رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تساءل بعض الظرفاء في بلادنا قائلا: ما دام لدينا ما شاء الله 111 حزبا معترفا بها جميعا وعلى رأسها 111 زعيما ومادام لدينا أعضاء فيها ما بين قاعديين وقياديين بمعدل 1000 عن كل حزب يعطينا الحساب 111000 مناضل فكيف نفسر والحالة هذه صمود الدكتاتورية وبقاؤها لمدة 23 سنة؟ لعل في الأمر سرا يجب على علماء السياسة والاجتماع فك ألغازه حتى يطمئن قلب المواطن العادي ويعرف على الأقل كيف ينتخب يوم 23 أكتوبر ولمن يعطي صوته. أما المراقب الأمين لمشهدنا السياسي في تونس فإنه يحاول استنطاق الواقع وتحليل الخطاب السائد هنا وهناك في حوارات الفضائيات وعلى أعمدة الصحف وفي منابر المواقع الاجتماعية ليدرك بأن العديد من الزعامات فوجئت بالثورة واستعملت وسائل مختلفة لكي تواكب الظرف الطارئ. وسمعت ذات يوم في إذاعة جهوية تونسية أحد زعماء حزب انقلب على مؤسس نفس الحزب واحتل موقع الأمين العام وجمع حوله بعض أنصاره وكان المذيع يستجوبه عن فترة 1987 وأين كان وقتها فكان الجواب طريفا وظريفا وهو كالتالي: "كنت عامها أشتغل في سفارة تونس بالعاصمة الفلانية (لا فائدة من ذكرها) وفتحت الإذاعة فسمعت خبر انقلاب زين العابدين بن علي على الزعيم بورقيبة يوم 7 نوفمبر فقلت إنها الكارثة لأني أعرف بأن بن علي سوف يتحول إلى دكتاتور!" وهنا جاء سؤال ذكي وشقي من المذيع لم يتوقعه السيد الأمين العام: "لمن قلت يا سيدي إنها الكارثة؟ لأي وسيلة إعلام؟ وأين نشر هذا التصريح المبكر والخطير؟" فتلعثم السيد الأمين العام ولكنه أجاب بعفوية وتلقائية وربما بصدق: "لا لا لم ينشر هذا الرأي أبداً لأني صرحت به في مجالس العائلة الخاصة!" وبالطبع نستخلص من عفوية هذا الزعيم الجديد بأن كثيرين مثله من النخبة تأكدوا هم أيضا من أن وصول بن علي للحكم كان كارثة وينذر بالويل والثبور وعظائم الأمور لكنهم تصرفوا مثل صاحبنا (حسب قوله وليس لدينا شاهد من أهله...) فأعلنوا في قرارة أنفسهم أو في سهرة عائلية ضمت زوجاتهم وأبناءهم بأنهم ضد الدكتاتورية ثم أصابتهم لعنة الصمت المطبق وتحلوا بفضيلة الرضاء بالقضاء والقدر على مدى 23 سنة إلى أن استشهد المرحوم محمد البوعزيزي وثار شباب تونس فاكتشفوا فجأة بأنهم زعماء وتذكروا مجلسا عائليا حميميا خريفيا همسوا خلاله همسا بمواقفهم تلك. وفي فضاء آخر صادف أن شاهدت على شاشة تلفزيوننا التونسي حوارا أجرته آنسة موهوبة ورقيقة لأحد الصحفيين الشعراء الهزليين الكاتبين باللغة الفرنسية وهو بلا شك أحد ضحايا تكميم الأفواه لكنه كان يستعمل أسلوب عنف لفظي لم يبلغه قلم سواه لا في تونس ولا في أية بلاد عربية وأصابتني الدهشة حين طلبت منه الإعلامية المهذبة أن يعرف نفسه للسادة المشاهدين فقال حرفيا: " أنا يا سيدتي كلب مكلوب" (هكذا حرفيا!) ولا أعترف لا بالنظام المخلوع ولا بالنظام الحالي ولا بالنظام القادم ولا بأي نظام. كما لا أعترف بالمعارضة يمينا يسارا ومهنتي ككلب مكلوب هي أن أعض الجميع!" وعرفنا أيضا من الرجل أنه ينتظر جائزة نوبل للآداب! هذا نموذج آخر من نماذج ما بعد الثورة. ولا أخفيكم أيضا مدى عجبي من عمليات مسخ شامل أصابت بعض صانعي ومهندسي الاستبداد المعروفين فتحولوا بقدرة قادر إلى ضحايا "النظام السابق" ورسموا لأنفسهم لوحات وردية وهمية تقدمهم لشباب تونس على أنهم كانوا ناصحين للرئيس السابق بل وادعى بعضهم أنهم نبهوه إلى مواقع الفساد لدى زوجته وأصهاره ولكنه عوض أن يقاوم الفساد قاومهم هم وأبعد بعضهم (لاحظوا أن الإبعاد لديهم هو تغيير الوزارة أو تعيينهم فيما كان يسمى بمجلس المستشارين بنفس راتب الوزير تقريبا). وأنا أقدر حق أقدارهم أولئك الوطنيين الذين كانوا بالفعل مضطهدين ومشتتين في أصقاع الأرض أو في السجون وأسهموا في إنضاج الثورة بكفاحهم تراهم اليوم متعففين صامتين يمنعهم الحياء من تزعم الثورات أو حتى المطالبة باستعادة حقوق مشروعة تاركين مهمة إنصافهم للتاريخ. بالطبع أيها القراء الكرام فإن بعد كل حراك شعبي مرحلة من فقدان البوصلة أو غياب الرؤية سوف تترك المجال لإصلاح عميق وميلاد مؤسسات الدولة الحديثة العادلة، لكني مؤمن أشد الإيمان بما كنت قلته عديد المرات في مناسبات مختلفة وهو أن مخاطر الحرية أقل بكثير من مخاطر الاستبداد.
389
| 12 أكتوبر 2011
نشرت الصحيفة البريطانية العريقة في عدد الأربعاء 5 أكتوبر يوم أمس مقالا تعجبنا من محتواه على صحيفة معروفة بالتحري و الاعتدال و النزاهة مفاده أن لدولة قطر دورا وصفته بالمثير للجدل في ملف الشقيقة ليبيا و أوحت بأن هذه الأجندة تتلاءم مع مواقف وخيارات كل من الولايات المتحدة و فرنسا و بريطانيا مشيرة إلى "دعم" يلقاه بعض الإسلاميين الليبيين من دولة قطر و ذكرت اسما غلطا "عبدالعزيز بلحاج" وهي تقصد عبدالحكيم بلحاج كما ذكرت اسم الدكتور علي الصلابي. و أنا من منطلق معايشتي الطويلة للدبلوماسية القطرية و أتكلم باسمي الشخصي لا أدرك كيف توصلت الصحيفة إلى هذا الاستنتاج؟ فالدور الذي لعبته قطر على ساحة الوفاق العربي منذ عقد و نصف لم يعد محل شك أو مزايدة وهو دور انطلق من عقيدة سياسية و أخلاقية تؤمن بأن المعضلات العربية الداخلية تحتاج إلى من يتوسط بين الفرقاء لحلها و من يتجرأ بشجاعة على مواجهتها. و النجاح القطري في القضية اللبنانية أكبر دليل على حكمة هذا التوجه السليم. ثم جاء دور الوفاق الفلسطيني فاجتمعت كل أطرافه في الدوحة و بدأ العد التنازلي للأزمة الداخلية الفلسطينية كما جاء الدور على السودان فتوقفت الدبلوماسية القطرية إلى تجاوز الخلافات في ملف دارفور كما تجاوزته في ملف الشمال و الجنوب. و حظي الملف اليمني أيضا باهتمام الإخوة القطريين. ثم جاءت الأزمة الليبية مباشرة بعد الثورتين التونسية والمصرية لتطرح إشكالية الديمقراطية و الحريات و حقوق الإنسان في العالم العربي بقطع النظر عن الحساسيات و الانتماءات لمختلف الفصائل فرأت الدبلوماسية القطرية أن من رسالتها الأخوية النبيلة و المنصوص عليها في مواثيق منظمة الأمم المتحدة و جامعة الدول العربية و منظمة المؤتمر الإسلامي أن تتقدم المجتمع العربي و الدولي للقيام بواجبات إنسانية لمساعدة ضحايا الأزمة الليبية وتضميد جراحاتهم و السعي الجاد و الحازم لتقصير مدة معاناتهم على الصعيد الإقليمي و الدولي. و كان الدور القطري محل ترحاب و دعم و إشادة من عديد المنظمات الدولية و من جامعة الدول العربية و من مجلس التعاون و بالطبع من كل فصائل ليبيا الجديدة الحرة. فأي أجندة أسمى من هذه المبادئ و القيم الإنسانية والتضامنية التي كانت قطر رائدة في تجسيدها بعيدا عن كل الحسابات الضيقة والصفقات المشبوهة؟ إن قطر تعمل و تناضل لتكون عنصر أمن و استقرار وسلام ويتحول الشرق الأوسط إلى مرحلة البناء والتقدم في كنف الحداثة والعدالة.
564
| 06 أكتوبر 2011
عبارة علاقات أكبر وأعمق هي حرفيا التي نطق بها معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية قطر أثناء زيارته القيمة التي قام به لما سماه هو نفسه وطنه الثاني تونس خلال الأسبوع الماضي. وأكد معاليه أن الزيارة تمت بتوجيه سام من لدن حضرة صاحب السمو أمير البلاد ومن ولي عهده الأمين حفظهما الله. ولعله من نافلة القول التذكير بما تم إنجازه خلال هذه الزيارة الأخوية المباركة من دعم أواصر القربى والتعاون والمحبة بين الشعبين الشقيقين حيث ستتحرك الحكومة التونسية بصفة أيسر وأسرع على طريق الإصلاح والتشغيل بفضل نصف المليار دولار سندات قرض بضمان قطري كريم وبفضل المشاريع الكبرى التي ستنطلق بتمويل شركة الديار القطرية وأبرزها مشروع المهدية (بن غياضة) ومشروع توزر السياحي الضخم ومشروع وسط مدينة سوسة الذي سيبعث الحيوية والحركية في قلب هذه المدينة المتوسطية الرائعة. كما أنه من المؤمل انطلاق مشروع مصفاة الصخيرة على أيدي شركة قطر للبترول الدولية بعد أن تم تعليقه لأسباب لم تعد اليوم بعد الثورة قائمة بل حلت الشفافية محل التعتيم. واستمع الرأي العام التونسي باعتزاز تلك المعاني النبيلة التي عبر عنها معالي الشيخ نحو تونس وافتخر أعضاء الحكومة التونسية بالثقة التي تحظى بها بلادنا لدى الدولة القطرية. وهو ما أكده الوزير الأول التونسي السيد الباجي قايد السبسي الذي ذكر أن دولة قطر كانت السباقة والرائدة في تعزيز الثورة التونسية ومباركة إرادة الشعب التونسي. وهاهي اليوم تقف إلى جانب تونس في مواجهة صعوبات تنموية ظرفية ستزول بإرادة الشعب وتضامن الإخوة معنا من أجل تجاوز العسر الراهن. واليوم يحق لنا التفاؤل وأكثر منه أي التحلي بروح المبادرة والتشمير عن سواعد الجد لتحقيق ما اتفق عليه الجانبان القطري والتونسي من معاهدات واتفاقيات تشمل كافة قطاعات الاقتصاد والمشاريع الكبرى وتعاون المؤسسات المصرفية والتأمينية والجمركية والخدماتية بين البلدين وتشمل أيضا مختلف مجالات السياسة والقضاء والإعلام والتعليم والمنظمات الاجتماعية وكذلك التعاون في الميدان العسكري والأمني. هذه المجالات التي تم إقرارها بين الجانبين على مدى اجتماعات اللجنة العليا المشتركة بين الحكومتين. ولا شك في أن هذا التعاون الثنائي مرشح لما سماه معالي الشيخ الانتقال إلى مرحلة أكبر وأعمق. فتونس تحظى لدى قيادة قطر بثقة غالية وهي رصيد ثمين يجب الحفاظ عليه ودعمه خاصة في عهد ما بعد الثورة التونسية وما بعد انتخابات 23 أكتوبر القادم. فالجالية التونسية العاملة في دولة قطر منذ عقود أكدت لإخوتنا القطريين أن التونسي يتحلى بالكفاءة والأمانة ويبذل قصارى جهده لأداء رسالته وتبييض وجه تونس بسلوك أخلاقي ومهني يشرفه ويرفع من مكانة بلاده في وطنه الثاني الذي أواه ومنحه كل حقوقه ووفر له ولأسرته وعياله حياة كريمة ودراسة راقية وتأمينات ضد المرض وضد غوائل الدهر. ولعل كل هذه الجسور الراسخة المؤسسة بين البلدين هي التي ستضاعف من أعداد المواطنين التوانسة العاملين في دولة قطر حيث التزمت الدولة التونسية بإعدادهم الإعداد الجيد قبل حلولهم بالدوحة من حيث التعرف المسبق على عادات الشعب القطري الشقيق وتقاليده وقوانينه وتشريعاته إلى جانب تقوية معرفتهم باللغة الإنجليزية ومهارات المهن التي سيمارسونها حتى تكون المدة التي يقضونها في قطر مرحلة متميزة من العطاء والتعاون وربط أواصر المودة. إن عهد إغلاق السفارة التونسية وقطع العلاقات بين البلدين لأسباب مزاجية قد مضى وانقضى مع النظام التونسي السابق وجاء عهد المسؤولية والارتفاع بالعلاقات القطرية التونسية إلى الدرجة العليا التي تستحقها لأن قطر بفضل دبلوماسيتها الجريئة ومواقفها الرائدة أصبحت بشهادة الجميع منارة عربية وإسلامية تهتدي بها الشعوب العربية والمسلمة لتدشين عصر الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد أثبت التعاون القطري التونسي في مساندة إرادة الشعب الليبي أن تنسيق الجهود بين الحكومتين وبين منظمات البلدين يؤتي أكله الكريم لفائدة كرامة المواطن الليبي وسيادته على مصيره. فاليوم يعتز التونسي العامل في قطر بأن سفارة بلاده مفتوحة بالدوحة وأن علم تونس يخفق فوقها وعلى رأسها أحد الدبلوماسيين المتميزين المتحمسين لإنجاز مختلف ميادين التعاون والتكامل والتضامن بين الشعبين.
540
| 02 أكتوبر 2011
استحوذت رحلة رجب طيب أردوغان إلى مصر وتونس وليبيا ولقاؤه مع أبو مازن في القاهرة على أضواء التحليل والتعليق بعد أن زار الرجل بشجاعة أرض الصومال وتعاطف مع شعبها الجائع والمريض واحتضن أطفالها المحرومين حتى من الماء والدواء وكسرة العيش. رجب طيب أردوغان هو النجم الصاعد وهو الأمل الواعد بالنسبة لأكثر من سبعين في المائة من الشباب العربي حسب تقديرات استطلاعات رأي جدية هذه الأيام وليس هناك سر محير في الأمر لأن شباب العرب كشباب أمم الدنيا يحتاج إلى منارات تهديه في غياهب الدجى الراهن ويبحث بالفطرة عن زعماء أمناء يعبرون عن طموحاته المشروعة ويحققون أحلامه المجهضة ويرسمون له خرائط الطريق. كان ذلك حال الشباب الإفريقي حين وجد في المناضل الكبير نيلسن مانديلا ضالته لأنه حرر بلاده بل وقارته من الميز العنصري، كما كان ذلك حال الشباب الهندي في الأربعينيات حين جسد المهاتما غاندي عبقرية الأمة الهندية وأيضا شباب باكستان حين تولى محمد علي جناح قيادة إنشاء الدولة الباكستانية المسلمة. أما في العالم العربي فالتاريخ الحديث يؤكد لنا بأن الزعامات المتألقة التي حررت شعوبها انتهت في معظمها إلى دكتاتوريات عاتية بسبب التشبث العربي بالكرسي إلى مالا نهاية والتخطيط عادة للتوريث. فخاب أمل الشباب العربي في "الجملكيات" العربية التي تحولت إلى " مخابريات " عربية. وهنا جاء رجل عصامي تركي تخرج من تحت عباءة أستاذه طيب الذكر نجم الدين أربكان وأدرك حين ترأس بلدية اسطمبول بأن طاقة الحضارة الإسلامية يمكن أن تعبئ شعبا وتجند شبابا دون الوقوع في فخ التطرف والمغالاة ولا ننسى بأن أربكان هو الذي كان يقول: " إن الإسلام حضارة وليس مجرد دين وقيمه الخالدة هي التي تشكل دينامو السياسات حتى العلمانية منها" وهو القائل كذلك: " أفضل أن تكون تركيا هي الأولى في دار الإسلام على أن تكون الأخيرة في الاتحاد الأوروبي". وقد سعى رجب طيب أردوغان إلى تجسيد حي وعملي وموضوعي لهذه الشعارات. فالحكومة التركية المنبثقة عن قيم الإسلام الحنيف برئاسته أيقنت بأن دول الاتحاد الأوروبي لن تقبل بعضوية تركيا في اتحادها لأسباب عنصرية ودينية دفينة لا تفصح عنها لكنها تطبقها رضوخا لرداءة اليمين المعادي للمسلمين. وبدأ أردوغان مسيرة استقلال القرار التركي عن الإملاءات (أو لنقل الشروط) الأمريكية وعامل إسرائيل الغاشمة بما يتناسب مع بطشها الأرعن، وتقرب من محيط تركيا الجغرافي والحضاري بدبلوماسية أحمد داود أوغلو لينشأ فضاء التعاون الاقتصادي مع كل من إيران وسوريا وأقام علاقات قوية مع جناحي فلسطين: فتح وحماس. وها هو اليوم يدشن عصرا ذهبيا من التحالف الإستراتيجي مع عرب ما بعد الثورات ويؤسس للباب العالي الجديد من دون هيمنة السلطان العثماني ولا ادعاء التفرد بالقرار المركزي. ثم إن أردوغان داخليا وفي عقر دار تركيا يتربع على عرش مؤقت ومريح فقد أوصل بلاده إلى رتبة القوة الاقتصادية الخامسة عشرة في العالم والخامسة أوروبيا وحقق نسبة نمو سنوية لم يعرفها العالم إلا في الصين وأرسى قواعد ديمقراطية حقيقية تبدأ من انتخاب لجنة الحي إلى البلدية إلى مجلس النواب إلى رئيس الجمهورية. وتجرأ من جهة ثانية على أركان الجمهورية التركية ودستورها فحد لأول مرة في تاريخ تركيا من تدخل قيادة أركان العسكر في شؤون الدولة وطالب بمراجعة الدستور الحامي للعلمانية. مما أعطى الحكومة حرية الالتفات إلى السياسة الخارجية لكي تعدل مسارها وتصحح خياراتها وبالتالي تقود إقليم الشرق الأوسط إلى فضاء سلام أعدل وأبقى وأرسخ. وهكذا فإن الباب العالي الجديد يعرض على العرب نموذجا حضاريا وليس سياسيا فحسب لأنه ينبه النخب العربية إلى أن علمانية الدولة لا يعني "كفرها" وأن قيم الإسلام لا تتناقض مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وأن الحكومات إذا ما كانت منبثقة من إرادة شعوبها تصبح أقوى وأن أخطر عدو لاستقرار الدول وأمنها يكمن في التشبث الأبدي بالحكم. فليعتبر أولو الأبصار.
523
| 28 سبتمبر 2011
يتذكر القراء العرب الألقاب و النعوت التي أطلقها الإعلام على الانتفاضات الكبرى التي هزت عددا من المجتمعات العربية منذ شهور فوصفت التونسية بثورة الياسمين حينا والمصرية بثورة الكرامة حينا آخر و اليمنية بثورة الحرية و الليبية بثورة عمر المختار والسورية بثورة الأحرار إلى آخر قائمة الاجتهادات. و توحي كل هذه التسميات بأن الشعوب قامت ثائرة ضد منظومة حكم داخلي لم تتغير و لم تقرأ حسابا لطموحات الأمة ولم تسمع لأصوات الشباب و لم تتأقلم مع متغيرات العصر من تكنولوجيا الاتصالات التفاعلية حتى أن بعض المراقبين الدوليين أطلقوا على الثورات العربية اسم ثورات الفيسبوك وبعضهم الآخر ابتهج بما سماه الربيع العربي. و بالطبع فإن هذه النعوت صحيحة لكنها صحيحة نسبيا و جزئيا. فقد وقع إهمال البعد الدولي في الثورات أي بعد السياسات الخارجية العربية التي استهدفها الشباب العربي الغاضب. فلم تكن الثورات تنطلق حصريا من البطالة و التهميش و الفساد و الاستبداد فحسب بل انطلقت أيضا من رصيد الغضب الكامن في ضمائر الناس من سياسات الخنوع لإملاءات القوى الخارجية التي مع الأسف تساند ظلم المحتل الإسرائيلي لشعب عربي شهيد و مقاوم هو الشعب الفلسطيني البطل. فالحكومات العربية التي لها تماس مع فلسطين لم تناصر هذا الشعب الشقيق بما تفرضه أخلاقنا أولا و بما تقتضيه حتى مواثيق الدفاع العربي المشترك التي وقعها العرب. فالشعور السائد لدى جماهير العرب هو أن مصر واصلت سياسة كامب ديفيد و أوصدت معبر رفح و استقبل رئيسها مبارك كل القادة الإسرائليين دون أي ثمرة تقطف لصالح القضية العادلة بل بلغ التردي في مصر درجة كون وزيرة الخارجية الصهيونية (تسيبتي ليفني) أعلنت من القاهرة حربها على قطاع غزة. و لم يكن عمرو موسى أفضل حالا لأننا رأيناه يضحك مع بعض وزراء الخارجية العرب ملأ الأشداق بينما غزة ما تزال تحت النار و الرصاص المسكوب. أما تونس في عهد رئيسها السابق بن علي فتوجت دبلوماسيتها بفتح مكتب في تل أبيب و عينت على رأسه دبلوماسيا برتبة سفير. و في سوريا بلد الممانعة يعرف كل الناس أنه لم تطلق رصاصة واحدة ضد المحتلين الصهاينة للجولان على مدى نصف قرن. و جاءت أحداث الجمعة 9 سبتمبر أيلول في القاهرة حول سفارة إسرائيل لتعيد هذا البعد الحساس و الهام إلى دائرة الضوء ليدرك العالم بأن للثورة العربية أبعادا دولية ربما أوجزناها في إرادة تغيير العلاقات الدولية العربية من مرحلة الخنوع المخجل لصلف إسرائيل و حاميها الكفيل الأمريكي المؤيد للظلم الصهيوني بلا ضوابط إلى مرحلة التعبير الحقيقي و الكامل لإرادة الناس أي ابتكار سياسة خارجية جريئة كالتي انتهجتها الدبلوماسية التركية حتى و تركيا تحترم مستحقات عضويتها لحلف الناتو. و هنا لا بد من التذكير بحادثتين هزتا الضمير العربي و المسلم خلال السنة الأخيرة : الأولى هي العدوان السافر على أسطول الحرية و استشهاد تسعة مواطنين أتراك جندلهم رصاص الجيش الإسرائيلي على ظهر الباخرة المسالمة المتجهة نحو كسر الحصار الجائر على قطاع غزة و التي تلاها موقف رجب طيب أردوغان المشرف و الذي أعاد بعض النخوة للأمة. و نذكر كيف تعاملت حكومة تركيا مع الصلف الإسرائيلي دون ضغوط من الشارع التركي حيث عبر رئيس الحكومة أردوغان عن غضبة مشروعة برد الإهانة الدبلوماسية و مغادرة حوار جمعه مع شيمون بيريز ثم إعلان التحرك للأسطول التركي في البحر الأبيض لحماية سفن السلام. و الحادثة الثانية هي قتل خمسة جنود مصريين على الحدود برصاص الصهاينة و بدم بارد رغم وجود معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل. وفي هاتين الحادثتين تأكد للرأي العام العربي و المسلم بأن ناتنياهو يرأس حكومة قمع و غطرسة و قوة واصلت ما بدأه شارون مع العدوان على غزة الشهيدة منذ أعوام خمس. و الأهم أن الشباب العربي الذي أنجز إرادة الشعب المصري بالقضاء على نظام حسني مبارك أدرك بأن الوقت حان للاعتبار بما حدث على الحدود و أصبح يطالب بإعادة النظر في المعاهدة المصرية الإسرائيلية و في اتفاق تصدير الغاز المصري للعدو. وهنا يأتي البعد الدولي للثورة المصرية الذي لم يتوقعة المجلس العسكري الأعلى و الذي يرأسه المشير طنطاوي (20 عاما وزيرا للدفاع مع مبارك). على خلفية هذه الأحداث و استباقا للمستقبل قرأنا التهديد الواضح الصادر عن الجنرال إيال أيزنبرغ قائد الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي للشعوب العربية حين قال يوم الجمعة 9 سبتمبر بأنه يتوقع حروبا بين إسرائيل و الدول العربية التي حققت ثوراتها مؤكدا أن هذه الثورات تهدد أمن إسرائيل. الحقيقة و الخلاصة أننا أمام تغييرات جوهرية في منظومة العلاقات الدولية برمتها بدءا من مساندة عربية قوية و فعلية لحقوق الشعب الفلسطيني على ضوء انحسار بطش إسرائيل و تحمل الشعوب العربية لأمانة مصيرها.
998
| 14 سبتمبر 2011
ستظل سنة 2011 منارة حضارية على مدى عقود قادمة فهي التي شهدت انهيار منظومتين جائرتين نشأتا تقريبا في نفس اللحظة التاريخية مع نهاية الحرب العالمية الثانية منذ خمسة وستين عاما. المنظومة الأولى هي ما يطلق عليه نظام بريتن وودس (اسم القرية الأمريكية التي شهدت توقيع اتفاقية النظام النقدي العالمي الراهن بين عالم الاقتصاد البريطاني كاينس وكاتب الدولة الأمريكي للمالية وايت يوم 22 يوليو- جويلية 1944) والمنظومة الثانية هي النظام الاستبدادي العربي الذي نشأ خجولا مع انقلاب اللواء حسني الزعيم في سوريا ثم ترعرع عملاقا مع انقلاب الضباط الأحرار في مصر بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر وانتقلت عدوى الانقلابات بسرعة إلى تونس حيث انقلب بورقيبة على ملكها سنة 1957 وانقلب عليه الجنرال زين العابدين بنفس الطريقة سنة 1987 وجاء دور العراق سنة 1958 ثم سوريا بلا انقطاع إلى آخر انقلاب على الدستور الذي أتى ببشار إلى السلطة عام 2000 وإلى اليمن السعيد منذ انقلاب المشير عبد الله السلال إلى وصول علي عبد الله صالح للحكم منذ 33 عاما ثم السودان باستمرار وليبيا حين انقلب ضابط شاب مجهول اسمه معمر القذافي على الملك إدريس سنة 1969 وقبلها الجزائر حين أقصي الرئيس بن بلا وجاء هواري بومدين سنة 1964 وعاشت موريتانيا مسلسلات الانقلابات وحكومات "الإنقاذ" المتعاقبة وكثرت محاولات الانقلاب في تونس والمملكة المغربية دون أن تؤدي إلى تغيير أنظمة الحكم. وهكذا استقرت في العالم العربي مشرقه ومغربه منظومة جائرة من الدول التي تنشأ في لحظة غفلة تاريخية ويصبح الهاجس الأول لرأسها هو الحفاظ على الكرسي مهما كانت الوسائل وضاعت مصالح الشعوب المغلوبة على أمرها والمقهورة في منظومة الاستبداد حيث حلت التعليمات محل القوانين وحلت عمليات التمديد والتوريث محل الجمهوريات المعلنة والمغشوشة واستعد رؤساؤها المخلدون لتمرير التركة وتسليم الشعوب للأبناء بل وللزوجات أحيانا كأنما تحولت الشعوب إلى قطعان غنم ترعى الكلأ يجوز توريثها وحل الأوفياء محل الأكفاء واعتلى المنافقون والجهلة سلم المناصب عوض المثقفين والوطنيين. وكاد اليأس يدب في مفاصل المجتمعات العربية بسبب طول مدد الحكم وتعود الناس على حياة الضنك والحرمان من حقوقهم وحرياتهم لولا هبت رياح تونسية غير متوقعة واستعادت تفعيل بيت شعر قديم لأبي القاسم الشابي شاعر تونس المتوفى سنة 1934 عن سن الرابعة والعشرين: إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر. و انهارت منظومة الظلم العربي كما انهارت منظومة الظلم العالمي فزلزل الدولار في الولايات المتحدة كما زلزل اليورو في الاتحاد الأوروبي وانتقلت عدوى المظاهرات إلى أثينا ومدريد وباريس وروما حيث رفضت الجماهير الغربية علاج أزمات اقتصاداتها بالترقيع والتلفيق والتقشف ونددت بضخ المليارات في موازين الدول المسحوقة بالديون أو في خزائن المصارف المفلسة والمتلاعبة بخبز وعرق الجماهير. إنه التقاء الغضب العربي بالغضب الغربي في المطالبة بمنظومتين جديدتين عادلتين تعوضان التقاليد البائسة الجائرة. والغريب أن الشباب العربي في سيدي بوزيد والقاهرة ومسراطة ودير الزور وصنعاء والشباب الغربي في باريس ومدريد وأثينا اكتشفوا أن الداء العميق والحقيقي هو استمرار فكر الاستبداد وتواصل نظام بريتن وودس وهما يلتقيان حول مشروع دولي قديم تقرر بعد انتصار الحلفاء على النازية ويقوم على اغتصاب الضمائر وطمس الحقائق وإقامة حكومة الظل في منهاتن المشكلة من الشركات العملاقة عابرة القارات والتي تتحكم في مصائر الأمم بتنظيم مسرحيات الديمقراطية الزائفة وتقنين عمليات السلب والنهب في دول العالم الثالث ومن بينها بعض الدول العربية بإنشاء وكلاء سلطة مؤتمرين بأمرها لا يدينون لشعوبهم بانتخابهم بل يدينون لأسيادهم في عواصم القهر بإبقائهم وتأييدهم في الحكم. ليس من الصدف أن يقرع عام 2011 أجراس النهاية أو بداية النهاية لمنظومتين ظالمتين مترابطتين جسدتا منذ ثلاثة أجيال انتصار القوة على الحق وجاءت أحداث 2011 لتكرس انتصار الحق على القوة. ونرى اليوم مثلا تغيير المعادلات والحسابات الإسرائيلية المعتمدة على البطش لتتحول العلاقات الدولية هي أيضا إلى فضاء جديد من استعادة الشعوب لحقوقها وحرياتها بفضل تضحيات شبابها. إنه المنعرج الأهم في مطلع هذا القرن.
418
| 31 أغسطس 2011
لم نتعجب من الأصداء السريعة لمواقف الغرب باتجاه أحداث ليبيا وسوريا خلال الأيام الأخيرة لأن الأمر يتعلق بإعادة تشكيل العلاقات الدولية على أسس إستراتيجية مختلفة في إقليم البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط شديد الحساسية والذي تنعكس التطورات فيه على العالم بأسره بسرعة وبطريقة العدوى منذ ثلاثة آلاف سنة. وسيدرك الرأي العام بعد سنوات وبعد أن ينجلي الستار عن الوثائق بأن للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أدوارا خفية في كل ما وقع في العالم العربي والإسلامي منذ خروج المظاهرات التلقائية إلى سقوط الأنظمة القديمة وتتواصل هذه الأدوار إلى اليوم حين نرى الأزمة الدبلوماسية الخطيرة بين مصر وإسرائيل بسبب استشهاد جنود مصريين ونرى اقتراب التغيير في ليبيا وأيضا حين نسمع صوت النار بين جيشنا التونسي البطل وعصابات مجهولة تسللت من الجوار يوم السبت الماضي. فالمغرب العربي كما المشرق العربي يقع في منعطف طرقات الجغرافيا والتاريخ والحضارة بين قارات إفريقيا وأوروبا وآسيا، ويحملان بالطبع هموم التحولات العملاقة التي تطرأ على العصر من جراء العولمة وإلغاء الحدود وانتقال الأفكار والإيديولوجيات والبشر والبضائع بخيرها وشرها بين الأمم واستمرار منطق الغرب في نسج مناطق النفوذ والحفاظ على مصالحه هو فقط. ثم إن التاريخ الحديث الذي يتشكل أمام عيوننا المبهورة بقيام حركات الكرامة والحريات منذ أشهر قليلة ما هو سوى امتداد حضاري للهزات المذهلة التي غيرت خارطة العالم الإستراتيجية منذ سبتمبر 2001 هذا الزلزال الذي نحيي ذكراه العاشرة هذه الأيام. وقد عزز ذلك المنعرج التاريخي سرعة انتقال بذور العنف من المشرق إلى المغرب بسبب اتساع وسائل الاتصال وانتشار أجهزة الإعلام والتحام شعوب العرب والمسلمين أمام القهر والتحديات والمظالم. فالذي حدث في العالم الإسلامي مع القرن الحادي والعشرين هو ميلاد القاعدة أي في الحقيقة نوع جديد غير مسبوق من العنف الأعمى الذي يواجه بعنف أعمى هو الآخر إلى أن بدأ العرب والمسلمون يعيدون قراءة واقعهم بعيون مختلفة ويحاولون بناء دول الحق والعدل وحقوق الإنسان بعيدا عن دول الاستبداد وعن أيديولوجيات الوهم. فالقوى العظمى كالولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي أو الصاعدة كالصين أو التي كانت إمبراطوريات ثم أفل نجمها كفرنسا وبريطانيا تسعى جميعا إلى تقاسم غنائم الربيع العربي الراهن في مطلع القرن الحادي والعشرين تماما كما تقاسمت الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية غنائم العالم الإسلامي العثماني في بداية القرن العشرين بواسطة معاهدة سايكس بيكو يوم 16 مارس 1916. نعم! إن التاريخ كما يقول فرناند برودل فيلسوف التاريخ مسلسل إعادة إنتاج للفواجع الإنسانية بأشكال مختلفة، لكن بذات المنطلقات ونفس الآثار والتداعيات الفادحة. ونحن العرب إذا لم نستيقظ على هذه الحقائق الخالدة والنواميس الدائمة في منطق التاريخ سنجد أنفسنا بعد صفقات تقاسم الغنائم مجرد بضاعة بخسة الثمن في سوق المزايدات الدولية بلا أي تحكم في مصائرنا. فمشروع الاتحاد المتوسطي الذي يدعو إليه ساركوزي مثلا لا يخفي برامجه وراء الأصباغ والمساحيق، بل يعلن بأن الغايات الأمنية (لحماية الاتحاد الأوروبي!) هي الأولوية لباريس مع تأكيده بأن أولوية الدبلوماسية الفرنسية هي أمن إسرائيل أولا ثم إنشاء دولة فلسطينية ثانيا مع أن الرئيس الفرنسي هو سيد العارفين بأن العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 1967 جعل تأسيس دولة فلسطينية أمرا مستحيلا! اللهم إلا إذا لجأت فلسطين وهي موحدة للأمم المتحدة الشهر المقبل لفرض حقها. وبالطبع فإن الهدف الأوروبي نبيل مشروع لكن هل يمكن حماية أوروبا من أشباح التهديد الإرهابي دون إيجاد الحلول الجذرية والعادلة والشاملة لقضايا فلسطين والعراق وأفغانستان؟ وهل يكفي أن تنسق الدول على ضفتي المتوسط جهودها في البر والبحر حتى يغيب شبح العنف نهائيا؟ إن الغرب بما فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا يزال يتردد أمام مأساة شعب فلسطين وأمام الثورات العربية التي نحتاج إلى تضامن دولي. أما حماية أوروبا من الهجرة السرية فلن تنجزها بعض خافرات السواحل حتى لو اجتمعت قيادات الحرس الحدودي في الاتحاد المتوسطي شمالا وجنوبا وشرقا غربا، لأن الحل الجذري إلى جانب الحراسة الحدودية هو إقامة الشراكة الاقتصادية الحقيقية بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب والذي ظل حبرا على ورق برشلونة واتفاقيات خمسة زائد خمسة منذ عشرة أعوام. مع أن أوروبا تعلم بأنها هي ذاتها لم ينقذها ولم ينهض بها بعد ويلات الحرب العالمية الثانية سوى اتفاق شراكة مارشال الذي أنفقت فيه واشنطن على الحليف الأوروبي المعاق 68 مليار دولار! فماذا تفعل فرنسا وأوروبا اليوم تجاه المغرب العربي وهو الإقليم الذي يشتبك أمنه مع أمن أوروبا التي لا تبعد عنه سوى 14 كيلومترا وكذلك يرتبط نموه الاقتصادي بنمو أوروبا أكثر بكثير من بلدان أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى أن وشائج الثقافة. التاريخ والحضارة شكلت جسورا طبيعية بين شمال وجنوب البحر المتوسط.
485
| 24 أغسطس 2011
أنا حين أقرأ التاريخ بعيون الباحث عن الحقيقة فإن غايتي هي إثبات التلاعب بالواقع ومراوغة القانون بالأمس كما باليوم لطمس حقيقة بيولوجية أو إنسانية أو اجتماعية تتمثل في أن التعدد في بعض الحالات المحدودة واقع قائم تمليه الضرورة نحاول نحن إخفاءه أو تدليسه بأقنعة مختلفة ونستره بما تيسر لنا من الأوهام القانونية والتجميلات الاجتماعية لكي يقال عنا في الغرب أننا مثلهم، وهي رغبة المغلوب في تقليد الغالب! في حين أن الغرب نفسه يعيد النظر بصورة دورية في قوانينه! ولا أفهم اليوم كيف يعتبر بعض نخبتنا التونسية مجلة الأحوال الشخصية مكسبا بعد أن وقع منذ 1992 إلى 2010 استعمالها أداة ديماغوجية قيست بنودها المضافة على قياس ساكن قصر قرطاج وزوجته (تماما كالدستور) فلم تبق المجلة كما أرادها بورقيبة والشيخ جعيط نتيجة اجتهاد إسلامي لحماية الأسرة وإنصاف المرأة بل تحولت إلى سيف مسلط على الزوج فقط بفصول جديدة غريبة لا نجد مثلها حتى في السويد والنرويج. وأصبحنا نرى كل ذكرى 13 أغسطس تتحول إلى عماية ابتزاز سياسي بدعوى دعم المجلة بفصول جديدة مصحوبة بخطاب "السيدة الأولى" وتصفيق النساء المتغربات، كأنما الرجل وهو عماد الأسرة وحاميها أصبح العدو اللدود والمتسلط القاهر ووقع التغرير بالمرأة "قانونيا" بحيث وقع تعويض المحبة والرحمة بينها وبين الرجل بالمحامي والمحكمة ورأينا في أغلب الأسر حروبا أهلية وفقد الزوج هيبته المشروعة ولم يعد أولاده يقدرونه. إن المكسب الاجتماعي هو المجلة التي تركها بورقيبة أما ما جاء بعد 1992 تاريخ زواج بن علي من ليلى فهو ليس مكسبا بل هو تدليس. ولا يظن بعض الشباب أني أدعو إلى النكوص والتراجع عن المكاسب بعد أن كنت أحد المدافعين عنها في مواقع عديدة، بل إنا أدعو لوضع قانون الأحوال الشخصية موضع دراسة وتحاور علماء الاجتماع والقانون والاقتصاد والدين لتقييمه بعد نصف قرن، لا كما فعلنا مع سياسة تحديد النسل التي أوصلتنا إلى تصحر ديمغرافي وتفشي العنوسة وتأخير الإنجاب وشيخوخة الشعب حسب الإحصاءات الرسمية،لأننا اعتبرنا تحديد النسل مكسبا مقدسا أي منعنا الناس من حرية النقد والبحث العلمي في خياراته. فالمكاسب ليست معابد كهنوتية نظل نبخر حولها كالدراويش ولكنها كائنات قانونية حية تقبل إعادة التقييم والتعديل والمراجعة باعتبار آثارها الجانبية على مدى نصف قرن. وأنا أتوقع أن تأخذ الدولة بعد انتخاب مؤسساتها الدستورية في 23 أكتوبر القادم هذا القرار لتطرح على الدرس والتقييم قضايا تهم الناس وتحدد مصائرهم مثل الآثار الجانبية لسياسة تيسير الإجهاض وحماية الأمهات العازبات وإلزام الآباء بإعالة بناتهم المنجبات من سفاح وإلغاء القوامة للرجال وفوز بلادنا بأعلى نسبة في الطلاق وتعاطي المخدرات وحتى تفشي التدخين، وإن عملا تقييميا كهذا لا بد منه بعد خمسين عاما من تاريخ سن أكثر القوانين تأثيرا على الأسرة وتوجيها للمجتمع.
610
| 17 أغسطس 2011
عند بلوغ مرحلة الشباب في الستينات من القرن الماضي، وبما أني عشت مخضرما في المجتمع التونسي قبل الاستقلال، وأعرف بالمعايشة لا بالسماع كيف تطور المجتمع التونسي من المرحلة التقليدية الثورية (ضد الاستعمار الفرنسي) إلى مرحلة الاستقلال الإداري والعسكري وبناء الدولة بزعامة بورقيبة وحزبه الدستوري، فاهتديت مع بعض أبناء جيلي من التوانسة إلى أن السياسة البورقيبية في مجال الأسرة وفي مجال التوجه الثقافي الفرنكوفوني تتناقض مع الهوية العربية الإسلامية للشعب والأخطر تتناقض حتى مع أهداف حزبه الذي قاد معركة الاستقلال وقاوم التنصير والتجنيس من أجل استعادة ضمير الشعب وترسيخ قيمه لا سلخ المجتمع عن محيطه الطبيعي والحضاري بحجة اللحاق بركب الحضارة! وبدأنا نكتب ونحن في صلب الحزب وأحيانا في صحافة الحزب آراء تندد بسيادة اللغة الفرنسية على حساب لغتنا الأم والذوبان في الغرب ودافعنا عن اللغة العربية بما استطعنا من قوة، ولم ننج من الملاحقات والمضايقات وحجز الجوازات، ونحن دستوريون من داخل البيت لأنه لم يكن في بلادنا لا أحزاب معارضة ولا منظمات حقوقية ولا شرق أوسط كبير، بل كنا نتعامل مع الزعيم كأب للشعب، ونعترف له بفضل التحديث والعمل على وحدة الشعب وتقديم المثل في نظافة اليد وإعطاء التربية والتعليم الأولوية في كل موازين الدولة، وهذه هي المكاسب الباقية إلى اليوم من العهد البورقيبي. والحمد لله أن أرشيف الصحف على ذمة من يريد الاطلاع على مقالاتنا وكذلك كتاباتنا في مجلة الفكر رائدة التعريب والتأصيل والكبرياء الثقافية العربية في المغرب العربي. لا أحد ينكر أن الزعيم في سياسته الاجتماعية وسن قانون الأحوال الشخصية انطلق من عواطفه وعقده الذاتية والظلم الذي كان مسلطا على والدته في طفولته وحرمانه المبكر من حنان الأم وذلك باعترافه هو نفسه في المحاضرات التي ألقاها بمعهد الصحافة عام 1972 أمام الطلبة وبأسلوبه الأبوي الحساس الذي كان يبكيه ويبكينا معه. ثم كان أول عمل عائلي قام به هو طلاق زوجته السيدة ماتيلد التي اعتنقت الإسلام وسميت مفيدة وشاركته كفاحه باعترافه هو، ثم الزواج من السيدة وسيلة بن عمار التي كانت أيضا رفيقة دربه لأنه لم يتخل عنها ولا هي تخلت عنه على مدى أربعين عاما. فالزعيم الذي كان رائدا في إلغاء تعدد الزوجات هو ذاته كان متعدد الزوجات (لمدة أربعين عاما مهما حاول البعض من الشباب التنويري الجديد صبغ هذا الواقع بأسماء وتلبيسات بارعة لا تصمد أمام الحق). والذي يريد التأكد فليراجع تاريخ الصراع بين بورقيبة وغريمه المرحوم صالح بن يوسف ليدرك أن إصرار الزعيم بورقيبة على الجمع بين مفيدة ووسيلة كان دائما على قائمة الخلاف بينه وبين أكثر من زعيم تونسي(و مازال الصديق العزيز والمكافح الوطني حسين التريكي حيا يرزق مد الله في أنفاسه ولديه منجم ذكريات وطنية يمكن أن تفيد الشباب والكهول في هذا الملف بالذات والذي لا ينقص من قدر الزعيم شيئا في نظري). وعندما تولى زين العابدين بن علي السلطة استعمل ملف مجلة الأحوال الشخصية بصفة ديماغوجية وأضافت ليلى زوجته للمجلة فصولا أخرى غريبة وقاسية تغرر بالزوجة وتحرم الزوج من القوامة ورئاسة الأسرة وبالتالي من احترام أولاده وكان ذلك يتم كل 13 (أغسطس) تحت زغاريد السيدة العقربي وتزكية وحماس النساء المتغربات ثم بن علي طلق زوجته الأولى بطريقة بورقيبية أي دون حضورها لأن الرئيسين غفر الله لهما لم يحترما أيا من بنود المجلة التي من المفترض أن يحمياها.
575
| 13 أغسطس 2011
أثير نقاش واسع بين الشباب العربي وبخاصة في تونس ومصر ما بعد التحولات الكبرى في 14 يناير و25 فبراير 2011 حول ملف كنت فتحته للحوار السليم لا للجدل العقيم في بعض الصحف والمواقع منذ التسعينات وحتى من على منبر مجلس النواب حين كنت عضوا فيه في مطلع الثمانينات، مع علمي المسبق أنه ملف ساخن ولا يمكن أن يجتمع الكل حوله بالنظر إلى تعدد الآراء والأطياف والمشارب، وهو ما أعتبره شخصيا مؤشر صحة للشباب العربي وعلامة اهتمام بالشأن العربي العام وبقضايا الأسرة العربية المسلمة التي هي الخلية الأولى للمجتمع والنواة الأساسية لحضارة الأمة. هذا الملف يتعلق بالقوانين التي اختارتها الدول العربية حين استقلت من المستعمر في الخمسينات وشرعت النخب العربية في بناء الدولة الحديثة على غرار الأنموذج الغربي التغريبي، عن حسن نية وسلامة طوية،أو بتوجيه لئيم من الإمبراطوريات المسيحية حفاظا على مصالحها الدنيوية وغرسا لقيمها الدينية لأن النمط الغربي بشقيه الاشتراكي والليبرالي كان هو الوحيد المطروح كمثل أعلى للتقدم ولما كان يسميه الزعيم بورقيبة " اللحاق بركب الحضارة"و ما يطلق عليه اليوم شباب الثورات عبارة (حداثة). واليوم سنة 2011 حين تقرأ أدبيات التيارات السياسية العربية بعد التحولات العميقة تجد الجدل الأهم قائما مابين ما يسمى العلمانية (أو اللائكية) وبين الهوية الإسلامية. وهو ما يوحي بأن حربا أهلية نرجو أن تكون باردة مندلعة بالفعل في أغلب المجتمعات العربية إن لم نقل في أغلب الأسر العربية. وهذا الجدل باطل من أساسه لأنه بكل بساطة مستعار من الغرب المسيحي ولم يخض فيه علماؤنا على مدى خمسة عشر قرنا منذ فجر الرسالة المحمدية إلى اليوم. فعبارة العلمانية هي تعريب خاطئ لعبارة (لائكية) لأن أصل هذه العبارة هو من اللغة اللاتينية (لايكوس) أي الصادر عن الأمة وذلك مقابل عبارة (كليريكوس) التي تعني الكهنوت. وانفرد تاريخ الحضارة المسيحية بالصراع الطويل ما بين لايكوس وكليريكوس أي مابين عروش الملوك وكهنة الكنائس. وبلغ في فرنسا بالذات حدوده القصوى والدموية وخاصة في القرن السادس عشر حين دخل ملك فرنسا في صراع مفتوح مع بابا الكنيسة انتهى بانتصار البابا وتم جلب الملك مغلولا في الأصفاد باكيا ساجدا للبابا طالبا غفرانه وقال البابا كلمته التاريخية: "لا تاج خارج الصليب"و انتشرت في أوروبا فكرة قائلة بأن "الملك يملك الأجساد والبابا يملك الأرواح". ومن هنا سجلت الثورة الفرنسية لعام 1789 بداية القطيعة بين الديني والدنيوي (بين اللايكوس والكليريكوس) إلى أن استفحل الصراع السياسي والاقتصادي بين الكنيسة الفرنسية والممالك أو الجمهوريات الفرنسية المتعاقبة لكن تحت شعارات دينية وانتهى هذا التصادم العنيف بانتصار الدولة على الكنيسة وخاصة في مجال التعليم سنة 1905 حين قررت الجمهورية الفرنسية فصل التعليم عن الكنيسة على أيدي وزير التعليم (جول فيري). وقد ورثنا نحن في المغرب الإسلامي هذه اللوثة المستعارة من الاستعمار واعتبرتها النخب منذ ثلاثينات القرن العشرين كأنها قضيتنا نحن بينما مجتمعاتنا مسلمة تحمل جينات دينها ولم تعرف التفريق بين ما هو ديني وما هو دنيوي لأن الإسلام ليس فيه كهنوت وظلت العلاقة بين الإنسان فيه وبين الله سبحانه علاقة مباشرة وحميمية لا وساطة فيها. ونجد أن هذا الجدل قائم في تونس (كما قام في تركيا من قبل) بحدة لم تعرفها المجتمعات العربية والمسلمة الأخرى لأسباب تاريخية ومزاجية واضحة. فالزعيمان مصطفى كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة شبيهان ببعضهما إلى درجة كبيرة فكلاهما تأثر بنهضة الغرب ونهل منها وطلب مساعدة الإمبراطوريات الغربية (الأوروبية آنذاك) لفرض غلبته على منافسيه وكان لابد أن يقدم كلاهما للغرب شواهد الولاء والإعجاب بنمط تقدم الغرب والنسج على منواله لتحقيق نهضة شعبيهما. فجاءت الكمالية في تركيا أشد تعصبا للغرب بل وأنجز أتاتورك ما عجزت عنه معاهدة (سايكس بيكو) وهو القضاء على الخلافة الإسلامية وتشويه المجتمع التركي بقوانين غريبة ومتطرفة مسخته وجعلت منه في الحقيقة ذيلا للغرب بعد أن كان رأسا للشرق (كما قال نجم الدين أربكان يرحمه الله). أما بورقيبة في تونس فبادر قبل استقلال البلاد (13 أغسطس 1956) بسن قانون الأحوال الشخصية مستوحيا إياه من القانونين التركي والفرنسي. وتولى بعض مشائخ جامع الزيتونة إصدار فتاوى صبغت عليه شرعية الدين واعتبر بورقيبة نفسه محررا للمرأة.
437
| 10 أغسطس 2011
أول مشهد بدأ يختفي من العالم العربي بسبب التحولات العميقة التي هزته هو مشهد السياف مسرور الذي كان رمزا أدبيا للحكم المطلق وعنوانا تاريخيا لجمع كل السلطات في يد الخليفة العربي ولم يكن السياف مسرور سوى الجلاد الجاهز لتنفيذ أي حكم فردي وفي الحال بدون تردد أو نقاش. وبالطبع فإن غياب السياف مسرور إلى الأبد سوف يفتح عهدا حضاريا للأمة يعود فيه للإنسان المواطن حقه في الحياة بدون رعب وفي منأى عن الأمزجة والطاغوت. صورة السياف مسرور الواقف بين أيدي أمير المؤمنين هارون الرشيد ظلت تداعب خيالنا منذ الطفولة، كأنها ملحمة عربية صميمة، حين بدأنا نقرأ أمهات كتب الأدب العربي مثل كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وكتاب العمدة لابن رشيق القيرواني وكذلك أدب الخيال مثل ألف ليلة وليلة، وتواصلت صورة السياف مسرور ترافقنا مع قدوم الأفلام المصرية الأولى أبيض وأسود والمستوحاة من قصص ألف ليلة وليلة، والتي نرى فيها من خلال شاشاتنا القديمة ذلك الرجل الأسود البدين القوي مفتول العضلات والممتشق سيفا ضخما وهو يأتمر بأوامر الخليفة العباسي الذي كان يجسده عادة الممثل المصري عباس فارس بصوته الجهوري كلما ناداه: يا مسرور اقطع رأسه! وكان يقوم بدور مسرور نفس الممثل المصري على مدى ربع قرن ونظل نحن الأطفال المساكين نرتعد في قاعة السينما مع الضحية الذي لا يملك استئنافا ولا نقضا للحكم البات والفردي، ويغمض الحساسون منا وذوو القلوب الرقيقة عيونهم إلى أن يمر مشهد قطع الرأس. وما كان أكثر الرؤوس المتدحرجة في بلاطات بعض الخلفاء والأمراء والملوك عبر التاريخ العربي ظلما وعدوانا وما أكثر السيافين في كل العصور العربية المظلمة ! ومع مرحلة الاستعمار في بلاد المغرب العربي عشنا بالفعل مأساة السياف مسرور لكنه هذه المرة يخدم ركاب المحتل الفرنسي ويلاحق المجاهدين ويغتال المقاومين ورأينا مسرور يرفع سيفه البتار لينال من حقوقنا في الاستقلال والحرية وهو موظف في إدارة المستعمر. وحين حصلت بلداننا على استقلالها، تذبذبت حكوماتنا الوطنية بين انتهاج نهج الوفاق والمصالحة وبين اتباع طريق تصفية الحسابات بين الفرقاء والخصوم والمتنافسين على السلطة، فعاد شبح السياف مسرور يرتاد بلاطات الحكم في مرحلة ما بعد الاستقلال وشهدت تونس فتنة الانقسام الخطير والدموي بين بورقيبة وغريمه ورفيق كفاحه المرحوم صالح بن يوسف، واستعمل بورقيبة نفس السياف ضد الملك طيب الذكر الأمين باشا باي وأسرته وضد المناضل الكبير الطاهر بن عمار ثم ضد أقرب أبنائه أحمد بن صالح وأخيرا ضد أوفى الأوفياء له محمد مزالي وكذلك فعل بعده وريثه زين العابدين بن علي. وشهدت المملكة المغربية صراعا بين الملك محمد الخامس والسلطان بن عرفة وعاشت الجزائر فواجع التصفيات بين فصائل الدولة بعد التحالفات في مرحلة الثورة وكان آخر ضحاياها المرحوم الرئيس محمد بو ضياف عام 1992 وعشرات الآلاف من المواطنين. وأنا أكتفي بذكر السياف المغاربي مسرور لأني لو فتحت معاجم تاريخ السياف المشرقي مسرور لاحتجنا إلى مكتبات كاملة. ولكل مثقف ومواطن مصري وشامي وعراقي وسوداني أن يستعيد التاريخ القريب لبلاده ليدرك أن السياف مسرور هو أيضا مصري وشامي وعراقي وسوداني، وبأن ضحاياه بالآلاف منذ أكثر من نصف قرن. وظلت نداءات الحكام للسياف مسرور هي ذاتها مع بعض التغيير في التفاصيل. ومع انتقال السلطة بين يوم وليلة من حاكم إلى حاكم بالانقلابات وبيانات الساعة الأولى تغيرت ملامح الديكور وتبدلت الشعارات البراقة وتحولت الأساليب، لكن الذي لم يتغير هو السياف مسرور. بقي كما هو بسيفه المهند يقف وراء العرش ويأتمر بأوامر صاحب العرش وينفذ ويطيع مع تغيير في الرؤوس المقطوعة، بل إنك تحسبه لا ينظر من هو الجلاد ومن هو الضحية. ولا يهمه من الذي يعطي الأمر ومن الذي يروح في داهية. المهم بالنسبة إليه هو رفع البتار ليهوي به على رقبة بائس مغلول في القيود دون أن ترف لمسرور عين ولا أن تصيب يده رعشة، وبلا أي حزن ولا تردد ولا سؤال ولا ندم يواصل أداء وظيفته كالآلة الخرساء العمياء. إنه مسرور العربي الأبدي الأزلي. ماكينة القتل والرحم الذي يولد منه جنين النظام الجديد. مسرور الدائم منذ خمسة عشر قرنا من التاريخ العربي! هو ذاته الذي رأيناه ليلة من ليالي يوليو 1958في بغداد يقتل الملك الشاب فيصل ورئيس حكومته نوري السعيد، ثم رأيناه هو ذاته يقتل قاتلهما عبد الكريم قاسم مؤسس الجمهورية العراقية والذي كان على سدة الحكم ذات يوم من أيام يوليو1961. ثم جاء صدام حسين فقتل من قتل إلى أن قتلوه رحم الله الجميع وغفر لهم. ومنطق الرأس المقطوع كان هو مبدأ الحكم في دولة المماليك، حيث لا يبايع حاكم على العرش إلا بعد أن يقدم للجمهور رأس سلفه مقطوعا فتحل البيعة ويستوي القاتل الجديد على العرش منتظرا تنفيذ نفس المنطق يوما من الأيام على يد شقيق أو صديق أو عدو متربص، لأن مسرور يلازم مكانه بطلعته العملاقة وبسيفه المتعطش للدم، لا يتحرك إلا بأمر.
5253
| 03 أغسطس 2011
قرية جوار تقع في شمال شرقي باريس على بعد 55 كيلومترا من العاصمة الفرنسية وهي أول محطة من محطات منفاي بعد أن غادرت تونس في 24 أغسطس 1986 مع رفيق المنفى رئيس حكومة تونس الأستاذ محمد مزالي وقد سكنت بهذه القرية بمحض الصدفة لأن زوجتي الدكتورة حبيبة الشوباني خريجة كلية الصيدلة الفرنسية وجدت عملا بصيدلية القرية الوحيدة. فاستأجرنا بيتا ريفيا صغيرا يقع في ضيعة تفاح وسط حقول شاسعة معرضا للرياح الأربعة ويستحيل تدفئته في شتاء 1986 الذي كان من سوء حظي العاثر أبرد شتاء فرنسيا منذ نصف قرن! وحين كان راتب زوجتي لا يتجاوز الأربعة آلاف فرنك شهريا (ما يعادل 600 دولار) ندفع نصفه لإيجار البيت فإن ابني الوحيد آنذاك كان ينام على فراش دون سرير نحاول أنا وأمه تعزيزه بالحشايا والبطاطين التي تجود بها علينا أسرة برتغالية جارة جزاها الله عنا كل خير، والغريب أن أخي كان يبعث لي بالبريد صفحات الصحف الصفراء التي تنشر بعناوين كبيرة ومثيرة "أنباء" ثرائنا الفاحش أنا ورئيس الحكومة والإسلاميين المنفيين! وإني أردت أن أنقل للشباب بعض نوادر هذه المحطة بسبب صدور كتاب مذكرات رفيقنا في المنفى الضابط السامي الأسبق في سلاح الطيران المهندس الصديق رشيد عزوز في طبعة ثانية منقحة استعرض فيها بعض عذاباتنا وحماساتنا المشتركة في مقاومة الطاغوت ولا تخلو مذكرات رشيد عزوز من الإشارة الضاحكة والمعبرة والمؤثرة عن بعض ما عانيناه عندما كنا حول محمد مزالي في منفاه لسنوات عديدة. وإني في ذكر بعض معاناتنا أريد أيضا أن يقرأها أولئك الذين ظلمونا واضطهدونا ولاحقونا ولفقوا لنا التهم المهزلة وهم اليوم سنة 2011 مقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم منهم في السجن الذي هيأوه لنا باطلا وبهتانا فدخلوه بوجه حق بفضل قضاء مستقل وشريف، وقسم لا يزال خارج السجن لم يكتشف الناس بعد مدى إساءتهم للوطن ومناصرتهم للباطل، وقسم ثالث لا يزال يمارس هواية التدليس على الرأي العام وتمثيل مسرحية الأبرياء وضحايا ابن علي بل وحتى أبطال الثورة! والجميع رأوهم لمدة عشرين عاما يلتحفون خرقة القماش الأحمر حول أعناقهم ويملأون القاعة البيضاء في قصر قرطاج ويصفقون لابن علي ويبررون الاستبداد. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ونعود لكتاب الصديق رشيد عزوز الذي قرأت في صفحته 85 وما بعدها ذكريات تتعلق بي شخصيا وعاشها معي هو نفسه يقول الكاتب: " أما أحمد القديدي أقرب مساعدي رئيس الحكومة محمد مزالي الذي سبق أن تحمل مسؤولية إدارة صحيفة الحزب الحاكم وكان عضوا في البرلمان وعضوا في اللجنة المركزية للحزب الدستوري في تونس فقد كان يتقاضى من زوجته الصيدلانية مبلغ 20 فرنكا يوميا (5 دولارات) ليذهب إلى باريس ويشارك في كفاحنا المشترك، ثم احتاج إلى عمل يسد به الرمق فاتجه إلى رئيس بلدية (جوار) التي يقيم فيها وقدم له شهاداته ومنها الدكتوراه فاعتذر رئيس البلدية رغم تعاطفه معه وعرض عليه أن يشتغل زبالا أو كناسا ينظف شوارع القرية وأعطاه عربة (برويطة) ومكنسة وآلة لجمع ما يتكدس على الرصيف وتوكل القديدي على الله لممارسة هذه المهنة الشريفة لأنها كسب حلال يساعد بأجرها الزهيد عائلته الصغيرة. ولا أخفي على قرائي الكرام بأن هذه المعلومات صحيحة وأن صديقي العقيد رشيد عزوز أوردها كمؤشر على أننا مع كل أطياف المعارضة التونسية عانينا ما كتبه الله لنا بصبر بل وبابتسامة الرضا والقناعة واثقين من عدالته سبحانه. أما الذي لم يذكره الصديق العزيز هو أنني عملت أيضا بعد ذلك عامل بناء بسيط في بلدية (سواسون) وهو عمل لا يقل شرفا عن مهنة الزبال وقد جاد علي بهذا الفضل أحد الإخوة الإسلاميين التوانسة الحاج الطيب عياد فحملت نصيبي من قردل الأسمنت ومن اليأجور (حجر البناء) ولكن بلطف ولين لأن الحاج الطيب كان صديقا حميما لمراقب البناء الفرنسي. وأذكر اليوم مبتسما شابا فرنسيا اسمه (شارل أندري) يعمل معي في نفس بناء العمارة وهو كثير الشكوى من ضنك الأجر ومشقة العمل فكان يقول لي بمرارة بأنه حاصل على شهادة "البكالوريا" (نهاية الثانوية) والبناء ليس عمله ويشتكي لي من سوء الحظ وعبث الأقدار وكنت أضحك في داخلي لأنه لو عرف حقيقة أمري لهان عليه أمره لأني كنت عام 1982 رئيسا منتخبا للمؤتمر الدولي لاتحاد البرلمانات في مقر البندستاغ الألماني بعاصمة ألمانيا (بون) وكان رؤساء البرلمانات يطلبون مني الكلمة بعبارة (سيدي الرئيس مستر تشيرمان) ومنهم حتى رئيس الكونغرس الأمريكي ورؤساء البرلمانات الأوروبية وغيرها! وتصوروا لو كشفت له هذا السر لاعتبرني مجنونا أو كذابا. وآخر قولي هو جزا الله الشدائد كل خير، فهي زائلة زوال الباطل ولله الأمر من قبل ومن بعد.
813
| 30 يوليو 2011
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
6006
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1794
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1257
| 18 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
1170
| 13 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1125
| 14 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...
927
| 16 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
774
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
759
| 13 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
687
| 13 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
684
| 17 مايو 2026
الوعي هو حالة إدراك الإنسان لذاته ولمحيطه، وقدرته...
624
| 14 مايو 2026
في كل مرة تُطرح فيها قضايا الأسرة والتربية...
579
| 14 مايو 2026
مساحة إعلانية