رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرة أخرى يضرب الإرهابيون وطننا في القلب بجريمة وحشية استهدفت شبابا من جيشنا الوطني الجمهوري الباسل الحارسين لحدودنا والحماة لأمن إخوانهم الأبرياء في جبل الشعانبي فارتكب المجرمون مذبحة لم نعرف وحشيتها من ذي قبل وقتلوا ثمانية من أبنائنا في كمين غادر أرادوا به أن يروعونا جميعا ويحولوا الفضاء السياسي إلى فضاء دموي وذلك بعد أن اغتيل شهداء من بين خيرة زعماء الرأي في تونس أمثال لطفي نقض وشكري بلعيد والحاج محمد البراهمي. هؤلاء الذين يروعون الشوارع الآمنة ويزرعون الحقد ويدمرون العمران ويبيدون الحضارة ويفوتون على بلادنا فرصة السلام والتقدم والحريات. مرة أخرى يرتكبون جريمة جبانة لا ضد الأبرياء الضحايا أو ضد شعبهم فقط، بل ضد المسلمين أينما كانوا وضد الإسلام ومجده وتاريخه وشعوبه ومصالحه، هذا إذا أثبتت الأبحاث أن القتلة ينتمون إلى تيارات دينية متطرفة وليس من المستبعد أن تتحرك قوى خفية من جهات مشبوهة لبث الرعب تحت ستار التطرف الإسلامي إمعانا في الفتنة وفي عملية إخفاء المجرمين الحقيقيين عن المحاسبة والانكشاف. لكن مهما كان القتلة وكان محركوهم أو المستفيدون من جرائمهم فإنهم يقدمون للعالم تبريرات لإلغائنا بعد الربيع العربي من فلك التقدم والديمقراطية والعدالة بدعوى أن الإسلام والإرهاب شقيقان وأن العنف والعرب شيء واحد ! والأخطر الإيحاء بأن العرب غير مؤهلين لنظام ديمقراطي حداثي سليم وهو ما يتيح للقوى الاستخرابية الجديدة النادمة على التفريط في مواقع أقدامها في بلادنا العودة بأشكال مبتكرة ومتطورة لإعادة استخرابنا ونهب ثرواتنا وفرض ثقافتها ولغتها علينا. إن الأيدي الخفية كثيرة وأصحاب المصالح المشبوهة لا يرضون لنا جميعا لا حرية القرار ولا سيادة الخيار ولا سلام الإخوة الأحرار. ما الذي يبرر قتل جنود من خيرة شباب تونس بطريقة أبشع مما يتخيل عقل أو يتصور فكر بعد أن خرجوا في ظلام الليل وسط الأحراش يؤدون واجب الوطن وهم من أبناء الشعب العاديين لا يمكن تصنيفهم ضمن معتدين أو غاصبين، بل لعل أغلبهم ممن ينتقدون حكوماتهم أو يعارضون سياساتها أو حتى يتظاهرون ضدها في مجتمعاتهم الحرة ! وعلى كل فهؤلاء الشهداء الأبرار هم إما آباء لأطفال صغار يتمتهم يد الغدر أو يعدون لحفل زفافهم بعد العيد فكانت الفاجعة المروعة منذ أيام هزت الضمائر وحرمت 12 مليون تونسي من إفطار هنيء أو استقبال عيد الفطر القادم بما يستحقه من فرحة أسرية، بل قلبت هذه الجريمة النكراء موازين حياتنا السياسية وزلزلت الأرض التونسية من تحت أقدامنا. وتذكرنا أن الأمم يبتليها الله سبحانه كما يبتلي الأفراد، بل إن رسولنا الكريم وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم كاد ييأس من النصر في إحدى الغزوات لكثرة المشركين فنزلت الآية 214 من سورة البقرة قوله تعالى: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب". فقد صور القرآن هنا بشكل رباني ساحر وعجيب حالة المجاهدين وراء رسول الله ينشرون الدين الحنيف ويرفعون رايته فوصف بلوى هؤلاء الرواد الأبرار بالبأساء والضراء والزلزال ووصف موقف الرسول الأعظم بالاقتراب من اليأس حين قال: "متى نصر الله"، فجاء الجواب من رب العالمين: "ألا إن نصر الله قريب". صدق الله مولانا العظيم. إن العبرة من هذه الآية المجيدة أن الأمم تواجه منذ قرونها الأولى أعتى المحن فتصمد وتصبر وتجاهد ونتمنى أن يكون شعبنا التونسي إزاء هذه المحنة أقوى وأصلب عودا وأشد تلاحما وأكثر تمسكا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. ولهذه الرسالة السامية دعا حزب الاتحاد الوطني الحر كافة التوانسة لتأجيل خلافاتهم الدستورية والسياسية المشروعة إلى حين والالتفاف حول الوطن ونصرته والذود عنه بقلب رجل واحد وبكلمة سواء بين كل الفرقاء من أجل توافق استعجالي ينقذ البلاد من المؤامرات العديدة القديمة منها والجديدة التي تهدد أمننا ومستقبل عيالنا لا قدر الله. ما الذي يفسر ظاهرة الإرهاب الأعمى الذي لا يفرق في جرائمه بين مذنب وبريء، فيقتل هذا أو ذاك من باب الترويع وبث الفوضى، وهو قتل النفس بغير حق واعتبره الله تعالى في القرآن كقتل الناس جميعا وهي كبيرة الكبائر! ما الذي يدفع بشرا أسوياء إلى الفوضى وبذر الفتنة بين مواطني بلاد واحدة تعودت على التعايش وتقاسم السراء والضراء بلا طوائف وبلا ملل ولا نحل تحت شعارات فوضوية تلبس أحيانا قناع الأيديولوجيا وأحيانا قناع الدين، والدين براء مما يعملون. هؤلاء الذين زينوا لأنفسهم أو زين لهم دعاتهم بأن الجهاد هو قتل الأبرياء ليسوا إلا ضحايا مغرر بهم ولكن من أوكد واجباتنا اليوم أن نشخص هذا الداء ونرجع إلى مسؤولياتنا نحن في الفشل الذي منينا به حين انسلخنا عن قيمنا واستنسخنا تجارب الغرب في أحوالنا الشخصية وثقافتنا ومعمارنا ولغتنا. فلنعتبر أن ثورتنا الحقيقية هي حضارية أو ستفشل، أي أننا مدعوون لإعادة النظر في ما نسميه نمط الحياة حتى يكون النمط المنشود خلاصة تناصحنا ووفاقنا بدون إقصاء. هل كتب علينا أن نكون في زمن العولمة والاتصال وحوار الحضارات كأننا العدو المتربص بالإنسانية والعضو الغريب المزروع في جسد البشرية الذي يجب استئصاله! هل نرضى بأن يطردنا العالم من دائرة التاريخ ونتحول إلى أجسام كالطحالب الشريرة لا نستحق حتى اسم البشر، لأن البعض النادر من شبابنا ضل الطريق واختار الفوضى واعتنق الإرهاب ! والله سبحانه من وراء القصد.
354
| 09 أغسطس 2013
لحظة فاصلة نعيشها اليوم في مصر وفي تونس تمثلت في القاهرة بتغيير محمد مرسي المنتخب بقيادة مؤقتة اختارها الجيش وتمثلت في تونس في اغتيال جبان ومجرم لرجل مناضل أصيل هو محمد البراهمي رحمة الله عليه ووجدنا أنفسنا في البلدين أمام مخاطر ثلاثة متشابهة يحاول المتظاهرون و المعتصمون أن يجهضوها وهذه المخاطر الثلاثة تترابط مثل حلقات سلسلة مخيفة تهدد النسيج الاجتماعي العربي وتربك البناء السياسي العربي و تمهد لخروج العرب من التاريخ وهي جميعا أي المغامرة والفوضى والفتنة تولد من رحم المصالح الدنيوية المتضاربة ومن رحم الانتماءات الأيديولوجية المتناقضة بين أبناء الوطن الواحد فيحدث عادة أن تتغلب الحسابات الحزبية الضيقة على مصلحة الوطن العليا وأن تطغى المطامع الشخصية المحدودة على الطموحات العامة للمجموعة الوطنية فيقع الكسر الذي لا يجبر في مفاصل المجتمع إلى حين عودة الوعي للنخبة وعودة البصيرة للمواطنين حين يكون جبر الكسر ممكنا ولكن التاريخ أثبت أن الزمن لا يصلح ما أفسده الناس بأيديهم وأن مصائر الشعوب كالزجاج لا يلتئم بعد الكسر. هذا الذي جال بخاطري وأنا أسمع بعض أصوات سياسيين تنادي هذه الأيام باستنساخ التجربة المصرية في تونس ونقل حركة (تمرد) من ميدان التحرير بالقاهرة إلى شارع بورقيبة بتونس. وهي دعوات انتهازية لم تراع لا خصوصية البلدين ولا مستقبل الربيع العربي ولا طبيعة المرحلة الهشة التي تمر بها تونس اقتصاديا واجتماعيا وبالتالي سياسيا. ثم إن فشل الحراك العسكري المصري لم يعد خافيا عن الرأي العام العربي والدولي لأنه حراك مرتجل دبره أفراد يحصون على أصابع اليد ولعله أخذ بخاطر أطراف أجنبية عن مصر وهو إلى حد الساعة لم يثمر استقرارا منشودا ولم يحقق عودة ملايين المصريين إلى بيوتهم وأعمالهم ولم ينفذ وعود إنجاز شرعية جديدة بسبب تكاثر الشرعيات وتناقضها فلماذا نريد استنساخ تجربة مريرة لم تؤكد بأنها الأنجع والأصلح. مهما كانت أخطاء محمد مرسي فهي اجتهادات تخبطت كما تخبطت المعارضات المصرية وهي لا تستدعي انقلابا استعجاليا بل كان الأحرى فتح قنوات الحوار الوطني حول مصير ثورة 25 يناير لإعادة النظر في مسارها و كيفية تطبيق مستحقاتها و تحقيق غاياتها بعيدا عن هذا الانشطار (أي انقسام الشعب المصري إلى شطرين) الذي لا تحمد عقباه و لم تأت حركة قيادة الجيش لإجهاضه في المهد إنقاذا لمصر بل مع الأسف أسهمت الحركة في تعميق الانشطار وربما تسليحه وفتح الأبواب في وجه المجهول.إننا نعتقد في تونس أن هنات حكومة الترويكا وبطء المجلس التأسيسي في تحقيق وعوده أفضل من فتنة يوم واحد فالوفاق المطلوب لم يسع إليه الحاكم والمعارض على حد سواء و ظلت الحوارات هنا وهناك تسمع لها جعجعة إعلامية ودعائية ولا ترى لها طحنا كما يقول المثل العربي فكم مرة دعا الإتحاد العام التونسي للشغل لمؤتمر حوار ووفاق ونخرج من حوار لحوار دون حوار لأن تيارات غابت بسبب رفضها لتيارات أخرى أو لأن هذا الحزب يصر إصرارا ويلح إلحاحا على أن عقيدته هي الأفضل وفكره هو الأصلح فما جدوى الحوار بين نخب تتشبث برأيها مع اعتبار رأي الطرف المقابل مجرد تهريج أو "تحركه أياد خفية!". الفتنة تبدأ من إلغاء الرأي المختلف و الإفراط في الثقة في النفس التي تتحول إلى نرجسية مرضية فيتمترس كل حزب بما لديهم فرحون ويقع إيصاد اللعبة السياسية بصم الأذان عن سماع أي صوت مخالف. ولا نفهم كيف يرضى بعض الفرقاء بفتح باب المغامرة في لحظات تاريخية مفصلية هامة ودقيقة من واقع تونس ومصر اليوم لأن معضلاتنا الاقتصادية ومشاكلنا الاجتماعية ما لبثت تتفاقم على وقع تناقص الاستثمارات وتقلص السياحة وازدياد حجم الديون وارتفاع كلفة العيش ومراوحة حالة البطالة الشبابية مكانها إذا لم تتصاعد درجاتها وتتسع مجالاتها. فالبلاد في أشد الحاجة اليوم إلى بوصلة تهدينا لأقوم المسالك وإلى زعامة قوية وعادلة تقود هذا المركب التائه وإلى توافق صادق وأمين ينجو بنا من لجج اليم الهادر. وهو ما اقترحناه في الاتحاد الوطني الحر من حل توافقي معقول وممكن. تتواتر هذه الأيام في تونس عبارتا (الشرعية) و(التمرد) وهما مصطلحان مرتبطان تلقفهما جزء من النخبة السياسية بقصد إعادة سيناريو مصر في بلادنا وهنا تجدر الإشارة إلى عدد من المؤشرات منها أن الحالة المصرية تردت في نفق دموي يومي تهدد مؤسسات الدولة بالانهيار وبدأ الضحايا يسقطون بدون وجه حق وبدون قضية تبرر تضحياتهم لأن القاعدة الدستورية التي أوصلت محمد مرسي للرئاسة ظلت هشة بسبب النسبة الضئيلة التي حصل عليها للفوز على منافسه أحمد شفيق وبسبب الأجواء المكهربة والمتشنجة التي أجريت فيها تلك الانتخابات والتي أعلن في مطلعها عن فوز أحمد شفيق ثم تغيرت النتيجة ولا أحد بالضبط يدرك لماذا وكيف؟ ثم إن الشرعية اهترأت وأصابها انجراف كانجراف التراب في الحقول لأسباب ما بدا كأنه استقطاب للسلطات الثلاثة بين أيدي الرئيس رغم هشاشة الوضع المصري العام و تكاثر النوايا من حوله للإطاحة به والتشكيك في الشرعية الانتخابية فدخلت مصر مرحلة ما قبل التمرد ممهدة للتمرد الذي لم يكن عفويا ولا شعبيا بل مخططا له ومبرمجا بدقة. وإذا كان هذا هو الوضع المصري فإن تونس نأت بمؤسساتها إلى حد اليوم عن الانهيار وحافظت نخبها على احترام اللعبة الديمقراطية رغم صعوبة الحالة الاقتصادية وإنذارات الوضع الاجتماعي ولا أحد يمكنه التنبؤ بالفراغ الدستوري ونتائجه المخيفة على المجتمع و نحن استمعنا إلى قيادات فاعلة في الثلاثي الحاكم يوم الإثنين الماضي تبعث برسائل مطمئنة على لسان رئيس الحكومة حول تحديد موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة مؤكدين أنها لن تتجاوز سنة 2013 ولعلنا بهذه الآليات الدستورية التونسية نخرج من التلويح بالتجربة المصرية المريرة التي لا يدعو إليها سوى المغامر الذي لا يشعر بمسؤولية وسوى الفوضوي الذي يريد الوصول للسلطة من خلال الفوضى. إن أمن الوطن والمواطن إذا ما عرفت الدولة كيف توفره هو الضامن الأول لسلامة المسار الديمقراطي يليه الحوار الصادق والعميق الذي سيؤسس للوفاق. وما عدا هذا المسار السليم فهو جر للبلاد والعباد نحو الفتنة وهي كما نعلم أشد من القتل.
347
| 31 يوليو 2013
الحمد لله أن تحركت الهيئة العليا للإعلام في تونس يوم الجمعة الماضي لإرسال لفت نظر لقناتين تلفزيونيتين هما الوطنية الأولى وقناة نسمة في شأن برنامج (الكاميرا الخفية) طالبة منهما احترام مشاعر فئات من المشاهدين وخاصة الأطفال أمام سيل من العنف المجاني المتدفق بالرعب والهول ولكن الهيئة الموقرة قصرت فهي لم تقل ما يجب أن يقال لحماية الضحايا المساكين والمغرر بهم وجمهور المشاهدين في هذا الشهر الفضيل بقصد تجاري بحت لأن منتجي هذه الأعمال يبيعونها للقنوات وأصبحوا يتزايدون ويتسابقون من الذي يبدع أكثر في الإثارة والفزع ونصب الفخاخ للإيقاع بنجوم في السياسة أو الثقافة أو الفنون في برامج سموها (الرهينة) و(البراكاج) يعني الهجوم المسلح بقصد السلب والنهب. وأذكر أنه خلال السبعينيات وفي مطلع وراثة عرش مصر من قبل المرحوم محمد أنور السادات فوجئ الرجل بظاهرة إعلامية سياسية جديدة لم تكن موجودة في عهد جمال عبد الناصر وهي ظاهرة انتشار المس من أعراض الناس وهتك خصوصياتهم والغيبة من وراء ظهورهم فسأل السادات عبد القادر حاتم وزير الإعلام وأبوالخطط الإعلامية لثورة يوليو وثورة التصحيح : قلي يا عبد القادر ده كلام يقع تحت طائلة القانون أولا؟ فأجابه : لا يا ريس دحنا ميش قادرين نثبت تهمة الثلب لأن اللي يكتب الكلام ده ذكي ويعرف إيجاد المعاذير ويتخفى وراء ضباب العبارات فقال الريس اسمعني يا خويا ما نسن قانون جديد نسميه قانون العيب لأن العيب عكس بنود القوانين أمر متفق عليه من كل فئات الشعب المصري والشعب يعرف معنى العيب ولا يرضاه لنفسه ولا لغيره. وفعلا صوت مجلس الشعب على قانون العيب كاستثناء عربي ولعله خالف القانون في منطوقه ولكنه لم يخالفه في روحه وفلسفته. هذا زمن السادات أما الزمن العربي البائس الذي نعيشه رغم مكاسب التحولات الكبرى فهو زمن (كل شيء ممكن مادام لا يقع تحت طائلة قانون!) ولذلك نطالب في تونس ومصر بالخصوص بقانون العيب. فالذي يقع في تونس أمر غريب فتحت شعار حرية التعبير وإطلاق أيدي المنتجين في القنوات التلفزيونية (وهم أصحاب شركات تجارية رابحة لتزويد القنوات بالبرامج.!) في كل ما يجول بخيالهم من تصورات لبرامج يزعمون أنها هزلية ومسلية فإذا بالجمهور التونسي خلال شهر رمضان المبارك يكتشف (كاميرا خفية.!) تشكل مسلسل رعب يرتجف منها الأطفال وضعاف القلوب والنساء الحوامل في لحظات الإفطار والاستعداد للصلوات فيها أنواع من الخيال المريض لتنظيم (مقلب) يوقعون فيه رجلا أو امرأة من الوجوه المعروفة في عالم السياسة أو الفن أو الإعلام نفسه فيجد الضحية نفسه في كمين نصبته عصابات مسلحة وملثمة ويقبض بالفعل على الضحية وهو بين الحياة والموت وزوجته تستغيث طالبة الرحمة وأحيانا ويا للهول أمام أعين أطفاله فيهان ويضرب ويصفع (طبعا في كنف حرية التعبير وخيال المنتج الحر!ولتسلية المشاهدين) ويؤمر من قبل مجموعة من الصعاليك المدججين بالسلاح أن يتمدد على الأرض بل أن يسب أم عياله وأن يهين نفسه خوفا من بطش من لا يخاف الله. وفي برنامج من نفس (الكاميرا الخفية) اسمه الرهينة يؤخذ الضحية بالقوة والعنف ويؤمر أن يقول لزوجته (إخرسي يا أفعى!) وفي برنامج من نفس المستوى الهابط اصطنعوا زلزالا وأجبروا الضحايا على الخوف من انهيار السقف على رؤوسهم وعلى توقع النهاية تحت الأنقاض ورأينا تونسيين من أفضل رجالات تونس ونسائها يهربون تحت الطاولات ويحتمون بالكراسي من انهيار السقف بل ويجرح بعضهم بالزجاج المهشم (مثل الصحفي علاء الشابي الذي أصيب بجروح في يديه) أمام ضحكات المخرجين والشركاء في صناعة هذه المهازل وأمام امتعاض جمهور المشاهدين وارتعاد فرائصهم. إنه انحطاط في الذوق العام وإهدار لكرامة بني آدم وشراء للضحك الرخيص الذي يشبه البكاء لو بقيت في الضمائر بقية من وعي. وفي هذه الحالات الغريبة رأينا ثبات بعض مشائخنا الأفاضل واكتفاءهم بالشهادة استعدادا لمقابلة الخالق فيما راح منظمو هذه المهازل يطربون بالرعب الذي زرعوه وبالغبن الذي بلغوه مزهوين بهذا العمل. وبدأت الصحف الجادة والمنظمات المدنية تندد بهذا المستوى من الإسفاف ومنها رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان لأنه بالفعل أهينت حقوق المواطن وديست كرامته بل وصرخ أحد السياسيين سمير بن الطيب عضو المجلس التأسيسي بأنها مؤامرة من خصوم سياسيين للحط من أقدار منافسيهم وإضحاك الجمهور عليهم تحت ستار حرية التعبير أو إبداع المقالب. وفي مصر لا يختلف الأمر عن الرداءة التونسية حين نرى على الشاشات عمليات سخيفة للإيقاع بفنانين وفنانات (آخرهم هيفاء وهبي) في مقبرة فرعونية موحشة وموصدة ملأوها بالثعابين والمومياء المتحركة مما يهدد حياة المساكين الضحايا بالسكتة القلبية أو بانهيار عصبي لولا رحمة من رب العالمين جعلتهم يصمدون أمام هذه المسرحيات المرعبة والكوابيس المفزعة بل ويحولون حالات الرعب إلى ضحك مع الضاحكين على ذقوننا إخفاء للبهدلة. هل شاهد هؤلاء "المبدعون المزيفون" حلقات بريطانية وفرنسية من (الكنديد كاميرا) التي تجمع بين التسلية والضحكة اللطيفة وعدم الإضرار بالضحية باحترام صورته الحميمة وحقوقه الشخصية وصحته البدنية والنفسية؟ وهل قرأوا ميثاق الشرف الإعلامي والاتصالي الذي وضعته منظمة الأمم المتحدة لتقنين وعقلنة البرامج التلفزيونية ذات الطابع الترفيهي والعلاقة التي يجب أن يحترم الجميع نواميسها بين المنتج التلفزيوني والمواطنين؟ وهل أدرك هؤلاء المتهورون أن كرامة الناس ليست لعبة وأن الإرهاب ليس محورا للتسلية؟
548
| 24 يوليو 2013
أغلب الحوارات والخلافات العربية اليوم تدور حول رسالة القضاء المستقل في بناء المستقبل العربي على أسس الحريات المضمونة والحقوق المصونة والسلطات الموزونة. ففي مصر نشهد على بلوغ التجاذبات بين القضاء والسياسة أمدا بعيدا من الاختلاف في تصور المصير المصري الأفضل بل إن مشاكل الرئيس محمد مرسي الذي أطاح به الجيش بدأت بمبادرة مأسوف عليها تقضي بعزل النائب العام وفرض نائب مختار من جماعته فإذا بالجسد القضائي الأصيل العريق في مصر يهب هبة رجل واحد ليعيد المياه إلى مجاريها ويذكر الغافلين بأن للقضاء رجالا يحمونه. وفي ليبيا وصل أمر القضاء إلى نفق مسدود نتيجة عجز السلطات الجديدة على فرض هيبة الدولة بعد عقود طويلة من تغييب الدولة وتوظيف قضاتها لغير الله ولغير الوطن ولم ينج من القضاة المحترمين إلا من رحم ربك فهرب بجلده من اللجان الشعبية والهيئات الثورية والمحاكم الصورية القذافية ولكن الشباب الليبي ليس يائسا من الإصلاح ويريد أن يؤسس دولة الحق والقانون رغم أن بعض رموز العهد البائد يقبعون إلى اليوم في سجون بعض القبائل وليس في سجون الدولة ورغم أن الميليشيات تطوف بسلاحها حول مقرات الوزارات والمجلس الوطني وتفرض قوانين العزل وتقدم قائمات اسمية لمواطنين ليبيين بقصد محاكمتهم أو طردهم أو انتزاع ممتلكاتهم لمجرد وشايات أو إشاعات وهو ما يشكل خرقا لا للقانون فحسب وإنما للعدل الذي أوصانا به الله تعالى. وفي تونس بحمد الله تم انتخاب مجلس مستقل للقضاء ولكن بعد أن نظمت جمعيات القضاة ونقاباتهم ندوات واعتصامات وإضرابات تعبر عن المرارة التي يشعر بها أغلب القضاة إزاء ما يعتبرونه إرادة من الطبقة السياسية لتوظيف القضاء وتركيع القضاة وتدجين السلطة المستقلة لصالح عقائد الأحزاب ومصالح التيارات الإيديولوجية. ولا بد من عودة للتاريخ العربي القديم والحديث لفهم طبيعة الصدام بين القضاء والسياسة. وأنا أعجب من بعض أيتام الحضارة من مثقفينا حين ينسبون مبدأ استقلال القضاء للفكر الأوروبي وللفيلسوف الفرنسي منتسكيو تحديدا في كتابه الصادر سنة 1748 في جنيف بعنوان (روح القوانين) والذي استلهم منه المشرعون الفرنسيون لكتابة دستور ما بعد الثورة لسنة 1791. وهؤلاء يتناسون أن مبدأ استقلال القضاء جوهري وعميق في الفكر القضائي الإسلامي أولا في نص القرآن وتعاليم الإسلام (وإذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل) ثم في التاريخ حين قرر أمير القيروان محمد بن الأغلب تولية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي قضاء القيروان وهي العاصمة الأغلبية لكامل إفريقية ولم يكن سحنون راغبا في تولي هذه الخطة الخطيرة وما كان يرى نفسه أهلا لها ولكن الأمير محمد بن الأغلب بعد أن استشار الفقهاء وجدهم يجمعون على أهليته ولكن هذا الأمير قال بكل تجرد: "ما ظننت أنه يشاور في سحنون فرأيت أهل مصر يتمنون كونه بين أظهرهم وما يستحق أحد القضاء وسحنون حي".ولما أعلم سحنون بالقرار والاختيار عليه تمنع وتملص وقال إنه لا يقوى على تولي القضاء فأغلظ عليه محمد بن الأغلب أشد الغلظة وحلف عليه بأشد الأيمان حتى أذعن سحنون للأمر لما علم أن لا مفر منه واشترط على الأمير شروطا أراد بها أن يعفي نفسه يقول سحنون: "لم أكن أرى قبول ذلك الأمر حتى كان من الأمير معنيان أحدهما إعطاء كل ذي حق حقه وأطلق يدي في كل ما رغبت حتى إني قلت: أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك فإن قبلهم ظلامات للناس وأموالا لهم منذ زمان طويل إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلي. فقال لي الأمير: نعم لا تبدأ إلا بهم وأجر الحق على مفرق رأسي. هذه حكمة نادرة عربية إسلامية تشير إلى أن القاضي العادل (سحنون) لم يقبل القضاء إلا بعد أن اشترط مقاضاة الأمير نفسه وآل بيته وكانت عليهم مظالم من الناس. كان ذلك في القرن الثالث الهجري قبل 9 قرون من الفيلسوف الفرنسي منتسكيو! أما التاريخ العربي الحديث فنجد فيه تفاصيل التصادم بين الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1954 وبين أكبر رجال القانون الدستوري أب الدساتير العربية عبد الرزاق السنهوري حيث انسحب رجل القضاء المستقل وترك الضباط الأحرار يتخبطون في ثورتهم من دون رادع من قانون وقال السنهوري كلمته المعروفة: أنتم ثورة لا دولة. وبالفعل انفصل القضاء عن ثورة 23 يوليو تاركا الساحة للارتجال والمغامرة بلا وازع من مؤسسات والجميع يدرك اليوم أن هزائم العرب وهزائم مصر بدأت من ذلك الانفصال. وهذا يذكرنا بالسير ونستن تشرشل حين فرضت الحرب العالمية الثانية على بريطانيا من النازية الهتلرية فألقى سؤاله من على منبر مجلس اللوردات: "هل المواطن البريطاني مطمئن للقضاء؟ فأجابوه بنعم فقال تشرشل: "إذن أعلن الحرب وسننتصر فيها ما دام الشعب البريطاني واثقا في عدالة بلاده". لم يعد بعد التحولات الكبرى التي حدثت في العالم وفي محيطنا العربي بإمكاننا أن نخلط بين السلطات الثلاثة فالتنفيذية في أيدي حكومات وطنية وكفاءات عالية وخبرات معترف بها والتشريعية بين أيد أمينة منتخبة يرضى عنها أغلب الناس والقضائية تظل سلطة مستقلة وغير منحازة وغير مسيسة لتقيم العدل بين المواطنين بالقسطاس بعيدا عن التوظيف الأخرق الذي أضاع على العرب فرصة الدخول للتاريخ من أوسع أبوابه حين كان صاحب الأمر يضع في جيبه مفتاح السجن يرمي فيه من يشاء من أعدائه ومخالفيه واسألوا يا قرائي الأفاضل سجن طرة في مصر وعذابات الشهيد سيد قطب وسجن غار الدماء في تونس الذي قيد فيه تونسيون من أرجلهم إلى الجدران لمدة سنوات وسجن أبوسليم في ليبيا الذي شهد جرائم القتل الجماعي لأفضل أبناء ليبيا وسجن تازمامرت في المغرب زمن الملك الحسن الثاني وقد ظلت هذه الرموز الرهيبة تشير إلى غياب القضاء العادل والضمير الحي. فحافظوا على العدل لأنه أساس العمران كما قال العلامة ابن خلدون.
756
| 18 يوليو 2013
انعرجت الأحداث في مصر بشكل غير متوقع وغير واضح المعالم وأكاد أقول غير المعقول في زمن قياسي وغطت على شفافية الأحداث وحقيقة الأسباب تلك الأمواج الهادرة من الجماهير المصرية التي طغت هتافاتها على أصوات التحليلات واجتهادات الخبراء. فالسياسة في مصر لم تعد السياسة بمفهومها الأكاديمي أو الاتصالي والاجتماعي المتعارف عليه بل تحولت السياسة إلى ملعب أولمبي خاص لرياضات غير مسبوقة ولا تخضع لقوانين وأعراف. ومن هنا ندرك لماذا تلعثم واحتار كل من أراد أن يعلق على ما حدث أو يتخذ موقفا حياله من دول وأحزاب ومنظمات أممية أو إقليمية فلا تسمع هنا وهناك سوى ضجيج يزيد الحالة تعتيما واللوحة قتامة ويضيف للعبث عبثا. ما الذي حدث حتى يعاد تركيب ديكور جديد في مسرح اللامعقول المصري؟ وأي مخرج عبقري رتب المسرحية وأي كاتب وضع نصها وأي ممثلون اختيروا للعب أدوارهم بدقة ثم أي جمهور سيشاهد هذا العرض؟ فعندما تم انتخاب محمد مرسي عن الإخوان المسلمين أمام محمد شفيق عن المنظومة القديمة تنفسنا الصعداء وقلنا ربنا يستر فالرئيس الإخواني على صفيح ساخن والجماعة الإسلامية لم تتعود على ممارسة شؤون الدولة ولا إدارة الأزمات الكبرى وهم يعلمون أن الذين يناصرونهم في البلاد أقلية لأن المجتمع المصري لم يعرف الحياة السياسية إلا بعد ثورة 25 يناير شأنه في ذلك شأن كل المجتمعات العربية التي جددت طواقم الحكم فالسياسة بأبعادها الحقيقية والسوسيولوجية لا تقتصر على إجراء انتخابات أو السماح بنشاط أحزاب بل هي في جوهرها تعاقد شعبي على حياة مدنية سلمية يتنازل فيها كل طرف على جزء من مطالبه وحتى قناعاته ويلتزم فيها باحترام الرأي المخالف وإفساح المجال للتداول الطبيعي والمدني على السلطة برضا الأغلبية وهي عقد تشاركي بالتراضي والتناصح والتواصي بالحق والقبول بالآخر المختلف ندا سياسيا والسياسة هي المواطنة في آخر الأمر أي حقوق وواجبات كل فرد من أفراد المجتمع وإعلاء لمصلحة الوطن. وكنا في أوروبا نلاحظ بإعجاب كيف يتعاقد البلجيكيون على ملك واحد وراية واحدة ودستور واحد بينما بلجيكا هي ثلاثة أقاليم لكل منها لغة ومذهب ومصالح بل وتاريخ وثقافة. وكذلك في سويسرا ومثله في ألمانيا والولايات المتحدة. هي جميعا فيدراليات مدنية تضمن الحقوق وتفرض الواجبات. أما السياسة عند العرب عندما تم إبعاد الاستبداد واعتقدنا أننا دشنا عهدا ديمقراطيا فتحولت بسرعة عجيبة إلى حلبة صراع وانفراد وإقصاء وكم نحن محتاجون لمنديلا عربي يؤلف بين القلوب ويقرب بين الضمائر. الذي حدث في مصر هو انتخاب رئيس بنسبة بسيطة ينتمي لجماعة فكرية وعقائدية في بلاد فيها ثمانية ملايين قبطي وخمسون مليون مواطن يفكرون في تحسين حالتهم وتطوير مستوى عيشهم أكثر من تفكيرهم في هوية الحاكم وبنود الدستور وقرارات المحكمة الدستورية لأنه بكل بساطة في مصر وفي كل بلاد العالم الملقب بالثالث لا تستقيم السياسة إلا بعد أن يوفر المرء ما يسد به الرمق ويضمن الماء الصالح للشراب وأسطوانة الغاز وبعد أن يجد مقعدا في المدرسة لعياله وشغلا للولد الذي تخرج بشهادة ومستوصفا للعلاج إذا ما مرض وحافلة نقل ليذهب صباحا إلى عمله. ثم تأتي السياسة حين يشرع في التفكير في ناد رياضي ومرفق ثقافي وتنوير الحي ورفع الزبالة وبسط الأمن أي الحاجيات التي تنشأ بالطبيعة حين يلبي المرء أساسياته المعيشية. السؤال هو هل بلغ العرب من ربيعهم إلى خريفهم مستوى مجتمعات السياسة أي مجتمعات المعرفة؟ جوابي بصراحة أمام الحالة المصرية هو (لسه يا فندم...) واقرأوا في الصحف المواقف الرسمية أو الشعبية التي صدرت في العالم العربي من مؤيد لحركة الجيش المصري إلى مندد بها والجميع يفسرون عبارة الشرعية حسب هواهم وحسب مواقعهم. ففي تونس حيا الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر وأعرق منظمة نقابية حركة التصحيح بينما أدانتها حركة النهضة المشاركة في الحكم وتلخبطت بيانات الأحزاب في تعريف الشرعية وأين تقع الشرعية وأين المكان الطبيعي للمؤسسة العسكرية والمكان الطبيعي لجماعة الإخوان؟ وهل محمد مرسي رئيس حقيقي أم نصف رئيس وهل له أخطاء في إدارة البلاد وإعطاء الحقوق لأهلها خلال العام الذي قضاه في السلطة؟ وهل تلك الأخطاء التي اعترف بها مرسي ذاته هي من النوع الذي لا يصلح وهل العقاب على قدر الخطأ؟ إلى أين تسير مصر؟ فالعنف الدموي يتهدد هذا المجتمع المسالم الطيب حتى عدنا لا نعرف المصريين حين نرى بعض المجاذيب يسحلون مسلمين شيعة وحين يشرع الخارجون عن القانون في سن قانون الغاب من مختلف التيارات فلا نتبين بصيصا من نور الأمل لأن الحلول التي سميت بالدستورية ونصب بمقتضاها المستشار عدلي منصور رئيسا لا تستقيم بعد حركة لم تكن دستورية هي الأخرى ولم تكن محل توافق أو تشاور فالمعارضة المصرية بكل أطيافها لم تكن تعلم بأمر التغيير ولم تشارك فيه وسمعنا عمرو موسى في إحدى القنوات لا يجد لسانه للتعليق والتفسير والتبرير فراح يبتكر مصطلحات عجيبة حول ما حدث وكأنه يوحي بأن ساعته هو قد أزفت ليتحمل مسؤولية في عهد ما بعد مرسي وربما ما بعد عدلي منصور! إن انعراج مصر نحو اللامعقول ونحو المجهول هو انعراج لكل البلدان التي غيرت أنظمتها القديمة لكنها لم تجد طريقها نحو الاستقرار والحريات ودول القانون والحق في أنظمة جديدة لم تولد بعد. الحيص بيص تجاوز مصر والعرب ليصبح واقعا دوليا واقرأوا فقط موقف الرئيس أوباما في البيت الأبيض المناقض تماما لموقف الكنغرس في الكابيتوول. هل هو انقلاب؟ مع من وضد من وإلى أي مصير؟ رحم الله الضحايا الذين يموتون يوميا في مصر من دون وجه حق وبلا قضية! وهدى الله العرب إلى سواء السبيل اللهم أمين.
423
| 10 يوليو 2013
أعلن رئيس صندوق النقد العربي منذ أسابيع قليلة، أن اقتصادات بلدان الربيع العربي تعاني بشدة من العنف الذي اتسمت به حركات الاحتجاج الشعبية ومن الأزمة المالية العالمية وليس من شك في أن السبب الأول لهذه الأزمة هو تفشي العنف وهزال أجهزة الدولة مما خلق في المجتمعات العربية حالة من فقدان البوصلة وغياب الأمل وبالطبع تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وفتح الباب أمام المجهول.. وقال جاسم المناعي إن "تلك البلدان بدأت تعاني من تقلص شديد في النمو وصعود مقلق لمعدل البطالة، وتدهور في احتياطي العملات الصعبة وارتفاع التضخم، وأضاف أن اقتصادات مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، تواجه تزايد العجز في الموازنات وفي ميزان المدفوعات وارتفاعا في الديون. وقد أطاحت انتفاضات شعبية بقادة مصر وتونس وليبيا واليمن في حين ما زال نظام بشار الأسد يواجه حركة تمرد، وانخفض نشاط القطاع المصرفي في معظم تلك البلدان منذ بداية الاحتجاجات الشعبية في يناير 2011 في تونس، فتأكد أن الأزمة المالية العالمية ما زالت تطاول الاقتصادات العربية، وقد تقلل من الطلب على النفط الذي يعتبر أكبر موارد العديد من الدول العربية. وقال المناعي، إنه بسبب الزيادة السريعة للنفقات خلال السنوات الأخيرة سيصعب على عدة دول مصدرة للنفط ضمان توازن في ميزانيتها إذا انخفض سعر برميل النفط إلى ما دون المائة دولار. من جانبهم أشار خبراء العلاقات الدولية، تعليقاً على أحداث العنف الأخيرة التي تلت ظهور الفيلم المسيء للإسلام ثم مقتل السفير الأمريكي في ليبيا وإحراق السفارة الأمريكية في تونس والهجوم على قصر الرئاسة بالقاهرة مؤكدين على أنه يجب أن ينظر إلى هذه الأحداث كتحذير من هشاشة الوضع في ليبيا ما بعد القذافي وفي دول الربيع العربي ككل ما بعد الإطاحة بالأنظمة السابقة.. "فالغضب العارم الذي اندلع في القاهرة وتونس وبنغازي وأودى بحياة السفير الأمريكي في ليبيا، لا يعطي مؤشرا فقط على مدى الغضب وانعدام الثقة الذي يشعر به العالم الإسلامي إزاء الولايات المتحدة، بل يدل أيضا على وجود قوى التطرف وعدم الاستقرار في العالم العربي، والتي كانت مكبوحة الجماح بفعل الأنظمة الديكتاتورية التي أطاحت بها ثورات العالم العربي.. وكان لافتًا بشدة خلال العامين الماضيين حالة الاضطراب الأمني والعنف المجتمعي التي شهدتها دول الربيع العربي، حيث تصاعدت معدلات الجريمة المنظمة والعنف ذي الطابع السياسي، وسجلت جرائم عنيفة لم تعرفها هذه الدول خلال العقود الخمسة الأخيرة أبرزها تمكن الميليشيات القبلية من مفاصل ليبيا الجديدة ونشأة الصراع بين السنة والشيعة بعنف في كل من مصر ولبنان وسوريا واليمن وظهور ما يسمى بلجان حماية الثورة في تونس وهي هيئات هلامية غير محددة الأهداف ولا الوسائل غير بعيدة عن مقتل مناضل سياسي هو لطفي نقض بمحافظة تطاوين في ظروف مجهولة ثم اغتيال زعيم تونسي معروف هو شكري بلعيد على أيد لم يكشف البحث عنها بعد.. والسؤال المحير هو كيف تنبت بذرة العنف في هذه البلدان، ففي مصر شهدت الأسبوع الماضي مقتل وسحل أربعة مواطنين شيعة في قرية أبو نمرس كما شهدت مدنها المختلفة من قبل مذابح مثل أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء والقصر العيني وفاجعة ملعب بورسعيد التي راح ضحيتها أكثر من 77 متوفى، ناهيك عن تفشي السرقة بالإكراه والاستيلاء على الممتلكات وغياب الأمن والأمان عن مجتمع معروف بتقاليده وباستقراره. ولم تكن الأوضاع أفضل حالاً في ليبيا المجاورة إذ أخذ العنف يتسع في المدن الليبية ويستخدم لتصفية الحسابات بين الفرقاء الليبيين، ومثال ذلك المعارك التي اشتعلت في مدينة الكفرة بين القبائل العربية وقبائل "التبو" الإفريقية التي أسفرت عن مقتل مئات الليبيين وهي أعمال العنف التي جاءت تصفية لحسابات القبائل لـ40 عامًا من تحيز القذافي لصالح القبائل العربية على حساب نظيراتها الإفريقية، بل إن هذه الأحداث امتدت إلى مطار طرابلس الذي سيطر عليه ثوار من منطقة الزنتان الذين اقتحموا المطار بعد عمليات مواجهة مع قوات الأمن أسفرت عن استسلام القوات وسيطرة الثوار على المطار الدولي مما أسفر عن مقتل العشرات، وفي مدينة سبها سقط أكثر من 250 قتيلاً في أحداث عنف قبلية مماثلة بالإضافة إلى أن الميليشيات المسلحة هي التي أجبرت الحكومة على سن قانون ما يسمى بالعزل وحرمان الدولة الجديدة من كوادر متميزة. وفي تونس المعروفة بهدوئها وميل شعبها إلى الطابع السلمي كانت الأوضاع تسير على الوتيرة نفسها، حيث فرضت الدولة مرات عديدة حظر تجوال على 8 مدن تونسية على أثر اشتباكات على أساس ديني أو حزبي.. بل إن الاجتماعات الحزبية في تونس تحولت إلى مظاهر عنف آخرها العنف الذي ساد ندوة وطنية لمناهضة العنف! حيث تم استعمال اللكمات عوض الكلمات كما أدى عنف الملاعب الرياضية إلى فرض عقوبات دولية على تونس نتيجة إصرار المشجعين على اقتحام الملاعب والاعتداء على قوات الشرطة بشكل مثل تحديًا لهيبة الدولة، وهو ما تكرر بشكل شبه يومي في الجامعات التونسية بين فرقاء من الطلاب حول السماح بالنقاب للطالبات أو منعه أو تحديد استعماله. إن قارب النجاة في هذا البحر العربي المتلاطم الأمواج هو وعي الشعوب بفداحة ومخاطر اللحظة التاريخية التي نعيشها ثم إجراء تغيير عميق وجذري في عقلياتنا وسلوكياتنا وردود أفعالنا حتى نجلس معا جميعا ومن دون إقصاء أحد إلا من أقصى نفسه أو أقصاه قضاء عادل حول مائدة مستديرة من دون زعامات لنتحاور ونتشاور ونتواصى بالحق حتى نبلغ أقوم المسالك لإنقاذ أوطاننا ونتفق على جملة أولويات نشحذ من أجلها الهمم وما استطعنا من قوة لمواجهة المصير العربي المشترك بنهضة حقيقية تشاركية لأمتنا وإلا لا قدر الله فالغرق هو قدر الأمم المهزوزة المهزومة..
377
| 03 يوليو 2013
لأنها حركة تاريخية وغير مسبوقة فإن تسليم مقاليد الحكم لصاحب السمو الشيخ تميم الذي قرره ونفذه حضرة صاحب السمو الشيخ حمد سيبقى مثيرا للتعاليق والتحاليل في دوائر القرار العالمية والإعلام الدولي وهذا مظهر عادي من مظاهر اهتمام الرأي العام بالحدث مهما كانت التكهنات والتخمينات إلا أننا نسجل باعتزاز غلبة الإيجابيات بقوة على بعض أخطاء الفهم والتقييم واتساع فضاء المرحبين بهذه الحركة والمتفائلين بهذا العمل السياسي والحضاري الصالح وذلك لا في قطر وحدها بل في منطقة الخليج العربي الذي هب قادته لتقديم التهاني بحضورهم الشخصي وفي إقليم الشرق الأوسط الذي تعامل زعماؤه مع الحدث باستشراف مستقبلي واعد وفي العالم بأسره، حيث لم تعد قطر ذلك البلد الصغير حينما تأكد العالم بأن قطر حلقة ذات أهمية في العلاقات الدولية وعنصر سلام دولي وعامل استقرار على أسس مبادئ ميثاق الأمم المتحدة أي أسس حقوق الإنسان وحرية خيار الشعوب وحل النزاعات بالحوار. إن العمل التاريخي الذي قام به الأمير وهو في عز العطاء يؤكد مراهنته على طاقات الشباب وكما قال في كلمة الثلاثاء فإن الجيل الجديد الذي يمثله أفضل تمثيل وأصدقه صاحب السمو الشيخ تميم لقادر وكفء على إدارة شؤون البلاد بنفس العزيمة ونفس الإخلاص حتى يواكب تطورات العالم من حولنا ويواصل حمل المشعل. إنه الوعي الفريد بمستحقات اللحظة والحجة التي ما فوقها حجة على أن الشيخ حمد عندما تسلم مقاليد الحكم في 27 يونيو 1995 لم يكن همه الخلود في السلطة ولا بهرج الحكم بل كان وظل طوال 18 سنة هدفه الأول والأكبر خدمة الناس والتقدم بالدولة وهاهو شعبه الوفي يقطف ثمار ذلك الغرس في كل المجالات لأن ما شهدته قطر في عهده يعد معجزة حقيقية قادها هو بنفسه وشاركه فيها منذ شبابه ابنه وحامل رايته الشيخ تميم وسانده فيها كل مواطن قطري وكل مواطنة قطرية. وأنا قدر لي بحكمة من الله تعالى أن أعيش في قطر أجمل سنوات العمر منذ تعرفت على الشيخ حمد بن خليفة حين كان وليا للعهد سنة 1990 في غمرة ومأساة احتلال صدام حسين للكويت وكنت مدعوا مع صديقي محمد مزالي رئيس حكومة تونس المنفي المضطهد مثلي آنذاك رحمة الله عليه وجئنا من باريس منفانا إلى الدوحة فوجدنا لدى الشيخ حمد لغة ومنطقا لم نعهدهما من أي حاكم عربي لأنه حفظه الله سألني عن وضعي فقلت له أنني أعيش في منفاي ملاحقا من إنتربول بإرادة الطاغوت فتعاطف معي ومع أسرتي وأذن لجامعة قطر أن تنتدبني لتدريس الإعلام ولم يبال بغضب "السلطات التونسية" ضدي وطلبها الرسمي عن طريق سفيرها آنذاك برهان بن عاشور بطردي وحرماني من أكل عيشي بعرق جبيني رغم أنني لم أحرج دولة قطر بأي نشاط سياسي معلن وكان يساندني جمع من الأصدقاء القطريين بارك الله لهم وفيهم لكني شعرت بحماية الشيخ حمد وأمنت من ملاحقات إنتربول وأسهمت بقسطي المتواضع في خدمة وطني الثاني والمشاركة في منظمات مجتمعها المدني برعاية سمو الشيخة موزة حفظها الله. هذه كانت أيضا سابقة عربية لأن أية دولة تحميك من المظالم هي قطعا دولة أوروبية فلم تكن سوى قطر الملجأ العربي النادر أوت العديد من المثقفين العرب المستبعدين من أوطانهم فعاشوا بين أهليها مكرمين وكنت أعرف المئات منهم رحم الله من توفي منهم وأمد في أنفاس من لا يزال حيا ومعترفا بالجميل. أما السابقة التاريخية الأخرى فهي رهان الشيخ حمد على الإنسان القطري ذكرا كان أو أنثى فقد تحول المجتمع القطري إلى مجتمع معرفة وحضارة حين انتظمت سنة 1999 أول انتخابات بلدية شاركت فيها السيدات القطريات بالانتخاب والترشح وحين أنشأت مؤسسة قطر للتربية وتنمية المجتمع وضمت أكبر المؤسسات الجامعية العالمية ثم حين تأسست الجزيرة كقناة الحرية فغيرت لا فقط الإعلام العربي بل قلبت موازين الإعلام الخشبي المحنط ونشرت الحقيقة والرأي الحر وعانت الدكتاتوريات العربية من هذا الصوت المتحرر الجريء وقرأ زعماء العرب لهذا التغيير المبارك ألف حساب مما أنضج الربيع العربي قبل أوانه وخف الحمل على أكتاف أحرار الأمة ونقلت الجزيرة وجوههم وكلماتهم لشعوبهم. وأذكر للتاريخ جلسة جمعتني بسمو الشيخة موزة سنة 1995 في قصر الوجبة مع الزميلة الفاضلة أ.د. عايشة المناعي فقالت لنا الشيخة حفظها الله إننا نفكر في بعث قناة إخبارية عربية تكون (سي أن أن) العرب ولكن نخشى أن تحرج الدول العربية فقلت لها يا سمو الشيخة إنها ستكون كالطير الأبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فلا أحد يقدر على إسكات صوت حق وصدق. وبالفعل نجح هذا التحدي أيضا وكان سابقة تاريخية كذلك من الشيخ حمد. في هذه الأيام الحبلى بالخير أتوجه بالتهاني لكل مواطن قطري وأعتقد أن صاحب السمو الأمير الشاب الشيخ تميم سوف يواصل نهج المبادرات الحضارية الكبرى بنفس العزم والحزم ونفس الرؤية المستقبلية التي صنعت مجد هذه البلاد وآخر قولي اللهم اجعل هذا البلد أمنا مطمئنا. آمين
428
| 28 يونيو 2013
نعم! فليتق الله في الإسلام والمسلمين أولئك الذين ينسبون العنف الأسري للمسلمين بدعوى أن شريعة الإسلام عنصرية جنسية بينما الحقيقة أنه لا دين كرم المرأة وأعطاها قدرها وحقوقها ومالها واسمها مثل الإسلام. واليوم تصدر في باريس إحصاءات وزارة العدل لتفيدنا بأن امرأة فرنسية يقام عليها الحد كل يومين إذ بلغ عدد النساء القتيلات بسبب الشك في سيرتهن وإخلاصهن على أيدي الزوج سنة 2012 (168 امرأة). والإحصائية دقيقة ورسمية. 168 زوجة فرنسية تم قتلهن من قبل الزوج خلال العام لمجرد الاشتباه في ارتكابهن جريمة الزنا، وهو ما يسميه الغربيون عموما "الخيانة الزوجية" هذا الخبر أفردت له بعض الصحف ونشرات الأخبار عناوينها الأولى بطولها وعرضها وصفحات عديدة بالداخل وتحقيقات ميدانية. ووضعت وسائل الإعلام هذا النبأ تحت عنوان: "قتيلات في جو من اللامبالاة التام: ضحايا العنف العائلي" وتتطرق إحدى الصحف الجدية إلى معلومات مدهشة منها أن الظاهرة تفشت واتسعت ولا توجد إحصائية رسمية من وزارة العدل بهذا المجال، بل إن هذه الأرقام هي من تحقيق قامت به وكالة الأنباء الفرنسية الحكومية (أ. ف.ب). تقول لنا الوكالة:" إن 33% من النساء القتيلات اعدمن بطعنات السكاكين و30 % أعدمن بالرصاص و10% قتلن بالضرب المبرح. ومعدل سن "الضحايا" هو 45 عاما، ومن أشهر الذين أقاموا حد الزنا على الزوجة منذ سنوات قليلة لاعب (الرجبي) الشهير/الكابتن مارك سيسيون الشخصية الشعبية الذي قتل زوجته أمام الأشهاد بخمسة عشر طلقة رصاص. وتؤكد دراسة علمية قام بها معهد(اينفاف) بأن الظاهرة إياها ليست فقط فرنسية بل أوروبية، وأن إقامة حد الزنا في دول الاتحاد الأوروبي هي كالتالي: فمن بين كل مليون مواطن ينفذ القتل في: 126 إمرأة في رومانيا التي فازت في هذا الميدان بقصب السبق، تليها فنلندا بمعدل86، تليها اللكسمبورغ بمعدل 55، تليها الدانمرك بمعدل 54، وبعدها تأتي السويد بمعدل45، تليها المملكة المتحدة بمعدل 43، وتليها ألمانيا بمعدل 35،ثم إسبانيا بمعدل24، فهولندا بمعدل 2 ومثلها نجد بولونيا وأيرلندا وأيسلندا. وتضيف الدراسة قائلة بأن استطلاعا للرأي أجراه المعهد لدى 6970 امرأة متزوجة في الدول الأوروبية (أعمارهن ما بين 20 و59 عاما) أفاد بأن 10% من النساء تعرضن مرة أو أكثر إلى محاولة قتل وإلى العنف الشديد. وتضيف صحيفة/ ليبراسيون قائلة بأن إسبانيا اهتمت بهذا الخطر، وسنت جملة من القوانين الشاملة لبرامج التربية والإعلانات وعمل المرأة خارج البيت والقانون الجزائي والإجراءات الاجتماعية من شأنها الحد من هذه الظاهرة الخطيرة. الصحيفة استخلصت من هذه المأساة بأنه كل يومين خلال هذا العام تقتل امرأة يشتبه بعلها بأن لها علاقة محرمة مع رجل آخر، وبأن الزيادة في عدد هذا الصنف من الجرائم في تزايد مهول من سنة إلى سنة (بزيادة 34% من عام إلى عام) وهو ما يصنف هذه الجرائم في عداد الظاهرة الاجتماعية المتفاقمة. ولا أخفي قرائي الأفاضل بأني أثرت هذا الموضوع وقدمته لهم لسببين اثنين: الأول هو أنني كثيرا ما أدعى لمؤتمرات بالجامعات أو المنظمات الأوروبية ويتداول على إحراجي ومضايقتي جمع من الزملاء الغربيين الذين ينسبون للإسلام ما يسمونه "العقوبات الجسدية البربرية" وهم بالطبع يقصدون الحدود ومن الحدود يخصون حد الزنا بالرجم. وأقوم أنا انطلاقا من الحق والواقع بالدفاع عن مبادئ الإسلام السمحاء مفسرا بأن حد الزنا لم ينفذ منذ عشرات السنين وبأن هذا الحد في الشريعة هو حد إشاعة الفاحشة وإعلانها في واضحة النهار، وأبرهن على ذلك بالشروط القاسية التي وضعها الدين الإسلامي لحماية حياة الناس رجالا ونساء من مجرد الشك أو مجرد الشبهة (الشروط معروفة لدى الخاص والعام). أما السبب الثاني فهو انزلاق بعض الدول العربية المسلمة إلى التشبه الأوتوماتيكي والبليد بالمجتمعات الغربية تحت شعار" تحرير المرأة " ولم يقولوا لنا "تحرير المرأة من ماذا؟" لأن الأفضل هو تحرير الأسرة كلها من الأفكار البائدة والعادات المتخلفة وتحرير المجتمعات المسلمة من التبعية العمياء للغرب وليس تحرير المرأة من الأسرة وتثويرها ضد زوجها بتعلة أن الطاعة للزوج هي استعباد للمرأة، بينما القوامة الإسلامية الخالصة هي تكريم للمرأة وصون لها ورفع من قيمتها واعتراف بفضلها كنصف للمجتمع، أمًّا مسؤولة وزوجة صالحة وأختا معززة وبنتا مصونة ومواطنة كاملة الحقوق والواجبات. أما الذي يحصل عندما نقلد الغربيين كالببغاوات فهو تحول القوانين إلى أدوات تشجيع النساء للتمرد على أزواجهن وتركهن لبيوتهن وأطفالهن بدعوى حرية المرأة! وهي نتائج وتداعيات لم يقصدها المشرع الأصلي في بعض البلدان ولكن جاءت بها التحولات الكبرى والسريعة للعالم بأدوات الاتصال والإعلام، وبدأنا نلمس آثارها السلبية الخطيرة في تفاقم معضلات المجتمع ومظاهر التفكك الأسري، حينما نفقد البوصلة الحضارية والثقافية والروحية التي تدلنا على الطريق الصحيح والمستقيم في عالم شديد التقلبات سريع التحولات كثير الهيمنات. هذه إحدى أولويات الدول الجديدة المنبثقة عن تحولات الربيع. فليكن ربيعا للأسرة العربية المسلمة غير المنسلخة عن أصولها وعن ثوابت دينها وأسس تاريخها.
3808
| 19 يونيو 2013
هذا العنوان اختارته إحدى الصحف التونسية الأسبوع الماضي على صفحتها الأولى لتستعرض حادثة أليمة تمثلت في استشهاد رجلين من القوات المسلحة في محافظة القصرين وعلى طريق مدينة آهلة بالسكان تحاذي جبل الشعانبي لتمر عبر القرى القريبة منه. ولذلك جاءت صرخة العنوان مدوية ونتيجة صدمة قاسية لعل سببها الطبيعة الوديعة المسالمة للمواطن التونسي عادة وندرة استعمال العنف لديه تاريخيا واجتماعيا وسياسيا. لكن مظاهر انتشار بعض مكامن الإرهاب المسلح منذ سنوات قليلة في منطقة المغرب الإسلامي وعلى حدوده الصحراوية جاءت لتؤكد أن تونس ليست أبدا في مأمن أمين من الهزات العنيفة التي تعصف بالعالم العربي والإسلامي والتي تحركها صراعات الأمم الكبرى من أجل حماية مصالحها الحيوية بوسائل تغذية وإذكاء نزعات الهوية والطائفية والأيديولوجية حتى يتحول صراع الأمم الكبرى إلى صدامات بين العرب والمسلمين يؤدي إلى شرذمة دولنا وتقسيم الموحد منها والزيادة في تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ كما يحدث في العراق ولبنان وفلسطين والسودان ويهدد سوريا ويمتد ليطال تركيا وإيران وباكستان والقوقاز. تونس كسائر الجسد العربي تتداعى أعضاؤها بالسهر والحمى بفضل لقاح وسائل الإعلام والاتصال اليومي التي تيسر تواصل شبابها بالعالم وتفاعله مع أزمات أمنية طارئة أنتجتها التحولات العميقة المسماة بالربيع العربي. وإذا أقررنا بأن ظاهرة الإرهاب عالمية وبأن جانبها العنيف ارتبط بالعالم الإسلامي فإن وصولها إلى تونس منذ سنوات جاء كردة فعل تكاد تكون طبيعية ومتوقعة ضد عقود من تغييب الهوية وطمس الذات الإسلامية وتعويض نواميس المجتمع التونسي المسلم بقوانين استوردتها حكومات مفروضة بالقهر من أعتى المجتمعات الأوروبية انسلاخا عن الأخلاق والقيم يجوز فيها الإجهاض ولا رادع له بالقانون، تتساوى في ذلك المرأة المحصنة أو العزباء وفيها أيضا يباح الزواج المثلي باسم الحريات الشخصية مما أصاب بلادنا بسبب قربها من أوروبا بما يشبه العدوى وفي بلادنا كان أحرى بنا أن نجتهد في ملاءمة قانون الأحوال الشخصية مع واقع مجتمعنا ومقتضيات المصلحة الأسرية في بعض الشؤون، كألا يجبر الرجل على طلاق زوجته العاقر لكي يتزوج بثانية فتحرم العاقر من الأمومة التي تتاح لها بزواج زوجها من امرأة ولادة ويرمي بها للدعارة وللشارع، بينما كان الأفضل أن تظل في بيتها محترمة وتربي أولاد الثانية كما عشنا وشهدنا في طفولتنا. وفي الأسرة التونسية يتم تدريجيا تعويض المودة والرحمة بالمحكمة والمحامي. ولا يخفى أن بلادنا من أكثر بلاد العالم في عدد حالات الطلاق والأمراض النفسية وتعاطي المخدرات وتفشي العنف اللفظي والمادي وأن القوانين كائنات حية يجب أن تتطور مع تطور المجتمع، لا أن تحنط وترفع حولها شعارات (الخط الأحمر) كأنها كتاب منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهي صفة لا يتمتع بها سوى القرآن ولا تنطبق على أي قانون وضعي سنه بشر كعامة البشر ولا بد من تلاؤمه مع المتغيرات وعلى ضوء نتائجه ومضاعفاته باستمرار. وقد صادف أن استقبلني مرة رجل نافذ في حكومة تونسية فسألته: "إني سمعتك تقول بأن قانون الأحوال الشخصية خط أحمر فهل قرأت الفصول التي أضيفت منذ 1992 لمجرد الديماغوجيا وجلب زغاريد بعض المطبلات والمطبلين المنسلخات والمنسلخين؟ فقال لي: لا لم أقرأها"، وأنا كنت على يقين أنه لم يدرك بأن قانون 1956 الذي شارك في وضعه بورقيبة والشيخ جعيط وأحمد المستيري والذي كان يهدف إلى حماية الأسرة والمرأة ليس هو الذي أضيفت إليه منذ زواج الرئيس السابق بن علي بزوجته الثانية فصول عديدة قلصت دور الأب ورسالته وقزمت مكانة الرجل، بل جعلته يطرد من بيته وينال احتقار أولاده بدعوى المساواة، بينما لكل من المرأة والرجل خصائص وطباع وبيولوجيا حددها الله سبحانه دون تمييز هذا عن تلك... إننا نلاحظ من خلال الحركات السلفية وانتشار الحجاب وامتلاء المساجد وعودة الوعي الديني والواعز الأخلاقي رفضا للقلب الاصطناعي المزروع زرعا في الجسد المسلم كما لفظت الأجساد القلوب المزروعة على أيدي الطبيب كرستيان برنار في جنوب إفريقيا في ديسمبر 1963 وهو ما يطرح قضية طالما انشغلت بها تتعلق بالحداثة الأصيلة كاليابان والحداثة اللقيطة كبعض البلاد المسلمة التي نزعت أصولها وثوابتها لتلبس خرقا ثقافية واجتماعية مرقعة مجلوبة من الغرب المتعصب العنصري وقد بدأت نخبه هو ذاته ترفضها وتلفظها لفظ النواة. هل يشك أحد منا أن اليابان بلغ قمة التقدم والتكنولوجيا وأصبح المنافس الأخطر للغرب دون أن يتخلى عن هويته وثوابت حضارته؟ فادخل يا قارئي الكريم إلى بيت ياباني عادي وسوف تنبهر بالتقاليد الأصيلة لشعب عريق يحترم فيه رب البيت ويحافظ على تربية أجياله على قيم منغرسة في أعمق أعماق تاريخه. ثم هو مجتمع حافظ على لغته ومقومات ثقافته، فلم يلثغ مثلنا بلهجات مرقعة غلبت عليها لغة مستعمرنا القديم وبالطبع عاداته ولباسه وأخلاقه، كما قال العلامة ابن خلدون في تحليل علاقة المغلوب بالغالب. خلاصة رأيي أن ما نسميه مقاومة الإرهاب يجب أن يكون مشروع حضارة تسترجع عافيتها لا مجرد قرع طبول مع أننا ندعو للوسطية والاعتدال ونبذ العنف، فلا يجوز لأي جماعة أن تكفر المجتمع، بل الغاية أن ندعو جميعا للإصلاح بالتدبر الحكيم وغير المنحاز في شؤوننا بداية من التربية والتعليم لإعادة الاعتبار للتعايش في كنف الاحترام وإنتاج مواطنين لا صناعة مستهلكين وتونس قادرة على تجاوز المحن العابرة وأثبتت عبقريتها منذ الأزمنة الغابرة.
370
| 12 يونيو 2013
من المفردات العربية المتداولة أثناء الهزات التي عاشها العالم العربي عبارة (العزل) وهي في لسان العرب تشير إلى إبعاد شيء عن شيء والتفريق بين أمر وأمر وقد وردت في الأدب العربي بهذا المعنى مجازا وواقعا أما استعمال هذا المصطلح القديم الجديد في هذه المرحلة فدل أول ما دل على عزل حكام عرب أطالوا البقاء في الحكم وهم رؤساء جمهوريات يفترض أن يتداول الناس فيها على السلطة بالانتخاب وليسوا ملوكا استقرت شرعيتهم على حقائق التاريخ ووفاق الشعوب فكانت بصراحة شؤون ملكهم أفضل مما أعلن من أنظمة جمهورية ليس لها من الجمهورية بالمعنى الأفلاطوني سوى الاسم وأناخت على صدور الناس بالقهر والتحيل على الدساتير بتوريث الأبناء والأصهار وتحكيم العصابات في المؤسسات. هكذا عرفنا العزل أول ما قامت الثورات ثم تحولنا إلى قوانين سنها الحكام الجدد تنادي بعزل ما سموه الفلول في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وتوسعت هذه القوانين أو مشاريعها لتشمل بالعزل وزراء ومديرون وموظفين سامين خدموا الدولة كدولة ولم يسرقوا ولم يجرموا فكان جزاؤهم الظالم كنوع من العقاب الجماعي الذي أخل بقاعدة قرآنية كريمة وهي (ولا تزر وازرة وزر أخرى) و (كل نفس بما كسبت رهينة) فزج بعدد من الأبرياء في السجون دون محاكمات وبلا شك حوسب الظالمون أيضا على ما اقترفوه لكن توسيع رقعة العزل باستمرار على هوى الأحقاد وتصريف الانتقام أدى إلى عديد المظالم واستسلمت السلطة الجديدة إلى ما يسمى بنبض الشارع وإلى الكتائب المسلحة المحيطة بمقرات الوزارات كما في ليبيا أو إلى إرادة ميليشيات فوضوية تتصرف حسب إشاعات الفيسبوك فكادت بعض دولنا تنهار بسبب انعدام الاستمرار ونقص الكفاءة وتفشي التشفي والرمي بمجرد الظن وكأن الأنموذج العراقي الكارثي لم ينفع للتدبر والاعتبار حين دمر الأمريكان وأعوانهم الدولة العراقية عوض تحطيم منظومة القهر البعثي فلم يبق للعراق لا جيش قويا منضبطا ولا إدارة ناجعة فعالة ولا جامعات علمية ولا متاحف ولا مشافي ولا نفطا يضخ الخير على الناس. فكان العزل في العراق عزلة للعراق وإلى يوم الناس هذا لم تقم للدولة قائمة حيث انقسم العراق إلى طوائف وأعراق ونحل وملل وأقاليم وهاجر من هذا البلد الأمين أربعة ملايين عراقي بينما تنتج أرضهم جميع الخيرات من النفط إلى الزراعة إلى الصناعة إلى أعلى نسبة في إبداع الفكر وطباعة الكتب. في ليبيا خضعت حكومة هشة لتهديد السلاح المرفوع على الشاحنات فصادق مجلسهم المنتخب على قانون العزل وطال هذا القانون حتى السيد محمد المقريف رئيس نفس المجلس فاستقال الرجل وهو دامع العينين أمام تصفيق حار وقوفا من زملائه الذين يكنون له فائق التقدير.. و لم ندرك أسرار هذه الأعمال التي لم نعرف بالضبط من يحركها لكننا على يقين من أن حرمان الدولة المستقبلية الليبية من كفاءات مناضلة خدمت الدولة لا القذافي وحافظت على مصالح ليبيا لا مصالح سيف الإسلام هو حرمان جائر سيفتح الباب أمام المتهورين اللابسين لبوس الثورة وربما أتى هذا القانون بقذافي ثان عديم الخبرة ليكرر نفس مصائب العقيد بإلغاء الدولة وتعويض المؤسسات بلجان أخرى شعبية أو ثورية تعيد ذات المهزلة لا قدر الله ووقى الله شعب ليبيا من شرور الارتجال واللغو. وفي تونس ومصر دار جدل واسع حول نفس التوجه فتقدمت بعض أطياف السلطة الجديدة بقانون سمي في تونس قانون التحصين السياسي للثورة وهو سير في طريق مجهولة نحو مظلمة تسلط على البعض حتى لو أصابت بالعدل بعض من أساؤوا للشعب وناصروا الاستبداد وسكتوا عن الفساد. فجميع من كانوا يسيرون خلايا الحزب الحاكم المنحل ليسوا جميعا لصوصا أو طغاة بل كان بعضهم يعمل لتوفير مدرسة أو مستشفى أو إعالة معوزين أو علاج مرضى أو رعاية مسنين ومعاقين. هؤلاء عرفت بعضهم وهم يحملون صفة حزبية لا يهمهم منها سوى ما يعتقدونه أداء خدمة لمواطنيهم في الأرياف والمناطق البعيدة عن مراكز المدن. وينادي العقلاء من التونسيين بإحالة كل حالة مسترابة على القضاء المستقل العادل وتلك رسالته وغايته حتى ينصف الناس من شر الناس ويجازي كل مسيء بإساءته دون تعريض أبرياء لعقاب جماعي طالما كابده الحكام الحاليون في عهود سابقة وأدانوه معلنين أن لا ظلم بعد اليوم. أما في مصر فقد انقسمت النخبة السياسية إلى شق يريد الانتقام ممن اعتقد أنهم ظلموه وشق يحبذ طي الصفحة بألامها وتدشين عهد جديد لا يشوبه حقد ولا يشوهه تجاوز. وما يزال الجدل قائما بين الفريقين وهو من صنف الجدل المضر بمصالح مصرلأنه لا يطمئن فريقا من رجال الأعمال الذين بإمكانهم النهضة باقتصاد مصر لكنهم ظلوا حذرين إزاء نوايا التشفي وفتح أبواب الظلم والابتزاز. ولا يختلف الأمر في تونس وليبيا واليمن عن الحالة المصرية حيث انتشر مناخ من الخوف من القوانين (العازلة) التي يبدو أنها تهب على بلادنا كرياح محفوفة بالمخاطر رغم نوايا أصحابها الباحثين عن العدالة الانتقالية كسائر التحولات الكبرى وما يعقبها من هزات. والرأي عندي أن الدول الجديدة لا تؤسس إلا على نواة الدول السابقة أي على ما ظل منها محايدا وعادلا ومهنيا.
382
| 05 يونيو 2013
قرأت فقرة من كتاب المقدمة للعلامة عبد الرحمن بن خلدون هذه الأيام فتذكرت حال العرب بعد مرور عامين و نصف على ما سمي بالربيع التونسي الذي عم بقاعا أخرى من الوطن العربي بالأمل والألم يقول ابن خلدون منذ حوالي سبعة قرون: "إن من عوائد العرب الخروج عن ربقة الحاكم و عدم الانقياد في السياسة فهم يتنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحدهم الأمر لغيره فيتعدد الحكام منهم والأمراء و تختلف الأيدي على الرعية فيفسد العمران و ينتقص فتبقى الرعايا في مملكتها دون حكم و هكذا بعدت طباع العرب عن سياسة الملك". انتهى قول ابن خلدون و لا حظوا معي أيها القراء الأفاضل انطباق عبارة تبقى الرعايا دون حكم على الوضع العربي الراهن فهو يتميز باللا دولة و انتفاء ناموس القانون الذي هو الحامي لأعراض الناس و أرزاقهم و الضامن لحياة عيالهم و صد المظالم عنهم. فالعلامة ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع و رائد فلسفة التاريخ و أستاذ أرنولد توينبي عالم الحضارة المعروف كان على يقين من أن الجينات العربية لا تقبل النظام حتى و إن كان عادلا و تخرج عن ربقة الحاكم حتى لو كان صاحب شرعية و أهل صلاح و ورع. و قرأت للمفكر اللبناني أستاذي د.غسان سلامة هذا الرأي: "الاختيار الوحيد المتاح في التاريخ السياسي العربي ينحصر في الاختيار بين الاستبداد و الفتنة لا بين الاستبداد و الحرية". كما قرأت للدكتور محمد الأسعد هذا القول المصيب:" إذا بدأت تحاور مثقفا عربيا منتميا لأيديولوجية معينة عليك أولا أن تثبت له أن العالم موجود خارج حدودنا...لأنك تكتشف أنه لم يقم أي وزن لهذا العالم و أن فكره إفراز ذهني لم يأخذ في الحسبان وجود عالم حي متحرك". هذه الآراء العربية تفرق بينها قرون طويلة لكنها تتفق على غفلة العرب في الغالب عن دوران الأرض و حركة العالم الواسع من حولهم و هم في سنة من النوم كأنما الدنيا تبدأ منهم وتنتهي عندهم بينما السياسة في جوهرها تحليل و بعد نظر و نفاذ بصيرة بما هو حولك أيها العربي من تناقض مصالح إقليمية و اختلاف توجهات دولية بل و تدافع حضارات متباينة ليس لها نفس الجذور و لا نفس المنطلقات تلك الحضارات الكبرى الخمسة التي عددها المفكران صمويل هنتنغتن و فرنسيس فوكوياما و صنفا من بينها بل من أخطرها على الغرب الحضارة الإسلامية ( و بشكل أخف الحضارة الكنفوشية أي التي تقودها الصين ) و توعدا بما سمياه صدام الحضارات و الذي يعتقد فوكوياما بأنه محسوم لصالح الغرب و منهجه الليبرالي وقيمه التي تدعي الكونية مبشرا بنهاية التاريخ! و نصل إلى حال العرب الراهن لنتأمل في الشتات السياسي و الضياع الحضاري الذين يعطلان مسيرة العرب نحو المستقبل و لنقرأ بصدق الأسباب الموضوعية التي أدت بنا لهذا النفق المظلم فنجد أن غياب التفكير في مراكز القوى العالمية و انعدام تحليل أوضاعنا في صلب التيارات الكونية المتشكلة في أقطاب كبرى جعلتنا لا ندرك مواقعنا الحقيقية على خارطة العلاقات الدولية المتحولة باستمرار و أبرز مثل حديث هو تخبط العرب في معالجة أزمات سوريا و العراق و فلسطين و الحركات الجهادية العنيفة التي بدأت تنتشر في الشمال الإفريقي. فقد فوجئنا بكل هذه الأزمات الأربعة حزمة واحدة لنفيق فجأة لنجد أنفسنا على فوهة أربعة براكين ذات حمم و لم نكن نتوقعها و لم نحسب لها حسابا و السبب الأصلي هو كما أعتقد إصرارنا الغريب على هندسة المستقبل و إدارة الأزمات بمعزل عن حقائق العالم من حولنا. فالملف السوري اندلع بمساره التقليدي منذ أكثر من عامين حين بدأت مطالب شعبية عادية تطفو على سطح المدن و الأرياف السورية و اعتقدنا مطمئنين أن مسار سوريا هو ذاته الذي عرفناه و عشناه في تونس و مصر و ليبيا و اليمن و لم نقدر أن لعبة الأمم الكبرى في سوريا تتجاوز حدود سوريا و حدود منطقة الشرق الأوسط لأن الحالة السورية تظل وثيقة الصلة و شديدة التفاعل مع مصير القوة النووية الإيرانية و استقرار لبنان و الأردن و تسرب العدوى للعراق مما يهدد بتغيير جذري في التوازن الاستراتيجي القائم باتفاق العمالقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. و نسجل أن اختلاف العرب حول أصول و مصير الملف السوري هو في الحقيقة اختلاف في تقدير مصالح بلدانهم حسب قرب أو بعد هذه البلدان عن مركز الزلازل و مدى ارتباط مستقبل أنظمتهم بالعمالقة الثلاث أمريكا و روسيا والصين. في النهاية نستخلص بأن الأزمة السورية ليست أمرا عربيا داخليا و لن تكون و لا نستبعد أن يتفق العرب على هذه الحقيقة فيتعاملون مع الأزمة تعاملا على الأقل يحقن الدماء البريئة و ينأى بسوريا عن الأيدي الخارجية التي قد تختلف فيما بينها و لكنها لا تقيم وزنا للدم السوري المسفوح. و لعل هذا الإدراك الذكي هو الذي حدا بالدوحة و واشنطن و أنقرة لدعوة مجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة للانعقاد حول الملف السوري الذي أصبح إنسانيا بالدرجة الأولى وكذلك نضع في نفس الخانة موافقة النظام السوري على المشاركة في مؤتمر جينيف 2 وهو ما يشكل مبادرة روسية أي كذلك غير عربية. أما الوضع في العراق فلا نرى له بصيص أمل لإنقاذ هذه البلاد العريقة من التقسيم على أيدي من يخدمون مصالحهم بكردستان مستقل و شيعة منكفئين على إقليم حر و سنة يتوحدون في شبه دويلة هربا من الطائفية المفرطة كما أننا أمام صعوبة عودة الوفاق الفلسطيني لا نلمح بارقة ضوء يبشر بتوحيد جهود المقاومة دبلوماسية كانت أم مسلحة في وجه محتل إسرائيلي لا يقدم أي بديل مقبول و لا يدرك أن حالة اللاحرب و اللاسلم سوف تنهكه هو قبل الفلسطينيين و تبقى دائرة الضوء مسلطة هذه الأيام على استفحال ظاهرة السلفية المسلحة في دول المغرب الإسلامي و تهديد القوى الفرنسية والأمريكية بالتدخل فيما تحسب باريس و واشنطن أنه مجالهما الحيوي. و بعد هذه المصائب هل من الممكن أن نواصل التخبط بدون تخطيط و بلا غايات حتى تخرج قضايانا من أيدينا لنتحول نحن أصحاب الشأن إلى متفرجين على هندسة مصائرنا؟
384
| 29 مايو 2013
لو قمنا بجرد أمين وغير منحاز لما تحقق للشعوب العربية من منجزات وما فقدته من مكاسب خلال السنتين الأخيرتين لقلنا من دون تردد إن بعض هذه الشعوب أصبحت في عداد الجماهير غير المحكومة وغير القابلة للنظام والقانون، أي تحولت من عهد دولة الاستبداد والقهر إلى عهد اللادولة، ومن مرحلة تجاوز القانون إلى مرحلة اللاقانون، ومن حالة التساهل مع الفساد إلى حالة التساهل مع الفوضى. وهنا تتساوى المصائب رغم اختلافها ولا يشعر المواطن بالأمان رغم تمتعه بحق التعبير والتظاهر. ولو أوجزنا الكلام لتوصيف هذه الظاهرة لقلنا إن بعض شعوبنا العربية عوضت محنة بمحنة وبدلت معضلة بمعضلة ولخلصنا إلى استنتاج بديهي لا مناص منه وهو أننا اليوم أمام هدف استعجالي علينا تحقيقه بأقصى السرعة وأقصى الحكمة، هو إعادة بناء الدولة، لا أي صنف من الدولة، حتى نتجنب تكرار الأخطاء التاريخية العربية، بل بناء الدولة القوية العادلة بابتكار أساليب جديدة تؤدي بالعرب إلى تأسيس أداة الحضارة والعيش المشترك والمواطنة الحقيقية وتقاسم الخيرات واجتناب الزلات وتنظيم المجتمع، ألا وهي أداة الدولة القوية العادلة المتفق ضمنيا على وظيفتها ورسالتها في المجتمع للحد من الرغبات الأنانية بواسطة القانون وتحقيق المساواة أمام القضاء. من أي منطلق أيديولوجي ننطلق لتحليل هذه المعادلة المعقدة، فلا بد من الإقرار بأن مصائب العرب الكبرى في تاريخهم الحديث كان مردها الأصلي غياب الدولة القوية العادلة، فأنظر إلى هزيمة العرب الأولى في حرب 1948 بين عصابات صهيونية وجيوش عربية حين أنجبت منظمة الأمم المتحدة كيانا لليهود بقرار نوفمبر 1947 اسمه دولة إسرائيل فرفض العرب قرار التقسيم الجائر بالفعل ولكنهم ارتكبوا ما هو أكثر منه جورا فأتاحوا للصهاينة تهجير الفلسطينيين وساعدوا أعداءهم على إفراغ مدن وقرى فلسطين وتشريد أهاليها (4 ملايين) تحت الخيام إلى يوم الناس هذا فقد كانت الدول العربية آنذاك هزيلة لأسباب عديدة وظالمة أيضا بكبت أي صوت مخالف أو أي رأي ناقد، فوقعت النكبة الأولى، وإلى يوم الناس هذا فإن المؤسسات الرسمية العربية غير قادرة على تنسيق مواقفها إزاء القضية الفلسطينية التي نسميها القضية الأم، بل إن معاملة بعض "الأشقاء" للاجئين (أو المقيمين) الفلسطينيين لديها لا تختلف عن معاملة إسرائيل، إن لم تكن أسوأ. وحل زمن النكبة الثانية عام 1967 حين قرر الزعيم جمال عبد الناصر وحده إغلاق خليج العقبة في 22 مايو وأقحم الأردن وسوريا في مواجهة لم يكن الملك الحسين ولا حافظ الأسد مستعدين لها وهنا فإن غياب الدولة الحديثة في مصر هو السبب الأكبر للكارثة، لأنه لو كان لعبد الناصر مستشارون ورأي عام حي ومجتمع مدني فاعل لما جرى نهر الأحداث بمثل ذلك الارتجال العاطفي المدمر، فقد كانت النخب المصرية (والعربية عموما) مكممة الأفواه إذا لم تكن في السجون والمنافي أو في غيابات الموت إعداما كما وقع للشهيد سيد قطب. وكانت أصوات مزوري التاريخ ومدلسي الحقائق والمنافقين (من صنف أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب) أقوى وأعلى من أصوات الناصحين والعارفين بمخاطر الأزمة. ومنذ الخمسينيات، أي مرحلة استقلال الدول العربية الحديثة، ونحن العرب نتخبط في ضلال سياسي مبين بسبب بناء الدولة على الشخصنة (عبادة الشخص) أو على التحزب (عبادة الحزب) أو على الأيديولوجيا (عبادة التعصب العقائدي مهما كان)، فحدث في غياب الوعي العربي الشعبي انحراف الدولة عن خدمة الناس كما هو شأن الدول العريقة المتقدمة إلى خدمة شخص أو حزب أو عصبية، فاستعصى العالم العربي عن النهضة الإنسانية العارمة حتى كتب الزميل المفكر الأمريكي من أصل هندي فريد زكريا صاحب افتتاحيات نيويورك تايمز كتابه حول التحولات الحضارية الكبرى سنة 2001 فأفرد العالم العربي بفصل سماه (الاستثناء العربي) وكنت في لقائي به بعد صدور الكتاب نشارك سويا في أحد المؤتمرات الدولية بالدوحة تحادثت معه طويلا حول رأيه في هذا الاستثناء العربي والبدائل التي يقترحها لكسر الاستثناء، فقال لي فريد إن الثقافة العربية تحمل جينات إرادة وتحد وجينات خنوع واستكانة وأن تفعيل الجينات الأولى الإيجابية ضد الجينات الثانية السلبية رهين النظام السياسي الذي سيختاره العرب في الأعوام القادمة (نحن في سنة 2002) ودرجة مشاركة الجميع في قراراته وتوجيهه، وأضاف فريد: "أنا أتوقع حدوث زلازل عنيفة في المجتمعات العربية ربما بعد عشرة أعوام"، (الغريب أن التحولات وقعت بالفعل بعد سنوات عشر). وواصل فريد كلامه قائلا: "الجينات الخيرة لدى العرب لا تنفجر وتتفاعل إلا متى قرأوا تراثهم بعيون التجديد والتحديث وابتكروا مستقبلهم على أساس أصالتهم الثورية، أي القيم المؤسسة للفكر العربي الإسلامي بعد التوفيق في ملاءمتها مع مستحقات العصر وكونية التحولات وهي ذات القيم الأصيلة التي صنعت نهضة العرب ورفعتهم وكبرياءهم خلال قرون طويلة من الخلافة الإسلامية (فريد يطلق عليها اسم الإمبراطورية الإسلامية) وكل هذه التحولات العميقة لن تتم إلا بتأسيس دولة مدنية حديثة تجمع بين التمكن من القوة واستعمالها في نصرة الحق وفي فرض الأمن وإلزام الناس بالقانون وبين توخي العدالة والقسطاس في سياساتها الاجتماعية وخياراتها الاقتصادية". لو نتأمل في الأولويات التي على العرب (بربيعهم وخريفهم وشتائهم) مواجهتها وإنجازها لوجدنا أن معضلاتهم الأساسية أسبابها الأولى هي فقدان البوصلة الوطنية والقومية، فقد ضاعت جماهير الناس الطيبين بين حركات جهادية ومنظمات حزبية ووعود وهمية، بينما تدرك هذه الجماهير الضائعة أن أمنها مفقود وأسعار الحياة اليومية اشتعلت وبأن مستقبل عيالها على كف عفريت. وهذا يفرض على النخب الحاكمة والمعارضة أن تشرع في إعادة الاعتبار للدولة القوية العادلة التي وحدها ستكون بوصلة المجتمع ومنارته الهادية في لجج هذا اليم العالمي المتلاطم المظلم.
489
| 22 مايو 2013
مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...
4485
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...
747
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...
720
| 20 يناير 2026
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...
669
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت...
651
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...
603
| 22 يناير 2026
لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا...
528
| 22 يناير 2026
عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر...
507
| 20 يناير 2026
«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...
459
| 21 يناير 2026
أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا...
447
| 19 يناير 2026
عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض...
432
| 19 يناير 2026
تُلقي هذه النشرة الضوء سريعاً على القوانين والمراسيم...
423
| 20 يناير 2026
مساحة إعلانية