رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أسرار شفرة الرقم سبعة لدى إسرائيل

عندما أقرأ في ركن القراء بصحيفة هاآرتس الأحد الماضي دعوة أحد الكتاب الإسرائيليين دولته وشعبه بأن تستعد إسرائيل للاحتفال بمئوية وعد بلفور سنة 2017 فإني أتذكر يوم حاضرت في سيمنار بجامعة السربون عام 1988 دعاني إليه معهد شيلر للعلاقات الدولية وأثرت ما سميته إستراتيجية الرقم سبعة أو شفرة الرقم سبعة في سياسة الدولة العبرية وهي مخططات تكاد تستعصي على المراقب للشأن اليهودي لولا أن المتابع للأحداث يتمتع بالحس الحضاري وبميزة المؤرخ ليكتشف بأن الرقم سبعة الذي هو الرقم المقدس في الأساطير العبرية يشكل محطات مصيرية بالنسبة للحركة الصهيونية كأنها نوع من الشفرة التي يدركها المخططون للفكر الصهيوني ويتفقون عليها دون إثارة حفيظة خصومهم أو لفت النظر لهذا السر الدفين في تاريخ حركتهم. فلنبدأ بأول سبعة اكتشفتها حين طالعت كتاب المؤرخ اليهودي البريطاني ألبرت هياوسون الصادر بلندن عام 1916 بعنوان: الميلاد الجديد للشعب القديم، والذي نقل فيه رسالة بعثت بها جمعية صهيونية فرنسية ليهود العالم عام 1787 تقول فيها الجمعية:نحن نطالب الدولة الفرنسية بإتاحة الأرض الموعودة لنا أي الممتدة من صعيد مصر إلى عكا ومن البحر الميت إلى البحر الأحمر، وبذلك نكون مسيطرين على التجارة مع الهند والجزيرة العربية وإفريقيا الجنوبية وإثيوبيا ومع الشام وبلاد فارس ومن خلال البحر الأبيض المتوسط مع أوروبا، أي في أرض فلسطين. وهذه الرسالة ذكرها المؤرخ حسين التريكي في كتابه (هذه فلسطين الصفحة 44). لاحظوا أن هذا المخطط تقرر عام 1787 قبل قرن من تاريخ 1897 الذي شهد انعقاد مؤتمر بازل بسويسرا تحت رئاسة مؤسس الفكر السياسي الصهيوني وصاحب كتاب الدولة اليهودية تيودور هرتزل. وفي هذا المؤتمر تقرر مخطط إنشاء الدولة اليهودية بالفعل. ولاحظوا الرقم 7 لأن تيودور هرتزل قال في كتابه(الذي لم يترجم للعربية سوى بعد قرن من قبل زميلي الفاضل الدكتور عادل غنيم): بعد خمسين عاما سنؤسس دولتنا، وكذلك كان وبالتحديد عام 1947 وبالقرار الأممي الصادر في 29 نوفمبر 1947(لا حظوا دائما الالتزام بالرقم 7) كما قال هرتزل: ولعلنا بعد قرن نسيطر فعليا على الشرق الأوسط! وهكذا كان باعتراف العرب بإسرائيل عام 1997.! ونواصل متابعة الشفرة 7 لنجد أن 1907 شهد إنشاء أول لجنة ملكية في لندن مكلفة بمنع العالم العربي من التشكل والتوسع من خلال السلطان العثماني وهذه اللجنة طالب بها رئيس الحكومة البريطانية بدعوة من يهود المملكة وذكرها أدمون راباث (الذي نقل عنه المؤرخ روني كاليسكي في كتابه: (العالم العربي) بالفرنسية صفحة166)حيث قال: إن اللجنة توصلت إلى نتيجة غريبة وهي التصريح بأن أفضل عمل لمنع العرب من القوة هو تمكين الهجرة اليهودية من الاستقرار في فلسطين، ويلاحظ المؤرخ راباث أن قرار اللجنة يتماشى مع رغبة تيودور هرتزل في مؤتمر بازل. العجيب أن هذه اللجنة الملكية البريطانية توصلت إلى نفس المبدأ الذي رفعه تيودور هرتزل ومن بعده ويزمان ثم بن غوريون وهو المبدأ القائل بأن إسرائيل ستكون القلعة المتقدمة للحضارة الغربية في وجه البربرية! ونواصل رحلتنا مع الرقم 7 لنجد من الطبيعي إصدار بلفور لوعده الشهير عام 1917 وهو القرار الذي أسس بالفعل دولة إسرائيل قبل الأمم المتحدة، ثم نصل إلى عام 1927 لنشهد أول مؤتمر يهودي جمع بنيويورك بين زعماء الحركة من أمريكا وأوروبا وفيه رسمت الخطوط الأولى لجمع الأموال والتغلغل في مجال البنوك ومجال الإعلام. وبعد عشر سنوات بالضبط بدأ القضاء على حركة المقاومة التي تزعمها الشهيد الشيخ عز الدين القسام أي في غضون 1937، وكما يعلم القراء الأفاضل تأسست دولة إسرائيل عام 1947 وانطلقت إلى تاريخ 1957 موعد إنشاء السلاح النووي الإسرائيلي بإعانة باريس وبناء مفاعل ديمونة الذي أعطى للدولة العبرية ضمان البقاء بقوة السلاح الفتاك. وبعد هذا يأتي الموعد الإسرائيلي الحاسم والذي غير الجغرافيا وانعرج بدفة التاريخ وهو موعد الخامس من يونيو 1967 حين استدرجت القوى الدولية المناصرة لإسرائيل الزعيم المرحوم جمال عبدالناصر إلى إغلاق مضيق العقبة وجاءت الهزيمة العربية بتدمير كل سلاح الطيران العربي في خمسة أيام مشهودة، وهنا أيضا كان رقم 7 هو المحدد للضربة القاسية التي غيرت مجرى الأحداث السياسية وحورت التوازنات الدولية لمصلحة الاستعمار الإسرائيلي وعززت المخططات الأمريكية لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط حسب مصالحها هي لا حسب مصالح أوروبا التي رسمت الخارطة الراهنة منذ 1916 بمعاهدة سايكس بيكو. ربما يسألني القارئ الكريم عما وقع بعدئذ في سلسلة الرقم 7؟ والجواب ساطع لكل ذي عينين فعام 1977 شهد أكبر مفاجأة هزت معادلات المنطقة ودفعت بالصراع العربي الإسرائيلي إلى متاهات التنازلات حين زار الرئيس الراحل محمد أنور السادات القدس وخطب في الكنيست وأحدث الزلزال المتوقع. وبعد ذلك بعشرة أعوام في 1987 أعلنت منظمة التحرير بأنها لا تمانع في الاعتراف بدولة إسرائيل وغيرت من ميثاقها وبدأت عملية ما يسمى بالسلام تلتف حول العنق الفلسطيني وتكرس الهيمنة العبرية وتهود المعالم في القدس وتوسع مناطق الاحتلال إلى غاية وصم عرفات بالإرهاب وتدمير المقطع على رأسه ثم اغتياله لطي صفحة المقاومة والعنفوان إلى الأبد. فليحذر العرب من الأن لكي لا يتحول ربيعنا العربي إلى شتاء صقيع مع 2017 الذكرى المئوية لوعد بلفور!

8006

| 08 أغسطس 2012

الربيع العربي وسيرة الإمام علي

أتيح لي بفضل الله خلال هذه الأيام الرمضانية العودة لما ألفت من كتب التفسير والسيرة والحديث لأقرأ صفحات منها ولكن بعيون مختلفة لأني أعيد مطالعتها هذه الأيام على ضوء أحداث جليلة كأنها البأساء والضراء والزلزال التي ذكرها الله تعالى في الآية 214 من سورة البقرة حين وعد المؤمنين بالنصر القريب وحين ضرب سبحانه مثل الذين خلوا من قبل الرسول والذين آمنوا معه فلم ييأسوا وصبروا وصابروا حتى جاء نصر الله وهو قريب. أقرأ اليوم كتابين لكاتبين من أصدق من أرخ لسيرة الإمام علي كرم الله وجهه وهما طه حسين وعباس محمود العقاد مضافا إليهما محمد عابد الجابري الذي ربط بين السيرة والعصر وإليهما أضفت كتاب الفتنة الكبرى للصديق المفكر هشام جعيط. فهداني الله إلى جملة من الحكم الخالدة التي ربما في زحمة التجاذبات وتراكم المحن الراهنة نسيناها وتعامل حكام سورية الثائرة ونخب الظرف المؤقت لدينا بعد تحولات دولهم في تونس ومصر وليبيا واليمن معها تعامل التسرع والقرار المتعثر وردة الفعل مؤثرين فتنة اللحظة المؤدية للخطأ على رصانة الموقف المؤدي للوفاق مع ثقتي فيهم ومودتي لهم لأني سبق أن عرفت العديد من التوانسة والمصريين والليبيين واليمنيين في محطات العمر. ولم أستبعد شيئا من التشاؤم حين تعود أمامي ظلال الصدام المأساوي القديم بين خلافة علي بن أبي طالب الساعي لاستعادة سيرة أسلافه الكرام أبي بكر وعمر وعثمان وملك معاوية بن أبي سفيان الساعي لتثبيت الدولة بالقوة والغلبة باتباع سنن كساورة الفرس وقياصرة الروم. وحين تعاد مناورات الفريقين بتحكيم رجلين هما عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري حتى يفيء الناس إلى أمر الله وتنتهي الحرب بين العراق والشام أي بين الخليفة والملك وكما زعم بعض الفقهاء بين الورع والدهاء وهو مما يزال يقسم المسلمين إلى يوم الناس هذا وأورثهم عناء وخلافا لم ينقضيا بعد وما أرى أنهما سينقضيان قبل زمن يطول أو يقصر(كما قال طه حسين). واليوم حين نقرأ خلفيات ذلك الزمن الرهيب بما فيه موقعة الجمل وحرب صفين والنهروان ثم ما كان من استشهاد الإمام وبنيه الحسن والحسين بعد اغتيال الخليفة عثمان فإنما نخشى أن تكون لبعض ثورات الربيع مصائر الفتنة لا قدر الله إذا ما صمت النخب المتقدمة اليوم أذانها عن حكمة الإمام ومنها ما قاله رضي الله عنه في إسناد المسؤوليات حين نهى عن بطانة السوء ناصحا لواليه محمد بن أبي بكر قائلا له: " لا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ولا جبانا يضعفك عن الحزم ولا حريصا يزين لك الشره بالجور إن شر وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيرا ومن شاركهم في الآثام فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل أرائهم ونفاذهم وليس لهم مثل أوزارهم". ولعل بعض وصايا الإمام تنفع اليوم الماسكين بالسلطة حين يغريهم الحكم بتتبع ما يعتبرونه معايب من سبقهم وينسون أن تاريخ الوطن ليس خطا مستقيما من الحقيقة المطلقة بل هو تقلب من حال إلى حال وأن من سبقوهم في المناصب اجتهدوا ولا يؤخذ منهم بجريرة إلا من أكل أموال الناس ومس من حياتهم وأعراضهم وأفسد في الأرض. يقول الإمام في وصية لولاته: " ليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس فإن في الناس عيوبا أحق للوالي سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك". ثم إن من حكمة عهد الإمام إسرافه في محاسبة ولاته إلى أن كتب إلى عثمان بن حنيف الأنصاري يلومه في ولائم دعي لها قائلا له: " أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجفان وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو..". إن أوجه الشبه بين عصرنا الراهن وعصر التمهيد للفتنة يكمن في وقوفنا اليوم ووقوف مسلمي سنة خمسين من الهجرة أمام مفترق طرق في عاصفة رملية لا نتبين فيها سبل الضلال من سبل الهدى ولا مسالك الحق من مسالك الباطل فكما وقف أجدادنا من السلف الصالح بين طريق الخلافة النبوية وطريق الملك الدنيوي مع إغراء المصالح الزائلة وتربص الأعداء بهم نجد أنفسنا بعد خمسة عشر قرن اليوم نقف بين مسالك وعرة من الحكم الطائفي أو الفئوي أو الحزبي أو الطبقي حتى لو لبس لبوس الجمهورية وبين خيار الحق والعدل والوفاق ولم الشمل في تونس والقاهرة وطرابلس وصنعاء وقريبا جدا في دمشق. ولينظر العرب في حكمة الإمام حين قال: إن الدنيا إذا أدبرت عنك فإنها تسلبك محاسن نفسك وإذا أقبلت عليك فإنها تعيرك محاسن غيرك. وتظل الحكمة الأكثر نفعا من كتاب (نهج البلاغة) لحكام اليوم هي: ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار.!

694

| 01 أغسطس 2012

سورية و قافلة الربيع التائهة

صادف في رحلة المنفى الطويلة أو ما بعدها أن ترافقت مع الصديق د. هيثم مناع أحد أبرزالمعارضين للنظام السوري و معه زوجته الفاضلة د. فيوليت داغر في ذلك الزمن الصعب حين كان يزورني رفقة الصديق المشترك د. منصف المرزوقي في بيتي الريفي في ضواحي باريس و تعرفت عن طريق هيثم على مناضلين مثقفين سوريين كبار أودعوا السجون بتهم "قروسطية عجيبة" من نوع "المس من الشعور القومي ! و تعطيل مسيرة الشعب السوري بقيادته الحكيمة !" وهي التهم التي لم يستح بعض القضاة من إلصاقها برجلين مثل ميشيل كيلو و هيثم المالح وغيرهما. كما كنت أساهم بقدر الإمكان في نشاطات اللجنة العربية لحقوق الإنسان التي ترأسها الدكتورة فيوليت بشجاعتها المعهودة و منها مؤتمر انعقد في البحرين منذ سنوات. وبصراحة فالسيدة فيوليت داغر بعد عقود من التضحيات و نصرة المضطهدين في صمت و صبر كانت أحق امرأة عربية بالجوائز العالمية من سيدة يمنية محترمة لكنها ذات إسهام موجز و ظرفي في إنضاج الثورات و تحقيق المكاسب. كما التقيت في عديد المؤتمرات بالدوحة أو باريس د. برهان غليون قبل أن يتحمل مسؤولياته الثقيلة في رئاسة المجلس الوطني السوري المقاوم. أما الصداقات الأكثر حركية فهي تلك التي ربطتني بالمناضلين الإسلاميين السوريين و قد جمعتني بهم مدينة الدوحة الكريمة التي منحتنا الأمان و آوتنا مع أهلنا و عيالنا سنوات الجهاد والصبر و الإيمان ، جزى الله أميرها ألف خير و من بينهم فضيلة الشيخ مصطفى الصيرفي و فضيلة الشيخ البيانوني و الأستاذ الدكتور عدنان زرزوز و د. رامي دياب و تشاركنا في مقاومة الطاغوت الجاثم على شعوبنا في دمشق و تونس والقاهرة و طرابلس و صنعاء وهي الأنظمة التي يجمع بينها حكم العائلة الواحدة بالرغم من أنها "جمهوريات". و تعرفت من خلال هؤلاء الشوام النشامى على طبيعة الطغيان الذي رماهم و طوح بهم في المنافي كما رماني و طوح بي و اشتركنا في تأسيس موقع (إسلام أون لاين) الذي أصبح أهم موقع إسلامي حضاري بفضل رئيس لجنة التأسيس الشيخ يوسف القرضاوي و أمينه العام د. حامد الأنصاري، كما أشركتهم في عضوية اللجنة العالمية لمناصرة المفكر المسلم (رجاء جارودي) و في إنشاء اللجنة العالمية للحريات الفكرية التي نشط فيها معي د. عبد المجيد النجار وهو اليوم عضو في المجلس التأسيسي التونسي عن حركة النهضة. و إني على مسافة من هذه الذكريات أتأمل الحالة السورية بعد حادثة مقتل أبرز القادة الأمنيين و العسكريين يوم الإربعاء الماضي و أملي أن يهدي الله سبحانه السوريين لسواء السبيل فيجدوا طريقهم للأمن و الأمان و يتوقف نزيف الدم الطاهر و يعود المهجرون إلى بيوتهم. و لا بد أن النخبة السورية اليوم تتأمل بعقول حائرة تلك التجارب السابقة التي تسمى بالربيع العربي و ربما لا تجد فيها أنموذجا مشجعا ينبىء بنجاح كامل و تغيير سريع وتحول إيجابي. فالثورات أو الانتفاضات كلها إن لدى العرب أو سواهم من الأمم تعقبها دائما مراحل زمنية تطول أو تقصر يسميها علماء الاجتماع السياسي بمراحل فقدان البوصلة حتى لو كانت نوايا النخبة طيبة و وطنية و حتى لو حبلت تلك الهزات العنيفة باستعادة الحريات السليبة و العافية الحضارية و كرامة بني آدم وهي مكاسب غالية حققتها نهاية الاستبداد بلا شك. فالانتقال من حالة اللادولة إلى الدولة الضامنة للحق و العدل هو انتقال عسير طويل تعوقه التناقضات بين مصالح وطموحات و إنتماءات و ولاءات النخب التي تتزعم هذا الإنتقال و تتحكم في توجيهه طبيعة العلاقة بين الجيش و قوى المجتمعات المدنية و كذلك طبيعة العلاقة بين الماسكين برأس المال و بقية الطبقات الكادحة. فانظر ما يحدث في ليبيا من تواصل حالة اللادولة و استعصاء نزع سلاح الجماعات المتنوعة قبليا و سياسيا و انظر ما يحدث في مصر من توافق هش وغير دستوري على استنباط يومي مرتجل لأسلوب الحكم و حدود صلاحيات القوى المشاركة في السلطة و انظر ما يجري في تونس من تلعثم و تعثر في اتخاذ قرارات هامة مثل تحديد دور المصرف المركزي أو تسليم البغدادي المحمودي إلى ليبيا أو إجراءات التعامل مع مواطني المغرب العربي الكبير ثم انظر ما يدور في اليمن من جدل حول مصير أفراد عائلة علي عبد الله صالح و المسؤوليات الهامة التي يتقلدونها حسب وثيقة الاتفاق الخليجي على نقل السلطة. إن هذه النماذج بعراقيلها المتوقعة لا تسرع التغيير في سورية و لا تقدم أمثلة تيسر وقف الفواجع السورية ثم إن موقع سورية الاستراتيجي و انعكاس هزاتها ليس له مثيل في التجارب العربية الأخرى و ستظل قافلة الربيع العربي تمخر صحراء الأحداث الدولية في عواصف رملية ليس من السهل ألا تتوه فيها.

413

| 25 يوليو 2012

ثلاثة عقول غربية توقعت الكارثة

مع رحيل آخر الرجال الثلاثة الذين صادقتهم في الغرب (الفيلسوف المسلم رجاء جارودي) ومع رحيل (ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الأسبق) لم يزل حيا ونشيطا سوى المفكر الاقتصادي الأمريكي ومستشار الرئيس الأسبق رونالد ريجن صديقي (ليندن لا روش) وعندما يدلهم ليل الأحداث الجسام وتنزل على العالم صواعق مثل هذه التي نحياها، وتهدد المخاطر ذلك الربيع العربي، اطلب بصيص نور من ذكريات شخصية انطبعت في ذاكرتي، وأستعيد ـ مثل شريط الفيديو ـ بعض لقاءات مع رجال صنعوا جزءا من تاريخ الغرب وتاريخ الحوار بين الإسلام والغرب، وظلوا صامدين لم تزعزعهم الدعايات اليمينية المتطرفة ولا الشائعات الصهيونية الجائرة. جمعتني بهؤلاء الرجال الثلاثة صداقات قديمة أصيلة، حرصت على رعايتها وتنميتها خلال زمن المنفى الصعب، ذلك الزمن القاسي الذي يخذلك فيه من اعتبرتهم ذات يوم أصدقاء ويتفرق من حولك المنافقون الذين جمعتهم بك مسؤوليات سياسية زائلة وأعراض دنيوية عابرة. ولكن ليندن لاروش رجل الاقتصاد الأمريكي المعروف والمرشح الأسبق لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الأسبق، ورجاء جارودي الفيلسوف الفرنسي المسلم الذي نذر نصف قرن من حياته لخدمة حوار الحضارات وفضح الصهيونية، هؤلاء الرجال الثلاثة يظلون شامخين في ذاكرتي وفي ضميري من ذلك المعدن الأصيل الثمين الذي لا يتغير مع الأحداث، وفي هذه المحنة التي تمر بها حضارة الإسلام، هذه المحنة متعددة الأبعاد: من العراق إلى فلسطين، إلى نذر الفوضى في ليبيا ومصر واليمن مرورا بمحنة سوريا التي لا نرى لها أفق حل إلى تونس التي حققت مكاسب غالية ولكنها تفتقر إلى بعض الأمن واستعادة العافية وتوضيح الصلاحيات لرموز الدولة. استرجعت أحاديثي المطولة مع هؤلاء الأصدقاء الثلاثة، وقرأت محطاتها بعيون أخرى مختلفة وأنا دايس معكم جميعا أيها القراء الكرام على جمر هذه المصائب أذكر حديثي مع ليندن لاروش في يوم دافئ من أيام نوفمبر 1984، حيث دعاني إلى قضاء يوم في «رانشه» بولاية بنسلفانيا غير بعيد عن واشنطن وكنت في ذلك العهد عضوا بالبرلمان التونسي مقررا للجنة الشؤون السياسية في أواخر عهد بورقيبة وكان بالطبع لاروش كأي سياسي أمريكي يريد أن يطلع على مشاغل الطبقة السياسية المغاربية واتجاهات الرأي العام العربي إزاء العلاقات الأمريكية العربية، وبخاصة قضية فلسطين وتعامل إدارة الرئيس رونالد ريجن في ذلك الزمن مع تلك القضية. وكنت بدوري حريصا على فهم ذلك الجهاز المعقد الذي اسمه أمريكا، وكيف يتاح للعرب إيجاد قنوات للتعامل مع الرأي العام الأمريكي لأنه ذو التأثير الحاسم على مجريات القضية الفلسطينية. وكانت تونس في ذلك العقد من الزمن تأوي جامعة الدول العربية وتستضيف منظمة التحرير الفلسطينية وأبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد وأبو اللطف وكل القيادة المناضلة فاهتمام ليندن لاروش بما كنت أقوله هو اهتمام طبيعي بالنظر لموقع تونس القوي آنذاك ودورها في بلورة سياسته العربية. قال لي لاروش ونحن نتغدى على مائدته مع زوجته هلجا: «أنا أعتقد أن ليس للإدارة الأمريكية سياسة عربية، فهي منذ دوايت ايزنهاور تستعيض عنها بالسياسة الإسرائيلية.. هذا هو الخطر الكبير الذي يهدد مصالح أمريكا على المدى البعيد.. أن البيت الأبيض ينظر للعرب بعيون إسرائيلية.. لاحظ مثلا اعتبار ياسر عرفات إرهابيا من قبل إدارة ريجن لا لشيء إلا لأن إسرائيل تعتبره إرهابيا وأكد لي لاروش أنه كتب مذكرة لريجن وقال له إن عرفات ينتمي إلى آخر جيل فلسطيني يقبل التفاوض وأن الجيل الذي سيأتي بعده سيأخذ حقوقه بالسلاح والعنف.. نحن نتوقع أن يتحول جزء من ذلك العنف ليضرب أمريكا ذاتها في يوم من الأيام.. لأننا لم نستقل بعد عن الرؤية والتصور والأنماط والمصالح السائدة في إسرائيل. هكذا تكلم ليندن لاروش منذ ثلاثين سنة. أما ميشال جوبير، وزير خارجية فرنسا ووليد المغرب العربي والقلم المنصف للعرب ولقضية فلسطين، فأنا أذكر حديثه منذ عشرين سنة في مطعم سان فرانسيسكو الذي نلتقي فيه أسبوعيا يحرص كلانا على احترام مواعيدها. قال لي ذات يوم صيفي عام 1996: إنني أعجب من العمى السياسي الذي يصيب الإدارة الأمريكية.. رئيسا تلو رئيس. وأعتقد أن الجهل هو سبب ذلك العمى وذلك التخبط، فالأمريكي المتوسط الذي يضع الرأي العام الضاغط عادة على قرارات الإدارة الأمريكية هو مواطن محدود المدارك السياسية، ليس لديه طموح في أن يعرف حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي. فإسرائيل بالنسبة إليه هي الدولة الموالية لأمريكا وحامية الغرب من شعوب عربية متخلفة «غير ديمقراطية»، وهذه الرؤية لدى الأمريكي المتوسط هي رؤية إسرائيلية.. صاغتها وسوغتها وروجتها أجهزة إعلامية ذات تأثير، خاصة القنوات التلفزيونية الأهلية والمحلية التي تبث لولاية أو لمدينة كبرى أو لمجموعة مدن، هذا هو المجتمع الأمريكي أمام قضية فلسطين.. كيف نغير هذه المعادلة؟ هكذا تكلم إليّ ميشال جوبير وهو مدى حياته مسكون بهاجس التخبط الأمريكي ويعتبره أم المعضلات أمام قضية فلسطين. وأني أقرأ مقالات جوبير الصادرة بعد 11 سبتمبر 2001 وأرى أنه حلل الأحداث بنفس المنطق، بل إنه كان منذ سنوات عندما كان يتحاور في عام 1973 مع زميله الأمريكي هنري كيسنجر ينصح الإدارة الأمريكية بقراءة حرب أكتوبر 73 بعيون أخرى، وتوقع أزمة عالمية كبرى من جراء مساندة الظلم الإسرائيلي دون ضوابط. أما الصديق المفكر رجاء جارودي رحمة الله عليه فكانت لي معه أحاديث مطولة في بيته.. قال لي منذ عشرين سنة «إني أكتب كتابا هذه الأيام سوف أضع له عنوانا هو: أمريكا تقود العالم إلى الهاوية! فقلت له: لعل هذا أمر مبالغ فيه.. فرد عليّ قائلا: لا إنها الحقيقة.. لم تدرك أمريكا بعد أن حجمها العملاق الأوحد يفرض عليها اليوم رسالة في حوار الحضارات ونصرة المظلومين ورفع راية مبادئ حقوق الشعوب وحقوق الإنسان.. إلى اليوم لم تتعلم تلك القوة العظمى أن عالما خاليا من تلك المبادئ لن يصمد.. وسيجرف أمريكا معه ـ أو تجرفه أمريكا ـ إلى الهاوية، إن أمريكا تمهد مع الأسف لعالم دون قيم. أو بالأحرى بقيم دون محتوى. هي ترفع شعارات الحرية ـ مثل تمثالها الشهير ـ لكنها لم تتحول إلى ممارسة سياسية وحضارية. هكذا تكلم ثلاثة رجال أقدرهم وأحترمهم.. والزمن أعطاهم الحق والمصداقية.

551

| 18 يوليو 2012

رحم الله نصير العرب والحق رجاء جارودي

توفي منذ أيام قليلة في بيته في قرية (شنيفير) بضواحي باريس الفيلسوف والمفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي وهو صديق عزيز رحمة الله عليه ربطتني به علاقة فكر ومودة منذ عام 1978 حين كنت أشغل مسؤولية في إحدى مؤسسات النشر بباريس (دار جون أفريك للنشر) وكلفتني مديرة الدار أن أتابع إعداد وطبع كتاب (حوار الحضارات) لكاتبه (روجيه جارودي) قبل أن يشهر الرجل إسلامه. ولم أكن أجهل هذا الاسم بالطبع لأني كنت شغوفا بمعاركه السياسية داخل الوسط الفرنسي والدولي. فجارودي كان عضوا بارزا في أعلى هيئة بالحزب الشيوعي الفرنسي لكنه بدأ في السبعينات ينشق عن خط الحزب الستاليني وينادي بقيمة الحرية ونبذ مبدأ الإلحاد في العقائد الماركسية ثم طرد من هذا الحزب ليستقل بفكره وعقله. وأذكر دخول هذا الرجل لأول مرة إلى مكتبي في دار النشر (8 شارع روكيبين بالدائرة الثامنة بباريس) بقامته الفارعة يلفه في ذلك الشتاء الثلجي معطفه الكحلي وحدثته أنا بصدق وحماس عن إعجابي بالأفكار الجريئة والإنسانية التي قرأتها في كتابه الجديد (حوار الحضارات) ذلك المصطلح الذي لم يكن معروفا آنذاك وما أزال أعتقد أن المفكر الأمريكي صمويل هنتنجتن انطلق منه ليكتب سنة 1992 كتابه الشهير (صدام الحضارات). وتواصلت لقاءاتي بهذا الأستاذ والمعلم وأدركت أنه يكن احتراما عميقا وخالصا للإسلام مع انتقاداته لأوضاع المسلمين واستبداد أغلب حكامهم. وانتهى الأمر بالرجل أن أشهر إسلامه وتفرغ لخدمة القضية الفلسطينية إيمانا منه رحمه الله أنها مظلمة القرن العشرين وأن الصهيونية تختلف عن اليهودية لأنها تتاجر بمأساة الشعب اليهودي على أيدي هتلر لتفتك بشعب بريء ومسالم. وكتب كتابه المدوي (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) سنة 1997 الذي ترجم لثلاثين لغة وأدانته المحكمة الفرنسية وقمت أنا بفضل رعاية كريمة من سمو الشيخة موزا بنت ناصر وبمعية صحيفة الشرق القطرية وحماس فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي والأستاذة الدكتورة عائشة المناعي عميدة كلية الشريعة والقانون بجامعة قطر بتشكيل لجنة عالمية لمناصرة جارودي كان لها صدى واسع في عديد البلدان وزرعت بذور وعي لدى الرأي العام الغربي بحقيقة الصراع العربي الإسرائيلي. ولد جارودي في فرنسا بمدينة مرسيليا عام 1913، وقاوم النازية الألمانية وحمى اليهود المضطهدين وحوكم بالإعدام ونجا برأسه ودافع عن الشعوب المستعمرة والمناضلة ثم انتخب في البرلمان الفرنسي وأصبح نائبا ثانيا لرئيسه في الخمسينيات. وصدر أول مؤلفاته عام 1946، وحصل جارودي على درجة الدكتوراه الأولى عام 53 عن النظرية المادية في المعرفة، ثم حصل على درجة الدكتوراه الثانية عن الحرية عام 54، كما حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة "قونيا" في تركيا وعرف جاردوي من خلال كتبه وأفكاره كواحد من أبرز الفلاسفة الغربيين الذين ظهورا خلال القرن العشرين، وأثار جدلاً واسعاً من خلال كتاباته وأفكاره وانتماءاته الماركسية ثم الإسلامية، ومعاركة التي خاضها فيما بعد مع الأحزاب والأفكار، حتى أشهر جارودي إسلامه في المركز الإسلامي في جنيف عام 82 وكتب كتابين: "الإسلام يسكن المستقبل"و"وعود الإسلام" وحصل بهما على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 85. وفي عام 82 خاض جاردوي معركته الأولى مع الحركة الصهيونية بعدما نشر مقالاً عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وخاض سنة 1997 معركته الثانية لنصرة فلسطين مع صدور كتابه "الأساطير المؤسسة لسياسة إسرائيل" والذي حوكم بسببه أمام إحدى محاكم باريس حسب القانون الفرنسي الغريب المسمى باسم (غايسو) البرلماني الذي سنه منذ سنوات وهو يقضي بتجريم كل من يشكك في محرقة اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد صدر لجارودي 53 كتاباً كان آخرها "الولايات المتحدة ومواجهة الامبراطوريات الزائفة" الذي صدر بالعربية بترجمتي أنا من الفرنسية.. وفي آخر زيارة لي لأعوده وهو طريح الفراش في بيته فاجأني بأنه لم يستسلم للباطل الصهيوني ولم يهادنه بل إنه يعد الآن كتاباً جديداً قال عنه: إنه سيكون قنبلة مدوية في مواجهة الحركة الصهيونية التي يقول إنه أعلن الحرب عليها حتى النهاية وقد بلغ عدد رسائل الدكتوراه التي أُعدت في جامعات العالم المختلفة عن فكر جارودي حتى الآن 25 رسالة. وآخر قولي للصديق الراحل: جزاك الله خيرا عن العرب وسامحهم عن التقصير في حقك فذلك شأنهم دائما إزاء من يناصرهم.

617

| 10 يوليو 2012

الحالة السورية غير مسبوقة ومخاطرها أيضا

يوم الثلاثاء دعيت لبرنامج حوار سياسي في قناة فرنسا 24 مباشرة من باريس وشاركت في حوارين الأول باللغة الفرنسية والثاني بالعربية مع ثلة من الأكاديميين والإعلاميين والخبراء في الشأن الدولي وكان اختيار الموضوع مرتبطا بالحدث الأبرز للأسبوع وهو الأزمة التي نتجت عن إسقاط الدفاع السوري لطائرة ف 4 التركية وأعقب ذلك إطلاق النار على طائرة الاستكشاف التي أرسلها الجيش التركي لإنقاذ الطيارين. وقد اتفقنا جميعا رغم اختلاف انتماءاتنا الفكرية وأصولنا العرقية على أن الحالة السورية الراهنة حالة غير مسبوقة منذ أواسط القرن الماضي إلى العشرية الأولى من هذا القرن، وذلك لأسباب موضوعية لا دخل للأيديولوجيات فيها. وهذه الأسباب هي حسب الأهمية: 1) الاختلاف الجغراسترتيجي بين الحالة السورية وحالة دول الربيع العربي. صحيح أن ما يجمع بينها وبين هذه الدول التي انهارت أنظمتها القديمة هو منهج الحكم العائلي والحزب الواحد وهو منهج يؤدي عادة إلى احتقان الوضع السياسي وتحجر الوضع الاجتماعي وانسداد آفاق شرائح واسعة ومحرومة من المواطنين. فالأنظمة التونسية والمصرية والليبية واليمنية اشتركت جميعا في تغول أسرة وحزب على بقية خلق الله ولكن الاختلاف الجوهري بين سوريا وكل من تونس ومصر وليبيا واليمن هو أن النظام السوري قطعة أهم على رقعة الشطرنج في لعبة الأمم لأن قطع الشطرنج في العلاقات الدولية تختلف من بيدق بسيط إلى ملكة إلى شاه مرورا بالفيل والفرس. فالنظام الأسدي منذ 42 سنة مسنود إقليميا من إيران ومن شيعة لبنان ومسكوت عنه من إسرائيل ومن الأردن ومن العراق ومسنود دوليا من روسيا الباحثة عن مجدها الضائع والمستعيدة لقواها النووية وحضورها السياسي وثانيا من الصين الشعبية التي تعملقت خلال العشرين سنة الأخيرة على حساب أزمات الولايات المتحدة وإفلاس مصارفها وفرضت صيانة مصالحها على العالم كلاعب أساسي. 2) بعكس دول الربيع العربي فسوريا هي البوابة الكبرى لعودة الحرب الباردة بين فصيلين لم تتوافق مصالحهما بل تناقضت في حروب العراق وأفغانستان والصراع العربي الإسرائيلي أي في الحقيقة حول مستقبل ضخ النفط والغاز وتأمين تزويد الفصيلين بهاتين الطاقتين بأقل التكاليف وأقل المخاطر، والفصيلان هما بالطبع الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون المنضوون جميعا تحت منظمة حلف شمال الأطلسي ومن انحاز لهما من الدول باسم الليبرالية واقتصاد السوق مثل اليابان وكوريا ودول جنوب شرقي آسيا عموما وجزء هام من الدول المسلمة في البلقان وبعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا وأغلب الدول العربية في الخليج والمشرق والمغرب الإسلامي ويتشكل الفصيل الثاني المقابل من روسيا الاتحادية والصين الشعبية ومن ترتبط علاقاته بهذين العملاقين مثل إيران وباكستان والهند وأغلب الجمهوريات المستقلة التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي وبعض الدول العربية مثل الجزائر لأسباب تاريخية واقتصادية معروفة. فسقوط محتمل لنظام سوريا الراهن سيشكل للفصيل الثاني بداية انخرام كبير للتوازن الدولي القائم حاليا كما أن بقاء النظام الراهن كما هو يعتبره الفصيل الأول من عوامل بث البلبلة وتوسيع فضاء الفوضى في منطقة تتميز بهشاشتها السياسية وبمخاطر تركيبتها الطائفية (التي يرمز إليها الشام بالسنة والشيعة والدروز والأكراد والمسيحيين من موارنة وأرتدكس بجوار يهود وعرب فلسطين). 3) إن دخول تركيا بسبب إسقاط طائرتها على خط حربي مختلف عن خط إيواء اللاجئين وتشجيع الجيش السوري الحر يعتبر تدشينا لمرحلة جديدة وغير مسبوقة وهي مرحلة محفوفة بالمخاطر يمكن نعتها بالمواجهة المباشرة بين سوريا الرسمية وحلف الناتو. فالحلف تكلم أمينه العام (راسموسن) خلال اجتماع قيادته في بروكسل يوم الثلاثاء الماضي قائلا: "إن هذا العدوان على تركيا غير مقبول وإننا نفكر في تفعيل الفصل الخامس من ميثاق الناتو ضد سوريا". هذه نذر عهد جديد وغير مسبوق لا يمكن التكهن بمصير شعوب المنطقة فيه والعجيب في الأمر أننا لم نشهد حتى مجرد لقاء عربي لتبادل الرأي حوله ولا نقول قمة عربية فكل عربي (حتى القادة) اكتفى بمتابعة ما يحدث على شاشة تليفزيونه كأن الأمر يتعلق بمباراة كرة قدم! "يبدو أن الأرض لم تعد تتكلم عربي".

386

| 04 يوليو 2012

رسالة محبة إلى الشيخ المجاهد صالح كركر

شاهدت على الشاشات التونسية عودة المجاهد الأصيل الشيخ صالح كركر بعد ثلث قرن من السجون والمنافي قضى منها ثماني عشرة سنة كاملة في الإقامة الجبرية بقرار جائر من وزير داخلية فرنسا الأسبق شارل باسكوا بعد صفقة بينه وبين النظام البائد تقتضي ترحيل كركر إلى تونس مقابل توفير ملجأ تونسي أمين لإبن باسكوا المحكوم عليه في قضايا فساد بفرنسا. وقد ترافقنا أنا والشيخ صالح وعشرات من مقاومي الاستبداد في باريس ولندن وتأثرت كما تأثر التونسيون بعودة الشيخ صالح على كرسي نقال بعد إصابته منذ سنوات بجلطة أعاقت حركته وألزمته الفراش. وأنا كغيري ممن عرف الشيخ نتضرع للعلي القدير أن يشفيه ويعافيه وأن ينفع به وطنه وأمته وأن يجازيه عن شعبه أوفى الجزاء. فالحمد لله على السلامة وعلى نعمة الحياة وعلى الصبر عند البلاء فإن الله لا يبتلي من المؤمنين إلا من يختارهم ويصطفيهم وأنت منهم. علاقتي بك يا شيخ صالح طريفة ونادرة لأني حين كنت مسؤولا في حزب بورقيبة الدستوري في بداية الثمانينيات أسمع باسمك ضمن من يعتبرهم الزعيم "إخوانجية" ونعتبرهم نحن الدستوريين المتعلقين بالهوية والملتفين حول محمد مزالي شركاء في الوطن بل نلتقي معهم في التعريب والأسلمة وصيانة الحريات. وأسعدني أن ذكر بهذه المعاني الدكتور حمودة بن سلامة في شهادته على منبر مؤسسة التميمي الجامعية حين انتهى إلى الخلاصة الصادقة التالية: "لقد تم عزل مزالي من رئاسة الحكومة واضطهاده لأنه تحاور سرا مع الإسلاميين وكان يعمل من أجل الاعتراف بحركتهم وإدراجهم في مشروع "دمقرطة الحياة السياسية".  وأنا ذكرت في كتابي الصادر سنة 2005 (ذكريات من السلطة إلى المنفى) الذي نشر في حضرة السلطان الجائر لا بعد رحيله بأن سعيدة ساسي "سيدة القصر آنذاك ودمية الطاغوت والجهل" سحبتني من يدي منتصف نهار الثالث من أغسطس سنة 1986 في قصر المرمر بالمنستير وكنت جالسا وراء خالها بورقيبة بالضبط مدعوا لحفلة من الحفلات التي كان الزعيم يقيمها بمناسبة عيد ميلاده بعد شهر من إقالة صديقي محمد مزالي طيب الله ثراه وقالت لي سعيدة بلهجتها السوقية: "اسمع يا سي أحمد خالي قضى طول عمره يقاوم الإخوانجية وصاحبك (تقصد مزالي) يحب يعطيهم الحكم". كانت هذه الرسالة كافية لكي نبدأ رحلة المنفى لأن وراءها ومن أوحى بها لسعيدة ساسي "النجم الصاعد زين العابدين بن علي" الذي شرع يدبر المناورات الكبرى التي أدت بتونس إلى السابع من نوفمبر. وفي مغامرات عجيبة قصصت بعضها في كتابي "انتقلنا إلى منفانا من جنيف إلى فرنكفورت" ثم "إلى مستقرنا الطويل والأمين باريس". وهنا التقينا بثلة من المضطهدين الصامدين لا يتجاوز عددهم العشرة منهم الدستوريون والوزراء السابقون أمثال أحمد بن صالح وأحمد بنور والطاهر بلخوجة وعلي السعيدي الذي "مات" مقتولا بعد ذلك في ظروف غامضة بتونس ومنهم اليساريون أمثال منذر صفر ومنهم الإسلاميون أمثال الشيخ صالح كركر والحبيب المكني ورؤوف بولعابي ومنهم بعض الشباب الغاضب والرافض للقهر أمثال عبدالعزيز العقوبي والمازري الحداد وسليم بقة ومنهم من سبقونا للمنفى أمثال المناضل القومي محمد الشابي والمحامي محمد بكار والمهندس الأول المنصف ثريا. وجئنا أنا ومحمد مزالي في صيف 1986 لتكتمل صورة هؤلاء الرواد لمقاومة العسف والتنديد بالاستبداد وكانت تونس لا تزال تحت سحر اللحظة التي فصلت ما بين بورقيبة الذي خرف وانهار عهده وبين ابن علي الذي وعد بغد أفضل تحول بسرعة إلى سراب وكومة هشيم ثم إلى كابوس وانتهى بثورة الكرامة يوم 14 يناير 2010. وأذكر لقاءاتنا العديدة في شقة محمد مزالي (5 شارع فرساي بباريس) مع الشيخ راشد الغنوشي حين كان يسمح له بتأشيرة من لندن إلى باريس فنسهر معا صحبة الشيخ صالح كركر والحبيب المكني ورؤوف بولعابي ورضا إدريس ويلتحق بنا الصديق أحمد بن صالح فنخطط معا لمقاومة الطاغوت يجمع بيننا جميعا سوط الملاحقات وسيف انتهاك أعراضنا في صفحات الجريدي وعبدالوهاب عبدالله ويجمع بيننا أكثر من ذلك الإيمان بأن تونس يمكنها أن تكون أفضل وأروع وأسلم. واكتشفنا أنا وأحمد بن صالح ومحمد مزالي أن الشيخ صالح وطني معتدل في منهج الإصلاح يتقبل الرأي المخالف بلطف في التعبير مصحوب بحزم في المبادئ وصلابة في مناهضة الباطل. وبدا لنا بأن الشيخ صالح عكس ما يتصوره البعض إنما هو رجل وفاق ورجل عمل مخطط ومنظم ولعل ذلك ثمرة تخصصه الجامعي في التخطيط والإحصاء. وفوجئت بعد بعض لقاءاتنا بأيام باستدعاء أبلغه لي عون أمن فرنسي أحتفظ به إلى اليوم يدعوني لمقر المخابرات الفرنسية (إدارة الأمن الداخلي) لمقابلة المحافظ السيد (كارفان). ولم تكن تلك المرة الأولى التي أزور فيها ذلك المقر بالدائرة الخامسة عشرة بباريس إذ سبق أن استدعيت بعد مداخلة قدمتها في فضاء (البورجيه) في مؤتمر الجمعيات الإسلامية بأوروبا وتكلمت فيها عن الخلافة والشريعة والعنصرية. ذهبت في الموعد وأنا متخوف من مؤامرات النظام التونسي فإذا بالتحقيق يتركز على صالح كركر وما إذا كان هو الذي يتزعم جناحا عسكريا لحركة النهضة فأكدت للمحافظ (كارفان) أن الرجل مسلم معتدل ومسالم وأن النهضة حركة ثقافية وسياسية مدنية ولا تنادي بعنف أو انقلاب. ثم علمنا أن الشيخ صالح مهدد بإرساله إلى تونس وبعد تدخلات عديدة تم إيداعه الإقامة الجبرية دون أي محاكمة. ورحلت أنا إلى ملجأي الثاني الأمين في الدوحة واستمر عذاب الشيخ من إقامة إلى إقامة جعل الله كل تضحياته في ميزان حسناته وهنيئا له ولنا عودته محفوفا بأهله ورفاقه إلى أرض تونس التي ضحى من أجلها كأروع وأصدق ما تكون التضحيات.

962

| 27 يونيو 2012

كارت وردي – منيرة آل ثاني- أول كتاب أدبي عربي عن كرة القدم

كارت وردي – منيرة آل ثاني- أول كتاب أدبي عربي عن كرة القدم.. يصدر عن كاتبة قطرية أفضل ما يتيحه الله سبحانه لأستاذ هو أن يعيش ليرى أحد طلابه يتألق فيشعر الأستاذ بأنه هو الذي ينجح من خلال نجاح طالبه وأنه هو صاحب بعض الفضل في تميز ابن من أبنائه أو بنت من بناته وهو شعور فيه من النرجسية جزء مقبول ومشروع، فالأستاذ حتى وإن أصابه يأس وبدأ يحس بوطأة السنين يتحول إلى مشارك في تفوق طلابه يفرح لفرحهم وتسعده منهم كلمة عرفان صادقة يشحن بها "بطارية" العمر، وأنا أدركت مروءة منيرة منذ زمن حين فجعت بفقدان إحدى معلماتها في المجال الصحفي الميداني طيبة الذكر ثريا نافع رحمها الله ففكرت في رصد جائزة تحمل اسمها لأحسن إنتاج صحفي. هذا هو شعوري حين أهدتني طالبتي منيرة خالد آل ثاني كتابها الجديد بعنوان "كارت وردي" ومنيرة من المعدن الأصيل لأنها لا تقطع صلتها بمن درسوها في كل مراحل تعليمها، وأنا لا أبالغ إذا وصفت كتابها هذا بأنه أول كتاب عربي أدبي عن عالم كرة القدم، بالطبع صدرت كتب كثيرة عن هذه الرياضة الشعبية الجماهيرية ولكنها لم تكن أدبية بل لم تطمح إلى بلوغ مستوى الأدب، كانت مؤلفات رياضية أو تقنية أو احترافية أو تأهيلية خاطبت أصنافاً من الجمهور "الكروي" بلغة صحفية أو ملاعبية لكنها لا ترقى لدرجة الأدب، فللأدب نواميس وفنون ويشترط موهبة لم تتوفر في أغلب من كتبوا عن الرياضة والرياضيين، ولم أعرف أدباً راقياً في كرة القدم سوى كتب فرنسية كتبها صديقي "باسكال يونيفاس" وهو مولع بكرة القدم لكنه أستاذ في العلوم السياسية ورئيس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس ومعلق مثقف على أحداث العالم والقضايا الاستراتيجية وهو أيضا أديب وذو هواية وموهبة في رياضة كرة القدم. وحين فتحت الكتاب الأنيق الصادر عن منشورات مجلة "ستاد الدوحة" كان أول ما استرعى انتباهي وإعجابي هو العنوان "كارت وردي" ترفعه الكاتبة في وجه بعض مظاهر العنف والخطأ في الملاعب كما يرفع الحكم كارت أحمر أو كارت أصفر، فاللون الوردي الذي اختارته منيرة للكارت هو علامة سلام وتعامل حضاري وأنثوي رقيق مع من يستحقون النقد ولفت النظر، والأمر الثاني الذي جلب اهتمامي هو الإخراج الفني الأنيق للكتاب فهو في حد ذاته عمل فني بطغيان اللون الوردي وجمال الصورة وإتقان التصفيف. إنني لا أعجب من صدور أول كتاب أدبي عن رياضة كرة القدم في دولة قطر وبقلم كاتبة قطرية متميزة وغزيرة الإبداعات لأن قطر هي التي ستنظم مباريات كأس العالم لسنة 2022 وهي التي تقوم بجهود عملاقة ومشكورة لتأمين كرة القدم من مخاطر الانحراف للفوضى والتعصب، وقد خصصت الكاتبة لهذا الحدث – الحلم، كما نعتته مقالات أهمها وقفة مع ملف 2022 (ص 84) توضح فيه منيرة أبرز شروط نجاح هذا الاستحقاق الكبير ومهام كل من عينوا "سفراء" لخدمة هذا الهدف السامي. فمنيرة آل ثاني تؤكد على صفحات كتابها أنها شاعرة بمسؤولية دولتها ومقدرة لمساعي أميرها في سبيل أن تنجو كرة القدم من نزعات التناحر والتعصب لتعود هذه الرياضة الراقية، كما كانت نقطة التقاء الأخلاق العالية والتسابق النزيه على الفوز واحترام المنافس والقبول بالنتيجة وبروح رياضية كما كان يقال، ونرى اليوم منيرة تثور بقلمها على العقليات المريضة التي انحرفت بكرة القدم إلى "حرب داحس والغبراء". قدم للكتاب رئيس تحرير مجلة ستاد الدوحة السيد ماجد الخليفي، فقال إنه يقدر كيف استطاعت منيرة أن تكسر قيود الخوف من دخول ميدان كان حكراً على الإعلام الذكوري غير أنها استطاعت أن تشق طريقها بثقة وأن تجد لها فضاء واسعاً من الإبداع والتميز. كما أن رئيس الاتحاد القطري لكرة القدم الشيخ حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني أكد هذه المعاني، فقد قدم للكتاب بكلمات لطيفة تقبل فيها نقد "كارت وردي" بصدر رحب، كما قال لأن النقد يصحح الأخطاء ويسلط الأضواء على بعض الهنات التي لا يتفطن لها المسؤول الكروي. ومنيرة لا تخفي أنها في البداية ترددت عن اقتحام هذا المجال لكنها تسلحت بثقتها في نفسها وإيمانها بأنه لا حدود مسيجة للمرأة المثقفة ولا يمكن حبسها في مجالات معينة أنثوية، بل إنها مدعوة لتتبوأ مكانتها كفاعلة إعلامية وتوجيهية لهذه الرياضة التي تمس في الواقع أغلب مواطني قطر والعالم رجالاً كانوا أو نساء، وهي تنجح في تصحيح مفاهيم خاطئة متوارثة مثل الاحتراف ومعانيه ومثل تسييس الرياضة ومثل رفع النوادي إعلانياً في عالم التجارة ومثل شراء اللاعبين وتداولهم كالأسهم في البورصة، ومثل دور الجمهور المشجع للفريق والمتنقل بين المدن في العالم، ومثل المافيات التي تمارس في الظلام تأثيراتها السيئة على الرياضة والرياضيين، ومثل حقيقة الفيفا ومن وراءها من رجال التأثير والإعلام والمال والأعمال. قالت منيرة عن كتابها بكل تواضع: "كارت وردي يختلف عن الكروت الصفراء والحمراء، بل هو نظرة بتطلع أنثوي قطري خاض مجالاً يرونه حكراً على الرجل في زمن أمير الحرية والقلوب أطال الله عمره، فشكراً على قبولكم وجودي وسط الحروف الرياضية، وبقلب هجوم الكرة القطرية والدفاع عن الروح الرياضية". وأنا أضيف إلى كلامها هذا بعض التحيات الخالصة من أستاذها الذي تشرف بتخريج أربعة أجيال من الإعلاميين مع نخبة من الزملاء الكرام، تحية من القلب لهذه المبادرة الجريئة التي لا تحمل رمزاً رياضياً أو أدبياً أو إعلامياً فحسب، بل إن إصدار هذا الكتاب يعتبر بحق إنجازاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً تعتز به دولة قطر، وهي الدولة الخليجية المحافظة لأن قيادة قطر الرائدة والسباقة لتحرير الكفاءات النسائية هي التي تستحق مع الكاتبة وسام شرف الريادة. فهنيئاً لقطر بهذا القلب الأنثوي المشاكس ولكن في أدب، والمصرح بالحق ولكن باحترام، والداخل إلى ملعب كرة القدم من بابه الواسع بلا "تسلل" ومنيرة ستظل لاعبة متميزة في فريق الأخلاق الرياضية العالية تلبس فانيلة محترمة وردية تلفها عبايتها رمز الأصالة وهي ستسجل أهدافها في مرمى أعداء الروح الرياضية، وإذا قدر لها أن تكون حكم المباراة، فهي سترفع في وجوه قرائها ومحبيها "كارت وردي" بكل ود، وبكل ابتسامة ثقة وأمل في مستقبل الرياضة في وطنها وفي مستقبل وطنها بأسره بقيادة حكيمة من أفضل رجاله ونسائه. وإني أنصح بمطالعة هذا الكتاب الذي يجمع بين الإمتاع والمؤانسة وبين الخفة والعمق وبين الجد والهزل وبين الواقع وأفق المستقبل، وسأعمل شخصياً على إدراج هذا الكتاب في المعرض الدولي للكتاب بكل من باريس وفرنكفورت، كما أرجو أن يحتل مكانه في معرض الدوحة والقاهرة لأنه بكل بساطة طريف ونادر.. ويحمل رسالة ومجموعة قيم رياضية ووطنية عليا.

2125

| 22 يونيو 2012

تطهير القضاء و ظاهرة عميد قضاة التحقيق

"نحن حسن بن فلاح عميد قضاة التحقيق بالمكتب الأول بمحكمة تونس بعد الاطلاع على الفصلين 104/107 من مجلة الإجراءات الجزائية وعلى البحث الجاري ضد أحمد بن الصادق بن الطيب القديدي المولود في... بالقيروان وابن السيدة الحداد وضد أبوبكر بن محمد بن المختار العمامي ابن عيشة بنت التليلي العمامي المولود في... بسيدي بوزيد وليس لهما سوابق عدلية الأول بحالة فرار والثاني بحالة سراح. نصرح بكل ما تقدم وبقيام الحجج الكافيةعلى إدانة المتهمين حسب أحكام الفصل 297 من ق ج وإحالتهما على الحالة التي هما عليها صحبة ملف القضية والوثائق من أجل ذلك على دائرة الاتهام لتقرر في شأنهما ما تراه....." أردت أن يقرأ جيل شباب تونس والعالم العربي كيف كان الطاغوت العربي يستعمل القضاء ويوظفه لسحق الخصوم السياسيين في هذه الأيام التي كثر فيها الجدل حول تطهير القضاء في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. والنص الذي بدأت به مقالي نقل حرفي لوثيقة إدانتي من قبل الحكم الاستبدادي وهي صفحات مطولة تعتبر بدعة من بدع تحويل سلوك عادي إلى جرائم وابتكار جنايات انطلاقا من تفاسير عجيبة لفصول القانون ولي عنق الحق لإلباسه الباطل. وكنا في زمن الجمر تلك نسلم هذه الوثائق للأستاذ رجل القانون الفرنسي (فرنسيس سبينار) ليقوم بتدريسها لطلابه في كلية الحقوق والمدرسة العليا للمحاماة بباريس كوثائق حية عن المحاكمات الكيدية وكيف يصنع بعض رجال القضاء للأبرياء تهما ملفقة ويحكمون عليهم بالسجون والمنافي وأحيانا بالموت. وأقول بعض رجال القضاء لأن هذا السلك والحمد لله أغلبه من الشرفاء وأصحاب الضمائر الحية. وقد رجعت لهذه الوثائق التي يعود تاريخها إلى عقدين ونصف وذكرت عميد قضاة التحقيق بالاسم لأننا في منفانا الطويل ومقاومتنا العسيرة لأنظمة الظلم طالما تذكرنا هذا القاضي حسن بن فلاح وقد كان هو الذي كلفه النظام أيضا "بالتحقيق" في قضية رفيق الكفاح والصبر الأستاذ محمد مزالي رئيس حكومة تونس الأسبق رحمه الله وطيب ثراه وكذلك قضية نجله المختار مزالي الذي حوله هذا العميد من موظف بسيط بشركة الحليب إلى مجرم فاسد متلاعب بالأموال العامة ومختار مزالي لا يملك حتى شقة تؤويه. وكذلك كان عميد قضاة التحقيق ذاته هو الذي فبرك تهمة أولى لصهر رئيس الحكومة مزالي الدكتور الطبيب رفعت الدالي تتعلق بتدبير مؤامرة لعزل الزعيم بورقيبة بواسطة شهادة طبية تثبت عجزه عن الاضطلاع بمهام رئيس الجمهورية تمهيدا لإعدام الرجل وإعدام محمد مزالي لكن هذا القاضي حسب ما أورده الأستاذ الصديق المحامي الطاهر بوسمة في شهادته على منبر مؤسسة التميمي الجامعية لم ينجح في إثبات هذه الجناية ضد الدكتور الدالي فغيرها إلى تهمة أخرى! وظل الدالي في السجن عاما ونيف ثم أطلق سراحه ليلتحق بنا في المنفى ويحدثنا عن التعذيب الرهيب الذي لحق هذا الطبيب دون أن يتحرك الدكتور سعدون الزمرلي رئيس نقابة الأطباء ورئيس رابطة حقوق الإنسان التونسية آنذاك ليدافع عن زميل مضطهد ومصعوق بالكهرباء في الأقبية التي راحت بلا رجعة إن شاء الله. كما أن بن فلاح هو الذي حقق في قضية الدكتور المحامي عبد المجيد بودن رئيس البنك التونسي الفرنسي الذي رفض تقديم رشاوى لعائلة الطرابلسي فنال 18 سنة سجنا أنجاه الله منها بالفرار. و حدثني سكرتير الزعيم بورقيبة صديقي محمود بن حسين الذي رماه زين العابدين بن علي حال استيلائه على السلطة يوم 7 نوفمبر 1987 في السجن بسبب أغراض قديمة وهو الذي ظل سجينا عامين كاملين رغم كبر سنه فقال لي : كان أول عهدي بغيابات السجن مثولي أمام حسن بن فلاح الذي سجل أقوالي على صفحات ولما انتهى "التحقيق" ووقع عميد قضاة التحقيق هذه الإحالة الجنائية هممت بالتوقيع بدوري فاختصر بن فلاح أتعابي وضياع وقته ووقتي قائلا لي: "هل ترى جدوى من قراءة كل هذه الأوراق ؟ إن التعليمات من فوق وصلت ولا فائدة". و هنا لا بد أن أذكر قرائي الأفاضل وربما أذكر الرأي العام التونسي والعربي والمهتمين بتطهير القضاء بما يجهله السيد بن فلاح من عواقب أعماله أولها أن الرجل البرئ الذي حشروه معي في القضية الكيدية الحاج أبو بكر العمامي هو مقاوم للاستعمار أيام الكفاح التحريري وأنه أمام مكتب عميد قضاة التحقيق وأمام هول المظلمة التي أصابته سقط على إثر نوبة قلبية وتوفاه الله وبالطبع فإن بن فلاح لم يسمع عن ذلك شيئا أو هو سمع ولم يحرك ساكنا. أما القاضي الذي أصدر علي وعلي أبي بكر العمامي وعلى أغلب السياسيين الأحكام الجائرة واسمه الطيب بن عبيد فقد توفاه الله فجأة ولا يعلم أحد لماذا وكيف. وإني أترحم عليه من باب أذكروا موتاكم بخير ونحن لا نحمل غلا أو حقدا ضد من ظلمونا. كما أنني ومحمد مزالي ورفعت الدالي ومختار مزالي وآلاف غيرنا من المضطهدين تشتت عائلاتنا وضاعت أعمارنا وتفرق عيالنا وبيعت منازلنا وأنا شخصيا حرمت من رؤية بناتي ووالدتي تسعة أعوام كاملة ! والسيد عميد قضاة التحقيق مطمئن بل بلغني أنه صرح أخيرا أن ضميره راض عن أحكامه! والله أحكم الحاكمين هو الذي يعلم ونحن لا نعلم وهو الغفور لنا ولهم والرحيم بنا وبهم. لكن تطهير القضاء أولوية مطلقة إذا أردنا طي صفحة الفساد والاستبداد.

1157

| 19 يونيو 2012

مانديلا ينصح تونس ومصر: لا تنتقموا بل توافقوا

بعث لي بعض الأصدقاء مشكورين هذا المقال الذي كتبه أو أملاه كبير المناضلين نيلسن مانديلا ينصح فيه الماسكين بدفة الحكم في تونس ومصر قبل أن تلتحق ليبيا واليمن وقريبا سوريا بموكب الربيع. وصادف أني كنت هذه الأيام أطالع بالفرنسية كتاب مذكرات مانديلا الذي صبر وصابر في السجون 27 عاما ثم حقق أعظم ثورة سلمية في العالم من أجل القضاء على عار التميز العنصري وإقامة دولة ديمقراطية عادلة جمعت بين البيض سادة الأمس وبين السود أصحاب الحق دون السقوط في حروب الردة والنكوص ودون فتح أبواب الفتنة والتصفيات والانتقام والتشفي. فإذا لم نسمع نصيحة هذا البطل الحكيم فمن نسمع؟ إننا في تونس ومصر نجد أنفسنا في نفس حالة إفريقيا الجنوبية عند انتصار مانديلا لكن دون الوسيط الحكيم ديسموند توتو الذي ترأس هيئة الحقيقة والمصالحة وعبر بالشعب جسر الانتقال من الثورة إلى الدولة ومن الاستبداد إلى الحرية ومن الحرب إلى السلام. يقول مانديلا للتونسيين والمصريين ولسائر العرب: "أعتذر أولا عن الخوض في شؤونكم الخاصة، وسامحوني إن كنت دسست أنفي فيما لا يعنيني. لكني أحسست أن واجب النصح أولا، والوفاء ثانيا لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع التميز العنصري يحتمان علي رد الجميل وإن كان بإبداء رأي محّصته التجارب وعجنتْه الأيامُ وأنضجته السجون". أحبتي ثوار العرب، مازلت أذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يوما مشمسا من أيام كيب تاون. خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه. خرجت إلى الدنيا بعد أن وُورِيتُ عنها سبعا وعشرين سنة لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد. ورغم أن اللحظة أمام سجن (فكتور فستر) كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الغياب، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو: كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلا؟ أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم. لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير. وهو سؤال قد تُحدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم. إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم. فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي. أو على رأي أحد مفكريكم فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل. أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تؤكد بأن معظم الوقت هناك مهدور في سب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء. كما يبدو لي أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى استثناء وعزل كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة وهو رد فعل خاطئ في تقديري أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم لا تمحى، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة. فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج. فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمنية وغياب التوازن". ويواصل مانديلا تحليله الواعي للوضع الثوري في تونس ومصر فيقول: "أنتم في غنى عن ذلك، أحبتي. إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن. عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائيا ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة". أذكر جيدا أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد. لذلك شكلت "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر. إنها سياسة مرة لكنها ناجعة. أرى أنكم بهذه الطريقة – وأنتم أدرى في النهاية - سترسلون رسائل اطمئنان إلى المجتمع الملتف حول الديكتاتوريات الأخرى أن لا خوف على مستقبلهم في ظل الديمقراطية والثورة، مما قد يجعل الكثير من المنتفعين يميلون إلى التغيير، كما قد تخففون من خوف وهلع الديكتاتوريات من طبيعة وحجم ما ينتظرها. تخيلوا أننا في جنوب إفريقيا ركزنا – كما تمنى الكثيرون- على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع القصص النجاح الإنساني اليوم وأتمنى أخيرا أن تستحضروا قولة نبيكم: اذهبوا فأنتم الطلقاء". هذه فقرات من نصائح زعيم قاد ثورة حضارية أدهشت العالم والغريب أنه يذكرنا نحن المسلمين بترفع نبينا المصطفى حين كان قادرا على الثأر فاختار العفو عند المقدرة وكان مثالا للمسلمين. عسى أن يقرأ التوانسة والمصريون والليبيون واليمنيون والسوريون هذا الأدب السياسي الراقي ويعتبروا اعتبار المؤمنين الصادقين.

598

| 12 يونيو 2012

هل هناك نمط واحد للمجتمع التونسي أم أنماط؟

سمعت ورأيت السيد رئيس حكومة تونس على قناة حنبعل الفضائية يتحدث عن "النمط المجتمعي التونسي" وقال إننا (أي الحكومة) لن نفرط في هذا النمط وسندافع عنه بل وإنه خط أحمر! (على فكرة ما أكثر الخطوط الحمر هذه الأيام في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا! حتى لم يبق حيز صغير للخطوط الخضراء!) وكذلك تكلم بعض السادة الوزراء عن "النمط المجتمعي التونسي" ولكن خصوم الحكومة من مختلف الأطياف أيضا استعملوا نفس المصطلح وقال كل ناطق منهم إن حزبه سيدافع عن "النمط المجتمعي التونسي"! وحاولت انطلاقا من تصريحاتهم وأيديولوجياتهم أن أرسم بقلمي وعقلي صورة لما سموه جميعا بالنمط المجتمعي التونسي فاكتشفت أن النمط أنماط لا تحصى وأن لكل حزب تونسي نمطا مجتمعيا مختلفا أو أحيانا مناقضا تماما لنمط الحزب الآخر. فلحزب النهضة ومعها حلفاؤها (قبل بعض الاستقالات) نمط هو حسب اجتهادي نمط الوسطية والاعتدال ولحزب العمال الشيوعي نمط دكتاتورية الطبقة الكادحة وهذا حقه ولحزب السلفيين نمط الدولة الإسلامية المطبقة لشريعة الله ورسوله وهو حقهم، ولحزب الليبرالية المنفتحة وهو حزب تشكله جمعيات نسوية نمط الانفتاح الكامل أي الاعتراف بحقوق المثليين الشواذ ومواصلة ممارسة الإجهاض وحماية الأمهات العازبات وهو نمط مستورد من بعض مجتمعات الغرب دون البعض الآخر لأن فرنسا ذاتها (وهي مثلهم الأعلى) مترددة ولم تحسم كثيرا من شؤون الأسرة لديها لدرجة أن رئيس الجمهورية الحالي السيد فرنسوا هولند كان متزوجا من السيدة سيغولان روايال زواجا عرفيا وأنجبت له أربعة عيال ثم انفصلا على طريقة إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان دون أي وثيقة زواج مدني وأعاد الرئيس الفرنسي الكرة مع السيدة فاليري تريويلار عام 2006 ربما في زواج مسيار أو نفس الزواج العرفي دون أن نسمع تنديد جمعياتنا النسوية واحتجاجها باسم النمط المجتمعي الحداثي! وكذلك فعل سلفه الرئيس الفرنسي الراحل ميتران الذي عاش طول عمره مع زوجتين في ثبات ونبات وأنجبتا له صبيانا وبناتا دون أن يضطر لطلاق إحداهما! وحين أقرأ تاريخ بلادي بموضوعية وأمانة المؤرخ لا أعثر على نمط جاهز واحد يحظى بتوافق الجميع فقد عاشت بلادي تونس منذ ثلاثة آلاف عام غرائب التاريخ المتقلب وصهرت كل من دخلها إما محتلا أو ضيفا في بوتقة شخصيتها المتميزة العجيبة. فأقرأ أحداث ماضيها الفينيقي حين زعمت الأسطورة أن أميرة فينيقية (عليسة) هربت من قصر أبيها ملك صور فيما يسمى لبنان اليوم منذ 25 قرنا وشقت عباب الموج على كامل عرض البحر الأبيض المتوسط في خط مستقيم لا عوج فيه حتى بلغت شواطئ قرطاج وأسستها على نفس معمار صور (تأملوا الشبه الغريب بين أطلال قرطاج وأطلال صور) ومن أغرب المتشابهات في التاريخ أن قرطاج غزت الأندلس واحتلتها سنة 226 قبل المسيح كما فعل أحفاد التوانسة العرب الفاتحون بعدهم بتسعة قرون.ثم اندثرت مملكة الفينيقيين على أيدي الرومان سادة ذلك العصر ودعا كاتون أحد أعيان روما إلى إحراق وتدمير مدينة قرطاج ومعالم حضارة الفينيق سنة 155 قبل المسيح حتى لا تتقاسم قرطاج مع روما الهيمنة على البحر المتوسط. ثم تحولت تونس إلى رومانية وإلى مطمور روما كما يقول المؤرخون لوفرة قمحها وزيتونها وظلت حوالي سبعة قرون امتدادا لروما بل إن ابنها القديس أغسطين هو الذي جدد الدين المسيحي وأشاعه حتى في روما نفسها في القرن الرابع بعد المسيح. وحين جاء فتح الله الإسلامي سنة 50 هجري على أيدي عقبة بن نافع الذي أسس أول قلعة للإسلام في إفريقية وهي القيروان التي دفن فيها بعض الصحابة الأبرار أصبحت القيروان عاصمة لإفريقية أي الشمال الإفريقي المسلم وأعطت تونس لكامل القارة الإفريقية اسمها الراهن وأشعت على أجزاء واسعة من أوروبا ونقلت الرسالة الإسلامية إلى جنوب الصحراء لدى قبائل إفريقيا السوداء ثم ورثت مدينة تونس بعد مدينة المهدية أمجاد القيروان وتواصل عطاء بلادنا في مختلف شعب الفقه والشريعة واللغة والقانون والتربية والطب والفلك وسائر العلوم والآداب والفنون بل إن مؤسس علم الاجتماع ومبتكر فلسفة التاريخ هو العلامة عبد الرحمن بن خلدون المولود في تونس. وابتليت بلادنا بهجمات الصليبيين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ثم بالغزو الإسباني ثم بالاستخراب الفرنسي المسمى خطأ بالاستعمار إلى أن ثار الشعب التونسي وقاوم واستعاد مقومات هويته وحريته وسيادته في بداية النصف الثاني من القرن العشرين واستعصت تونس على محاولات الإدماج والتذويب في الكيان الاستخرابي الفرنسي والغربي المسيحي عموما وأنقذت إسلامها وعروبتها من الاستلاب والتدمير. فأي نمط تونسي يمكن استخلاصه من هذا التاريخ المتقلب الثري العجيب؟ أنا شخصيا لا أقترح نمطا معينا وأترك البحث عن نمط لشبابنا التونسي المتميز وهو صاحب الحق لأنه هو الذي صنع الثورة وفرض إرادة الحياة وهو المؤتمن على مصير تونس. وهو الذي سيحدد نمط المجتمع التونسي عبر صناديق الاقتراع يوم 20 مارس القادم.          

574

| 05 يونيو 2012

لماذا لا تصون أمتنا أعلام مثقفيها ؟

أملي العميق في أن تنصف حكومات الربيع العربي الثقافة العربية عن طريق حفظ لغتها وتأمين مبدعيها وعلى الأقل نعود إلى تقاليد الخلفاء المسلمين الذين كانوا يقربون العلماء والأدباء (لا المنافقين والمطبلين) في بلاطهم ويعفونهم من طلب الرزق بعمل مرهق فكانت للفكر العربي صولات وجولات وانتقل إلى العالمية وأشعة شمس العرب والإسلام على الغرب. دعيت منذ أيام قلائل إلى قصر القبة (غير قصر القبة المصري) الواقع على ضفاف نهر السين بشارع كي كونتي بباريس، وهو مقر الأكاديمية الفرنسية للغة والآداب والعلوم، المسماة بمجمع الخالدين، أي أن الأدباء والعلماء وكبار السياسيين الذين ينتخبون لعضويتها يظلون هناك مدى الحياة وتفرغهم الدولة الفرنسية لخدمة الثقافة الفرنسية ولغتها وحضارتها وضمان إشعاعها في الخارج ودوام تأصيلها في الداخل. وهذه الأكاديمية العريقة موجودة بباريس منذ أسسها الوزير الكاردينال ريشوليو عام 1635 في عهد الملك لويس الثالث عشر، وتداول عليها منذ ذلك التاريخ مئات العظماء الذين أدوا للثقافة الفرنسية أجل الخدمات وقدموا أفضل الأعمال. والدولة الفرنسية الممثلة لإرادة الشعب الفرنسي تصرف لهم رواتب توازي رواتب الوزراء إلى أن يتوفاهم الله وتكرمهم في حياتهم بالتبجيل والتقدير وتكرم ذكراهم إذا رحلوا عن هذه الدنيا بالدرس وإحياء المناسبات والتمجيد. ثم إن عضوية الأكاديمية تحظى بالتشريف الذي تستحقه هذه المؤسسة الكبرى، فينتخب العضو الجديد في كرسي العضو الذي مات، ويلقي خطاب الدخول للأكاديمية ليستعرض مآثر ومناقب الذي سبقه ويشيد بجهوده ومساهماته في الأدب والعلم، ثم إن القادم يرتدي ما يسمى هنا بالكسوة الخضراء وهي الزي الرسمي للشخصيات التي تحتل مقاعد المؤسسة تحت القبة المذهبة، ويمتشق كل منهم السيف التقليدي المرصع بالحجر الكريم، ثم ينطلق في خدمة وطنه بما يراه من جليل الأعمال وطيب الأفكار وسديد النصح لأهل السياسة وأصحاب الأمر في أعلى مناصب الدولة. وكانت الدعوة لحضور مراسم قبول الرئيس الأسبق للجمهورية الفرنسية فاليري جيسكار دستان الذي انتخب آخر عضو في مجمع الخالدين لما أسداه من دفع للغة والثقافة الفرنسيتين حين كان يرأس الجمهورية فأنشأ وزارة الفرنكوفونية التي تقدمت للبرلمان بقانون معاقبة مستعملي العبارات الأجنبية (والمقصود كان الإنجليزية) في الإعلانات واليافطات في صورة توفر المصطلح الفرنسي! وتصل العقوبات حتى إلى السجن مع الغرامة في قانون كاترين تاسكا وزيرة الفرنكوفونية آنذاك وذلك لصيانة لغتهم والحفاظ على هويتهم، هذا إلى جانب قيام الرئيس جيسكار برئاسة اللجنة الأوروبية لتحرير الدستور الأوروبي وتوليه إصدار مذكراته بعد انتهاء ولايته الرئاسية عام 1981 في لغة راقية بعنوان (النفوذ والحياة)، وهذه المؤسسة العلمية لا تقتصر على الفرنسيين بل تكرم بعضويتها الكاملة غير الفرنسيين ومن بين أعضائها الشاعر السينغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور رئيس أول جمهورية سينغالية والكاتب البريطاني جراهام غرين والكاتب اللبناني العربي أمين معلوف والكاتبة الجزائرية أسية جبار لا فرق لديهم بين فرنسي وأعجمي إلا بخدمة الثقافة الفرنسية وإشعاعها. والحقيقة لم أذكر هذا المثال الراقي والحضاري من تكريم الأمم الحرة لمفكريها إلا حين عادت بي الذكرى إلى شهر مارس من عام 1973، حينها كنت عضوا بالهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين وعقدنا المؤتمر الثامن للأدباء العرب في تونس، وحل بيننا ضيوف من أشهر أقطاب الفكر والأدب العربيين منهم عمالقة مصر من أمثال الشاعر صالح جودت والشاعر أحمد رامي والكاتب عزيز أباظة رحمهم الله وغيرهم. وأذكر أحاديث شيقة متعني الله بها مع هذه النخبة حول منزلة الأدب في العالم العربي، حين قال لي طيب الذكر أحمد رامي صاحب الروائع التي أنشدتها أم كلثوم: "دا أنا يا ابني لم ترحمني الإدارة إلى يوم حصولي على المعاش، حيث واصلت القيام بوظيفتي إلى بلوغ سن التقاعد". وأردت التخفيف على الشاعر العبقري فقلت له: "حتى الروائع التي كتبها قلمك الفذ وغنتها أم كلثوم لم تشفع لك". وأضاف عزيز أباظة: "ونجيب محفوظ الشيء نفسه وهو أكبر روائي عربي" (ولم يكن في ذلك العهد حصل بعد على جائزة نوبل) عاش موظفا بإحدى الوزارات ولم تعتق رقبته إلا عند التقاعد.. ولا فائدة من ذكر الأمثلة العربية لأن كلا من القراء الأفاضل لديه مثال في نكران العرب وبعض حكوماتنا للنخبة التي تصون اللغة وتحمي ثغور الحضارة وتوجه العقول وتنير الطريق هذا إذا نجا المثقفون من السجون والمنافي! ومن اللحظات المأساوية التي لن تمحى من ذاكرتي لحظة تفاجأت في سوق (ماركس دورموا) بباريس في شتاء عام 1978 بأحد أفضل كتاب ومثقفي المغرب العربي المنفيين ماسكا بمعطفه يعرضه للبيع على المارة، وقد اضطرته الحياة القاسية لإحدى المصيبتين: الصقيع أو الجوع، ولم يكن يتقن لعبة النفاق ليكتب بالمقابل ولم يكن تاجر مخدرات ليتمعش. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

449

| 31 مايو 2012

alsharq
أهمية الدعم الخليجي لاستقرار اليمن

بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...

1713

| 14 يناير 2026

alsharq
ضحكة تتلألأ ودمعة تختبئ

بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...

1431

| 16 يناير 2026

alsharq
توثيق اللحظة... حين ننسى أن نعيشها

للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...

834

| 13 يناير 2026

alsharq
رسالة عميقة عن قطر!

في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...

714

| 15 يناير 2026

alsharq
بطاقة الثقة لمعلمي الدروس الخصوصية

في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...

681

| 14 يناير 2026

alsharq
هل الدوحة الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟

لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...

666

| 16 يناير 2026

alsharq
وانتهت الفُرص

ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...

642

| 15 يناير 2026

alsharq
معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...

621

| 12 يناير 2026

alsharq
سر نجاح أنظمة التعويضات في المؤسسات

في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...

576

| 15 يناير 2026

alsharq
هدر الكفاءات الوطنية

تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...

570

| 12 يناير 2026

alsharq
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...

558

| 14 يناير 2026

alsharq
السياسة الخارجية التركية عام 2025

شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...

528

| 12 يناير 2026

أخبار محلية