد المطالبة بالعيش في أمان وترديد عبارة (الله يقدر الخير). نعم إن الأمل معقود على النخب الجديدة التي أفرزتها التحولات وأنا واثق من أن مصر وتونس ستعودان إلى صفاء النفوس وإيقاظ الضمائر في هبة من هبات العبقرية الشعبية التي حباهما الله بها عبر القرون الطويلة من تعاقب الحضارات الثرية وتزاوج الثقافات الغنية ويكفي تونس فخرا أن كانت في تاريخها القرطاجني أول دولة سنت دستورا يسمى باسم دستور قرطاج قبل أكثر من ألفي عام كما يكفي مصر شرفا أن تعلمت الدنيا من جذورها الفرعونية مبدأ تأسيس الدولة منذ ألاف السنين. فالذي استطاع إنجازه الأولون لا بد أن يواصله جيل الربيع الراهن حتى لا تتحول أحلامنا إلى كوابيس.
34201
| 12 ديسمبر 2012
هذه محطات ثلاث من رتل قطار الربيع العربي السائر المندفع على السكة يطوي الأرض طيا كما كان يقول الشاعر العربي لكننا يجب أن نقف وقفة تأمل واعتبار من حين إلى حين حتى ندرك أين وصل هذا القطار وإلى أي غاية يسعى؟ وهل هو على الطريق الصحيح أم وقع تحويل وجهته إلى جهات مجهولة؟ وما هي أخطاؤنا؟ نحن جميعا نحب الحكم والمعارضة الذين سرنا وراء الشباب المتمرد المطالب بحقه في الشغل والكرامة والحرية فكنا تابعيه ووراءه ولم نكن نقوده أو أمامه حين هب الناس في سيدي بوزيد تلك المدينة التونسية المهمشة والمحرومة حيث أحرق محمد البوعزيزي شبابه وأمنياته بالبنزين والكبريت ذات يوم 17 ديسمبر 2010 وقتل في القاهرة الشاب المصري خالد سعيد ذات يوم 6 يونيو 2010 بين أيدي أعوان أمن الدولة حيث تحول ذلك الشاب المصري الوسيم الوديع إلى رمز من رموز استهانة الدكتاتورية المصرية وبوليسها بأرواح الناس. وسرى اللهيب إلى طرابلس وبنغازي للقضاء العسير والنهائي على حالة اللادولة وتغول عقيد محدود المدارك وأولاده في ليبيا التي حولوها إلى مزرعة خاصة وإلى كاريكاتور سلطة مجنونة أهدرت ثروات الشعب الليبي الصابر على مدى 42 سنة فكانت (الجماهيرية) مثار استهزاء العقلاء من الليبيين الشرفاء ومثار ضحك الأجانب لأن ليبيا لا تستحق هذه المأساة الملهاة بشعبها الذي ظل فقيرا رغم ثرواته النفطية والبشرية بينما يلعب أولاد القذافي بالسيارات الفخمة في شوارع باريس ولندن وكان أبوهم نجم الخيمة في الخارج ونجم القمم العربية في العالم العربي ونجم مؤتمر الشعب العام واللجان الشعبية والكتاب الأخضر في الداخل.. ثم جاء دور اليمن وأرادت أغلبية من الشعب اليمني أن تضع حدا لصراع أجنحة قبلية يمنية غلبت مصالحها الفئوية على المصلحة العليا للوطن السعيد. ثم كانت الصيحة الكبرى في إدلب ودير الزور وحمص وحماه وريف دمشق معلنة نهاية مرحلة القائد المنقذ والزعيم الأوحد الذي كان أسدا لمدة ثلاثين عاما وخلف شبلا لمدة اثني عشر عاما. ولا صوت يعلو على صوته في نظام مخابراتي بامتياز قد يتعلل بنوع من الأمن والتعايش وخرافة الممانعة التي جعلت الاحتلال الإسرائيلي للجولان ينام على فراش وثير من حرير بحدود آمنة لم تطلق فيها رصاصة يتيمة منذ 1967 لكن هذا النظام الذي يرمي الناس بالبراميل المتفجرة لا يملك أي شرعية شعبية تمكنه من البقاء والخلود بقمع كل صوت حر وتعذيب ممنهج لكل من يرفع الرأس ويأبى الرضوخ. هذه هي خارطة الربيع العربي التي نراها اليوم بعيون مختلفة لأنها تتشكل أمامنا بألوان من العنف وتراكم الأخطاء وانحراف عن غايات الثورات مما يهدد مكاسب الحرية بالتراجع والانتكاس في محيط إقليمي ودولي لا يرتاح للتغييرات ولا يساعد على ما يعتقده إخلالا بالتوازنات الإستراتيجية التقليدية القديمة والقائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على خدمة مصالح الغرب والقوى العظمى وبخاصة الحفاظ على حالة اللاسلم واللاحرب التي ضمنت إلى حد 2010 توغل إسرائيل بعنجهية وخرقها للقانون الدولي دون حساب أو مساءلة. فالذي يجري في ساحة التحرير من رفض لممارسات فرعونية جديدة باسم الشرعية ومن مظاهرات مضادة للرافضين ومؤيدة للرئيس محمد مرسي هي إرهاصات ما بعد الثورة من أجل تصحيحها حتى يفرض الشعب مواقفه ومصالحه ويحمي مصر من أي انقضاض على الثورة تحت ستار الدين في بلاد يتعايش فوق أرضها المباركة المسلم والمسيحي والمثقف العلماني منذ قرون. وفي سليانة التونسية هب المواطنون ليقولوا كلمتهم ويطالبوا بالتشغيل والتنمية والعدالة الاجتماعية مؤكدين أن هذه الأهداف هي التي خرج في سبيل تحقيقها شباب أعزل يوم 17 ديسمبر 2010 وأدت إلى فرار زين العابدين بن علي يوم 14 يناير 2011. وجدت السلطة الجديدة نفسها في مواجهة مع شباب قالت هي ذاتها بأن مطالبه مشروعة لكنها كانت تتمنى لو عبر عنها سكان سليانة دون عنف وبدون إحراق مقرات الأمن والإدارة. وسبق لي الأسبوع الماضي أن علقت على أحداث سليانة على قناة فرنسا 24 فقلت إن فلاسفة اليونان القديمة كانوا يقولون بأنه في حالة تصادم الحق بالباطل فإن ذلك هو المشكلة أما تصادم الحق مع الحق فتلك هي المأساة. وإني أحسب والله أعلم بأن مواطني سليانة على حق حين يستبطأون التنمية وتحسن الأحوال المعيشية بعد تضحيات أبنائهم بحياتهم وبأن السلطة على حق حين تدعو للتريث والتعبير عن المشاغل باحترام القانون وبالطرق السلمية الدستورية. لكننا في تونس لسنا في مأمن من الاختراقات والتجاوزات وتوجيه الرأي العام والتلاعب بعواطف الجماهير وهو ما يهدد بانحراف الثورة عن أهدافها والتخبط دون بوصلة في دوامة الفوضى غير الخلاقة. وفي سوريا وصل الثوار إلى مشارف مطار دمشق وهي المرحلة المعروفة في تاريخ الهزات السياسية بكونها مؤذنة ببلوغ نقطة اللاعودة ونذكر جميعا كيف أخذت الأزمات منعرجا حاسما في مطارات كابل وبيروت وبغداد وطرابلس وتونس والقاهرة وصنعاء لأن المطارات هي الواجهة الدولية لكل العواصم وبوابتها التي تنفتح على الخارج وعلى العالم ومتى تم إغلاق مطار أو السيطرة عليه فإن منعرجا أساسيا انفتح أمام صفحة جديدة من التاريخ. وللتاريخ لو علمتم دورات ومنعرجات لم يدركها مع الأسف بعض حكامنا أمثال ابن علي وحسني مبارك والعقيد القذافي وعلي عبدالله صالح ولا نرى أن بشار يشذ عن غياب الوعي الذي يصيب بعض القادة بالفتنة والغرور والجنوح للانفراد والطغيان في لحظات غفلة قاتلة ولله الأمر من قبل ومن بعد.
347
| 05 ديسمبر 2012
حينما نقول الشرق الأوسط اليوم سنة 2012 فنحن نعني ما تعنيه مراكز البحث والتحليل واستشراف المستقبل المبثوثة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان والصين واتحاد الجمهوريات الروسية أي البلدان العربية والإسلامية بما فيها إيران وباكستان وأفغانستان وتركيا ينضم إليها جميع العرب مشرقا كمصر والشام الكبرى والعراق وفلسطين والأردن والجزيرة العربية الأصلية التي كانت تسمى الحجاز واليمن ومغربا ما يسمى اليوم بالمغرب العربي أي الشمال الإفريقي. وكل هذه المنطقة التي ترتبط حضاريا بالإسلام والعروبة رغم أن بعض أقلياتها غير مسلمة أو هي منحدرة من أعراق غير عربية لكنها منطقة تقع في الفضاء الحضاري الإسلامي لغة وتقاليد تعايش سكانها على مدى قرون طويلة في سلام ووفاق ثم إن الغزوات الأجنبية من مغولية وإفرنجية وقبلهما الرومانية زادت أهلها تلاحما وتماسكا وتشبثا بالهوية الحضارية الجامعة والمانعة. وأذكر أنه حين تجمعني بعض المؤتمرات الإقليمية والدولية مع ساسة غربيين وأصحاب قرار أمريكان أو أوروبيين أبادرهم بسؤالي الذي يشغل فكري وهو: من الذي يرسم خارطة هذا الشرق الأوسط الجديد وكيف ترسم ولمصلحة أي أمة من الأمم؟ وحين أطرح هذا السؤال أتلقى أجوبة قد تختلف في تفاصيلها لكنها تتفق جميعا في منطلقاتها وفي جوهرها وأستخلص أنا بما كتب الله لي من موهبة الاعتبار ونعمة التفكر والتدبر بأن سابقة اتفاقية (سايكس بيكو) التاريخية والتي وقعها الوزيران المذكوران لخارجية كل من الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية يوم 16 مارس 1916 هي التي حددت على الميدان ملامح خارطة الشرق الأوسط القديم والراهن حيث تم تقاسم تركة الرجل المريض (الخلافة الإسلامية) بين الدولتين الاستعماريتين الأقوى في ذلك التاريخ وهما خارجتان منتصرتين في الحرب العالمية الأولى أو في عداد المنتصرتين لأن الحرب انتهت سنة 1918 بعد أن اندلعت عام 1914 وبادرت بنت أوى البريطانية من لندن سنة 1917 بإعطاء يهود العالم وعد بلفور المعروف كما بادرت فورا وعام 1918 بإيفاد الجاسوس العبقري لورانس العرب إلى الشريف حسين وأولاده في مكة من أجل القضاء على السلطان العثماني وبداية رسم الخارطة الحالية للشرق الأوسط. هذه المقدمة التاريخية ضرورية لفهم وتحليل الواقع الراهن للشرق الأوسط لأنها تنير الجوانب الغامضة من لعبة الأمم وتكشف خفايا ما يخبئه لنا العالم المتحرك من مصير. ولنبدأ بتسليط الضوء على بؤر الأزمات الشرق أوسطية التي تعالجها الإمبراطوريات الدولية التقليدية والناشئة في هذه الظروف الصعبة وهذه المنعطفات الخطيرة من زمن الربيع العربي والصحوة الإسلامية. أول هذه البؤر هي الحالة السورية لأنها تطرح محاذير أمنية وجغراسترتيجية تتجاوز الإقليم إلى رحابة العالم. فقد تحولت المطالبات الشعبية السورية من مجرد مظاهرات تستعجل إصلاحات دستورية وسياسية واجتماعية بشكل سلمي إلى حرب أهلية مسلحة قد تطول وهذه أكبر غلطة سياسية ارتكبها نظام بشار الأسد حين واجه مظاهرات شبابية باجتماع برلمانه المهزلة وتلاوة قصائد المديح للقائد المنقذ من الضلال وهو تكتيك قديم عديم الجدوى في عصر الإنترنت وسرعة انتقال المعلومات وتشاركية الحشد والتجنيد الشعبي بفضل مواقع الاتصال الاجتماعية. أما البؤرة الثانية فهي القضية الفلسطينية التي تغيرت معطياتها بوصول نخب عربية منتخبة إلى السلطة كليا أو جزئيا مما بوأ الشعوب منزلة المتابع للشأن الفلسطيني والمؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني وهو ما سيعجل بالتجاء الجانب الإسرائيلي لأخف الضررين أي للاعتراف بدولة فلسطينية تتعايش مع دولة إسرائيل ضمن حدود وضعها القانون الدولي وبصمت عليها قرارات مجلس الأمن. وقد استثمر الفلسطينيون هذا التحول المبارك بما فيهم حماس وسلطة رام الله للعودة ربما لنوع مختلف من مسيرة السلام لا علاقة لها باتفاقية أوسلو وفك فتيل الاشتعال الذي سيؤدي بالمنطقة إلى حقل ألغام جديد. أما مربط الفرس والبؤرة الرئيسية في المنطقة فهي ملف النووي الإيراني الذي يهدد توازنا قديما للقوى وينذر بتغيير عميق وجذري في معادلات القوة والحرب ومناطق النفوذ. ولا مناص من الإقرار بأن غاية القوى العظمى والمتعاظمة اليوم هي أخذ نصيبها في إدارة الملف النووي الإيراني بشكل يخدم مصالحها ويؤمن لها موطئ قدم في الشرق الأوسط. ونحن أمام خيارات ليست مختلفة فحسب بل متناقضة على حدود الخارطة الجديدة للإقليم فالولايات المتحدة في الولاية الثانية لباراك أوباما تريد إيرانا منزوعة السلاح النووي بينما تريد روسيا والصين الحفاظ على حليف إيراني له أسنان وأنياب لكن تحت السيطرة. ومصر تتبدل بسرعة والحكم الإخواني الجديد يرتكب هفوات قد تغير موازين القوى الداخلية المصرية وتبقى تركيا الصاعدة تتربص بعدة ملفات شرق أوسطية سوف تعيد لإسطنبول (وليس لأنقرة) ما كان عليه حال السلطان العثماني. إننا على شفا تحولات كبرى لا بد أن نجتمع كعرب أولا ثم كمسلمين ثانيا حولها لنقي أنفسنا مخاطر الخروج من التاريخ ولا ننسى أننا تم طردنا من التاريخ منذ قرن ولم نعد إليه إلا هذه الأيام بفضل تضحيات شباب عربي مسلم جلس أبناؤه أمام شاشات حواسيبهم وشرعوا يتواصلون من أجل اليقظة الحضارية من رقدة أهل الكهف.
450
| 28 نوفمبر 2012
مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...
4368
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...
705
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...
666
| 20 يناير 2026
احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...
618
| 18 يناير 2026
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...
540
| 21 يناير 2026
إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان،...
510
| 18 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...
489
| 22 يناير 2026
أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا...
441
| 19 يناير 2026
عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر...
441
| 20 يناير 2026
«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...
435
| 21 يناير 2026
عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض...
432
| 19 يناير 2026
تُلقي هذه النشرة الضوء سريعاً على القوانين والمراسيم...
399
| 20 يناير 2026
مساحة إعلانية