رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الحداثة التأصيلية والحداثة المستعارة

نظم حزب الاتحاد الوطني الحر التونسي هذا الأسبوع ندوة دولية تحت عنوان: الإسلام والتنمية والديمقراطية بمشاركة عدد من المفكرين من بينهم البروفسور أحمد أقندوز من تركيا حول التجربة التركية الحديثة والأستاذ جورج إسحاق أحد مؤسسي حركة كفاية المصرية حول المجتمعات التعددية العربية ما بعد الربيع العربي والأستاذ محمد أوجار وزير حقوق الإنسان في الحكومة المغربية السابقة حول شروط نجاح منظومة حقوق الإنسان بين الدين والسياسة ود. محمد بن بريكة الجزائري مؤرخ الحركات الصوفية في العالم الإسلامي حول جوهر الفكر التصوفي ورسالته في المجتمعات المسلمة وفضيلة الأستاذ عبد الفتاح مورو أحد أبرز مؤسسي الحركة الإسلامية التونسية حول التوفيق بين القيم الأصيلة والحداثة. وحظيت هذه الندوة العلمية باهتمام عدد غفير من أساتذة الجامعات ورجال الإعلام والأدب والفكر والسياسيين لأنها طرحت محاور أساسية اختارها رئيس الحزب الأستاذ سليم الرياحي وأمينه العام الدكتور خالد شوكات لكونها تحاول تبيان عدم تضارب هذه المنظومات القيمية الأساسية وهي دين الأمة وطموحها المشروع للتنمية وتطلعاتها القوية للديمقراطية وصون الحريات. واتفق جميع المتدخلين على ألا تضاد بين الإسلام كعقيدة وكشريعة مع التنمية المستديمة والديمقراطية الأصيلة. واخترت أنا في مداخلاتي أن أشرح للشباب من منظوري المتواضع معنى ما أسميته الحداثة التأصيلية مقابل بضاعة مغشوشة هي الحداثة المستعارة. وقدمت للحاضرين مثل اليابان والعالم العربي حين بدأت النهضتان اليابانية والعربية تقريبا في نفس العشرية أواسط القرن التاسع عشر وقد كان اليابان يدشن نهضته على أيدي أسرة المايجي وكان العالم العربي يدشن نهضته على أيدي الحركة الإصلاحية لمحمد علي في مصر. وأشرت إلى أننا بعد قرن ونصف نتساءل اليوم: أين وصل اليابان وأين وصل العرب؟ والسر الأول في توفيق اليابان وفشل العرب هو أن اليابانيين غرفوا حداثتهم من معينهم الأصيل وأحسنوا توظيف تراثهم وأحيوا تقاليدهم وأثروا دينهم مع فتح أبوابهم في وجه الغرب المتطور دون التنازل عن ثوابتهم بينما نحن العرب اخترنا استعارة حداثتنا من الغرب ومن تقاليده ولغاته وأحيانا من أديانه معتقدين كما كان يقول الزعيم بورقيبة عن حسن نية بأننا سوف نلتحق بركب الحضارة...(الغربية) كأنما الحضارة الغربية سوف تنتظرنا جامدة تراوح مكانها حتى نلتحق (بسلامتنا) بها وهذا هو الخطأ الجوهري الذي جعل أغلب بلادنا مذيلة للغرب مستلبة الإرادة مستعيرة سلوكياتها وثقافاتها ولغتها وردود أفعالها من الغرب وبالطبع فهي عاجزة عن الإبداع بل وعاجزة عن تحقيق استقلالها الكامل حتى لو نالت استقلالها الإداري والعسكري. فتعطلت التنمية الحقيقية الخلاقة لتعوضها استكانة لراحة الاستهلاك وضاعت التربية المبدعة التواقة لتحل محلها نواميس التقليد واستنساخ تجارب الأمم الأخرى فأنتجت المجتمعات العربية أصنافا مشوهة من الأجيال العاجزة المندمجة في الغير من دون إرادة. ونسيت نخب العرب ما لدى العرب من مخزون حضاري غني ومتميز مثل مدرسة الطب الإسلامي التي شهدت عبقريات ابن سينا وابن الجزار وابن النفيس والرازي حين كان الطب الإسلامي هو الذي يجمع بين علاج الجسد والنفس ومثل مدرسة التربية الإسلامية لدى محمد بن الجزار القيرواني صاحب كتاب (سياسة الصبيان وتدبيرهم) ومثل مدرسة العلوم لدى الخوارزمي الذي حرف الغرب اسمه إلى (لوغاريتم) الذي أسس لتكنولوجيا الحواسيب بفضل علم الكسور ومثل مدارس المعمار العربي...إلى آخر قائمة الحضارة الإسلامية التي نقلت للغرب أصول علوم اليونان وفلسفاته وآدابه. وألححت في مداخلاتي على أن تكون تحولات الربيع العربي تحولات حضارية لا مجرد مطالبات سياسية أو اجتماعية حتى نعود كأمة رائدة إلى حركة التاريخ نصنعه ولا نتحمل دوراته العجيبة ونحن على هامشه نتفرج على إنجازات الأمم الأخرى مبهورين مندحرين مقموعين لا حول لنا ولا قوة. ذلك هو الفرق الشاسع بين حداثة تأصيلية وحداثة مستعارة.

822

| 28 مارس 2012

العالم من الاقتصاد إلى السياسة إلى الحرب

قطع العالم الطريق الفاصلة ما بين الاقتصاد والسياسة والحرب خلال العقود الثلاثة الماضية بشكل غير معلن بل إن الخبراء وحدهم هم الذين اكتشفوا العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والسياسة والحرب. أصبحنا نرى الدول المتعاظمة مطالبة من قبل شعوبها بتقديم حلول سياسية لمعضلاتها الاقتصادية وإذا تعذر الأمر وعجزت السياسة فالحرب هي الحل. وهذا الخطاب واضح مثلا من نبرات خطاب السيدة هيلاري كلنتون الأسبوع الماضي حول شروط الإعانة الأمريكية لمصر حيث وضعت نوعية العلاقات بين مصر وإسرائيل كمعيار لتقييم السياسات المصرية وبالتالي فإن القاهرة ما بعد الربيع مطالبة بتقديم شواهد احترام المصالح الأمريكية الحيوية مستقبلا دون تغيير عميق لما عرف عن مصر في السابق. كما أن عودة الحرب الباردة ما بين أمريكا وروسيا والصين (حول سوريا وحول الدرع الصاروخية مثلا) توحي بأن عملية لي الأذرع هي الأصل لتغيير نوع العلاقات الراهنة بين مجموعات من الدول تتناقض مصالحها وتتضارب خططها وتتناحر شركاتها وتتعادى شعوبها بما لا يخدم السلام العالمي وبما يهدد المصالح العربية في دولنا الهشة. فنحن كأنما نكتشف لأول مرة الخلافات الجوهرية بين مجموعات الدول المتقابلة في شبه مواجهة وهذه المجموعات هي كالتالي: 1- الولايات المتحدة تتزعم فريقا من الدول مثل كندا وأستراليا وعدة دول أوروبية أهمها بريطانيا تنادي برفع كل القيود المفروضة على المبادلات التجارية وتحرير الاقتصاد لتعزيز الليبرالية وهذا الطريق حسب عقيدة هذه الدول هو الكفيل بزيادة النمو ومضاعفة الإنتاج وخلق دينامكية التنمية وتوزيع خيرات وثمار التنمية على كل شعوب العالم. وبالطبع فإن هذه المنهجية ليست مبتكرة لأنها وليدة المفكرين الاقتصاديين الأوائل أمثال أدم سميث (1723-1790) وجون ماينار كاينز (1883- 1946)، لكن المنظرين الجدد في الإدارة الأمريكية (مثل السيناتور ماك كاين) يوظفون هذه النظريات لخدمة مشروع سيادة اقتصاد السوق وإعطاء الأولوية لإنتاج تلك البلدان المشاركة في هذه العقيدة الليبرالية المتشددة تحت غطاء شرعية المنظمة العالمية للتجارة ولعل هؤلاء المنظرين اهتدوا إلى أن التغييرات التي أنجزها الربيع العربي لا بد أن تحافظ على هذه العقيدة وأن تعزز غلبة هذا الفريق في ضمان التزود بالنفط والغاز بل أن تصبح الطاقة تحت الرقابة الأمريكية المباشرة حتى لا تطمع روسيا والصين في مزاحمة القوة الأمريكية الأعظم. 2- فرنسا تتزعم فريقا من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبلجيكا واللكسمبور والنمسا تطالب بتفكيك العولمة الاقتصادية إلى حلقات تراعي خصوصيات البلدان وعدم تدويل الملفات الاقتصادية وتدافع مثلا عن مبدأ مساعدة القطاع الزراعي في بلدانها بينما ترى المجموعة الأولى بأن مساعدة الدول للمزارعين تعيق عملية التنافس الحر وتناهض مبدأ التجارة الحرة. 3- القوى الكبرى الجديدة كما أصبحت تسمى وهي الصين والهند والبرازيل تشكل فرادى أو مجتمعة قوة ضغط وتأثير تقرأ لها واشنطن ألف حساب، وهي دول كانت بالأمس القريب تعد من بين الدول النامية وضمن نادي العالم الثالث وقفزت إلى الطليعة بفضل إنتاجها الصناعي الذي استقل عن الارتباط بالخارج وبفضل انخراطها السريع في الثورة الرقمية ومجتمع المعلومات بل وتحولت إلى مصدرة لجميع أصناف المنتجات النسيجية والتكنولوجية والغذائية والإلكترونية لكل أنحاء الدنيا مما طرح قضايا جديدة وطارئة لم يكن يعرفها الاقتصاد العالمي من قبل مثل قضية غزو النسيج الصيني أو غزو الحواسيب الهندية أو السيارات البرازيلية لأسواق أمريكا وأوروبا في ظرف زمني غير مسبوق. وهذه القوى القادمة لها شروط تحاول فرضها على منظمة التجارة العالمية وأهمها شرط الشراكة الكاملة مع المجموعات المهيمنة وتحديدا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا مجرد التنسيق والتعاون بعقلية السيد والعبد كما قال وزير التجارة الدولية البرازيلي. 4- مجموعة البلدان الهزيلة والمتقبلة للمساعدات الدولية (وأحرى بنا أن نقول الصدقات) وهي البلدان التي كانت مستعمرات أوروبية ثم عندما استقلت ظلت مراتع للاستعمار ومختبرات للتجارب من جميع الأصناف، بما فيها التجارب النووية إلى عهد قريب مثل ما يثار أحيانا من عمليات دفن النفايات النووية الأمريكية والأوروبية في بعض البلاد المتخلفة وهذه البلدان التي أصبحت تصدر المهاجرين لدول الشمال المرفهة بل وتصدر الأوبئة أصبحت محل اهتمام من الغرب لهذه الأسباب أي الخوف من تحولها إلى بؤر التهجير ونقل الإيدز وقض مضاجع السادة النائمين المطمئنين إلى منظومة بريتن وودس النقدية العالمية الجائرة وإلى نواميس صندوق النقد الدولي التي خربت بيوت شعوب مستضعفة وزادت من حفر خنادق الظلم بين البلدان ووسعت من دائرة الحرمان وبررت الحروب الأهلية والمجازر في عدة أقاليم من العالم آخرها هذه الأيام مجاعة في الصومال ومخاطر أزمات كبرى في كل البلدان العربية التي تغيرت أنظمتها سنة 2011. وهكذا تدريجيا، تنزلق دول العالم من الوفاق المزيف إلى التعاون الاقتصادي المخادع إلى المواجهة السياسية والشقاق الدبلوماسي ثم تدريجيا إلى التلويح بالحروب وتتبدل شيئا فشيئا منظمة الأمم المتحدة لتصبح في الواقع منظمة الأمم المتناحرة! ولا يمكن فهم مسار الملف النووي الإيراني أو التعاطي مع أحداث سوريا إلا في هذا الإطار.

590

| 21 مارس 2012

الخطران المحدقان بأوروبا: الإفلاس والعنصرية

الزلزال الذي هز كيان الاتحاد الأوروبي بالأزمة المالية الخانقة وما تلته من التوابع المتوقعة هي حالة الانشطار والاحتقان بين قطبي الاتحاد فرنسا وألمانيا حتى بعد إعلان منح 120 مليار يورو لليونان المفلسة منذ أسبوع واصطناع موقف متقارب بين الدول الأوروبية حول ضرورة إنقاذ أثينا من السقوط. أعلن هذا الزلزال في الواقع عن تغيير عميق في حدود الانقسامات التقليدية بين يمين ويسار وبين حاكم ومواطن وبين بورجوازي وطبقة كادحة، ليصبح الانقسام الأكبر هو بين المناصرين للاتحاد الأوروبي وبين المناهضين لمبدأ الوحدة من خلال التهديد الصريح بمغادرة سفينة العملة الموحدة (اليورو) لعودة فرنسا للفرنك وألمانيا للمارك. فقد رأينا العجب العجاب في الحملات الانتخابية الرئاسية في باريس، حين اتفق أقصى اليمين المتمثل في زعيمته مارين لوبان مع أقصى اليسار المتمثل في زعيمه ميلونشون مع المرشح الديغولي اليساري جاك شوميناد على ضرورة الرجوع للعملة الفرنسية الفرنك وعدم تحمل أزمات الدول الأوروبية الهزيلة مثل اليونان والبرتغال وأسبانيا، كما رأينا كيف انفجر الحزبان الأكبر: حزب الأغلبية الرئاسية وهو الحزب الحاكم، والحزب الاشتراكي الذي يستعد لتسلم السلطة.. انفجر هذان التنظيمان من الداخل لينقسم كلاهما إلى شقين: شق دعا إلى القبول بالدستور الأوروبي وشق دعا إلى رفضه. وأعلن فرنسوا هولند الأمين العام للحزب الاشتراكي ومرشحه للرئاسة بعد أيام أن الحزب سيعقد مؤتمرا استثنائيا لمحاولة تجاوز الأزمة. أما الانشقاق الثاني فهو يتعلق باستعمال المهاجرين العرب والجاليات المسلمة كورقة سياسية للحصول على أصوات الناخبين. وقد تجاوز الرئيس الفرنسي المرشح لخلافة نفسه (نيكولا ساركوزي) كل الخطوط الأخلاقية الحمراء ليفتك من أقصى اليمين بعض ما لديه من (كتائب انتخابية تمثل 15% من الخارطة الانتخابية الفرنسية) فأعلن أن فرنسا غير نادمة على استعمار الجزائر وأنه لابد من التخفيف من دخول المهاجرين الشرعيين إلى بلاده بنسبة 50% هذا العام بعد أن تحمس لتقديم قانون يجرم كل شك فيما يعرف بإبادة الأرمن وهو ما رفضه المجلس الدستوري الفرنسي بشجاعة لأن التاريخ من مهمات المؤرخين وليس من مناورات السياسيين. ولم يدخل المرشح الاشتراكي هذه الحلبات الملغومة فظل على الأقل وفيا لمبادئ حزبه. يتفق جميع المراقبين السياسيين على أن الرئيس الفرنسي والنخبة السياسية اليمينية الجمهورية في باريس لم تحسن استخلاص الدرس القاسي الذي أعطاه الشعب الفرنسي لزعاماته يوم 21 أبريل 2002 حين لم يحصل شيراك زعيم اليمين ومنافسه جوسبان زعيم اليسار آنذاك في الدور الأول للانتخابات الرئاسية إلا على نسبة 26% للاثنين مجتمعين في حين صعد جون ماري لوبان زعيم اليمين العنصري المتطرف (وهو والد الزعيمة الحالية لنفس الحزب مارين لوبان) إلى الدور الثاني للانتخابات وكاد يفوز برئاسة الدولة لولا هبة الشعب الفرنسي الحضارية في اللحظات الأخيرة أنقذت النظام الجمهوري من الانهيار الحقيقي الذي كان ينتظره حينها ، وبعد ذلك نجح شيراك في جمع أصوات الجمهوريين وأنصار دولة القانون والحق، ثم تجاهلت الطبقة السياسية اليمينية الفرنسية ذلك الإنذار الخطير وواصلت لعبة التحالفات اليمينية المتطرفة والشعارات العنصرية ضد المسلمين بمعزل عن الواقع أي بمعزل عن تخوفات الشعب الفرنسي من خطرين محدقين وهما : توسيع الاتحاد الأوروبي بلا ضوابط مما يحرم الفرنسيين مما اعتبروه واعتبره العالم معهم "النموذج الاجتماعي الفرنسي" أو مما يسمى اختصارا بالاستثناء الفرنسي ! والخطر الثاني هو انزلاق السياسات الأوروبية نحو دغدغة الغرائز العنصرية وإيقاظ الغول الفاشي النائم في أعماق الرأي العام الجاهل لأن التلويح بالبعبع العنصري والفزاعة بخطر أسلمة أوروبا تحريف للتاريخ وللحق تحت ذرائع انتخابية تهدد القيم الحضارية والسياسية التي تأسست عليها أوروبا وتعزل الاتحاد الأوروبي عن فضائه الجغراحضاري الذي يشمل العالم الإسلامي منذ 15 قرنا.

427

| 14 مارس 2012

امتحان الربيع العربي أمام النزاع النووي المحتمل

عبارة (امتحان الربيع العربي) استعرتها من الصحفي الأمريكي (ديفيد سانجر) الذي عنون بها مقاله القيم في صحيفة (نيويورك تايمز) ليوم 2 مارس الجاري والتي حلل فيها ما سماه عقيدة أوباما في الملف الشرق أوسطي أي بإزاء العلاقة التفاعلية بين مسار الثورة السورية وبين التعاطي مع الحالة الإيرانية. ويعتقد الكاتب أن البنتاجون نصح البيت الأبيض بالسعي إلى تكثيف العقوبات المسلطة على طهران وتشجيع العمليات السرية ضد منشآتها وعلمائها (بأيد إسرائيلية) وتحريك آليات حراك شعبي داخلي إيراني شبيه بالربيع العربي والتهديد بالخيار العسكري الأمريكي (وهو ما فعله أوباما يوم السبت الماضي) وأيضا التسريع بإسقاط النظام السوري عوض تقرير ضربات عسكرية فعلية ضد المفاعلات النووية الإيرانية. والسبب هو أن الولايات المتحدة تدرك حجم الكارثة المتوقعة من جراء حرب (أمريكية – إسرائيلية) على إيران تكون تداعياتها إقليمية ودولية. فإقليميا سيتأثر المحيط العربي بتركيبته الطائفية المعقدة في لبنان والعراق والخليج كما أن باكستان لن تبقى خارج الأزمة وهي التي تملك 120 رأسا نووية ووسائل إطلاقها بعيدة المدى وباكستان هي التي ساعدت إيران على تطوير برنامجها النووي بمساندة روسية وكورية شمالية كما أن تركيا التي تستورد %30 من نفطها من إيران لن تقتنع بحلول عسكرية أحادية تغير خارطة المنطقة بما لا يخدم مصالحها. أما دوليا فالمواجهة محتملة مع موسكو وبكين بنفس المواصفات التي نقرأها في معالجة الأزمة السورية. وهنا لا بد أن نشير إلى تصريح القائد الأعلى للقوات الروسية الجنرال (نيكولاي ماكاروف) لإذاعة (إيكو موسكفي) حيث قال يوم 23 فبراير إن "روسيا لا تخطط لمواجهة مع حلف شمال الأطلسي لكنها حين تجد مصالحها الحيوية مهددة فهي لا تتردد في استعمال سلاحها النووي" ومن جهة أخرى أعلن في نفس التصريح بأن موسكو بصدد تصنيع عشر غواصات نووية وتحديث أسطولها الجوي الناقل للسلاح النووي. ولا ننسى بأن رئيس مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشاف ندد يوم 17 فبراير بالدرع الصاروخية الأمريكية الذي بدأ ينشر وحداته قريبا من الحدود الروسية حين قال" إن الولايات المتحدة لم تستمع لمقترحاتنا في هذا الشأن ونحن ندرك بأن هذه الدرع موجهة لروسيا وللصين أكثر من توجيهها لإيران". في النشرية الأمريكية (سترتيجيك ألرت) نقرأ في عدد فبراير بأن قائد أركان الجيش الأمريكي الجنرال (مارتن دينبساي) صرح على قناة (سي إن إن) يوم 19 فبراير بأن من مصلحة الولايات المتحدة عدم المواجهة مع روسيا والصين. ولكن هذا التفاؤل تفنده اللهجة المهددة للرئيس أوباما والتي يمكن وضعها في خانة المناورة الانتخابية استعدادا للرئاسيات القادمة. ومهما كانت قراءتنا لهذه النذر الجدية فإن الربيع العربي سيتجاوز امتحانه الدولي الأول والخطير بالنظر إلى ترابط كل هذه الملفات بعضها ببعض. إن نظرية توقع حرب عالمية نووية ثالثة أصبحت تسكن مختلف الأدبيات السياسية والدبلوماسية والأكاديمية في الغرب وفي روسيا والصين واليابان ومن الغريب أننا نحن العرب كأنما ألهانا التناحر عن استشراف أفقها المظلم وفخاخها المنصوبة حتى نتحوط على الأقل ونعتبر بالأحداث. فعالم الاقتصاد الأمريكي ليندن لا روش مستشار الرئيس ريجن سابقا عقد مؤتمرا صحفيا يوم 19 فبراير لينذر أمريكا والعالم بخطر توجيه مسار الاختلافات نحو المواجهات منبها إلى أن الأزمة المالية التي تعيشها عديد الدول الأوروبية تسعى بأوروبا نحو الحرب كمخرج تقليدي من الإفلاس مثلما كانت الحرب الكونية الثانية نتيجة منطقية لأزمة 1929 الكبرى. وهنا لا مناص من استحضار تهديد الداهية الأمريكي هنري كيسنجر بضرورة استيلاء القوات الأمريكية على سبع دول عربية حتى يعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الأمة الأمريكية (3 فبراير في أغلب وسائل الإعلام). ثم اقرأوا تحليل توماس فريدمان بعنوان (من عرب ستريت إلى وول ستريت) لتدركوا أن الربيع العربي رغم شرعية منطلقاته وحتمية صيرورته فهو ليس في مأمن من التوظيف الدولي في مخططات أكبر منا كثيرا وأوسع تأثيرا وليس في أيدينا مقود توجيهه نحو ما يخدم أمتنا.

373

| 10 مارس 2012

حذار من استعمال مصطلح الإرهاب!

كل من أكرمه الله بقراءة التاريخ يدرك ما تخفيه المصطلحات من "فخاخ" أيديولوجية فهي تستعمل لتبرير العدوان وتزين القبيح من الأعمال. وإني دائم الحذر عندما أقرأ عبارة (الإرهابي) تلصق بمقاوم للظلم أو بطالب حق. ولم يستثن الربيع العربي أدبياته من توظيف نعت الإرهاب دون تمحيص فأصبحنا نسبح في بحار الإرهاب من هنا وهناك دون منارة حتى أصبح مصطلح الإرهاب هو الأكثر استعمالا ورواجا في لغة السياسة والإعلام والأدبيات الفكرية في كل أرجاء العالم اليوم، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى تفاقم ظاهرة الإرهاب واستفحال معضلات الشعوب المغلوبة على أمرها وتزايد محنة المستضعفين في الأرض وقيام العولمة بإلغاء الحدود وتحطيم الحواجز أمام الأخبار والمعلومات والناس والبضاعة. ولكن الذي يقرأ التاريخ يكتشف حقائق غريبة وغير متوقعة لتحديد مفهوم الإرهاب عبر مراحل التطور البشري ويدرك بأن هذا المصطلح استعمل دائما لوصف الشيء ونقيضه واستخدم من قبل الأعداء والخصوم لنعت بعضهم البعض وظل لهذا السبب مصطلحا هلاميا غامضا وخفيا لا يمكن تصنيفه بموضوعية ولا إلقاؤه جزافا على كاهل هذا أو ذاك من الشرائح البشرية. وأنا ذاتي كانت بعض الصحف التونسية الصفراء خلال العشريتين الماضيتين تلقبني بالإرهابي! عندما كنت مجرد مثقف متعفف معارض ناصح للرئيس السابق بن علي تماما كما كانت نفس الصحف تصف الشيخ راشد الغنوشي ود. منصف المرزوقي والمهندس حمادي الجبالي!ولعل التعريف الذي تقدمه السيدة كلينتون (أخيرا في مؤتمر تونس) أو السيد بوتن (أخيرا في حملته الانتخابية) مثلا لتوصيف الإرهاب وتحديد معناه يفتقد المرجعية التاريخية ويقع بذلك في المزالق الأيديولوجية مما يجعل هذه التعريفات ظرفية ومرتبطة إما بمصالح الدولة الأمريكية أو المعسكر الروسي الصيني عموما أكثر من ضبط المفهوم اللغوي والسياسي للكلمة فالدبلوماسية الأمريكية والروسية والصينية تؤكد بأن الإرهاب هو قتل الأبرياء تحت أية ذريعة كانت. وهو تعريف يبدو موضوعيا وصائبا بل متفق عليه من دون جدل، لكن المنطق يقتضي أن يطلق هذا المفهوم على الجيوش النظامية التي تقتل الأبرياء كذلك وبصورة أوسع تحت ذرائع شتى ولكن خارج إطار كل الشرائع الدولية منها والأخلاقية فإسرائيل وحليفها الأمريكي مثلا حين ينعتان مسلحي حماس والجهاد الإسلامي بأنهم إرهابيون لأن استعمال القوة وحمل السلاح لا يخول إلا للأنظمة والدول وإلا تحول الأمر إلى فوضى، لكن ماذا نقول عن مليون مسلح مدني إسرائيلي مدججين بالرشاشات هم أيضا خارج النظام وخارج الدولة الإسرائيلية بكل المقاييس ويقتلون ويلاحقون ويعذبون ويختطفون بلا قانون فكيف نسمي الأولين إرهابيين والآخرين مدافعين عن أنفسهم؟ فأبسط قواعد التصنيف الموضوعي تدعونا إلى اعتبار المدني الإسرائيلي المسلح والذي يهاجم المدنيين كذلك إرهابيا بنفس المعايير التي تطبق على مسلحي حماس والجهاد، حتى إذا جاريناها وألغينا حقوق الشعوب المحتلة في الكفاح من أجل التحرير بكل الوسائل حسب نص ميثاق الأمم المتحدة!ثم إن التاريخ يعطينا دروسا وعبرا لا بد من استحضار بعضها في مفهوم الإرهاب. ففي حملة بونابرت على مصر قامت ثورة القاهرة في 22 أكتوبر 1898واستمرت ثلاثة أيام استشهد فيها علماء وطلبة الأزهر الشريف على أيدي قوات الاحتلال الفرنسية وكان الضابط والمؤرخ الفرنسي/ فيفان دونان ينقل في أوراقه ذلك الحدث ثم نشرها في كتاب يسمي فيه الثوار بالإرهابيين! ثم نقرأ منذ سنة 1830 كل الصحف الفرنسية لنجد أن الأمير عبد القادر الجزائري أمير القلم والسيف والذي قاوم الاستعمار منعوت في الإعلام والبرلمان الباريسي بأنه زعيم الإرهابيين! وفي مجلة باري ماتش أشهر المجلات الباريسية عدد 18 يناير1952 نقرأ بقلم مدير المجلة/ ريمون كارتييه بأن الحبيب بورقيبة إرهابي يخفي وراء عينيه الزرقاوين حقدا إسلاميا ضد فرنسا والغرب! مع العلم أن بورقيبة علماني ومتأثر بالغرب وثقافته ومن أنصار مصطفى كمال أتاتورك! أما في جنوب إفريقيا ومنذ اندلاع شرارة مقاومة الميز العنصري في الستينيات فإن كل وسائل الإعلام البيضاء مع الحركات المتطرفة العنصرية كانت تجمع على تلقيب نيلسن منديلا بلقب كبير الإرهابيين!وفي فرنسا ذاتها كان الجنرال ديجول بعد انشقاقه عن الحكومة والالتحاق بلندن عام1940 لتنظيم صفوف مقاومة النازية وتحرير فرنسا، كان ملقبا في الإعلام باسم زعيم الإرهابيين وكان محكوما بالإعدام ولاجئا في بريطانيا إلى حين تحررت أوروبا من النازية وعاد الجنرال مظفرا يوم 19 أغسطس 1944 إلى باريس والغريب أن حكومته لاحقت أنصار الماريشال/ بيتان المتعاون مع هتلر وسمتهم بدورهم إرهابيين وأعدمت منهم الآلاف!وأنا ابتعدت عمدا عن تاريخ العرب في النصف قرن الأخير لأن الجراح لا تزال نازفة وهو تاريخ الانقلابات المتعاقبة والتخوينات المتلاحقة والاتهامات المتبادلة بالإرهاب، تاريخ الشعارات المخزية التي عصفت بأبناء الأمة مابين الناصرية والتقدمية والبعثية والقومية والاشتراكية والتي كنا نشهد خلالها مشاهد القتل والسحل والسجون والمنافي لمن اتهموا بالإرهاب ثم عادوا للحكم بعد أن داسوا على رقاب المنهزمين وذبحوهم بتهمة...الإرهاب!لهذه الأسباب ولأن الله سبحانه هداني لقراءة التاريخ واستخلاص عبره فإني أظل شديد الحذر في استعمال مصطلح الإرهاب!

654

| 03 مارس 2012

من يفرخ الإرهاب؟

لا أحد ينكر أن نوعا من العنف غير المبرر صاحب في بعض الأحيان تحولات الشعوب العربية والإسلامية من الاستبداد إلى الديمقراطية فظاهرة فقدان البوصلة رافقت كل الثورات بل وحرفت مساراتها من الرشد إلى الضلال ويكون ذلك بأيدينا نحن دون أن نغض الطرف عن أياد عدوة لا يرضيها ما ينفعنا إذا رأت فيه تهديدا لمنافعها. تلك قاعدة العلاقات الدولية شئنا أم أبينا.بعد أن حاول الإرهاب تشكيل منظوماته في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا أصبحنا نتعامل بوضوح وشفافية مع هذه الظواهر الخطيرة لنحلل أسبابها الدفينة ونعالج مضاعفاتها العديدة. ولعل القاسم المشترك بين تفجير كنائس مصرية والإعداد لبث العنف في تونس وتسريب السلاح من ليبيا إلى تونس وقتل الأبرياء في سوريا واليمن هو ارتداء لبوس الدين كتبرير لما لا مبرر له تماما كالذي حدث منذ سنوات في باريس ولندن ومدريد وبدأ يتأكد الغرب من هوية مقترفيه أي أولئك الشباب المولودون في فرنسا وبريطانيا من أصل عربي أو باكستاني، والذين تلقوا تعليمهم في مدارس أوروبا وتشربوا ثقافتها واكتسبوا تقاليدها، وبشهادة كل من عرفوا هؤلاء أو درسوهم أو رافقوهم فإنهم لا يثيرون الريبة والشك بل وجد الإعلاميون الغربيون حتى من أثنى على أخلاقهم وسلوكهم كشباب عاديين يندمجون في المجتمع الغربي بلا أية إشكالية لا حضارية ولا لغوية ولا اجتماعية!بدأ المفكرون الغربيون في بريطانيا وفرنسا وسائر بلدان أوروبا يتساءلون في حيرة من أمرهم: من أين جاء هذا البلاء الجديد؟ ومن أي باب مفتوح دخل هذا الغول المجهول؟ وكيف نفهم هذه الظاهرة الطارئة؟ وبأي الوسائل نواجه هذا الخطر المحدق؟ وأنا أكتب هذه الخاطرة لقرائي العرب وأنا أمامي سيل من التحليلات العميقة تحملها الصحف الأوروبية كل صباح نقرأ فيها مراجعات مريرة وجريئة للأفكار الجاهزة والقوالب الجامدة والخلفيات الخاطئة التي زرعها اليمين الغربي المتشدد في الأذهان، وساعده في غرسها لدى الرأي العام الغربي أولئك الجهلة المتشنجون ودعاة الفتنة من المسلمين الضالين. هذا اليمين الغربي الذي أعلن عداءه للإسلام والمسلمين بل إن وزير داخلية فرنسا (كلود جيون) صرح منذ أيام بأن الحضارات ليست متساوية وأن بعضها يتفوق عن بعض! وهي العقيدة التي بررت إبادة سكان أمريكا الأصليين والحروب الصليبية والغزوات الاستعمارية وما تزال تبرر تعامل الغرب مع قضايا المسلمين وحقوقهم بأساليبه الفضة الجائرة وقوانينه العنصرية.فهذا الأستاذ فرنسوا جيري رئيس المركز الفرنسي للبحوث الجنائية في جامعة باريس الثالثة يكتب في صحيفة لوموند الفرنسية يقول بأن حرب العراق حين لم يتحكم التحالف من إدارتها بشكل جيد ومتوازن أصبحت المصنع الأخطر للإرهاب بسبب الفوضى الكاملة التي حولت العراق إلى مستنقع سياسي واقتصادي وبؤرة للتدريب على العنف بكل أشكاله، وأول مظاهر العنف هي تلك التي شاهدها العالم مندهشا ومنددا حين ظهرت صور العار في سجن أبو غريب ورأى العالم والعرب كيف يدخل جنود المارينز إلى مسجد الفلوجة ويقتلون جريحا أعزل للإجهاز عليه دون أن يهدد هذا المسكين أحدا. ويضيف هذا الباحث الأكاديمي الفرنسي قائلا: "إن سياسة إذلال الشعوب والدوس على حقوق الإنسان مهما تزينت بشعارات مقاومة الإرهاب ستظل السبب الأساس لتبرير هذا الإرهاب الذي نقاومه، ولا أجدى من إقرار مبادئ العدل الدولي في مجال العلاقات بين الدول وبين الأمم لا إلغاء الأخلاق في التعاطي مع الحضارات المختلفة بدعوى أن الغرب يواجه الإرهاب! وإذا لم يسترجع الغرب نواميس العلاقات الدولية العادلة بين الأغنياء والفقراء فنحن معرضون للإرهاب الذي يولد من رحم الظلم والبؤس والإذلال. ولا يعتقدن أحد أنه في مأمن أمين من انتحاري مستعد لدفع الثمن بحياته دون تردد!وفي صحيفة لوفيجارو يكتب أحد المتخصصين في الشرق الأوسط الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية الزميل الدكتور علي العايدي صاحب كتاب(الجهاد في أوروبا وأسرار الحرب الاقتصادية) فيقول إن ظاهرة الإرهاب الجديد نشأت يوم 9\11\1989 أي مع انهيار القطب السوفييتي الشيوعي فتحول الصدام بين غرب رأسمالي وشرق اشتراكي إلى صدام بين غرب منتصر بعقيدته الليبرالية الديمقراطية وشرق مازال يعاني التخلف والفقر ويصر على الاحتفاظ بهوياته وتراثه ومعالم ثقافته لأن هذه الموروثات الحضارية هي كل ما بقي له لتأكيد وجوده بعد أن أوصدت الدول الغربية الغنية أبوابها في وجه شبابه بغلق الحدود وإقامة السدود ومواصلة التأييد المطلق لأعداء العرب والمسلمين من دون ضوابط، بينما يرفع الغرب شعارات الشرق الأوسط الكبير وضرورة إدماجه في دورة التاريخ الحديث وهو يمعن في تكثيف الحواجز وإقامة الجدران العازلة لجعل هذا الشرق الأوسط في الحقيقة محتشدا كبيرا والإمعان في السيطرة على قيمه وثقافته وطريقة حياته!وظاهرة عزل الشرق الإسلامي في محتشد فكري وجغرافي اهتدى إليها وحللها مفكرون أمريكان أمثال عالم السياسة \جامس روسنو الذي فضح داء التضارب بين العولمة الداعية لفتح الحدود وبين التقوقع الوطني الجالب للمزيد من عزل الشرق، وكذلك زميله المفكر الأمريكي\ بنجامين باربر الذي فكك آليات الجهاد الجديد ضد الماك وورلد أي عالم الماك الأمريكي ذي الاتجاه الواحد، ودعا إلى تصور عالم أوفر عدلا وأقل ظلما وأكثر تضامنا بين الغرب القوي والشرق الحائر، وإلا فالإرهاب سيتعزز لأن العلاج الأمني الصرف لا يحل المشكلة ولا يستأصل العنف من الجذور.أرجو ألا يعتقد القارئ الكريم بأني أضع كل الوزر على عمى الغرب بل أنا أنقل آراء الغربيين أنفسهم في الجزء من المسؤولية التي يتحملونها، ولكن الجزء الآخر من الانحراف يتحمله دعاة الجهالة العلمانية والجاهلية التغريبية من المسلمين الذين تطرفوا في مقاومة هوية أمتهم وزينوا للشباب طريق الانسلاخ عن مقومات الأصالة، بينما أعظم صحوة تنتظرها الأمة هي انطلاق حداثتها من صلب هويتها لا استعارة الحداثة من الغرب كثوب (فريب أي مستعمل) مع المصالحة التاريخية بين التراث والعصر.

524

| 27 فبراير 2012

ذكريات طريفة مع المنفيين العرب

اليوم وقد تغيرت أوضاع بلدان عربية كثيرة كانت أنظمة الحكم فيها تلاحق خصومها و تضطهدهم أجد من واجبي أن أسرد على الشباب بعض ذكريات المنافي التي عانيناها و لكن بما فيها من نوادر أيضا ومن آيات الله سبحانه أن كتب لبعضنا نحن المنفيين العرب أن نشهد و نحن أحياء تطبيق الله لوعده الحق بأن ينصر المستضعفين و يرفع عنهم المظالم و أن يجازي الظالمين بما ارتكبوا سبحانه العدل الحق لا ملجأ إلاه و لا مغيث سواه. الدروس التي تعلمتها من سنوات المنفى الخمس عشرة(1986-2000) كانت لي أفضل و أنفع من سنوات الدراسة بالمدارس و الجامعات، و أبلغ تأثيرا من بعض المسؤوليات التي تحملتها هنا و هناك على مدى السنوات، وهي تأكيد لما قاله الله تعالى :" و عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون " و نفس معاني هذه الآية الكريمة أبدع الشاعر العربي أبو تمام تلخيصها في بيت واحد من الشعر حين قال: قد ينعم الله بالبلوى و إن عظمت و يبتلي الله بعض الناس بالنعم و حين أرى الإخوة السوريين اليوم يغادرون وطنهم الذي كان في الزمن الزاهر يؤوي الملتجئين إليه، أقول لعل في ذلك خيرا مؤقتا حتى تنجلي الغمة عن بلاد الشام فقد طالت. و لي مع المنفيين العرب و المسلمين، زملائي في محنة المنفى نوادر و قصص سجلتها في كتاب (ذكريات من السلطة إلى المنفى) صدر عام 2005 في عز الاستبداد لا بعد رحيل السلطان الجائر. ليس فيه لا غضب و لا حقد ما عدا الحقيقة كما يعيشها المقطوعون عن أوطانهم، التي هي بالضرورة حقيقة ذاتية لا تدعي لا الموضوعية و لا العصمة. و من هذه النوادر أن رفيق المنفى د. محمد مخلوف المفكر السوري التقى أحد أصدقائه القدامى الذي ظل في بلاده و ارتقى إلى منصب رفيع، و بعد السلام و طيب الكلام، قال المسؤول للمنفي عن حسن نية وسلامة طوية: :" بالله يا محمد لا تمت في المنفى الفرنسي و لو قدر الله و وافاك الأجل هنا فاترك وصيتك بأن تدفن في وطنك " و بابتسامته اللطيفة المعهودة أجاب الدكتور:" نريدها أوطانا لنا لا مقابر". و من النوادر الأخرى التي عشتها، كنا نجلس جماعة المنفيين العرب ( على وزن المقاولين العرب!) في مقهى (دوفيل) على جادة الشان زيليزي بباريس مغرب كل يوم، نتطارح أنباء الوطن العربي و نتبادل التواصي بالصبر، و كان من بين المرتادين شيخ المنفيين محمد الفقيه البصري الذي عاد للمغرب بعد ما يقارب الأربعين حولا، ثم لم يعش طويلا فتوفاه الله في وطنه، و التحق بالمنفيين بعض الوجوه المعروفة أمثال الفريق سعد الدين الشاذلي أحد أبطال مصر و ذلك بصورة مؤقتة قبل أن يحل الرئيس مبارك مشكلته، و كذلك رئيس حكومة تونس الأستاذ محمد مزالي و الوزير القوي في الستينات بتونس أحمد بن صالح. و في يوم من الأيام جاءنا أحد الإخوة الليبيين وهو من أفضل المثقفين الليبيين و أكثرهم شهادات عليا و إنتاجا علميا، و قدمه لنا أحد أصدقائنا بقوله :" أقدم لكم أحد الكلاب الضالة.! " و ظللنا نضحك أياما على هذا التقديم العجيب، فعبارة "الكلاب الضالة" أطلقها النظام الليبي البائد على معارضيه في الثمانينات بل و كانت العبارة هي المصطلح المستعمل في وسائل الإعلام الليبي الرسمي!. و لله في خلقه شؤون. كما انضم للجماعة مؤقتا أيضا و بمحض اختياره د.أحمد طالب الإبراهيمي نجل أحد أبرز العلماء و مؤسسي جمعية العلماء الجزائريين الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رفيق كفاح الشيخ عبد الحميد ابن باديس، و كذلك الرفيق في المنفى رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق و أحد أبرز علماء الاقتصاد الإسلامي عبد الحميد الإبراهيمي. و نلتقي أحيانا برئيس الجمهورية الإيرانية الأسبق أبو الحسن بني صدر الذي عرفته شخصيا عام 1978 أيام مخاض الثورة الإيرانية في باريس و معه صادق قطب زادة الذي أصبح وزير خارجية في مرحلة قيام الجمهورية ثم حكم عليه آيات الله بالإعدام و تم إعدامه رحمة الله عليه، و كنت في تلك الأيام الباردة بباريس أعد رسالة الدكتوراه لجامعة السربون حول الإسلام السياسي وأزور آية الله الخميني للاستفادة علميا و استكمال الرسالة، و ذلك في منفاه الأخير بقرية \\ نوفل لو شاتو في ضواحي باريس، ثم قابلت بني صدر عام 1982 حين هرب من الإعدام و استقر في بيت شقيقه بقرية \\ أوفر سير واز بفرنسا ولمست الدروس القاسية التي تعلمها الرجل من المأساة. و نعود للنوادر المضحكة المبكية التي كانت مع الأسف تشهد على مدى التخلف السياسي و الحضاري الذي عانيناه في غياب الرأي المخالف، فقد جاء أحد الإخوة المحامين العرب المنفيين ذات يوم إلى المقهى و معه رجل أوروبي طويل القامة عريض المنكبين أشقر الشعر، تعلو محياه ابتسامة لطيفة، فجلس بيننا كأنما تربطه بنا علاقة مودة قديمة، و شعرنا بأن الضيف الكريم يعرفنا عز المعرفة و يسأل عن أحوالنا و يتطلع إلى أخبار أوطاننا، ثم فوجئنا و اندهشنا حين قدم لنا صديقنا ضيفه ضاحكا قائلا:" أقدم لكم السيد (رايمون كندال) مدير منظمة أنتربول (مقر المنظمة في مدينة ليون الفرنسية ) وهو المكلف بالتفتيش عنكم في حال مطالبة دولكم بجلبكم و المسؤول عن توصيل البضاعة مكلبشة إلى أرض الوطن! " و بالطبع كان الرجل كذلك لكن بلا اقتناع بأن هذه النخبة من المثقفين و رجال الدولة المغضوب عليهم مؤقتا هي ممن تجري عليهم إجراءات إنتربول و من عتاة المجرمين، و ضحكنا وضحك الرجل معنا وهو المفترض أن يعتقلنا لكنه فضل الحديث معنا و المتعة في مؤانستنا و التخفيف من بلاوينا. و شرب معنا قهوة على نخب الأوطان المقهورة والطاقات المهدورة.

1007

| 22 فبراير 2012

نحن العرب وأمريكا في منعرج 2012

في دوامة الأحداث الخطيرة التي تعصف بعالمنا العربي والإسلامي لعلنا نسينا كنخب عربية مفكرة أن نعتني قليلا بالذي يجري في الولايات المتحدة من استعداد لانتخاب رئيس جديد أو التجديد للقديم ليحكم هذه الأمة الفاعلة القوية لأن ما يخطط لنا في واشنطن خلال هذه الحملة الانتخابية الرئاسية يهمنا بالدرجة القصوى ويحدد إلى حد بعيد مصير الأحداث التي نعيشها وبخاصة الحالة السورية والملف النووي الإيراني ومستقبل الربيع العربي في تونس المتغيرة ومصر الحائرة واليمن المضطرب وليبيا المهددة وسوريا الشهيدة. وصدق الزميل الفرنسي/ دانيال رويو أستاذ الحضارة الأمريكية في جامعة السربون في كتابه (الولايات المتحدة الأمريكية: حضارة عنف) الصادر عن دار نشر أرمان كولان بباريس، حين طالب بتوسيع فضاء الناخبين للرئيس الأمريكي إلى كل سكان المعمورة، بدلا من الاقتصار على المواطنين الأمريكيين، ذلك لأننا في الانتخابات الأمريكية إنما نشهد سن سياسة العالم برمته وتقرير مصير الدنيا بأكملها على مدى سنوات. والأستاذ / رويو لا ينطلق في فكرته هذه من منطلقات "عربية " على قاعدة ديوان الحماسة، بل هو لا يكن أي عداء للمجتمع الأمريكي إنما يتوخى البحث العلمي التاريخي والسوسيولوجي والاستراتيجي والاقتصادي لتفسير ظاهرة العنف التي يقول إنها أحد مرتكزات وجذور السياسة الأمريكية مهما كان الرئيس المنتخب ومهما كان الحزب الفائز. لهذه الأسباب أردت اليوم إعداد كشف عن التوقعات المنتظرة لنا نحن العرب في صورة انتصار المرشح/ الجمهوري الجديد الأقرب للنصر السيناتور(ميت رومناي) أو في صورة إعادة انتخاب أوباما الديمقراطي، لا من خيالي ولا من الأماني التي كثيرا ما تراودنا حول المأمول من هذا الرئيس أو ذاك، بل من الواقع الأمريكي وعلى لسان أصحاب الأمر والنهي هناك في واشنطن (العاصمة السياسية) ومانهاتن (العاصمة المالية لأمريكا ولاقتصاد العالم). في هذا الصدد يفيدنا جدا أن نصيخ السمع للسيد/ جوزف ويلسن آخر سفير أمريكي لدى عراق صدام وأفضل العارفين بشؤون العرب: يقول هذا الرجل:" في صورة فوز هذا أو ذاك من الحزبين لن يسحب الحضور الأمريكي من العراق حتى بعد إعلان سحب الجيش الجرار من بغداد وسيجلب الرئيس القادم حليفه الاتحاد الأوروبي إلى المشاركة في إدارة شؤون العراق مثلما هو الحال في أفغانستان لأن التجربة أكدت لواشنطن استحالة تفردها بالتدخل العسكري. لكن الخيارات الاستراتيجية الأوروبية تختلف عن واشنطن بسبب حتمية استناد أي قرار أوروبي على إرادة شعوبها من خلال المؤسسات الدستورية القوية هناك بعكس السياسة الأمريكية التي يقرر فيها البيت الأبيض وحده لحظة الحسم والمبادرة في الحرب أو السلم.. ويضيف السفير / ويلسن قائلا: "إن قدرة الأمريكان على البقاء في العراق وصلت إلى مرحلة الامتحان في ظل تصاعد العنف وكان علينا ألا نغزو العراق منذ البداية وأعترف بأن الأمريكيين أساءوا حساب كيف سيكون الاحتلال وعقدوا صفقات مع العديد من الجهات ولم يعوا التعقيدات الطائفية لهذه البلاد وتركة الاستبداد العسكري والحزبي منذ الإطاحة بالملك فيصل سنة 1958..".. والآن نتحول إلى خبير أمريكي ثان هو أستاذ الإدارة الحكومية في جامعة جورجتاون الدكتور/ دانيال برومبيرغ الذي يفيدنا بما يلي: "لن يكون موقف أي رئيس قادم مختلفا عن موقف /بوش أو أوباما، لكن ليس له حماس بوش أو كارتر الديني ولا التأثير السحري الشخصي (الكاريزما) الذي كان لكلينتون ولا الميزة التاريخية لباراك أوباما من حيث هو أول رئيس ملون لكنه سيستخلص الدرس القاسي من فشل بوش وأوباما في حلحلة القضية الفلسطينية، لأن مجرد التلويح بضرورة قيام دولتين إسرائيلية وفلسطينية لم يكن ذا فاعلية سياسية ولا نجاعة دبلوماسية وانتهت مدة صلاحيته، وبذلك ضيع الرئيس أوباما وقبله بوش مصداقيتهما في أخطر وأدق ملف شرق أوسطي ساخن. وسيكون موقف الرئيس القادم معتبرا بالمصالح القومية الأمريكية العليا التي تحرك سياسة الولايات المتحدة إزاء هذا الملف، أي نفس المصالح التي وضعها الرئيس / كارتر في حسبانه حين دشن صفحة جديدة من العلاقات العربية الإسرائيلية عام 1977 وهي نفسها التي وضعها الرئيس / كلينتون في اعتباره حين جدد اللقاء بين الخصوم في كامب ديفيد 2. لكن التحولات الجذرية التي طرأت على الشرق الأوسط بفضل الربيع العربي هي التي تجر واشنطن اليوم إلى مواجهة أوضح وأخطر مع روسيا والصين حول الملف السوري. فالحرب الباردة التي اعتقدنا أنها انتهت سنة 1989 عادت عاتية وساخنة في الاختلاف الخطير حول التعامل مع الحالة السورية المعقدة واصطفاف المحيط العربي عموما إلى جانب الرؤية الغربية مقابل وقوف إيران مع النظام السوري في لحظة فارقة تستعد فيها إسرائيل إما لعمل عسكري مسنود أمريكيا وإما للانخراط في مخطط شيطاني يؤلب بعض الدول العربية لإعلان حرب ضد إيران (تكون نسخة معدلة من الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988) ونكون نحن بالطبع حطبها وهي لا تخدم لا أمننا ولا مصالحنا بل إنها حرب خاسرة حتى لو ربحنا فيها مواقع ظرفية. أملي أن يدرك العرب أن قضية سوريا قطعة واحدة من القطع على رقعة شطرنج استراتيجية دولية عملاقة تتجاوز مجرد اختيار من يحكم دمشق وكيف ومع من؟ هذا ما يشغل أيضا انتخابات رئاسة الولايات المتحدة القادمة!

545

| 15 فبراير 2012

إعادة إنتاج الفكر الصليبي الصهيوني لمواجهتنا

منذ وصول حركات إسلامية مدنية إلى السلطة بإرادة الشعوب العربية بعد حركات التغيير التي شهدها عام 2011 سجلنا هذه الأيام تفاقم ظاهرة أكبر من السياسة لأنها ظاهرة حضارية توسعت حلقاتها بشكل متصاعد في الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي وهي ظاهرة يمكن أن نطلق عليها عودة الفكر الصليبي بكل آلياته التاريخية الجائرة لكن بتحالف جديد مع الصهيونية المتعصبة من جهة ومع لفيف عربي جهول ومخادع من أشباه المثقفين الذين يناصرون هذه المظلمة الحضارية تحت ستار التنوير والحداثة.. ولعل المتابعين للشأن الدولي أدركوا كيف تعامل الغرب ووسائل إعلامه مع التحولات العميقة التي عاشتها تونس ومصر وليبيا واليمن، حيث تم تكريس عقيدة ما يسمى "اليقظة والحذر وانتظار القرارات" والمقصود بهذه العقيدة الدبلوماسية هو في الواقع الاستخفاف بإرادة الشعوب والإعلان الخفي بأن الناخبين العرب أساءوا الاختيار! ويذكرنا هذا السلوك الغربي بما حدث منذ سنوات قليلة يوم عودة الأمير(هاري) ابن ولي العهد البريطاني من حرب أفغانستان إلى قصر برمنغهام بعد المساهمة في العمليات العسكرية للقوات البريطانية ضمن فيالق حلف شمال الأطلسي. فقد قدم الإعلام الغربي هذه العودة في شكل عودة الملك البريطاني الصليبي (ريتشارد قلب الأسد) من الحروب الصليبية وذهبت صحيفة (ذي سان) إلى حد تلقيب (هاري) بملك هلمند، المقاطعة الأفغانية التي مارس فيها الأمير الشاب مهاراته الحربية في بلاد مسلمة، وذلك جريا على سنة التقاليد الصليبية منذ ألف عام حين كانت الكنيسة تتوج ملوك أوروبا الغزاة أمراء على البلدان المسلمة التي احتلوها. وأمطرتنا الصحف السخيفة بحكايات بطولة الأمير الضابط ومغامراته في أفغانستان التي قدمتها هذه الأقلام البلهاء على أنها وكر للحشاشين والإرهابيين والمجرمين، ناشرة صور الأمير الجندي وهو يطلق نار المدفع الرشاش على أهداف مجهولة! أساطير جديدة قديمة كنا قرأناها في أدبيات الحروب الصليبية هي التي تصنع المخيال الشعبي في الغرب بالأمس واليوم وتجييشه ليس ضد التطرف لأننا جميعا ضد التطرف بل ضد المسلمين والإسلام بنوع من الصفاقة التي لم تعد تستحي فتدارى بل أصبحت تعلن عن نفسها بوقاحة. ويشهد الله أننا لسنا نحن- المسلمين- الذين ندين هذه الظاهرة بل يدينها معنا وقبلنا شرفاء المفكرين الغربيين أنفسهم وحتى اليهود منهم، حين شعروا بما شعرنا به من تحالفات مشبوهة بين متطرفين مسيحيين ومتعصبين يهود للنيل من رسالة الإسلام وكرامة المسلمين.، وبالتالي تهديد السلام العالمي بسلوكيات إجرامية خارجة عن القانون الدولي. فالمثقف اليهودي الفرنسي (جون دانيال) صاحب ومدير المجلة الأسبوعية الباريسية (لونوفل أبسرفاتور) كتب في آخر كتاب صدر له بعنوان (إسرائيل والعرب وفلسطين) يقول: "إن الفلسطينيين اليوم بالنسبة لليهود يشبهون يهود الأمس بالنسبة للأوروبيين النازيين: شعب يجب القضاء عليه". أما المثقف الفرنسي الكبير(ريجيس دوبريه) رفيق شي غيفارا فقال في كتابه الأخير (مسافر في الأرض المقدسة) بأن الشعب الفلسطيني ضحية لعمليات تشويه مقصودة جعلت منه إرهابيا بينما هو يقاوم من أجل حقوقه المسلوبة وأرضه المغتصبة. ونقرأ أيضا للخبير الإعلامي (برنار لانجلوا) في مجلة (بوليتيس) قوله بأن الإعلام الغربي أصبح متحيزا ضد العرب والمسلمين بشكل غير مسبوق ويقدم على ذلك نماذج دامغة منها أن كل من يكتب عن الشرق الأوسط يجب أن يقول بأن العرب هم دوما المبادرون بالحرب وأن إسرائيل دوما هي المدافعة عن نفسها وأن سقوط ضحية مدنية إسرائيلية هو إرهاب بينما سقوط ضحايا عرب هو دفاع شرعي إسرائيلي عن النفس وأن ليس من حق العرب أسر جندي إسرائيلي واحد ولكن من حق إسرائيل سجن 10000 عربي مدني وأنك حين تنطق باسم حزب الله عليك إضافة عبارة المدعوم من إيران وسوريا ولكن عند النطق بكلمة إسرائيل لا تقل إنها مدعومة من أمريكا وأوروبا ويختم الكاتب تحليله بالقول إنك إذا لم تكن موافقا على هذا الانحياز المفضوح فإنك بلا شك معاد للسامية أو مساند للإرهاب! في هذا العصر المعولم والذي قام فيه المسلمون بإعادة تقييم تاريخهم وبتتويج العقل سلطانا على مواقفهم وسلوكهم نلاحظ مع الأسف استفحال ظاهرة تجديد الفكر الصليبي المتخلف وإعادة تكريره في أشكال أخرى أكثر تسترا وتخفيا لكن مع نفس الغايات الأيديولوجية الاستكبارية التي كان دعا إليها البابا يوربان الثاني منذ ألف عام في كاتدرائية (كليرمون) حين أشعل فتيل الحملات الصليبية التي استمرت قرنين كاملين منذ نداء البابا عام 1095م إلى موت الملك لويس التاسع في تونس عام 1270م. كانت الحملات الصليبية العدوانية خلال هذين القرنين سلسلة من حروب الإبادة والاضطهاد الديني والفكري تواصلت بالحملات الاستخرابية التي نطلق عليها نعت (الاستعمارية) منذ أن وطأت أقدام نابليون وحوافر خيله فناء الجامع الأزهر في الحملة على مصر والشام سنة 1798 إلى تاريخ تحرير الجزائر عام 1961. وظل هذا الفكر الغربي الطاغي يتسلل إلى العقول المسلمة بدعاوى إلحاقنا بركب الحضارة وتعليمنا استعمال أدواتها إلى أن تحقق مع عودة الوعي الأصيل ما كان جيلي يدعو إليه من إنقاذ الهوية واستدعاء الكرامة والندية والكبرياء.

1180

| 08 فبراير 2012

فلسطين أمام ربيع العرب وساعة الحقيقة

ما من شك في أن التحولات العربية الكبرى منذ يناير 2011 تقض أول ما تقض مضاجع حكام إسرائيل لأن الخارطة السياسية للشرق الأوسط باتت تتغير بعمق وبسرعة بفضل عودة إرادة الأمة للفعل والتاريخ. ولم يبق عائق أمام انتصار الحق على الباطل سوى الشقاق الأخوي الفلسطيني الداخلي ولا نحسب إلا أنه يسير نحو الحل. من أي منظور قيمنا الصراع المصيري بين الحق العربي والعدوان الإسرائيلي فلا بد من الاعتراف بأنه يشكل المواجهة المصيرية الأكثر حسما للصراع الدائر في المنطقة منذ ما يقارب القرن. فهو يضع العرب أولا وبقوة أمام تحدي البقاء أو الفناء، لأن العرب بلغوا اليوم وعبر هذه المعضلة ما يطلق عليه ساعة الحقيقة، فلم يعد من اليسير الهروب إلى الحجج الواهية التي لم تعد تقنع أحدا مثل خيارنا هو السلام أو سنعترف بإسرائيل إذا ما وإذا ما..! لأن العدوان فاق كل درجات الاحتمال بالنسبة للشعوب العربية وهذه الشعوب بفضل ربيعها تختلف عما كانت عليه عام 1948 إبان النكبة وعام 1956 إبان العدوان الثلاثي وعام 1967 موعد العرب مع الهزيمة وعام 1973 عندما حقق العرب نصف انتصار برفع راية الإسلام وعام 1982 حين واجه لبنان الغزو من أجل محو المقاومة الفلسطينية من الخارطة وعام 2006 حين تعرض لبنان لهجمة رهيبة وعام 2008-2009 حين تم تدمير غزة الصامدة، لأن الأمة تعيش ككل أمة في الألفية الثالثة وتتأثر بوسائل الاتصال الراهنة وبشكل مباشر ومتطور. ثم يأتي التحدي الثاني للعدوان البغيض ليضع الشعب اليهودي الموزع في شتى أصقاع العالم لا الأربعة ملايين يهودي المقيمين في إسرائيل فقط أمام مراجعة قاسية واستعجالية لمستقبل هذه الدولة العبرية ذات المواصفات الفريدة والاستثنائية بين الدول، من حيث إنها تأسست على الإرهاب منذ قتلت عصابات الصهيونية المتطرفة اللورد موين في القاهرة عام 1944 بعد أن عينته الحكومة البريطانية مسؤولا عن الملف الفلسطيني عام 1941 فشكك في إمكانية تطبيق وعد بلفور على حساب الشعب العربي في فلسطين، بل واقترح إنشاء كيان يهودي في أوروبا المسؤولة وحدها عن محنة اليهود. ثم اغتالت عصابات الهاجانا الكونت برنادوت مبعوث الأمم المتحدة إلى فلسطين عام 1948 وفجرت عصابة شترن فندق الملك داوود في القدس على رؤوس الضباط البريطانيين المائة والعشرين في نفس العام. ثم بدأت سلسلة المذابح في فلسطين من دير ياسين إلى بئر السبع إلى قانا وصبرا وشتيلا إلى اليوم. أما الحقيقة الثالثة في مواجهة المصير فهي وضع العالم بأسره أمام الواقع كما هو لا أمام التزييف الإعلامي والتزويق الدبلوماسي للصراع الفلسطيني - العربي مع همجية دولة خارجة عن القانون وليس لديها من حلول سوى منطق التدمير والإبادة والترويع. هذه المواجهات هي التي تجعل القضية تتحرك نحو حلول أخرى مختلفة عن الحلول الجزئية والمتحيزة التي رسمت لها الولايات المتحدة خريطة طريق مسدودة! والتي أعلنت إدارات واشنطن المتعاقبة أنها لا تقوم إلا بعد إنهاء كل نفس مقاوم لهذه الخارطة الأمريكية وبلا شروط وبالقوة العسكرية فحسب! وهو ما جعل الصراع العربي الإسرائيلي يتحول بسرعة إلى مواجهة قوة استراتيجية وإعلامية غربية عظمى هي التي تحرك سياسات إسرائيل وتحدد لها الأهداف وتسكت عن الاستيطان والترهيب من إيزنهاور إلى أوباما.. فقد أحدثت همجية إسرائيل رجة في الضمير اليهودي ذاته وأصبح كثير من كبار المفكرين اليهود يراجعون حساباتهم ويفصحون عن خوفهم الحقيقي على مصير اليهود في إسرائيل، فقد اشترك أشهر المثقفين اليهود في التوقيع على بيان قوي اللهجة صادق العبارة يتهم إسرائيل بتدمير نفسها حين تقوم برفض السلام وتقويض فرصه الضائعة وتكلموا عن المغامرة التي يرونها في جانب إسرائيل وهم ليسوا عربا ولا هم من حزب الله ولا من حماس بل هم مشاهير اليهود. كان آخر من ندد بإسرائيل المفكر والدبلوماسي اليهودي الفرنسي ستيفان هيسيل وقبله ناحوم شومسكي عالم الألسنية وهارولد بينتر الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2005 وجوزي ساراماجو الكاتب الحائز على جائزة نوبل لعام 1998 وندد هؤلاء الكتاب الكبار بمواقف الولايات المتحدة والغرب في الكيل بمكيالين في التعامل مع القضية، بل وبلغوا حد التنديد بما سموه إرادة جلية إسرائيلية لإبادة الشعب الفلسطيني في مناخ من عدم العقاب أو المساءلة! وفي نفس السياق وعلى صحيفة ليبراسيون الفرنسية اليسارية أصدرت مجموعة يهودية من المثقفين الفرنسيين بيانا تحت شعار (كفاية) ومن بينهم المؤرخ بيار فيدال ناكي وأساتذة الجامعات ايتيان باليبار وسوزان سيترون وستيفان هيسيل وهنري كورن وأبراهام سيجال وجيل منسورون يقولون فيه: "كفاية تقتيلا للأبرياء، كفاية الاعتماد على القوة، كفاية اغتيالات الناشطين، كفاية أسر أعضاء حكومة منتخبة، كفاية قصف المولدات الكهربائية، كفاية تجويع شعبي القطاع ولبنان، كفاية جنون الحرب والإبادة باسم دولة إسرائيل كفاية شن حرب بالوكالة عن واشنطن التي تريد تحت دعوى إنقاذ إسرائيل توسيع الحرب إلى مهاجمة إيران وسورية من أجل حساباتها الخاصة ومصالحها الأمريكية. هكذا تكلم اليهود وكما تلاحظون فإنهم أكثر تنديدا بإسرائيل من بعض أبناء جلدتنا العرب الذين ينعتون أنفسهم بالواقعيين والعقلانيين! ومن جهة أخرى كتب المرشح للرئاسة الفرنسية جاك شوميناد افتتاحية أسبوعية حزبه (نوفل سوليداريتي) يقول: يجب على العالم أن يفرض وقف العدوان الإسرائيلي الذي تستخدمه الأوساط الإمبريالية الأنجلو أمريكية لتصفية حساباتها في الشرق الأوسط وهي الأوساط المحافظة المتطرفة التي تعتبر الحكومة الإسرائيلية كالمجنون المصاب بغريزة الدم والتدمير". نعم هكذا تكلم سياسي فرنسي وهو ليس كلام أيمن الظواهري ولا كلام الشيخ حسن نصر الله بل نطق به زعيم حزب سياسي ترشح لرئاسة الجمهورية الفرنسية عام 1995 كما سيترشح عام 2012!

454

| 01 فبراير 2012

نحو اتحاد مغاربي شعبي وقوي وحر

حركة مباركة تشهدها الساحة المغاربية منذ الربيع العربي جسدها رئيس الجمهورية التونسية بوضع إعادة الاتحاد المغاربي في أولوية برامج الدولة كما عززتها زيارة الرئيس التونسي لليبيا وزيارة الرؤساء الجزائري والليبي والموريتاني لتونس وتحول وزير خارجية المغرب لتونس وتصريحات وزير الخارجية التونسي الجديد د.رفيق عبد السلام حول أولوية التأسيس لاتحاد مغاربي قوي وحر وفاعل. كما أنه جدت منذ أسبوع حادثة اختطاف محافظ ولاية جزائرية حدودية وتمت معالجتها بسلام بحمد الله ولكن الإشارة التي يجب التقاطها من قبل النخب والمجتمعات المدنية المغاربية هي أن خلايا العنف وفلول الإحباط تستعيد نشاطها وأن الذي أفشل عمليتها هذه المرة هو التنسيق المغاربي. ثم إنك لو تأملت محاولة بعض الأطراف تسميم أجواء تونس وليبيا ومصر بخلق بؤر التوتر الاجتماعي فإنك توقن بأن مكاسب التحولات العميقة في هذه البلدان تبقى مهددة بظهور حركات عنيفة تلبس رداء المطلبيات وتهدف إلى إشاعة مناخ من الفوضى لا يخدم سوى مصالح أعداء الشعوب. يمكن القول إن تعطل الاتحاد المغاربي في بناء مؤسساته وتنسيق سياساته كان له دور في تشكل اتحاد أعداء كل عمل مغاربي صالح، فكلما تعثرت وحدة الدول والمجتمعات المدنية في البلدان المغاربية كلما تسارعت خطوات العصابات المنظمة من كل لون وطيف لملء الفراغ واحتلال العقول واختراق الحدود. وقد كانت المواجهات المسلحة المحدودة بين قوات الأمن التونسية والليبية والجزائرية والموريتانية وبعض العناصر المغرر بها خلال السنة الماضية منعرجا خطيرا في ممارسات الجماعات المسلحة التي تلبس أقنعة الجهادية والقاعدة، حيث تعولمت تحركاتها بشكل لافت فاستعملت أدوات العصر الإلكترونية، وتلقت تدريباتها ومدت فروعها إلى المملكة المغربية وموريتانيا وتونس، وأعلن فريق منهم الولاء والمبايعة لتنظيم القاعدة، بقصد تهديد الاستقرار الضروري لكل سلام مدني وكل بناء مغاربي، ذلك الاستقرار الذي ثبت أنه يظل هشا ما لم تتعمق السلطة والمجتمع المدني في معالجة المشكلات سياسيا وتربويا وثقافيا وألا يقتصر التعاطي معها بالوسائل الأمنية وحدها. ونحن نثق في مجتمع مغاربي يعرف منذ التاريخ العريق بوداعة أهله وطيب العيش فيه وانعدام الطائفية ورفعة مستوى الحس المدني والثقافي والفكري وبلوغ النخبة درجات عالية من الوعي السياسي والمشاركة الحضارية. ونحن نتابع بأمل تحرك القيادة المغاربية في هذا الاتجاه مع زيارة المرزوقي لليبيا وزيارة عبد الجليل لتونس ورعاية كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا لهذه المساعي. ونعيد للأذهان ما كانت نبهت إليه مؤسسة التميمي للبحث العلمي في تونس قبل الربيع العربي أثناء مؤتمرها الحادي والعشرين حول تكلفة اللامغرب حين طرحت سؤال: ماذا يخسر المغاربيون من غياب الوحدة أو تأجيلها! بمشاركة أساتذة بارزين وأصحاب قرار نافذين من كل بلدان المغرب العربي، وتدارسوا أسباب تعثر البناء المغاربي بينما هو حلم الأجيال التي جاهدت من أجل استقلاله وتأسيس دوله الحديثة، واقترحوا وسائل تحقيق وحدته، وهي نفس الوسائل التي ما انفك يقترحها المثقفون المغاربيون منذ عقود ولا من مجيب. وفي البيان الختامي عدد المشاركون في المؤتمر أسباب إحباط المشروع الوحدوي المغاربي كالتالي: النزعة السيادية القطرية المشطة ذات الطابع الانفرادي وغياب المشاركة الموسعة لمؤسسات المجتمع المدني في القرارات المتخذة وتغييب الأبعاد المغاربية في التعليم والبحث العلمي والإعلام وعجز السلطات المغاربية عن إيجاد حلول توفيقية لبعض المعضلات السياسية وضياع الوقت وإهدار الإمكانات في عقد اجتماعات ماراطونية لم تنتج سوى الشعور بخيبة الأمل وإعلان الفشل الذريع. هذه لمحة عن تشريح الإخفاق المغاربي من لدن نخبة متميزة من أبناء المغرب العربي وضعت أصابعها على أصول الداء واقترحت العلاج السياسي والثقافي الجريء الذي لا يقتصر على رفع العصا في كل اتجاه بدعوى الحفاظ على الأمن. ويتطرق بيان المؤتمر إلى دقة المتغيرات الجيوسياسية والمعرفية والاقتصادية وضرورة إعادة ترتيب البيت المغاربي على أساس بناء صرح إقليمي ديمقراطي منفتح على العولمة والتكنولوجيات وتأمين الحريات المواطنية الأساسية باعتبار الحرية هي المعيار الصحيح لأي تقدم ولأية تنمية حقيقية. فهل من خطاب أبلغ ومن رسالة أوضح يوجهها المؤتمرون المغاربيون لأصحاب القرار السياسي حتى تكون الوحدة المغاربية الديمقراطية هي الدرع الواقية لشعوبنا من مغبة الإرهاب والفوضى وقمع الحريات وهجرة العقول وضياع الاستقلال؟ ويأتي ربيع تونس وليبيا ليهز الضمائر ويحرك المشاعر ويوقظ الهمم حتى نؤسس جبهة مغاربية حقيقية وقوية للتصدي للإرهاب والإحباط لا بالمعالجة الأمنية فقط والتي لم تعد تكفي رغم أهميتها لتوفير الأمن واتقاء الفتنة، ولكن بمواجهة المعضلات التي عددها المؤتمرون في تونس بما سموه على استحياء ضرورة إيجاد الحلول التوفيقية للمشاكل السياسية القائمة، وهنا نلتقي جميعا أبناء المغرب العربي حول استعجالية الوفاق الوطني والإقليمي وطي صفحات الماضي لنكون يدا واحدة ضد الاستبداد والردة الحضارية والعنف الأعمى. إنها أمانة في أعناقنا جميعا.

487

| 25 يناير 2012

ربيع العرب ومجتمع النمل

قد يبدو العنوان غريبا والمقارنة عجيبة حين نعقد تشابها بين مجتمع النمل ومجتمعات العرب ما بعد التوق للإصلاح والعودة للتاريخ. ولعل ما يغيب عن أذهان بعض القراء الكرام هو أن الله سبحانه خص النمل بسورة في كتابه العزيز وأن أحد الكتب العلمية الأكثر رواجا هذه الأيام في الغرب هو كتاب (ثورة النمل) للعالم الفرنسي (برنار وربار) الذي تفوق في علوم البيولوجيا والهندسة الوراثية وسلوكيات الحشرات. ولعلنا نحن العرب المسلمين أجدر بالتأمل في مقارنة مجتمعات النمل بمجتمعاتنا وهي تبحث عن سبل تحقيق المصير الأفضل. إن الله تبارك وتعالى خص النمل بالسورة السابعة والعشرين المكية التي تروي قصة وصول سليمان عليه السلام وجنوده من الجن والإنس والطير إلى وادي النمل (الآية 18 و19): حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ و هنا نعود إلى العالم برنار وربار فهو يقول: إننا نحن البشر نخطأ في تقدير ذكاء الحيوان لأننا نقيس هذا الذكاء المزعوم بمعاييرنا البشرية كأن نقول مثلا إن القرد ذكي لأننا إذا أعطيناه سيجارة دخنها مثلنا ولا نتأمل في مدينة النمل وهي مدينة بأتم معاني الكلمة بل أفضل بكثير من مدننا البشرية. ويضرب العالم مثلا بمدينة باريس قائلا أن فيها 13 مليون نسمة وهي تعاني من وجود 100 ألف متسكع ومحروم من السكن ومن التلوث والعنف والجريمة والمخدرات وتراكم الفضلات وانسداد المجاري ونقص الحدائق وإهمال كبار السن والمعوقين والأطفال دون رعاية بالإضافة إلى ازدحام السجون ونقص المستشفيات وهي من أمراض العصر وآفات التصنيع والهجرة من الأرياف، في حين تتشكل مدينة النمل في غابة الأمزون من 50 مليون نملة ولن تجد من بينها نملة واحدة جائعة أو متروكة لمصيرها. يقول العالم الفرنسي بأن مدينة النمل أقرب للتكافل الاجتماعي من أي مجتمع بشري لأن النمل إذا وجد كدسا من قمح فلن تستأثر به أقلية قوية بل يوزع بعدل عجيب على جميع النمل وهو عكس سلوك الإنسان الذي هو أناني بالطبع ومحتكر بالسليقة وظالم بالغريزة. فالنمل يتنادى بلغته إذا حصل على غنيمة من أجل أن تأخذ كل نملة منها نصيبها (أليس القرآن هو الذي ذكر بأن النملة نطقت: قالت نملة يا أيها النمل.....). تأمل يا قارئي الكريم نداء النمل لبعضها البعض من أجل اقتسام الرزق بعدالة نسميها نحن عدالة اجتماعية ولا نطبقها ويقول العالم الفرنسي بأن هذه هي روح المواطنة التي اهتدى إليها النمل ولم تحققها بعد مجتمعاتنا العربية. ويضيف (برنار وربار) بأن النمل ربما يعتبرنا نحن البشر عديمي الذكاء لأن الذكاء يتشكل من مكونات ثلاثة هي 1) الذاكرة 2) القدرة على التأقلم مع المحيط 3) الخيال. ويستنتج العالم صاحب كتاب (ثورة النمل) بأننا نحن البشر صنعنا ذاكرات إضافية مثل الكمبيوتر لكننا نعيد غالبا نفس الأخطاء ونرتكب نفس المعاصي (كالحروب مثلا...) كما أن قدرتنا على التأقلم مع المحيط تبقى محدودة لأننا عادة ما نريد إخضاع الطبيعة والبيئة لإرادتنا عوض الخضوع لهما. يقول العالم بأن النمل تحصن تدريجيا ضد المبيدات الحشرية التي يضعها الإنسان في الحقول وتمكن من البقاء بينما نحن أبادتنا الأسلحة في الحروب ولم ننج منها كما أن النمل لا يبني مدنه في جرف هار أو في مجرى نهر بينما نحن نسكن مناطق مهددة بالفيضانات والانجرافات ونهلك! وأغرب ما توصل إليه (برنار وربار) هو أن مدن النمل تنظم نفسها بانضباط عجيب متطور فلا شرطة ولا محاكم ولا قوانين إلا ذلك السر الإلهي المودع في مدن النمل. ثم لا ننسى أن الله تعالى قال في محكم آياته: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) فالنمل أمة مثلنا بل وأفضل منا ونحن لا ندري. وإني لهذه الأسباب أدعو أن يستلهم الربيع العربي من هذه المعاني الجليلة ما ينهض بالعرب وما ينير بصيرتهم ويفتح أبصارهم لعلنا نبلغ يوما نرى فيه المجتمعات العربية أقرب لمجتمعات النمل في سر تضامنها وأوج تنظيمها وعز تكافلها وأصيل ديمقراطيتها. فاعتبروا يا أولي الألباب.

763

| 18 يناير 2012

تعديل قانون العمل.. نظرات في شرط عدم المنافسة
تعديل قانون العمل.. نظرات في شرط عدم المنافسة

سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور...

4899

| 05 أغسطس 2026

لماذا يفضل بعض المدراء الطاعة على الكفاءة؟
لماذا يفضل بعض المدراء الطاعة على الكفاءة؟

لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها...

1497

| 09 أغسطس 2026

موسى والبيت الأبيض
موسى والبيت الأبيض

قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً...

1002

| 11 أغسطس 2026

شكل الأرض.. الحقيقة التي ما زالت تدهش العقول
شكل الأرض.. الحقيقة التي ما زالت تدهش العقول

منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم...

990

| 06 أغسطس 2026

سيأتي الربيع...
سيأتي الربيع...

في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من...

921

| 05 أغسطس 2026

كيف حالكم يا قوم؟ لنسأل اللغة: هل ما زلنا أقواماً؟
كيف حالكم يا قوم؟ لنسأل اللغة: هل ما زلنا أقواماً؟

لو أن أحدنا عاد بالزمن ألف عام إلى...

903

| 05 أغسطس 2026

الإنسان أكبر من المناصب
الإنسان أكبر من المناصب

خلق الله - عز وجل - آدم وجعله...

840

| 09 أغسطس 2026

اتفاقية مكة.. هل تشكل نظاماً أمنياً رادعاً؟
اتفاقية مكة.. هل تشكل نظاماً أمنياً رادعاً؟

نضجت "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بعد عام من...

738

| 08 أغسطس 2026

رحلة القطار
رحلة القطار

رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل...

663

| 04 أغسطس 2026

طموح القادة.. والأدوار الإقصائية في كأس العالم
طموح القادة.. والأدوار الإقصائية في كأس العالم

ليست كل البطولات تُحسم بالمهارة، وليست كل القيادات...

648

| 04 أغسطس 2026

لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟
لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟

منذ طفولتنا، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن الحب...

594

| 09 أغسطس 2026

المدير المتسلط
المدير المتسلط

في بيئة العمل المثالية يكون المدير هو القائد...

588

| 10 أغسطس 2026

أخبار محلية